تنبيه - به يرتفع اشكال و هو ما يقال ان آلة الادراك ما لمتتكيف بكيفية المُدرَك لاتدرك و شرط التكيف التام خلوها عن مثلها و عن ضدها فان العين ان كانت متلونة بلون غليظ لاتدرك الالوان و الاذن ان كان لها دوي او صرير لاتكاد تسمع و يرد الاشكال في باب اللمس انه لايخلو البدن من كيفية ملموسة لانها مع كل جسم غالبا و قد ذهب بعضهم في المسألة مذاهب بعيدة و لكني اقول فيها [ص 624] و في مثلها يكفي العيان عن كل دليل و بيان و ظهر الحق فيه ايضا مما ذكرنا و لكن من باب توضيح المسألة نؤكد ما قلنا ببيان جامع فاعلم اولا ان القاعدة المذكورة لاتقتضي ان لايكون للآلة حظّ من جنس المدرك مطلقا بل تقتضي خلوها عن نوع المدرك و عن ضده و المعتدل الفاتر الكيفية ايضا بمنزلة الخالي عن الانواع كالماء الفاتر فانه بمنزلة اللاحار و اللابارد فلذلك يقبل كلا من الطرفين بسرعة و كل ما يكون قريبا من الاعتدال كما لا كيف له ، هذا و نقول ان الجسم المماس للبدن في الكيفيات الملموسة و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و الملاسة و الخشونة و امثالها بالنسبة الي البدن مختلف فاِما يوافقه بحيث لايخالفه بوجه و اِما يخالفه فان وافقه فلايكاد يدركه البدن اللامس بلمسه ابدا اي لايجد نفسه درّاكة له نعم ربما يستدل عليه من ساير الوجوه بساير الحواس او بما يمكنه من سبيل اللمس ايضا و ذلك لأن الادراك لايحصل الا بالانفعال و التطبع فان تطبع بما يجده من نفسه دايما لايكاد يعرف انه ادركه و ان ادركه كما انك لاتدرك حواسك و مشاعرك بانفسها مع ان كلا منها درّاك دايما لنفسه و نفسك واجدة لنفسها و لكنك لاتجدها و كذلك اذا ورد عليها ما يشبهها من كل حيث تتمثل به و لكن لاتستشعر وجدانك له و ذلك مجرب فانه اذا لمست جسما يساوي بدنك في الحرارة و البرودة و الخشونة و الملاسة لاتعرف و لاتفهم انك لمست شيئا مع انك لامس مدرك و اذا شممت شيئا معطرا بحيث امتلأ انفك من رايحته لاتكاد تحسّ بعده رايحته ابدا الاتري ان من استعمل الطيب لايحسّ بنفسه رايحته و يستشم غيرك منك الرايحة و ان خالفه فاِما يكون اقوي منه في صفته او ضدّها او يكون اضعف فان كان اقوي منه فلايدركه لان الادراك بالتكمل و جسمك بسبب قوته في صفته يؤثر في غيره و لايتكمل منه فان الحارّ الكثير الحرارة لايدرك ما يكون اضعف منه في الحرارة و البرودة و البارد الكثير البرودة ايضا لايدرك ما كان اضعف منه في الحرارة و البرودة اما عدم دركه لما [ص 625] يكون اضعف منه في الحرارة فللمماثلة في النوع و في البرودة فلأنها في ضعفها لاتقاوم حرارة المدرك حتي يغيّرها عن صفتها و ان كان اضعف فيتكمل بما يرد عليه البتة فالبدن المعتدل في الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و الملاسة و الخشونة و امثالها يدرك ما يرد عليه منها و من اضدادها من طريق اللمس و يحكم فيها و المعتدل بالنسبة اليها يكون خاليا عنها فان خرج عن الاعتدال يقال انه تكيّف و تقيّد بما عاقه عن الادراك مع انه في كل حال من الاحوال متكيف بالكيفيات الملموسة .
عقدة و حلّ - ان قال قايل ان معرفة كون البهايم مدركة للمحسوسة و شاعرة بها ليست الا بما نجده من الآثار مثل فرارها عما ينافرها و طلبها لما يلايمها حتي الحيوانات الناقصة كالاسفنجات و الاصداف فانها تتحرك حركات انقباض و انبساط بالارادة و لو لمنشاهد منها هذه الحركة لمنعرف ان لها قوة اللمس فاذا كان الامر كذلك و قد وجدنا مثل ذلك من النباتات بل العناصر ايضا فان التراب مايل الي السفل و النار صاعدة الي العلو من طريق فان صادفها شئ منعها عن الصعود تميل الي جهة اخري كما تري في الدخان و البخار الصاعدين و كذلك النبات ينمو و يميل فروعه الي العلو و اصوله الي السفل فان عارضه في صوب حركته مانع يميل الي جهة اخري بل نري منها آثار الوهم و الخيال فضلا من اللامسة فان النبات قبل ان يصل الي مضلة او عرش او شجر مانع له عن الصعود يميل يمنة و يسرة ليصعد من غير مانع و ليس ذلك بصرف جذب الشمس اذ لو كان به فقط لكان يميل الي جهتها و كذلك الاصول النازلة ان اعترضها حجر تتفرق يمنة و يسرة و تنزل من حيث لا مانع و كذلك انها تميل الي جهة الماء الاتري ان الشجر النابت في حافة النهر يمتد اكثر شعب اجذاله الي جهة النهر ليسهل له جذب الماء و مع هذه الآثار المشهودة لمَ لايحكم بان النباتات و الجمادات ايضا لها قوة اللمس بل ساير المشاعر و كذلك البرهان العقلي القايم لاثبات اللامسة [ص 626] للحيوان حاكم به للنبات فان الادلة العقلية لاتخصص فانهم قالوا في مقام الاستدلال ان بدن الحيوانات من مادة مصوّرة بصورة من باب اوايل الكيفيات و صلاحه باعتدالها و فساده بضدّها فلا بدّ له من قوة حافظة اياها تدركه لما يلايمها و ينافرها حتي يطلب بها الاول و يهرب عن الثاني و هذا الوجه جار في النبات ايضا بل في الجماد و العناصر اقول اجاب الآخوند رحمه الله عن هذه المعمي ان العناصر واقعة تحت التضاد غير باقية الوجود بل متجددة سايلة و شرط بقاء الحياة في شئ خلوّه عن الضدّ و الا فاصل الجسمية غير مانعة عن قبول صورة وحدانية تقبل الحيوة بشرط خلوها عن الضد كالافلاك فانها لخلوها عن التضاد و التفاسد قلّت الحيوة النطقية و اما النبات فلكون التضاد فيه غير شديد بل سورة المتضادات فيه مكسورة فليس ببعيد ان يكون لقوته شعور ضعيف بما لايلايمه كيف و عندنا ان الوجود مطلقا عين العلم و الشعور مطلقا و لهذا ذهب العارفون الالهيون الي ان الموجودات كلها عارفة بربّها ساجدة له و لكني اقول ان الملك برُمّته تنزل العقل كما بينّا سابقا و حقيقة العقل بنفسها عين الشعور و الادراك لانه مخلوق من المشية المخلوقة بالكينونة التي هي حق العلم و حقيقته و لميشبه من ظلمة الجهل شئ و كلما نزل عن درجته عرضه من ظلمة الجهل شئ و بقدره ضعف شعور و نقص علمه الي ان وصل التراب الذي هو في غاية البعد من رب الارباب فغلب عليه الظلمات و فقد الانوار و عدم الآثار و لميبق له من نور العقل الا بقدر استمساك وجوده و لو فقده لصار فانيا اذ هو منشأ الوجود الخلقي ان عرفت و تعقله الضعيف بحسب قابليته و تري انه فاقد لجميع شرايط الشعور فان ما يشترط في الشعور عين ما يشترط في الحياة و شروطها لاتخفي فان الحياة هي من الوحدة و كلما كان الشئ اوحد يكون حياته اقوي و الوحدة التامة لاتحصل الا بعد ما علا الشئ عن درجة الاعراض فاستعلي و وقف فوق الاضداد ثمّ دنا [ص 627] فتدلي و كلما قرب من الاعراض يغلب عليه التشتت و التفرق و الكثرة فيفقد الشعور و ذلك ان الشعور و الادراك هو حضور الشئ لشئ حضوره لنفسه و اذا كان الشئ في عرصة التضاد و الاختلاف لايكاد يتصور بصورة وجودية واحدة فلايكون بنفسه حاضرا لنفسه حتي يحضره شئ آخر فافهم ذلك فانه دقيق فعلي ذلك التراب و كذلك ساير العناصر لوقوعها في عرصة لاتستشعر ما يرد عليها حق الشعور و لكن لها شعور مبهم كلي مبهم تدرك علي الابهام ما يرد عليها و لكن ادراكها طبيعي لا غير و ذلك مثل ان كلا منها يميل الي حيّزه او ما يلايمه في الجملة و يفرّ عما ينافره و لكن ليس ذلك مثل شعور الحيوان و الانسان كأن يتصور الملايم و يميل اليه و يختاره بل شعوره صرف ما ذكرت فان صورة العناصر لاتقتضي غير ذلك و قول الآخوند في المقام انها متجددة سايلة بعيد عن الصواب فان تجددها و سيلانها لايمنع عن الشعور اذ لكل جزء بقاء بقدر الاستشعار لا محالة و وقوعها في عرصة التضاد ايضا لاينافي ذلك مطلقا فان الارواح ايضا واقعة في عرصة التضاد و الذي لا ضد له هو المشية الكلية و لكنه رحمه الله يريد من قوله ما يصدق علي مذهبه و لايصدق علي مذهبنا و اما المعادن فهي لاقبالها في الجملة الي المبدأ بقدر ان كسيت صورة وحدة مّا بقدر معلوم يكون شعورها اكثر من العناصر فانها تميل الي ما يلايمها و تفرّ عما ينافرها كفرار الزيبق من النار او ما يشبهها و معانقته مع بعض الاجساد اذا خليا عن الاعراض الجمادية و بعض الآثار المشهودة التي يعرفها الحكيم الفلسفي بحسب تجربته و كلها من الطبع ايضا لانها فاقدة لمحل الشعور و ان كان لها من الحواس لمس مّا ايضا ليس عن شعور و تدبر و اما النباتات فهي ارفع من المعادن بدرجة و اوحد منها بمرتبة و لذلك يكون شعوراتها اقوي و ما يري من ميلها الي جهة الماء و اعراضها عن خلافها و انحرافها من جانب الي جانب لاجل الموانع من هذه الجهة و لكن شعورها طبيعي ليس عن عقل و روية و لذلك لاتشعر بالموافق و المنافر و لاتميز [ص 628] الضارّ من النافع فتجذب اليها كل جسم رقيق قابل للانجذاب و تدفع كل ما زاد عن حاجتها بل اقول ان نباتية الانسان ايضا هكذا الاتري انك ما لمتشرب الدواء المضر بالبدن تتمكن من الاحتماء عنه باختيارك و لكن اذا شربته يجذبه العروق الجاذبة من غير احتياط و ان كان سمّا نعم اذا غلب العقل علي الانسان بحيث قد صار فعّالا ربما يعالجه بقوته و ذلك لسلطنته علي جميع البدن و بالجملة فعل النبات ايضا يشبه فعل العناصر الا انه بقدر ارتفاعه عن درجتها صار شعوره في الجملة اكثر فان النار مثلا جذّابة و لكن لاتجذب الا ما اتصل بها و لكن النبات يمدّ اصله الي الماء لجذبه و الماء يدفع كل ما قرب منه فانه يرققه و يسيله و ان كان محتاجا اليه في قوامه و وجوده و لكن ماء النبات لايدفع جميع ما وصل اليه و ذلك لحفظ النفس ما تحتاج اليه بترابها و كل ذلك بالطبع و فعله يشبه فعل العقل و ليس به و اما الحيوان فقد ارتفع عن درجة العناصر و علت الي السماوات و شارك جوزهر القمر في الوحدة و اللطافة فحيي بحيوته و صار شاعرا حسبما ظهر في القمر من الشعور و العقل فصار نفسه اشبه شئ بالنفوس الملكوتية اذ هي من اسفل الملكوت لا فرق بينه و بين الانسان الا في اللطافة و الكثافة و انها شهادية و هو غيبي بل فرقه مع الانسان الكوني يسير فان الانسان الكوني هو حيوان ناطق و اما الانسان الشرعي فهو من عرصة الوحدة و مقام الوصل فهو من الغيب دون الشهادة و سيجيء بعد ذلك ان شاء الله صفته و بالجملة النفس الحيوانية بحسب وحدتها و لطافتها صارت شاعرة مريدة مدركة علي ما ذكرنا سابقا بخلاف ساير المواليد النازلة عن درجتها و لكنها مع ذلك فاقدة للعقل و النفس القدسية فانهما لايخرجان من قوة شئ الا ما صار جامعا للشأون الدنيوية و الاخروية و الغيبية و الشهادية و العنصرية و الفلكية و غير الانسان من ساير الحيوانات لايبلغ هذه الدرجة ابدا و لكن يثبت له بعض القوي و الحواس علي ما ذكرنا فاللامسة علي نحو الحقيقة من قوي الحيوان لا غير و ما يثبت للنبات [ص 629] شئ شبيه باللامسة و هو ظلها لا غير فتدبر .
فصل - في الذائقة و قد ذكرتها بعد اللامسة قبل ساير الحواس لانها بعد اللامسة اغلظ من الباقي و لذلك لايدرك الحيوان الطعوم الا بعد ملامستها و لا بدّ من دخول ذي الطعم في فمه و نفوذه في آلة الذوق بنفسه او بعد انحلاله في الريق و نفوذه في العصب الذايق حتي يدرك الطعم و لايكاد يدرك طعم ما لميدخل فمه بخلاف الاصوات و الروايح و الاشباح فان ذويها تؤثر في الهواء الملاصق او الاجسام المتصلة بها فتبلغ الحواس بوسايط و هذا ادل دليل علي ان ساير الحواس الطف من الذوق و لذلك يكون اكثر الحيوانات واجدة له كما تجد اللمس و هذا و هي في تحفظ بنيتها تحتاج اليه كما تحتاج الي اللمس فانها ان لمتكن ذا قوة ذائقة لاتميز بين الموافق و المنافر و النافع و الضارّ فربما تأكل ما يهلكها و قد اعان الله طبايعها علي حفظها باللامسة و الذائقة و اول ما يطلع من قواها اللامسة ثمّ الذائقة فان الحيوان في بطن امه يدرك ما يلامسه و كذلك بعض الحيوانات الناقصة كالاصداف و ما يقرب منها لها لامسة مع انه لميثبت وجود الذوق لها و لكن الحيوان بعد ما ولد و احتاج الي التغذي بالفم يكون ذائقا كما يشهد بذلك الآثار و اما السمع و البصر و الشم فربما يفقدها بعض الحيوانات و مع ذلك تعيش مدة مديدة ، اذا عرفت ذلك فاعلم ان الذائقة قوة مخصوصة بالعصب المفروش في اللسان و لا بدّ لمعرفة حقيقتها و ما يتعلق من ذكر فوايد :
الاولي - في ما يتعلق بالتشريح ، فاعلم ان الله عز و جل جعل الاعصاب آلات للروح يدرك بها و يحرك البدن و يفعل بها ما يشاء و صوّر كلا منها بصورة خاصة مناسبة للعمل الذي اراد منه و ذلك تقدير العزيز الحكيم و قد انبتها من الدماغ لانه مستقرّ الروح و كرسيه و هي ازواج عديدة منها زوج و هو التاسع من الازواج نبت منه من قرب منبت الزوج الثامن و هو قاعدة الجوف الرابع من اجواف الدماغ و هذا الزوج يلازم الوداج و يخرج من ثقبته و هي واقعة قدّام [ص 630] خرزة القمحدوة جنب الزايدة الوداجية و بعد ما خرج منها يعظم و ينقسم الي ثلث شعب فيذهب شعبة منها الي الحلق و شعبة الي اصل اللسان يفرش فيه . . . و هي الذائقة للطعوم و قال بعض مشرحي الافرنج ان الظاهر ان ساير الاعصاب ايضا تعين علي الذوق و هذا كلام متين لعدم المانع من ذلك فان الفم مركب من اعصاب اخري ايضا و هي درّاكة و لا مانع منها ايضا فان المطعوم كما ينفذ في اللسان ينفذ في ساير اجزاء الفم ايضا مع انها نشاهد علانية انا نذوق بسطح اللسان و بالحلق في الجملة بل ببطن الشفتين اذ ليس ما ندركه فيها باللمس فقط اذ لو كان باللمس فقط لكان اللازم ان ندرك بالسبابة ايضا بعض الطعوم و لاندرك بها و لكنا ندرك بباطن الشفتين الحموضة و الحرافة و الملوحة الشديدة نعم ذائقة اللسان اكثر البتة و لما كان الريق ايضا من اعوان الانسان علي الذوق لا علينا ان نصف الآلات المرشحة فاعلم ان الله عز و جل بلطيف حكمته جعل في اللسان غددا هي بمنزلة قربات مملوة من الماء و هي ازواج ثلثة اثنان منها كبيران واقعان تحت اللسان ملئا الفضاء الواقع بين رأس الفك الاسفل و الزايدة الابرية و هما مشحونان بحبوب و بثور يترشح بسببها اللعاب من الشريان و تجذبه اليها و يدخل في المجري العظيم الموسوم بسالك اللعاب و هو واقع موربا من وسط الوجنة مايلا الي القدّام و يسيل منه في فضاء الفم بحذاء اول الطواحن و اثنان منها اصغر منهما واقعان تحت الفك الاسفل في فضاء العضلة ذي البطنين و نسجهما يشبه الغدد السابقة و مجريهما الي اصل اللسان في فضاء الفم و يسيل اللعاب منهما الي الفم و اثنان منها اصغر من الكل و هما واقعان تحت الغشاء المخاطي تحت اللسان و مجريهما ايضا قريب من الوسطين و يترشح اللعاب من الشريان في تلك الغدد و منها في الفم و فايدته ترطيب اللسان و حواليه للتكلم فانه ان كان جافا لايتمكن من تقطيع الحروف بل يصعب التنفس ايضا كما هو ظاهر لاهل التجربة و يعين ايضا علي مضغ الغذاء و تخميره و بلعه [ص 631] و يعين علي تحليل الغذاء في المعدة كما هو مجرب و ليس هنا محل بسط القول فيه و مما يعين عليه الذوق فان الغذاء ينحل فيه فيسيل و يجري في منافذ اللسان فيذوقه و لو لميكن الفم رطبا و اللعاب سايلا ماادرك الطعوم .
الثانية - اختلفوا في ان المطعوم ينحل في اللعاب و ينفذ اللعاب في اللسان او يتكيف اللعاب بكيفيته من غير ان ينحل و تحيّر فيه بعض و لميبتّوا علي امر و انا اقول ان الامرين ثابتان كليهما فانه لا شكّ ان الانسان يدرك الطعوم و بعض الاجسام و الاغذية تنحل في لعاب الفم و بعضها كالياقوت و الفيروزج و الماس لاتنحل و الانسان يدرك منها طعما مّا و ليس ذلك الا بتكميلها لللعاب و تكيفه به ، قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه اما الذوق فهو بعد اللمس في الظهور و القرب من الاجسام و اعم الاربعة بعد اللمس لكنه لما كان مدركه الطف من مدرك اللمس لانه اما اجزاء لطيفة فتنفذ في مسام اللسان او كيفية يتكيف بها ريق الذائق فيدركها اللسان و لما كان مقتضي الحكمة ان يكون بين المَدْرَك و ما يدركه مناسبة و مشابهة و جسد الحيوان ليس كله لطيفا مشابها لاتدركه القوة الذائقة لميحسن ان تسري الذائقة في جميع الجسد بخلاف اللامسة و مع هذا فلا بدّ من القوة اللامسة في ادراك الذائقة ، الي آخر كلامه علا في عليين مقامه و العطف باو في المقام لايقتضي الترديد منه فان شانه اجل من ذلك بل مراده التقسيم ان بعض الاشياء تنحل و بعضها لاتنحل .
الثالثة - اعلم ان الذائقة في الواقع نوع من اللامسة الا انها تخص بلمس الطعوم فان معني اللمس المباشرة و لا شكّ ان الذوق بمباشرة المطعوم سواء كان بنفوذه بنفسه في اللسان او بدلالة الريق فانه ما لمينفذ في اللسان و لميلامسه العصب لايدرك الاتري انه اذا سدّ منافذ اللسان بمرض او عرض او بعلاج كان يمضغ ورق العناب مثلا لايكاد يدرك الطعم مطلقا و لو كانت الذائقة بغير اللامسة لكان يدرك و ان قلت ما تقول في ما اذا لمينحل المطعوم بنفسه بل اثر في الريق [ص 632] بكيفيته اقول المذوق حينئذ هو الريق فانه جسم ذو طعم اكتسبه من الملاقي و نفذ في اعماق اللسان .
الرابعة - لا بدّ و ان يكون الفم و الريق خاليان من الطعم مطلقا او يكون فيهما او في احدهما طعم ضعيف لئلايتغير طعم المطعوم كما هو مجرب فان الممرورين لايميزون الطعوم بل ينقلب طعم كل شئ في فمهم الي المرارة و المملوحين ينقلب طعم كل شئ في فمهم الي الملوحة و ذلك مجرب و ربما يغلب طعم الفم علي الوارد بحيث لايتأثر منه او يتأثر و لايحسّ به كمن كان فمه حلوا و ذاق شيئا ذا حلاوة ضعيفة .
الخامسة - من المسايل الصعبة معرفة الصورة الذوقية انها ما هي و المذوق ما هو هل هو الكيفية الطعمية التي تقوم بالجسم او التي تقوم باللعاب او التي تقوم باللسان و المراد من الذوق اطلاع النفس علي تلك الكيفية او شئ آخر ، قال الآخوند رحمه الله ان الصورة الذوقية التي تقوم بقوة الذوق و نسبة تلك القوة الي صورة الذوق كنسبة المادة الي الصورة و كنسبة العقل بالقوة الي العقل بالفعل و هكذا الحال في ساير الحواس من ان المحسوس بالحقيقة هو الصورة الجزئية الحاصلة للنفس بواسطة القوة الحاسّة حتي الابصار اقول علي قوله غفر الله له يلزم تكيّف النفس بالمحسوسات و قد بينّا سابقا ان الصور الجزئية لاتلحق النفس ابدا بل في كلامه اشعار قريب بان الذوق هو نفس المذوق كما يظهر من كلامه و هو يبتني علي القول باتحاد العاقل و المعقول و سيجيء التحقيق فيه و الحق الخالي عن كل مين قول شيخنا اعلي الله مقامه قال الصورة الذوقية هي الملايمة للقوة الذائقة او المنافرة لها و نسبة هذه الصورة الي القوة كنسبة الصورة الي المادة و كنسبة الانثي الي الذكر اقول يعني ان الكيفية التي تكون ملايمة او منافرة و تحصل للمدرك اي العصب هي الذوق و قوة العصب او النفس مادته و القوة تتكيف بهذه الكيفية فيصير الحيوان ذائقا و هذه الكيفية و ان كانت نفس الكيفية [ص 633] الثابتة للمذوق و لكنها ثبتت للعصب بالتكمل فصار ذائقا ، اذا عرفت هذه الفوائد فاعلم ان الطعم كيفية ثابتة للاجسام بحسب امزجتها مثل ساير الكيفيات الملموسة و اذا دخل الجسم الفم و اختلط بلعابه او اثر فيه حتي تكمل به و نفذ اللعاب في اللسان يتكيف اللسان ايضا بالطعم و يتأثر منه العصب و هو جسم حيّ درّاك فيجد نفسه ذا طعم خاص و هذا هو الذوق و لكن الدرّاك في الواقع هو النفس في الحس المشترك و لكن الحس بنفسه درّاك مطلق و ليس فيه خصوصية درك شئ خاص و لكن بعد ما وصل العصب الخاص بالذوق يدرك الطعم و في هذا العصب يسمّي ذائقا كما يسمّي في العين باصرا و في السمع سامعا و اعلم ان العقل حاكم بان اللعاب وسيلة لايصال الطعم محض التسهيل لا انه لايمكن الذوق بغيره بل لو كان سبيل الي الملامسة المستقصاة من غير هذه الرطوبة لكان يكون ذوق و اعلم ان الطعوم تسعة حرافة و مرارة و ملوحة و هذه الثلثة من فعل الحرارة و حموضة و عفوصة و قبض و هذه الثلثة من فعل البرودة و دسومة و حلاوة و تفاهة و هذه الثلثة من الكيفية المتوسطة و المراد من التفاهة احد معنيين الاول عدم الطعم حقيقة و التفه بهذا المعني يسمّي مسحا و الثاني الّايحسّ بطعمه لشدة تلازم اجزائه فلاتنحل منه اجزاء تخالط اللسان و لاتتكيف الرطوبة اللعابية به بسرعة فلايحس منه بطعم الا اذا عولج تحليل اجزائه او تكويره في اللعابية فانه يحسّ به كالحديد و النحاس و هذا معدوم الطعم دون الاول كذا قيل و لكن الفاعل لاينحصر في الحرارة و البرودة فان لهما درجات مختلفة و لا بدّ من وجود قابل كما هو ثابت في الفلسفة و ما من القابل الرطوبة و اليبوسة و من تركيب فعل الفاعل و قبول القابل يحصل موازين مختلفة بكيوف متفاوتة و كل مركب بحسب اختلاف كمّه و كيفه يقتضي طعما خاصا فالطعوم لاتنحصر في التسعة المذكورة ، قال الشيخ الامجد (اع) ان مراتب الحرارة و البرودة في الشدّة و الضعف و في اللطافة و الكثافة و الشدة و الضعف غير محصورة فكيف تنحصر في التسعة [ص 634] و ايضا الخيار و الحنطة النية يحس منهما طعم بسيط ليس من التسعة فالاختلاف في اللطافة و الكثافة و الشدّة و الضعف ان اقتضي الاختلاف في النوع تتعدد الطعوم و ان لميقتض الاختلاف كان القبض و العفوصة واحدا اذ لا فرق بينهما الا في الشدّة و الضعف فان القابض يقبض ظاهر اللسان و العفص يقبض ظاهره و باطنه و ايضا الترياق مُرّ و هو بارد و العسل حلو و هو حار و كذلك السمن و الماء له طعم غير التسعة و هو بارد فلعل ذكرهم التسعة من باب الاغلبية و الا فالحصر لايصحّ بالاستقراء و لا بالعقل نعم يمكن ان نقول ذكرهم الفاعل الغالب اذ لايوجد طبيعة بسيطة او الفاعل باعتبارين كما نقول طعم الماء طعم الحياة و الفاعل الحرارة و الرطوبة او الرطوبة و البرودة فالاول فاعل الكون و الذات و الثاني فاعل البقاء و الصفة ، انتهي كلامه و ليس المقام محل بسط المسألة اذ هي مناسبة بالطبيعيات و اعلم ان اللامسة تشارك الذائقة في درك من وجهين وجه عام يعمّ كل ذوق و هو ما ذكرنا ان الذائقة تدرك بالمباشرة و وجه خاص يخصّ بعض الطعوم دون بعض قال ابوعلي انها مع ما يحدث ذوقا يحدث بعضها لمسا فيتركب من الكيفية الطعمية و من التأثير اللمسي شئ واحد لايتميز في الحس فيصير ذلك الواحد كطعم محض متميز فانه يشبه ان يكون طعم من الطعوم المتوسط بين الاطراف يصحبه طعم و تفريق و اسخان و يسمّي جملة حرافة و آخر يصحبه طعم و تفريق من غير اسخان و هو الحموضة و آخر يصحبه مع الطعم تجفيف و تكثيف و هو العفوصة ، اقول كلامه ليس ببعيد عن الصواب و ان قلت كيف لايميز الروح بين ما ادركه باللامسة و الذائقة كما يميز بين ما يميز بين ما يدركه بساير المشاعر اقول لقرب المدرك و ما يدركه فان الذائقة ايضا لامسة خاصة و الطعم ايضا من جنس الملموس و وجه تأثيره ايضا مشابه لتأثير الملموسات فان آثارها الجمع و التفريق و القبض و البسط و النتو و الانخفاض و الحرقة و البرودة و غيرها و هي جميعها مما يدرك بطريق اللمس ثمّ اعلم ان النفس اذا ادركت الطعوم تتأثر منها بالملايمة و المنافرة [ص 635] و التذاذها بحسب المزاج فان الناس يختلفون في طبايعهم و يلتذون بما يلايمهم و يتنفرون مما ينافرهم فان الاشياء تتقوي باشباهها و تتضعف باضدادها و ما يقال ان الحلاوة سبب الالتذاذ و التنعم يخصّ الامزجة المعتدلة لانها طعم الدم المعتدل فانه حلو في طعمه عطر في رايحته و لذلك يتقوي الروح بالحلويات و العطريات و ورد من طريق الشرع ان المؤمنين حلويون و امروا بتطييب البدن و الثياب سيّما في العبادات ليقبل النفس الي العبادة و تتقوي به و لكن جميع ذلك منوط باعتدال المزاج و اما المنحرفون فربما لايلتذون برايحة الاطياب و طعم الحلويات بل ربما يكون التذاذهم من الحوامض و المملحات .
فصل - في الشامّة و هي قوة يدرك بها الروايح و هي ايضا من العصب و قد هيّأ الله لها الانف و هو عضو مركب مخلوق للحيوان لفوايد جمّة منها استشمام الروايح و نشير اولا في الجملة الي فوايد :
الاولي - في ما يتعلق بالتشريح ، فاعلم ان الزوج الاول من الاعصاب النابتة من الدماغ و هو الين من ساير الاعصاب الدماغية و منبته من مقدم الدماغ مع اصول ثلثة و قد اتي في قاعدة الدماغ مع زوجه الي القُدّام الي عظم المصفات و قد عظم و سمّي ببصل الشامة و نبت منه شعب دقاق نفذت من عظم المصفات و فرش تحت الغشاء المخاطي المُعَدّ في الانف و يدرك الروايح هنا و ينشعب من الزوج الخامس المسمّي بذي ثلثة شعب ايضا فروع من قبل العظم الوتدي منها فرع يسمّي بعصب الانف يعبر من سطح داخل حفرة العين و يدخل من الثقبة الواقعة بين عظم الجبهة و المصفاة في الانف و منه حس الانف و قد تشكل الانف من عظمين ينتهيان من الجهة السفلي الي الغضروف و في وسط جوفه عظم يسمّي بقصبة الانف و هو ايضا ينتهي الي الغضروف و في مبدأ الانف من القدّام ثقبتان تسمّيان بالمنخرين و قد توسعت تجويف الانف بواسطة عظام الفك الاعلي و الجبهة و المصفاة الوتدية و قد فرش جوفه بغشاء مخاطي و العصب المخصوص بالشامة [ص 636] مفروش تحته .
( الثانية ) - في عمل الشامّة ، عن حكماء الافرنج انها بتصاعد الغبار و الاجزاء الصغار المتحلل من المشموم المختلط بالهواء و تدخل المنخرين بواسطة التنفس و تتصل بالغشاء و تنحل في الرطوبة السايلة من الغشاء و تنفذ فيه الي العصب و يصل منه الي الدماغ فيستشم الدماغ و يستشهدون علي قولهم بانه اذا اعتل الغشاء بزكام و نحوه او ضعف فعرضه يبس ينقص الشامة و لايميز بين الروايح الطيبة و الكريهة و اما القدماء فلهم اقوال حكاها ابوعلي بن سينا فعن بعض انه يتحلل من جسم ذي الرايحة شئ و يتبخر و يخالط المتوسط كالهواء و الماء حتي يدخل الفم و عن بعض انه باستحالة من المتوسط من غير ان يخالطه شئ من جرم ذي الرايحة و منهم من قال انه بالتأدي من غير مخالطة شئ آخر من جرمه و من غير استحالة من المتوسط قال معني هذا ان الجسم ذا الرايحة يفعل في الجسم العادم للرايحة و بينهما جسم عديم الرايحة لايؤثر فيه ابدا بل المتوسط ممكن لايصال الرايحة كما انه ممكن لايصال الاصوات استدل القايلون بتحلل شئ من ذي الرايحة الي بخار او دخان انه لو لميكن انتشار الروايح بالتحلل ماكان للدلك المهيج للحرارة و التبخير اثرا في الرايحة و نري انهما و ما يجري مجراهما مؤثران في الرايحة و نري ان البرد سبب تضعيف الرايحة حتي انها ربما تنعدم لشدة البرد و تحتبس و من ذلك عرفنا ان الرايحة تنشر من بخار متصاعد من الشئ ينتشر في الهواء حتي يتصل فم الشامّ و كذلك نري انك اذا استقصيت في استشمام التفاحة ذبلت لكثرة ما يتحلل منها و القابلون بالاستحالة قالوا انه لو كان انتشار الرايحة في المحافل بالتحلل لكان اللازم نقصان ذي الرايحة شيئا فشيئا وزنا و حجما مع تحلل ما يتحلل منه و قال اصحاب التأدية خصوصا انه لايمكننا ان نقول ان البخار يتحلل من ذي الرايحة فيسافر مائة فرسخ فما فوقه و لا ايضا يمكننا ان نحكم ان ذا الرايحة اشدّ احالة للاجسام من النار في تسخينها و النار [ص 637] القوية انما يسخّن ما حولها الي حدّ و اذا بلغ ذلك غلوة فهو امر عظيم و قد نجد من وصول الروايح الي بلاد بعيدة ما يزيل الشك في ان وصولها لميكن بسبب بخار انتشر او استحالة فشت فقد علم ان بلاد اليونانيين و المغاربة لايري فيها رخمة البتة و لايأوي اليها و بينها و بين بلاد المرخمة مسافة كثيرة يقارب ما ذكرناه و قد اتفق في بعض السنين ان وقعت ملحمة بتلك البلاد فسافرت الرخمة الي الجيف و لا دليل لها الا الرايحة فتكون الرايحة من مسافة بعدها بعد لايجوز معه ان يقال ان الابخرة او الاستحالات من الهواء وصلت اليه و اختار ابوعلي بنفسه يجوز القول بان يكون المشموم هو البخار و كذا يجوز القول بانه الهواء المستحيل عن ذي الرايحة او الجسم المتوسط ايا كان و المراد وصول ذي الرايحة الي الانف كيفما اتفق حتي انه لو امكن وصوله بنفسه اليه لاحس رايحته و استدل علي ان للاستحالة مدخلا في الرايحة بآية محسوسة انا نبخر مقدارا من الكافور تبخيرا يأتي علي كل جوهره فينتشر منه رايحة انتشارا الي حدّ معلوم و اذا نقلناه و وضعناه في اماكن عديدة اضعاف هذا الحدّ المعلوم ينتشر رايحته في اضعافه مع انه لميتحلل منه بقدر البخار الاول و لو كان الرايحة بالبخار المتصاعد منه لكان الواجب ان لايتفاوت الحدّان كثيرا و هذا تقريب محض الاسكات و الا فيمكن ان يجاب عنه بان المتصاعد بالتبخير يتصاعد عن الهواء النازل الي اعالي الهواء فيمتلي الفضاء من الطول و المتصاعد بالطبع لايرتفع في الهواء فيتعرض و لكن ذلك ايضا قول ظني مقابل ظنه ثمّ قال في حديث التأدية انه امر بعيد لان التأدية لاتكون الا بنسبةٍ مّا و نصبة للمؤدّي عنه الي المؤدّي اليه و اما الجسم ذو الرايحة فليس يحتاج الي شئ من ذلك فانك تري ان الكافور اذا نقل من مكان الي مكان بعيد بحيث لايتأدي اليك رايحته ربما يبقي ريحه في الهواء و الاطياب الغليظة ربما تبقي روايحها في الهواء مدة مديدة و ذلك لايكون الا بالاستحالة او المخالطة و اما حديث الرخم فيمكن ان يكون رياح قوية ينقل [ص 638] الروايح و الابخرة المتحللة عن الجيف الي المسافة المذكورة في اعلي الجو فيحسّ بها ما هو اقوي حسا من الناس كالرخم و غيرها و قد يتأدي اليها المبصرات ايضا من مسافات بعيدة و هي تعلو في الجو حتي يبلغ ابصارها في البعد مبلغا بعيدا جدا حتي يكون ارتفاعها اضعاف ارتفاع قلل الجبال الشاهقة ، اقول الذي يظهر من الادلة و التجارب ان انتشار الروايح يمكن بتحلل ذي الرايحة كالكافور و الارواح ذوي الروايح و بالاستحالة ايضا فانه لا شكّ ان الرايحة كمال من كمالات الجسم و يمكن استخراجه منه كساير الكمالات من الالوان و الهيئات و الاوضاع و ليس لذلك سبب اكمل من جسم ذي رايحة كما هو المعلوم في كل تكميل و الهواء ايضا جسم لطيف صالح للتكمل و كما يتكمل من الالوان و الاصوات يتكمل من الروايح ايضا و كذا الماء و كذا التراب حتي ان الحكماء قالوا ان الافلاك لها روايح طيبة و لايخلو من بعد و ما يقال في ابطال قولهم ان شرط الاستشمام وجود الهواء كلام ضعيف فان كون الهواء سببا متوسطا في عالم العناصر لايحكم بانعدام رايحة الافلاك و استشمامها ، هذا و قد عرفت فيما رويناه عن ابيعلي ان الجسم ذي الرايحة ان لامس الدماغ من غير واسطة يعرف رايحته و هذا كلام حسَن جميل و بالجملة فكل جسم لاقي الجسم الطيب الرايحة تتطيب رايحته به و كل جسم لاقي الجسم المنتن ينتن و الهواء و الماء للطافتهما يسرع انتقالهما و قبولهما عن كل كامل فاذا لقيا شيئا ذا رايحة يتكملان به و ان انتشر منه ايضا اجزاء في الهواء يتكمل الهواء بها ايضا و لكن لايتصور ان يمتلأ فضاء واضع بذرّات قليلة عن جسم قليل فانا نري ان حمصة من المسك الخالص يطيب رايحة دار واسع مع انه لاينقص منها مثقال ذرة و انت لو بخرت تلك الحمصة لاتملأ ذرات بخارها فضاء الدار البتة ، هذا و نري انه يفوح من مسك قليل رايحة طيبة مدي مديدة و لو كان يتحلل منه شئ لكان ينفد البتة ، هذا و نري عيانا ان اجساما صلبة لايعقل انحلالها و انتشار ذرات [ص 639] منها يستشم منها روايح كالنحاس و الفضة و امثالهما بل جرّبنا ان زجاجة كانت محشوة بالمسك و قد خليت منه و غسلت بمياه قطاعة حتي حصل القطع بخلوها عن ذرات المسك و كان يستشم منها رايحة المسك اعواما بل رأيت مقراضا فتح به فارة المسك كان يستشم منه رايحته بعد خمس سنين مع انه كان يستعمله صاحبه كل حين و لايعقل ذلك الا بتكمل الجسم من المسك مع ان احساس الرايحة منه و من الزجاجة بنفسه يشهد بعدم انتشار شئ منهما في الهواء لا بالتبخر و لا بالتدخن نعم اذا تدخن شئ او تبخر يستشم منه الرايحة بعد نفوذ البخار و الدخان في الهواء بلا كلام و اما التأدي فقول زور يحكم كل عقل ببطلانه فكيف يعقل ان يؤثر جسم في الانف من دون تأثيره في الوسايط فان ذلك نوع من الطفرة ثمّ اقول هل يطير الرايحة في الهواء من دون ان يتعلق به الي ان يصل الانف او لايطير فان قلت بالاول اقول كيف يتعقل قيام العرض بغير مادة فان الروايح من الاعراض و لا بدّ من حلولها في جوهر و ان قلت انها لاتطير بل هي مركوزة في جسمها اقول فلمَ تصل الي الانف فكيف يدركها هذا و بوجه آخر اقول ان درك الانف ليس بنحو من التكمل كما ان الرؤية بتكمل العين و الذائقة بتكمل اللسان و تكمله لانه جسم قابل و الهواء ايضا جسم قابل فان كان الجسم ذو الرايحة فاعلا لمَ لايؤثر في الهواء مع صلاحيته و يؤثر في الدماغ هذا قول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل فالحاصل ان الشئ ذا الرايحة يؤثر في الجسم الملاقي و هو يؤثر فيما يلاقيه الي ان يصل الانف و لايلزم تحلل الهواء في رطوبة الغشاء كما قال الافرنجيون بل الغشاء و الرطوبة كلاهما ينفعلان عن ذي الرايحة و اما عدم الاحساس احينا ( احيانا ظ ) فليس لفقد الرطوبة دايما بل ربما يفتقد الانسان الشامّة مع سيلان الرطوبات الزايدة و لكن ذلك لعلل تورث ضعف الدماغ او العصب فانه كلما يضعف الآلة يضعف ادراكه كما في العين او انسداد المنافذ او مرض العصب بوجه يقلّ احساسه كما في المتشنجين و امثال [ص 640] ذلك فتدبر .
( الثالثة ) - كلما تكمل جسم بكمال من الكمالات بحيث صار واجدا له حتي كأنه صار صاحب هذا الكمال لايفارقه من نفسه ابدا الا اذا عرضه عارض او اثر فيه مكمل آخر فيضعف كماله هذا مثال ذلك السراج فانه بعد ما استضاء بالنار و اشتعل لايخمد نوره من دون عارض و اما اذا تكمل بظاهره في الجملة من دون ان يخرج من كمونه فكماله هذا قايم بالمكمل الخارجي و تابع له يظهر بظهوره و يختفي بخفاه كالنور الظاهر علي الجدار مثلا فانه لميخرج من كمونه بل هو لون برّاني و كلما طفئ السراج يطفؤ و مثل انوار الشمس تطلع بطلوعها و تغرب بغروبها و كذلك الامر في الروايح بعد ما تكمل جسم من جسم ذي رايحة ان خرج الرايحة من قوته بحيث صار مالكها لايفتقدها ابدا و ان كانت عارضة تتغير بادني وقت ، هذا و الرايحة بنفسها كمال غليظ بطيء زواله و ليست مثل الاصوات و الانوار بل هي قريبة من الاوضاع و الاشكال فاذا تكمل بها جسم يبطئ زوالها عنها بسرعة الا اذا كان الجسم لطيفا في الغاية متلوّن المزاج و الطبع كالهواء و الماء و اما اذا كان الجسم غليظا لايزول رايحته سريعا و ان كانت برّانية ايضا كرايحة البلورة المكتسبة من المسك و امثالها و كما ان الجسم بنفسه لا مانع من تكمله لا مانع من سراية كماله في غيره الي غير النهاية الاتري ان النور ينفذ في الهواء و يسير الي غير النهاية فان نور الكواكب الثابتة تثقب الافلاك و العناصر حتي تصل الي الارض و كذلك الاصوات تري انها تسير في الهواء و الاجسام الي مسافة بعيدة كصوت الرعد و المدافع و امثالها و كذلك لا مانع من سراية الرايحة في الهواء فراسخ فان كل جزء من الهواء اذا تكمل يكمل جاره و كذلك كل جزء في ما يقرب منه الي ان يعرض عارض اقوي و يضعف الرايحة الي ان تزول هذا و الرياح تعين علي ايصال الروايح و قلّما يخلو الجو من نسيم و هي تحرك الهواء القريب من الجسم [ص 641] ذي الرايحة الي مسافات بعيدة كما تحرك الهواء الحار من الاماكن الحارة الي البلاد الباردة و تحرك الاصوات و توصلها الي اماكن بعيدة بسرعة حتي انك ربما تزعم ان الصائت في مكان قريب مع انه من مكان بعيد بل جرب كثيرا ان الروايح تتبع النسيم و لاتذهب الي الجهة المخالفة فاستغراب ان ينتشر الرايحة من رأس عشرين مرحلة في غير موقعه هذا و طريق سير الاشباح و الروايح غير سبيل السالكين فانها تسير علي الاستقامة في الجو فرب مرحلة جوّانية تسلك بمراحل في الارض و بالجملة هذه مسايل نادرة قليلة الجدوي ليس للعاقل صرف العمر في تحقيقها .
اذا عرفت هذه الفوايد اقول في تحقيق الشمّ ان افضل القول فيه قول شيخنا و عمادنا اعلي الله درجته و احكيه بعينه لكثرة منافعه ، قال : اما الشم فكما قلنا قبل انه الطف من الذوق و لهذا تقدم الذوق عليه في الحصول و تأخر الشمّ و لان مدركه و هو الهواء الطف من مدرك الذوق سواء قلنا ان الهواء يتكيف بكيفية ذي الرايحة و يؤدّي بها الي حلمتي الخيشوم او يحمل اجزاء لطيفة من ذي الرايحة قد انبثت فيه و يؤدي بها الي الحلمتين اي العصبتين اللتين في المنخرين عند الخيشوم في كل واحد واحدة شبيهة بحلمتي ثدي المرأة ينبسطان عند وصول الرايحة الطيبة و ينقبضان عند وصول الرايحة الخبيثة و بالانبساط و الانقباض يحصل الشمّ للقوة الشامة اذ هما آلة ادراكها للرايحة و الارجح عندي في الذوق و الشمّ ان المدرَك بفتح الراء الكيف لا الاجزاء ففي الذوق بتكيف الرطوبة اللعابية بطعم ذي الطعم و في الشمّ بتكيف الهواء برايحة ذي الرايحة و قول اصحاب الاجزاء لتوهم عدم انفكاك الطعم عن الاجزاء و الرايحة عن الاجزاء لعدم انتقال الاعراض ضعيف لان الماء و الهواء الطف من الاجزاء و اشدّ نفوذا و مماسة و اقرب الي الصورة الشمية و الصورة الذوقية من الاجزاء لان الماء مقوم للصورة الذوقية و الهواء مقوم للصورة الشمية و نسبة هذه الصورة الي القوة الشامة كنسبة الصورة الذوقية الي القوة الذايقة و قال في مبحث الذوق [ص 642] ان النسبة كنسبة الصورة الي المادة و الانثي الي الذكر قال و كون الاجزاء هي الحاملة للاعراض و الاعراض لاتنفك عنها لو سلم ذلك لايلزم من ذلك كونها ركنا للصورة بل حاملة لركن الصورة و حججهم و استدلالهم بمثل فناء الكافور و تفرق اجزائه و نقصه بخروج رايحته و ذبول التفاح بشمه و ما اشبه ذلك مدخولة ، انتهي كلامه و لميتعرض لرد حججهم لظهور بطلانها و انا قد اشرت الي وجه بطلان بعضها سوي ما استدلوا به من ذبول التفاحة فاقول هل يريدون ان بالاستشمام يتفرق اجزاء منها او ينتشر اجزاء و يستشمها الانسان فان كان مرادهم الاول فيلزم من ذلك عدم تفرق الاجزاء لولا مستشم فيكون علي ذلك سبب التفرق تنفس الحيوان للاستشمام و هذا قول باطل لايعتني به و ان كان مرادهم انه يتفرق الاجزاء و الانسان يدرك رايحتها فليس ذبول التفاحة لمحض الاستشمام بل ذبولها للاستعمال باليد او التسخن بحرارة النفس لا بسبب تفرق الاجزاء فافهم ثمّ اعلم ان الله تعالي اعان الحيوان و الانسان بالشامة علي افعال و صنايع و الارتزاق و قال بعض ان الانسان ابلغ الحيوانات في ادراك لطايف الروايح القريبة الا انه اضعفها في ادراك البعيدة منها و في ادراك تفاصيلها المتنوعة فان رسوم الروايح في نفس الانسان غير متحصلة تحصلا تفصيليا كما في المطعومات و الملموسات و لذلك لايكون للروايح عنده اسماء الا من جهتين احديٰهما من جهة الموافقة و المخالفة فيقال هذه رايحة طيبة و تلك رايحة كريهة و الاخري من جهة انتسابها الي المطعوم و الي الموضوع مطلقا فيقال رايحة حلاوة او حموضة و قيل يشبه ان يكون حال ادراك الانسان للروايح كحال ادراك الحيوانات الصلبة العين للمبصرات فان ادراكها لها يكاد ان يكون كالتخيل غير المحقق و اما ادراك كثير من هذه الحيوانات للروايح فقوي جدا بحيث لايحتاج الي التنشق ، اقول هذه ظنون بلا دليل و ما ادّي اليه الادلة ان بعض الحيوانات شامتها قوية كالحوت فان الامام الصادق عليه السلام قال للمفضل ما معناه ان الله سبحانه [ص 643] اعانه بالشامة علي رزقه لأن الماء يحجب رزقه عنه لانه لايري فيه الا مسافة قليلة و لكن بشامته يعرف محل رزقه و كذلك عرفنا بالتجارب قوة شامة الغربان و الزنابير و غيرها من الحيوانات و اما عدم استشمام الانسان للروايح لايحكم بعدم دقته و تمييزه لها بل ربما لايعرفها لعدم الالتفات او تراكم الروايح او غفلته عن الظواهر و بعض الحيوانات همّها في طلب الرزق و سبيل استرزاقها الشامة و لذلك تميز الروايح من اماكن بعيدة الاتري ان الحيوانات التي تلقط الحَب تكون متوجهة الي الارض و تري الحب الصغير و تلتقطه و الانسان كلما ينظر الي الارض ربما لايري شيئا ابدا و البهايم ترتع في ارض مقفرة لايري الانسان فيها العشب الا بدقة النظر و لكنها مشتغلة بالاكل دايما و تخرج جائعة و ترجع شبعة كل ذلك لأن الطالب للشئ يجده و الذي همه في شئ لايجد غيره و ربما يستشم الانسان روايح من اماكن بعيدة احيانا عند توجهه الي امر كمن ابتلي في الفلوات بالعطش يعرف رايحة الماء من رأس فراسخ و الصايم يجد رايحة الغذاء من اماكن بعيدة كل ذلك للتوجه و الطلب و بالجملة لذلك و امثاله لايجوز علي الانسان البتّ علي شئ من (كذا) و كذلك قولهم ان الانسان لايميز درجات الروايح و لذلك لميسمّها باسماء فان ذلك ايضا ظن آخر بل وهم فانه لا شكّ في ان الانسان يميز درجات الروايح الا ان الغالب في الالسنة تسمية درجاتها بالاضافة كما ان في الالوان ايضا يسمّي بعض الالوان المتوسطة بالتشبيه كالآسمانجوني و المائي مثلا بالجملة بهذه القراين لايمكن البتّ علي شئ .
( الاولي ) - في ما يتعلق بتشريحها ، اعلم ان الاذن آلة للسماع خلقها الله لجمع الاصوات و لكنها بنفسها لاتسمع و لكن السامعة هي الروح في العصب المفروشة في الاذن و هيأتها مخلوقة لجمع الاصوات و حبسها لتؤي ( لتؤدي ظ ) الي العصب فلو فسدت احيانا لايسمع الحيوان و ان كان عصبتها سالمة لفقد الآلة كما [ص 644] ان العصبة اذا فسدت تبطل السامعة لفساد السبب ، و اما هيأتها فاعلم انها مبنية علي ثلثة بطون : البطن الاول المقدم غضروف ذو انحناء فيه بعض حدب و تقعر اطرافه غضاريف اخذت حوله و اسفله شحمة الاذن و هو ينفصل عن البطن الثاني بواسطة حجاب الصماخ و فائدة هذا البطن جمع الاصوات و قبولها و يظهر ذلك فيما اذا لميكن لاحد هذا الغضروف اذ كان ثقل في سامعته لا بد له من وضع الاصبع تحت الاذن لقبول الصوت و فيه ثقب علي تأريب شبيه بالكوكب ● احتيج اليه ليكون طريقا يتأدي فيه الصوت الي الغشاء الذي هو آلة السمع الاولي لأن الصوت انما هو قرع في الهواء غالبا و جعل هذا الثقب علي تأريب شبيهة بالكوكب لئلايكون الهواء المحيط بها في بعض الاوقات باردا يصل الي آلة السمع فيؤذيها ببرده و لئلايصل اليها شئ من الاجسام المؤذية و الثقب المذكور نصفه من الغضروف و نصفه في المجري الواقع في العظم الحجري و لبس من الغشاء المخاطي الواقع في العظم الحجري و لبس من الغشاء المخاطي و يترشح من غدده دسومة تسمّي بوسخ الاذن و في انتهاء هذا البطن حجاب الصماخ واقع في شيار في عظم حجري علي الوراب ، و الصماخ عبارة من غشاء شفاف بين البطن المقدم و الاوسط و في البطن الاوسط خلف الغشاء عضلة ملتصقة به ليشتد من تمدده الصماخ و ينجذب اليه و يسترخي باسترخائه و تسمّي بعضلة جاذبة الصماخ و البطن الاوسط واقع خلف الصماخ جوف العظم الحجري فضاؤه علي قدر فستقة و الخلل الابرية لها مدخل فيه و يجري فيه الهواء دايما اذ لو لميكن فيه مجري الهواء لاختل السامعة كما انها تختل اذا تورم الحلق و اللوزتان و لهذا البطن مدخل الي البطن المؤخر بوساطة ثقبتين احديٰها مدورة و اخريٰها علي صفة لوزة و فيه اربع [ص 645] قطعات من العظم علي اشكال مختلفة في سلسلة واحدة الاول عظم كالمطرق مشدود بالصماخ يسمّي بمطرق الاذن و بعده عظم شبيه بالعلات و بعده عظم ركابي بكعبه سُدّ الثقبة اللوزية و هنا عظم آخر يشبه العدس و قد سدّ الثقبة المدورة بغشاء شفّاف و قد وقع في الحلق بابتداء المجري الاستاخي حلقة من الغضروف بحيث اذا وقع من الانف او الفم شئ رطب بارد يستنبطه هذا الغضروف و البطن المؤخر واقع في جرم العظم الحجري و فرش فيه عصب السمع و كسي بغشاء رقيق فيه رطوبة مركبة من املاح مختلفة منجمدة كحصاة تسمّي بحصاة الاذن و في مبدأ هذا البطن فضاء يسمّي بدهليز البطن المؤخر و ينسب مع البطن الاوسط بواسطة الثقبتين المذكورتين و لأن في هذا البطن بعض مجاري ملوية يقال له البطن الملوي و تفصيل صورته كثير تركناه لئلايطول بنا المقال و اما العصبة السامعة فهي متشكلة من الزوج السابع و الثامن دخلت من ثقبة واقعة في العظم الحجري و عبرت منها الي جرم العظم بين الزايدة و قد نبت الزوج الثامن من قاعدة الجوف الرابع من اجواف الدماغ و فرش في البطن الثالث .
( الثانية ) - من المقدمات التي لا بدّ من معرفتها حقيقة الصوت و حدوثها ، لا شكّ ان الصوت شئ موجود في الخارج بواسطة الصائت و قول من انكر وجوده في الخارج زور و لايعتني به و لكن الكلام في ماهيته و كيفية حدوثه ، قال الآخوند رحمه الله في اسفاره علته تموج الهواء و سبب التموج امساس عنيف او تفريق عنيف كقرع النقارة و قلع الكرباس فيحصل من كلا الامرين تموج من جهة انقلاب الهواء من القارع او انبساطه من القالع الي الجانبين بعنف شديد فيلزم المتباعد من الهواء ان ينقاد للشكل و الموج الواقعين في المتقارب و هكذا يحدث انصدام بعد انصدام مع سكون قبل سكون الي ان ينتهي ذلك الي الهواء الذي عند الصماخ و ليس الصوت نفس التموج كما ظنه بعض الناس و لا نفس القلع و القرع كما زعمه آخرون ، الي آخر كلامه يظهر من كلامه رحمه الله [ص 646] ان الصوت عنده مستحدث بتموج الهواء و الامساس و التفريق سببه و يلزم من قوله حدوث الصوت و ان لميكن القرع و القمع و المشهود خلافه اذ نري علانية ان التموج ربما يكون و لا صوت و لو كان نفس التموج باعثا للصوت لكان كل هواء متموج صائتا مع انا نعلم باليقين ان الهواء المتحرك ما لميلاصق جسما غليظا لايتصوت و الصوت المسموع من الرياح يستحدث من صفق الهواء وجوه الاجسام الغليظة و نفس الاذن ايضا منها و لذلك يتفاوت اصوات الرياح بحسب الاجسام المنفعلة و تفاوتها في القبول و عدمه و لذلك لاتحسّ بصوت من الرياح العاصفة في فلات قي و اما اذا كان هناك اشجار ملتفة و ابنية مرفوعة عصفت بها الرياح يتصاعد من بينها اصوات عالية من ضرب بعضها ببعض و لكن لها بنفسها ايضا اصوات من الرياح سيما اذا كانت الابنية او مثلها ملتوية كالملولب ● و سيظهر لك وجهها عن قليل ان شاء الله و كذلك قول من قال ان الصوت نفس التموج مردود باختلاف المقولة فان التموج من مقولة الحركات و الصوت من مقولة المسموعات و بينهما فرق و ان ابيت الا البرهان الحسي اقول ان التموج يري بالعين و يحسّ باللمس و لو كان الصوت هو هو لكان يلزم ان يحسّ بهما و المشهود خلافه و لو كان لازما له في كل حال مع المغايرة لماهيته لزم منه احساسه بالسمع كلما وجد التموج بالعين و المحسوس خلافه و نري انه قد يحدث تموجات سريعة عنيفة ربما يحدث بها آثار عجيبة و لا صوت و ربما يحدث صوت من دون تموج كثير و كذلك قول من قال انه نفس القلع و القرع يبطله انهما من المبصرات بل الملموسات و قد يحدث احدهما بلا صوت و قد اطال ابوعلي الكلام في الرد و البحث علي هذين القائلين و لا فايدة فيه و قوله في تعريف احسن من قولهم و ان لميتم و لعله ترك توضيح [ص 647] البيان لوضوحه قال صدر كلامه : ان الصوت ليس امرا قايم الذات موجودا ثابت الوجود يجوز فيه ما يجوز في البياض و السواد و الشكل من احكام الثبات علي ان يصح فرضه ممتد الوجود و انه مثلا لميكن له مبدأ وجود زماني كما يصحّ هذا الفرض في غيره بل الصوت بيّن واضح من امره انه امر يحدث و انه ليس يحدث الا عن قلع او قرع الي ان قال : و هذا الشئ الذي فيه هذه الحركات شئ رطب سيّال لا محالة اِما ماء و اما هواء فيكون مع كل قرع و قلع حركة للهواء و ما يجري مجراه اِما قليلا قليلا و برفق و اما دفعة علي سبيل تموج او انجذاب بقوة و قد وجب هيٰهنا شئ لا بدّ ان يكون موجودا عند حدوث الصوت و هو حركة قوية من الهواء او ما يجري مجريه فيجب ان يتعرف هل الصوت هو نفس القرع او القلع او هو حركة موجبة تعرض للهواء من ذلك او شئ ثالث يتولد من ذلك او يقارنه ثمّ ذكر وجوها اثبت بها انه غير التموج و القرع و القلع ، الي ان قال : فالصوت اذن عارض يعرض من هذه الحركة الموصوفة يتبعها و يكون معها فاذا انتهي التموج من الهواء و المائية الي الصماخ و هناك تجويف فيه هواء راكد يتموج بتموج ما ينتهي اليه و وراءه ، و قال شيخنا اعلي الله مقامه في شرحه علي العرشية كلاما شريفا و هو احسن ما قيل في المقام قال : و الصوت يحدث من بين شيئين يكون بينهما قرع او قلع او ضغط فيصدم ما بينهما من الهواء باحد الثلثة ما يليه و يصدم ما يليه ما بعده بهيئة ما صدمه ما قبله و هكذا يتدافع الهواء بعضه لبعض بهيئة الدفع الاول و الدفع الاول الذي حصل بالهواء المتحرك بالقرع او القلع او الضغط يكون بتلك الهيئة في الشدّة و الضعف و الجهر و الهمس و الرخاوة و اللين و القلقلة و ما اشبه ذلك من صفات الحروف و امثالها كالدقّ علي القرطاس و النحاس و الماء فان هذه الاصوات المختلفة هيئات تلك الحركات الثلث بين جسمين فيخرج من بينهما الهواء حاملا لتلك الهيئات و الاوضاع و يدفع ما يليه بنحو ما صدمه به الجسمان و هكذا حتي يصل الجزء الاخير من [ص 648] الهواء الي الصماخ ، الي آخر كلامه علا مقامه فظهر منه ان الصوت هو هيئة الحركات الثلث و اما ابوعلي فلميعينه الا انه قال انه شئ يحدث بينها و لا عليَّ ان ابيّن حقيقة الصوت ببيان شريف يكشف به ما قاله شيخنا اعلي الله مقامه ،