فصل - بعد ما عرفت ان نوع المعادن من البخار و الدخان المصورين بصورة الزيبق و الكبريت ان الحكماء السابقين لميفصلوا بين اجزاء المعادن و اقتصروا في بيان كيفية خلقها و موادها علي ذكر قليل من اجزائها و ان كان علماء الفلسفة الخاصة كانوا عالمين بها و لكنهم بيّنوها في مقام العمل بحسب اطلاعهم و لكن اهل الافرنج لما وقفوا علي علم التجزية في الجملة ذكروا بعض ما رأوا من اجزاء المعادن في عملهم و الجهّال ظنوا ان حكماء الاسلام لميتفطنوا بهذه الغرايب لما رأوا انهم اقتصروا في مقام ذكر المادة علي الزيبق و الكبريت [ص 523] و لميكن ذلك منهم الا لأن مرادهم كان ذكر المواد الاصلية فقط و انا افصل لك هذه المسألة في الجملة فاعلم ان البخار و الدخان هما اصل المعادن بعد العناصر الاولية و لكنهما بنفسهما لايصلحان للتصور بصورة كل معدني الا بعد التصور بصور اخري و الحكيم جل شانه العليم يقلبهما في صور عديدة و يأخذ منهما مواليد ثمّ يؤلف بينهما باختلاف الموازين و الكيوف فيحصل منها فلزات و املاح و زاجات و من المواليد المتخذة منها الزيبق الاصلي و الكبريت و هما الماء و الدهن و الملح فان به قوام كل مولود حتي انه ربما يقال انه ليس شئ الا و فيه ملحية و ربما يأول الي ذلك قوله (ع) ابدأ بالملح و اختم بالخل ، و الارض اي التراب فانه بمنزلة الجسد للمواليد و لولاه لايقوم شئ ثمّ يأخذ منها باختلاف الميزان فيركب المواليد ثمّ يجمع بينها ثانيا و يؤلفها باختلاف فيها فيحصل مواليد اخري و ان شئت ان تعرف حقيقة ذلك انظر الي الزاج الاخضر فانه مركب من ماء و كبريت و نحاس و حديد و ملح و لذلك يتخذ منه الماء الحادّ الحلّال لبعض الفلزات و كذلك الزاج الاصفر الا ان حديده اكثر كما يشهد بذلك حمرته و لست في هذا المقام بصدد تفصيل خلق المعادن و اجزائها و لكني اريد محض بيان مجمل بقدر اقتضاء المقام فاذكر قاعدة كلية بحول الله و قوته .
فصل - اعلم ان الله سبحانه هو الخالق لما يشاء و الحاكم لما يريد و قد جعل هذه الافلاك محالّ مشيته يجري بها و بهذه النجوم جميع ما اراد في ملكه و قد جعل الارض امكان جميع ما اراد خلقه علي ما اراد فادار الافلاك علي الارض و القت النجوم شعلاتها عليها فتأثرت بحسب اقتضاء اجزائها و الافلاك بمنزلة الاب و الارض بمنزلة الام و شعلات الكواكب كنطفة الاب تنزل في رحم الام و الرطوبات الارضية بمنزلة نطفة الام و فيها حبة المولود فكل ما صعد بخار من الارض و دخان بحرارة الافلاك و عقدا و حلّا بكرور الشمس و الافلاك عليها تولد مواليد معدنية بحسب اقتضاء الارض و الكوكب المربي [ص 524] و لا بدّ لمعرفة هذه من ذكر مقدمات :
الاولي - ان السماوات كروية و النجوم مركوزة في نقاط مختلفة و تسير في دواير مختلفة و الارض ايضا كروية و لا شك ان كرة كبيرة اذا احاطت بكرة اخري و ان كانت في غاية الصغر لاتكون جميع نقاطها مواجهة لجميع نقاط الصغيرة بل يكون كل نقطة منها مواجهة لنقطة فاذا دارت تدور علي خط واحد مستدير من الصغيرة البتة فلاتكون كل قطعة من الارض مواجهة لجميع الكواكب و لايدور كل كوكب الا علي خط مخصوص فقطعة من الارض واقعة في مدار الشمس و قطعة واقعة في مدار القمر و هكذا كل قطعة واقعة في مدار كوكب البتة .
الثانية - اعلم ان الكواكب لقوتها و كبرها مؤثرة في جميع الارض و لكن كل قطعة منها تكون مواجهة لكوكب خاص يكون لها وجه تعلق به اذ يكون اثره فيها اقوي و ذلك امر محسوس لايحتاج الي برهان الاتري الي الشمس ان اثرها في ما يواجهها اكثر مما لايواجهها و ما كان من الارض محجوبا عنها يكون اثرها فيه اقوي و قس علي ذلك جميع الآثار من جميع الكواكب و لذلك يكون امزجة الآفاق مختلفة و مواليدها و جبالها و احجارها متفاوتة و كذلك امزجة قطعات الارض مختلفة لعلل اخر يضيق بذكرها المجال مع عدم الحاجة الي ذكرها و اهل العلم يعرفونها و لذلك لايتولد من بعض الاراضي مولود و كأنها امرأة عقيمة و بعضها تلد نوع مولود خاص و اعلم ان للماء و الهواء ايضا اثرا خاصا في المركبات و الارض و لذلك تري انه لاينبت نبات مثلا في ارض باردة و يخص بالبلاد الحارة و لكنك ان ربّيته في بلاد باردة و دبّرت له اماكن حارة يبلغ حدّ الكمال و ذلك بتأثير الهواء و كذلك جرّبنا ان الماء المالح ينفع نوع نبات و يضرّ نوعا و بالجملة هذه قاعدة ظاهرة معلومة لاتحتاج الي كثير تأمل .
الثالثة - اعلم ان الشمس في مزاجها حارة يابسة و شأنها تربية الارض بالتسخين و التلطيف و التعديل و الحلّ و العقد و يتعلق بها من كل مولود مواليد [ص 525] خاصة و يخصها بين المواليد الذهب و القمر في مزاجه بارد رطب شأنه تبريد الارض و ترطيبها و تزييد المياه و تربية النباتات نوعا و يخصّه من كل مولود نوع خاص و من بين المعادن يخصه الفضة ثمّ الزحل بارد يابس و هو كوكب الموت و يبرّد و يجفف و يخصّه من بين المواليد انواع و له من المعادن الاسرب و المشتري حار رطب و هو كوكب الحياة و يخصّه مواليد و من المعادن يخصه القصدير و المريخ حار يابس بحرارة غير معتدلة و يخصّه مواليد و من المعادن يخصه الحديد ثمّ الزهرة حارة رطبة و يخصها مواليد طيبة و من المعادن يخصها النحاس و العطارد بارد يابس دون الزحل في مزاجه و ربما يقال انه معتدل في الجملة و لذلك يقال انه لا مزاج له و مع كل كوكب يتطبع بطبعه و له ايضا مواليد و يخصّه من بين المعادن الزيبق ثمّ ان الخارصيني ايضا في طبعه يشبه الحديد و لذلك يتركب معه في الذوب و من العجب انه يلين الحديد بالخاصية مع انهما يابسان كما ان القلع يجفف النحاس بالخاصية حتي انه ربما ينكسر المركب منهما لشدة اليبس و ذلك من اعجب العجاب و بالجملة الخار ايضا يتعلق بالعطارد لروحانيته و زيبقيته الفاضلة و ان كان زيبقا فاسدا ثمّ اعلم انه يتعلق بها ايضا من الاملاح و الشبوب و الكباريت (ظ) و الزاجات و لذلك يختلف انواعها و يتفاوت امزجتها و الله تعالي اعلم بحقايق الامور . اذا علمت هذه المقدمات فاعلم ان تكوّن المعادن لايكون الا بين الارض و السماء فلا بدّ في معرفتها من الاطلاع علي الفاعل و القابل اما من الفاعل فقد عرفت انه الكواكب و القابل هو الارض فكلما تركب البخار و الدخان في بقعة من بقاع الارض بان حصل رطوبة في الارض و عمل فيها النار بالليل و الشتاء حتي جعلتها بخارا ثمّ اشتدت عليها حتي جعلت بعضها دخانا و تركت بعضها نيّا علي ما كان او جعلت كلها دخانا و حصل بخار آخر [ص 526] معها صعدتهما الحرارة بالليل و الشتاء و نزلهما البرد بالنهار و الصيف فيختلطان في الصعود و النزول حتي يتزاوجا و يتناكحا علي كتاب الله سبحانه و سنة نبيه فيصيران واحدا فان اختلطا و جمدا ببرد غالب قبل نضجهما و استحكامهما و الغلبة للبخار حصل منه نوع الاملاح و الشبوب و ان كانت الغلبة للدخان حينئذ تولد منهما الزاجات و البوارق و امثالها و ان عرضهما اليبس قبل النضج و الاستحكام و الغلبة للبخار تولد منهما امثال الدُّرّ و الاحجار الرخوة الشفافة و ان كانت الغلبة للدخان حصل منهما امثال الزمرد و الياقوت و ساير الاحجار الصلبة الشفافة و ان لميعرضهما الاختلاط حتي يحصل فيهما نضج و استحكام قليل ثمّ عرضهما الاختلاط و المدبر البرد المجمد و الغلبة للبخار حصل منهما الزيبق و ان كان المدبر معه الحر الميبس حصل منه الاحجار التي يستنبط منها الزيبق و ان كان الغلبة للدخان و عرضهما الجمود يتولد منه السم و ان عرضهما اليبس حصل منهما الكباريت و الزرانيخ و لكن الكباريت دخانيتها اكثر و ارضيتها اقل و الزرانيخ بعكس ذلك و ان غلب اليبس و غلب الدخان حصل منهما الاجسام المنسحقة كالمرقشيشا و المغنيسا و اللازورد و امثالها و قد يكون فيها اجزاء صالحة و ينزل منها اجساد منطرقة او زيابق و كباريت صالحة و ان لميعرضهما الاختلاط حتي استحكما و انتضجا علي نحو الكمال و خلصا عن الاعراض المانعة عن المزاوجة التامة و كملا علي الاكسيرية ثم عرضهما الاختلاط و كان الغالب مع ذلك برد مجمد كثير و الغلبة للبخار حصل منها القصدير و ان كان برد متوسط حصل منهما الآنك و ان كان برد قليل حصل منهما الفضة الا ان البخار في القصدير اكثر من الآنك و في الآنك اكثر من الفضة و ان كان الغلبة للدخان و عرضهما حرّ غالب كثير فيتولد منهما الحديد او حرّ متوسط حصل منهما النحاس و الصفر او حرّ قليل حصل منهما الذهب الا ان الدخان في الحديد اكثر منه في النحاس و فيه اكثر منه في الصفر و فيه اكثر منه في الذهب و اما [ص 527] الشبه فهو يحصل اذا غلب البخار فيه و عرضه الجمود و لكنه غير ثابت البخار و الدخان غير كامل الامتزاج فهو جسد ناقص فصار نوع ما يحدث في المعدن سبعة اقسام بخار و دخان و ملح و حجر و زيبق و كبريت و جسد فالمربي للبخار القمر و المربي للدخان الشمس و المربي للملح المريخ و المربي للحجر المشتري و المربي للزيبق عطارد و المربي للكبريت الزهرة و المربي للجسد الزحل .
فصل - قال ابي العلامة اعلي الله مقامه سرّ جميع المعادن في جميعها لان سرّ جميع اصنافها كامن في هذه النطفة و النواة ففيهما سرّ الملحية و الحجرية و الزيبقية و الكبريتية و الجسدية و انما يتكون منهما احد المعادن الخمسة علي حسب ظهور احدي الكيفيات فيهما و اختلاف العلة الفاعلية التي هي الحر و البرد و اختلاف الفواعل التي ذلك الحر و البرد منها و هي الكواكب و بروجها و الطوالع و الاوضاع الفلكية فبحسب اختلاف الفواعل و القوابل يظهر المعادن ففي كل معدن يكون خواص باقي المعادن علي نهج الصلوح و الاستجنان و تظهر منه اذا دبّر بتدبير خاص مناسب بلا شك كما يشهد به المشاهدة التي لا شك فيها و لاستجنان خواص كل معدن في كل معدن اختلف اقسام كل معدن و اصنافها الاتري ان من الملح حجري مشتروي كالاندراني و التنكار و منه زيبقي عطاردي كالنوشادر و منه كبريتي و زهروي كالزاج و منه بخاري قمري كالاملاح البيض الرقيق الجوهر القليل الملوحة و الشبّ و منه دخاني شمسي كالبارود و منه مريخي كالملح المعروف و الملح الاحمر و منه زحلي كالملح الهندي و الزاج الاسود يختلف الحال في كل واحد من هذه الانواع و يصير ايضا كل واحد سبعة اصناف لانه اذا تكون المعدن في دورة المريخ مثلا يتكون ملحا و في دورة المريخ يختلف الطوالع البتة فاذا كان كوكب الطالع طالع تولده الزحل تكون ملحا زحليا كالزاج الاسود و ان كان الطالع المشتري يكون [ص 528] تنكارا مثلا و هكذا ففي طالع كل كوكب يختلف البروج الطالعة فان كان الطالع مثلا المشتري و البرج الطالع من بروج الزحل صار تنكارا اسود زحليا و ان كان من بروج المشتري صار تنكارا صلبا شفافا مائلا الي الصفرة و ان كان من بروج المريخ صار تنكارا صلبا مائلا الي الحمرة و هكذا و علي هذه فقس ما سويٰها و كذلك الحال في كل جسد جسد فلكل صفة فعلية و المستجن ساير الصفات و الحكمة اظهار المستجنات لا ايجاد المعدومات و الاشياء تتقوي باشكالها و تتضعف باضدادها و كل ظاهرة بصفة كاملة فيها اقوي في تكميل تلك الصفة في غيره و لما ان انتهي الكلام الي هنا ناسب ان نذكر بيانا في حقيقة الاكسير الفاعل فانك ان عرفت الحقيقة لعلك تظفر بالطريقة و تطلع علي الدقيقة و افرد لبيانه ايضا فصلا خاصا .
فصل - اعلم ان المراد من الاكسير المعدني الكامل في وجوده المكمل للنواقص و المصعد لها من حضيض الخسة و الدنائة الي درجة الكمال و هو الفضية و الذهبية لا غير و ذلك مما يمكن بالبداهة لما عرفت ان اصول جميع المعادن واحدة و في كل معدني معني كل معدني الا ان فعلية بعضها كاملة و قويٰها ناقصة و بعضها بالعكس و كذلك يمكن العلاج البتة فان بناء جميع الملك علي التكميل و يمكن ايضا صنع مولود كامل يكمل النواقص و كلامنا في بيان صفته فان ساير المسايل مفروغ عنها فاعلم ان كل ذي فعلية كامل بحسب فعليته لان جميع الكمال من الكون و كل النقص من الامكان و الكاين كماله بحسب قوة فعليته فان كان فعليته زايدة من نفسه بحيث يجري في امكان آخر و يخرجه الي الفعلية يسمّي كاملا و ان كان في فعليته ناقصا بحيث يحتاج في قوامه الي غيره يكون ناقصا و ان كان بين هذا و ذا يسمّي تاما و هذه المعادن المتولدة بعضها ناقصة و بعضها تامة و النواقص غير الفضة و الذهب و هما تامان اعني ان فعليتهما في نفسهما شريفة و لكنها لاتزيد علي وجودهما و لاتتجاوز مادتهما فذهبية الذهب [ص 529] لاتؤثر في المادة الفضية و فضية الفضة ايضا لاتؤثر في النحاس و ذلك لضعفهما في كمالهما فان استطعت ان تكملهما في وجودهما بحيث ينفذ كمالهما في ساير المواد فانت انت و ان امكنك ان تركب مولودا من ساير مواليد العالم يكون من شأنه تكميل النواقص و استحالتها الي الفضة و الذهب ايضا يكون حسنا و يمكن ذلك بل يمكن تركيب مولود هكذا من كل شئ لأن كل شئ فيه معني كل شئ الا ان علم العلماء مختلف و فوق كل ذي علم عليم و لكن لا شكّ ان العاقل لايترك الطريق الاقرب و لايختار الابعد و لا شكّ ان ذا الفعلية اقرب الي التكمل من ذي القوة و ما من نوع شئ اقرب الي التأثير فيه و التأثر منه من شئ آخر و لذلك اختار الحكماء البالغون لذلك المعادن و من بينها الذهب الذي هو الغاية القصوي الا انه اقعده عن الاكسيرية الضعف في الجملة فاذا كملوه يكون بنفسه اكسيرا كاملا فبعد ما نظرنا في هذا الحجر الكريم و المولود الفخيم رأينا ان ما اقعده عن النفوذ في غيره و تكميله الي مثله قلّة الروحانية و النفسانية فان قلة الروحانية حجبه عن النفوذ في اعماق ساير الجواهر و قلة النفسانية منعه عن الاصباغ و العقد و التطهير و غيرها مما من شأن النفس فدبروا في تكميله و اخذوا من الروح و النفس بقدر الحاجة و ركبوهما مع الذهب فصار اكسيرا شمسيا كاملا و كذلك في البياض اختاروا جسدا ابيض و نفسا بيضاء ثمّ ان الحكيم يمكنه تكميل الاجساد الناقصة حتي تصير قابلة للجسدية و لكن لايفيد ذلك الا بعد تصعيدها الي الذهبية و الفضية فان الذهب بذر للذهب و ينبت ذهبا و الفضة بذر للفضة و ينبت فضة لا الطلق و القلع مثلا و لكن في قوتهما هذا الاكسير الاعظم البتة و لكن الحكيم لايترك الطريق الاقرب الا لغرض آخر و بالجملة هذا هو تمام العمل و جميع جهد الحكماء في الوصول الي هذا المقام و جميع التدابير المذكورة في الكتب للوصول الي هذا العمل فان ظفرت [ص 530] بروح كامل قابل للتركيب و نفس كاملة قابلة و قدرت علي تركيب الجسد معهما فانت انت حتي انه اذا لميظفر احد بالاكسير التام الكامل و لكن قدر علي تشميعهما بقدر ان ينفذا في ما يركب معهما يفعلان فيه و ينفعه ذلك في الموازين و غيرها فافهم فان الله تعالي اجري هذا البيان علي قلمي في هذه الرسالة الشريفة و اسأل الله ان ينفعني و ساير المؤمنين به .
فصل - اذا عرفت مجملا خلق المعادن فَاعْلَمْ انها مركبة من اجزاء ثابتة تامة سابقة عليها زمانا علي ما عرفت و تركبها ايضا بمحض الامتزاج في الظاهر و الصورة لا الباطن فان التركيب اذا لميبلغ الاتحاد لايكاد يتعلق بالمركب النفس الوحدانية الغيبية بل لايحكي ايضا اظلالها الا بقدر استمساك الوجود و التعين في الجملة و لذلك نقول ان انفس المعادن نفوس ضعيفة و غاية افعالها في موادها بمعني انها تحفظ موادها عن التفرق و التشتت اياما ما لميغلب عليها الاعراض الخارجية و لكنها لاتفعل في غيرها كثيرا فلاتحيل الي انفسها غيرها و لذلك لاينمو المعدني ابدا و ما تري من استحالة الاتربة الي الملح في المملحة و الي المعادن المنطرقة في معادنها فذلك من تكملها بما تكمل به المواد الاولية لا ان نفس الذهب المعدني مثلا يحيل التراب الي نفسه فانك عرفت مما مضي ان اقتضاء هذ المكان الخاص و الكواكب المربية لها تولد جوهرٍ خاصٍ فاذا جدد في هذا المعدن الخاص تراب يستحيل الي ذلك الجوهر فليس ذلك من اقتضاء نفس الجوهر الاتري انك اذا اخذت حجرا من هذا المعدن و دفنته في موضع آخر لايزيد عليه و ربما ينقص منه و لو كان مثل النبات ذا نفس فعّالة لكان يربو البتة فنفس المعدن نفس ناقصة الا انها اكمل من الجمادات فان انفس الجمادات لاتكاد تفعل فيها ايضا بل تحتاج في وجودها الي نفوس كاملة اخري و لكن المعادن الكاملة تمسك انفسها مدة معلومة و اما بعد فساد تركيبها فلاتبقي ابدا بل ترجع الي المطلق علي ما ينبغي له لانها حاصلة من اجتماع مركبات [ص 531] اخري هي مثلها في الوجود و لها ايضا انفس علي حدها مثل نفسها الا انها اجتمعت اياما قسرا فستعود ثانيا الي مباديها و لذلك نقول ان المعادن و الجمادات و كذلك النباتات لايبقي نفوسها بعد فساد تركيبها بل هي مركبات دنيوية فانية زايلة و ان قلت فما معني ما ورد ان يوم الجمع تشهد الاراضي لاهل الحشر و كذلك شهادة الايام و الليالي و غيرها مما يكون من المركبات اقول في ذلك ما قاله شيخنا (اع) ان ما ارتبط منها بالانسان يأتي يوم القيمة شاهدا لا انفسها و ذلك كلام مجمل لا بدّ من شرحه فاعلم ان نفس الانسان تتعين بالاعمال و تترقي بالاكتسابات بل تشخصها بها لا من نفسها و الاعمال هي ما اكتسبته في الدنيا من الاعمال الصادرة منها و مما يكون خارجا من نفسه اما اكتساباته باعماله فمعلومة و سيأتي شرحها ايضا و اما اكتساباته من الخارج فبما ادركه و علمه او وقع عمله فيها لأن لها آثارا في الاعمال و الاعمال تصل الي النفس مثال ذلك ان للمسجد في حده شرفا و انت اذا صليت فيه يزيد صلوتك فضلا و تصل الصلوة الي النفس مع الفضل المكتسب من المسجد و هذا الفضل يدعي باسم المسجد من باب صدق المحل علي الحالّ او السبب علي المسبب و مثل ذلك مجاز مجوز شرعا و عقلا و نطق بذلك الكتاب قال الله تعالي فليدع ناديه و قال و اسأل القرية التي كنا فيها و كذلك قال ويل لهم مما كسبت ايديهم و ذلك ايضا اما من القسم الاول او الثاني ، هذا و لنا كلام آخر ابسط من ذلك و سيجيء تمامه و مجمله ان ما يحشر في القيامة من الارض و ساير المواليد شئ يصدق عليه اسم كل مكان و زمان و مولود و يمكنه ان يشهد لكل شئ علي الحق و يكفي هذا القدر من البيان و بالجملة هذه الانفس الخاصة الدنيوية لاتصعد الدنيا بل لاتبلغ اعنان السماء فكيف بما فوق السماوات العلٰي بل لاتتجاوز مباديها هي البخار و الدخان و يكفي هذا القدر من البيان في المعادن ايضا .
في النباتات و بيان خلقها و فيه فصول :
فصل - اصل مرادنا معرفة النفس النباتية و قويها و لكنّا نقدّم بيان كيفية خلق ظاهر جسد النباتات ليكون الكلام كاملا مع ان ساير الحكماء لميتكفلوا ذلك الا بالاجمال فاعلم ان امر الله تعالي في الخلق واحد و التفاوت في بعض الاعراض و الاحكام و ان خلق حبة النبات مثل حبة المعدن و ساير المركبات كالامطار و البروق و غيرها فاعلم ان الله عز و جل اذا اراد خلق النباتات الارضية يأمر الفلك بالدوران و الشمس و القمر بالاشراق فدارت علي الارض و سخنتها بفضل حرارتها و نفذت الانوار في تخوم الارضين و عملت فيها و لطفت الكثايف و صعدت اللطايف و مازج بين المتفرقات و فرق بين الممتزجات حتي حصل البخار و الدخان علي الوجه المذكور و شايعهما من لطايف الارض شئ علي ما تري في وجه الارض مما يتصاعد معهما من الاهبية و الاتربة ثمّ بعد ما صعد البخار بما فيه و منعه البرد المتسلط علي وجه الارض و غيره من الموانع من الصعود يتقطر في بعض المحال الغائرة و نقرات الارض كما يتقطر البخار من مكبة القدر اذا بردت فينحل في القاطر من يبوسة الارض في التعفين بالليل و ينعقد الرطوبة في اليبوسة بالتبريد في الايام و ذلك ان وجه الارض يتسخن في الايام بحرارة الشمس و برده يفرّ الي الداخل بالطبع و اذا غربت الشمس يتبرد وجه الارض فيفرّ الحرارة الي الداخل مع ان الابخرة في اليوم متصاعدة مايلة الي الخارج و في الليل تحتقن تحت الارض و لذلك يكون مياه الآبار و العيون في الليل ساخنة و كذلك في الشتاء و في اليوم و الصيف باردة و ان قال بعض حكماء الافرنج في علم الارض ان حرارة تحت الارض لاتتفاوت و ذلك لزعمهم انها من الجوهرة الحارة التي هي مبدأ الكرة الترابية و لكن التجارب تحكم بخلاف [ص 533] ذلك بالجملة تري في المملحة ان وجهها في اليوم ينعقد بحرارة الشمس و تحتها ينحل بالبرد و في الليل بعكس ذلك و بالجملة في اليوم ينعقد الرطوبة و في الليل تنحل و يتصعد ايضا في اليوم و ينزل بالليل و بتكرر الصعود و النزول يستحكم الانعقاد كما هو ظاهر للفلاسفة فيتولد حبة النبات و هو كالنطفة بحسب مزاج الارض و اقتضاء المحل حتي ان شكل الحبة ايضا يحصل من شكل المقام الذي تتولد فيه فبعد تركب الحب و هو جامع للعناصر معتدل بالنسبة يتعلق بها نفس بحسبها و ان لميجتمع عناصره او اجتمعت و هي غير معتدلة لايحصل من تركيبها النبات البتة و اما حقيقة النفس المتعلقة بها و قويها فسيأتي بيانها ان شاء الله ، و اعلم ان الحبة و ان كانت في ظاهر الخلقة من التراب و الماء الا انها في الحقيقة مخلوقة من العناصر الاصلية البرزخية فان العناصر الدنيوية لاتكون قابلة للتركيب لان الاصل في التركيب الاجتماع في حيّز واحد اوّلا ثمّ الامتزاج و الاختلاط ثانيا و هذه العناصر بطبايعها لاتجتمع في حيّز واحد فان النار تطلب الصعود دايما و التراب تشتاق الي الهبوط و هكذا فلاتكاد تجتمع في حيّز واحد الا بعد تغيير كل واحد عن صورته و كسر سورته كما بينّا سابقا و كذلك لاتمتزج و لاتختلط الا بالتدبير الكامل كما في تركيب الاكسير و ذلك لايكاد يحصل في هذه العناصر و لكنه ممكن في العناصر البرزخية بعد تنزلها في الدنيا كما هو معلوم عند اهله و الله سبحانه و تعالي اخذ منها بقدرته و هي مستجنة في الماء و التراب مخبوءة في اشعة الكواكب فجمع بينها بيد التقدير و اخرجها بتربيته اللطيفة فتركبت و اثرت و تأثرت و فعلت و انفعلت حتي كملت و ان شئت ان تعرف برهانا من الادلة الحسية علي ذلك فاعرفه من ظاهر النبات الاتري انه يجذب غذاءه من التراب و الماء و الهواء و لا شكّ ان الجذب بالنار و لا شك ايضا ان شجرة واحدة معتدلة في الكبر و الصغر يجذب ( تجذب ظ ) في يوم و ليلة مقدارا معلوما من الماء و التراب [ص 534] لايصلح اجتذابه بحرارة ضعيفة كسخونة مقدار جمرة صغيرة البتة فحرارة هذه الشجرة في حدّها اكثر من حرارة الجمرة بمراتب مع انه لاتحسّ لها حرارة باللمس و لو كان حرارتها من النار الدنيوية لكانت تحس باللمس البتة و كذلك الحكم في ساير افعالها باخلاطها و كذلك تري امزجة النباتات ان نباتا حارّ في الرابعة و الثالثة و مع ذلك لاتحس من ظاهره حرارة بل تأكله و تشربه و لاتحس سخونته و لكنه بعد ما استحال في بطنك و كبدك الي الاخلاط تحس له حرارة حتي انه ربما يشتعل الدم في بدنك و يحترق حتي تموت و لو كان نار النباتات نارا دنيوية لكانت تحس البتة فبحكم هذه الادلة نقول انها مركبة من عناصر البرزخ الا انها لروحانيتها لاتظهر في الدنيا الا في جسم و الجسم الذي يحكي عنها التراب و الماء و الهواء و النار و النار و الهواء لايقبلان التركب و التصور بصور المواليد للطافتهما و انتشارهما و التراب و الماء قابلان للتركب و ان قلت بايّ دليل تثبت للنبات عناصر مع ان في ظاهره لايري غير الماء و التراب اقول لذلك ايضا برهان حسي قاطع نفرد له فصلا خاصا .
فصل - قد ثبت في الحكمة ان الطبيعة الواحدة لايصدر منها الا فعل واحد لأن الافعال الطبيعية مصدرها و منشأها الطبع و كل ما يصدر منه يكون بحسبه فالنار تسخن و لاتبرد و الماء يبرد و لايسخن و هكذا و ان رأيت ما يخالف طبع واحد منها يترتب عليه احيانا فذلك لبواعث اخري مثلا الماء قد يصير سبب تسخن الكلس اذا رشّ عليه و ذلك ليس لتسخين الماء بل الماء شانه التبريد و الترطيب و لكنه اذا ورد علي الجير الجديد القوي يخرج من كمونه النار المخبوءة فيه لدفعه فان ذلك ايضا امر طبيعي في العناصر ان كل عنصر يدافع ضدّه بقدر ما يتيسر له فيقوم النار لدفع الماء و تفور و يشتد السخونة علي الجير و يفرق الماء الوارد عليه و كذلك في كل مقام تجد فعلا مضادّا لعنصر يظهر منه يكون بسبب آخر و الا فالقاعدة المسلّمة ان النار تسخن مطلقا و الماء يبرد مطلقا و كذلك الماء [ص 535] و الهواء فاذا رأيت مولودا يظهر منه فعل واحد من العناصر لا غير فاعلم انه منه و اذا رأيت معه فعل اثنين فاعلم انه منهما و هكذا و نحن نري عيانا ان النبات يجذب و يدفع و يهضم و يمسك و ان لمنر بعضها منه بالعيان نري النمو الذي هو حاصل منها عيانا فنستدل به علي النامية و بها علي خوادمها فبالاثر نستدل علي المؤثر دايما فبهذا البرهان الحسي نعرف ان النباتات مركبة من العناصر بل نعرف التفاوت ايضا في العناصر فيها بل نعرف التفاوت في اوقات تمضي علي الشجر من بدء نباته الي آخر اجله و جميع ذلك من الآثار المختلفة و بمثل هذا البرهان نثبت له نفسا و نزيد له ايضا فصلا لسهولة تلقي الطالبين و فهم الراغبين .
فصل - اعلم ان الادلة المحكمة و البراهين القاطعة علي ثبوت النفس للنباتات كثيرة و قد مضي ما يكتفي الحكيم به حيث اثبتنا ان لكل شئ نفسا و لكنا نخصّ المقام ببعض الادلة ايضا اشرفها الادلة النقلية و اظهرها ما روي عن اميرالمؤمنين في خبر الاعرابي و حديثه معلوم و سيأتي بتفصيله في مقامه و من طريق العقل بوجه يناسب المقام نقول ان العناصر بطبايعها لها خواص و كل واحد منها يستقل بفعله و لايمل منه و لاينتهي في فعله و لايخالف طبعه ابدا فالنار من طبعها الجذب و الصعود و لاتكاد تمل من ذلك و لاتحدّ بحدّ فيه و لاتنضجر منه و لاتتركه و الهواء من طبعه التعفين و الهضم و لايكاد يقصر في فعله لولا المانع و كذلك الماء و التراب لكل منهما طبع و مزاج مخصوص يستقل فيه و لايكاد يعين احدها اخواته لان ذلك خارج من طبعه الا بقدر المناسبة الجزئية في نصف القوة كما بينّا في محله و اما بوجه يشاهد في المواليد كأن يمسك السوداء ما جذبه الصفراء لعمل الهاضمة فيه فلا و عمرك فان ذلك ليس من طباعها و انما مثلها كاَعادي مجتمعين في بيت واحد فانه لايكاد يعين احدهم صاحبه بل يهينه و يضعفه بل يسعي في دفعه ان تمكن من ذلك و كذلك شأن العناصر و الاخلاط فمهما شاهدت عناصر مختلفة جمعت علي تربية مولود فيجذب الصفراء الغذاء نحو الاعضاء [ص 536] كمكارين و جمّالين يحملون الامتعة الي البلد و يمسك السوداء ما جذبته الصفراء بقدر الحاجة فيهضم الهواء من الغذاء بقدر حاجته و يدفع الماء ما زاد مما لايحتاج اليه المولود فاعلم ان فوقها نفس حاكمة بينها عاملة فيها تجبر كل خلط علي عمله لحفظ بنية المولود و ذلك مما لايشك فيه عاقل و كذلك نقول ان الاخلاط لو كانت عبيطة يكون كل واحد منها مستقلا في فعله و اما اذا ركبت بحيث ارتفع الامتياز من بينها ينكسر سورة كل واحد منها فلاتكاد تجد بعد خلطا خالصا عن البواقي و لذلك يصير آثارها ايضا مركبة فيصدر من المجموع اثر خامس حاصل من تركب الآثار كما تتحصل صورة خامسة غيرها كما تري في المعاجين فاذا رأيت نباتا مركبا من عناصر و مع ذلك يفعل كل عنصر فعله فاعلم ان فوقها نفس مسلطة عليها آمرة فيها و لها اختيار بحسبها تعمل به في كل عنصر و تصرفه في الخدمة بقدر الحاجة و ليس ذلك من شأن الطبيعة بداهة لأن الطبيعة الحاصلة من التركيب واحدة و فعلها واحد كالمعجون المركب من ادوية عديدة فان له مزاجا خاصا حاصلا من الامتزاج و فعله لايخلص ابدا بل هو فعل بين افعال الادوية و لو كان امر النبات هكذا لكان فعل كل نبات واحدا بحسب طبعه و ليس الامر هكذا بداهة ففوق طبعه نفس شاعرة الا ان شعورها طبيعي اعني تستشعر الحاجة الي الغذاء فتجذب بقدر الحاجة و لاتزيد عليه و تدفع بقدر الحاجة و هكذا و ليس الشعور بهذا القدر من المواليد الناقصة بمستنكر فافهم فلا شك ان النبات له نفس مسلطة علي عناصره تعمل بها و تفعل و الا فلميكن يصدر منه الافعال المختلفة و كذلك الامر في كل مولود من المواليد كان له نفس مسلطة علي اركانه .
فصل - بعد ما ثبت وجود النفس للنبات ناسب ان نبيّن حقيقة الاخلاط فان معرفتها صعبة علي الافهام و مرادنا هنا بيان مجمل فان محل شرحها الكتب الطبيعية الطبية قال ابوعلي في قانونه الخلط جسم رطب سيّال يستحيل اليه الغذاء اولا فمنه خلط [ص 537] محمود و هو من شانه ان يصير من جوهر المغتذي وحده او مع غيره و متشبها به وحده او مع غيره و بالجملة سادّا بدل شئ مما يتحلل منه و منه فضل و خلط ردي و هو الذي ليس من شانه ذلك او يستحيل في النادر الي الخلط المحمود و قال انها اربعة و هي المعروفة و حكي عن جالينوس انه لميصب من زعم ان الخلط الطبيعي الدم و استدل لذلك باختلاف الاعضاء المغتذية لينا و صلابة و ذلك دليل اختلاف الغذاء مع ما يشاهد بالحس ان نفس الدم مخالطة مع ساير الاخلاط و ينفصل عنها عند اخراجه و تقريره في الاناء بين يدي الحس الي جزء كالرغوة هو الصفراء و جزء كالثفل و العكر هو السوداء و جزء كبياض البيض هو البلغم و جزء مائي هو المائية التي تندفع في البول و المائية ليست من الاخلاط لأن المائية هي من المشروب الذي لايغذو و انما الحاجة اليه ليرقق الغذاء و تنفذه في المسالك و اما الخلط فهو من المأكول و المشروب الغاذي و معني قولنا غاذي اي هو بالقوة شبيه بالبدن و الذي بالقوة هو شبيه ببدن الانسان هو جسم ممتزج لا بسيط و الماء هو بسيط ، الي آخر كلامه و الكلام المحكم ما قاله ابي اعلي الله مقامه قال : ان الاسطقسات الاولة لبدن الانسان العناصر الاربعة و الاسطقسات الثانية له الاخلاط الاربعة و الاسطقسات الثالثة الماء و الدهن و العكر و الاسطقسات الرابعة الاعضاء المتشاكلة التي عليها مدار بدن الانسان و الغرض من هذا الباب بيان الاخلاط اعلم ان الاخلاط في بدن الانسان بمنزلة العناصر في هذا العالم و كما ان العناصر في اسفل العالم كذلك يكون الاخلاط في الكبد اسفل الاعضاء الرئيسة و اعلم ان الاخلاط مولدة من العناصر بعد انقلابها الي المولدات الخارجية التي منها غذاء الانسان و تلك المولدات قد تولدت من الماء و الدهن و العكر المتولد من العناصر علي ما هو مذكور في كتابنا مرآة الحكمة فالعناصر انقلبت الي الاركان و الاركان انقلبت الي النبات و الحيوان فاذا اغتذي بهما الانسان و ورد البدن انحل الغذاء في البدن بواسطة [ص 538] الماء و تصرف فيهما الهاضمة حتي تنحل الاجزاء اليابسة في الرطبة و تنعقد الرطبة في اليابسة و يصير المجموع شيئا واحدا غليظا بمنزلة ماء الاقط الغليظ و هو المسمّي بالكيلوس و هذا الكيلوس المتشاكل الاجزاء في المنظر يكون مركبا من ثلث جواهر في المخبر و هي الماء و الدهن و العكر كاللبن الذي تراه في المنظر واحدا و هو في المخبر مركب من مائية و دهنية و جبنية و هي عكره و في هذه الجواهر الثلث اجزاء صالحة تشاكل بدن الانسان و اجزاء غريبة فاسدة بالنسبة الي بدن الانسان ففيه مائية فاسدة و دهنية فاسدة و عكرية فاسدة فيميز الطبيعة بقوة ربها بين الصالحة و الفاسدة فترسل الصالحة من طريق الماساريقا الي الكبد و تدفع الفاسدة من طريق الامعاء فالمدفوع مركب من فواسد الجواهر الثلثة كما يفصل في القرع و الانبيق الي ماء و دهن و عكر ارضية مشاهدة ثمّ ما ذهب الي الكبد هو جوهره متشاكل الاجزاء و هو المسمّي بالكيموس فيعمل فيه حرارة الكبد و تنضجه و هو ايضا فيه اجزاء صالحة مشاكلة لبدن الانسان و اجزاء فاسدة فتفرق القوة المميزة التي جعل الله فيه فتدفع المائية الفاسدة منه من طريق الكليتين الي المثانة الي الخارج و تدفع الدهانة الغير الصالحة للتغذية الي المرارة و تدفع العكر الغير الصالح للتغذية الي الطحال و لما كان للطبع حاجة و كانا قليلين لميدفعهما الي الخارج فاما حاجته الي الطرطير الدهني فانه يرسل بعضه الي الامعاء ليغسلها و يجلوها من الرطوبات اللزجة و يرسل بعضها الي المعدة لتسخينها للهضم و اما حاجته الي الطرطير العكري فانه يرسل بعضه الي فم المعدة للتنبيه لشهوة الطعام و منه يصير غذاء الطحال نفسه فيبقي الجوهر الصالح للتغذية في الكبد و هو الدم و هو مركب من جواهر ثلثة كما تشاهد حين ينصب الي الثديين و يخرج لبنا انه من ثلثة جواهر كما ذكرنا و اذا وضعت الدم في القرع و الانبيق و فصلته يخرج منه ماء ثمّ دهن و يبقي عكر في اسفل القرع فهذا الدم ذو الجواهر الثلثة الخالصة الصافية يكون غذاء البدن و هو جوهر [ص 539] صافٍ ياقوتي معتدل بين الرقة و القوام فيجري في العروق و ينبث في البدن فما صعد الي اعالي البدن فهو اشرفه و الطفه لانه ينبغي ان يصير غذاء آلات الحس و يجب ان يكون في غاية اللطافة ففيه المائية اغلب و ما توسط في البدن فوجب ان يكون متوسطا بين الرقة و الغلظة ففيه الدهنية اغلب و حتي يشتعل فيها الحرارة الغريزية في القلب و تحيي و ما نزل منه الي الاسافل فوجب ان يكون عكريا غليظا لانه ينبغي ان يصير غذاء الاعضاء الحاملة للبدن المتينة فافهم ، الي آخر كلامه علا مقامه ، فظهر من هذا البيان الشريف انه ليس في البدن عناصر ممتازة بعضها عن بعض و ان حكماء الافرنج بعد ما سمعوا جهلة اطبائنا ان في البدن اخلاطا اربعة و لميعرفوا حقيقة المراد ردّوا علي حكماء الاسلام و غيرهم زعما منهم ان قولهم موافق لقول الجهال و لكن يظهر حق القول من هذا البيان انه ليس في البدن اخلاط عبيطة بل و لا عناصر متعينة و الحاصل من الغذاء بعد الحل و التصفية الدم العبيط و هو حاصل من جمع الماء و الدهن و العكر و تركيبها و الموجود في البدن ليس الا الدم و ما يقال انه مركب من صفراء و سوداء و بلغم و ريح كلام صحيح و لكن المراد انها استحالت اوّلا الي الاركان و خلق منها النباتات و الجمادات و المعادن و تغذت منها الحيوانات و انحلت في معدتها فصارت كيلوسا فانجذب الي الكبد او القلب علي اختلاف بين الحكماء الماضين و اللاحقين من اهل الافرنج ثمّ كيموسا و هو دم صاف خالص لا غير و منه يتولد البدن و الروح كلاهما و هو مولود جامع للاخلاط و هي جامعة للعناصر فتدبر و ان قلت فما معني ما يقال انه يجذب بالنار و يدفع بالماء و يهضم بالهواء و يمسك بالتراب ان لمتكن متعينة فيه اقول شرط حصول الاثر وجود العلة لا تعيّنها و تميزها و لا شك انها موجودة الا انها تركبت مرّات و في كل مرّة تعينت بصور غير الصور الاولي و اختلاف الصور مع انحفاظ المادة لايمنع عن العمل اذ الصور المتممة الظاهرة [ص 540] ليست باعثة الآثار الاتري انه يقال ان من خاصة الماء التبريد و الترطيب و الماء العبيط الباقي علي صورته يفعل و الثلج و البرد ايضا يفعلان ذلك و الجمد ايضا يفعل ذلك مع اختلاف صورها و الماء المستحيل الي النبات البارد الرطب ايضا يفعل ذلك و وجهه ان المبرد المرطب هو مقومة الماء لا السيلان و الجريان و اللون و ساير الاعراض فانها اعراض طارية للماء و غيره و من تركيب العناصر لايبطل مقوماتها بل تتغير اعراضها و مقوماتها في غاية الاتحاد و التشاكل و لذلك يقال ان عناصر الآخرة متعانقة بعضها مع بعض و اختلافها قليل و بالجملة فالدم المتولد في الحيوان جامع لجميع العناصر و الاركان و لذلك يظهر منه آثارها في النبات و الحيوان و الانسان علي ما سيجيء و ان قلت اتحاد صورة الدم و النبات يقتضي وحدة المزاج و العلة الواحدة لاتكون منشأ آثار متضادّة و هذه القاعدة الكلية حاكمة بان المولود الحاصل من التركيب لايصدر منه الا فعل واحد و لكن نري عيانا منه آثارا مختلفة اقول لذلك بيانات سيجيء ذكرها في محالّها ان شاء الله .
فصل - لما اتينا علي بيان الاخلاط لا علينا ان نذكر شيئا من بيان المزاج و قد مرّ ذكره في البدأ و من باب عدم خلو المقام من ذكره الخّص الكلام فيه هنا فاعلم ان المزاج هو نور الله المتعلق بالمركبات بعد اجتماع اجزائها و اتصال اخلاطها بحيث يرتفع الاختلاف و يحصل الايتلاف بينها بوجه لايتميز بعضها عن بعض فانه لو لمتتوحد الاجزاء لكانت متكثرة مختلفة و اشار كل جزء الي جهة خاصة فلاتدل الاجزاء المختلفة علي رب واحد قال الله تعالي ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل اكثرهم لايعقلون و لذلك يقال انه لايحصل المزاج بين الاركان و الاسطقسات الا بعد الاتحاد و لايحصل الاتحاد الا بعد انحلالها و كسر سورة كل واحد منها كما قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة تركيب المولود الهرمسي [ص 541] نار حايلة و ارض سايلة و ماء جامد و هواء راكد و ذلك لايحصل الا بعد تغيّر كل منها عن صورته العرضية و انعقاد الذوائب و ذوبان الجوامد ليحصل التشاكل المورث للوداد المنتج للاتحاد و قد ركب الله النباتات و المعادن و الحيوانات هكذا و لذلك صارت صاحبات امزجة بحسبها و كذلك يفعل الله بكل مولود اراد منه اثرا كاملا و بالجملة بعد ما اجتمعت الاسطقسات و تركبت و اتحدت حتي صارت واحدة يتعلق بها نور وحداني من تحت حجاب الواحدية و هي كيفية واحدة فوق الكيفيات جامعة لها مؤثرة فيها راكبة عليها مستوية عليها و هي مركب النفس و الناس لانهم علموا ظاهرا من الحياة الدنيا زعموا ان المزاج هو النفس مع انهم قالوا انه حاصل من تركيب الاجزاء و ما يكون حاصلا من التركيب لايكون مؤثرا في الاركان فاعلا فيها و لا باقيا بعدها مع انهم قالوا في صفة النفس انها مؤثرة في الاركان باعثة لها بل تكون مدبرة لها و قد بينّا في ما مضي وجوه بطلان هذا الرأي العليل و الحق ان المزاج بمنزلة المرآة للنفس الغيبية و النفس هي آية الله المتجلية لقوابل الاشياء بحسبها صدرت من امر الله تعالي بحوله و قوته الا ان لها مراتب بحسب المواليد و لكنها جميعها توحد ربها بنفسانيتها من حيث صدورها من باريها فالنباتات توحد الله تعالي بانفسها و الحيوانات هكذا و هكذا ساير المواليد و تلك النفس غير المزاج بالبداهة و لكن المزاج يدها في اجراء فعلها و اثرها و بالجملة بعد تركب الاجزاء يظهر المزاج من كمونها و هو الصورة الواحدة المتعلقة بها و المثال الملقي من الطبيعة المطلقة و قد يسمّي بالطبيعة الخاصة اي ما طبع عليه الشئ ففي النباتات بعد ما انحلت العناصر بعضها في بعض و امتزجت و اختلطت تركبت و حصل لها صورة واحدة هي مزاجها في الواقع و لااريد من تلك الصورة الصورة الجسمانية الطويلة العريضة العميقة بل المراد الكيفية الجامعة فلاتغفل و هي هي ما يشاهد منها و يحسّ بالمدارك و التجارب و في الحيوان الدم الصافي العبيط هو المولود [ص 542] النباتي المتولد في الكبد علي ما هو المعروف عند القدماء و يدل الخبر علي صحة رأيهم و هو مركب من الاخلاط الاربعة علي ما مرّ و مزاجه الكيفية الجامعة و هي الصورة الواحدة التي جمعت بينها و تركبت عليها و لها خواص و افعال علي ما هو المقرر في محله .
فصل - اعلم ان المركب اما يكون معتدلا او يكون منحرفا و المعتدل ما يكون اركانه بميزان الاعتدال كمّا او كيفا او في كليهما و المنحرف ما كان خارجا عن الميزان العدل و قد انكر القشريون من الحكماء وجود المعتدل الحقيقي و ذلك لزعمهم انه لاتتركب العناصر لو اخذت بكمّ واحد فان مثقالا من الماء و مثقالا من الهواء و مثل ذلك من اخويهما لاتمتزج فلا بدّ في تركيب كل مركب من رطوبةٍ زايدة مقاومة لحرارة النار و يبوستها و يبوسة التراب و يبوسةٍ بكمّ خاص كما هو المقرر في الفلسفة و حرارةٍ بقدر ان ينضجها و يطبخها و يعقدها و بردٍ بقدر خاص و يختلف كمّها في كل مولود بحسبه و بالجملة لايستقيم الاعتدال بمعني التساوي في مركب و لذلك قالوا ان مرادنا من الاعتدال الاعتدال النسبي و لكني اقول ليس الاعتدال المطلوب في المواليد التساوي في الاوزان بل المراد ان يكون المركب فيما خلق لاجله كاملا قايما في الوسط كما قال الله تعالي و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و مولود مثل ذلك موجود البتة و كذلك بالنسبة الي الاعضاء نقول ان الله سبحانه قد جعل كل عضو في الانسان لفايدة خاصة في البدن و الاعتدال المطلوب في كل واحد ان يأتي منه ما خلق لاجله كاملا فالعظام مخلوقة لحفظ البدن و قوامه و ان تكون كالعمد و الاسطوانات الممسكة للبناء و المقيمة للسقوف و الخيام و غيرها قد خلقت لامساك اللحوم و الاعصاب و الاوردة و الاحشاء و لولاها لماقام بدن الانسان و ماحصل منه الفايدة التي خلق لاجلها و وجه الاعتدال فيها ان تكون سوداوية شديدة و ذلك لايمكن الا بغلبة التراب [ص 543] و قلة الرطوبة و الحرارة فلو كانت الاعضاء كاللحم الذي يقال انه اعدل الاعضاء لماترتب علي وجودها الفايدة المطلوبة كما تري في الاطفال الذين لطفت عظامهم و الاشخاص الخارجين من الاعتدال في خلقتهم حتي صارت عظامهم رقيقة دقيقة لايقدرون علي القيام و لا حمل الاثقال فيحتاجون في حوايجهم الي من يعينهم و بالجملة فالعظم المعتدل ما يكون صلبا شديدا ضخيما قويا كما كان في عظام اميرالمؤمنين و رسول الله صلي الله عليهما و اللحوم خلقت لفوايد جمّة لاتصلح لها الا مزاج هكذا و لو خرجت عن هذا الحد لكانت ناقصة منحرفة فلا بدّ في تركيبها من تقليل السوداء و تزييد الدم و تعديل الحرارة و بالجملة كل عضو خلق لشئ خاص و اعتداله في ان يظهر منه الاثر المطلوب منه بقدر الحاجة لا اقل منها و لا ازيد و المنحرف ما كان مايلا الي جهة . بقي الكلام في امكان وجود المعتدل في العالم فاعلم ان الله سبحانه جعل لكل شئ فسحة وجود من اعلي مرتبته الي اسفلها فاعلاها في غاية القوة و الاشتداد و اسفلها في غاية الضعف حتي يقرب من الفناء و من غاية الشدّة الي غاية الضعف درجات و ذلك امر مشهود و وسط الدرجات مقام الاعتدال في كل شئ مثال ذلك الحرارة مثلا فان لها غاية قوة و غاية ضعف و اولي درجاتها الحرارة القوية التي عدها الاطباء في الدرجة الرابعة و آخرها الحرارة الضعيفة و لا شكّ انك اذا صعدت في درجاتها من الاسفل الي الاعلي تبلغ درجة يكون نسبتك الي الطرفين بالسواء فافرض ذلك في الماء اذا سخنته بالنار حتي غلب عليه الحرارة و زاد غليانه و فورانه بسبب الحرارة فاذا اردت تبريده و وضعته بعيدا من النار يتبرد شيئا فشيئا حتي يغلب عليه البرد حتي ينجمد و لا شكّ ان بين المنزلتين منزلة متوسطة هي المقام العدل و كذلك الامر في كل شئ و كذلك في المركبات نقول من تركيب الاخلاط بالميزان المقرر في الحكمة يتولد المواليد و يختلف الموازين كمّا و كيفا و لذلك يختلف المواليد و لهم فسحة وجود و لها وسط و هو مقام الاعتدال و هو الواقف [ص 544] بين بين و هو ناشئة القطب و المعتدل الحقيقي في خلقه و هو خاتم الانبياء و المرسلين و حجة الله علي اهل السماوات و الارضين و ذريته الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين فانهم لو لميكونوا معتدلين في ابدانهم الشريفة لميحملوا الارواح المعتدلة و النفوس الكاملة التي صارت اقطاب الوجود و حملة سرّ المعبود و لكن المراد من اعتدالهم في الابدان الاعتدال الكيفي المطلوب من الانسان لا الاعتدال الكمّي في الميزان و لايخفي برهان ذلك علي من كان من اهل الفهم .
فصل - في بيان مٰهية النفس النباتية و اثباتها ، اما اثباتها فبادلة عديدة عقلية و نقلية امّا النقل فما ورد في حديث الارواح و النفوس اما حديث الارواح فهو الحديث المشهور و ارويه هنا عن ابي اعلي الله مقامه في فصل الخطاب عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث عن رسول الله (ص) خلق الله الخلق علي ثلث طبقات و انزلهم ثلث منازل فذلك قوله في الكتاب اصحاب الميمنة و اصحاب المشأمة ، و السابقون و اما ما ذكرت من السابقين فانبياء مرسلون و غير مرسلين جعل الله فيهم خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن فبروح القدس بعثوا انبياء مرسلين و غير مرسلين و بروح الايمان عبدوا الله و لميشركوا به شيئا و بروح القوة جاهدوا عدوهم و عالجوا معايشهم و بروح الشهوة اصابوا اللذيذ من الطعام و نكحوا الحلال من شباب النساء و بروح البدن دبّوا و درجوا الحديث ، و هو طويل شريف و اما حديث النفوس فما رواه اعلي الله مقامه عن ابنقاسم العاملي عن كميل بن زياد قال قلت يا اميرالمؤمنين عليه السلام اريد ان تعرّفني نفسي قال يا كميل اي النفس تريد قال قلت يا مولاي و هل هي الا نفس واحدة قال يا كميل انما هي اربعة النامية النباتية و الحسية الحيوانية و الناطقة القدسية و الملكة الالهية و في نسخة و الكلية الالهية و لكل من هذه خمس قوي و خاصيتان فالنامية النباتية لها خمس قوي ماسكة و جاذبة [ص 545] و هاضمة و دافعة و مربية و لها خاصيتان الزيادة و النقصان و انبعاثها من الكبد اشبه الاشياء بانفس الحيوانات و الحسية الحيوانية لها خمس قوي سمع و بصر و شم و ذوق و لمس و لها خاصيتان الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب و هي اشبه الاشياء بانفس الاناسي و الناطقة القدسية لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بانفس الملئكة و في نسخة بالنفوس الملكية و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة و الملكة الالهية و في نسخة و الكلية الالهية لها خمس قوي بقاء في فناء و نعيم في شقاء و عزّ في ذلّ و فقر في غناء و صبر في بلاء و لها خاصيتان الحلم و الكرم و في نسخة الرضا و التسليم و هذه التي مبدؤها من الله و اليه تعود لقوله تعالي و نفخنا فيه من روحنا و امثالهما من الاخبار الدالة علي ثبوت الارواح و النفوس عديدة و قد قال المجلسي رحمه الله في بيان الارواح الخمسة كلاما ارويه في المقام . قال في شرح حديث جابر عن الصادق عليه السلام فيها : اعلم ان الروح يطلق علي النفس الناطقة و علي النفس الحيوانية السارية في البدن و علي خلق عظيم اما من جنس الملئكة او اعظم منهم و الارواح المذكورة هنا يمكن ان تكون ارواحا مختلفة متباينة بعضها في البدن و بعضها خارجة عنه او يكون المراد بالجميع النفس الناطقة باعتبار اعمالها و احوالها و درجاتها و مراتبها او اطلقت علي تلك الاحوال و الدرجات كما انه تطلق عليها النفس الامارة و اللوامة و الملهمة و المطمئنة بحسب درجاتها و مراتبها في الطاعة و العقل الهيولاني و بالملكة و بالفعل و المستفاد بحسب مراتبها في العلم و المعرفة و يحتمل ان تكون روح القوة و الشهوة و المدرج كلها الروح الحيوانية و روح الايمان و روح القدس النفس الناطقة بحسب كمالاتها او تكون الاربعة سوي روح القدس مراتب النفس و روح القدس الخلق الاعظم و يحتمل ان يكون ارتباط روح القدس متفرعا علي حصول تلك الحالة القدسية للنفس فتطلق روح القدس [ص 546] علي النفس في تلك الحالة و علي تلك الحالة و علي الجوهر القدسي الذي يحصل له الارتباط بالنفس في تلك الحالة كما تقول الحكماء في ارتباط النفس بالعقل الفعّال بزعمهم و به يأولون اكثر الآيات و الاخبار اعتمادا علي عقولهم القاصرة و افكارهم الخاسرة فبه قووا علي طاعة الله ، اقول روح القوة روح بها يقدرون علي الاعمال و هي مشتركة بين الفريقين و لما كان اصحاب اليمين يصرفونها الي طاعة الله عبّر عنها كذلك و كذلك روح الشهوة هو ما يصير سببا للميل الي المشتهيات فاصحاب الشمال يستعملونها في المشتهيات الجسمانية و اصحاب اليمين في اللذات الروحانية و عدم ذكر اصحاب المشأمة لظهور احوالهم مما مرّ لانه ليس بهم روح القدس و لا روح الايمان ففيهم الثلثة الباقية التي هي موجودة في الحيوانات ايضا كما قال سبحانه ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا . و قال الملا صدرا رحمه الله : المراد من روح القدس الروح الذي كان مع الله من غير مراجعة الي ذاته و هو المسمّي عند الحكماء بالعقل الفعال و من روح الايمان العقل المستفاد الذي صار عقلا بالفعل بعد ما كان عقلا بالقوة و من روح القوة النفس الناطقة الانسانية و هي عقل هيولاني بالقوة و من روح الشهوة النفس الحيوانية التي شأنها الشهوة و الغضب و من روح المدرج الروح الطبيعي الذي هو مبدأ التنمية و التغذية و هذه الارواح الخمسة متعاقبة الحصول في الانسان علي التدريج فالانسان ما دام في الرحم ليس له الا النفس النباتية ثمّ تنشأ له بعد الولادة النفس الحيوانية اعني القوة الخيالية ثمّ يحدث له اوان البلوغ الحيوانية و الاشتداد الصوري النفس الناطقة و هو العقل العلمي و اما العقل بالفعل فلايحدث الا في افراد البشر و هم العرفاء و المؤمنون حقا بالله و ملئكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و اما روح القدس فهو المخصوص باولياء الله و هذه الارواح الخمسة انوار متفاوتة في شدّة النورية و ضعفها كلها موجودة لوجود واحد اي مراتب متدرجة الحصول فيمن وجدت له . [ص 547] اقول كلامه هذا يصدق علي مذهبه ان الارواح واحدة و النفس النباتية تصعد درجات الي ان تصير عقلا فعّالا لا علي مذهبنا و سيجيء بعد ان شاء الله بيان تمام المسألة و مرادي هنا محض نقل الاقوال في شرح الخبر لغايات عندي و قال شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه في شرح كلام الآخوند (ره) كلاما طويلا الي ان قال في ردّ كلامه بعد ما مرّ من قوله و يعضد ما ذكره صاحب الاعتقادات من طريق الرواية ما نقل عن كميل الخ ، هذا لايعضده و ليس بينهما مناسبة لأن حديث الارواح يذكر فيه قوي النفس الناطقة و ملكاتها و قوي جسدها و طبيعته و حديث كميل في تعداد الانفس ذواتها لا صفاتها و لهذا كانت الانفس باعتبار ذواتها اربعا و الارواح خمس لأن روح القدس في الحديث الاول صفة النفس الكلية الالهية في حديث كميل و روح الايمان صفة الناطقة القدسية و روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج صفات و قوي للحيوانية الحسية بمعونة القوي الجسمانية التي هي قوي النفس النباتية و النفس النامية النباتية هي مركبة من العناصر الاربعة جزء من الغذاء الناري و جزء من الترابي و جزء من الهوائي و جزءان من المائي اجتمعت الخمسة و اتحدت بالانحلال حتي صارت كيموسا فنضجت بنظر الكواكب فصارت نفسا نباتية نامية ، الي آخر كلامه علا مقامه و لما كان مرادنا في هذا الفصل محض اثبات النفس للنباتات لانطيل الكلام في شرح الحديثين و الاخبار الدالة علي المراد عديدة .