رسالة في جواب الآقا مرتضي ايراندوست
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني مولانا الشهيد
المرحوم الحاج عبدالرضا خان الابراهيمي اعلي الله مقامه
الحمد لله الواحد الاحد و الفرد الصمد الذي لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد و صلي الله علي نور ذاته و اول صفاته و مبدء كمالاته رسوله الذي استخلصه في القدم علي ساير الامم و اقامه في ساير عوالمه مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لا تحويه خواطر الافكار و علي آله الائمة الاطهار آياته الكبري و امثاله العليا و اسمائه الحسني التي امر ان ندعوه بها و جعلهم آيات تعريفه و تعرفه و ابواب جوده و رحمته و خلفاءه في بريته صلوات الله عليهم اجمعين و علي شيعتهم الذين خلقهم من شعاع نورهم و جعلهم بيوت ظهورهم و اذن ان ترفع و يذكر فيها اسمه رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و لعنة الله علي اعدائهم و الساعين في اطفاء نورهم و الناصبين لشيعتهم ابد الآبدين و دهر الداهرين .
و بعد يقول المسكين المستكين عبدالرضا بن ابيالقاسم بن زينالعابدين ان جناب الاعز الاكرم المجاهد في طلب الحق و اليقين و الموعود بالهداية من رب العالمين الآغا مرتضي الشهير بايراندوست حفظه الله و رعاه و جعل اخراه خيرا من اولاه سئلني عن مسائل استنبطها من كلمات مشايخي اعلي الله مقامهم و طلب مني بيانها و تأييد ما فهم منها ظنا منه سلمه الله تعالي ان عندي من مكنون علمهم اثرا و عما عاينوه خبرا و لو علم ما اعلم من نفسي من الجهل و القصور لماسئلني و لكنه قد سئل و اني مع قصور باعي و قلة متاعي لااجدني اهلا [ص 3] للجواب و بيان الخطأ من الصواب الا اني لاعلم ان الله عند ظن عبده ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و لما ظن بي سلمه الله خيرا ارجو الله ان يلقي مطلوبه في روعي و يجري ما يرضي به علي قلمي و اعتذر اليه من تلخيص المقال لان لا كل ما يعلم يقال و اكتفي بالاشارة و تهذيب العبارة و اجعل اسؤلته كالمتن و جوابي لها كالشرح و هو سلمه الله تعالي و ان ذكر مسائله بالفارسية الا انه وسع علي و طلب مني ان اجيبه بالعربية فاجيبه بها و الخص كلماته لغايات عندي و لا قوة الا بالله .
قال سلمه الله تعالي بعد ذكر بعض كلمات مشايخي في الفطرة السليمة لمولاي جدي الكريم اعلي الله مقامه و ينابيع الحكمة لمولاي عمي الحاج محمد خان اعلي الله مقامه قال اذا كان مقامات النقباء الذين خلقوا من نور محمد و آلمحمد عليهم السلام كما ذكروا فما اوصاف آلمحمد عليهم السلام .
اقول من باب المقدمة قال الله تعالي سبحان الله عما يصفون ، و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته و كمال توحيده الاخلاص له و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه . فكل ما قيل او يقال من اوصافه سبحانه خلقه كما في حديث عمران الصابي قال عمران فباي شئ عرفناه قال بغيره قال فاي شئ غيره قال الرضا عليه السلام مشيته و اسمه و صفته و ما اشبه ذلك و كل ذلك محدث مخلوق مدبر الخبر ، فكل ما طرق سمعك من التوحيد و التنزيه و ساير الصفات باي لغة و باي [ص 4] تعبير كان هو مما اراه الله من آياته في خلقه و اثني بها علي نفسه ليعرفوه بها و العارف و المعرفة و المعروف كلها من الخلق و لايصل شئ منها الي الله رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك الطريق مسدود و الطلب مردود و لميطلب منا الوصول اليه و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و ما آتانا هو آياته الكبري و امثاله العليا و اسماءه الحسني و هي محمد و آلمحمد عليهم السلام الذين جعلهم الله محال معرفته كما نقرء في الزيارة السلام علي محال معرفة الله و نقرء فيها ان من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل فاذا كانوا هم عليهم السلام آيات تعريفه و تعرفه في الخلق ينبغي ان يكونوا علي صفته من القدس و النزاهة و الاحاطة و عدم المدركية و غيرها من الصفات و الا لميكونوا صفاته و آياته الاتري انه لايكون الاصفر آية الاحمر و القصير صفة الطويل فكذلك ليس المحدود آية المحيط و المدرك آية غير المدرك فاذا كانوا كذلك لايسع معرفتهم لمن دونهم كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في النبي صلي الله عليه و آله لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراك مقامه طامع و قال عليه السلام ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك و قال عليه السلام في حديث طارق بن شهاب المروي في الكتابالمبين في شأن الامام قال عليه السلام ظاهره امر لايملك و باطنه غيب لايدرك واحد دهره و خليفة الله في نهيه و امره لايوجد له مثيل و [ص 5] لايقوم له بديل فمن ذا ينال معرفتنا او يعرف درجتنا او يشهد كرامتنا او يدرك منزلتنا حارت الالباب و العقول و تاهت الافهام فيما اقول تصاغرت العظماء و تقاصرت العلماء و كلت الشعراء و خرست البلغاء و لكنت الخطباء و عجزت الفصحاء و تواضعت الارض و السماء عن وصف شأن الاولياء و هل يعرف او يوصف او يعلم او يفهم او يدرك او يملك من هو شعاع جلال الكبرياء و شرف الارض و السماء جل مقام آلمحمد عن وصف الواصفين و نعت الناعتين و ان يقاس بهم احد من العالمين الخبر ، و ذلك لان جميع الكاينات خلقوا من نورهم و لايسع النور ان يدرك المنير لانه دون عرصته و ليس له ذكر فيها الا بالنفي و لايعرف النور )٢( المنير )٣( الا بما عرف نفسه )٢( به )٣( فمنتهي خبر النور عن المنير هو نفس النور و لايتجاوز شئ مبدأه فالشيعة الذين خلقوا من شعاع نور الائمة عليهم السلام لايعرفونهم الا بما عرفوا انفسهم لهم بهم في عرصتهم اي عرصة الشيعة اي عالم النفوس و جعل الله السابقين منهم في هذه العرصة آيات تعريفهم و تعرفهم لاهلها و كلما قيل او يقال لهم من اوصافهم صلوات الله عليهم هو ما ظهر لهم في السابقين كما ان آية النار الغيبية في الظاهر هي الشعلة و ليس في الدار خبر عن النار الا هذه الشعلة الظاهرة و هي وجهها و نبأها و مظهر صفاتها و لاتعرف النار الا بما عرف نفسها لاهل الدار بالشعلة لا فرق بينها و بينها الا انها نورها و اثرها فتقها و رتقها بيدها و لمير احد النار الغيبية الا في الشعلة حتي يفرق بينها و بينها و الذي فرق رأي شيئا غير النار و [ص 6] سماه بالنار و فرق بينه و بين الشعلة كما ان الائمة عليهم السلام يكون مقامهم في الملك هكذا كما نقرء في الدعاء الرجبية المروية عن الحجة عليه السلام فجعلتهم معادن لكلماتك و اركانا لتوحيدك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك و هذا هو معني ما وبخ الله تعالي قوما فقال تعالي يريدون ان يفرقوا بين الله و رسله اذ ليس له آية سوي رسله و من فرق بين الله و رسله قد نحت في نفسه صنما و سماه بالله و فرق بينه و بين رسل الله بالجملة السابقون من الشيعة هم آيات ائمتهم عليهم السلام فينا لانعرفهم الا بهم و لا فرق بينهم و بينهم الا انهم عبادهم و انوارهم بدؤهم منهم و عودهم اليهم و كل وصف وصف لنا من ائمتنا او يوصف و كلما قيل او يقال لنا فيهم هو ما ظهر او يظهر لنا بهم من امر التوحيد الي ارش الخدش كما ان كل ما ظهر للجدار من النار هو ما ظهر في الشعلة بالشعلة و يصفها بما رأي في الشعلة و لو لمتكن الشعلة ارتفعت النار و لميكن الجدار يعلم ان النار حارة او نيرة و الي هذا اشار ابوعبدالله عليه السلام ● في حديث و لو لميكن في الارض مؤمنين كاملين اذا لرفعنا الله اليه و انكرتم الارض و انكرتم السماء الخبر ، فلاتعجب يا اخي مما وصف مشايخنا اعلي الله مقامهم النقباء بما كنت تزعم انها اوصاف الائمة عليهم السلام و كنت تفرق بينهم و بينهم و ليس لهم وصف فينا الا النقباء و هم الشعلات اللاتي تحكين لنا [ص 7] اوصاف نار ائمتنا الغيبية بل هم اوصافهم و ليس منهم عليهم السلام فينا اوصاف سواهم بل اقول ان وصف عدم موصوفيتهم ايضا فيهم كما قال ابوجعفر عليه السلام لمالك الجهني انتم شيعتنا الاتري انك تفرط في امرنا انه لايقدر علي صفة الله كذلك لايقدر علي صفتنا و كما لايقدر علي صفتنا كذلك لايقدر علي صفة المؤمن الخبر ، و سمع عليه السلام يقول ● في حديث و المؤمن لايوصف و قال ابوعبدالله عليه السلام لايقدر الخلايق علي كنه صفة الله عز و جل فكذلك لايقدر علي كنه صفة رسول الله (ص) و كما لايقدر علي كنه صفة الرسول فكذلك لايقدر علي كنه صفة الامام و كما لايقدر علي كنه صفة الامام كذلك لايقدر علي كنه صفة المؤمن انتهي ، فما اعطانا الله من المعرفة هي ما كتب الله في كتب نفوسنا بتلك الاقلام و نقرءها هناك كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام :
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
و اما ما هو فوق مداركنا و مشاعرنا بل فوق حقيقة ذواتنا فلميكلفنا الله بمعرفتها و ليس في وسعنا و لايكلف الله نفسا الا وسعها و كيف يكون في وسعنا معرفة من لو تجلي لنا يجعل جبال انياتنا دكا فنخر صعقا اما سمعت قول الصادق عليه السلام ان الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الاول و جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم ثم قال (ع) ان موسي علي نبينا و عليه السلام لما سئل ربه ما سئل امر واحدا من الكروبيين فتجلي للجبل و جعله دكا . فان قلت فما الذي عرفنا منهم صلوات الله عليهم في هياكلهم البشرية اقول هي الصفات التي [ص 8] ظهروا بها في عرش عالم النفوس اي عرصة الشيعة و لهم مقامات فوقها يمتنع وصول مداركنا اليها و لميصل الينا من فضائلهم الا الف غير معطوفة و معرفة تلك المقامات العالية مما تخصهم و ليس لاحد غيرهم فيها نصيب حتي ان النقباء ايضا لايعرفونهم حق معرفتهم و لايعرفونهم الا بما تجلوا لهم بهم و القوا في هويتهم من مثالهم و اظهروا منها صفاتهم و افعالهم .
و اما ما سألت عن الربوبية اذ لا مربوب و الكينونة فاعلم انهما تعبيران عن الذات الظاهرة و لايراد بهما الذات القديمة فانها معراة عن الاسم و الرسم و التعبير بالذات القديمة و امثالها تعبير عما في الضمير و الا الذات اسم من اسمائه و القديم صفة من صفاته و الاسماء و الصفات مخلوقات و هو سبحانه بريء من الحدوث و القدم علي ان القديم الذي ندرك و نقول هو ما رئي في الذات الظاهرة من القدمة و لايتجاوز معناه اياها بل لايبلغها و متي ادرك الخلق الذات البحت البات حتي يعبروا عنها بالصفات و يجروا فيها النفي و الاثبات و سبحان الله عما يصفون و سلام علي المرسلين .
قال سلمه الله تعالي ما المراد من قول اميرالمؤمنين عليه السلام في الخطبة الطتنجية انا طيرثا انا جانبوثا انا البارحلون انا عليوثوثا انا المشرق علي البحار في نواليم الزخار عند البيار حتي يخرج لي ما اعد لي فيه من الخيل و الرجل .
اقول اني لااعلم معاني هذه الكلمات و لعل بعضها اساميه عليه السلام [ص 9] المذكورة في كتب الانبياء علي نبينا و آله و عليهم السلام و الله العالم و اما قوله عليه السلام انا المشرق الخ ، فالنسخ مختلفة و في بعضها المشرف بدل المشرق و تواليم بدل نواليم و في بعضها قواليم اقاليم بدل نواليم و التيار بدل البيار و لماجد لبعضها معني في كتب اللغة و ما وجدت لماعرف وجه الارتباط و لعله من غلط النساخ او قصور فهمي و كلاهما محتملان و اما آخر العبارة فانه اشارة الي الرجعة بقرينة قوله عليه السلام في هذه الخطبة لاقتلن اهل الشام بكم قتلات و اي قتلات و لاقتلن اهل صفين بكل قتلة سبعين قتلة و لاردن الي كل مسلم حيوة جديدة الخطبة ، و بقرينة قوله عليه السلام بعد هذه العبارة المسئول عنها فآخذ ما احببت و اترك ما اردت ثم اسلم الي عمار بن ياسر اثنيعشرالف ادهم علي كل ادهم منها محب لله و لرسوله مع كل واحد اثنيعشر كتيبة لايعلم عددها الا الله .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما في بعض كلمات الائمة عليهم السلام انا ابن مكة و مني انا ابن مروة و صفا .
اقول هذه مما قال السجاد عليه السلام في مجلس يزيد لعنه الله حين اراد ان يعرف نفسه لاهل الشام و ابتدء بذكر هذه المطالب توطئة لما اراد ان يبين لهم انه من اهل بيت رسول الله صلي الله عليه و آله و ذلك لان اهل الشام علي ما قيل لهم كانوا يزعمون ان هؤلاء الاسراء خارجون عن الاسلام و حاربوا المسلمين و هم من الترك و الديلم مثلا فاراد عليه السلام ان يبين لهم انه ولد في الاسلام و نشأ في بلاد الاسلام [ص 10] بل في قلبها و قطبها و التعبير عن كون الرجل من اهل بلد بامثال هذه العبارات مجاز شايع و الذي رأيت من قوله عليه السلام انا ابن زمزم و صفا و لعله من اختلاف النسخ .
قال سلمه الله تعالي : ذكر المشايخ اعلي الله مقامهم في كتبهم ان ما يقال في ولي العصر عجل الله فرجه ان وجوده لطف و تصرفه لطف آخر صدر هذا القول ممن لميعرف امام زمانه كما ينبغي او قال ذلك من باب مداراة المستمعين بينوا بالدليل العلمي و العقلي وجه هذا القول و لو اردنا ان نصحح هذه العبارة كيف نصححه .
اقول يصح الفقرتان الاولتان من هذا القول في خلق الله الخلق من العدم اذ لايجب عليه شئ و لايسئل عما يفعل و هم يسئلون و ذلك لان الوجوب فرع التعين و التشخص و الذي لا تعين له لايجب عليه شئ دون شئ بل لايجب عليه شئ مطلقا الاتري في المخلوقين المتعينين انه يجب شئ عليهم فاذا تغيروا عما كانوا عليه من التعين يزول الوجوب سواء ذلك في الكون و الشرع و اما في الشرع فالامر واضح فالصغير ما دام صغيرا لايجب عليه شئ من التكاليف فاذا زال تعين الصغر عنه و صار كبيرا و تعين بتعين الكبر يجيء الوجوب و الجاهل ما دام جاهلا لايجب عليه ما جهله فاذا زال تعينه هذا و صار عالما يجيء الوجوب فالوجوب و اخواته من الاحكام كلها فروع التعينات و هكذا الامر في الكون النار ما دامت نارا يجب عليها الاحراق و يلزمها فاذا خمدت لايلزمها ذلك و المقناطيس ما دام [ص 11] مقناطيسا يجب عليه جذب الحديد و يجذب فاذا زال هذه الحالة عنه لايجب عليه الجذب و لايجذب و اذ ليس في ذات الله سبحانه تعين بوجه من الوجوه لايجب عليه شئ ابدا و لايحتم عليه شئ ابدا كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله لامسعد يا امسعد لاتحتمي علي الله و اخطأ من زعم ان ذات الله علة الخلق كيف و هو خالق العلة و المعلول و ورد في الدعاء كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة و في عللالشرايع عن الرضا عليه السلام الحمد لله فاطر الاشياء انشاءا و مبتدعها ابتداءا بقدرته و حكمته لا من شئ فيبطل الاختراع و لا لعلة فلايصح الابتداع و في دعاء للجواد عليه السلام انشأتنا لا لعلة اقتارا و اخترعتنا لا لحاجة اقتدارا الدعاء ، فبهذا النظر نقول لايجب عليه شئ و لميكن يجب عليه خلق الخلق بل لا معني لوجوب شئ عليه ابدا فخلق جميع الخلق من باب اللطف لا الوجوب و المراد من اللطف عدم الوجوب و التعبير به من باب ساير التنزيهات لا ان اللطف تعين له في ذاته سبحانه و من هذا الباب ما نقرء في الدعاء الهي كل نعمك ابتداء و كل احسانك تفضل و من هذا الباب يصح ان نقول الامام وجوده لطف كما يصح ان نقول وجود جميع الخلق لطف و نفس وجودهم لطفه سبحانه و اما بعد ما خلق الله الحكمة و تسمي بالحكيم و اراد ان يجري الحكمة في خلقه جاء الوجوب و الجواز فنقول يجب هذا في حكمته او لايجب و لما كان من حكمته ان يجري الاشياء باسبابها جعل العلة واجبا في خلق المعلول و السبب واجبا في ايجاد المسبب و المقتضيات بالفتح لازمة [ص 12] للمقتضيات بالكسر فاذا نظرنا في مجموع الخلق نقول ان وجود علة العلل واجب في خلق المعلولات و لولاها لما وجدت الخلق و اثبت مشايخنا اعلي الله مقامهم من الكتاب و السنة و دليل العقل المستنير بالنقل ان محمدا و آلمحمد عليهم السلام هم اول الخلق و علته و اذكر هنا بعضها ففي الكتاب المبين عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث و نحن علة الوجود و سمع عليه السلام يقول نحن السبب بينكم و بين الله عز و جل و في الندبة المعروفة فما شئ منا الا و انتم له السبب و اليه السبيل . فبهذا النظر نقول ان الامام وجوده واجب و لولاه لساخت ارض الامكان باهلها و تصرفه واجب لان كل فعل او انفعال و كل حركة و سكون خلق لله سبحانه و جعلهم سبب وجوده كما نقرء في زيارة الرضا عليه السلام بهم سكنت السواكن و تحركت المتحركات و لذا نقول ان الامام وجوده واجب و تصرفه واجب و الا لفنيت الموجودات لان جميعها خلقت من نور وجوده و لو عدم المنير يعدم النور هذا في الكون و المراد بهم هنا هم في مقامهم الاعلي الذي لميزل و لايزول بابقاء الله و ايجابه اياهم لانهم آية بقائه و وجوبه و كذلك في الشرع حيث اصطفاهم الله و اصطنعهم لنفسه و استعبد الخلق باطاعتهم و خلق المؤمنين من شعاع نورهم و اعطاهم توفيق العبادة بهم و جعل جميع عبادات الخلق من شعاع عبادتهم كما قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث بنا عرف الله و بنا عبد الله و لولانا ماعبد الله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا صلوة المؤمنين و صيامهم و قال [ص 13] ابوعبدالله عليه السلام نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر و من البر التوحيد و الصلوة و الصيام و كظم الغيظ و العفو عن المسيئ و رحمة الفقير و تعاهد الجار و الاقرار بالفضل لاهله الخبر ، فوجود الامام عليه السلام واجب لايجاد روح الايمان و بقائه في المؤمنين و تصرفه واجب لصدور العبادات و الخيرات من المؤمنين و هي فعلهم و تصرفهم و لولاهم ماعبد الله و ماعرف الله و ماوحد الله و الامام كالقلب و المؤمنون كالاعضاء و لو سكن القلب لماتت الاعضاء و سكنت و بقاء الايمان في المؤمنين دليل علي بقاء الامام عليه السلام كما ان وجود النور دليل علي وجود المنير و ضل من زعم ان النور يبقي بلا منير فصدور العبادات من المؤمنين دليل فعله و تصرفه فوجوده واجب و تصرفه واجب في الشرع كما ان وجوده و تصرفه واجب في الكون و لاتزعم ان ما ذكرت جار في المؤمنين و عباداتهم فحسب بل روح الكفر و معاصيه ايضا منهم و وجود الكفار ايضا من شعاع نورهم الكوني الذي هو فوق النور و الظلمة الشرعيين و المراد بنورهم الكوني هو اثرهم و لولا المؤثر لفني الاثر فبقاؤهم و بقاء روح كفرهم ايضاً بهم الا انهم غيّروا ذلك الاثر في بطون قوابلهم كما ان المرآة العوجاء تغير شبح الشاخص فيها علي حسب اعوجاجها و الزجاجة المصبوغة تغير نور الشمس الابيض بلونها و تلون ما يليها بصبغها و اصل الانارة من الشمس و لولاها لماكان يقدر الزجاجة المظلمة ان تلون شيئا بصبغها فوجود الكفار بفضل وجود الامام و معاصيهم بفضل مدده و لولاه لماكان لهم وجود و لا صبغ و لا تلوين قال الله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و هم عطاء الرب و ايادي امداده الا ان رؤساء الضلالة و اعداءهم صبغوا نورهم و [ص 14] اثرهم في شعلات قلوبهم المنكوسة بصبغ المعصية و صيروها نارا و بدلوا نعمة الله كفرا و بها جرت المعاصي علي اعضائهم و القوا اظلالهم في قلوب اوليائهم و اجروا افعالها الخبيثة علي جوارحهم و احلوهم دار البوار قال الله تعالي ان الشياطين ليوحون الي اوليائهم منكرا من القول و زورا و بذلك صاروا اصل كل شر كما قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث مر اوله و عدونا اصل كل شر و من فروعهم كل قبيح و فاحشة فمنهم الكذب و النميمة و البخل و القطيعة و اكل الربوا و اكل مال اليتيم بغير حقه و تعدي الحدود التي امر الله عز و جل و ركوب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن من الزنا و السرقة و كل ما وافق ذلك من القبيح و كذب من قال انه معنا و هو متعلق بفرع غيرنا انتهي ، فوجود الكفر و الايمان دليل وجود الامام و وجود الطاعة و المعصية دليل تصرفه فما قال القائل ان عدمه اي عدم تصرفه منا كلام باطل و غلط مجتث زائل و ما منا هو قبول تصرفه و عدم قبوله اي الطاعة و العصيان و الشكر و الكفران قال الله تعالي انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و الكفران هو عدم الاهتداء لا عدم الهداية و ما منا هو عصياننا و هو عدم قبول دعوة الامام لا عدم دعوته و من عصاه لايصير عصيانه سببا لعدم دعوته و تصرفه و هدايته قال الله تعالي فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين فالامام يدعو الي الله و يتصرف في الملك بالدعوة الي الله ما دام في الملك مؤمنون كاملون مطيعون له و لايخلو الارض منهم ففي الكتاب المبين عن ابيعبدالله عليه السلام ● في حديث [ص 15] طويل و لو لميكن في الارض مؤمنين كاملين اذا لرفعنا الله اليه و انكرتموا الارض و انكرتموا السماء بل و الذي نفسي بيده ان في الارض في اطرافها مؤمنين ما قدر الدنيا كلها عندهم يعدل جناح بعوضة الحديث ، فاذا كان الارض لاتخلو من المؤمنين المطيعين ما بال الامام لايتصرف و لايبين لهم الحلال و الحرام و لايعلمهم الكتاب و الحكمة مع انه مأمور من عند الله بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر قال الله تعالي و لتكن منكم امة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و اولئك هم المفلحون و قال تعالي كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر ، و ورد اخبار متعددة انه نزل ائمة بدل امة و علي هذا يخص هذا الامر بهم و هم المأمورون خاصة بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و علي القراءة المعروفة يشملهم عموم الآيتين لان الامام (ع) من الامة و لعصمته لايتخلف عن امر الله ابدا و في حديث ● الرضا عليه السلام الامام مضطلع بالامامة عالم بالسياسة مفروض الطاعة قائم بامر الله عز و جل و فيه ايضا ان الامامة هي منزلة الانبياء و ارث الاوصياء ان الامامة خلافة الله عز و جل و خلافة الرسول و مقام اميرالمؤمنين و ميراث الحسن و الحسين عليهم السلام ان الامامة زمام الدين و نظام المسلمين و صلاح الدنيا و عز المؤمنين ان الامامة اس الاسلام النامي و فرعه السامي بالامام تمام الصلوة و الزكوة و الصيام و الحج و الجهاد و توفير الفيء و الصدقات و امضاء الحدود و الاحكام و منع الثغور و الاطراف الامام يحل [ص 16] حلال الله و يحرم حرام الله و يقيم حدود الله و يذب عن دين الله و يدعو الي سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة و الحجة البالغة الخبر ، و في حديث طارق ● في صفة الامام فهي اي الولاية مرتبة لاينالها الا من اختاره الله و قدمه و ولاه و حكمه فالولاية هي حفظ الثغور و تدبير الامور و تعديل الايام و الشهور الخبر ، و في حديث ابيعبدالله عليه السلام ● في صفة الامام كلما مضي منهم امام نصب لخلقه من عقبه اماما علما بينا و هاديا نيرا و اماما قيما عالما ائمة من الله يهدون بالحق و به يعدلون حجج الله و دعاته و رعاته علي خلقه يدين بهديهم العباد و تستهل بنورهم البلاد و ينمو ببركتهم التلاد الخبر ، و عن الكاظم عليه السلام في حديث طويل فيه ذكر آلمحمد عليهم السلام الي ان قال هؤلاء الناطقون المبلغون عنه المتصرفون في امره و نهيه فيهم تظهر قدرة الله و منهم تري آياته و معجزاته الخبر ، فاذا كان من شأن الامام القيام بامر الله و اقامة حدود الله و الذب عن دين الله و الدعوة الي سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة و الحجة البالغة و حفظ الثغور و تدبير الامور و الهداية بالحق و التصرف في امره و نهيه ما لهم يجوزون له التخلف عما امره الله به بمعصية عاص او تخلف متخلف ذلك ظن الذين لايوقنون هل يقولون ان الله يعزله عن الامر بسبب معصية العصاة و يأمره بعدم التصرف فليأتوا ببرهانهم ان كانوا صادقين ام يقولون ان الله امره و لكن العصاة اعجزوه و منعوه و غلبوا عليه مع انه مبدء الوجود و غايته و قدرة الرب و مشيته و عنده الاسم الاعظم [ص 17] و قد ملكه الله ملكوت السموات و الارض ما لهم كيف يحكمون ان هو الا تقصير في حقهم انظر الي ما قال ابوعبدالله عليه السلام ● لمفضل يا مفضل فمن اين قلت برجعتنا و مقصرة شيعتنا تقول معني الرجعة ان يرد الله الينا ملك الدنيا و ان يجعله للمهدي ويحهم متي سلبنا الملك حتي يرد الينا قال المفضل لا والله و ماسلبتموه و لاتسلبونه لانه ملك النبوة و الرسالة و الوصية و الامامة الخبر ، فظهر و الحمد لله انهم متصرفون في العالم قائمون فيه بامر الله و لميسلب عنهم الملك و لايسلب و ان قلت فما لهم ليس لهم السلطنة الظاهرة في هذه الايام اقول ذلك ايضا من تصرفهم حيث ارادوا التمحيص و التمييز و تزيل الكافرين من المؤمنين و امتحان الخلق ليهلك من هلك عن بينة و ليحيي من حي عن بينة و غيبة الامام عجل الله فرجه غضب علي اعدائه و رحمة للمؤمنين حيث اراد مداراتهم و رعاية ضعف ايمانهم بان لايأخذهم بالحدود التامة كما يفعل بالصغار المميزين حتي يتقوي بنيتهم و يستعدوا لظهور العقل فيهم و قد اجري الله هذه الحكمة في جميع ملكه و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت الاتري انه يحجب الله الشمس بالسحاب غالبا في فصل الربيع لئلايذبل اوراق النباتات اللطيفة النحيفة حتي تتقوي و تتحمل حر الشمس شيئا بعد شئ و كلما يتقوي بنيتها يقل السحاب و يرق و يصل حر الشمس اليها اكثر الي ان تبلغ مبلغا تتحمل حر الصيف بلا حجاب و كل ذلك من حكمة الحكيم و كذلك الامر في ايام الغيبة جعل الله بين شمس الامام و المأمومين [ص 18] الضعفاء سحب العلماء و يربيهم بها من ورائها لئلايحرموا من نوره و حرارة تربيته و لايذبلوا من سورتها قال الله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين ، و ورد في تفسيره عن ابيجعفر عليه السلام نحن القري التي بارك الله فيها و قال عليه السلام القري الظاهرة الرسل و النقلة عنا الي شيعتنا و فقهاء شيعتنا الي شيعتنا و عن جابر الانصاري انه سأل النبي صلي الله عليه و آله هل ينتفع الشيعة بالقائم في غيبته فقال صلي الله عليه و آله اي و الذي بعثني بالنبوة انهم لينتفعون به و يستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و ان جللها السحاب انتهي ، فكما ان الشمس متصرفة في الناس بالانارة و ان جللها السحاب و ينتفعون بها و لو امسكت عن التصرف و الانارة طرفة عين لساخت الانوار و بقي الناس في الظلمة فكذلك الامام عليه السلام لو امسك عن التصرف لساخت ارض النفوس بانواره اي النفوس القدسية القاطنين فيها و بقي الناس حياري سكاري لا مؤمنين و لا نصاري و لكن الامر بخلاف ذلك و الحكيم الذي اراد هداية الناس لميأذن الامام الذي هو علم الهداية بالاهمال و الامساك عن التصرف بل امره بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و هو معصوم قادر بقدرة الله علي اجراء ما امره الله به و اراده منه و لميهمل الناس كما ورد في التوقيع الرفيع انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء انتهي ، و من هنا اصاب الاصوليون الخطاء [ص 19] حيث ظنوا انسداد باب العلم و وجوب العمل بالظن و جميع ادلتهم مبني علي اهمال الامام و قصوره و تقصيره في ابلاغ حكم الله حيث زعموا ان الامام الحي لميطلع علي كذب الكاذبين و دس الداسين و تحريف المحرفين و سهو الساهين في نقل الاخبار او اطلع و لميقدر علي احقاق الحق و ابطال الباطل او اطلع و قدر و لكن عصي الله نعوذ بالله و تواني في ابلاغ امره و ابقانا في الظن و الشك و الجأنا الي العمل بالظن مع ان الله اخبر في كتابه ان الظن لايغني من الحق شيئا و نهانا عنه في سبعين آية من كتابه و نهي النبي و آله صلوات الله عليهم عن العمل به في الف و مأتي حديث علي ما عدها بعض الاصحاب و كل ما قالوا متفرع علي تقصيرهم في معرفة امامهم و كتب مشايخنا اعلي الله مقامه في اصول الفقه مشحونة ببيان هذا المطلب لاسيما كتاب علم اليقين لمولانا الكريم اعلي الله مقامه و ملخص الكلام ان الامام عليه السلام وجوده واجب في الحكمة و تصرفه واجب و هو متصرف في الملك كونا و شرعا و هو قائم بامر الله و لميسلب الملك عنه و هو هاد للخلق و جميع الملك اياديه المبسوطة ينفق كيف يشاء و يهديهم الي سبيل الله و الناس بين شاكر و كفور و من اياديه العلماء الذين نصبهم بين اظهرنا و امرنا بالرجوع اليهم و لميبق لنا عذرا في التشكيك في رواياتهم و قد عرفنا انه فاوضهم سره و حمّلهم (ظ) اياه الينا و لو كان لنا اعين بصيرة لكنا نري انه المتكلم من السنتهم و المتصرف بايديهم و المبين لحلال الله و حرامه من افواههم كما قال ● موسي بن جعفر [ص 20] عليهما السلام بنا نطق العلماء و لولا ذلك لخرسوا و قال علي بن موسي الرضا ● عليهما السلام في حديث و ان لنا مع كل ولي لنا اعينا ناظرة و السنا ناطقة و قلوبا واعية الخبر ، و لكنا نري ان كل خير يكون في الملك منه و اليه و من تصرفه سواء في ذلك هداية الهادين و اهتداء المهتدين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .