و الادلة العقلية لهذا المطلب ايضا عديدة : منها انا نري للنباتات آثارا ظاهرة من اجسامها الغليظة و نري ان مبدءها نفس اجسامها المرئية المشهودة كالوانها و طعومها و روايحها و غير ذلك فانها صادرة من هذا الجسد المركب الغليظ و يدل علي ذلك ثبوتها بعد الانقطاع و الجفاف و لها آثار راجعة الي طبايعها لا الشكل و الصورة و الهيئة الظاهرة و هي الخواص المترتبة عليها و نحكم بانها للطبايع لانّا نري ثبوتها في كل حال و عدم تغيّرها بتغير الصور الظاهرة فان [ص 548] الدارصيني مثلا يثخن ( يسخن ظ ) رطبا كان او جافا مدقوقا او غير مدقوق علي شجره او منسلخا و اما اللون مثلا فرجوعه الي ظاهر الصورة و الجسد و لذلك يتغير في الحالات و نري آثارا راجعة الي امر آخر غير الظاهر و الطبايع كالجذب و الدفع و الامساك و الهضم و النماء و الزيادة و النقصان و يدلّنا علي ذلك ثبوتها في الحالات المختلفة الطارية للشجر ما لم‌يقلع و لم‌يقطع الاتري انها تثبت له حين كونه حبّا و نابتا و نجما و فسيلا و دوحة و باسقة و عميمة ● في الفصول الاربعة و لكن تنتفي بعد الانقلاع و ان كان رطبا فعرفنا من ذلك ان هذه الآثار لها مبدؤ غير الصورة الجسمية و مادتها و العناصر فقط لثبوتها بعد الانقلاع و ان قلت انكم تقولون ان الجذب من النارية و الدفع من المائية و الامساك و الهضم من المائية و الترابية اقول بلي تصدر منها ان كان لها نفسا فوقها تجمعها و الا فلاتفيد خواصها لهذا المركب شيئا الاتري ان ناريتها باقية بعد الانقطاع و لاتجذب و المائية باقية و لاتدفع الا في بعض النباتات الي ايام قلائل و ذلك ايضا لبقاء انفسها بعد انقلاعها في الجملة في قليل منها كالخلاف و ما يشبهه ثمّ تموت و تذهب خواصها و ذلك في النباتات و كذلك الامر في ابدان الحيوانات و الاناسي فانا نري لها ايضا آثارا مختلفة قائمة بظواهر ابدانها و نعرف من ذلك ان علتها عين الابدان خاصة و نري لها آثارا راجعة الي نفس كلية فوق اخلاطها و بها ينمو ابدانها و تربو او تبطل تلك الآثار بعد الموت فتعرف من هذا الدليل المستنير ان علتها غير الجسد فانه باق بعد الموت ايضا الي مدة مديدة و لايظهر منه هذه الآثار ابدا و لو كان علتها لمابطلت مع بقائها فانه قد ثبت في الحكمة ان المعلول لايخالف علته التامة ثمّ انا نري ان النباتات ليس لها فعل فوق هذه الاربعة فنحكم بذلك ان اعلي مدارجها النفس النباتية و ليس فوقها لها نفس و لكن نري للحيوان ادراكات فوق هذه [ص 549] القوي و خاصيات غيرها و هي لاتصدر من النفس النباتية اذ لو كان لها هذه القوي لشاركها ساير النباتات في الفعل و لما رأينا انها تخلفت عنها بهذه القوي عرفنا ان لها انفسا غير نفوسها و بمقتضي شرف الادراك علي قوي النباتية و ما نري من حكومة الحيوانات علي النباتات عرفنا انها فوق انفس النباتات و كذلك في الاناسي نثبت لهم نفوسا فوق انفس الحيوانات و في الانبياء نفوسا في انفسهم و للائمة نفوسا فوق انفس الانبياء بعين هذا الدليل فان الاثر يدلّ علي المؤثر دايما و منها انا ذكرنا سابقا ان لكل شئ نفسا و اثبتنا ذلك بالدليل القاطع و لانعيد و هي يد الله في صنع كل شئ و آيته فيه و اذ كان البسايط صاحبة نفوس مع نقصانها و الجمادات و المعادن اولات نفوس مع ضعف بنيتها و عدم كمال اركانها فالنباتات مع كمال تركيبها و تمامية اجزائها اولي بذلك و الحيوانات اولي و اولي و الاناسي اولي و اولي فتدبر و منها ما ذكره الآخوند (ره) قال انا نشاهد اجساما يصدر منها الآثار لا علي وتيرة واحدة من غير ارادة مثل الحس و الحركة و التغذية و النمو و توليد المثل و ليس مبدأ هذه الآثار المادة الاولي لكونها قابلة محضة ليست فيها جهة الفعل و التأثير و لا الصورة الجسمية المشتركة بين جميع الاجسام مبادٍ غير جسميتها و ليست هي باجسام فيها و الا فيعود المحذور فاذن هي قوة متعلقة بتلك الاجسام و قد عرفت في مباحث القوة و الفعل انّا نسمّي كل قوة فاعلية يصدر عنها الآثار لا علي وتيرة واحدة نفسا و هذه اللفظة اسم لهذه القوة لا بحسب ذاتها البسيطة بل من حيث كونها مبدأ لمثل هذه الافاعيل المذكورة .

فصل - في بيان مٰهية النفس النباتية و حدّها ، قالوا في حدّها هي كمال اول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتولد و يربو و يولد و قالوا تحديد النفس بالكمال اولي من تحديدها بالصورة لوجوه : اما اولا فلأنه اعمّ من حيث ان الصورة عند الجمهور هي المنطبعة في المادة و من النفس ما هي غير منطبعة فهي اذن [ص 550] ليس صورة للبدن و لكنها كمال له كما ان المَلِك كمال للمدينة و الربّان كمال للسفينة و اما ثانيا فلأن الكمال قياس الي المعني الذي هو اقرب من طبيعة الجنس و هو النوع و الصورة قياس الي الشئ الذي هو ابعد من ذلك و هو المادة فالصورة تقتضي نسبة الي شئ بعيد من ذات الجوهر الحاصل منها و الي شئ يكون الجوهر الحاصل بحسبه هو ما هو بالقوة الي شئ لاينسب الافاعيل اليه اعني المادة بخلاف الكمال فانه ينسب الي امر محصّل بالفعل ينسب اليه الافاعيل بالحقيقة اعني النوع قال الآخوند (ره) و الكمال منه اولي و هو الذي يصير به النوع نوعا بالفعل مثل الشكل للسيف و الكرسي و منه ما هو ثانٍ و هو الذي يتبع نوعية الشئ من افاعيله و انفعالاته كالقطع للسيف و التمييز و الردية و الاحساس و الحركة الارادية للانسان فان هذه كمالات ثانوية ليس يحتاج النوع في كونه نوعا بالفعل الي حصول هذه الامور له بالفعل ثمّ فصّل الكلام و اطال البحث و حاصل كلامه ان كون الشئ كمالا اولا لشئ لاينافي كونه ثانيا لغيره فلايرد ان النفس الانسانية لاتكون كمالا للحيوان بما هو حيوان و لا النفس مط كمال للجسم بما هو جسم لا بشرط و يريد من ذلك ان الانسانية ليست كمالا للحيوان و الجسم المطلقين بل كمال لحصة منهما تلبست بصورة الانسان و لا طايل كثيرا في تحقيق مطلبه و يجرّ كلامه الي انّا نذكر الجسم في تعريف النفس بالمعني الجنسي لا المادي و ليس هذا الجسم الذي النفس كمال له اعم من الطبيعي و الصناعي كالسرير و الكرسي و السفينة و المدينة و لو فرض ان نفس الربّان كمال للسفينة و نفس المَلِك كمال للمدينة فليست كماليتهما هي النفسية لهما و لواحد المجموع من السفينة و النفس امرا واحدا حتي تكون كمالا لها لم‌يكن ذلك المفروض جسما و لا جوهرا و لا شيئا من المقولات اذ المٰهية تابعة للوجود و الوجود مساوق للوحدة و ما لا وحدة له لا وجود له فظهر ان النفس كمال اول لجسم طبيعي و لا كل جسم طبيعي اذ ليست [ص 551] كمالا للنار و لا للارض بل النفس التي في هذا العالم كمال لجسم طبيعي يصدر عنه كمالاته الثانية بآلات يستعين بها علي افعال الحياة و حاصل قوله ان ما يكون من الصور فعلها في المادة من غير توسط قوة اخري فذاتها متحدة الوجود بالمادة كالنارية و المائية و امثالهما فكأنها مادية محضة و ما يكون منها فعلها باستخدام قوة اخري فلا محالة تكون تلك القوة لكونها آلة متوسطة ادون منزلة من تلك الصورة فيكون تلك الصورة كأنها مرتفعة الذات عن سنخ المادة و هذا الارتفاع عن دنوّ المادة الجسمية الاولي شأن النفس اذ لها حظّ من الملكوت و التجرد و لو قليلا فظهر ان كون الكمال الاول للجسم الطبيعي مما تفعل بالآلة خاصية النفسية فكل قوة لجسم طبيعي من شأنها ان تفعل فعلا باستخدام قوة اخري تحتها نفس و بالجملة نقلت حاصل قوله ليعلم وجه ذكر الآلي في التعريف و كلماته و ان كانت محتملة للمعاني الصحيحة الا ان تصريحاته في مقامات اخري بالمرادات الباطلة تعوقني عن تصحيحها و كثرة الهموم تمنعني عن ردّها فالسكوت عنها تكلانا علي فهم الناظر اولي و لعله يقف علي الحق فيما سنذكره في بيان مٰهيتها فمجمل قولهم في تعريف النفس النباتية ما عرفت و القول الفصل المتبع ما يروي عن مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام قال فيها قوة اصلها الطبايع الاربع بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة مقرّها الكبد مادتها من لطايف الاغذية فعلها النمو و الزيادة سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة ، انظر في مطاوي كلامه صلي الله عليه كيف وصفها و بيّن تمام حقيقتها بدءا و عودا و ذكر فعلها و قد اختار لفظ القوة دون الكمال لحِكَم منها انها بملاحظة خواصها و افعالها كما في خبر كميل بن زياد الذي رويناه اولا قال لها خمس قوي و هنا قال هي قوة و ليس المراد ان النفس بحقيقتها قوة اذ لو كانت قوة لكانت عدمية و منها انها قوة في الاسطقسات و سمّاها بهذا الاسم بملاحظة مبدئها و منها انها قوة في الجمادات [ص 552] و المواليد او قوة لابدانها الجمادية فتدبر و سيأتي بعض القول فيها و مرّ في مبحث القوي شرح القوة و الفعل و قد اختار عليه السلام خاصة هذه اللفظة دون الالفاظ الدالة علي الفعلية و الكمال اشعارا بان الكمال مخصوص بالله سبحانه و جميع ما سواه نواقص بل فاقدون لكل كمال الا ما اخرج الله بحوله و قوته من امكاناتهم و هذا شأن الموحّد الكامل في توحيده فجميع الخلق بالنسبة الي الله تعالي قوي رواقد الا من احياه الله بفضل كماله و لا فاعل سواه ، فافهم فانه دقيق و بعد ما وصفها بانها قوة عيّنها بذكر اصلها الاول و قال انه الطبايع فان جميع المواليد منها و هي الاسطقسات الاولية للمواليد كما مرّ و حين تولدها و قال انه عند مسقط النطفة لانه اراد بيان نفوس الانسان و اما في ساير النباتات فبدؤ ايجادها عند تكوّن الحب و محلها و قال انه الكبد اي في الانسان و الحيوان يعني بدؤ نشوها و تعلّقها الكبد ثمّ تنتشر منه في ساير البدن و مادتها القريبة و قال انها من لطايف الاغذية فان من العناصر تتولد الاركان و هي الماء و الدهن و الارض التي هي الملح و يحصل من تركيبها النباتات الخارجة و بعد ما تغذي الانسان بها تنحل في المعدة كيلوسا و يخلص منها صوافي تنجذب الي الكبد فيتعلق بها النفس النباتية و فعلها و قال انه النمو و الزيادة و يظهر من ذلك فصلها اذ الفعل اثر الفاعل و ما لم‌يكن له وجه مناسبة بالفعل الخاص لايصدر منه و هي ما يتعين به المادة و هو فصله فظهر من ذلك انها قوة نامية مربية و لما ذكر بدءها ذكر عودها و سبب فراقها و قال ابي اعلي الله مقامه ان الله سبحانه خلق النبات من العناصر الاربعة بعد ما رتبها الي مرتبة الجمادات و المعادن ثمّ رقاها الي اركان النبات الثلثة و هي الماء و الدهن و الارض فركبها كيفما شاء بعد ما صفي اركانه و لطفت و رقت فوقف المركب من تلك الجواهر بعد الحل و العقد و المزاج و الاتحاد في العماء مخلا بطبعه و استولي عليه المزاج النور الوهّاج كما ذكرنا فجذب كل جزء من المركب نحوه و تحرك كرة المركب [ص 553] عليه و لما كان حيّزه في غير الجهات صار يتحرك المركب اليه من كل جهة لانه في لاجهة فظهر فيه النماء في جميع الاقطار باجمال اجزائه و اربي بروحانيته و ولد بنفسانيته و قال اعلي الله مقامه في عوايده بيانا شارحا لهذا البيان قال بعد ما بيّن صفة الغذاء و انحلاله في المعدة و صيرورته كيلوسا ثم يعمل الكبد في ذلك الماء و تنضجه و تحله حلا ثانيا و يسمّي المحلول الطبيعي كيموسا فيميز المميزة بين طراطيره الطبيعية التي كانت قد اختلفت في طبايعه و عناصره يوم اول فتدفع ماؤه الي الكلية و تجذب الكلية مائيته و المرارة دهنيته و الطحال عكريته فيبقي الجوهر الياقوتي الاحمر و هو جسم متشاكل الاجزاء جدا و هو النفس النباتية اي صورته الوحدانية هي صورة النفس و مادته اللطيفة مادة النفس و الدم هو طبيعة خامسة حصلت من تشكيل عناصر الغذاء بعد تلطيفها و مزجها و توحيدها و هو شئ ليس بنار و لا هواء و لا ماء و لا تراب بل هو المزاج الذي كان في الدواء و النفس النباتية التي كانت في النبات الا انها في النبات بلونه علي حسب نقصانه و في الانسان علي حسب كماله فان نباتية الشجر لاتصير محل عناية الروح و العقل بخلاف نباتية الانسان فنباتية الشجر كيلوسية لانه لا كبد له فذلك الدم نفس نباتية و هو صفو الاغذية ، الي آخر كلامه فظهر من هذا البيان الشريف ان النباتية هي خلاصة العناصر و صفوها و قال شيخنا اعلي الله مقامه في ميزان تركيبها و النفس النامية النباتية هي مركبة من العناصر الاربعة جزء من الغذاء الناري و جزء من الترابي و جزء من الهوائي و جزءان من المائي اجتمعت الخمسة و اتحدت بالانحلال حتي صارت كيموسا فنضجت بنظر الكواكب فصارت نفسا نباتية نامية و بها قوي خمس تستمد منها ما تلطف لها من الاغذية جاذبة من المِرّة السوداء و ما تقوم مقامهما كما في الشجر من الحرارة و اليبوسة و هي ركن العنصر الناري و شأنها جذب مادة الغذاء و جذب الغذاء و بعد تخليصه من المادة و ماسكة من المرّة السوداء و ما يقوم مقامها من اليبوسة [ص 554] و البرودة و هي الركن الترابي و شأنها امساك الغذاء علي ما يناسبه و هاضمة من الدم و ما يقوم مقامه و منبعها الكبد من الحرارة و الرطوبة و هي الركن الهوائي و شأنها ضم المادة و الكيلوس و الكيموس من نوع العضو و دافعة من البلغم و ما يقوم مقامه و منبعها الرية من الرطوبة و البرودة و هي الركن المائي و شأنها دفع الغذاء الي العضو و دفع فاضله الي ما بعده و مربية و هي قوة من النفس تفعل النفس بها تنمية الاعضاء بما هو من نوعها من الغذاء فهي فعل النفس النامية لانها تألفت من الطبايع الاربع السابقة فكانت طبيعة خامسة ، الي آخر كلامه علا مقامه و بعد هذه البيانات الكاملة و الشروح الوافية لانحتاج الي زيادة القول مع انه لا قول افضل من قولهم الا اني ابيّن بعض جهات المسئلة و حيوثها . فاقول ان للنفس النباتية فسحة وجود اسفلها بدؤ تكوّنها اي حصولها من المواد فانها في حال الغلظة و الكثافة لاتقبل التركيب كما بيّنا سابقا و تقبله بعد التصفية و التنعيم و التلطيف الي حدّ معلوم و هو بعد الانحلال فان قبله لايكاد تتركب العناصر تركبا صالحا لقبول صورة الوحدة الاتري ان الفلاسفة يحلّون الاركان حلا مائيا ثمّ يجمعون بينها فان المياه لذوبانها و جريانها تأتلف و يعانق بعضها بعضا و اما الاجزاء الجافّة فلاتكاد تتعانق و لو بتعب كثير و ذلك امر مشهود حتي انه يعرف ذلك اهل الصناعة الظاهرة فانك اذا اردت طبخ شراب الليمون تحلّ السكر في الماء و تعصر الليمون او تحلّ يابسه في الماء و تجمع بين المائين في اسرع وقت و لكن اذا اردت ان تؤلف بينهما يابسين لاتكاد تبلغ مأمولك ابدا و كذلك الامر في كل مركب فاذا انحلت العناصر و اخذ منها يد التقدير بميزان معلوم اقله ما ذكره الشيخ الاوحد (اع) فانه لا بدّ في التأليف من زيادة الرطوبة لأن للعناصر يبوستان يبوسة نارية و يبوسة ترابية و رطوبتان رطوبة هوائية و رطوبة مائية و الرطوبة الهوائية للطافتها سريعة القبول لفعل النار و تستحيل اليها سريعا فيبقي رطوبة واحدة مائية لاتقاوم يبوستين و لذلك قال (اع) انه لا بدّ [ص 555] في التركيب من جزئين من الماء و بهما تتقوي الهوائية ايضا و لاتستحيل الي النارية فتصير الرطوبات ثلثة و يعمل فيها الحرارتان فتنحل فيها اليبوسة الترابية و تتحول اليبوسة النارية و تنعقد فيحصل من جمعها حب النبات و لا شكّ ان جميع اجزاء المركب في الآلات العمومية بالتدابير النوعية لاتنحل انحلالا تاما و لايبلغ جميعها درجة اللطافة و ذلك امر مشهود و برهانه من طريق العقل ان الفعل من الافلاك التي هي ايادي التقدير واحد نوعي كما تري ان ضوء الشمس يضيء له كل شئ و نور القمر يطلع علي كل شئ و كذلك اشعة الكواكب تطرح علي كل شئ و يتأثر بها اجزاء الارض بحسب قوابلها كما تري ان الحجر يتسخن من الشمس اكثر من التراب و الحديد يشتد سخونته بالنسبة الي الحجر ايضا و كذلك الامر في ساير الآثار فالعناصر المجتمعة لحب النبات مختلفة لا محالة لايصفو جميعها البتة فيتخلف بعضها عن بعض في الجملة فيطفو اللطايف و يرسب الغلايظ الا انها مرتبطة بعضها ببعض و الطوافي للطافتها اشدّ توحدا و الغلايظ توحدها اقلّ لا محالة فلطايفها تلبس صورة واحدة تسمّي بالنفس النباتية و غلايظها تصير وقاية لها كالجسد للروح و تكون النفس راكبة علي اركانها عاملة فيها و حقيقتها الاجزاء الكيلوسية في النباتات و يشهد بذلك انك اذا قطعت قصرة من الخشب و سالت رطوبتها يفني نباتيتها و يبطل قوتها و اذا دبرت لحفظ رطوبتها و امددتها بالمياه تنمو و تربو ثانيا و بالجملة فالنفس النباتية في الاشجار هي هذه الرطوبة النافذة في اقطارها و هي روح النبات و مزاجه و حاصله و لذلك يكون اقوي اثرا و الطف و انفذ في البدن و يظهر فعلها اي تلك النفس في الغلايظ و لذلك يظهر القوي و الخواص منها و فيها و لاتبلغ حدّ الكيموس ابدا لأن الاشجار فاقدة للكبد علي رأي المتقدمين و العروق المعدة لتحصيله علي رأي المتأخرين من اهل الافرنج فان الكيلوس بعد ما خلص من اعراضه و هي غلايظ الغذاء التي لاتصلح للتغذي ينجذب الي الكبد من طريق العروق المسمّاة [ص 556] بماساريقا او الي العِرق الكبير الممتد الي القلب من جانب الظهر فينحل ثانيا و يصفي عن الاعراض و يخلص منها فيستخرج منها دم اصفر خالص و هو جوهر مركب من العناصر مستنبط من غيبها و هو النفس النباتية الخالصة و لها خمس قوي و خاصيتان و يتولد من غلايظ هذا الدم اللحم و من لطايفه الروح البخاري و لذلك نقول ان هذا البدن بتمامه بدن نباتي و روحه اي البخار المتخذ من دم قلبه ايضا نباتي و لذلك قال الله تعالي في صفة خلق الانسان و الله انبتكم من الارض نباتا و الفرق بينه و بين ساير النباتات في اللطافة و الاعتدال و الكثافة و الانحراف فاعلي درجة النباتية حدّ البخار و اسفله الكيلوس المتخذ من الاشجار و بينهما درجات و منازل بل قد نقول ان اسفلها ينتهي الي البرازخ فان بعض المعادن التي اعتدلت و صفيت حتي اتحدت اركانها و حكت النفسانية في الجملة يظهر منها بعض قوي النباتات او كلها كالمرجان و الاصداف في بعض اوقاتها بل قد يتكون مثلها في الجمادات كالرياش و الاصول المتولدة في جدران الحمامات و بعض الاجسام المتولدة في البحر شبه الاوراق و الوراد ● مما يظهر لها قوة نامية و لنا ان نقول انها ايضا تبلغ حدّ المعدنية و تجاوزها لعدم الطفرة في الملك و علي ايّ وجه كان نباتيتها غليظة لاتبلغ حدّ الكيلوس ايضا بل هي كنباتية اجساد النباتات و بالجملة فللنبات فسحة وجود اعلاه نباتية الانسان و اسفله نباتية البرازخ بل اعلاه نباتية الخاتم (ص) و هو بجميع مراتبه جسماني و لم‌يجاوز حدّ الاجسام و لنا ان نقول ان ظواهر الافلاك نباتية لان الروح النباتية هي الطبيعة الخامسة علي ما عرفت و الافلاك ايضا طبيعة خامسة و ان قلت ما بالها لايظهر منها قوي النباتات اقول ان الروح النباتية لاتعمل بقويٰها في نفسها فانها لايكون شئ واحد عاملا و معمولا مع انها بنفسها صورة كلية وحدانية و فعلها فعل واحد و لكن عملها في عناصرها الواقفة دونها التي صارت بدنا لها الاتري انه يظهر جذبها في ناريتها الثابتة في جسدها و دفعها في مائيتها و هضمها و امساكها في [ص 557] هوائيتها و ترابيتها و كلها في ادون من الروح و كذلك الافلاك فعلها يظهر في عناصر الارض و مواليدها و ان قلت فمن اين مدد نفس النبات اقول ان مددها من اعلي منها و هي واقفة موقف الاستمداد و يمدّها الله تعالي بفعله و بذلك يفعل ما يفعل و ان قلت انا نري علانية ان النفس النباتية ايضا تزيد بتغذيها اقول ليس ذلك من باب عملها في نفسها بل تعمل في عناصرها و هي تجذب الغذاء من لطايف الماء و التراب و تهضمها و تتصرف فيها النفس بحرارتها و قوتها فيخلص منها خلاصة اخري مثل النفس الاولي و مثلها في العناصر كمثل الزبد في المخيض يستخرج منه بقوة النفس و فعلها فالنفس المستخرجة من العناصر نفس ثانية و امدادها للنفس السابقة بقيامها مقام ما نفد منها فان النفس النباتية جسم كساير الاجسام السفلية و هي في معرض الفناء فيتحلل منها دايما جزء و يقوم بدله مقامه دايما كالبدن فهي لاتمدّ نفسها بعينها بل تخرج نظيرها من المواد بقوتها و اما نفسها فمددها من عين الحيوة التي يستمد منها كل .

فصل - بعد ما عرفت حقيقة النفس النباتية فاعلم ان النطفة في الانسان حين كونها في صلب الآباء و ترايب الامهات لها نباتية بحسبها لانها من الدم و حكمها حكمه بل تكون حية بحياتهم كما ان اغلب اجزاء البدن حية و لكن نباتيتها ضعيفة مع انها من انفس الآباء و الامهات اذ هي من اجزاء بدنهم الا انه قد ادخرها المولدة لحفظ المثل و بعد نزلت (كذا) نطفة الرجل في الرحم و تركبت مع نطفة المرأة يحصل لهما صورة ثالثة معتدلة تقتضي نفسا اخري غير ما كانت تجدها مختصة بها و هي النباتية الخاصة المربية للنطفتين و لذلك قال الامام عليه السلام بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة و لو لم‌يكن لها نباتية لماربت و مازادت و ان كان يقويها نفس الام ايضا و لكنها ايضا فاعلة و تزداد و تتقوي يوما فيوما و لعلك عرفت مما بينّا سابقا ان من شرط بلوغ النفس النباتية حدّ الكيموس وجود كبد و عروق ان نباتية النطفة اولا مثل نباتية الاشجار بل الحبوب و تتغذي [ص 558] من دم الام حتي تشتد و تتقوي و يتولد اركان بدنها و اعضائها فتصير من نفسها قادرة علي توليد دم تتغذي منه كدم الام و يقوي نفسها ايضا فتصير كنباتية الاناسي فافهم ثمّ ان الولد بعد ما خلق في الرحم من النطفتين و تصوّر بصورة الانسان او الحيوان و مضي عليه ايام اكثرها اربعة اشهر يخرج من كمون نباتيته الحيوانية علي ما سيجيء ان شاء الله .

فصل - في بيان قوي النفس النباتية و بيانها علي الحقيقة يستدعي شرح القوة في المقام بحسبه زايدا علي ما مرّ في الامور العامة و تمام القول فيها في فوايد : الاولي - انهم قالوا في تعريف القوة علي ما هو دأبهم الفاظا اروي بعضها من دون تعرّض للنقض و الابرام ، قال ابوعلي في الشفا و محكي النجاة هي مبدؤ التغير من آخر في آخر من حيث انه آخر و قال آخر انها هيئة في الجسم يمكنه بها الفعل و الانفعال و لايخفي انهما يجريان علي صرف المعني الظاهر المعروف بين العوام و اما حقيقتها فلاتكشف الا بما سنبيّنه فاعلم ان الله عز و جل ذات احدية كما ذكرنا مكرّرا و الاحد الحقيقي المطلق كامل بالذات لا نقص فيه فان النقصان ناشئ من الفقدان و هو عدمة ثابتة للماهيات ممتنعة من خالق البريات مع انه ناشئ من الحدود و النهايات و يتنزه عنها الاحد جل شانه ، هذا و قد عرفت فيما مضي ان الكمال بمعني الوجود و كمال كل كامل بحسب وجوده و نقصه من العدم فكل احد كامل في جهة وجدانه ناقص من جهة عدمه و ذلك يجري في الخلق المركب من الوجود و الماهية لا الوجود البسيط الذي وجوده عين ماهيته فهو تعالي موجود من كل حيث فهو كامل من كل حيث و لكن كماله لايكون زايدا علي ذاته كما زعمه الزاعمون بل هو عينها من كل جهة و قد تجلي سبحانه و تعالي اول ما تجلي بمشيته لها و هي كماله الفعلي و لا شك ان فعل الكامل كامل لانه نوره و اثره و النور علي صفة منيره و الاثر علي صفة مؤثره في كل صفة بل هو [ص 559] صفة منيره و مؤثره ان عرفت فهي كماله الفعلي لكماله الذاتي فلايتصور فيها نقص و لكنها كمالها كمال وحداني سرمدي اذ هي فوق التفصيل مع انه نقص في الواقع بالنسبة الي ذات الكامل و ان كان وجوده في مقامه من الكمال و هي مسألة طويلة ليس هنا محل ذكرها و لكن لها كمالات كثيرة دونها قد احاطت بها احاطة الذات بصفاتها و هي واجدة لها ابدا سرمدا لاتفقدها قد خلقها الله بها و هي انوارها و اشعتها صدرت منها كما يصدر نور الشمس من الشمس و هي ايضا كلها كاملة في حدّها و مقامها بل لكل منها ذاتا في حدّه و هي احدية بالنسبة الي ما دونه محيطة به كاملة بالنسبة في حدّها و تجد كمالها دونها كما كان للمشية حرفا بحرف و لا شك ان النور كلما كان اقرب من منيره يكون اكمل و اشبه لأن جميع ما للنور من منيره الاتري ان نور الشعلة صادر منها و جميع ما له من ذات و صفة كلها منها لا من نفسها و لذلك كل ما كان اقرب منها يكون اضوأ و انور و اقوي تأثيرا في غيره و كلما بعد منها يضعف شيئا فشيئا الي ان يبلغ حدّ الظلمة فينقطع النور و كذلك الامر في انوار مشية الله عز و جل كل ما كان منها اقرب منها يكون اكمل و اقوي و ابسط و ادوم فاول الخلق الذي هو العقل يكون اقرب من مشية الله فيكون كاملا في تأثيره قويا في فعله فاضلا في علمه متبعا لها في جميع ما تعلقت به و لذلك صار محبوبا لله و جعله سبب خلق الخلق و قلم الصنع فهو ايضا قوي في العمل و لايفقد شيئا مما وجده فيفعل ما يشاء و لايشاء الا ما شاء الله و يعلم ما يشاء و لايفقد شيئا من علمه فيكون الغايب و الحاضر عنده سواءا الا انه لكليته و بساطته يكون بسيطا كليا في جميع صفته فيصدر منه نور جبروتي كلي يخلق منه بالروح الجبروتي لقوة حياته و هو ايضا بهذه الصفة لا فرق بينه و بين العقل الا بقدر تنزله عنه و يضعف في فعله بقدر تنزله و كذلك له ايضا فضل نور يخلق منه النفس و هي ايضا كاملة لأن نور الكامل كامل الا انها لبعدها عن معدن الوحدة يعترضها الكثرة فيزيد اختلافها و يكثر تشققها فتنزل من مقام المعنوية الي [ص 560] الصورية و تنعقد انعقادا لبردها لبعدها عن معدن الحرارة و لكنها مع ذلك كاملة في فعلها جامعة لعلمها لا فرق بينها و بين العقل الا في المعنوية و الصورية و المادية و الصورية و بقدر بعدها و غلظتها يقلّ علمها فعلم العقل جامع كلي بالنسبة الي جميع ما مضي و ما سيأتي و علم النفس مخصوص بالماضي و الحال و عِلْم العقل كلي عِلّي و علم النفس جزئي صوري و هو في دوام علمه لايحتاج الي الاسباب و النفس محتاجة الي غير ذلك من الفروق و هما مع ذلك اخوان بابان من ابواب الغيب ثمّ اعلم ان النفس مع ما اعتريها من الانعقاد و الغلظة و الكثافة يكون واجدة لكل كمالها بالفعل لتجردها عن المواد و المدد الزمانية و كونها متصلا بالغيب و لذلك قال الامام عليه السلام في صفتها صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و لذلك قال الله تعالي في صفة اهل المحشر و وجدوا ما عملوا حاضرا و قال في صفة اهل الجنة لهم ما يشاؤن عند ربهم و اهل الجنة يتنعمون بجميع ما انعم الله عليهم في كل آن و ليس لهم حال الانتظار و يزيدهم الله النعم بقوله و لدينا مزيد لا بمعني انه يعطيهم ما ليس لهم بل بمعني انهم يحتاجون في كل ما لهم الي مدد جديد من الله عز و جل و يمدّهم بفضله و الجائي عين الذاهب لأن ما للنفس ذاتية لعلوها عن الاعراض و الذاتيات لاتتبدل و لاتتغير ابدا فالنفس في حدّها فعلية كاملة لاتفقد شيئا مما خوّلها الله و بعد ما نزلت الي عرصة الطبايع صارت قوة لانها في غاية البعد من المبدأ و كل ما بعد النور من منيره يعترضه الظلمة شيئا فشيئا فيتضعف شيئا فشيئا و يضطلم شيئا فشيئا حتي يغلب عليه الظلمة و يصير في القوة بعد ما كانت فعلية و عالم الشهادة ايضا مختلف المراتب اوله عرصة الطبيعة و آخره عرصة الاجسام و غاية القوة و الفقدان عرصة الاجسام و ما قبلها اكمل منها و مبدؤ حدوث الضعف و الظلمة عرصة الطبيعة و من بعدها المادة و دونها الامثلة و هي نهاية بروز الكمال و فيها تتفصل و تتشعب و يتكثر شأونها [ص 561] و شعبها حتي يكثر اختلافها و تتراكم و كثرة تراكم الكثرات توجب التركيب العرضي و التركيب العرضي يوجب مزيد الاعراض و الامراض و بالجملة يبعد عن معدن الوحدة و البساطة حتي يصير جميع ما له بالفعل في الملأ الاعلي بالقوة فيحصل من هذا التركيب جوهر قابل و جوهريته بقدر ما له من الجواهر الغيبية و قابليته من لوازم رتبته فيصير قوة لجميع الصفات الكمالية ثمّ انه يتفصل ثانيا بالافلاك و العناصر لحِكم كثيرة لست هنا بصدد ذكرها و قد مرّ شرحها سابقا فان ما كان من المواد لطيفة ارتفعت فصارت سماءا لسموها و تعينت بصور لطيفة و ما كان منها كثيفة نزلت و تعيّنت بصُوَر كثيفة غليظة و صارت ارضا و الفلكيات للطافتها تحكي بعض الكمالات الكلية و تفقد اكثرها و الارضيات لاتحكي الا قليلا من كثير مما ظهر في عالم المثال مع انه اقل قليل بالنسبة الي الملأ الاعلي و هو ما به يمتاز كل عنصر عن غيره فانه مما لا بدّ منه في كون الشئ متصورا متعينا و بغيره لايحصل التشخص و التعين و جميع ما سواها من الكمالات راقدة في تلك العناصر و العوالم الغيبية كلها في قوتها و هي مع كونها في درجتها و عالمها بالفعل و لكنها في هذه العناصر و الافلاك بالقوة فلايظهر آثارها و لايفعل افعالها فجميع ما كان في الملأ الاعلي بالفعل صار في هذا العالم بالقوة الا بقدر استمساك الوجود و بعد ما اراد الله عز و جل استخراج ما في القوة الي الفعل جمع من تلك العناصر قبضات و ضمّ بعضها الي بعض و ركّبها و خلقها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم كسي العظام لحما ثم اخرج من كمونها الافلاك فتعلق بها الارواح علي ما سيجيء و كذلك جعل الخلق انواعا جمادا و معدنا و نباتا و حيوانا و ملكا و جنا و انسا و في كل تحويل و تقليب ظهر كمال من الكمالات الراقدة في تلك العناصر و المواد المتخذة منها صالحة لجميعها حتي ان كسرة من الخبز صالحة لأن يستخرج منها روح الانبياء و غيرهم من الاناسي و غيرهم و بحسب تربيتها تصير حاملة للارواح حاكية للغيوب و قد [ص 562] اعطي النبي (ص) العجوزة السايلة اللقمة من فيه الشريف فخرجت منها روحها و لو بلعها لكانت تحمل روحه الشريف و بالجملة صلوح المواد لما يستخرج منها من النفوس الغيبية و كمالاتها يسمّي قوة و خروجها من المواد بحسب لطافتها و ترقق حجبها فانه لا فرق بينها في القوة فان القوي لاتتفاوت مع ان جميع العوالم العالية نزلت في العناصر السافلة و كلها راقدة فيها و قد اقعدها عن حكايتها غلظة حجابها و الا فالفيض من الله لاينقطع و رحمته وسعت كل شئ فكلما لطف مادة و رقّ حجاب انيتها يظهر منها كمال و قد بيّن اميرالمؤمنين عليه السلام حقيقة ذلك في قوله خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوايل عللها اي صار كمالاته بالفعل في قوس الصعود و دورة الشهود و اذا اعتدل مزاجها فارقت الاضداد و شارك بها السبع الشداد في الفعليات و بالجملة فكمالات الغيوب تظهر في المواد بحسب استعدادها و اول المواليد الجمادات و المعادن و النباتات فانها قد صعدت حدّ القوة الصرف و لطفت حتي صارت صالحة لحكاية نفوس شهادية غليظة فخرجت من حدّ القابلية الصرف التي هي صورة الجسم الي الفعلية فحكي الجمادات عن امثلة متعينة في الاعراض مشخصة في الصور و الامزجة و لكنها ليست خارجة من حدّ الامثلة الجسمانية و المعادن حكت نفوسا جسمانية و خرجت من كمونها بعض القوي كالمغيرة في الجملة فانه اذا اتصلت بها مواد لطيفة تتغير بالقوة الاكسيرية الفاعلة الثابتة لها و لكنها لاتتصرف في عناصرها حتي تجذب و تدفع و تمسك و تهضم و لكن النباتات صارت ارق و الطف و غلب عليها سرّ الوحدة و ظهرت علي النفس الفاعلة و هي يد الله تعالي في التصريف و فعله في التغيير و عناصرها ايضا لصفائها صارت كاملة في فعلها قوية في آثارها مع انها مسخرة للنفس المستوية علي عرشها فتنصرف عن اوامرها الطبيعية و الحاصل انها خرجت عن حدّ الجمادات و المعادن و ان لم‌تخرج من حدّ الاجسام الا انها غلبت عليها حكم الامثلة و لذلك يقال ان النفس [ص 563] النباتية فلكية اي صار اعاليها كظواهر اجسام الافلاك فان الافلاك مخلوقة من عناصر عالم المثال و الحيوانات صارت الطف علي ما سيجيء و خرج منها الروح المثالي بحسبها و لكنها جميعها مواليد شهادية و لاتحكي عن النفوس الكلية الغيبية و لذلك لايثبت لها نفوس علّامة و لا عقول مدركة و لا اختيار في الفعل و لا قوة تدبير و لكن الانسان لاعتدال طباعه و صحة منهاجه و صفاء مزاجه صار حاكيا عن النفس القدسية الحاوية للكمالات الحافظة للعلوم الجامعة للرسوم و هي اول مدارج الغيب و لكليتها و جمعيتها تكون مختارة في فعلها غير مقهورة لطبعها فتظهر قويها بالاختيار بل هي فاعلة في الحيوانية و النباتية بدون الاجبار لانها يد التقدير و مظهر فعل الله العزيز الخبير و لذلك قلنا سابقا ان الفاعل في الاشياء انفسها لا طبايعها و كذلك تترقي القوابل و تصعد صاعدة و يخرج من كمونها المراتب العالية الي ان تبلغ درجة تحكي عن امر الله و حكمه فتصير بالفعل في جميع الكمالات الفعلية فتصير بنفسها مجموعة كمال الله عز و جل .

الثانية - اعلم ان القوي في نفسها غير موجودة بل هي معدومة فليس لها صفات الكمال كالتعين و الترتب و غيرهما فانها من خواص الوجود بل القوة صرف صلوح مطلق فقوي التراب لاتكون ممتازة فيه و لا متعينة و لا معدودة فلا بداية لها و لا نهاية فليس فيه جذب ممتاز من دفع و دفع ممتاز من هضم و هكذا بل كل القوي فيه بنحو واحد من الصلوح و صلوحه ايضا صرف قبول و امكان و ليس في الامكان ايضا بالنسبة الي نفسه قرب و بعد و قد بينّا فيما قبل ان قربه و بعده بحسب الفعلية الثابتة علي المادة و لانعيد الكلام فتعيّن القوي و امتيازها في عرصة الفعلية و البروز فلا جرم يكون ظهورها في المواد بحسب المواد ان كانت لطيفة فلطيفة و ان كانت كثيفة فكثيفة و ان كانت معتدلة فمعتدلة و ان كانت منحرفة فمنحرفة و هكذا ان كانت متحدة فمتحدة و ان كانت مختلفة فمختلفة فان كان مادة قابلة لحكاية فعلية جزئية يحكيها و ان كانت قابلة لحكاية [ص 564] فعلية كلية تحكيها فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان النفس النباتية التي هي مزاج العناصر علي ما عرفت بنفسها فعلية كلية و طبيعة خامسة فليس لها في نفسها تعين النار و الهواء و الماء و التراب اذ هي خلاصة الكل و صورة مجموعها فهي صورة حاصلة من تركيبها و كذلك فعلها ايضا لايكون فعلا خاصا بواحد منها لأن الفعل الساذج لايصدر الا من الفاعل الواحد و الفاعل المركب فعله حاصل من صورة التركيب كما تري في خواص الادوية المفردة و المعاجين فان الدارصيني له صورة واحدة بالنسبة لوحدته في الجملة و ان كان مركبا في الواقع و لكن مرادنا بيان مزاجه بالنسبة الي المعجون و فعله في البدن ايضا علي حسبه و المعجون منه و من مصطكي و قرنفل و عسل مثلا له صورة خامسة لاتكون علي طبع واحد منها اذ هي حاصلة من تركيبها و فعل المعجون ايضا فعل خامس و لاتكاد تري في المعجون اذا ركب و ربي بالحكمة فعل واحد من ادويته ممتازا عن الباقي و ما تري من آثار بعض ادوية المعجون خالصة في البدن فذلك لاختلافها في الانهضام و تجزّيها في المعدة و الكبد كما تري في التدبيرات الشيميائية و شيمياء بدن الانسان اكمل بمرّات فالنفس الحاصلة من تركب الاجزاء واحدة فانها لاتخرج من حدّ الكيلوسية او الكيموسية فالفعلية الحاصلة لها فعلية كلية حاصلة من مجموع العناصر و هي المربية المطلقة فلاتكاد تجد فيها بالفعل سواها و هي بعد ظهورها في العناصر المختلفة تظهر بالاختلاف لجزئيتها و كذلك الامر في النفس الحيوانية فان صورتها صورة واحدة كلية و هي الحرارة الغريزية و شانها الادراك المطلق و لكنه بعد ما ظهر في الحواس تشقق و تعيّن بالرؤية و السماع و الذوق و الشم و كذلك النفس الانسانية صورتها كلية و شأنها ارفع من التخصيص بشئ و لذلك اختار الامام عليه السلام لها النباهة اي الشرف و هو بالاستعلاء علي ابناء الجنس و تظهر بالذكر و الفكر و العلم و الحلم بالجملة لولا العناصر الحاضرة و المدارك المعينة [ص 565] و الحواس المحدودة الممتازة لماتعينت افعال النفس في درجة ابدا لأن حقيقتها في عالمها مطلقة و قد ظهرت في مادة جامعة فلايخرج من كمونها الا فعل جامع و لكن الله عز و جل لحكمته البالغة و صنعه الكامل جعل للاركان التي هي اصول النفوس و الافعال محالّا يمتاز فيها بعضها عن بعض و للعناصر ايضا محال امتياز و جعلها مرتبة بالنفوس متصلة بها فبعد ما اشتعلت اعالي المواد بالنفوس يتأثر اسافلها منها فتتشعب منها القوي و الافعال هنا و بيان هذا المطلب علي نهج التفصيل يستدعي رسم ابواب و فصول و مرادي بيان الكليات و الاصول و لذلك اجملت العبارة و ان اكملت الاشارة لاهلها فالعناصر بعد ما ركبت و صفيت و لطفت تتصاعد منها اجزاء لطيفة صافية و تعلو علي ساير العناصر فيشتد تركيبها و يغلب عليها صورة الوحدة فتشتعل بالنفس و تتسفل اجزاء غليظة راسبة لايشتد تركيبها و لايغلب عليها سرّ الوحدة و لاتتصل عناصرها الا بقدر حصول وحدة نوعية و لذلك قد يتخلف بعضها عن بعض و قد يغلب بعضها علي بعض في بعض اجزاء البدن فيختلف صورها و هيئاتها و يتفاوت امزجتها و بعد ما اشتعلت بالنفس الراكبة عليها و ظهر عليها فعلها يتشعب فيها شؤنه و يختلف قواه و ابيّن لك ذلك في الاشجار لتذوق لذة ثمرة العلم ان رزقت الفهم فاعلم ان الشجر يختلف حال عناصره التي قبضت لصنعه فمنها لطيفة صافية قابلة للانحلال فانحلت حتي صارت بصورة واحدة هي النفس و طفت علي ساير العناصر و هي الكيلوس النافذ في كل الاصول و الفروع و منها غليظة غير قابلة للانحلال التام فلذلك لاتتصل اتصالا تاما و تبقي مختلفة فيغلب علي بعض اجزائها سرّ الماء و علي بعضها سرّ الدهن و علي بعضها سرّ الملح و بعضها يصير ناريا و بعضها مائيا و بعضها ترابيا و بعضها هوائيا و كلما يغلب عنصر علي جزء يغلب عليه فعله فما غلب عليه النار يقوي جاذبته و ما غلب عليه الماء يقوي دافعته و هكذا و لكن النباتات الغليظة كالاشجار و نحوها لغلظتها لاتتعين هذه الطبايع فيها [ص 566] كثيرا و لاتتفاوت الا نوعا في الجملة و لكن نباتية الحيوان و الانسان تتفصل اجزاؤها حتي تتعين فما اعدّ من اعضائها للاستمداد غلب عليها النار للجاذبة كالبلعوم و فم المعدة و العروق الماصّة و هكذا و ما اعدّ منها للدفع غلب عليها الماء المعدّ للدافعة الاتري ان فم المعدة و الحلقوم يبلع الغذاء و يحفظه و ان اردت التقيأ يصعب عليك الا في بعض الاحوال او بعض الاشخاص و اسافل الامعاء معدّة للدفع فاذا وصل اليها الغذاء تبادر الي الدفع و يصعب عليها الامساك و الجذب و الاوردة معدّة للترشح و دفع الغذاء الي اللحم و العظم و هي ميسرة لهذا العمل و في الكل قوة تغيير و تصوير و الامساك في الجملة ثابت في الكل بقدر خاص و كذلك ربما يعتريها الحالات بحسب الازمنة و الاوقات و اشراق الشمس و القمر فان الجاذبة مثلا من الحرارة و هي كيفية فربما تغلب علي المركب بحسب الاسباب و ربما تضعف بحسبها ففي الصيف لغلبة حرارة الشمس يتسخن المواليد و يقوي جاذبتها كما تري علانية في بدنك انه يزيد عطشك و حرصك علي الماء و في ايام البرد يقلّ الجاذبة و يكثر الدافعة كما تري علانية انه يسبقك البول كثيرا و تتغوط كثيرا و كذلك حال الاشجار فانها في الشتاء لاتنمو و لاتتغذي و ذلك لضعف جاذبتها و في الصيف يكون الامر بعكس ذلك و يمكن التدبير باسباب خارجية كتسخين هواء محل النبات فان بعض الاشجار اذا دبّر في حفظ محلها من البرد لايسقط اوراقها و لايبطل نموها و اما بعضها فلا بدّ من سقوط اوراقها و لكن تورق سريعا اذا سخن منابتها بل تورق اذا لم‌يبرد نوع الهواء في الشتاء بالعرض و بالجملة المسألة واضحة و الحمد لله فرواسب النباتات تكون محل اختلاف الافعال و طوافيها يكون افعالها واحدة و لكنها تكون مستعلية علي الرواسب مسلّطة عليها فاعلة فيها فتفعل بفعلها الواحد فيها و يتشعب الفعل في الطوافي و اصل الفعل من العالي و خصوصيته من السافل و ذلك سرّ جار في جميع الملك فان ما من العالي ابدا متوحد و ما [ص 567] من السافل متكثر و اذا عرفت ذلك فاعلم انه يجوز لنا ان نقول احيانا ان الافعال الخاصة في قوة النفس لأن فعلها مطلق و لكنه يصلح للتلون بالالوان و ذلك ايضا سرّ سارٍ في كل النفوس و لعلّ الامام عليه السلام اختار في كلامه لها لفظ القوي بهذه الملاحظة او بملاحظة صلوح ابدانها و الا فعين الانفس عالية عن حدّ القوة لما عرفت سابقا و لقوله عليه السلام في صفة العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها خالقها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاخرج منها افعاله ، و يجوز ان يكون مراده عليه السلام من القوة الفعلية و ذلك ايضا مستعمل في العرف و يكفي هاتان المقدمتان لمعرفة القوة و الفعل ان شاء الله فاذا عرفتهما نتكلم في قوي النباتات علي نحو الاجمال .

الثالثة - اعلم ان الحكماء بيّنوا صفة القوي بانحاء و بياناتهم متقاربة و لما كان ابوعلي بن سينا سند جميعهم و كلام الكل مقتبس من قوله اقتصر علي نقل كلامه علي الاجمال ، قال في الشفاء ما ملخصه اولها التغذية الغذاء لايستحيل الي طبيعة المتغذي دفعة بل استحالته اليها متدرجة فيستحيل اولا استحالة مّا عن كيفيته و يستعد للاستحالة الي جوهر المغتذي فيفعل فيه قوة من خدم القوة الغاذية و هي الهاضمة و هي التي تذيب الغذاء في الحيوان و تعدّه للنفوذ المستوي ثمّ ان الغاذية تحيله في الحيوان الدموي اول الاحالة الي الدم و ساير الاخلاط و كل عضو فانه يختص بقوة غاذية تحيل الغذاء الي ما يشابهه و اكثر منافعه انه يقوم بدل ما يتحلل و لكن في اول الامر قد يحتاج اليه الطبيعة للتربية فتلك القوة تفعل في جميع مدة بقاء الشخص و لولاها لمات و هلك و النامية تفعل في اول كون الحيوان فعلا زايدا علي التغذية لأن غاية التغذية ما حددناه و اما هذه القوة فانها توزع الغذاء علي خلاف مقتضي القوة الغاذية فان مقتضاها لذاتها ان تؤتي كل عضو من الغذاء بقدر و اما النامية فهي تسلب جانبا من البدن من [ص 568] الغذاء اليه لزيادة في جهة اخري فتلصقه بتلك الجهة لتزيد علي جهة اخري مستخدمة للغاذية و لو كان الامر الي الغاذية لسوت في الجميع و اما المربية فانها تزيد في الطول اكثر كثيرا مما يزيد في العرض و الزيادة في الطول اصعب من الزيادة في العرض و ذلك لأن الزيادة في الطول يحتاج فيها الي تنفيذ الغذاء في الاعضاء الصلبة من العظام و العصب تنفيذا في اجزائها طولا لتنميها و يبعد بين اطرافها و الزيادة في العرض قد يفني تربية اللحم و تغذية العظم ايضا عرضا من غير حاجة الي تنفيذ شئ كثير فيه و تحريكه فيه و ربما يكون عضو في اول نشوه كبيرا و يصغر في الآخر و بالعكس فيحتاج الاول الي تقليل الغذاء و الآخر الي التكثير و لو كان التدبير الي الغاذية لكانت تستمر علي نسبة واحدة كما هو طبعها و اما النامية فتوعز الي الغاذية بان يقسم ذلك الغذاء و تنفذه الي حيث يقتضي التربية خلافا لمقتضي الغاذية و الغاذية تخدمها لانها الملصقة لكنها تكون متصرفة تحت تصريف القوة المربية و القوة المربية انما ينحو نحو تمام النشو و اما المولدة فلها فعلان احدهما تخليق البزر و تشكيله و تطبيعه و الثاني افادة اجزائه في الاستحالة الثانية و بيّن في قانونه بيانا مفصلا مجمله ان من القوي خادمة و منها مخدومة و المخدومة جنسان جنس يتصرف في الغذاء لبقاء الشخص و ينقسم الي الغاذية و النامية و جنس يتصرف فيه لحفظ النوع و هو ينقسم الي مولدة و مصورة و الغاذية تخدم النامية و يتمّ فعلها بافعال جزئية ثلثة : احدها تحصيل جوهر البدل و الخلط الذي هو بالقوة القريبة من الفعل شبيه بالعضو و قد يخلّ به كما يقع في علة تسمّي اطروقيا و هو عدم الغذاء و الثاني الالصاق و هو ان تجعل هذا الحاصل غذاءا بالفعل التام اي صايرا جزء عضو و قد يخلّ به كما يقع في الاستسقاء اللحمي و الثالث التشبيه و هو ان تجعل هذا الحاصل شبيها بالعضو حتي في اللون و القوام و قد يخلّ به كما في البهق و البرص و هذا الفعل للمغيرة من قوي الغاذية و هي واحدة في [ص 569] الانسان بالجنس او بالمبدأ الاول و يختلف بالنوع في الاعضاء المتشابهة و اما القوة المولدة فهي نوعان نوع يولد المني في الذكر و الانثي و نوع يفصل القوي التي في المني فيمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو فيخص للعصب مزاجا خاصا و للشريان مزاجا خاصا و هكذا و ذلك من مني متشابه الاجزاء او متشابه الامتزاج و هذه القوي تسمّي عند الاطباء بالمغيرة الاولي و اما المصورة الطابعة فهي التي يصدر عنها باذن خالقها تخطيط الاعضاء و امثالها و الخادمة لهذه القوة هي الغاذية و النامية و اما الخادمة الصرفة فهي خوادم القوة الغاذية و هي قوي اربع الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و الجاذبة خلقت لتجذب النافع و يفعل ذلك بليف العضو الذي هي فيه الذاهب علي الاستطالة و الماسكة خلقت لتمسك النافع ريثما يتصرف فيه القوي المغيرة له الممتازة منه و يفعل ذلك بليف مورب و ربما اعانه المستعرض و اما الهاضمة فهي التي تحيل ما جذبته القوة الجاذبة و امسكته الماسكة الي قوام مهيئ لفعل القوة المغيرة فيه و الي مزاج صالح للاستحالة الي الغذائية بالفعل هذا فعلها في النافع و تسمّي هضما و اما فعلها في الفضول فان يحيلها ان امكن الي هذه الهيئة و يسمّي ايضا هضما او يسهّل سبيلها الي الاندفاع من العضو المحتبس فيه بدفع من الدافعة بترقيق قوامها ان كان المانع او تغليظه ان كان المانع الرقة او تقطيعه ان كان المانع اللزوجة و هذا الفعل يسمّي الانضاج و قد يقال الهضم و الانضاج علي سبيل الترادف و اما الدافعة فانها تدفع الفضل الباقي من الغذاء الذي لايصلح للاغتذاء او يفضل عن المقدار الكافي الاغتذاء و يستغني عنه و يفرغ عن استعماله في الجهة المرادة مثل البول و هذه القوة تدفع هذه الفضول اما من جهات و منافذ معدّة لها و اما ان لم‌يكن هناك منافذ معدّة لها فانها تدفع من العضو الاشرف الي العضو الاخس و من الاصلب الي الارخا و هذه القوي الاربعة تخدمها الكيفيات الاربع الاولي اعني الحرارة و اخواتها اما الحرارة فخدمتها بالحقيقة [ص 570] مشتركة للاربع و اما البرودة فقد تخدم بعضها خدمة بالعرض لا بالذات لأن الامر الذي بالذات للبرودة ان يكون مضادة لجميع القوي لأن افعال جميع القوي هي بالحركات حتي الماسكة فانها تفعل بتحريك الليف المورب الي هيئة من الاشتمال متقنة و البرودة مميتة مخدرة مانعة عن جميع هذه الافعال الا انها تنفع في الامساك بالعرض بان تحتبس الليف علي هيئة الاشتمال الصالح فتكون غير داخلة في فعل القوي الماسكة بل مهيئة للآلة تهيئة تحفظ بها فعلها و اما الدافعة فتنتفع بالبرودة بما يمنع من تحليل الريح المعينة في الدفع و بما تعين في تغلظه و بما يجمع الليف العريض القاصر و تكثفه و جميع ذلك تهيئة للآلة لا معونة في نفس الفعل فهي خادمة للقوي و الطبايع و اما اليبوسة فالحاجة اليها في افعال قوي ثلاث الناقلتان و الماسكة اما الناقلتان و هما الجاذبة و الدافعة فلما في اليبس من فضل تمكين علي الاعتماد الذي لا بدّ منه في الحركة اعني حركة الروح الحاملة لهذه القوي نحو فعلها باندفاع قوي يمنع عن مثله الاسترخاء الرطوبي اذا كان في جوهر الروح او في جوهر الآلة و اما الماسكة فللقبض و اما الهاضمة فحاجتها الي الرطوبة امسّ ثمّ اذا قايست بين الكيفيات الفاعلة و المنفعلة في حاجة هذه القوي اليها صادفت الماسكة حاجتها الي اليبس امسّ و اكثر من حاجتها الي الحرارة لان مدة تسكين الماسكة اكثر من مدة تحريكها الليف المستعرض للقبض لأن مدة تحريكها و هي المحتاج فيها الي الحرارة قصيرة و ساير زمان فعلها مصروف الي الامساك و الجاذبة حاجتها الي الحرارة اشد من حاجتها الي اليبس لا لأن الحرارة قد تعين في الجذب بل لان اكثر مدة فعلها هو التحريك و حاجتها اليه امسّ من حاجتها الي تسكين اجزاء آلتها و تقبيضها باليبوسة و لان هذه القوة ليست يحتاج الي حركة كثيرة فقط بل قد يحتاج الي حركة قوية و الاجتذاب يتم اِما بفعل القوة الجاذبة كما في المقناطيس التي بها ينجذب الحديد و اِما باضطرار الخلاء كانجذاب الماء في الزراقات و اما للحرارة كاجتذاب السراج للزيت و ان كان هذا القسم الثالث [ص 571] عند المحققين يرجع الي اضطرار الخلاء بل هو هو بعينه فاذن متي كان مع القوة الجاذبة معاونة حرارة كان الجذب اقوي و اما الدافعة فان حاجتها الي اليبس اقل من حاجتهما اعني الجاذبة و الماسكة لانها لايحتاج الي قبض الماسكة و لا لزوم الجاذبة و قبضها و احتوائها علي المجذوب بامساك جزء من الآلة ليلحق به جذب الجزء الآخر و بالجملة لا حاجة بالدافعة الي التسكين بل الي التحريك و قليل تكثيف يعين العصر و الدفع لا بمقدار ما يبقي به الآلة حافظة لهيأة شكل العصر او القبض كما في الماسكة زمانا طويلا و في الجاذبة زمانا يسيرا ريث يلاحق جذب الاجزاء فلهذا حاجتها الي اليبس قليلة و احوجها كلها الي الحرارة الهاضمة و لا حاجة بها الي اليبوسة بل انما يحتاج الي الرطوبة لتسييل الغذاء و تهيئه للنفوذ في المجاري و القبول للاشكال ، هذه خلاصة ما كتبه و هي جامعة لجميع كلمات الاطباء و الطبيعيين اذ كلهم متبعون له في قوله و رأيه . . . احسن القول في المقام بل في كل مقام قول ابي اعلي الله مقامه ارويه هنا لكثرة محصوله و اقتصر علي رواية اصوله ، قال خلق النبات من العناصر بعد ما رقيت الي الجمادية و المعدنية و منها الي اركان النبات الماء و الدهن و الارض و ركبت بالتقدير بعد ما صفيت فوقف المركب من تلك الجواهر بعد الحلّ و العقد و المزاج و الاتحاد في العمي مخلي بطبعه و استولي عليه المزاج فجذب كل جزء من المركب نحوه و تحرك كرة المركب عليه و لما كان حيّزه في غير الجهات صار يتحرك المركب اليه من كل جهة لانه في لاجهة فظهر فيه النماء في جميع الاقطار باجمال اجزائه و اربي بروحانيته و ولد بنفسانيته و حفظ الصورة بجسدانيته و غذا بطبايعه فجذب ذلك المزاج الغاذي ما يشاكله بنارية اجزائه و امسك بترابيتها و هضم بهوائيتها و دفع الفضول بمائيتها و المربي اي الزايد في اقطار المركب هو المزاج فالمربي اسمه و صفته و لذا صار من قوته فافهم فالمزاج اي المربي آية الرحمن المستوي [ص 572] علي العرش ذي الاركان فالجاذبة من ركنه الاحمر و الهاضمة من ركنه الاصفر و الدافعة من ركنه الابيض و الماسكة من ركنه الاسود و رحمن المزاج مستوي علي تلك الاركان و هو المثال الملقي في هوية عرش النبات من شعلات الافلاك و فعله من حيث الصدور منه واحد و هو الحركة المطلقة فتظهر في مرايا الاركان علي حسب استعدادها كما ان قوة الروح هي الادراك الصرف و الشعور البحت و يظهر من الحواس بحسبها فحركة المزاج ايضا واحدة و هي النقل فاذا ظهر من النار ظهر بالنقل من البعيد الي البعيد و اذا ظهر بالتراب ظهر بنقل الاجزاء المتباينة الي التقارب و اذا ظهر من الهواء ظهر بنقل الاجزاء المتقاربة الي التباين و كلها نقل و حركة ظهر من كل يد علي حسبه و قد شرح الصادق عليه السلام هذه القوي في حديث فقال اعلم ان في الانسان قوي اربعا قوةً جاذبة تقبل الغذاء و تورده علي المعدة و قوةً ممسكة تحبس الطعام حتي تفعل فيه الطبيعة فعلها و قوةً هاضمة و هي التي تطحنه و تستخرج صفوه و تبثّه في البدن و قوةً دافعة تدفعه و تحدو الثفل الفاضل بعد الهاضمة حاجتها الخبر ، فهذه القوي تخدم للنامية التي هي وجه الله و يده فوقها يجري الله بها افعاله في بدن الانسان فانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و هذه اسباب هذه المرادات و قد ذكر الاطباء قوي اخر فقالوا ان اصول القوي ثلثة المولدة و المربية و الغاذية ثمّ قالوا ان المولدة مخدومة غير خادمة يخدمها المغيّرة و المصوّرة و اما المربية فهي خادمة و مخدومة تخدم المولدة و يخدمها الغاذية و اما الغاذية فتخدم المربية و يخدمها الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و ما سوي الهاضمة كالخادمة لها فذلك مجمل اقوالهم في القوي و ليس بتقسيم صادر من الحكمة فان الغاذية علي ما فسّروا ليس بشئ غير الجاذبة و المغيّرة مبدأ فعل المصورة و لو شاء الحكيم ان يعدّ القوي البرزخية لعدّ كثيرا و نحن بحول الله و قوته نقسّم القوي تقسيما ينبئ عن الواقع فنقول قد بينّا سابقا ان للحقايق الاولية كانت صفات موجودة فعلية [ص 573] حاضرة بجميع ما لها و بها و عرصة الفعلية من النفوس الجزئية فما فوقها فلما نزلت الي عالم الطبايع كمنت تلك الفعليات فصارت قوي و كانت كامنة الي التراب فلما تركبت الاسطقسات الاولية بسبب دوران الافلاك عليها في الدورة الثانية تركب منها ثلثة اركان اولا ماء و دهن و ارضية فصارت فعليات العناصر في الاركان قوي و كل ركن فيه من الطبايع الاربع جميعها علي حسبه من اللطافة و التوسط و الغلظة فصار يظهر من كل ركن فعل علي حسب طبايعه و علي حسب هيئته التركيبية ثمّ من المجموع المركب من الاركان فعل آخر علي هيئته فالكائنة في المجموع المركب النفس النباتية و هي آية الرحمن المستولي علي عرش الاركان و العناصر اذا لوحظ جهة اجمالها و اذا لوحظ تفصيلها و اقترانها بالافعال الصادرة منها فالاركان و الطبايع مقامها مقام الكرسي فاذا لوحظ الطبايع في الاركان حصل منها البروج الاثني‌عشر فالاجمال مقام العرش و التفصيل مقام الكرسي و النفس المهيمنة علي الاجمال آية الرحمن صاحبة الصفات الكلية الفعلية في مقام كمالها فتلك النفس في مقامها صاحبة جميع الافعال و كل اليها راجعة ثمّ يظهر من عرش اجمال قويها القوة النامية و هي القوة الكلية التي ليس فوقها قوة اخري و لذا خصّها علي عليه السلام بالذكر في المقام الخامس فلو كان لها قوة اعظم منها لذكرها هذا مع ما تري من كلية فعلها و هذه النامية اول ما تتفصل في الاركان الثلثة و هي في مقام النبات روح و نفس و جسد خاصة به ففعل النامية بالروح الحركة و بالنفس الانبساط و الانقباض و بالجسد حفظ الصورة فبالروح يتحرك النبات الي الطول و العرض و العمق و لولا روحانيته لماقدر علي الحركة الي النفس النباتية الخارجة عن الجهات و لماربي و زاد و لولا النفس لماانبسط و امتد الي حيث تميل الروح و لماانقبض حيث ما تميل الي الانقباض و لولا الجسد لمابقيت الصورة علي ما صوّرت و ماع و سال و تغيّر عما كون عليه فالنامية لها ثلثة خدام رؤساء المحركة و هي المربية و الباسطة [ص 574] و هي المتولدة و الحافظة ثمّ تتفصل الاركان في الاربعة و هي الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و هذه الاربع اتباع لاولئك الرؤساء فالنامية بالروح تحرك المادة علي نفسها من جميع الاقطار تحريكا بسيطا لا تعيّن فيه و النفس تنبسط و تتحرك و تمتد للينتها البرزخية و لانها جهة انفعال الجسد فهي لاختلاف اجزائها تنفعل علي حسب الاختلاف فمن هنا يأتي اختلاف الصور فالروح مقام الاب و النفس مقام الام و النامية آية الرحمن الم‌تسمع قول النبي (ص) ليس الاختلاف في الله و لا فيَّ و انما الاختلاف فيك يا علي ، فالروح تحرك تحريكا بسيطا و النفس تتحرك تحركا مختلفا فتحدث هيٰهنا صورا مختلفة بحسب انبساطها و انقباضها و مطاوعة اجزائها فمن هنا تحدث اختلاف الصورة و من هنا يحدث اسم المغيرة و المصورة للنفس النباتية و للنفس اعلي و اسفل فمن اعلاها تحدث الصور المطلقة كاللحم و الشحم و العظم و من اسفلها تحدث الصور العضوية كالرأس و القلب و الكبد و امثالها و لما كان في النفس طبايع اربع فتتصور من حيث البرودة و الرطوبة الدماغ مثلا و من حيث الرطوبة و اليبوسة مثلا العظم و من حيث الحرارة و الرطوبة اللحم و من حيث الحرارة و اليبوسة لحم القلب فمن اعلاها يحدث اسم المغيرة للنفس النباتية و من اسفلها اسم المصورة و منهما اسم المولدة فان التوليد من صفة الام التي هي النفس لا غير و اما الجسد فمنه بقاء الصورة علي ما صوّر فمنه يحدث اسم الحافظة و لم‌يعدّوها مع كونها اصلا عظيما كليا فالحافظة فرع المولدة و المولدة فرع المربية و القوي الاربع الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة خدّامها و تفاصيلها فهذه صفة القوي الكلية علي ما يوافق الحكمة و ان كانت القوي في غاية القوة بحسب استعداد المادة فيزيد يوما فيوما و الا فينقص و هما خاصيتاها علي ما تقدّم .