( بعد هذه العبارات بياض كتب المصنف (اع) في هامشه : )
فصلي در حقيقت جذب و دفع و امساك و هضم بايد نوشته شود .
في الحيوان و فيه مطالب :
في بيان كيفية تكوّن النفس و حقيقتها و فيه فصول :
فصل - قد ظهر مما مرّ سابقا حدّ النفس و حقيقتها و لانعيد الكلام الا بقدر مسيس الحاجة فاعلم ان الحدود الآلية و الرسوم القالية لاتزيد في مٰهية الاشياء الا جهالة كما لايخفي علي الناظر الخبير فقول الآخوند رحمه الله في تعريف مطلق النفس انها كمال اول لجسم طبيعي ليس في حدّ نفسه اوضح من اسم النفس حتي يكون معرّفا لها و لذلك يحتاج المعرّف في كل مقام الي توضيح المرام و دفع الشبهة عن الكلام و شرح ما اراده كقوله في بيان المراد انها كمال لجسم طبيعي يصدر عنه كمالاته الثانية بآلات يستعين بها علي افعال الحيوة ثمّ فصّل الكلام في الآلة و قال انه يدخل في التعريف نفوس الافلاك و النباتات و تكلف تكلفا شديدا و كذلك و قالوا في المعني المراد من الجسم ايضا انه بالمعني الجنسي لا بالمعني المادي و مراده من الجسم المادي الجسم بشرط لا شئ بان يتصور معناه بشرط ان يكون وحده بحيث يكون كل ما يقارنه زايدا عليه فيكون حينئذ جزء المركب فيمتنع حمله علي المجموع لانتفاء شرطه و هو الاتحاد في الوجود و مراده من الجنسي الجسم اللابشرط بان يتصور معناه مع تجويز كونه وحده و لا وحده بان يقترن بشئ آخر فيحمل علي المجموع و علي نفسه وحده ثمّ ان المٰهية كذلك قد تكون متحصلة في ذاتها غير متحصلة باعتبار انضياف امور اليها يجعلها كل واحدة منها احدي الحقايق المتأصلة كالانواع الداخلة تحت جنس فهي في نفسها نوع بل شخص واحد من نوع كهيولي عالم العناصر و من هذا نشأ اختلافهم في كون وحدتها نوعية او شخصية و لا معني للتنازع لانها [ص 576] في حدّ ذاتها نوع منحصر في شخص و اذا اخذت لا بشرط شئ حصل لها ابهام جنسي بالقياس الي الصور المنوعة المنضافة اليها كالحيوان مثلا فانه اذا اخذ بشرط ان لايكون معه شئ و ان اقترن به ناطق و صار المجموع شيئا مركبا من الحيوان و الناطق و لايقال للمجموع حيوان اذ هو جزؤه كان مادة و اذا اخذ بشرط ان يكون مع الناطق متخصصا متحصلا به كان نوعا و اذا اخذ لا بشرط ان يكون معه شئ كان جنسا فالحيوان الاول جزء الانسان متقدم عليه في الوجود و الثاني نفسه و الثالث جنسه اذا عرفت ذلك فاعلم ان مرادهم من الجسم المأخوذ في تعريف النفس الجسم اللابشرط الذي يحمل علي جميع الاجسام المركبة و المفردة لا الجسم بشرط لا فانه مادة الاجسام المركبة اذ لو كان الجسم المادي موضوع النفس لكان صورة كل جسم نفسه و هم لايعنون من النفس ذلك و لذلك اختاروا في حدّها وصف الكمال حتي يفرق بينه و بين الصورة فان الفرق بينهما من وجوه مرّ بيانها سابقا فراجع و بالجملة تكلفوا في الفاظ الحدود بما استصعب علي الافهام دركه و لو اقتصروا علي بيان الحقيقة علي طريق الحكمة لكان احسن و اجمل و قال بعض في حدّها انها كمال اول لجسم نامٍ آلي و احسن القول في بيانها قول مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام اذ سأله اعرابي عن النفس فقال عن ايّ نفس تسأل فقال يا مولاي هل النفس انفس عديدة فقال عليه السلام نعم نفس نامية نباتية و نفس حسية حيوانية و نفس ناطقة قدسية و نفس الهية ملكوتية قال يا مولاي ما النباتية قال قوة اصلها الطبايع الاربع بدأ ايجادها عند مسقط النطفة مقرّها الكبد مادتها من لطايف الاغذية فعلها النمو و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فقال يا مولاي و ما النفس الحيوانية قال قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها الافلاك بدء ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية مقرّها القلب سبب فراقها اختلاف [ص 577] المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحل تركيبها الحديث ، و مرّ سابقا حديث كميل بن زياد عنه عليه السلام في ذكر قويها فراجع و قد بيّن عليه السلام في هذا الخبر الشريف مبدأها و منتهاها و مٰهيتها بحيث لمتخف علي ذي حجي و لايخفي ان لفظ الكمال الذي اختاروه لفظ نوع لايميز بين الكمالات الذاتية و الوصفية و الجوهرية و العرضية و تخصيصه بالاول و اضافته الي الجسم ايضا لايفيد الا تنوعا كليا و تخصيص الجسم بالآلي ايضا امر نوعي و بالجملة لايعرف حقيقة الانفس بهذه الحدود بل الرسوم في الواقع و لكن قوله عليه السلام كاشف عن حق النفس و حقيقتها فظهر من قوله عليه السلام ان النفس النباتية هي صوافي الاغذية و لطايفها بعد ما اخذت و صفيت و مزجت حتي توحدت صارت نفسا نامية و النفس الحيوانية روح فلكية و حرارة طبيعية تتعلق بها و لايكشف حقيقة المطلب الا ببيان خلقها و تعلقها حتي تقف علي تمام المطلب ان شاء الله .
فصل - قد نبّهنا سابقا في هذا القسم من الكتاب بل في القسمين الاولين علي مقدمات لا بدّ من الاطلاع عليها و انا اشير الي بعضها هاهنا و احيلك علي ما مضي منها ان كل شئ فيه معني كل شئ و يمكن تكميل كل شئ الي اعلي الدرجات و تنزيله الي اسفل الدركات و منها ان العناصر تنزل جميع العوالم العالية فان العقل الاول نزل اليها و وقف فيها لعدم كون عالم دونها اذ لايتصور دون العدمة شئ الا العدم الصرف و هو في عرصة الامكان محال و لذلك صارت العناصر مبدأ الخلق الثاني و منتهي الخلق و فيها جميع العوالم العالية بالقوة حتي الافلاك و العرش و الكرسي و منها و هو اصل شريف آخر لمنتعرض لبيانه صريحا فيما مضي و هو ان هذه الافلاك بسايط جسمية و ان لمتكن بسايط في الحقيقة و لاتقبل التحصص و التقسم و لذلك صارت بعيدة عن التغير و الفناء و البوار باقية مدة بقاء الزمان و لو كان يعتريها التفكك و الانقسام لاسرع اليها الفناء و الانفصام [ص 578] و صارت مثل المواليد العنصرية و لميكن مراد الحكيم من خلقها ذلك بل كان مراده بقاؤها و دوامها لانها محال مشيته و اوكار ارادته فما يقال في تركيب بعض المواليد انه يؤخذ قبضات من الافلاك فيها لايراد انه يؤخذ من اعيانها بل يراد انه يستخرج امثالها من كمون العناصر بالاحالة و الاستحالة او التخليص و الاستخلاص بالتدابير الفلسفية او كليهما و لكل منهما مقام فبعد ما اراد الحكيم ان يأخذ من العناصر لتركيب الحيوان يأخذ منها في الظاهر و من الافلاك الكامنة في قويها في الباطن و تدبرها علي ما تشاء حتي يستنبط من بواطنها المواد الفلكية فترقيها في مدارج الدماغ و تحيلها في كل مرتبة الي فلك حتي تبلغ المُنٰي فافهم اذا عرفت هذه المقدمات و غيرها مما مضي سابقا فاعلم ان الغذاء اذا ورد المعدة و انهضم فيها بقوة الهضم الذي جعل الله فيها و في الامعاء يخلص منها صوافي لطيفة تسمّي بالكيلوس علي لسان الاقدمين او الكيموس و مرادهم كشك الشعير شبهوه به لمشابهتهما في الجملة و هو لطايف الغذاء قد حصلت بالطبخ و الحلّ فيجذبه العروق المهيّأة لذلك النابتة في الامعاء و هي المسمّاة بماساريقا الي الكبد علي ما استنبطه المتقدمون و يندفع فضول الغذاء من طريق المعاء المستقيم فيعمل الكبد في الكيلوس بحرارة قوية اعدّها له بفضل حرارة القلب فتنضج هنا ايضا انتضاجا ثانيا و تصفي مرّة اخري و تفرق بين الفضول و الاصول و تجزيها مرة اخري و في التصفية الاولي فرقت بين الاجزاء الهبائية و كان مثلها كاستنباط عصير الحصرم من القشور و الفضول و في الكبد تفرق بين الاجزاء الطبيعية و يستنبط لطايف العناصر و يدفع فضولها فيدفع فضول الصفراء الي المرارة و السوداء الي الطحال و البلغم الي الرية بقدر حاجتها و يدفع ما فضل من الجميع الي الكلية فتدفعها الي المثانة و تخرجها من طريق البول فيبقي دم لطيف خالص مركب من العناصر اللطيفة كما بينّا و هو النبات الخالص بل النفس النباتية لانك عرفت انها الطبيعة الخامسة و هي هي فيجري في القلب علي ما قاله [ص 579] السابقون و هو الكيموس بلسان اليونان ثمّ يعمل حرارة القلب فيه حتي يجعله بخارا و هو من صوافي الدم علي ما عرفت و الدم خلاصة الغذاء و مصفّاه من الاعكار مرتين تصفية هبائية و تصفية طبيعة و البخار مركب من الطبايع من كل واحد جزء و من البرودة جزئين علي ما قاله ابي اعلي الله مقامه و البخار اعلي درجة النبات و بعد ما بلغ الغاية المطلوبة من اللطافة يشتعل بفضل حرارة فلك القمر بواسطة نوره و اشعته المنبثة في الملك فيصير فلكا في بدن الحيوان و يحيي بامر الله تعالي كما يشتعل الدخان بالنار بعد ما تكلس و تلطف فان النار منبثة في جميع الملك و لاتظهر في شئ لعدم الصلوح و الاستعداد و الدخان بعد لما صار صالحا حكي عنها و كذلك الامر في البخار فانه مرآة تحكي عن الحرارة الفلكية المنبثة في جميع الملك و اعلم ان الفلك يشرق و ينبث شروقه في كل شئ و لكن المواد تحكي عنه بالاختلاف بحسب القوابل فما كان صالحا للحكاية قابلا يشتعل بظاهره و باطنه فيخرج الفلكية من بطونه و ما كان غير صالح بهذه المثابة يشرق ظاهره فقط و مثال ذلك ظاهر من نفس النور فان نور القمر يشرق و ينير ظاهر الجدار فيكون نوره مستعارا و يشرق علي بخار قلب الحيوان فيشتعل ظاهره و باطنه بحيث يخرج من كمونه القمرية و يكون كالسراج من السراج فيقوم بنفسه و لذلك يكون نيّرا و لو انطفا الاول و كذلك الحيوان يبقي حيّا و لو افل القمر ، نعم بعض الحيوانات لضعف بنيتها ربما يعرضها الضعف باُفوله و يتقوي ببزوغه و يتبع حالاتها حالات القمر و لكن الحيوانات القوية لاتتغير حالاتها كثيرا ما دام صحتها و اعتدال امزجتها و بالجملة هذا النور المنبثّ من الفلك في الملك حامل لروحه و كلما تعلق بمادة من المواد الارضية يتعلق بما يحمله من الروح الا ان المواد مختلفة فمنها ما يحكي نفس النور بظاهره و لايحكي روحه كالجمادات و منها ما يحكي بظاهره من الروح ايضا بقدر مسكة الوجود كالمعادن و النباتات فان ارواحها [ص 580] ظلية من ظل روح الفلك و حياتها بفضل حياته و يشهد بذلك ما يشاهد من تأثر النباتات من شروق القمر و الكواكب و اختلافها باختلاف حالاتها و ما يحكي نوره و روحه بظاهره و باطنه كالحيوانات و هذا الروح الفلكي هو الحرارة الغريزية و منشأوها من الفلك و ان خرج من كمون المواد الدنيوية و هو المدرك المتحرك المريد و منبعثه من القلب و بعد تكوّنه يؤثر في البخار الذي يحمله و يلطّفه و يصعده الي الدماغ فيتلطف و يتصفي حتي يصير دخانا فيصير بلطافة الفلك و كلما يصعد في بطون الدماغ يصير الطف و اصفي و اعدل فيتعلق به في كل بطن روح فلك من الافلاك الي ان يبلغ البخار بلطافة الكرسي فيحكي عن النفس و العرش فيحكي عن العقل و هو في جميع هذه الحالات جسم لطيف بخاري فانه قد ثبت في الحكمة ان كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و ان بلغ منتهي الغاية و لكل شئ مبدأ و نهاية مبدؤه عرش عالمه و نهايته ارضه و منتهي سير ارضه الي عرشه و منتهي نزول عرشه الي ارضه فلايخرج شئ من عالمه ابدا و لذلك قال اساتيدنا اعلي الله مقامهم ان تنزّل العقل الي العوالم الدانية ليس بنزوله بذاته بل العالم الادني في مقامه تنزّل العالي و العالي ثابت بذاته في عالمه فالجسم الغليظ كلما رقق و لطف و صعد لايخرج من الجسمية ابدا و لايقدم في عالم المثال ابدا علي خلاف ما قال القائل ان هذا الروح بنفسه يصل الي الانسانية فيدخل في الملكوت الاعلي و يصير من اهل البقاء بل يلحق بالربوبية العلياء اذ يشهد ببطلانه العقل و النقل و روحه في جميع هذه المراتب روح فلكي و هو روح الحيوة و ان سمّي في مقام الكرسية انسانا يراد منه الانسان الكوني لا الانسان الشرعي و هذا الذي وصفه الاطباء في كتبهم و جري ذكره علي السنتهم و انبعاثه من الدماغ اذ لايتعلق بالبخار الا بعد ما صفي و لطف بحرارة الدماغ و اما الانسان الشرعي فانبعاثه من الغيب اذ قال عليه السلام موادها التأييدات العقلية و تأييد العقل من الغيب و ليس له محل في البدن كما سيجيء شرحه ان شاء الله و لكن [ص 581] الانسان الكوني حيوان ناطق حياته من القمر و نطقه من كمالات الكرسي فبعد ما بلغ لطافته حدّ الكرسي ينطق و ساير قواه من قوي ساير الافلاك علي ما سنبيّنها و ما نريد بيانه في المقام ان هذه الروح ليست من الاجسام اذ هي طبيعة خامسة و هي صورة جامعة مثالية اي مثال النفس القدسية و شبحها الملقي في سماوات دماغ الانسان و لذلك لايصدق عليها حدّ الجسم فانه جوهر قابل علي ما عرفت و هذه الحرارة لاتكون قابلة اذ ليست مادة و لا مادته و لاتكون جوهرا في الواقع و ان كانت جوهرة نسبية لانها ظل النفس و مثالها في السافل فهي غير الجسم و لكنها قايمة بالجسم اذ بينّا سابقا ان المثال لايقوم من غير جسم ابدا فانه قبل الظهور في الجسم مطلق و لا خصوصية له بوجه و هذه مسألة شريفة و هي العمدة في معرفة عود الحيوانات فافرد لبيانها فصلا .
فصل - اعلم ان المثال صفة العالي و نوره الصادر منه و فعله فهو علي صفة العالي اذ هو صفته لا فرق بينه و بينه الا انه اثره قائم به و مؤثره قايم بنفسه و ان ابيت الا البرهان اقول ان وجود الاثر بمادته و صورته من مؤثره كما تري في نور الشمس بالنسبة اليها فانه شبحها المنفصل عنها و ليس للنور شئ من نفسه و لا من غير الشمس اذ لا فاعل له غيرها فجميع ما له من الشمس و جميع ما يصدر من الشمس له فلايخالفها ابدا و ما تري في بعض الانوار من المخالفة مع منيراتها فذلك لامتزاج الانوار من فواعل مختلفة و لو كان الفاعل واحدا لماتجد اختلافا ابدا و لذلك لاتكاد تجد اختلافا في ملك الله اذ ليس من عند غير الله تعالي فالمثال الصادر من النفس مطلق لاطلاقها لايخالفها في شئ و بعد ما تعلق بالمواد الدنيوية يتخصص فيها بحسبها فلو رفع الدنيا برُمّتها لمابقي الا مثال مطلق في الدهر فجميع خصوصيات الامثلة من الدنيا و لذلك لاتريٰها خاصة الا علي لوح الاجسام في الزمان و لذلك تكون مشابهة بالزمان في صفاته و ما يجري عليه فيقال للبرزخ غدوة و عشيّ و ايام و ليالي و يأتيهم رزقهم فيها غدوة و عشيّا بل هذا هو سرّ [ص 582] برزخية الامثلة كما سيأتي في محله ان شاء الله و قولهم انها الاقليم الثامن علي فرض كون المسكونة من الارض سبعة اقاليم فثامنها امثلة الاشياء فتدبر فخصوصية تلك الامثلة من المواد و ما من النفس امر كلي شايع فاذا فسد تركيب الجسم الطويل لاتكاد (كذا) هذا الطول الخاص ابدا بل الباقي هو الطول المطلق مثلا و هكذا فقول مشايخنا ان ما يمحا من لوح الاجسام يثبت في عالمه و هو باقٍ ابدا اِما محمول علي البقاء الدهري بالكلية او الثبوت في العلم الازلي فانه لايضلّ ربي و لاينسي و هو العالم بكل شئ علي ما هو عليه و اما الثبوت الشخصي في البرزخ من غير مادة جسمانية فلا و ابيك و لعلك تعرف من هذا البيان ايضا ان ما يبقي من امثلة الاناسي بعد الموت لاتتعري من المواد الجسمانية و اما ما يختص بالبدن العرضي ككمه و كيفه و وضعه و ساير ما يخصه فتبلي ببليه البتة و ذلك امر مشهود و برهانه ايضا ظاهر و ما يبقي هو المشاعر النفسانية باعمالها و لها اجسام بحسبها لانها فلكية و المواد الفلكية اشدّ دواما و اكثر بقاءا من المواد العنصرية و بعد الموت تصعد الي السماوات بنفوسها و تبقي و تعيش الي منتهي آجالها و اما اذا كانت اجسامها غير قابلة للبقاء فلايبقي خصوصياتها بل تعود الي ما بدأت منه عود ممازجة كنفوس الحيوانات فانها صدرت من المبدأ بالكلية و تعلقت بابدانها و تصورت فيها بصورها و جميع خصوصياتها من الابدان اذ ليست تعيّنات علمية نفسانية بل هي من صرف الاخلاط و الطبايع فان الاسدية و الفرسية مثلا ليستا صورتين علميتين دهريتين حتي تبقيا بعد الموت في الدهر و لكنهما حاصلتان من هيأة البدن العنصري و لذلك تري الحيوانات تتغير صفاتها بتغير الابدان فالنملة تتحول طايرا و تدخل في نوعه و دود القز يتحول طايرا و ربما يتحول الذكران منها الي الاناث كما في بعض الطيور و ذلك لأن انفسها ليست متعينة و لو كانت كذلك لماتحوّلت و ماصار ابدانها ايضا حاملة لغيرها لا بالتبادل و لا بحكاية نفسين فان ذلك محال [ص 583] فبقي ان يكون الانفس مطلقة و الخصوصية من المحالّ كالمرآة العوجاء المتلونة مثلا فانها تحكي عن وجهك بحسبها فاذا غيّرت تحكيه بحسب ما تقتضيها ثانية و هكذا تتغير الاشباح بتغير الالوان يوما فيوما و اذا كسرت المرآة تبقي علي ما انت عليه و لايعرضك عرض من الوان المرآة و كذلك الامر في انفس الحيوانات فانها صدرت من مبدئها مطلقة و ظهرت في الابدان متخصصة و تعيش بالتخصص ما دامت الابدان حية و اذا ماتت تعود مطلقة كما كانت فلاتكاد تجد في الدهر كلبا غير خنزير و لا فرسا غير حمار و لا حمارا غير طير و هكذا بل العايد هو الحيوان المطلق و اما ما ورد من الاخبار الدالّة علي عود بعضها و تقاص الجماء من القرناء فيحتمل ان يكون محمولا علي الرجعة في المثال او يكون مخصوصا بالمقاصين كما قال بعض الحكماء او يكون مخصوصا بما كان منها اولي شعور و يجوز تعميم القيامة ايضا حتي يعدّ الدنيا ايضا دار الجزاء و ذلك ايضا حمل جايز غير ممنوع فتدبر .
فصل - لما عرفت صفة النفس حريّ بنا ان نصف الروح ايضا فانه ليس مقام اليق به من المقام ، اعلم ان الروح قد يطلق و يراد به النفس و ذلك شايع في الالسنة و في الاخبار ايضا و قد يراد به غيرها ففي اصطلاح الاطباء يراد منها بخار الدم المتين الصافي الحاصل من الاغذية و هذا الدم يتولد في الكبد و يدخل البطن الايسر من القلب من الوريد الشرياني الممدود بينه و بين الكبد و يؤثر فيه حرارة القلب و يتصرف فيه حتي يحصل منه بخار لطيف و يسمّي في عرفهم بالروح الحيواني و محل قوة الحيوة و تعلق النفس و الروح الشرعي و قال ابوالبقاء في كلياته الروح ما به حياة البدن نحو يسألونك عن الروح و الامر نحو و روح منه و الوحي نحو ينزل الملئكة بالروح و يلقي الروح من امره و القرآن نحو اوحينا اليك روحا من امرنا و الرحمة نحو و ايّدهم بروح منه و الحيوة نحو و رَوْح و ريحان و جنة نعيم و جبرئيل نحو فارسلنا اليها روحنا و ملك عظيم نحو يوم يقوم الروح و جنس من الملئكة [ص 584] نحو تنزّل الملئكة و الروح ، وجهه كوجه الانسان و جسده كالملئكة و عيسي النبي (ص) ايضا و الروح الكلي في مرتبة كمال القوة النظرية و العملية يسمي عقلا و في مرتبة الانشراح بنور الاسلام يسمّي صدرا و في مرتبة المراقبة و المحبة يسمّي قلبا و في مرتبة المشاهدة يسمّي سرّا و في مرتبة التجلي يسمّي روحا و قال ايضا الرُّوح بالضم هو الريح المتردد في مخلوق الانسان و منافذه و اسم للنفس لكون النفس بعض الروح فهو كتسمية النوع باسم الجنس نحو تسمية الانسان بالحيوان و اسم ايضا للجزء الذي به تحصل الحياة و استجلاب المنافع و دفع المضار و الروح الحيواني جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني و له بيانات في الروح الانساني ، اقول بعض المعاني التي ذكرها للآيات مخالف لاخبارنا و لست في المقام بصدد النقض و الابرام و الذي نريده هنا ان الروح بمعني النفس هي هي و لا فرق بينهما و كذلك الروح بمعني العقل هو الروح المجرد القدسي و مرّ صفته سابقا و لكن كلامنا هنا في الروح البخاري و قد قال الامام عليه السلام في صفته الروح جسم لطيف البس قالبا كثيفا ، و هو للنفس الحيوانية بمنزلة الدخان للنار و النار مثال غيبي علي ما عرفت مكررا و لانعيد و هذا البخار هو ذرّات الدم المتصاعدة بسبب الحرارة و اعلم ان الحكماء اختلفوا في ان الارواح الثلثة اي الروح الطبيعية و الحيوانية و النفسانية باصطلاحهم واحدة و لكن اختلفت صفاتها و قويٰها بالنسبة الي المحل او هي متعددة مختلفة بالذات و الحق انها واحدة و اقتصر في المقام بخلاصة ما قاله ابي اعلي الله مقامه فان كلامه احسن الكلام :
اذا قالت حذامِ فصدقوها فان القول ما قالت حذامِ
قال اعلي الله مقامه : ان هذه الارواح التي هي محل نظر الاطباء هي الارواح المتعلقة بهذه الابدان المربية لها الفعّالة فيها المقترنة بها و قد اثبتنا في الحكمة ان العلل لا بدّ و ان تكون في عرض المعلولات و الاسباب في عرض المسببات [ص 585] و ان كانت اعلاها و الطف منها الا انه تجمعها مادة واحدة بها تكونان مصاقعتين و الا فلميكن يمكن اقترانهما و فعل العلة في المعلول و انفعال المعلول من العلة كما تري من ان المحرّك ما لميكن من عرض المتحرك لميطلع المتحرك علي ارادة المحرّك و لمتقترن به مشيته و لمينفعل عنها ابدا فهذه الارواح المربية للابدان لا بدّ و ان تكون في صقع الابدان فانا نري فعل الروح الطبيعية في الابدان من الجذب و الامساك و الهضم و الدفع و غيرها و فعل الروح الحيوانية من الانبساط و الانقباض و الميولات و الشهوات و الغضب و فعل الروح النفسانية في الابدان من الحس و الحركة بفروعها فاذا رأينا انها تفعل في الابدان افعالها و تنفعل الابدان منها عرفنا انها في صقع الابدان و الا لمتنفعل عنها و لمتطلع علي ارادتها فاذا عرفنا و رأينا مشاهدة انها في صقع الابدان عرفنا انها جسمانية الا انها الطفها و اصفٰا و ارقها فعرفنا ان مادتها واحدة و انما اختلافها في الرقة و الغلظة ثمّ بسط الكلام الي ان اوضح المرام ان الغذاء هو جسم غليظ و بعد ما صفي و لطف يصير دما صافيا و بعد ما كلس صار بخارا و البخار هو جسم من مادة اللحم و العظم و قد صار الطف و انقلب نباتا و رقق الي ان ساوي الفلك فحكي الروح فصعد في مدارج الدماغ و حكي عن النفس الناطقة و لطف الي ان صار عرشا و هو القلب الحقيقي و بحسب رقته و غلظته حكي عن النفس الكلية و جميع القوٰي صفاتها و قد اختلفت في الظهور بحسب المادة ففي البخار الكبدي ظهرت بالجذب و الدفع و الامساك و الهضم و هي عين صفات النفس فان من صفتها الادراك و المحبة و الاُلفة و قد ظهرت في النبات بهذه الصورة لغلظته الاتري ان النبات لايجذب الا ما اقترن به و فعل فيه و انفعل عنه الا انه ادراك جسماني و لايجذب الا ما يشاكله و لايدفع الا ما ينافره و هذا هو معني الرضا و الغضب و الحب و البغض و كذلك ظهرت في البخار القلبي بالادراك بالحواس الظاهرة و الرضا و الغضب و هي من صفات [ص 586] النفس و ظهرت في الدماغ بالصفات النفسية و هي عين صفتها فالبخار الحاكي عنها واحد نوعا الا انه اختلف في الصفة و الصفات ايضا واحدة الا انها اختلفت في المرايا و البخار من اسفله الي اعلاه جسم نباتي مجانس للبدن و هو الذي يعمل فيه و حياته به و النفس الحيوانية عارضة له قد تتعلق به و قد تفارقه فالبخار المتولد في القلب المتصاعد الي الافلاك كله جسم لطيف و في كل بطن من بطون الدماغ يتعلق به روح خاص من فلك بحسبه و بحكايته للارواح الفلكية لايخرج من الجسمية كما ان الافلاك لمتخرج من حدّ الجسمية بما تعلق بها من النفوس الغيبية نعم نفوسها متفاوتة بحسب الكلية و الجزئية و الصورية و المعنوية .
تنبيه - ثبت من مذهب الآخوند رحمة الله عليه ان النفس الانسانية كامنة في العناصر الجسمانية و تتولد منها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما و لحما ثم حيوانا ثم انسانا و هكذا الي ان يلحق بعالم الامر و لذلك قال ان الانسان جسماني الصدور روحاني البقاء و عرفت ما رويته عن ابي اعلي الله مقامه في المقام و الفرق بين الكلامين ظاهر و لكن ربما يشتبه لمن ليس من اهل الاشارة و لذا اقول من باب التوضيح ان مراده من قوله ان العناصر بعينها تستحيل الي الجمادية فتكون جمادا كما ينقلب الخمر خلّا فيستحيل الجمادية الي النباتية فالنفس النباتية هي هي الجمادية الصاعدة من حيّزها الداخلة في حيّز اعلي و النباتية يصير حيوانا و الحيوان بعينه يصير انسانا و ذهب غيره ايضا هذا المسلك و لكنا نقول ان كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه فالزمانيات لاتخرج من الدنيا الي البرزخ و ما يلحق بالبرزخ منها اصلي برزخي قد ظهر فيها كما يظهر الشمس من السماء في المرآة و البرزخيات لاتقدم في الدهر ابدا و ما يلحق الدهر دهري قد تجلي بها لها و الدهريات لاتقدم في السرمديات هكذا بل كل دانٍ مستغرق في العالي و نزولها من الاعلي ايضا ليس بمعني تنزل العالي الي الداني بل الداني ادني من العالي بمادته و صورته و لكل شئ مبدأ قال [ص 587] الله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و قال لكل درجات مما عملوا و سيأتي تمام الكلام في محل آخر فمنتهي سير الجسم من الارض الي العرش فالغذاء الذي يتغذي به الانسان مبدؤ تغيّره الكيلوسية و منتهي اوجه و ترقيه ان يصير بخارا لطيفا في اعلي بطون الدماغ قابلا لحكاية العقل لا انه يصير عقلا فعّالا و صدق الاسم عليه من باب صدق اسم الحالّ علي المحل لا غير و هذا هو الحق لا غير .
فصل - قد ثبت في الحكمة ان هذا الملك من العرش الي الفرش انسان واحد و قال بعضهم انه حيوان واحد و هذا كلام متين مأخوذ من اهل الحق و قول من خالفنا في ذلك ضعيف و برهانه سخيف و قد جمع الله فيه جميع ما ينبغي لكمال شخص واحد الا انه شخص نوعي فبدنه الارض بما فيه و السماوات و نفوسها النفوس المتعلقة بها فنفس القمر حياته و نفس العطارد فكره و هكذا الي ان العرش حامل عقله و الجسم بشرط لا حامل فؤاده و اللابشرط حامل ذاته و حقيقته الا انها نوعية بحسب قوابلها فانك عرفت سابقا ان النفوس الغيبية كلية مبهمة و لا خصوصية لها من نفسها و بعد ما تعلقت بالمواد الجسمانية تعيّنت فيها بحسبها و ادخنة السماوات بسايط لا خصوصية لها الا بقدر اختلافها في طبايعها فلاتخصص النفوس الا بقدر خصوصيتها ففيها تشخصت الحيوة من الفكر و الفكر من الخيال و هكذا و قبلها لمتكن الا نفس واحدة كلية الهية و قد تشعبت فيها باقتضائها و اما خصوصية الفكر بان يتعلق بامر خاص مثلا او الحيوة بان تكون حيوان فلان فتلك تحصل باسباب اخري هيأها الله في المواليد لا غير و اما في الملك فجميعها مبهمات و لميعقه الابهام عن الانسانية اذ ليس مما به الانسان انسان التشخص اذ هو من المتممات بل ما به هو هو النفس و قد ظهرت في الملك فاذا عرفت هذه المسألة فاعلم ان هذا الانسان او الحيوان الواحد له حياة واحدة اذ لايحكي بدن واحد عن روحين من عرض واحد و كذلك ساير حواسه و مشاعره له من كل مشعر روح واحد لا غير فالقمر الذي قلنا انه حياة الملك به حياة العرش الي [ص 588] الفرش كما ان العرش الذي هو عقله عقل عرشه الي فرشه فليس حياة ساير الافلاك بروح غير القمر فاذا اخذ القمر من الملك يخرّ ميتا فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الانسان انموذج العالم الكبير كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي المختصر من اللوح المحفوظ الخبر ، و قد جمع الله فيه جميع ما فيه بل اقول ان كل شئ فيه معني كل شئ لأن المنبع واحد و لا اختلاف فيه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و لكن امره واحد و لكن المواليد التي دون الانسان ناقصة و بسبب نقصانها لمتخرج من كوامنها جميع ما استجن فيها و لكن الانسان مولود شريف و خلق لطيف شرّفه الله بالرغيف الاعلي و سقاه من القدح الاوفي و رزقه خير الآخرة و الدنيا اذ قال عليه السلام خلق الله آدم علي صورته ، فلميفقد من الموجودات كمالا و لميعدم من الحسنات و الخيرات جمالا فجمع الله فيه جميع ما ثبت في العلم بحسب شانه فلذلك صار كتاب الله الذي كتبه بيده و ان عرفت ما ذكرت تعرف معني قوله عليه السلام في النفس الانسانية ان منبتها ارض العلم و لميكشف لثامه احد من العلماء لصعوبته اذ هو من الحديث الصعب المستصعب نعم اشار الي ذلك ابي اعلي الله مقامه اذ قال اي ارض علم العالي و لميزد علي ذلك فافهم فالانسان جامع النشأتين و حاوي المنزلتين و لذلك ثبت فيه كل ما في الملك و لما كان الملك بمنزلة البدن للعوالم العالية و الارواح الغيبية و كلما تكون البدن يتعلق به الروح المناسب له البتة تعلق بالانسان جميع الارواح الغيبية كما تعلقت بالملك فالانسان مختصر اللوح و كلامنا هنا في ظاهر بدنه فجسمه صار بالفعل من عرشيته الي فرشيته و لكن جميعها جسم فهو مخلوق من قبضات عشرة فلكية و لكل قبضة روح خاص و هي نافذة في كل بدنه لا ان لكل جزء هذه الروح خاصة كما ان اخلاط بدنه اربعة و صفراء بدنه هذه الصفراء الموجودة و كل نفس من نفوسه تستعملها لحاجتها لا ان لكل منها صفراء خاصة به و كذلك [ص 589] الحيوة حياة واحدة سارية في البدن من العرش الي الفرش و الخيال خيال واحد سار من العرش الي الفرش و هكذا فافهم و هذا اصل شريف ينبغي حفظه .
تنبيه - لايذهبن بك المذاهب فتزعم ان ما عددناه من المراتب موجودة في جميع الاناسي لما قلناه ان الانسان انموذج العالم بل ذلك حظ الخصيصين و المراد من الانسان المذكور هو الفرد الكامل منه الذي طلع شمس الانسانية من افق جبلته و هو اوحدي الزمان لا كل من يمشي برجلين مستويا علي قدمين ، و لا كل من حاز الجمال بيوسف ، لاتقل ان الحكماء قالوا ان الانسان هكذا و هو عام يشمل جميع الافراد اذ كلام الحكيم لايحمل علي متعارف علماء الالفاظ و لكن لهم اصطلاح خاص يجرون عليه كلامهم و هم يحملون الاسماء غالبا علي الافراد الكاملة الخالصة فان قالوا ان الماء هكذا لايحمل الا علي الفرد الكامل الخالص منه نعم اذا ارادوا يوما بيان حكم المياه المركبة الدنياوية يشعرون به في ضمن كلماتهم و يتبين مرادهم بالقراين البتة و كذلك الاخبار الواردة في بيان الحقايق تحمل علي الافراد الكاملة لأن الاسماء موضوعة علي المهيات و هي نفس مقومة الشئ دون المتممة و هي ان كانت بالفعل في المتممة غير مشوبة بالاعراض يصدق عليها الاسم و يدلّ عليها بالمطابقة و الا فالاسم صادق علي قوة المتممة او عليها بالغلبة و يدل عليها بالتضمن بالجملة الانسان في عرف الحكماء بل اخبار الائمة عليهم السلام يحمل علي الفرد الكامل و اما ساير الناس فهم حيوانات الا ان منها يمشي علي رجلين و منها تمشي علي اربع و منها تمشي علي بطنه و ذلك قوله عليه السلام نحن الناس و شيعتنا اشباه الناس و ساير الناس نسناس و قال عليه السلام الناس كلهم بهائم الا المؤمن المؤمن قليل المؤمن قليل المؤمن قليل المؤمن اقل من الكبريت الاحمر ، و الانسان الكامل هو الذي خرج من قوته جميع القبضات الارضية و الفلكية و كل من دونه لايصدق عليه الاسم علي الحقيقة و ان كان داخلا في حيّز الانسانية بقدر ثبوت الحشر و النشر و الحساب و الكتاب [ص 590] كما سيأتي ان شاء الله في محله .
فصل - قد ظهر مما بيّنّاه ان الحيوانية هي الحرارة الغريزية و لاتزعم ان الحرارة الغريزية هي حرارة النار اذ عرفت مما اسلفناه ان النار الخالصة لاتكون حية الا بحياة ظلية جزئية و لكنها بعد ما ركبت مع ما اخواتها حتي امتزجت فصارت واحدة تصير نباتا و النفس النباتية هي المزاج علي ما عرفت و المزاج بعد ما اعتدل و صفا حتي شارك الفلك في اعتداله و صفائه يشتعل بالروح الفلكي كما يشتعل الدخان بالنار و هذه الروح هي المسمّاة بالحرارة كما قد تسمّي بالطبيعة و ليست حرارتها حرارة نارية لانها فوق العناصر اذ هي فلكية و لنعم ما قال صاحب الكفاية ان الافلاك كلها طبيعة خامسة و ليس مزاجها حارّا و لا باردا و لا رطبا و لا يابسا و ما يشاهد منها من تلك الامزجة هي مما يتولد في العناصر من تركيبها مع اشعة الكواكب فمن تركب بعضها مع بعضها يحدث الحرارة و من تركب بعض مع بعض يحدث البرودة و هذا قول حسَن ان عرفت كنهه و كذلك حكم ارواحها بل هي هكذا بطريق اولي فليست حرارتها حرارة نارية بل هي حرارة تجمع مع البرودة و الرطوبة ايضا و لذلك ورد في بعض الاخبار في صفة الماء ان طعمه طعم الحيوة و ريحه ريح الحيوة و من هذا الباب ما يقال ان الحيوة من القمر مع ما يحسّ منه البرودة و الرطوبة و من خواصه تربية البحار و الاشجار فيجوز علي ذلك تسمية الروح بالبرودة الغريزية و رطوبتها و يبوستها و بالجملة بعد ما عرفتها تتمكن من معرفة وجوه الحكمة في اسمائها و حاصل مرادنا انها بنفسها فوق الطبايع و لايلوثها ارجاسها و لايدنسها انجاسها ان لمتنهمك فيها و لكنها لاتخرج من حدّ مجموعها لانها فوق الاربعة لا غير فتمام سلطانها عليها لا غير نعم النفس الظلية التي فوقها لتفوقها عليها و علي الافلاك تتسلط عليها و علي الافلاك المتولدة فيها و سيجيء صفتها و الحيوان لجريان حكمه علي العناصر التي دونه يجري حكمه فيها و يظهر من كل واحد منها [ص 591] ما يخصّه فمن النار يغضب و من الدم يهوي و من التراب يهمّ و من البلغم يرضي و اصل الفعل واحد صدورا و يتعدد تعلّقا و سيجيء في بيان القوي صفته ان شاء الله .
فصل - اعلم ان النفس الحيوانية جوهر مجرد في الواقع الا ان تجردها بحسبها و قد اقرّ الحكماء بجوهريتها و لكنهم دخلوا من غير الباب بل اغلبهم لميفرقوا بين الباب و المحراب فانهم زعموا ان النفس واحدة بالحقيقة و قالوا انها النفس الكلية و قالوا انها الانسانية و النباتية و الحيوانية و الظلية هي الانسانية ايضا الا انها في اول نشوها تكون جمادية ثم نباتية ثم حيوانية ثم انسانية ثم عقلا كما صرّح به اكثرهم ثم اثبتوا التجوهر و التجرد للنفس مع اصرارهم علي تولدها من الماديات و اما نحن فنقرّ بان النفوس متعددة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الحديثين الماضيين عن كميل و الاعرابي و نقول ان وحدة المبدأ الاول لاتنافي تعدد المشتق و ان لكل من هذه النفوس مبدءا خاصا و كل منها جوهر بالنسبة و بعضها مجرد و بعضها مادي و لا بدّ لنا من بيان حقيقة الجوهر و العرض اولا حتي تعرف المعني المراد فاعلم ان الجوهر علي ما قال ابوالبقاء هو و الذات و الماهية و الحقيقة كلها الفاظ مترادفة فالجوهر هو ممكن الوجود لا في موضوع عند الحكماء و حادث متحيز عند المتكلمين و المتحيز الشاغل للحيّز و الحيّز عند المتكلمين الفراغ المتوهم المشغول بالشئ الذي لو لميشغله لكان ذا خلاء كداخل الكوز للماء و قد يذكر و يراد منه احد امور اربعة : الاول المتحيز الذي لايقبل القسمة هذا علي قول من يثبت الجوهر الفرد المسمّي بالجزء الذي لايتجزي و الثاني هو الذات القابلة لتوارد الصفات و الثالث الماهية التي اذا وجدت في الاعيان كانت في موضوع اي ذات و يخرج عنه الواجب في ذاته اذ لا مٰهية له وراء الوجود و الرابع انه الموجود الغني عن محل يحلّ فيه قالوا ان الجوهر بهذا المعني يجوز اطلاقه علي الباري تعالي من حيث المعني المصحح له فيه لا من حيث اللفظ اما سمعا و اعلم ان القائم بالنفس الذي يكون متحيزا و قابلا [ص 592] للقسمة هو الجسم و القايم بالنفس الذي يكون متحيزا لا قابلا للقسمة هو الجوهر الفرد و القايم بالنفس الذي لايكون متحيزا هو الجوهر الروحاني و الجواهر العقلية هي العقول العشرة و الجسمية هو الهيولي و الصورة و النفسانية هي نفس الحيوان ، انتهي موضع الحاجة من كلامه نقلته بتمامه لاطلاع الناظر علي اصطلاحاتهم و العرض علي ما قال ابوالبقاء عبارة عن معني زايد علي الذات اي ذات الجوهر يجمع علي اعراض الي ان قال و العرب يذهبون بالعرض الي اسماء منها ان يضعوه موضع ما اعترض لاحدهم من حيث لميحتسبه و قد يضعونه موضع ما لايثبت و لايدوم و قد يضعونه موضع ما يتصل بغيره و يقوم به و قد يضعونه مكان ما يضعف و يقلّ فكان المتكلمين استنبطوا العرض من احد هذه المعاني فوضعوه لما قصدوا له و كذلك الجوهر فان العرب انما يشيرون به الي الشئ النفيس الجليل فاستعمله المتكلمون فيما خالف الاعراض لانه اشرف منها فالعرض ما لايقوم بذاته و هو الحال في الموضوع فيكون اخص من مطلق الحال و العرض عندنا موجود قايم بمتحيز و عند المعتزلة ما لو وجد لقام بالمتحيز و عند الحكماء ماهية اذا وجدت في الخارج كانت في موضوع اي محل مقوم لما حلّ فيه ، الي آخر كلامه و قد بيّن الآخوند رحمه الله كلاما موجزا ارويه لمعرفة الاصطلاح ، قال في اسفاره الاقسام الاولية للجوهر علي مذهب اولئك القوم و مراده المشّاؤن خمسة لانه اما ان يكون في محل او لايكون فيه و الكاين في المحل هو الصورة المادية و غير الكاين فيه اما ان يكون محلا لشئ يتقوم به او لايكون و الاوّل هو الهيولي و الثاني لايخلو اما ان يكون ذا علاقة انفعالية بالجسم بوجه من الوجوه و هو النفس او لايكون و هو العقل ثمّ قال (ره) و الاجود في هذا التقسيم ان يقال الجوهر ان كان قابلا للابعاد الثلثة فهو الجسم و الا فان كان جزء منه هو به بالفعل سواءا كان في جنسه او في نوعه فصورة اِما امتدادية او طبيعية او جزءا هو به بالقوة فمادة و ان لميكن جزءا منه فان كان متصرفا فيه [ص 593] بالمباشرة فنفس و الا فعقل قال ذلك لأن الجوهر النفساني الانساني مادة للصورة الادراكية التي يتحصل بها جوهرا آخر كماليا بالفعل من الانواع المحصلة لها نحوا آخر من الوجود غير الوجود الطبيعي و هذا الكلام بظاهره باطل الا ان يريد منه معني حقا و حكي من اتباع الرواقيين ان كل حالّ عرض و لا شئ من الجوهر بحالّ لكن بعض الاعراض عندهم مقوم للجوهر متقدم عليه لانهم جوّزوا تركّب الجوهر من محل جوهر و حالّ فليس الجوهر مطلقا متقدما بالطبع علي العرض و حكي شارح التجريد عن الامام بيانا واضحا في التقسيم اذكره لوضوح المطلب و هو المختار عند امامهم قال ان الممكن اِما ان يكون حالّا في شئ او لايكون و الاول اِما ان يكون سببا لوجود محله و هو الصورة او لايكون و هو العرض و الثاني اما ان يكون متحيزا و هو الجسم او جزءا منه و هو الهيولي او لا متحيزا و لا جزء منه و هو اِما ان يكون مدبرا للجسم و هو النفس او جزءا منه او لا مدبرا و لا جزءا منه و هو العقل او جزؤه و هذا الكلام اوضح و ادل علي اصطلاحهم و قد اختار لفظ المتحيز في تعريف الجسم دون ما يتركب من المادة و الصورة لما قال انه لا استبعاد في وجود جوهر غير جسماني يكون مركبا من جوهرين يكون احدهما حالّا في الآخر متقوما له ثم اعلم ان الموضوع المذكور عندهم هو المحل المستغني في وجوده عن الحالّ حقيقة و تشخصا مٰهية و وجودا كزيد قايم مثلا فان زيدا لايحتاج الي القيام بوجه لا في حقيقته النوعية و لا الشخصية و الفرق بين الموضوع و الهيولي انها تحتاج في وجودها الشخصي الي الوجود العامي للحالّ بايّ تشخص كان يعني انها تحتاج في التشخص الي صورةٍ مّا و ان كانت غنية عنها في حقيقتها و عن الصورة الخاصة في نفسها و اما الحلول المذكور فهو عند بعض الاختصاص الناعت و عند آخرين اختصاص شئ بشئ بحيث يكون احدهما نعتا و الآخر منعوتا به و كلاهما منقوضان اما عكسا فبالسواد و البياض و غيرهما ان كان المراد بالنعت الحمل بالمواطاة و طردا [ص 594] بالكوكب او المكان بل الجسم مطلقا ان كان المراد الحمل بالاشتقاق و ربما تكلف بعضهم بان المراد غير الاشتقاق الجعلي و كقولهم ان الحلول كون الشئ ساريا في شئ بحيث يكون الاشارة الي احدهما اشارة الي الآخر ثمّ زادوا قيدا آخر عليه حين ما ورد النقض فيه باحوال المجردات عن المادة بقولهم تحقيقا او تقديرا فبقي النقض بالنقطة و بالابوة و غيرهما مما لا سراية فيه فالتجأوا بنفي وجود هذه الاشياء عن الخارج بالجملة قال الآخوند ان الله جل و عز الهمه تعريفا كاملا جامعا مانعا خاليا عن الفساد و الخلل و هو ان يقال معناه كون الشئ بحيث وجوده في نفسه وجوده لشئ آخر علي وجه الاتصاف اقول ان المراد من التعريفات توضيح الشئ بعبارة مجملة قابلة للحفظ فاذا خرج التعريف عن هذا الحد بزيادة الاوصاف و القيود فالاولي شرح الاسم بعبارة موضحة و لكني لست بصدد بيان هذه المسايل فانه لا حاجة اليها كثيرا و الحكيم يعرف حقايقها باقل تأمّل . فاذا عرفت اصطلاحاتهم فاعلم ان الجوهر عندهم هو الموجود لا في موضوع اي محل متقوم به يعني ليس من شرط وجوده الحلول في موضوع خارج عن ذاته و ان حلّ فيه حينا مّا و العرض هو الموجود في شئ غير متقوم به لا كجزء منه و لايصحّ قوامه دون ما هو فيه فقولهم في شئ لاستحالة حلول عرض في شيئين و للآخوند فيه تحقيقات ليس هنا موقع ذكرها و قولهم غير متقوم به احتراز عن وجود ما يحلّ في المادة و يقومها موجودة بالفعل نوعا من الانواع فلا جرم لايكون عرضا بل صورة جوهرية و قولهم لا كجزء منه احتراز عن وجود الجزء في الكل و امثالهما مما لانطيل الكلام بذكره و قولهم لايمكن قوامه دون ما هو فيه مرادهم منه استحالة وجود ذلك الشئ من حيث طبيعته الا في محل و من حيث شخصيته الا في ذلك المحل و بهذا يقع الامتياز بين وجود العرض في موضوعه و بين وجود الجسم في الزمان و المكان و وجود الشئ في الغاية و الغرض و بالجملة اذا عرفت المعني المراد من الجوهر و العرض فاعلم ان [ص 595] النفس الحيوانية بالنسبة الي البدن العنصري جوهر لانها لاتكون قايمة به قيام صدور و لا وجود لانك قد عرفت سابقا ان اصلها من الافلاك يعني ان مادتها منها نعم ظهرت في البدن و تخصصت منه و ليس البدن موضوعا للحيوانية و لمتحلّ فيها اذ المراد من الحلول الاختصاص الناعت نعم ليس ببعيد ان يقال ان تشخّصها عرضي لانها مطلقة في صدورها و في نفسها و لكنها تتشخص بالفراسة و البهيمية و الطيران و السباحة و غيرها في بطون الابدان بل في جماديتها الغليظة و لذلك تراها ثابتة بتغير هذه الصفات بخروجها من تحت نوع الي نوع كما يصير النملة طايرة و لا شك ان روحها واحدة و لمتمت من النملية حتي تبعث طايرة كما يشهد بذلك العيان و لو كان روح النملة متصفة بالدبيب لماصارت طايرة لأن الذاتيات لاتتغير فعرفنا من ذلك ان دبيبها و طيرانها لها كالقيام و القعود لساير الحيوانات فكما انها تقوم و تقعد و لاتتغير ذواتها بتغير الصفات كذلك تنقلب اعيانها و الباقي في كل حال هو الحياة النوعية فافهم فالتشخص للحيوانات عرضية اذ هي قايمة بمحالّها و اما الحياة فهي من الافلاك و ان قلت انها ايضا قايمة بالمحل لظهورها عند صلاحية البدن و عدمه عند عدمها اقول ان هذا القيام قيام الظهور و لاينافي تجوهر الاشياء بل هو قيام عرضي كقيام الاشباح بالمرايا فانها ليست موجودة بها اذ هي قايمة بذوي الاشباح و وجودها بها و لكن اذا كانت مرآت تظهر فيها و الا فلاتظهر و القيام الذي يحدّ به الجوهر و العرض هو القيام الصدوري فقط فحقيقة الحيوانية جوهر قائم بالافلاك و لكنها بعد ما ظهرت في المرايا تنصبغ فيها بالاعراض فتكون اصباغها عرضية زايلة فاذا فسد تركيب الابدان تعود الحيوانية مطلقة كما تعود ساير اشباح الافلاك بعد المحالّ العرضية و هذا هو عود الممازجة يعني يمتزج الابدان و التشخصات بعضها ببعض و يرتفع التشخص لا انه يمتزج الافراد بالمطلقات فان ذلك مما لايكون اذ لايرجع الي المطلق ابدا لاختلاف العالمين ثمّ هل يكون النباتية جوهرية او عرضية اقول ان [ص 596] النفس النباتية علي ما عرفت هي المزاج و المزاج عند القوم كيفية و عندنا هو نور الله الصادر من مشيته المتعلق بالمركب و في الظاهر علي لسان اهله نقول ان ظاهر المزاج هو الكيفية الوحدانية الحاصلة ظاهرا من امتزاج كيفيات مختلفة علي نسبة معلومة فظاهره صورة جامعة و لكن باطنه نور طلع من تحت حجاب الوحدانية فهو المثال الملقي في هويات الاشياء و هو جوهر البتة الا ان الجواهر منها غليظة و منها لطيفة و منها زمانية و منها برزخية و منها دهرية .
فصل - طال ما تشاجروا في فعل النفس في المواد و كونها مؤثرة فيها و ذهب كل الي مذهب و قد اشبعنا القول في كونها فاعلة مؤثرة سابقا و لكني اذكر في المقام ما يتعلق به ، فاعلم ان الله عز و جل هو الخالق للاشياء و مخرجها من العدم الي الوجود و لا شريك له في فعله و ذلك اصل اصيل يبتني عليه مسايل كثيرة و لكنه تعالي بذاته لاتكون ( لايكون ظ ) سبب شئ و علته لما ذكرناه سابقا و لانعيد و لكن جعل لكل شئ سببا و ابي ان يجري الاشياء الا بالاسباب و هي بحسب المسببات للزوم المناسبة بينهما و قد مرّ براهين جميع ذلك فيما مضي و تلك الاسباب هي آيات الله المتعلقة بالاشياء و هي حقايقها من حيث النورانية لله تعالي اذ بها اجري الله الاشياء و اقامها و قد ظهرت الحقايق النورية في الانفس فصارت ايادي التقدير و آلات التدبير و هي الملئكة المدبّرون الرسل الفاعلون و قد جهل شانهم الاكثرون و انكروهم من حيث لايعرفون فجميع ما يجري في المواد يجري بانفسها و لكن الفاعل هو الله تعالي لا غير و لايلزم من ذلك شرك به ابدا و قد اراك آية ذلك في نفسك ابصر فيها حتي تعرف ربّك الاتري ان النفس هي الدرّاكة المريدة الفاعلة المدبّرة في البدن مع انها تجري افعالها بواسطة المشاعر و الحواس و الادوات و مع ذلك لاتكون مشاركة للنفس في افعالها بل الفعل كله لها و لكنها صادرة عن امرها جارية بارادتها و هي اياديها و كذلك الله ربّنا في فعله عز و جل و فوق ذلك فان المشاعر و الحواس من حيث اجسامها لها [ص 597] انيّات و طبايع خارجة من تحت الانفس و الانفس تتسلط عليها كربّاني السفينة علي السفينة كما قيل و ان لمتكن كذلك في الواقع و لكن الله سبحانه احد و باحديته ملأ اركان الاسباب و المسببات و لميترك لها وجودا يصير منشأ فعل او اثر فملك كل شئ و قهر كل شئ و ذلّ له كل شئ و لذلك ينسب اليه كل شئ من دون مجاز حتي ان السائل اذا سألك فاعطيته يقول ان الله اعطاني و لاينكر عليه احد و تقول الله اخذ مني و سيرد علي اضعافه كما قال في كتابه و يأخذ الصدقات و من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له اضعافا كثيرة و قولك حق و صدق و رأيك صواب و بالجملة له الامر و الفعل و الحول و القوة و انفس الاشياء اياديه في الفعل فهو الخالق لكل شئ بنفسه ● .
بقي الكلام في مسألة مشكلة مما يتعلق بالمقام لا بدّ من بيانها و هو ان الانفس ربما تتعلق بالابدان بعد خلقها كالنفس الحيوانية التي تتعلق بالبدن بعد خلقه و الانسانية المتعلقة بها بعد كمالها و قد صار فهم ذلك مستصعبا علي الافهام فقال قايل منهم ان مربي الطفل في الرحم نفس الام و قال آخر ان النباتية تربيها حتي تكمل فتصير قابلة لقبول الحيوانية اقول ان القولين ثابتان فان النفس النباتية تربي البدن البتة و لكن بتربيتها فقط لاتبلغ مرتبة الحيوانية لانها فاقدة لهذه المرتبة و لكنها نفس نباتية شأنها الزيادة و النقصان فبها تنمو الولد و تربو و بفضل حياة الام تحيي و تتعلق بها النفس الحيوانية بل النباتية ايضا [ص 598] تتقوي من نفس الام الاتري انها تتغذي من فضول بدنها و تستمد من حرارة طبعها و لو سقط الولد من بطنها قبل كماله لفسد تركيبه و مابلغ و لو كان نفسه مربية له فقط لمافسد تركيبه بسقوطه البتة فالمربي للولد هو الام مع نفسه و بعد ما خرج من بطنها يربيه روحه الحيوانية و لاتحتاج الي الام في حياتها و بعد ما بلغ درجة الكمال و تعلق به النفس الانسانية تفعل فيه ما تفعل و تربيه و تكمله فتكون هي الفاعلة المدبرة في الملك و النفوس السافلة عنها اياديها في التدبير و تصدر عن امرها و اعلم ان سلطنتها و تصريفها امر خارج عن الفكر و الخيال فلايلزم اجالة الفكر و ادامة التعقل فيهما بل يشبه فعلها فعل الطبيعة نعم ربما تفعل بالتعقل و التفكر و التدبر ايضا و براهين هذه المسألة ثابتة في مقاماتها و لانطيل الكلام بذكرها فان رأيت ان رأيت ان النفس ربما لاتتعقل شيئا و مع ذلك يجري فعلها في الاعضاء و الجوارح و النفوس فذلك من باب ذلك و ربما تفعل ايضا بالتفكر و التدبر و اعلم ان النفوس الطبيعية في مقامها تنزلات النفس القدسية بل الكلية الالهية و ربما تفعل في الاعضاء بعد تعلق القدسية فعلا مع غفلتها عن البدن كما في حال النوم و اشتغال النفس ببعض الاعمال و غيرها و ليس ذلك من جهة استقلالها بالفعل بل لكونها من تنزلها .