و اما الصواعق فقال ابوعلي فيها كلاما طويلا احكيه بعينه قال و اما الصواعق فانها ريح سحابية مشتعلة ليست بلطيفة لطف البرق الذي لاجله لايبقي شعاع البرق زمانا يعتد به بل يتحلل و يطفأ بل هي ريح سحابية مشتعلة ينتهي الي الارض لا ضوءها وحده بل جرمها المشتعل لاستحصافه و اجتماع ثقله الارضي او لاضطراره الي ذلك المأخذ و الجهة علي ما نبأنا به و قوامها مع ذلك مختلف فربما كانت ريحا سحابية ساذجة فيكون منها صاعقة لطيفة و ربما كانت لافحة ● فقط و ربما كانت سافعة ● اللون و ربما كانت مؤثرة فيما يقوم في وجهها لكنها ينفذ في الاجسام المتخلخلة و لايحرقها و لاتبقي فيها اثرا و ربما كان اغلظ من ذلك فينفذ في المتخلخل نفوذا يبقي فيه اثر سواد و يذيب ما يصادمه من الاجسام المتكاثفة و لذلك ما يذيب القباب المقببة علي الترسة و نحوها المتخذة من الفضة و النحاس و لايحرق الترسة بل ربما سودتها و كذلك فقد يذيب الذهب في الصرة و لاتحرق الصرة الا ما يحترق عن الذوب و ربما كان اشدّ من ذلك و ربما كانت سحابية زوبعية مشتعلة و يكون من مادة كثيفة فيكون شر الصواعق و بالجملة فالصواعق رياح سحابية مشتعلة و ربما طفئت هذه الصواعق فتستحيل اجساما ارضية بحسب المزاج الذي يكون فيها و اذا ارادت صاعقة ان تصعق تقدمها في اكثر الامر ريح و في رسالة اخوان الصفا ان الصاعقة انه ربما يدور البخار و يصير ريحا و يدور في جوف السحاب و يطلب الخروج فيسمع له دوي و تقرقر بشدة فيكون من ذلك صوت هايل يسمّي الصاعقة كما يحدث من الزق المنفوخ اذا وقع عليه حجر ثقيل فشقه ، اقول ان الحكماء الماضين قالوا ما قالوا في امثال هذه الحوادث [ص 499] بالحدس و التخمين اذ العقل الجزئي لايبلغ كنه هذه الامور و الانبياء و الاولياء تكلموا فيها بالحان خاصة لايعرفها الا من عرفه و لكن اهل الحكمة الجديدة حصل لهم بعض التجارب بالتجزية و شاهدوا مثل البرق و الصاعقة و الرعد في الادوية فقولهم في مثل المقام اقرب من الصواب فالاولي ان اذكر كلامهم فيها فانه لا شبهة في صحة محسوساتهم و ان كان معقولاتهم بعيدة من الحق و اذكر اوّلا اصطلاحهم حتي تعرف مرادهم فاعلم انهم بعد ما شاهدوا القوة الجاذبة الموجودة في العلك المعروف بكاه‌ربا جسسوا عن امثاله و عرفوا ان هذه القوة تستخرج من بعض الاجسام الصقيلة كالقرطاس و بعض الاحجار بعد الحك باللباس و البساط حتي تتسخن الا انها لاتدوم بل تزول بعد البرد و ربما تنتشر في الجسم و هذا الصمغ بلسان اليونانيين يسمّي بالكترن و بهذه النسبة سمّوا تلك القوة بالكترسيته اي القوة الكهربائية و عرفوا لهذه القوة آثارا عجيبة بالتجارب منها الحركات السريعة و منها حدوث الاصوات و منها حدوث الانوار كل ذلك بالتجارب و عرفوا جميعها بالحس و يعملون بها اعمالا لاتنكر و عرفوا ان الرعد و البرق ايضا يحدث في الجو بهذه القوة بل يحدث المطر بذلك ايضا قالوا انه قد يركب الكتريسيتة بعض الاجسام و قد تجزئها و تردّها الي عناصرها و قد عرفوا ذلك من هذه التجربة صنعوا اناءا خاصا سمّوها طفانصه ● وُلْتا باسم مخترعه كما هو ديدنهم في التسمية يملؤنها من جزء من اكسيژن و جزء من ايدرُذن او من هيدرذن و الهواء و يسدون فمه بقطعة من خشبة القطن فيمسكونها بايديهم و لتلك الآلة ميلة من فلز منصوبة في بلورة يقربونها اي تلك الميلة من فلكة الماس فيحدث بالفور بين تكمته و اطراف الاناء برق و صوت عجيب من تركب البخارين و يدفع الخشبة من رأس الاناء بشدّة و يتقطر الماء من البخارين في الاناء هذا ما رأوه بعينهم و لاينكر الا انهم لايعرفون [ص 500] حقيقة الحكم و يزعمون ما رأوه علة حدوث الحوادث و لكنها نفس الحوادث و عللها مكتومة عنهم و لذا يقولون ان جذب الكترُن علة لهذه الامور مع ان الجذب و بعض ما يشاهد من الآثار كلها معلولات لعلة اخري بالجملة بعد ما شاهدوا ذلك قالوا ان ما يري من تلك القوة من الآثار يشبه البرق المستحدث في الجو فان برق الكتريسيتة يري ملويا سريع الانتشار ضيئا راعدا مهلكا لقوة الحياة مذيبا للفلزات مبخرا للمايعات خارقا للاجسام العائقة يستشم منه رايحة الكبريت و لذلك كانوا يظنون من قديم الايام ان البرق المستحدث في الجو ايضا من تلك القوة و قد عرفوا ذلك في زماننا و اثبتوه بالتجارب و ادعي بعض مصنفيهم ان دورماس الفرانسوي ارسل طنابا الي قطعة من السحب الالكتريزية و ظهر من ذلك برق طويل و قالوا ان البرق لاينحصر بروزه في حال الاصطكاك بل يحدث هذه القوة بكل تغير و انقلاب يعرض الجسم و اقوي البواعث تبخر مياه سطح البحر و بذلك يتجزأ قوة الالكتريستة (ظ) الخنثي الثابتة للماء و يتكون بذلك السحب الكهربائية و قد يكون قوتها مثبتة و قد يكون معدمة فاذا صعد سحابان كهربيان ذا قوتين مثبتتين و منفيتين و تواجها يخرج منهما الكتريسيتان مختلفتان و تحدثان خطا نورانيا يسمّي بالبرق و يحدث في الهواء في معبر البرق حركة شديدة يظهر منها صوت شديد يسمّي بالرعد قالوا و يمكن حدوث البرق بين السحاب و الارض و ذلك فيما اذا صعد سحاب بفاصلة قليلة من الارض و يتجزأ بتأثير الكتريسيتة الارض فان لها قوة خنثي فيدخل الكتريسيتة مختلفة الاسم في سطح الارض في النقاط المرتفعة منها كالاشجار و الابنية و اذا زادت القوة في هذه النقاط تميل بعضها الي بعض فيحدث البرق فيفسد الشجر و البناء فليس البرق الا ما يضرب بين سحابين من قوة الكتريك او بين سحاب و ارض و الصوت الحادث في الهواء من تركيبهما هو الرعد و قال ان الرعد صوت مهيب واحد عرفناه من الصوت الحادث من فلكة الماس حين ابراقه و اذا كان الانسان [ص 501] قريبا من محل حدوث هذا الصوت يسمع صوتا عظيما مهيبا قصيرا في المدة و لكن من كان بعيدا من هذا المكان يسمع صوتا طويلا يتفاوت في الخفض و الرفع حتي يفني و ذلك لانه اصوات عديدة تحدث في اماكن متفرقة الا انها مترتبة فيزعم الانسان انه صوت واحد و ليس هكذا و يعلم ذلك من هيئة البرق المستحدث و قد يتفاوت الصوت بالانعطاف كما تري ان الرعد في البلاد الجبلية له اصوات لاتعهد منه في البراري و القفار و قالوا في آثار البرق انه يخرق الاجسام العايقة و يكسر الاحجار بل يطرح بعض اجزائها الي مسافات بعيدة و يهدم السطوح المفروشة من الفلزات و الجدران و يقطع الشجر بل يجعله كالرياش و اذا دخل في الارض يذيب كل حجرة و رملة يعبر عليها و يتركها كالزجاج باشكال مختلفة و قد شاهدت طابوقا عبر عليه البرق و نفذ في الارض و اذابه و تركه مثل الطوابيق المذابة في الكير اذا اشتدت عليها النار و يذيب الفلزات ايضا و قد يحميها كالنار و قد يبخّرها و ربما يذيب الاسلحة و الآلات الفلزية في الانسان و لايؤذيه و قد يحرق ما كان قابلا للاحراق كالبيدر اليابس و الاخشاب و المتابن و يحرّك الانسان و الحيوان حركة عنيفة و ربما يجرح الابدان و ربما يهلك و لكن قد يوجد في الهلكي آثار الاحتراق و قد لايوجد ابدا و ذلك لأن نفس القوة تؤثر في البدن و يسمّي هذا الاثر بلسانهم كمسيّون و هذه القوة تقطع من البدن عملين عظيمين التنفس و دوران الدم فان طال عدم التنفس و الدوران مدة يموت الانسان و يمكن معالجته قبل الموت بمعالجة المختنق و ذلك دليل ان البرق يخنق الحيوان و قد يفلج الانسان و قد يورث اختلالا موقتا قابلا للعلاج و من خواص البرق انه يستشم في معبره رايحة الكبريت و قالوا ان ذلك بسبب انقلاب اكسيزن وقع في ممر البرق بالكتريزه و اكسيزن بلسانهم جزء من الهواء قابل للتنفس و الاحتراق و يسمّونه بعد التغير بازن و بالجملة طال بنا المقال في حكاية اقوالهم و قد قلت انهم مصيبون في المحسوسات و لكن لايبلغ [ص 502] عقولهم كنه الاشياء و ان اخذ عاقل حكيم تجاربهم و نظر في الآثار يري عجايب ملك الله فاعلم ان مرادهم من الكتريك الخنثي المركب من قوة جاذبة و دافعة و يقولون انهما في كل شئ و يشتاقان في نفسهما الي التركيب و ما ظهر لنا بالتجارب و الادلة العقلية ان الجاذبة نوعا من الحرارة و لذلك تري ان كل جسم صقيل سَخِن يجذب غيره بحسب قوته و سيجيء بعد ذلك بيان حقيقة الجذب و الدافعة من الماء و لكن دفع هذه القوة يمكن ان يكون بسبب جذب المخالف في الجهة او المزاج كما في المقناطيس الجنوبي و الشمالي و ليس لي اقبال الي جمع اسباب التجربة حتي اعرف حقيقة ذلك مع انه لا طايل تحته و لايظهر لي من مصنفاتهم لان المترجمين ليسوا اهل التحقيق غالبا و لايعرفون الا محض القشر و بالجملة الظاهر ان هاتين القوتين ثابتتان في الارض و الماء و الهواء و لو لم‌تكونا فيها لماوجدت في المركبات و لا شكّ انهما تثبتان في البخار و الدخان ايضا و تستخرجان منهما البتة و قد عرفت ان البخار هو الزيبق و هو الدافع و الدخان هو الكبريت و هو الجاذب و هما موجودان في الهواء المنبث بل لايخلو هواء الجو من بخار و دخان متولدين من الارض و الماء ابدا و ذلك امر محسوس بل لنا ان نقول ان اهل الشيميا لم‌يجزأوا الا الهواء المختلط بهما و بالغبار و ما ميّزوه هو الدخان و البخار المستحدثان لا نفس الهواء حتي ان الهواء العالي عن وجه الارض ايضا مختلط بهما نعم الابخرة الغليظة و الاغبرة ربما لاتبلغه و لذلك قالوا انا جرّبنا ان الهواء العالي و السافل اجزاؤها متساوية و ان كان هذا الادعاء بعيدا من التعقل و لنا في هذه المرحلة ايرادات لانطيل الكلام بذكرها و لكن هذا القدر مسلّم انهم يعملون في الهواء عملا و يلطفونه و يغلظونه و يعقدونه و يفصلون بين الدخان و البخار و اهل الصناعة كانوا يعرفون اكثر ذلك قديما و لكن العوام يزعمون انها من مستحدثات اهل الافرنج و لا شكّ انهما بعد التصفية و التلطيف يتعانقان كما في المولود الهرمسي فلذلك يشتاقان [ص 503] في الهواء و الارض و غيرهما الي التركيب و لايفصلان الا بكلفة بل لايقوم كل واحد منهما وحده الا بكلفة مع جسم آخر فلايبعد ان يكون حدوث الرعد بسبب ميل الدخان الكبريتي الذي هو صاحب قوة مثبتة الي البخار و هو صاحب القوة النافية و اذا تحركا للتعانق يحدث صوت الرعد من نفسهما و من الهواء و يحدث البرق ايضا من تلك القوة الكبريتية ، ثم اعلم ان المادة ان كانت لطيفة يفني البرق بمحض بروزه و لايطول مدته و اذا كانت المادة اغلظ ربما يطول مدته و ربما يجمع اجزاء بصورة الا انها برقية لا متجسمة غليظة و تسمّي بالصاعقة اعاذنا الله منها و قد يتفق انه يسقط من الهواء اجسام غليظة كالفلزات المذابة و تلك ايضا مادتها من الارض بالبداهة فانه قد يصعد من الارض مع الابخرة مواد غليظة معدنية و تجتمع و تذوب بحرارة البرق و تدفع بقوة و تسقط قال ابوعلي انه سقط في زمان شئ مثل الفلز و لم‌يكن يمكن قطعه الا بصعوبة و صنعوا منه آلات الحرب و لكن ليعلم انه ليس مع كل صاعقة جسم غليظ كما يزعمه العوام و يفتّشون عنها بحفر الارض فان الاغلب هو البرق و هو بطبعه يميل الي العمارات العالية و الجبال و الاشجار و ينزل و يغور في الارض و هو بنفسه يذيب التراب و يفتته و ربما يدقّ الجدران و يحفرها علي ما عرفت و يكفي هذا القدر في صفتها .

فصل - في الشُهب و ذوات الاذناب و امثالها ، اعلم انه قد يصعد من الارض ادخنة كبريتية علي ما عرفت و هي بنفسها لطيفة مايلة الي الاعالي و تتجاوز الكرة الزمهريرية و تتصل بكرة النار فتشتعل بحرارتها فانك قد عرفت سابقا ان اعالي الهواء حارة لقربها من الفلك و حركتها بحركته فان الحركة تحدث الحرارة بطبعها فاذا وصل اليها دخان كبريتي يشتعل فاذ اشتعل رأسه يشعل الي اسفله كما تري علانية في الدخان الصاعد من رأس الفتيلة اذا اتصل رأسه بشعلة من فوقه تري كأنه [ص 504] يسقط الشعلة من رأس الدخان الي الفتيلة و كذلك حال الشهب و العوام يزعمون ان نفس الشعلة العالية ترمي الي الاسفل و ليس الامر هكذا بل بعض الجهال يزعمون ان الكوكب يسقط من السماء و ذلك قول عامي لايعتني به و لاينافي ذلك قوله تعالي انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب و حفظا من كل شيطان مارد لايسمعون الي الملأ الاعلي و يقذفون من كل جانب دحورا و لهم عذاب واصب الا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب و قوله و انا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا و شهبا و انا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا فانه تعالي لم‌يقل ان الكوكب ينزل من السماء لدفع الشيطان بل قال انه يتبعه الشهاب و الشهاب شعلة من النار و نزوله من السماء كنزول ساير الاشياء قال الله تعالي و في السماء رزقكم و ما توعدون و ما من ادوات العموم يعم كل شئ فكل شئ ينزل من السماء و من هذا الباب قال الله تعالي انزلنا من السماء ماءا طهورا و ورد في الاخبار ان المطر ينزل من تحت العرش الي السماء و منها الي السحاب و لا شك ان هذا نزول التقدير لا بالتقطير و كذلك الامر في الشهب تكوّنها بتقدير من السماء و ذلك ان بحرارة الافلاك تتكون المواد الشهابية و تتصاعد و تشتعل و قوله وجدناها ملئت حرسا شديدا و شهبا ان كان محمولا علي هذه السماوات يراد منها مثل ما قلنا و يحتمل ان يكون المراد من السماء جهة العلو و هي اعالي الهواء و يدل علي ذلك ايضا بعض القراين المنقولة و المعقولة مع ان في الحقيقة ربما يقال ان السماوات التي منعت الشياطين من الصعود اليها هي محالّ المشية و اوكار الارادة و اكمام التقدير و ايادي التدبير و هي بواطن هذه الادخنة المسمّاة بالسماوات و بالجملة هذا هو اصل الشهاب و علي اصطلاح اهل الافرنج نقول ان الادخنة المركبة بعد ما صعدت حتي لمست الهواء الزمهريرية تتجزأ هنا و تخلص قوة اكسيزن من ازوت اي الدخان من البخار فيلمس الدخان كرة النار فيشعل ثم ان زادت المادة و صعدت من جميع الاطراف [ص 505] يكثر الشهب و يسمّي في الاصطلاح بتناثر النجوم و اما ذوات الاذناب و امثالها فهي من مواد دخانية غليظة تجتمع و تشتعل بحرارة النار و اجتماعها بسبب تقلصها بسبب البرد العارض او ميل بعض اجزائها الي بعض بالطبع فانه ليس ببعيد ان تتركب اجزاء لميلها بالطبع الي الاتصال فان من كان عالما بالضم و الاستنتاج لايستغرب مثل ذلك في الكائنات و اما سرّ دوامها مدة فلايخلو من غموض فاعلم ان الشعلة المشعلة لاتطفؤ الا من جهات اِما لاستحالة الدخان بالكلية الي النارية او بانتشار الدخان بالتكلس او بغلبة رطوبة مائية تنافي النار و في مادة الشعلات المذكورة لايحتمل غلبة الرطوبة و البرد لانهما لايتجاوزان الزمهرير و اما انتشار الدخان بالتكلس هنا فلايحتمل الا بعد مدة لان ارضية هذه المواد محلولة في دهنيتها بحيث لايتميزان و اما استحالتها الي الهواء الناري فيمكن بعد مدة فلذلك يطول مدتها و هي في اول تكونها تكون مظلمة لغلظتها و يزيد ضوؤها لتلطفها و زيادة حرارتها يوما فيوما الي ان تغيب ، هذا و لانستبعد وصول المدد اليها بل يجوز ان يقال ان استطالة اذنابها يوما فيوما و زيادتها ربما تكون بذلك مع انه يحتمل ان تكون الزيادة مختفية لضعف النور و بالجملة يختلف اشكالها بحسب التقدير و لها آثار مكروهة في الملك عن تجربة هذا و هي تدور مثل ساير الكواكب لما عرفت ان اعالي الهواء دايرة بدوران الفلك الا ان فلكه متغير لقربه من الارض فحركته تري اسرع من السماوات مع ان في الواقع حركتها اي السماوات اسرع و تري ابطأ لعظم دايرتها و لحكماء الافرنج تحقيقات في ذوات الاذناب بعضها حدسيات لايعتني بها كقول بعضهم في علة الطوفان العمومي كطوفان نوح ان بعض ذوات الاذناب في سيره يصادف كرة الارض فمن لطمته تسكن الارض او ترجع قهقري فلذلك يسيل المياه في غير مجاريها فتغرق الارض ثمّ اعلم انه قد يظهر في جانب السماء شعلات و اهل الافرنج يسمّونها بالشفق و يقولون ان اكثرها يري في جانب الشمال و الجنوب في مقابلة [ص 506] مغناطيس الارض و يقولون ان سبب حدوثه القوة الكهربية المذكورة و يقولون انا عرفنا ان لهما ارتباطا بالمغناطيس بحديدة القطب‌نامجات انها تميل بالطبع اليها عند طلوعها و الله اعلم بحقايق الامور .

فصل - لما ذكرنا علل بعض الحوادث و حقايقها ناسب ان نصف الريح ايضا ، فاعلم انه قد تاهت الاحلام و عجزت الافهام عن معرفة مادة الريح و علة هبوبه فاما حكماء الافرنج الذين ينظرون في الاشياء بالتجارب فقالوا انها تحدث من حركة الهواء و الحق معهم في ذلك و اما المتقدمون فلهم فيها تحقيقات قال ابوعلي ما خلاصة كلامه انه يتولد الريح من البخار اليابس الذي هو الدخان علي وجهين اكثري و اقلي اما الاول فاذا صعدت ادخنة و عرض لها ان ثقلت فهبطت لبرد اصابها و لانها حبستها حركة الهواء العالي عن النفوذ فرجعت تارة مطيعة لحركة ذلك الهواء في جهة و تارة عاصية تسمّي ريحا و تتحرك الي الجهات للبواعث الموجودة و لانطيل بذكرها الكلام و اما الثاني فما يتولد قبل انتهاء الادخنة الي معاقد الحركة العالية و قبل انتهائها الي حيّز التبريد و ذلك حين ما يكون هذه الادخنة المتصعدة ينصرف الي جهة ما انصرافا قويا و ربما هبت الريح بحركة الهواء وحدها اذا تخلخل جهة من الهواء للسخونة فانبسط فسال له الهواء لكن الريح بالحقيقة ما يتولد عن الدخان و قال لتقوية كلامه و تضعيف كون الهواء مادة الريح انه لو كان الهواء مادة الريح لماكان يمتد هبوبه زمانا طويلا بل مقدار ما يحركه شئ او يخلخله و كثيرا ما تهب الرياح و نحن نعلم ان الشمس قد خلخل في ممره ما من شأنه ان يتخلخل و كثيرا ما يهب رياح من جهات مقابلة للجهات التي منها يتوقع ما يكون من خلخلة الشمس و قال اهل الافرنج في علة نوع الرياح ان الارض يختلف حكم قطعاتها بسبب اوضاعها و امزجتها و بعضها تتسخن بحرارة الشمس سخونة زايدة و تؤثر في الهواء المجاور و يلطفه و يرققه و يصعده فيميل الهواء من الاطراف الي هذا الموضع و قالوا [ص 507] انه يحدث حركتان حركة للهواء المتسخن و حركة للهواء البارد و قالوا انا عرفنا ذلك من بيت متسخن و بيت بارد فتحنا بينهما بمنفذ و اخذنا شمعة مشعلة في هذا المنفذ من اسفله تارة و من اعلاه اخري نري الشعلة في الاسفل مايلة من البيت البارد الي الحار و في الحال الثاني من البيت الحار الي البارد و ذلك دليل ان الهواء الساخن يميل الي البيت البارد من فوق و الهواء البارد بالعكس و ذلك دليل حركة الهواء في الافق الحار و البارد و قالوا في نسيم الساحل و البحر انه من الرياح المنظمة ان من اول اليوم تهب الريح من البحر الي الساحل و تشتد الي ثلث ساعات بعد الظهر ثمّ تضعف شيئا فشيئا الي قرب غروب الشمس و من اول الليل يهب الريح من الساحل الي البحر و ذلك لاختلاف القوة المنجذبة و المتشعشعة في الماء و الارض فان الارض تقبل الحرارة في اليوم من الشمس سريعا و كذلك تقبل البرد سريعا كما هو ظاهر و البحر بخلاف ذلك فاذا طلع الشمس تبدأ بتسخين الارض و تلطيف الهواء فيميل الهواء من البحر الي الساحل و البحر يقبل الحرارة في اليوم شيئا فشيئا و يبرد طول الليل شيئا فشيئا فاذا غربت الشمس تبرد الارض في زمان قليل فيميل الهواء البارد منها الي البحر ، اقول ان تحت الماء ايضا حار في الليل فانه حكمه حكم الآبار و البئار و من رياح ثابتة المهب الرياح الدائمة التي مهبها في آفاقنا من الشمال الشرقي و في النصف المقابل لها من الجنوب الشرقي قالوا ان علتها حركة الارض في الوضع و حرارة خط الاستواء و الاول نقبله و الثاني لانقبله و قالوا ان الهواء المتسخن في جهة الاستواء ايضا له حركة الي فوق من الجهة المخالفة و كونها تموج الهواء مما لاينكر للتجربة المعلومة من الشعلة و حكم العقل بذلك هذا مجمل قولهم و يساعده النقل و العقل كما في الخبر عن الصادق عليه السلام الريح هواء اذا تحرك سمّي ريحا فاذا سكن سمّي هواءا و به قوام الدنيا الخبر ، و يشهد بذلك انا نري في الصحو تهب الرياح الشديدة و لو كانت دخانا متموجا لكان محسوسا [ص 508] بالعين و نري ايضا في الغيم الكثير لايهب ريح ابدا فعلمنا من ذلك ان الريح من نفس الهواء و لكن الكلام في علته اما ما قال اهل الافرنج فهو امر ممكن و لكن يبعد ان يكون علة جميع الرياح ذلك فانا نري انه ربما يدوم هبوب الرياح الي جهة اياما لايحكم العقل بتخلخل الهواء في مكان في هذه المدة مع قلته بنسبة ما يقوم بدله و اذا قام مقامه الهواء البارد لايتسخن بالفور لا محالة فكان الحري ان يقوم في مقامه بقدر ان يقبل الحرارة من الارض و كان الواجب حينئذ سكون الهواء المجاور بقدر هذه المدة و الحال انا نري تموجه مستمرا الي منتهي اجله و كذلك ربما نري انها تهب الي جهة من جهة و لاتهب من ساير الجهات و نعلم بالعقل انه ان كان ارض تسخن الهواء المجاور هذه القطعة و تهب اليها الريح من جهة واحدة مع انهم حكموا بميل الهواء من جميع الجهات اليها و كذلك نري الرياح مستمرة في بعض الاماكن و موقتة في بعضها ثابتة المهب او غير ثابتة و بالجملة العقل يستبعد مثل ذلك و لكن لايبعد ان يكون سببها ذلك احيانا او يكون ذلك سبب الزوبعة خاصة فان العقل يحكم بذلك فان الهواء اذا صعد من مكان يميل الهواء من جميع الجهات الي تلك الجهة و ربما يصعد بمشايعة الهواء المتصاعد بعض الابخرة و الاغبرة و لذلك يكون الزوبعة في الاغلب في اليوم و قلّ ما يتفق بالليل فقولهم ان الريح تموج الهواء حسن و لكن كون العلة ذلك بعيد و لكن يحتمل قويا ان يكون علة التموج الدخان و البخار و قليلهما ايضا يصلح لتمويج الهواء و يشهد بذلك انها ربما تكون مبشرات تبشر بالمطر و لو لم‌يكن لها بمادتها او صورتها ارتباط به لماكانت مقدمته و كذلك ربما تكون منذرات و عرفنا من ذلك انها ان كانت من مواد رطبة تهيج السحاب و ان كانت من مواد يابسة تفرقها نعم ربما يكون الدخان او البخار المهيجان له غليظين يريان بالعين و ربما يكونان لطيفين لايريان و اعلم ان البخار الغليظ لايكون مموجا كثيرا لانه بطيء في نفسه مع انه يرطب الهواء ايضا و يمنعه من سرعة [ص 509] الحركة و لكن البخار المتدخن صالح لذلك و اما ميله الي الجهات فبحسب قوته في جهة و منع الموانع و جذب الجواذب و منها الكواكب و الاهوية و غيرها مما لانطيل الكلام بذكرها و اما اختلاف امزجتها فبحسب امزجة الجهات بالنسبة و ليس هنا محل ذكرها .

فصل - المواليد الجمادية كثيرة و لو بنيت علي ذكر جميعها يطول بنا المقال و اعلم ان اكثر ما تراه من المواليد المركبة علي صورة واحدة مركبة ايضا من مواليد عديدة فان المواد مترتبة علي ما مضي فهي في الواقع كالمعاجين المتخذة من معاجين اخري اخذت من عقاقير مركبة من الاجزاء الارضية و الملحية و الدهنية و المائية المتخذة من العناصر و ان اهل الافرنج بعد ما جرّبوا ان كل مركب ينحل الي اجزاء اخري من غير العناصر اشتبه عليهم الامر و انكروا علي المتقدمين اربعية العناصر مع ان الحق معهم فان العناصر اربعة في الاصل بالعقل و النقل و لكنها تجري في المواليد و تتركب بعضها علي بعض و هذا اصل اصيل بيّنته هنا و سابقا حتي ان العناصر الموجودة في الملك مركبة و هي مواليد في الواقع و ليس في الدنيا عنصر بسيط و لكن اهل الافرنج زعموا ان الحكماء الراسخين يريدون من العناصر البسايط و ليس الامر هكذا بل مرادهم منها ما بدأ منه المواليد اولا و تستحيل اليه آخرا و يسمّونه اولا بالعنصر و آخرا بالاسطقس و هي هذه لا غير و هي مركبة من العناصر المثالية لا بمعني انها كانت قبلها موجودة مستقلة في عالم ثمّ ركبت هنا فانك عرفت سابقا ان المثال هو شبح العالي في السافل و العالي هو النفس الدهرية الكلية و مثالها يصدر منها بالاطلاق و يظهر شبحه في المواد الجسمية و تعيّنه و تشخصه جميعه من المواد العرضية الدنياوية و هي قاعدة مسلّمة و تلك المواد عرصة الاختلاط و الامتزاج مع التعين مطلقا و قبلها لايكون تعيّن و لا تشخص و لا اختلاط فالنار الممتازة عن الهواء لاتكون الا في الدنيا و هي الحرارة الموجودة في الاشياء و ان قلنا يوما ان الحرارة الخالصة في [ص 510] المثال نريد المثال الظاهر في المادة اعني اذا نظرت الي المادة العنصرية و اخلصت النظر في الحرارة خالصة من دون الالتفات الي غيرها رأيت النار المثالية و اذا تفرقت المادة ترجع الحرارة الي المثال بالاطلاق و كذلك تعين الماء و الهواء و التراب فافهم فانه دقيق و هذا المثال الخاص درجته فوق المواد و هو من الاقليم الثامن و لذلك نقول ان المثال مرتبط بالدنيا بل يعدّ منها و لذلك يكون ثامن الاقاليم فعلي ذلك لايكون نار موجودة خالصة و لا هواء و لا ماء و لا تراب في الدنيا و لكنها تظهر علي الهيولي الجسمانية و تتميز بعد التركيب كساير اعراض الجسم .

فصل - بعد ما عرفت وجه التركيب في بعض الجمادات و عرفت مما بيّنّاه سابقا حقيقة النفس انها جهة الوحدة الراكبة علي الاركان و بعبارة اخري الصورة الواحدة فاعلم ان انفسها صورها المرئية اذ ليس فوق اركانها لها ذكر فان الحجر بتمامه و كله هو هذا المرئي بمادته و صورته اما المادة فهي المشتركة بينه و بين اخواته و اما الصورة فهي ما بها يتميز عن غيره و ان قلبته ظهرا لبطن لاتجد شيئا غيرهما للحجر فتمام نفسانيته تلك الصورة و هي حظها من الدنيا و الآخرة و تبقي ببقاء تركب تلك الاجزاء فاذا اخذته و كلسته بالنار و صعد منه رطوبته الرابطية الملاطية يتفرق تركيبه و يختل ترتيبه فيبطل نفس الحجر و يثبت الكلس و لايبقي للحجرية ذكر الا في الحجر المطلق بالاطلاق و ان كان احجار اخري فهي افراد اخري و اما هذا الفرد فبطل ذكره و عاد الي مادته عود ممازجة نعم هو ثابت في علم الله بالعلمية و هو غير ما نحن فيه فانفس الجمادات لاتبقي اذ هي صورة تلك العناصر المجتمعة بهيئة مخصوصة و هي بعد التفرق لاتحكي عن تلك النفس اي الصورة فان مثل تلك الانفس الشعلة اذا طفئت لاتبقي صورة الشعلة ابدا و الباقي بعد المادة هو ما كان ثابتا فوقها كالنار الغيبية الجوهرية فانها تبقي و ان فني جميع الادخنة فالجمادات لاتعود في الآخرة و اما ما يظهر من بعض الاخبار ان [ص 511] بعضها يعود فيظهر لك وجهه ان شاء الله و من ذلك اعتبر امرك و ترقب زيادة البيان في هذه الاوطان حتي تعرف حقيقة المسألة و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

المطلب الثاني - في المعادن و فيه فصول :

فصل - قد ظهر مما مضي صدر المطلب الاول ان صور المعادن لاتكسي علي العناصر الا ان تصير بخارا و دخانا اولا ثمّ معدنا علي رأي القدماء و عند اهل الافرنج كل معدني بل كل نبات و جماد مركبة من عناصر كثيرة علي اصطلاحهم و ربما نذكر بعض بياناتهم في هذه الرسالة ان شاء الله تعالي و ابيّن لك في المقام مسألة كلية تعرف بها اكثر المسايل ، اعلم ان الله سبحانه واحد احد فرد متفرد في ذاته منزه عن التركيب و اختلاف الحيوث و الجهات مبرأ عن كل ما يليق بالمركبات فلايعرضه الاعراض و لايتجدد له الآراء و لايتغير حكمه و لايتبدل امره فمشيته تعالي واحدة و ارادته مطلقة قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة و قد اثبتنا هذه المسألة فيما مضي بانواع البرهان و لانحتاج الي تكرير البيان و ان شئت فراجع و المشية الواحدة و الارادة المطلقة لاتتعلق بامور متفاوتة و اوضاع مختلفة فلا اختلاف في الملك ان كنت عارفا و لا تفاوت في الامر ان نظرت مختبرا قال الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير ، و ان قلت فما هذه الارضون و السماوات و الشمس و القمر و النجوم السايرات و هذه العناصر المختلفات و الحوادث المتتابعات اقول اما من حيث ظواهر خلقها فهي اجزاء مراد واحد للارادة و كسور عدد فرد من غير نقيصة و زيادة قد تكسرت في عرصة التفصيل و تحصصت بامر الله الجليل لاظهار القدرة البالغة و توضيح الآيات الباهرة و اما من حيث المعني فالكل نور واحد [ص 512] ظهر في العرش و الفرش و الاعلي و الاسفل و من كان عارفا يعرفه و يراه في العيان فافهم و تدبر هذا في الآباء و الامهات و المواليد ايضا نتايجها و المراد منها تشخيص هذا النور لاحكام الامور و قد قبضت قبضات بامر واحد و يد واحدة من غير خلاف الا ان بعضها بلغ الغاية و خرج من كمونه جميع ما تعلق به الارادة و بعضها سقط في الطريق و لم‌يبلغ الغاية القصوي فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الامر في خلق جميع الحوادث واحد لا اختلاف فيه فان خلق الجماد و المعدن و النبات و الحيوان و تربيتها بنهج واحد بل قال بعض الحكماء و نعم ما قال ان المادة التي يخلق بها الزلزلة هي هي مادة المعدن و انا اقول انها مادة جميع الحوادث و التفاوت في الاعراض و هي كمّها و كيفها و محلها و وقتها و وضعها و جهتها و اضافاتها و ساير ما يتعلق بها فان الفاعل في جميعها الافلاك فانك عرفت سابقا انها ايادي التقدير و اكمام الارادة و جميع ما اراد الله سبحانه خلقها يلقيه الي الروح لانه من امر الله تعالي و هو الواسطة بين المشية و الخلق و الروح يلقيه الي عرش الله جل و عز لان العرش له بمنزلة البدن و العرش يلقي ما اوحي الله اليه الي النجوم فانها انامل تلك اليد العليا و هي تلقي شعلاتها الي الارض و تتصرف فيها و الارض تقبل الفعل و الامر بحسب استعدادها و لا شكّ انها بصرافتها و سذاجتها لاتقبل الافعال الا بعد الاستحالة فان ذلك مسلّم و استحالتها غير معقولة الا بالانحلال و الانعقاد لانها تصورت بصورة و جمدت عليها فلاتتغير عنها الا بالانحلال لانكسار هذه الصورة و الانعقاد بصورة اخري و ان كسرت المادة و لم‌تزد عليها و لم‌تنقص عنها لا كمّا و كيفا ثمّ عقدتها تنعقد مثل ما كانت البتة كالذهب المذاب اذا عقدته بالبرد فانه ينعقد ذهبا و الدهن المذاب ينعقد دهنا علي ما كان الا ان تغيّر مادتهما في الكمّ و الكيف و كذلك الامر في الارض فانها في الواقع مولود لايتغير عما هي عليه الا بالانحلال و تغيّر الاجزاء و قد عرفت سابقا انها ليست ترابا خالصا عبيطا بل هي مركبة من العناصر الاربعة فاذا انحلت و زيدت [ص 513] في كمّها و كيفها او نقصت و عقدت ثانية تنعقد بصورة اخري من المواليد و من كان عارفا بعلم الفلسفة يعرف حقيقة هذه المسألة حق المعرفة فاعلم بحول الله و قوته ان الشمس و القمر اذا دارا علي الارض بل النجوم بل نفس الفلك تؤثر في اجزاء الارض بالتسخين و التبريد و التدبير و تنفذ شعلات الكواكب في تخوم الارضين و تبخر الرطوبات المحتقنة تحت الارض و تصعدها و يصعد معها الاتربة الرقيقة و الاجزاء الدقيقة و تميل الي فوق الارض فان سارعت الي القبول و بادرت الي الصعود و سارت في منافذ الارض حتي صعدت في الهواء تكون مادة السحاب و المطر و الرعد و البرق و الرياح و الشهب و غيرها علي ما بينّا و ان كانت غليظة او بطيئة و لم‌تصعد في الهواء و بقيت فوق الارض الي ان غربت الشمس و بردها الهواء و الارض يحدث منها الندي و الصقيع و بعض المواليد الحاصلة فوق الارض مما لاتعدّ و لاتحصي و ان صعدت من تخوم الارضين و لم‌تخرج منها لانسداد سطح الارض لسبب برد الليل او علة اخري و احتقنت فيها حتي غلبت و تهيجت او حدث فيها القوة الكهربية علي ما ذكرنا حدث منها الزلازل و ان كان دخانها قليلا و بخارها كثيرا و احتقنت في فزوات الارض و منافذها و عرضها البرد تتقطر و تجري منها الينابيع و ان كان ارضيتها غالبة مع عدم الاعتدال و بقيت تحت الارض و تكرر انحلالها و انعقادها حتي جمدت يتكون منها الاحجار الجمادية و ان انحل الرطوبة الي البخار و اليبوسة الي الدخان و اختلطا و امتزجا يحصل منها المعادن من الاحجار الجوهرية الي المعادن البرزخية بين النبات و المعدن و لكل منها وجه تركيب خاص سيمضي لك ذكر بعضها اجمالا .

فصل - في اقسام المعادن ، قال ابوعلي بن سينا ان الاجسام المعدنية يكاد ان تكون اقسامها اربعة : الاحجار و الذائبات و الكباريت و الاملاح و ذلك لان من الاجسام المعدنية ما هو سخيف الجوهر ضعيف التركيب و المزاج و منه ما هو قوي [ص 514] الجوهر و ما هو قوي الجوهر فمنه ما ينطرق و منه ما لاينطرق و ما هو ضعيف الجوهر فمنه ما هو ملحي يحله الرطوبة بسهولة مثل الشبّ و الزاج و النوشادر و القلقند و منه ما هو دهني لاينحل بالرطوبة وحدها بسهولة مثل الكبريت و الزرنيخ و عدّ الزيابق من جملة القسم الثاني و قال انه عنصر المنطرقات او شبيه بها و قال ان المنطرقات ذائبة و لو بالحيلة و اكثر ما لاينطرق لايذوب بالاذابة الرسمية و انما يلين بعسر و مادة المنطرقات جوهر مائي يخالط جوهرا ارضيا مخالطة شديدة لايبرأ منه و يجمد الجوهر المائي منه بالبرد بعد فعل الحرّ فيه و انضاجه و يكون من جملتها ما لم‌ينجمد بعد و هو حي لدهنيته و لذلك ينطرق و اما الحجريات من الجواهر فمادتها ايضا مائية و لكن ليس جمودها بالبرد وحده بل جمودها باليبس الشديد المحيل للمائية الي الارضية و ليس فيها رطوبة حية دهنية فلذلك لاتنطرق و لاجل ان اكثر انعقادها باليبس فلذلك لايذوب اكثرها الا ان يحتال عليه بالحيل الطبيعية المذيبة و اما الشبّ و النوشادر فمن جنس الاملاح الا ان نارية النوشادر اكثر من ارضيته فلذلك يتصعد بكليته فهو ماء خالطه دخان حار لطيف جدّا كثير النارية و انعقد باليبس و اما الكباريت فانها قد عرض لمائيتها ان تخمرت بالارضية و الهوائية تخمرا شديدا بتخمير الحرارة حتي صارت دهنية ثمّ انعقدت بالبرد و اما الزاجات فانها مركبة من ملحية و كبريتية و حجارة و فيها قوة بعض الاجساد الذائبة و ما كان منها مثل القلقند و القلقطار فتكوّنها من حلالة الزاجات و انما ينحل منها الملحية مع ما فيها من الكبريتية ثمّ تنعقد و قد استفادت قوة معدن احد الاجساد فما استفاد من قوة الحديد احمر و اصفر كالقلقطار و ما استفاد من قوة النحاس اخضر و اما الزيبق فهو مركب من ماء و ارض ماؤه ماء لطيف و ارضه ارض لطيفة كبريتية مخالطة شديدة حتي انه لاينفرد منه سطح لايفشا من تلك اليبوسة شئ فلذلك لايتعلق باليد و لاينحصر ايضا انحصارا شديدا بشكل ما يحويه بل له ان يثبت بشكلٍ مّا اللهم الا ان يغلب [ص 515] المائية و بياضه من صفاء تلك المائية و بياض الارضية اللطيفة و بممازجة الهوائية اياه ، هذا خلاصة اقوال ابي‌علي ذكرتها لتكون مقدمة لما اردنا ايراده هنا .

فصل - قد عرفت مما بيّنّاه سابقا ان كل شئ مركب من مادتين و صورتين نوعيتين و شخصيتين و هي الحلان و العقدان المذكوران في الفلسفة و لا بدّ من بيان مجمل منها في المقام و قد مرّ شرحها سابقا فاعلم ان تمام جميع الخلق و كمالهم في حلين و عقدين الا انها في كل شئ بحسبه قال الله تعالي و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و قال خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها فالحل الاول حل نوعي و العقد الاول عقد نوعي و الحل و العقد الثاني شخصيان اما الحل الاول فهو مقام المادة النوعية و هي الجنس الساري في الافراد و هو ما تراه في جميعها كالجسم الساري في جميع الاجسام الجزئية المقيدة و هو مقام الانحلال لجميعها بمعني عدم وجود ذكر خاص لواحدة منها فيه فانه صرف جوهر قابل للتصور بجميعها و العقد الاول مقام الفصل و هو الصورة النوعية و الصوغ الاول النوعي و ذلك انّا قد اثبتنا فيما مضي ان الصورة مقام الانعقاد للمادة المحلولة و لاينعقد المحلول الا بهيئة تناسبه فان كان طاهرا نقيا ينعقد هكذا و ان كان مغشوشا فاسدا ينعقد هكذا بل لايمكن تطهير المنعقد الا بالحل لان الاغتشاش بالاعراض التي تختلط المركب و تنفذ في خلال اجزائه فلايتطهر منها الا بعد تفكيك عناصره و لايحصل الانفكاك التام الا بالانحلال الاتري الي الفضة المغشوشة انها لاتتطهر الا بعد حلها و تطهير اركانها ثمّ عقدها و اقل مراتب الحل تذويبها في القال و احراق الغرايب كما ان اقل مراتب حل الذهب بالخلاص و ارفع من ذلك بدرجة تهبيتها في المياه الحادّة و التفصيل بين الغرايب و بينها و ان لم‌تعرف المثل فيها تعرف حكم الجمد ان الماء المختلط بالطين اذا انجمد ينجمد كثيفا و لايتصفي الا بعد التذويب و الترسيب او التقطير ثمّ العقد فخذ هذه قاعدة كلية فالمعقود تابع للمحلول فالمحلول ان [ص 516] كان صافيا لطيفا يكون المعقود هكذا و ان كان بالعكس فبالعكس و لذلك نقول باشتراط المناسبة التامة بين المادة و الصورة و نخطئ الذين قالوا باتحاد المادة في كل شئ فالمواد النورية صورها ايضا نورية و المواد الظلمانية صورها ظلمانية و المواد الكلية صورها ايضا كلية و المواد الجزئية صورها جزئية فالجسم المطلق لايلبس صورة التراب الا بعد التخصص كما ان الجسم المقيد بالقيد الخاص لايلبس صورة الاطلاق فالمادة النوعية لاتلبس الصورة الشخصية و لكنها تتفصل بالفصل اي الصورة النوعية و هي انعقادها لا غير بل اقول ان الجنس في نفسه لايلبس غير صورة الاطلاق و ما يتصور بالنوعية حصة منه اي تجليه في النوع و هو اعلي درجات النوع فافهم ذلك و نحن قد فصّلنا هذه المسايل في القسم الثاني فلانعيد فالصورة النوعية تلبس علي حصص الجنس فتتنوع بل لاتحصص الا في تلك الصور النوعية ثمّ يؤخذ من النوع حصة للشخصية مثال ذلك الجسم العنصري للمواليد العنصرية و الفلكي للفلكيات و هكذا و هذا السرّ سارٍ في جميع الخلق من الغيب و الشهادة بل نقول بمقتضي ان الغيب لايتم الا بالشهادة و كليات الحكمة ما لم‌تكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ان تمام الغيب بهذه الاركان و تمام الشهادة ايضا بمثلها و المراتب الغيبية و الشهادية ثمانية و هي في الملك و اجزائه بالسواء فكل مولود ايضا يثبت له هذه المراتب فافهم ذلك حتي تقف علي المراد ان شاء الله و هي في كل شئ بحسبه و تثبت لكل شئ بالنسبة فرُب شئ يكون مادة نوعية لشئ و هي في نفسها صورة شخصية كما بينّا سابقا و لانعيد .

فصل - اذا عرفت ما بيّنّاه فاعلم ان المعادن تتكون في حلين و عقدين علي ما بينّا فحلها الاول في العناصر اذ هي في مقام الجنس بالنسبة و عقدها في الرطوبة المائية و اليبوسة الترابية فانها بعد التألف تتألف علي هذه الصورة و هي نوعية صالحة لكل مولود ايضا علي ما بينّا سابقا و الحل الثاني في البخار و الدخان علي ما بينّا [ص 517] و العقد الثاني مقام التصور بصورها ثم البخار و الدخان مادة نوعية لنوع المعادن و تصلح لجميعها و يتصوران بالزيبق و الكبريت ثمّ يؤخذ منهما باختلاف الكمّ و الكيف و ينعقدان بالصور الخاصة علي ما ابيّنه ان شاء الله و الحاصل ان جميعها مخلوقة من البخار و الدخان و باختلاطهما و امتزاجهما يحصل المعادن و التفاوت فيهما في نفس الصور الشخصية و لذلك يصلح كل جوهر لغيره و يمكن تكميل النواقص و تنزيل الكوامل و اخطأ ابوعلي حيث منع من ذلك و وجه منعه ان الفصل الذي هو الصورة النوعية ذاتي و الذاتيات لاتتغير و كل سنخ من المعادن نوع خاص غير اخته فلايمكن تبديله و نسب العاملين بالاكسير الي الخيانة و قال ان جميع عملهم الصياغة و ذلك لجهله بهذا العلم و نحن نمنع اولا اجمالا عدم خروج الشخص من تحت نوع الي نوع آخر مع انه مشهود الاتري ان الدود يخرج من تحت نوعه الي الطاير كما تري في دود القز انه ينقلب طايرا و يثقب نسيجه و يخرج منه و دويد الماء اذ يصير دعموصا و بعض قد يطير فيصير طايرا بعد كونه دابا و كذلك عمل علماء الفلسفة شئ صحيح لاينكره عاقل خبير و ناقد بصير فان الثقات الامناء يقولون انّا نكمّل النحاس و نرفعه الي الفضية و نرفع الفضة الي الذهب و يصدقهم النقل و العقل فلم‌ننكر عليهم قولهم و كلامهم هذا و نقول ان الصورة النوعية المسمّاة بالفصل جوهرة حالّة في المادة الذاتية التي هي الجنس و هي في عالم فوق عالم الاعراض و هي لاتتغير عن حالها و صفتها بل هي ثابتة قايمة دايما و المتغير هو العناصر العرضية التي تتركب في الارض و تحكي بحسب اقتضائها الانواع فاذا اخذ من البخار و الدخان حصة معيّنة و ربيت تربية معلومة معينة حتي صلحت لحكاية نوع الحديد ينعكس فيها من الغيب الاعلي الحديد النوعي متشخصا و اذا غيّرت تركيبها و بدّلت حتي صلحت لحكاية الذهب الخالص يظهر فيها الذهب النوعي فالذي يتغير هذه العناصر العرضية لا الذوات الغيبية و مثال ذلك البدن العنصري [ص 518] بالنسبة الي الانسان فان بدن زيد يحكي عنه و يدل اليه و يدعي باسمه و ان اكله عمرو يتحول اليه و يصير جزء بدنه و يحكي عن عمرو كما كان يحكي عن زيد و لايقال حينئذ ان زيدا تحول عن زيديته و انقلب الي عمرو فان زيدا محال في الحكمة ان يتحول عن الزيدية فان الذاتيات لاتتحول و كذلك الامر في الانواع فان النوع لايتحول عن نفسه فنفس الحديد لاتصير فضة فان الحديد حديد و الفضة فضة و لكن ما يتغير هو العناصر و لاينكر ذو حاسة سليمة صلاحية العناصر لحكاية كل شئ و لم‌يبطل صلوحها نفس تصورها بصورةٍ مّا فان تلك الصورة قوة من قواها اخرجتها يد التقدير بحسب اقتضائها كمّا و كيفا فان غيرتهما بالتدبير يحكي المركب عن غيرهما فافهم فان هذا هو روح العلم و العمل و يستعلم جميع ذلك مما اسلفناه في الامور العامة في بيان الكليات ان التنوع و التشخص يحصل من عند القوابل لا من العالي و من باب توضيح المسألة في الجملة زايدا علي ما مرّ ابيّن فصلا آخر في المقام .

فصل - اعلم ان هذه المسألة من الاسرار المكتومة لايبديها علي ما هي عليه احد الا اني اشير الي بعض جهاتها هدية الي اخواني متوكلا علي الله اعلم ان ما من العالي ابدا متوحد متفرد ليس فيه تفصيل و ذلك ان الله تعالي احد فرد و المشية الاولي بسيطة واحدة الا ان بساطتها علي ما ينبغي للمخلوق لانك عرفت فيما مضي ان المخلوق لايكون واحدا حقيقيا اذ لا اقل من كونه مخلوقا فان كان من ثواني المخلوقات و ثوالثها الي آخر المراتب فلا شك في كونها مركبة و ان كان اول مخلوق لايسبقه علة سابقة و لا مادة ثابتة يكون بنفسه علة لنفسه لا محالة لما اثبتنا مكررا ان ذات الله لاتكون علة خلقه و لانعيد و لا شك ان شيئا واحدا من حيث واحد لايكون علة و معلولا كما بينّا سابقا و كذلك لايصير شئ علة نفسه من حيث كونه معلولا و ذكرنا سابقا ايضا برهان ذلك فللخلق الاول حيثان حيث علية و حيث معلولية و من اقترانهما و تركيبهما يحصل الخلق الاول المسمّي بالمشية اذ بها [ص 519] خلق ساير الخلق و لكنهما تعانقا و ارتبطا حتي صارا من الوصل شيئا واحدا بل لا معني للوحدة العددية غير ذلك و الوحدة الممنوعة الوحدة الحقيقية و هي الاحدية فرَدُّنا للقوم قولهم بالمعني الثاني لا مطلق الوحدة فتدبر فالمشية الاولي التي هي مبدؤ جميع الكثرات و اول المخلوقات واحدة منزهة عن كل كيف و كمّ بل مطلق الاعراض ما خصّ منها و ما عمّ و هي في نفسها مطلقة و قد خلق الله بها ما خلق و معني الخلق التكوين اي تحليتهم بحلية الكون و الكون هو النور الظاهر من المشية لا غير اذ كل كون من الكينونة العليا التي هي اصل المشية بل مادتها و قد سطع من وجهها نور الكون و تعين به الامكان فصار متكونا بعد ان كان ممكنا معدوما و النور الكوني الصادر منها واحد اذ النور علي صفة المنير و الشبح علي صفة ذي الشبح و هذه قاعدة مسلمة فلايصدر من الواحد الا الواحد فما صدر من سراج المشية نور غير مختلف و اشتعل به دهن الامكان فما من المشية الكون فقط و ما من الامكان التكون بحسب قابليته فكل قبضة امكانية كانت سابقة اشتعلت به بحسب سبقها و السابق في كل مقام ما هو اوحد و ابسط فالكون الاول يكون ابسط و اوحد ما في الامكان ثمّ الخلق الاول يصير علة ثانية فانها خلق نوراني كامل الا ان تكثره اكثر من المشية لأن امكانه غير كونه و علته الاولي غير نفسه فهو مركب من اجزاء سابقة عليه طولا و ان كان موجودا في عالمه ابدا سرمدا فافهم و بالجملة فالخلق الاول الذي هو الثاني يصير منشأ الآثار و يظهر منه النور اذ هو نور الانوار الا ان نوره ايضا كلي معنوي مثله و هكذا تتابع الانوار و ترتب الآثار حتي انتهي الخلق الي عالم الاجسام و في كل عالم حصل تكثر اكثر من العالم الاعلي الي ان آل الامر الي ما تري و ان قلت من اين عرفت ان عالم الاجسام آخر العوالم و لم‌تتنزل الي ما دونها اقول برهان ذلك بعد الاخبار صحيح الاعتبار و ما وجدناه من الآثار منها ان الجسم فاقد لكل كمال سوي الامتداد و لم‌يبق له من الحيوة و القدرة و الشعور و ساير ما كان له من الكمال في الملأ الاعلي شئ [ص 520] و ليس دون هذا الضعف الا العدم و ما تري من الفعليات ليست من نفس الجسم بل هي آثار مثالية تابعة للنفوس التي هي علة الوجود و قد ظهرت في الاجسام بعد تعيّنها فان هذه الكواكب و العناصر لدي الخبير مواليد تكونت في الصعود و ليست هي منتهي النزول بل منتهي النزول هو الهيولي مع امتدادٍ مّا نوعي قد يعبّر عنه بالقابلية و الجسم هو الهيولي القابلة للامتدادات الخاصة او مطلق الاعراض و ليس دون الهيولي سوي العدم الصرف فافهم و برهان آخر انا رأينا مبدأ الصعود عالم الاجسام فعرفنا من ذلك انه المنتهي فاحفظ ذلك لأن فيه فوايد جمة و بالجملة الي الجسم نزل ما نزل بالكلية و بعد ما تجسم الانوار العالية عرضها الاعراض فتشخصت في تلك الاعراض و تعينت بها و تمثلت فيها فبعد ما اراد الله تعالي خلق الاشياء علي ما اراد اخذ من العناصر ما اخذ علي ما شاء و اراد بالاختلاف في الكمّ و الكيف و ظهر مثال النفس الكلية فيها بحسبها فكل ما اخذت حصص من تلك العناصر بصورة واحدة نوعية ظهر فيها مثال النفس الكلية بحسبها يسمّي نوعا و الحصص افراده و ان لم‌يؤخذ الا مادة شخصية واحدة يظهر فيها مثال بحسبها و قد اصطلح لذلك انه نوع لم‌يتكون له الا فرد واحد و ما سواه ممكن الوجود و ربما يظهر الشخص ايضا في الدنيا في ابدان اذا لم‌تكن ذاتية و لا من خواصها الذاتية و ذلك اذا كان ذات الشخص من عالم اعلي كما سيجيء بيانها بعد في مقامه ،

و اعلم ان لهذه المسألة فروعا كثيرة و من عرف هذه المسألة يعرف حقيقة ظهور علي (ع) في اربعين بدنا في ليلة الضيافة او ثمانية‌عشر كما في غزوة احزاب فان نفسه صلوات الله عليه من عالم اعلي و ظهوره في الصورة البشرية بحسب استعداد المادة فلو اخذت ابدان عديدة تظهر منها من دون لزوم التعدد في نفسه فان عليا واحد و لايلزم من ذلك كون نفسه نوعية فان النوعية و الجنسية مما دون الحقيقة و قد اقرّ بذلك اهل المنطق و الحكمة و لذلك لاتلتفت اليهما [ص 521] بل ساير الكليات الا بعد الاضافة حتي ان الكلي الطبيعي لو نظرت اليه بنفسه لاتري منه غير نفسه و لاتعرف منه الكلية ابدا و كذلك الجزئية فالذات منزهة عنهما و البدن العنصري ليس للذات كالفرد من النوع فان الفرد مركب من النوعية الخاصة الشخصية كما ان النوع مركب من الجنس و الفصل و لكن البدن كالعرض العام و العرض العام لاينوع الجوهر بتعدده فافهم فانه دقيق بل اقول ان دققت نظرك تري ان كل بدن شخصي لكل احد يكون ابدانا عديدة من بدء تكونه الي موته فان البدن العنصري دايم التجدد يتحلل منه جزء و يتبدل الي جزء و الطبيعيون يعرفون ذلك بل البخار المسمّي بالروح و الدم الذي يكون مادته ايضا يتبدل و يتجدد و مثله كمثل شمعة مشعلة فانها تشعل من اول الليل الي آخره و الشمع دايما في الاحتراق و كل جزء منه يذهب و يقوم مقامه بدله و الفتل دايما يحترق جزؤه و يشتعل جزؤه الآخر و في كل الاحوال يكون النار واحدة و تظهر في الدخان الحاصل من الدهن و الفتل و هي شخصية و لاتكون نوعية و كذلك الامر بالنسبة الي ذوات الاشخاص فعلي ذلك يكون الذات واحدة و الابدان عديدة الا انها متبادلة و لا شكّ انه ليس من شرط ظهور الذات تبادلها بل شرط ظهورها مواجهة الابدان التي هي بمنزلة المرايا سواء اجتمعت او تفرقت فعلي ذلك اذا اخذت يد الحكيم ابدانا عديدة لزيد يظهر منها بلا اكتراث كما يظهر منها طول عمره و ان عرفت ذلك تعرف حقيقة الرجعة و المعاد و ما كان يظهر من الانبياء و الاولياء من احياء الاموات و لاينافي ذلك التشخص ابدا بل ذلك صفة كل شخص دهري او مثالي يظهر في الدنيا و ان قلت ما الفرق بين هذا الشخص و الجنس و النوع مع انه يصدق عليه بناء علي قولك تعريفهما او تعريف النوع فقط اذ قالوا في تعريف الجنس انه المقول علي كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو و في تعريف النوع انه المقول علي كثيرين مختلفين بالعدد فقط اقول الفرق بان الجنس مبهم في غاية الابهام و النوع مبهم مطلق بالنسبة الي الشخص و ان كان [ص 522] معيّنا بالنسبة الي الجنس و لكن الذات الشخصية معيّنة مشخصة مع ان التعريفات ايضا ناقصة و ليس كل ما قالوه في الحدود صحيحا معتني به و تعريف بعضهم للنوع انه الكلي الاخصّ من كليين مقولين في جواب ما هو احسن مع انه ايضا ناقص و بالجملة طال بي المقال مع اني لم‌اكن بصدد هذه البيانات و لكن المناسبة جرتني الي البيان فنرجع الي ما كنّا في صدده ، فاعلم ان الخلق في نزولهم نزلوا بالكلية و الاطلاق و بعد صعودهم من هذه العرصة تكثروا فكلما صنع بدن مناسب تعلّق به نفس من عرصة النفس و تشخصت فيها و تلك النفس من عالم اعلي البتة فاذا كان شخصيتها باكتسابات دنيوية فقط لاتعود الي ذاتها و تكون باقية علي اطلاقها الا انها في الظهور متشخصة باعراض خارجة و اذا بطلت تعود مطلقة و اذا تحصلت شخصية دهرية تبقي متشخصة مع البدن و بعده فالنفس الاولي مع التشخص الدنيوي نوعية و النفس الثانية شخصية و ان ظهرت في ابدان عديدة ثمّ في اصطلاح الحكماء يسمّون كل ما ظهر في كثيرين مختلفين في فصولهم اي ماهياتهم بالجنس و ان كان الاختلاف من الدنيا فقط كما في النباتات و المعادن و الجمادات و كل ما ظهر في افراد متفقة بالحقيقة مختلفة في الشخصية فقط يسمّونه نوعا و اعلم ان هذه الصفة نسبية فرب نوع يكون جنسا لافراد و فردا لنوع اعلي و يكفي هذا القدر من البيان في المقام .