المطلب الثاني

في بيان قوي النفس الحيوانية و هي الحركة و الادراك و الارادة و الرضا و الغضب و ابيّن لكل منها فصلا :

فصل - مرّ سابقا بيان القوة و لانعيد ذكرها و لانريد في المقام الا بيان حقايقها فاعلم ان فهم حركات الحيوانات من المسايل المعضلة لايعرفها الا عرّفها (كذا) الله فاعلم من باب المقدمة ان العناصر الاربعة التي هي اصل جميع المواليد لها حركات جهتية بطبعها فالنار بطبيعتها صاعدة الي حيّزها و هو اعلي كرة الهواء و كل ما كونت في الاسفل تميل الي الاعلي بل تصعد ما [ص 599] سلطت عليه من الاجسام كما تري علانية انها تلطف الهواء و تصعده و هو يشايعها ما دام بقاء سخونته و ربما يشاهد ذلك في بعض الاحيان فوق الشعلات و اطرافها و تبخر الماء و تصعده و تفرق التراب و ترقيه و كل منها يشايعها ما دام بقاء حرارتها و يقوم او يرجع الي حيّزه بعد البرد كما جرّب في بعض الاحيان ان السحاب يصعد بعد الاجسام الغليظة و لكنها تهبط مع الامطار او غيرها و بالجملة شأن النار الصعود الي حيّزها دايما و شأن الهواء الميل الي الانتشار من فوق ما لم‌يقسره قاسر و هو ايضا مجرّب و كل ما انزل به تحت الماء او التراب يصعد الي مركزه و شأن الماء الانتشار من تحت فوق التراب و التراب ايضا مايل الي مركزه و هو نازل من طبعه و هي ما دامت متفرقة لاتتحرك الا بطبعها و اذا ركبت بعضها مع بعض يظهر منها ايضا حركات مركبة و اعدلها الحركة الدورية الظاهرة في الافلاك و قد تحيّر فيها بعض الحكماء حتي اخرجوها من الطبيعة و لذلك قالوا ان حركة الافلاك ارادية لخروجها عن الطبيعة و لكنا عرفنا وجه كونها طبيعية و هو انها مركبة من العناصر الاربعة و لها حركات مختلفة من تركيبها يتولد مولود جامع لها يتحرك مستديرا و ذلك انها بعد التركيب الكامل الخالد لاينفكّ بعضها عن بعض فكل ما تحرّك عنصر الي جهة يطبعه ● يشايعه الباقي كيف لا و تري علانية ان الماء الغليظ اذا اغلي بالنار يشايعها قليلا مع عدم تركيبه معها في الحقيقة فكيف به اذا حالت النار عن طبعها و لطف الماء حتي صار مجانسا لها فعانقها لا شكّ انه يشايعها و هي تشايعه و كذلك الهواء و التراب اذا ركبا معهما حتي صار الاربعة شيئا خامسا كلما يصعد نارها يشايعها الثلثة و كل ما ينتشر الهواء يشايعه الباقي و كل ما ينزل التراب يشايعه الباقي و كل ما ينبسط الماء يشايعه الباقي فيحصل من ذلك حركة دورية اذ ليست الا السير من الاعلي الي الاسفل و من الاسفل الي الاعلي و الانتشار من الفوق و الانبساط من التحت لا غير و هذه حركة كاملة [ص 600] معتدلة و كل مركب تام كامل يدور بنفسه بمقتضي طبعه الا ان يعوقه عايق و لايلزم ان يكون بالارادة ثمّ ان الروح البخاري المتولد في قلب الحيوان ايضا مادة فلكية من جنس الافلاك قد اخرجت من الدم الصافي المستنبط من العناصر الاربعة و هي لو خليت و طبعها تتحرك كافلاك مستديرة و لكنها بعد ما حبست في القلب و الشرائين منعت عن الاستدارة فصارت متحركة بالقبض و البسط قد تميل الي الاعلي بالنارية و قد تميل الي الاسفل بالترابية و قد تنتشر بالهوائية و قد تتغلظ و تنبسط بالمائية و يعبّر عنهما بالسكون و يقال كل نبضة مركبة من حركتين و سكونين و يستدل علي المزاج بحركاتها فان كان صعودها اكثر مع السرعة و الحرارة يحكم بغلبة الصفراء و ان كان هبوطها و غورها اكثر مع الثقل و الصلابة يحكم بالسوداء و ان كان غليظا ضخيما بطيّا باردا يحكم بغلبة البلغم و ان كان ممتليا ضخيما حارّا مايلا الي الاعلي يحكم علي الدم ثمّ ان للمتطببين استنباطات و احكاما من النبض ليس هنا محل ذكرها ثمّ ان في القلب و النبض ليس للحيوان ارادة و ميل خاص عن شعور نعم اذا صعدت الي الدماغ و صفيت و لطفت حتي صارت قابلة للارادة تصير مريدة فتتحرك بالارادة بان تحرك الاعصاب بالاقبال و الادبار اذ هي متعلقها و منها ادراكها و حركاتها و لكن الحركات الظاهرة في الاعصاب ليست علي نظام النبض و ذلك لأن البخار لايبقي فيها علي صرافته و لاتحملها مثل الشرائين و القلب فان الله قد هيّأها لحمل البخار اذ جعل لها منافذ و مجاري و اما العصب فهو جسم ابيض ليّن ينبت من الدماغ و المخ و يحيي بحيوتهما و ليس فيه بخار فلكي داير و ان كان ايضا كان قليلا منبثّا بقدر احتمال الرطوبات المتعلقة بالعصب و بالجملة لايكون العصب متحركا من ذاته و لايكون الروح المتعلق به ايضا مستديرا و لكن كل ما توجه الروح اليها من الدماغ و حرّكها بالارادة تتحرك لانها اجسام مطاوعة قابلة للحركة كما تري و حركاتها اقبالية و ادبارية و هي بحسب الرضا و الغضب اللذين هما العاملان في البدن و سيجيء [ص 601] صفتهما .

فصل - في معني ادراك الحيوان و قد قدمت بيانه لأن فهم الارادة و الغضب و الرضا يبتني علي فهمه ، فاعلم ان الله سبحانه خلق الروح من شعاع مشيته و هي درّاكة عالمة و معني دركها وجدانها لنفسها فان كل شئ هو هو فان كان حيا يكون واجدا لنفسه و الا فلا و قد هيأ الله للروح ادوات و هي لها كمناظر يصل اليها المدركات من خارجها و هي الحواس الخمس و سيجيء صفتها بعد انشاء الله تعالي و يدخل منها المدركات حتي تصل الي باب الروح فتنصبغ باصباغها و تجد انفسها بعد الصبغ منصبغة و هذا معني الادراك فقط و اما فهم المعاني و النسب و التصديقات و غيرها فمن شأن الانسان يفهمها بساير مشاعره و قد يشتبه الامر علي الطالب بسبب اختلاط الانسانية بالحيوانية و لايكاد يميز بين درك الحيوان و الانسان الا من آتاه الله الحكمة و فصل الخطاب و بالجملة هذا غاية درك الحيوان علي نحو الحقيقة لايجاوزها و لكنه ظل النفس الانسانية و لذلك ربما يثبت له بعض المشاعر اذا كان كامل الخلقة فربما يكون له خيالٌ مّا او وهم في الجملة كما يري في الفيران و الهرّات و الكلاب و لانطيل الكلام بذكر صفاتها فان اهل الشعور يعرفون آثار تلك المشاعر منها و لكنها من ظل الانسان فيها و اما ما من الحيوان فهو نفس التصور فقط و لايبقي له ايضا الا ما دام بقاء الشاخص مواجها له اذ حفظ الاشباح المنفصلة شأن العالمة و العاقلة و الحيوان فاقد لهما نعم قد يكون له حفظ قليل بقدر حفظ الخيال و الوهم يعبّر عنهما بالعادة اي الطبيعة الثانية قال مولانا الصادق عليه السلام في حديث مفضل و كذلك جميع الاصناف المسخرة للانسان فبم كانت كذلك الا بانها عدمت العقل و الرويّة فانها لو كانت تعقل و تروي في الامور كانت خليقة ان تلتوي علي الانسان في كثير من مآربه حتي يمتنع الجمل علي قايده و الثور علي صاحبه و تتفرق الغنم عن راعيها و اشباه هذا من الامور و كذلك هذه السباع لو كانت [ص 602] ذات عقل و روية فتوازرت علي الناس كانت خليقة ان تجتاحهم الي ان قال : فكِّرْ يا مفضل في الفطن التي جعلت في البهايم لمصلحتها بالطبع و الخلقة لطفا من الله عز و جل لهم لئلايخلو من نعمه جل و عز احد من خلقه لا بعقل و رويّة الي ان قال : فمن كلفه اي الطاير ان يلقط الطعم و يستخرجه بعد ان يستقرّ في حوصلته و يغذو به فراخه و لايّ معني يحتمل هذه المشقة و ليس بذي رويّة و لا تفكر الحديث ، فظهر من قوله عليه السلام ان ما يظهر من الحيوان مما يشبه الشعور و الروية ليس شعورا و فكرا و لكنه من طبيعته و ليس ببعيد ان يظهر من الطبع ما يشبه الوهم الاتري الي المغناطيس كيف يظهر منه الجذب و الدفع فان حديدة المغناطيس يجذب بجهة و يدفع بجهة فاذا قابلته من حديدة تراها تنجذب الي جهة و تندفع من جهة كأنها تشعر بهما و ليس ذلك عن شعور البتة و كذلك حال الحيوان و النبات فيما يظهر منهما من الاعمال و لذلك لم‌يعدّ مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث القوي للحيوان ازيد من الحواس الخمس و عدّ الفكر و الشعور من قوي النفس الناطقة و بالجملة حاصل الكلام ان ادراك الحيوان محض وجدانه لنفسه منصبغة و لايلتفت الي ازيد من ذلك فاذا رأي السراج مثلا يتنور روحه و هذا التنور ادراكه و لايعرف انه سراج و اصله نار و هي محرقة و قد تركب السراج من دهن و فتيلة مثلا و هذا السراج انور من ذلك و ذلك اقرب من ذاك مثلا فان معرفتها حظّ النفس القدسية لا غير .

فصل - في معرفة الرضا و الغضب ، فاعلم ان الله سبحانه بلطيف حكمته جعل لكل شئ طبيعة خاصة و قدّر لها فعلا بحسبها و هو تأثيرها علي حسبها اذ هي بانفسها فعليات و جميع الفعليات كمالات مشية الله تعالي و كلها كاملة في حدّ انفسها و ان تضعف بعضها بالعوارض و كل فعلية كاملة مؤثرة في المواد الامكانية لانها ناقصة و ان بلغت مرتبة من الكمال و الفعلية اشرف منها و ان كانت في غاية النقصان و لذلك حصل التفاعل بين الاشياء بحسب فعليتها و قويها اعني [ص 603] ان كل فعلية تؤثر في كل قوة فالبياض بفعليته يؤثر في الجسم الاسود و السواد في الجسم الابيض فكل ما كان الفعليات متماثلة يتقوي بعضها من بعض و كلما كانت مضادة يتضعف بعضها و لذلك قيل ان الاشياء يتقوي بامثالها و يتضعف باضدادها فلذلك يميل كل طبع الي مثله و يفرّ عن ضدّه غاية الامر ان بعض الاشياء قوي الادراك و الشعور و يدرك الاشياء سريعا فيفرّ عن ضده و يقبل الي مثله سريعا و بعضها بطيء الادراك فلايدرك الا بعد الاقتران و الامتزاج فيقبل و يفرّ بحسب ادراكه ، مثال ذلك ما تري من البرد و الحر فانهما ضدان و يتضعف كل منهما عن صاحبه و لذلك يفرّ عنه سريعا فكل ما اتي البرد يتهيج الحرّ و يتبادر الي الفرار و كل ما عرض الحرّ يتهيج البرد و يتسارع الي الفرار كما تري ان البطيخ المتسخن بالشمس اذا القي في الماء البارد يفرّ الحر من ظاهره الي باطنه فيبرد ظاهره و يتسخن باطنه و اذا القي في الماء الحارّ ينعكس الامر و ليس ذلك الا لفرار الحرّ الظاهر عن البرد و البرد عن الحر و هي قاعدة كلية في جميع الاشياء و كل شئ يجذب مثله اليه و يدفع ضده عنه ان كان قويا فان كان في نفسه ضعيفا ينجذب الي مثله و يندفع عن ضده كما تري في المغناطيس فانه آية ظاهرة من آيات الله ارانا الله اياها للاعتبار فانه يجذب الحديد بمناسبته فاذا كان قويا يجذبه الي نفسه و ان كان ضعيفا ينجذب اليه كما هو مجرّب و هذا الاثر موجود في اغلب الخلق سيّما المركبات و احكاها لهذه الصفة الحيوان لاعتداله بالنسبة نعم تلك القوة في بعضها تكون بالقوة تخرج باقل تدبير كما تري في الكهرب انه يجذب التبن بعد ما مسح علي ثوب او كف حتي سخن في الجملة و لكن المغناطيس لايحتاج الي تسخين و لكنه جذاب بنفسه و بعضها لاتخرج منه الا بتدابير كثيرة كما يظهر في التلغراف المعروف في زماننا و اما الحيوان فلكمال تركيبه و اعتداله يكون قويا في هذا الفعل كلما قرب من شئ فادركه فاذا كان مناسبا له في صفته ينجذب اليه او يجذبه و يعبّر عن ذلك بالرضا و كلما وجد شيئا فادركه و رآه [ص 604] منافرا له يندفع عنه او يدفعه و يعبّر عن ذلك بالغضب و حقيقة الانجذاب هو الميل الي الشئ المدرك و ميله بانبساطه و اقباله الي الخارج او الي ما وجده في الخيال فاذا اقبل ينبسط البخار لانه حامل الروح و جميع فعله منه فاذا انبسط ينشرح معه الدم بمشايعته لانه مركبه و حامله فيميل الشرائين و الاعصاب و يشايعها العظام و اللحوم فتري انه يمشي الي ما احبّه و مال اليه و ان كان اشتياقه اكثر ربما يعدو و ان كان اشتياقه اكثر بحيث لايطاوعه جسمه ربما يسقط الي الارض في اقباله بل ربما يفرّ روحه من قابله ( قالبه ظ ) لعجلته في الاقبال و اما اذا رأي ما يضاده في طبعه فيفرّ منه بالطبع كما كان يفرّ الحرّ من البرد و حديدة مغناطيس الجنوبية عن الشمالية و معني الفرار انقباض الروح و ادباره فاذا ادبر و انقبض ينقبض معه البخار و حقيقة انقباضه اجتماعه و ميله من الاَمام الي الوراء و من القرار الي الفرار فيشايعه الدم و يطاوع الدم الشريان و الاعصاب و ساير الاعصاب و الاوردة بل ربما تتحرك جميعها حركة فلكة الماس من شدة الاضطراب و لذلك يفرّ البدن و فراره بحسب تألمه من المضاد و تألمه علي حسب مضادته فان رأي ضرره قليلا ربما يُعرض عنه بوجهه فقط او لايعرض بل ينقبض و يعبس و ان رأي ضرره اكثر يتولي الدبر و يعرض فان رأي ضرره اكثر حتي ظن به الاذي يرجع قهقري و ان قوي ظنه يخاف و يهرب سريعا و لذا صار علامة الخوف الهرب و ان غلب خشيته ربما يغشي عليه و ذلك لأن الروح من شدة خوفه يحتصن في القلب و يشايعه الدم و يعرض عن الظاهر و لذلك يصفر لونه و يضطرب قلبه و ربما يموت من شدّة خوفه و كل ذلك من الغضب و اما ما تري من المدافعة بالضرب و الشتم و القتل و غير ذلك فهي عند ضعف الخوف لدي الاحتمال مع قوة النفس فان البدن لايضعف عما قويت عليه النفس و اما اذا ضعفت فلاتقاوم العدوّ او الضارّ كما اذا راي الانسان سبعا لايقتدر علي دفعه و اما اذا راي ما لم‌يخش علي نفسه منه كثيرا ككلب يتمكن من دفعه يقاومه و يدفعه بما تمكن منه [ص 605] البتة و بالجملة جميع هذه الحالات الطارية من الرضا و الغضب بل منهما ايضا شهوة الطعام و النكاح و عدم الميل اليهما فانه اذا احتاج اليهما في بدنه يتقوي بهما فيقبل اليهما و اذا استغني عنهما يعرض روحه عنهما و باقباله يقبل الصفراء فتنصب في المعدة و تلدغها فتحسّ بالجوع لانها عصبانية كثيرة الاحساس فتقبل الي الغذاء و تجذبها اليه بقوة جاذبة الروح الظاهرة من الصفراء و بادباره يحتبس الخلط في المرارة و لاترجع الي المعدة و تدفع المعدة عن نفسها و لذا تري نفسك تتهوع من الغذاء و بالجملة بعد ما عرفت نوع المسألة تعرف صفة جميع القوٰي و الافعال فاذا عرفت صفة الرضا و الغضب فاعلم انهما صفتان طبيعيتان لاتستلزمان الشعور و الفهم كما عرفت ان النار ايضا تجذب و تدفع المناسب و المنافر و كذلك كل جسم مركب غير ذي شعور و من هذا الباب رضا الحيوان و غضبه فان رأي الغنم ولده يقوي به طبعا فيقبل اليه شايقا فيشمّه و يلحسه و يلعب به و كذلك حال ولده بالنسبة اليه و ان رأي الذئب يتضعف منه و يري طبعا هلاكه به فيفرّ منه كما ان الذئب ايضا بطبعه يتقوي به و يشتهيه فيصيده و يأكله فلاتزعم ان هذا الميل و الفرار عن شعور بل هو صرف ميل الطبع و نفرته كما يميل الحديد الي المقناطيس و يفرّ البرد عن الحرّ و اعلم ان الطبيعة استاد ماهر و عالم باصر حتي ان اعمالها تشبه ان تكون عن شعور و رويّة و فهم و بصيرة حتي انه ربما يشتبه امرها بحفظ كحفظ العقل و لكن كلها طبيعية بنص الحديث الماضي عن الصادق عليه السلام و قول اميرالمؤمنين اذ خص الحيوان بالحواس الظاهرة و الادلة العقلية و احبّ ان اذكر في المقام دليلا واحدا من الادلة ، فاعلم ان العقل جوهر مجرد اصله من الغيب و كذلك النفس الانسانية هي نفس قدسية مجردة بالذات و ان لم‌تكن مجردة في الادراك و الفعل و ليس لها انبعاث من البدن و الاخلاط بل مادتها من العقل اي فعله و صورتها العلم اي الملكات [ص 606] الحاصلة من الادراكات فهي ايضا معلقة بالملأ الاعلي و لايخرجان من القوة الي الفعل الا بالاعتدال التام و لايحصل الا في الانسان و اما الحيوانات فهي منحرفة عن الاعتدال و لم‌تخرج من قويٰها الا الفلكية و الافلاك اجسام حية و ارواح الحيوانات ايضا هكذا و انبعاثها من القلب فالروح الحيواني جسم حيّ في الحقيقة نعم اصل الحيوة من عالم المثال فكيف يصير الحيوان نفسا علمية مجردة و عقلا معنويا مجردا و هذا من المحال و ان قلت هذه الكلية مسلّمة و لكن الكلام في ان الهرّة مثلا هل صعدت عن الحيوانية الي الانسانية و صارت حافظة ذاكرة فاكرة ام لا اقول اما في الظاهر فيشهد بذلك الامتحان فانك اذا امتحنت الهرّة او الكلب تري انها لاتكون حافظة و لا شاعرة فانها تنسي ما رأته بعد يوم او ايام و لاتعرف الغيوب مما تتعلق بالمعاني و لاتعرف الاشخاص باعيانها الاتري ان الفيل مع برزخيته لايعرف الفيّال اذا بدّل ثيابه الي لون آخر كما هو المعروف و ذلك انه لم‌يعرف منه الا لون ثيابه فقط فاذا غيّرها نسيه و كذلك اغلب الحيوانات و الفيل لبرزخيته شعوره اكثر من ساير الحيوانات و مع ذلك ليس له عقل و رويّة الا ان طبعه اعدل من ساير الحيوانات بل الطفل الرضيع ايضا كذلك غالبا لايعرف من الام و المرضعة الا الثياب و الصوت و امثالهما من الاعراض المشخصة ، هذا ما يظهر بالتجارب و اما الآثار الدالة علي ذلك فمنها انه لايظهر من الحيوانات آثار العلم و الحكمة و الحلم و الفكر كما اشرنا اليه آنفا مع انها من قوي الانسان و محال ان يتعلق نفس بشئ و لايظهر منه قويٰها الاتري ان النباتية مهما تعلقت بمولود يظهر منه الجذب و الدفع و الامساك و الهضم و الحيوانية مهما تعلقت بمولود يري و يسمع و يذوق و يشمّ و يلمس و لو كانت او بعضها ضعيفة او فقدت بعضها و وجدت بعضا و كذلك الانسانية اذا تعلقت تتفكر و تتذكر و تحلم و تعلم و تتشرف و تتنزه و تظهر منها الحكمة و لانري شيئا منها في الحيوانات نعم ربما يظهر من بعضها اثر الخيال و الوهم و ذلك لان [ص 607] الحيوانية في الواقع تنزل الانسانية و هي مخلوقة من ظل النفس فلها شعور ظلي و الخيال و الوهم مشعران غليظان يتكونان في الدماغ باقل تعديل و لذا ربما يظهران في الحيوان و الخيال ظاهر النفس له و الوهم ظاهر العقل و لكنهما بحسب الطبع من غير فكر و عقل فلاتزعم ان ما يظهر منه من الحب و البغض عن فكر و تدبّر فتظن انه يتفكر في نفسه بعد ما تصوّر فعرفك مشفقا فلانَ لك طبعه او رءاك مبغضا و عرف ذلك من نفسه فان ذلك شأن العاقلة و الفكر و ما من الخيال صرف التصور فقط و ما من الوهم صرف التقوي بالمِثْل و التضعف بالضد الا انه عن شعورٍ مّا و اما درك النسب فشان الفكر فانه يلاحظ و ينسب الاشياء بعضها الي بعض و يزنها و يضمّ بعضها الي بعض و يفصل بعضها عن بعض ثمّ يعرضها علي المشاعر العالية و ان قلت ان الفكر محله من الدماغ مقدم البطن الاوسط و الوهم محله مؤخره اقول ان ذلك تقسيم قاله الطبيعيون و لا دليل عليه من الاخبار و ادلة الطبيعيين كلها قشرية و ما يحكم به العقل بالادلة الآفاقية ان الفكر من العطارد و الخيال من الزهرة و محل العطارد من الافلاك فوق القمر و دون الزهرة و في الانسان ايضا ان كان بظاهره علي ترتيب ظاهر هذا العالم يكون فكره في مؤخر البطن الاول بعد الحسّ و لكن شأنه في الباطن ارفع من الوهم و العلم اذ طبعه يشبه العقل في تجرده و معنويته و يكون عاريا عن الالوان مثل العطارد و يستأنس بكل مزاج و يتطبع بكل طبع و في الانسان ايضا يكون رابطا بين الصور و المعاني و يستعمله في كل ما يريد ضمه الي شئ و الاستنتاج منهما و قد عدّ فوق الحس ايضا لذلك اذ يأخذ ما يدركه الحس و يؤدّيه الي الخيال و كذلك يأخذ ما يدركه الخيال و يؤدّيه الي الوهم و ما يدركه الوهم و يؤدّيه الي العلم و ما يدركه العلم و يؤدّيه الي العقل فهو دلّال في المشاعر و الحيوان عارٍ عن هذه الصفة نعم لانمنع ان نقول ان له فكرا ضعيفا يربط به بين الحسّ و الخيال و الوهم و فكر الانسان ارفع من ذلك ، هذا [ص 608] و الفكر اسم عام شامل لجميع ما يدركه المشاعر و هذا هو التفكر المختص بالانسان لا صرف الربط بين ما يدرك و علي ايّ حال الفكر بالمعني الثاني ليس الا في الانسان بداهة و بالمعني الاول ايضا كل الفكر ليس الا له و لذلك خصّ بالانسان دون الحيوان و محض الخيال و الوهم ايضا لايثبتان لجميع الحيوانات الا بعضها كما لايخفي علي العاقل .

فصل - في الارادة ، قال ابوالبقاء هي في الاصل قوة مركبة من شهوة و حاجة و امل ثمّ جعلت اسما لنزوع النفس الي شئ مع الحكم فيه انه ينبغي ان يفعل او ان لايفعل و في الانوار هي نزوع النفس و ميلها الي الفعل بحيث يحملها عليه و يقال للقوة التي هي مبدأ النزوع و الاول مع الفعل و الثاني قبله و تعريفها بانها اعتقاد النفع او ظنه او هي ميل يتبع ذلك الاعتقاد او الظن كما ان الكراهة نفرة تتبع اعتقاد الضر او ظنه انما هو علي رأي المعتزلة و الاتفاق علي انها صفة مخصصة لاحد المقدورين بالوقوع و قيل في حدّها انها معني ينافي الكراهة و الاضطرار فيكون الموصوف بها مختارا فيما يفعله و قيل انها معني يوجب اختصاص المفعول بوجه دون وجه لانه لولا الارادة لماكانت وقت وجوده اولي من وقت آخر و لا كمّية و لا كيفية اولي مما سواها و قال ابي اعلي الله مقامه في تعريفها انها الميل الاختياري و هو ناشئ عن خروج الحيوان عن الطبايع الاضطرارية ظاهرا فليس بمقهور في حركة الحرارة و سكون التراب مثلا بل هو مهيمن عليهما فان مال الي الحركة قوي جانب النار و شايعها الباقي و ان مال الي السكون قوي جانب التراب و شايعه الباقي و يحدث الميل من جهة المناسبة مع ما يميل اليه ، اقول كلامه علا مقامه كلام جامع مع ظهور معناه و اختصاره و يكفي عن كل كلام و هو متخذ من الامام عليه السلام في صفة الارادة انها العزيمة و انها في الخلق الضمير و ما يبدو له و ذلك في الانسان خاصة و تحقيق المسألة علي نهج [ص 609] الاختصار كما هو المختار ان العناصر بطباعها تميل الي حيّزاتها و مجانسها بالطبع و الطبع مقهور مضطر في ما جبل عليه لايقدر علي التخلف عنه و لذا تري ان الطبيعيات لاتتغير و ذلك ان الصورة الخاصة قد خرجت من كمون المادة و كسيت عليها و ما سواها في القوة و القوي معدومة لاتؤثر ابدا لان فاقد الوجود لايوجد ما سواه و لايكمل النواقص مما عداه فتبقي الصورة المستخرجة من الكمون فاعلة و هي لاتتغير فلاتتضعف عن فعلها ابدا و لذا يقال انها مضطرة في فعلها فالنار تحرق و لاتكاد ترطب ابدا و الماء يبرد و يرطب و لايحرق و لايجفف ابدا و كذلك غيرهما و ان ظهر منها يوما خلاف ذلك كأن النار اذابت جسما و رطبتها و ليّنتها و الماء جفف شيئا و سخّنه فذلك لاسرار اخر لسنا بصدد شرحها لا لترطيب النار و تجفيف الماء و بيان هذه المسألة مخصوصة بالطبيعيات و كذلك الحال في جميع المفردات بل المركبات التي لم‌تبلغ درجة الفلكية لانها كثيفة غليظة و لم‌تبلغ حدّ الاختيار كالنباتات و المعادن فانها و ان كانت مركبة الا انها لم‌تتلطف و لم‌تبلغ حدّ الاحساس حتي تكون ذا ارادة اختيارية و لكن اذا لطفت حتي صارت في حدّ الفلكية و حييت باذن الله تعالي تصير مريدة لانها بحياتها مدركة و بلطافتها و استعلائها علي الاخلاط تحرك كلا منها شاءت بحسب رضاها و غضبها و ليست مقهورة بطبايع الاخلاط حتي تكون اقبالها و ادبارها و اعمالها بحسب مزاج خلط واحد و لاتزعم ان هذه الارادة ايضا عن شعور و روية بل هي ايضا طبيعية بل قيل ان مقام بروزها وسط الدماغ ، قال ابي اعلي الله مقامه ان فلك القمر الذي فيه كلية الروح الحيوانية له ثلث مراتب جسدانية و نفسانية و روحانية و الحيوان ايضا من حيث الحيوانية يجب ان يكون فيه هذه المراتب الثلث و دماغ الحيوان من مراتب حيوانيته و من متمماتها و ليس فيه من الانسانية من شئ فكرسي دماغ الحيوان له ثلث مراتب اسفل و اوسط و اعلي فباسفله يتحرك و باوسطه يريد و باعلاه يحسّ و لذا يحسّ بمقدم دماغه و يريد باوسطه [ص 610] و يتحرك بمؤخر دماغه كما هو المعروف و دماغه خلاصة حيوانيته الي ان قال : اعلي الله مقامه و ما قالته الاطباء ان النفس الحيوانية قويٰها الانبساط و الانقباض في القلب و الشرائين فلاجل انهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا فان الارواح الفلكية حسّاسة متحركة بالارادة لانها وجه الله في هذا العالم كما برهنا عليه في محله بل النفس الحيوانية قويٰها ما ذكرنا و بعد ما اوردنا حديث اميرالمؤمنين عليه السلام فلاتكاد تشكّ فيها ففي الحيوان النفس الحيوانية كامنة في تكوّنه و لاتظهر الا بالتصفية فمبدأ تصفية اركانه في المعدة و هي تصفية جمادية ثمّ في الكبد و هي تصفية طبيعية و يظهر فيه حركة طبيعية و هي شعاع الحركة الحيوانية ثمّ اذا صفي في الكبد و دخل القلب يظهر فيه الحركة التي هي ادني مراتب الحيوان فاذا صفي في الدماغ ظهر فيه فعليات الحيوان بكليتها فيكون حيوانا فالكبد و القلب كانا مقدمات وجوده و وجد في الدماغ و كان خصايصه في الكبد و القلب بالقوة و ظهر في الدماغ بالفعل بالنسبة اليهما و ليست هذه القوي من القوي الانسانية بل من شعاعها كما ان الحركة الطبيعية كانت من شعاع الحيوانية فالدماغ في الحيوان محل الروح النفساني لكن نفساني الحيوان و لما كان جميع الافلاك كامنة في هذه العناصر كما شرحنا فربما اعتدل في الجملة مادة الحيوان و صفت و رقّت حتي ظهر فيها خواص ساير الافلاك ايضا ، الي آخر كلامه و حاصله انه ربما يستخرج في بعض الحيوانات بعض ساير الافلاك مع انها لم‌تبلغ مرتبة الانسانية فربما تتخيل و تتوهم و تتفكر و تتذكر و تتدبر في بعض الامور كما تري في بعض الحيوانات علانية و اعلم ان الآخوند (ره) سمّي الارادة في الحيوان بالقوة الشوقية و في الانسان بالارادة و نسبها الي العقل و قد ينسبهما معا الي الحيوان بمعني انهما فيه ضعيف و في الانسان قوي و قد بيّن في كتابه في المبدأ و المعاد كلاما في تحقيق الشوق و الارادة ارويه بعينه قال تبصرة اعلم ان للحركات الاختيارية مبادي [ص 611] مترتبة ابعدها عن عالم الحركة الخيال او الوهم في الحيوان و العقل العملي باستخدامهما في الانسان و الفلك و يليهما القوة الشوقية و هي الرئيسة في القوي المحركة الفاعلية كما ان الوهم هو الرئيسة في القوي المدركة الغائية و بعد الشوقية و قيل الفاعلية قوة اخري هي مبدأ العزم و الاجماع المسمّي بالارادة و الكراهة و هي التي تصمم بعد التردد في الفعل و الترك عند وجود ما يترجح به احد طرفيها المتساويين نسبتهما الي القادر عليهما و يدل علي مغايرة الشوق و الادراك تحقيق الادراك بدونه و علي مغايرة الشوق للاجماع انه قد يكون شوق و لا ارادة و الحق ان التغاير بينهما بحسب الشدّة و الضعف لا غيره فان الشوق قد يكون ضعيفا ثمّ يقوي فيصير عزما فالعزم كمال الشوق و ما قيل انه قد يحصل الشوق بدون الارادة كما في المحرمات للزاهد المغلوب للشهوة فغير مسلّم بل الشوق العقلي فيه الي جانب الترك اقوي من الميل الشهوي الي خلافه و يدلّ علي مغايرة الفاعلة لساير المبادي كون الانسان المشتاق العازم غير قادر علي الحركة و كون القادر عليها غير مشتهٍ ، الي آخر كلامه و قال الشيخ الرئيس ايضا مثل هذا التقسيم بل لعلّ قول الآخوند رحمه الله ايضا مقتبس منه و بالجملة ما يظهر من الادلة ان نوع الارادة هي ميل النفس الي شئ بحسب رضاها و غضبها اعني ان كانت راضية تميل الي الشئ بالاقبال و ان كانت مغضبة تميل عنه بالادبار و هي مختلفة في الحيوانات و الاناسي ففي الاناسي تكون عن شعور و روية و في الحيوانات تكون بلا شعور بل بحسب طبايعها و ما حصل لها من اللذة و الالم الطبيعيين و لايضرّ تسميتها في الحيوان بالشهوة و في الانسان بالارادة ، و الشهوة هي الشوق في الواقع و ربما يتغير اسماءها بحسب الشدّة و الضعف كما قال الآخوند و شيخ الرئيس و لنا كلام كلي في بيان قوي النفس نذكرها في المقام .

فصل - اعلم ان النفس من حيث هي واحدة لا اختلاف فيها اذ هي آية الله في الحيوان و آية الواحد واحدة الا ان وحدتها تختلف في المواقع بحسبها [ص 612] فان الغيوب تظهر في المظاهر و المجالي بحسبها و لكن في كل مظهر يكون جهة الآئية اوحد من جميع قويٰها و فعلياتها و لذلك صارت النفس في كل احد آية التعريف اي معرفة الله كما قال اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و ورد في الحيوانات ايضا انها لاتبهم عن معرفة ربها و ذلك لانها اولات نفوس بحسبها نعم نفوسها من ظل نفوس الاناسي و لذلك تكون معارفها ايضا ظلية فافهم فالنفس في كل شئ واحدة هذا الشئ التي بوحدتها تستدل علي وحدة ربها فلا جرم افعالها ايضا واحدة لتدل علي وحدة فعله تعالي فلايصدر الافعال منها الا كما يصدر من مشية الله تعالي و بلسان اهل الطبيعة القشريين نقول ان النفس هي باطن المزاج علي الحق و عينه علي المعروف و المزاج هو الكيفية الواحدة الجامعة لجميع اجزاء الشئ فلا اختلاف فيها سواءا كانت نفس الانسان او نفس الحيوان او نفس النبات بل و الجماد الا ان وحدة كل بحسبه و اذ كانت واحدة فاثرها ايضا واحد فان المؤثر الواحد اثره ايضا واحد للزوم المناسبة بين العلة و المعلول فانه محال في الحكمة ان يكون لعلة واحدة من حيث واحد معلولات متعددة لان كل شئ من جهة واحدة له طبع واحد به يكون واحدا و هو منشأ اثر واحد لانه شبح منفصل عن الشبح المتصل و يبقي الآثار المختلفة بلا علة و هذا محال فلكل مؤثر اثر بحسبه فعلي ذلك ان كان المؤثر واحدا من كل حيث يكون اثره واحدا و ان كان واحد من حيث يكون اثره واحدا من حيث و ان كان مركبا من كل حيث يكون اثره هكذا و هذه قاعدة كلية لاتتخلف و ان قلت ما بال الخلايق مختلفون مع انهم آثار رب واحد و القاعدة حاكمة بلزوم المطابقة اقول اما اولا فذات الاحد جل شانه ارفع من المؤثرية فان معني الاحد امتناع ما سواه معه فكيف يصدق المؤثرية مع انها من صفات التي يلزمها وجود المضاف و المضاف اليه و يتبعهما الاضافة مع انها من الاعراض التابعة للتركيب فمؤثر الملك غير الذات و هو اسم من اسمائها لا بمعني المغايرة الحاصلة في الخلق بل البينونة بينهما بينونة [ص 613] صفة كمغايرة القيام مع زيد فلايلزم من ذلك كون المؤثر غير الذات تعالي بل معني الكلام انها مؤثرة باسم من اسمائها و فهم ذلك عسير و بالجملة الاسم المؤثر ايضا واحد و وحدته قد اثر في الخلق و هم من حيث صدورهم عنه واحد الاتري وحدة الكون و الوجود الساري فيها فانه يصدق علي الكل انه كاين و موجود و لا اختلاف فيهم من هذه الجهة حتي ان اختلافهم ايضا موجود فان الاختلاف بالماهيات و هي ايضا موجودة كما ان الوجود موجود و بهذا الوجود يدل كلها علي الله و هو الآية الدالة علي وحدة الله كما قال عليه السلام :

و في كل شئ له آية تدلّ علي انه واحد

و لو كان آية كل شئ مغايرة مع غيره لكانت تدلّ علي الوحدات و هي منافية لوحدة الذات تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و بالجملة وحدة الاثر دليل وحدة المؤثر و وحدته دليل وحدة الاثر و النفس في كل شئ هي آية الله و منشأ الآثار و مبدؤ الصفات و مرجع الافعال فهي واحدة و لذلك لاتصدر ( لايصدر ظ ) منها الا فعل واحد فالقوي المذكورة لاتصدر من النفس متشخصة ابدا بل هي حية مطلقة و درّاكة مطلقة حياتها بنفسها لا بروح فاضل عليها اذ هي الروح بعينها و دركها ايضا صرف حضورها لنفسها لا بان تدرك شيئا خارجا عن ذاتها و بعد ما تعلقت بالمشاعر و الحواس قسم ادراكها الي ظاهرية و باطنية علي ما سيجيء و كذلك ارادتها و رضاها و غضبها ايضا لاتظهر الا في المشاعر و افعالها و حركاتها الدالّة عليها لاتتشق (كذا) الا في الاعصاب و الرباطات و العظام و الاعضاء فما تصدر من النفس فعل واحد و امر واحد ينشعب فيها فيكون في الاوهام و الخيالات ادراكات معنوية و صورية و في الحواس الظاهرة سماعا و رؤية و ذوقا و شمّا و لمسا و كذلك في الصفراء غضبا و في الدم حبّا و في البلغم لينا و حلما و في السوداء تقبّضا و فرارا و كذلك ساير الافعال و الاعمال جميعها تتعين و تتشخص في البدن لا غير و ان قلت ماذا تقول في عودها انها هي تعود الي النفس ام لا اقول اما الي [ص 614] نفسها فلا كما قال الله تعالي لقد جئتمونا فرادٰي كما خلقناكم اول مرّة و اما ثبوتها لها في امكنة تعيّنها فنعم بلا كلام اذ لكل شئ دهرية ثابتة لاتزول صفة كانت او ذاتا الاتري الي قوله تعالي يوم تشهد عليهم السنتهم و ايديهم و ارجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق و يعلمون ان الله هو الحق المبين و في آية اخري اليوم نختم علي افواههم و تكلمنا ايديهم و تشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون و لا تعارض بين الآيتين فان شهادة الالسن لاتنافي الختم علي الافواه و ليس هذا المقام مقام بسط القول فيه و سيأتي في محله ان شاء الله و غاية مرادنا هنا بيان وحدة فعل النفس و قد ظهرت و الحمد لله و لكن بعض الحكماء لايقرّون .

المطلب الثالث

في بيان الحواس و فيه مقدمة و فصول :

المقدمة - اعلم ان الحيوان من نفسه درّاك مطلق لانه حيّ و الادراك صفة الحي كما بينّا سابقا و اذكر في هذه المقدمة برهانا شافيا لمن كان من اهل الفهم فاعلم ان الله عز و جل ذات احدية احاطت باحديتها بجميع الخلق علما اذ لايخرج من تحت احاطتها شئ لانه لايخلو منها مكان و لايبعد منها زمان و لايعزب عنها مثقال ذرة في السماوات و الارض فلكل شئ حضور لدي ربه و حضوره له عين حضوره لنفسه اذ لو كان غيره لكان بحضوره لنفسه غير حاضر لربه و ذلك خطاء اذ هو محيط بالشئ من جميع جهاته ثمّ ان علمه بالاشياء علم واحد لا اختلاف فيه في نفسه و لكنه يختلف بحسب المعلوم فعلمه بالمبصرات يسمّي بصرا و علمه بالمسموعات يسمّي سمعاً و علمه بالمعلومات اي الامور المتصورة و المتعقلة علماً و ان قلت لمَ لايثبت له الذوق و الشمّ و اللمس اقول لانها صفات رذيلة يلزمها المقارنة و الملازقة بالمذوق و المشموم و الملموس و الله عز و جل منزّه عنها و ليس لالفاظها معاني صحيحة تحمل علي الله بها و لكن السمع و البصر ليسا [ص 615] كاخواتهما فان البصر يدرك بالانطباع من غير التصاق بالمبصر و السمع يدرك الصوت من غير اتصال بالصائت مع انهما لايحملان علي الله تعالي بالمعاني السائغة في الخلق بل بالمعني الجايز في الله و هو محض العلم و الاطلاع فان البصر يستعمل كثيرا بمعني الرؤية القلبية و السمع بالعلم بالمسموع فان قولك سمعت كلامه قد يراد منه فهمت معني لفظه و قولك سمع الله قولك اي علمه و سمع الله لمن حمده قبل حمد الحامد او اجاب الله حمد من حمده فلذلك جوز استعمال السمع لله فيقال انه سميع عليم اي عالم بالمسموعات و المعلومات و اما الذوق و الشمّ و اللمس فلاتستعمل في غير المعاني المعروفة فلاتجوز في الله تعالي و بالجملة هو سبحانه عالم بكل شئ و علمه ذاته لايخالفه اذ لو كان غيرها لزم منه تركيبها و اتصافها و تعالت عن ذلك علوا كبيرا و ذاته نفس وجوده و هو عين كماله الذاتي و قد تجلت للمشية بنفسها و هي كماله الفعلي و علمه الامكاني و نوره الذي اضاء له كل شئ و قدرته التي استطال بها علي كل شئ و المشية صفته الكاملة و هي حيّة قايمة قد حيي بفضل حياتها كل شئ و لكون كينونتها كينونة علمية تكون عالمة درّاكة الا ان دركها ليس بالانفعال عن غيرها لانها فعل مطلق و به ينفعل كل شئ فدركه درك فعلي و هو العلم فافهم فانه دقيق قال عليه السلام بالعلم خلقت المشية ، و اذ كان علتها العلم فهي ايضا مؤثرة بالعلم و لو لم‌تؤثر بعلميتها للزم تأثيرها بامكانيتها اذ لا ثالث فان اعلاها الذي هو حيث نفسها علم و اسفلها الذي هو حيث انيتها امكان و الامكان من غير الكون غير مؤثر و ليس هنا محل بسط هذا الكلام و مرادي محض تقديم المقدمة لبيان ما انا بصدده ثمّ خلق الله الاشياء بالمشية موادها من شعاع مادتها و صورتها من صورتها و نسبة الاشياء اليها كنسبة النور الي المنير و الشعاع الي ذي الشعاع فجميع ما يثبت للمؤثر يثبت لاثره اذ جميع ما له منه و لا مبدأ له غيره فليس للاثر صفة غير صفة المؤثر فجميع ملك الله احياء مدركون و هم علماء عاقلون اذ جميعهم آثار مؤثر [ص 616] حي عالم درّاك نعم الانوار درجات بحسب اختلاف اجزاء الامكان فبعضها في القرب من المشية و بعضها في البعد و لذلك يكون بعضها مترتبا علي بعض فكلما هو اقرب من المبدأ يكون اشبه به في كمالاته و كلما هو ابعد منه يكون ابعد في صفاته كما تري في انوار السراج و غاية البعد الي حدّ اختفاء الكمالات كافة الا بقدر استمساك الوجود و غلبة القوة و الامكان و درك براهين ذلك سهل لمن كان من اهل العيان و اول الانوار المقتبس من سراج مشية الله تعالي العقل فانه اول نور سطع منه فهو علي صفته في الحيوة و العلم و الادراك و القدرة و قد جمع جميع كمالات مشية الله بحيث لم‌يشذّ منها شاذّ بحيث لم‌يبق بينه و بينها فرقا الا في الكلية و الجزئية بالنسبة بل اقول ان المشية في الحقيقة غيب العقل و حقيقته و مثلهما كالعرش و الجسم بشرط لا فانه لاينفصل عنه و لايقوم منفردا بل هو ثابت في غيبه و كذلك المشية غيب العقل و العقل عرش ملك الله تعالي و هو حي بحياة المشية تابع له في كل قليل و جليل و كلي و جزئي فهو كامل في وجوده شاعر مدرك بنفسه محيط بجميع الاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه لانه بنفسه علة كل شئ الا انه في الاشخاص لايظهر الا بقدر استعداد قوابلهم و لذلك يختلف حالاته في الادراك و لكنه في دركه غني عن الآلات و الادوات لكماله ثمّ انه اشتعل منه النفس القدسية و خلقت من تأييداته و هي دون العقل في حكاية صفة المشية و لكنها كاملة في صفتها جامعة في علمها عالمة بالاشياء كما ورد في صفتها ان منبتها ارض العلم و هي المختصر من اللوح المحفوظ و لكنها لتنزلها عن العقل بدرجة لاتدرك الا بالآلات و لاتشير الا بالادوات بخلاف العقل فانه لتماميته و كماله لايحتاج الي سبب و آلة و استعماله للاسباب و الآلات لنقصان قوابل الاشياء و اما النفس فليس استعمالها للآلات الا لفاقتها بل يحصل لها الكمال بما تدركه بالمشاعر و لكنها مع ذلك قوية و تتجرد بل (ظ) بعد الموت و بقوتها في حياتها تستعمل المشاعر الباطنة و الحواس الظاهرة بل تستعمل القوي النباتية [ص 617] مع بطئ انفعالها ثمّ تتنزل النفس الي عوالم دونه و يشتعل بنورها ساير ادهان القوابل علي الترتب المذكور و كل ما ينزل درجة يضعف كمالاته و يكثر قوته و من تنزلاته النفس الحيوانية فانها ايضا نور من انوار مشية الله تعالي و علي صفتها الا انها لتجسمها قد تغلظت فضعفت حياتها بحيث لاتقوم منفردة عن المادة الجسمانية فقلّ ادراكها و اختيارها و مثالها نار الشعلة فانها من نور النار الجوهرية قد تعلقت بالدخان و حيي بحياتها و هي لاتقوم من غير دخانها و لكن بقاءها و ثباتها و دوامها بالدخان و لذلك لايظهر آثار النار الغيبية منها الا علي حسب الدخان و جميع فعلها علي حسب فعل الدخان و النفس الانسانية مثالها النار الغيبية فانها قايمة بمؤثرها و لاتحتاج في وجودها الي الشعلة ابدا فاذا طفئ الشعلة تقوم النار في عالمها عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد و اما العقل فمثاله العنصر المطلق المتجلي في كل العناصر فافهم ، و بالجملة مجمل القول ان الحيوانية في مقامها من روح روح المشية قال الله تعالي يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي ، و ورد في الخبر ان الروح من شعاع المشية الخبر ، فحياتها و ادراكها بمشية الله تعالي و لكنها لغلظتها و بعدها عن المبدأ لم‌يبق لها ادراك كامل فلاتقدر علي فهم المعاني و العلم بالغيوب و الاطلاع علي جميع الاشياء لما عرفت ان النور كلما يبعد عن مبدئه يضعف الي ان يخمد ، هذا و الادراك الكلي شأن المحيط و نفس الحيوان لاتحيط الا بالبدن الظاهر احاطة ناقصة فلذلك حصرت ادراكاتها في الحواس الظاهرة و بعض المشاعر الباطنة بقدر فعليتها لها و لكنها ليست في نفسها متكثرة مثل المواد الغليظة لانها بذاتها من عالم المثال و هو بالنسبة الي الدنيا متوحد غير متكثر و قد ظهرت في الدخان اللطيف الحاصل من بخار الدم و هو ايضا متوحد في صورته كما تري عيانا في البخار الخارج من البدن انه مع غلظته متوحد في صورته لا اختلاف فيه بخلاف الدم و اللحم و العظم و العصب و الاعضاء [ص 618] و الجوارح فان اشكالها مختلفة و طبايعها غير متشابهة و امزجتها متفاوتة كما لايخفي و لذلك صار الروح المتعلق بالبدن واحدا و اجزاء البدن مختلفة في الشخصية و ان كانت متشاكلة نوعا فللروح ايضا درك مطلق مبهم و لا اختلاف فيه و هو صرف الانفعال عما يرد عليه من الخارج و لكنه يتخصص في الحواس و في كل حاسة يدرك ما يخصّها ففي العين باصرة و في السمع سامعة و في اللسان و اللهات ذائقة و في الفم شامّة و في ساير البدن لامسة و لولا البصر لماكانت النفس بنفسها باصرة و ان كانت مدركة و بعد الدرك ايضا لايحصل لها رؤية متميزة عن السمع بل جميع المدارك عندها واحدة و المدركات عندها مجتمعة و لكنها يحصل لها منها كمال وحداني و قد ضربوا لذلك مثالا و هو قريب من جهة و ان كان فهمه مستصعبا و هو ان الحواس كانهار خمسة و الروح كالحوض يجري فيها مياه و تنصب في الحوض الاكبر و ان شئت قل ان الانسان اذا وضع اصبعه في اذنه يستمع خرير هذا الماء كما اشعر شيخنا (اع) في كلامه و هو كلام صعب لايعرفه الا اهله ، هذا و نقول ان جميع قوي الروح فيه واحدة حتي ان الارادة فيه لاتتفاوت مع الادراك و هما لايغايران مع الرضا و الغضب و لكن الاختلاف في البدن و آية ذلك انك تريٰها تختلف بحسب الحواس و الاخلاط الاتري ان من يكون صفراؤه غالبة يشتد غضبه و يغضب و ذلك لاستعلاء النار و سرعة انتقالها و تنفرها الاتري في تجزية العقاقير و تدبيرها ان ناريتها تتنفر و تشتعل قبل جميع العناصر و لذلك يدبرون في معالجة بعض الادوية الحارّة اللطيفة تدبيرات لئلاتبطل روحانيتها كالزرنيخ مثلا فان له نارية لطيفة تشتعل في السحق فيحترق و يبطل روحانيته و لذلك منعوا عن سحقه يابسا و الكبريت يشتعل باقلّ حرارة و لذلك يدبرون في تصعيده حتي لايشتعل و كذلك الامر في الحيوان و الانسان ينتقل النارية مما يرد عليها سريعا و تتنفر مما ينافي طبعها علي الفور فمن كان ناريته غالبة لاتصبر علي المكروهات و تغضب و اما ساير الاخلاط فليست سريعة في الانتقال و لكنها [ص 619] تنتقل بالاختلاف و لذلك تري الماء صابرا علي المكروه في مدة مديدة بل لايغضب ابدا حتي يتقوي النارية و ذلك بعد ضعف المائية و كذلك من كان مائيته غالبة يكثر حلمه و لست في صدد تفصيل المسألة و مرادي الاجمال و يكفي ما بيّنته ان شاء الله .

فصل - في اللامسة و قد قدّمتها علي الباقي لعمومها بالنسبة مما اعان الله الحيوان علي حفظه من الآفات و وقايته عن المضارّ ان جعل له لامسة في جميع بدنه لاتفارق حيوانا من الحيوانات و ذلك بان جعلها كصورة الروح و هي له كالمربية للنبات فانها ايضا له صورة منتشرة في جميع فروعه و اصوله و اجذاله لانها سبب حياته و بها قوام وجوده و كذلك اللامسة للحيوان قوة ناشرة في جميع بدنه ثابتة لروحه و كذلك تقدير العزيز العليم و وجه بروزها من الكمون الي الظهور التركّب من العناصر الاربعة بميزان مخصوص و تعلق الروح الفلكية من الافلاك بها فانها اذا حييت باذن الله تجد نفسها فلاتفقدها و كلما ورد عليها شئ من الخارج يخالفها يحسّها اي يجدها و يعرفها انها مخالفة او موافقة و اذا كان الوارد مشابها للروح من كل جهة يجدها و يعرفها و لكنه لايلتفت الي وجدانه لانه لايري امرا زايدا علي نفسه فوجدانه للوارد لايزيد علي وجدانه لغيره و اما اذا كان مغايرا كثيرا او قليلا يحسّه فاذا كان منافيا مضادّا كثيرا بحيث يري فيه فساده يفرّ منه تحفظا و اذا لم‌يكن بهذا الحدّ او كان مقويا له يقبل اليه مستمدا و لذلك جعل الله جميع الجسد حاملا لقوته تيك و بيانه في الجملة ان اللمس اول قوة تطلع من الغيب للروح من طليعاته و علل ذلك بان بدن الحيوان من جنس مادة الكيفيات الملموسة و كذا جميع اعضائه و ان المدرك دايما من جنس المدرك فالذي يسري في جميع البدن من قوة الحيوة و الادراك لايمكن ان يكون غير مبدأ الادراك اللمسي و يرد علي هذه العلة ان كل جسم لايخلو من ساير الاعراض ايضا و بعضها يدرك بساير الحواس فكان اللازم بروزها ايضا [ص 620] و لكن البرهان اللايق بالمقام ان قوة اللمس اغلظ القوي و اقربها من الاجسام الغليظة و لذلك لاتدرك الكيفيات الملموسة الا بالمصاكة و المحاكة و نفس الكيفيات الملموسة ايضا اغلظ من ساير المحسوسات و ادوم للجسم و لذا يحملها كل جسم غليظا كان او كثيفا مظلما كان او نيّرا و لكن ساير المحسوسات يشترط احتمالها بشروط و لذلك مداركها ايضا لا بدّ من اتصافها بصفات خاصة سنذكرها و بالجملة اللامسة كيفية غليظة ثابتة للروح يدرك بها الملموسات و جميع البخار الحامل له صالح لحكايتها لانه جسم قابل للملامسة و قد جعل حاملها العصب المنتشر في جميع البدن لأن كله جسم قابل لادراك الملموس اذا اجتمع شرايطه و بيان ذلك في الجملة ان العصب جسم لطيف في طبعه صلب في لطافته لئلايتقطع و لاينفصم و يكون متحملا لحمل الاثقال و تحريك الاعضاء و المشي و العدو و غير ذلك مما هو في شانه و لو كان بلطافة اللحم و المخ ماكان يتحمل المشاقّ و لكنه مع ذلك جسم لطيف يقبل الحيوة من الروح سريعا و منبته من الدماغ الا ان ما خصّ بالادراك يكون نابتا من مقدم الدماغ و وسطه و ما كان للحركة يكون نابتا من المخ و هو ايضا من مراتب الدماغ و بعد ما صعد الروح من القلب الي الدماغ ينفذ في الاعصاب و قد قيل ان الاعصاب اجسام متخلخلة ينفذ الروح في خلالها و لكني اقول ان الجسم اللطيف ينفذ من الجسم الكثيف و لايحتاج الي منفذ كما ان النار تنفذ من الاجسام الصقيلة الصلبة كالبلور و الماس و ليس ذلك الا للطافتها و ليست النار المتعلقة بالاجسام الا هواء لطيف حارّ فان النار الصرف ليست في الدنيا و كذلك بعض الادهان اللطيفة و المياه المتروحة تنفذ في الاجسام الصلبة و الروح الطف منها فما المانع من نفوذها في جميع الاعصاب من غير حاجة الي منافذ و بعد ما تعلق بها تحيي باذن الله الحكيم و قد انشر بحكمته الاعصاب في جميع البدن الا انه جعلها مختلفة في الطبع و الشكل بحسب اقتضاء المحال فمنها عصبتان جوفاوان نافذتان من مؤخر البصر [ص 621] للابصار و منها عصبتان الممدودتان الي الاذنين علي صفة سنذكرهما و كذلك نبت منها ازواج نزلت الي المنخرين و اللسان للذوق و الشمّ و نزلت اعصاب الي جميع البدن ركبت مع اللحم و الاوردة و الغضاريف و منها كسيت علي اللحوم علي هيئات و اوضاعٍ ذكرها علماء التشريح و جميع هذه الاعصاب المنتشرة احياء مدركة الا ان الادراك الشايع العام في كلها اللامسة فانها واجدة لها في جميع البدن و لكنها لاتدرك المبصرات الا في العين لأن ساير البدن لايحكي الاشباح للعصب فلاتبلغ من الباقي الي الروح و اما العين فكأنها روشن ينظر الروح منها و كذلك حال الاذن و الذوق و الشمّ فان الآلات المعدّة لابلاغ ما يخصّ كلا الي الروح مخلوقة في عضو خاص فخصّ دركها بها و اما اللمس فلايشترط بشئ الا وجود العصب و الجسم الملموس و ملاصقتهما و العصب موجود في كل البدن مبثوث تحت الجلد من القدمين الي الرأس الا ان اعصاب بعض الاعضاء و الاطراف عميقة فيقلّ ادراكها و اعصاب بعضها قريبة من الجلد فيقوي ادراكها و انملة السبابة اليمني عصبها قريب من الجلد و جلدها رقيق و لذلك يكون لمسها اكثر من جميع البدن و قد جبل الانسان علي تشخيص الملموس بها حتي كأنها حاسّة خاصة بذلك مع ان كل البدن لامس فاذا لمس الملموس و ادّي العصب ما ادركه الي الروح يتطبع بطبعه فان كان ملايما له يقبل اليه و يلتذ منه و ان كان منافيا له يفرّ منه و اما كيفية تأثره من الملموس فتختلف بحسبها فاما الملاسة و الخشونة و اللين فوجه احساسها ما تؤثر في الجلد من باب الانسحاق و الانحكاك فان الجسم ان كان خشنا في الغاية يحكّ الجلد و يفرق اجزاءه فينصدم من ذلك الروح لأن عيشه بالاتصال و لذلك يتوجع العضو المشقوق بل كل وجع من ذلك من داخل كان او من خارج و تفصيل ذلك يعرف بادني تدبّر و ان كان ليّنا في الجملة يدركه بالمصاكة و المماسة بسبب الانصدام القليل فانه يشرف علي التفرق و الحكّ و لايفرق [ص 622] و اما ان كان مناسبا للبدن من جهة الخشونة و الملاسة فلايحسّه الروح بمعني انه لايجد امرا زايدا علي نفسه و اذا كان الين من بدنه ربما يصير سبب غوران الجلد و بذلك يحسّه و ان لم‌يحكه بظاهر جلده و لكن بسبب غوره ينصدم لانصدام الاطراف و ميل العصب الي داخل فيشرف علي الانفلاق في الجملة و هذا هو ادراكه و اما ادراك الحرّ و البرد فهو ايضا بمثل ذلك فانه اذا لامس الحارّ و البارد فان كانا منافيين للروح في الحرارة و البرودة يجدهما بالاختلاف و ان كانا موافقين فلايدركهما من هذا السبيل كما هو مجرّب و بالجملة اصل القوة واحدة لا اختلاف فيها فان اللامسة قوة للروح يدرك بها الملموسات و كل ما وصل اليها شئ ملموس يدركه و قال بعض ان قوة اللمس انواع اربعة الحاكمة بين الحار و البارد و الحاكمة بين الرطب و اليابس و الحاكمة بين الصلب و اللين و الحاكمة بين الاملس و الخشن و زاد بعضهم الحاكمة بين الثقيل و الخفيف فتكون انواع خمسة و هذا قول باطل فان الروح واحد بلا شك و القوي لاتتفرق فيه فان القوي لاتتميز بالبداهة و ان قلنا بفعليتها فيه ايضا نقول انها فعلية مطلقة و هي الادراك المطلق و اختلاف الادراك بحسب الآلات و نري ان آلات اللمس غير مختلفة فانك تلمس كل شئ بيدك و تحكم بكيفيته الملموسة فاين يتعدد قوة اللمس نعم ان كان يقول القائل ان نوع ايصال الآلات الي الروح انواع لكان قريبا في الجملة و لكن الحق ما قلناه و اعلم ان الاوزان ايضا تدرك باللمس و فهم كيفية دركها لايخلو من لطف فاعلم ان الاعصاب و الاوتار و الجلد و اللحم اجسام قابلة للامتداد الي حدّ معين فاذا اخذت جسما بيدك فان كان كمّه من حيث وزنه في حدّ لايمدّ العصب و الوتر و الجلد ابدا توزنه فتراه خفيفا في يدك و ان كان وزينا يمدّها في الجملة من الطول او العرض يحسّ الروح له وزنا و يعرف اختلاف الوزن باختلاف مدّها و يشهد بذلك ان الجسم الثقيل ربما يقطع الاوتار و الاعصاب و يشقّ الجلد و لذلك ربما يتألم الروح و يُحِسّ [ص 623] الالم و الاحتراق و ليس الالم الا بتفرق الاعضاء كما عرفت و اذا اخذت جسما في كفك او علي ظهرك او ركبتيك او غيرها تعرف الوزن بالعصر و هو ايضا من الوجه المذكور و اذا ثقل علي الكف ربما يتقوي بالزند و الصاعد ( الساعد ظ ) فان قاوما تحمل الجسم و الا فيجذب بهما الي الاسفل و تميل ايضا الي الانفصام و الانفلاق و بالجملة معرفة الاوزان ايضا من الانصدام لا غير فتدبر هذا و يظهر من كلمات الآخوند رحمه الله ان الروح المنبسط في البدن فاقد للباصرة و السامعة و الشامة و يجد اللامسة لانها قوة مادية تخرج الي الفعل مع الروح قبل جميع القوي و ان كان مراده من كلامه ان اللامسة اول مشعر يملكه الروح كان حقا و لكن ان كان مراده ان الروح النافذ في البدن بعد صعوده من القلب الي الدماغ يكون فاقدا لساير القوي من رأس يكون بعيدا لانه بعد صعوده الي الدماغ يتلطف و يصير صالحا للانفعال مطلقا اذ كان مانعه كثرة رطوبته و قد ارتفع اذ صار حارا بحرارة الدماغ و انقلب دخانا فصار فلكيا فلايفتقد قوة ادراك الارضيات البتة و ما يتعلق بالاعصاب هو الروح الدماغي لا القلبي فعدم دركه لغير الملموسات في ساير الاعضاء لعدم الآلة علي ما عرفت سابقا لا لعدم قوة الروح و لعدم تعين القوي في نفس الروح لاتسمّي بالاسماء الخاصة الا في محالها فالروح المتعلق بالعين باصر و الروح المتعلق بالاذن سامع و هكذا فافهم وجوه الحكمة في كل مقام .