[ص 472] فصل - و لما كان من المواليد الجمادية السُحب و الامطار و الثلوج و امثالها ناسب ان نذكر في المقام كيفية تكوّنها و نبتدأ ببيان تكوّن البخار و الدخان و نذيله الامطار (كذا) و الثلوج و البَرَد و الطل و الصقيع في فصل خاص ، فاعلم ان الرطوبات ربما تنزل في اعماق الارض و الجبال من الامطار و غيرها من المياه و تغوص فيها ثمّ تدور الافلاك عليها دايرة و تشرق عليها الشمس بشروقها و تعمل بحرارتها في الارض و تنفذ في اقطارها فتسخن تلك الرطوبات و الحرارة من شأنها التصعيد و التلطيف و التفريق فتفرق الاجزاء المائية و تصعدها فاذا كانت سطح الارض رخوة قابلة لنفوذ البخار فيها تصعد في فزواتها و تعلو بجذب الشمس الي السماء و ان كان وجه الارض صلبا متحجرا يبقي البخار تحت الارض و لاتصعد الي ان يميل الشمس عنها و يبرد وجهها فيتقطر البخار ثانيا و يجري في منافذ الارض و ربما يميل الي جهة خاصة و يخرق الارض فينفجر منه العيون و ربما يميل الي البئار و القنوات و يجري منها و اكثر ما يكون ذلك في الجبال فان برد ظواهرها يقطر الابخرة تحتها و يجري منها العيون حتي انه ربما يكون فيها خزاين للماء و ربما يسمع منها اصوات عجيبة من انصباب الماء من علو كما سمعت بنفسي في بعض جبال كرمان و يجري منه العيون و ينتضح الماء من سطح الجبل دايما حتي انه اذا كسر قطعة صغيرة منه يجري منه بقدر ثقبته الماء و لذلك يكون الجبال اكثر بخارا من الارض فانه اذا طلع عليها الشمس سخّنها فسال المياه المحتقنة فيها و صعدتها و لذلك يكون منشأ السُحب في الاغلب الجبال و ينزل الامطار فيها غالبا و البرد ايضا يغلب عليها لان الحجر لصقالته يكون سريع القبول للبرد و كذلك يكون سريع القبول للحرّ و لكنها بعيدة من سطح الارض و اغلب الحرارة محتقنة فيها و حرارة الشمس ايضا لاتبرز الا في الارض كما ان نورها لايظهر الا بعد الانعكاس من الارض و كذلك الحرارة ايضا تظهر من الارض [ص 473] بعد تسخنها و تسخن الهواء كما تضيئه فان الحرارة لاتفارق النور كما هو ثابت في محله و الجبل لبعده عن وجه الارض لايتسخن و لايشرق علي جميع جهاته الشمس لعدم المقابلة فيكون بعض جهاتها بارزة للشمس و بعضها محتجبة عنها فلذلك يكون وجه الجبل في الاكثر باردا حتي في الصيف و كل ما تقرب منه تحس البرد منه و لذلك يكون حال الجبل كالانبيق يتقطر منه الماء دايما و يصعد من رؤسه و اطرافه البارزة للشمس البخار الي الهواء و يعلو فيه و البخار هو ذرّات الماء كما هو محسوس ان نظرت فيه بالذرهبينات ثمّ ان عمل فيه الحرارة كثيرا جففت رطوبته في الجملة و غَلَب عليه اليبس فانقلب الي الدخان و قال ابوعلي بن سينا ان الحرارة السماوية اذا اثرت في البلّة الارضية اصعدت منها ابخرة و خصوصا اذا اعانتها حرارة محتقنة في الارض فما يصعد من الجوهر الرطب فهو بخار و صعوده بطيء ثقيل و ما يصعد من جوهر اليابس فهو دخان و صعوده خفيف سريع و البخار حار رطب و الدخان حار يابس و قلّما يتصعد بخار ساذج او دخان ساذج بل انما يسمّي الواحد منهما باسم الغالب و في اكثر الامر فيصعدان من الارض مختلطين لكن البخار ينتهي تصعده الي حدّ قريب و الدخان اذا كان قويا انفصل عنه مرتقيا مجاوزة اياه الي حدّ النار قال ابوعلي و قد شاهدنا انفصال الدخان عن السحاب و نحن في قلل جبال شاهقة و رأينا المنفصل الدخاني تخلف سطح السحاب المتراكم من تحت و يسرع الي فوق و هو اسود يشمّ معه رايحة الخريف فالبخار مادة للسحاب ، الي آخر كلامه و يظهر من كلمات ابي العلامة ان نفس الدخان اذا عمل فيه الحرارة يصير دخانا و لاينافي ذلك قول ابيعلي فانه ايضا قال ان الدخان مادته البخار و اما ما قال ان ما يصعد من الجوهر اليابس فهو دخان فلاينافي ذلك فانه دخان بلا شبهة و اعلم ان الرطوبات لاتصعد ساذجة من الارض بل يصعد معها اجزاء يابسة هبائية تنحل في المياه طول مكثها تحت الارض بل ربما يصعد معها اجزاء غليظة كبيرة كما شاهدنا مرارا انه ربما ينزل مع [ص 474] قطرات الامطار رمال و احجار بل ربما يجذب الابخرة من الارض حيّات و حيتانا كما شوهد ذلك كرارا هذا كله اذا كان الارض متخلخلة قابلة لخروج الابخرة منها و اما اذا كانت صلبة قلّ ما يصعد منها الابخرة و لكنها تحتقن في الارض و تتقطر ثانيا و ربما تبخر ثانيا و ثالثا فتصعد و تنزل و في هذا الانعقاد و الانحلال ينحل معها اجزاء ترابية كثيرة فيتولد منها مواد لزجة بحسب امزجة الارض و يتولد منها المعادن و النباتات و الجمادات علي ما سيجيء و ان عرفت هذا الاصل تعرف كيفية تولد كل مولود بادني تأمل و قيل ان علّة الزلازل ايضا الابخرة المحتقنة في الارض سيّما اذا كانت دخانية و استدل بعضهم علي ذلك بادلة بعيدة و اشتبه الامر علي بعض حتي زعم ان علتها انهدام الجبال و سقوط قللها او اجزاء كثيرة منها سقوطا قويا يوجب تزلزل الارض و زعم بعض ان علتها انهدام بعض اجزاء الارض كخسف تحت الارض و قال بعض ان علتها مياه تسيل دفعة و جميع هذه الآراء بعيدة و يشهد بذلك التجارب لااقول انه لايوجب المذكورات حركة دفعية في بعض اجزاء الارض و لكني اقول ان الزلزلة المعروفة من غيرها و لست في المقام بصدد تفصيل المسألة و لكن محض ان لايخلو الكتاب من بيان هذا المطلب اقول ان الرجوع في هذه الامور بل في كلها الي آلمحمد عليهم السلام فانهم الذين آتاهم الله علم ما كان و ما يكون الا انهم يتكلمون باصطلاح مخصوص بهم و بعد ما عرفنا اصطلاحهم نطلع علي الحقايق ففي خبر ان لكل جبل عِرقا الي جبل قاف و اذا اراد الله ان يزلزل ارضا اوحي الي الملك القائم علي الجبل فيحرّك عرقها ، و الجبل اسم من اسماء الجسم المطلق في اصطلاح الائمة عليهم السلام و جسمية كل ارض هي عرقها اليه و الجسم ظاهر الطبع فعرفنا من هذا الخبر ان الزلزلة امر تعرض الارض بطبعها و ليست من طبع الهواء و الماء و غيرهما مما قيل و في اخبار اخري نسبوها الي الحوت و لكنها باختلاف حالات ففي خبر انه افتخر يوما و عجب فارسل الله اليه حوتة صغيرة فدخل في منخريه فخرّ صعقا اربعين صباحا فكل ما اراد الله ان يزلزل [ص 475] ارضا تراءت له فزلزلت الارض فرقا و في خبر آخر ان كل بلدة من البلدان علي فلس من فلوسها و يحرك الفلس الخاص ببلد اذا قدّر الله زلزلته و زعم بعض ان الخبر الاول في الزلزلة العامة و الثاني في الزلزلة الخاصة و ليس ببعيد و شرحهما لايخلو من الاشكال و لكني اتوكل علي الله و اسأله ان يفهمني كلامهم فاعلم ان الحوت اسم من اسماء العرش في اصطلاح الائمة عليهم السلام و هو منشأ الحياة و كل ما اراد الله شيئا القاه الي العرش و الحوتة التي ظهرت لها و دخلت في منخرها هو العقل و روح القدس الذي يوحي الله اليه و هو يوحي الي العرش و كل ما تراءت له بامر الله يرتعش من خوف الله تعالي فاذا اراد زلزلة ارض تظهر له بالهيبة و للعرش آثار بامر الله تعالي و جميع النجوم فلوسه اذ جميعها من فضل نوره و جميع ما يجري في ملك الله يوحيه اولا الي الروح و هو يلقيه الي العرش لانه مستواه و يلقي منه الي النجوم فكل ما اراد تحريك ارض خاص يحرّك الكوكب المربي لهذه الارض فيحرّكها فاصل الزلزلة من الكواكب و ذلك بتقدير الله تعالي فكل ما حصل في السماء نظر يقتضي حدوث الزلزلة في قطر و جهة و بلد يؤثر في الارض بحسب القابلية ثمّ لا شكّ ان شعاع الكواكب لايحرّك الارض الا بوسايط كما انه لايظهر ساير آثارها الا بوسايط و الاجسام اللطيفة لسرعة قبولها تكون واسطة بين الغلايظ و الافلاك فالابخرة و الادخنة تسارع في قبول الحركة قبل الارض فلايبعد ان يحدث فيها زلزلة شديدة فتتحرك الارض بسبب حركتها و لذلك كثيرا ما يحدث الرياح الشديدة قبل الزلزلة و بعدها و اما نفس الابخرة الحادثة في الارض فلاتورث الزلزلة فان البخار المتفرق في خلل الارض ليس له من نفسه هذه القوة ، هذا و اذا كان ميلها الي الخروج بقوة سبب الزلزلة فلمَ لاتقلع الارض المتزلزلة مع انها اولي بالانقلاع كما تري في الانبيق و رأس القدر اذا غلب البخار فيها بل ربما يكسرها اذا اشتد الوصل و لمَ لايكون الحركة دايما الي فوق بل ربما تحصل [ص 476] بالتموّج و تضعف بالتدريج و قد رأينا انها تموج من ارض الي ارض كالماء و الموج و لايتصور مثله في حركة البخار اذا اشتد الا ان يقال انه يتموج في الارض كالريح و ليس هنا فضاء يحتمل فيه ذلك و لايتصور مثله في الخلل و الفرج المشهودة في الارض ، هذا و لو كان السبب احتقان البخار لكان اللازم كثرة الزلازل في الاراضي البَخِرة و قلتها في الاراضي اليابسة و ليس ذلك امر مسلّم و كذلك يلزم من ذلك قلتها بسبب احداث الآبار الكثيرة و القنوات و ذلك ايضا امر غير مسلّم و بالجملة جميع ما يقال محض خرص و تخمين و كلامنا يصدّقه العقل و النقل فان الاصل و المنشأ من الافلاك كما ان اصل حدوث الابخرة و الامطار منها و يحدث في الابخرة المحتقنة و غيرها حركة مثل الزلزلة السريعة و لا مانع من ذلك فتتحرك الارض و ان شئت قلت ان الشعاع الملقي في الارض المهيج للبخار ايضا فلس من فلوس العرش او نفس البخار ايضا فلس منه لان مزاجه مزاج الحياة فقل و ان شئت قل انه عِرق من جبل قاف و لكل وجه وجيه و الحمد لله الذي وفّقنا علي فهم الاخبار و لاتزعم ان ذلك محض تأويل بعيد كما قال المجلسي ردّا علي من فسّر الاخبار بان الابخرة و الادخنة التي في تجاويف الارض بمنزلة عروقها و انما تتحرك لقوي روحانيته ان تأويل الآيات بلا ضرورة عقلية و معارضات نقلية جرأة علي الله و رسوله و انا اقول ان التأويل الباطل مع الضرورة ايضا جرأة عليه تعالي و لكن التأويل الصحيح امر جايز فانه علي مرادهم ان شاء الله مع ان هذا البيان غير التأويل المعروف بل هو تفسير في الواقع فان لهم اصطلاحا لايعرفه الناس و اذا حمل كلامهم علي الاصطلاح المعروف لصرف عن معناه و حمل علي غير مرادهم و بذلك انكر اكثر الناس اخبارهم اذ حملوها علي الظاهر من خوف القشريين و لكن اذا حملت علي المعني المراد لوضع كل شئ موضعه و يرون اهل الفهم انهم بيّنوا الواقع .
فصل - لما عرفت كيفية تكوّن البخار و الدخان اعلم انه قد اشكل علي [ص 477] عامة الناس معرفة السحاب و قال كل فيه ما قال فقال بعض كاخوان الصفا في كتابهم انه مؤلف من بخار متصاعد من البحر و دخان متصاعد من البر و قال بعضهم انه من البخار و بعد ما صعد في الهواء و ارتقي الي الهواء البارد يتراكم هنا فيصير سحابا و عن بعض اهل الافرنج علي ما اثبتوه في طبيعياتهم ان ذرّات البخار بعد صعودها في الهواء تنعقد بخارا غليظا و اذا صعدت كثيرا حتي غلب عليها البرد تنعقد كالثلج و يدعون انا وجدنا في صعودنا بالاسباب المخترعة لذلك سحبا صعدت الي ستةآلاف اذرع او سبعةآلاف تكون كملمولات من ثلج و اذا نظرنا اليها من الارض وجدناها كالقطن او جسم مركب من اوتار بيض و لهم بيانات في انواعها و لكنها مما شاهدوه بالحواس مع الدوربينات و ليس لهم تحقيق علمي في المقام كغيره و مرادنا بيان الحقايق و اما في الاخبار فقد بيّنوا الحقايق الا انهم بيّنوها علي اصطلاحهم ففي بعضها ان السحاب من شجر علي كثيب في ساحل البحر و في بعض الاخبار انها من البحر و في بعضها انها غربال المطر و بالجملة من كان متتبعا في الاخبار يعرف انه لميكن مرادهم بيان الوجوه الطبيعية بل كانوا يتكلمون بلسان شرعي يظهر به نوع عظمة و قدرة لله عز و جل نعم من كان ذا فراسة تامة يتمكن من فهم وجوه الحكم من نوع بياناتهم و اعلم ان الامر في ملك الله واحد و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت من دخل في الصناعة و قطّر بعض الاشياء بالقرع و الانبيق او القدر و المكبة لايحتاج بعد الي التحقيقات الناشئة من الحدس و التخمين بل من دخل الحمامات و عرف وجه تقطر المياه من سقوفها عرف سرّ السحب و الامطار فان ذلك سهل و الحمد لله اذا عرفت مما مضي ان الحرارة توجب الانحلال و البرودة سبب الانعقاد و البخار ماء منحل بسبب الحرارة و كل ما سخن رطوبة تتبخر و عرفت ان الشمس و النجوم بل الافلاك بحركاتها تسخن الارض و الماء و تبخر الرطوبات [ص 478] المحبوسة فيها و تبخر المياه و البحار و عرفت ان البخار ليس الا ذرّات مائية فاعلم انها تصعد من الارض و الجبال و البحار و اكثرها من البحار لانها منبع الماء بل يحكي انه يصعد منها ابخرة كثيرة احيانا بحيث تضرّ بالسفن اذا جرت فيها فيدفعون ح المدافع في الابخرة لخرقها و تفريقها و يذهبون من اوساطها و لا شكّ ان صعود هذه الابخرة ليست من طبع الماء فانه بطبعه مايل الي النزول لثقله و لكن الحرارة تصعدها فاذا منعت الابخرة من الصعود باسباب خارجية او بعروض برد مانع تمنع من الصعود و تجمع في حيّز واحد و تتراكم فتسمّي سحابا و هذا اول العقد فان العقد ضدّ الحل فصورة البخار ان كانت انحلالا فصورة الماء انعقاد البتة ثمّ اعلم ان الهواء له ثلث طبقات : طبقة عليا قريبة من الفلك و هي في غاية الثخونة ( السخونة ظ ) و اللطافة و تسمّي بالنار و هي كرة النار المعروفة و العوام يزعمون ان كرة النار نار صرفة و ليس هكذا كما ان ساير العناصر ايضا تسمّي باسمائها بالغلبة فكُرة النار هواء حار في الغاية و قد صار حارا بسبب الحركة فانه بلطافته يشايع الفلك في الدوران و الحركة السريعة توجب الحرارة و اما وسط الهواء فهو في غاية البرد لانه بعيد من مركز الحرارة لان اعلي الهواء بسبب لطافته يشايع الفلك و يتسخن و لايبعد ان يتأثر من نفس الافلاك و النجوم بسبب قرب المزاج و اسافل الهواء ايضا قد تتسخن بسبب الارض كما ستعرف و وسطه بعيد من الطرفين فيكون باردا و لذلك يسمّي بالزمهرير و اما اسافله فقريبة من الارض و غليظة لكونها مركبة من اجزاء ارضية و مائية و هوائية و اذا اشرقت الارض بنور الشمس و القمر و الكواكب تتسخن لانها جسم غليظ قابل لحفظ الحرارة كما تحفظ النور و كما ينعكس النور منه في الهواء ينعكس الحرارة ايضا فانك عرفت انه غليظ لتركبه من اجزاء هبائية فتتسخن سيما اذا صعد من الارض ابخرة و ادخنة حارة فلذلك لاتضعف اسافل الهواء حرارة البخار كثيرا فيصعد فيه فاذا كان ايام الصيف في ارض يقرب الشمس [ص 479] من سمت رؤسهم و يكثر حرارة الارض يكثر حرارة الهواء فيصعد فيه البخار الي ان يبلغ البرد فيقوم و اما اذا كان في ايام الشتاء و يبعد الشمس من سمت رؤسهم يغلب البرد علي الارض فيبرد الهواء و كل ما يصعد بخار فيه ينعقد في قرب الارض و لذلك يكون السحاب في الصيف ارفع منه في الربيع و في الشتاء انزل لبرد الهواء و ان كان السحب في الصيف قليلا ايضا فان الحرارة الكثيرة تفرق السحاب و تجففه مع ان البخار في الصيف اكثر البتة و في الشتاء كل ما صعد بخار تراكم حتي شوهد نعم في الشتاء ربما يكون بطون الارض اسخن من ظواهرها لحِكم اخري و حرارة بواطنها ايضا تعين علي التبخير و في الصيف يكون بعكس ذلك و لكن الحرارة الظاهرة في الصيف تكافي البرد الباطن و تزيد عليه نوعا و قال ابوعلي بن سينا ان البخار قد يتصعد بسبب الدخان المختلط به و بعد ما صعد الي حدّه يفارقه الدخان و يخرج من خلاله فلذلك يبرد في المقام و ربما ينعقد و ادعي اني رأيت مفارقة الدخان من البخار و بالجملة فعلة حدوث السحاب تراكم الابخرة لا غير و قد يحدث ذلك بسبب الرياح العاصفة من فوقه فانها تمنعه من الصعود فيقوم في محله و يتقطر و ربما تكون من الاطراف و تجمعها بالضغطة و ذلك يكون في بلاد جبلية تحبس الجبال السحاب من الانتشار و يضغطه الريح فيجتمع اجزاؤه و يتقطر كمثل المعصور و اعلم ان بعض انواع السحاب يحدث في قرب الارض بالليل و ذلك في ما اذا كان ابخرة غليظة بطيئة لاتتصاعد في الهواء او تصعد قليلا ثمّ تغرب الشمس فتتغلظ في المقام و تتقطر علي وجه الارض و النبات و ربما يحدث سحب في الجبال و البراري من ابخرة رقيقة تسمّي بالضباب و مثل ذلك كثير في البلاد الكثيرة المياه و اعلم انه لايبعد انعقاد الذرات السحابية في اعلي الهواء حتي تصير كذرات الثلج و لكن لايتصور اتصال اجزائها حتي تصير كالجمد فانها لو صارت هكذا لنزلت لانها تطلب حيّزا اسفل و اما الذرات الصغيرة كذرات [ص 480] البخار و الثلوج فلا مانع من قيامها في الهواء لخفّتها كما شاهدنا مرارا مثل ذلك في الهواء بعد نزول الثلج انها تهبط و تصعد كذرات الهباء و لايبعد ان يكون الجبال التي قال الله تعالي المتر ان الله يزجي سحابا ثمّ يؤلّف بينه ثمّ يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله و ينزل من السماء من جبال فيها من برد كناية عن هذه السحب و يستقيم المعني من غير تأويل و لكن كل المطر ليس من هذه الجبال اذ ربما يتقطر الامطار من السحب التي ليست في حدّ الجمد فان في طبرستان ربما يصعد البخار الي حد مائة ذراع و يتراكم و يمطر و من كان فوق هذا الحد يري السحاب دونه و هو في صحو و كتب بوعلي اني رأيت حين كنّا علي جبل و كان سحاب دون رأس الجبل علي وهدة كمكبة عليها و في تلك الوهدة قرية كان اهلها يمطرون بهذا السحاب و كنا في صحو و سمعت عن بعض الثقات انه ربما يتفق مثل ذلك في اقلّ من مائة ذراع فلايلزم ان يكون كل سحاب جمدا بل ربما يقوم السحاب في كل بلد حدّا يدرك بالدوربينات انه ليس الا بخار غليظ فقوله تعالي مخصوص ببعض السحب و اما ساير السحب فصفتها مبينة في ساير الآيات و اما ما قال عليه السلام انه يصعد من شجر علي كثيب في ساحل البحر ، ان كان حديثه صحيحا فهو حديث مشكل و قد حمله بعض علي سحب مكة خاصة و قال ان في ساحل بحر يمن محل يسمّي بالكثيب و مراده عليه السلام ان السحاب الماطر في مكة يصعد من ساحل البحر و حمل بعض الشجر علي النوع اي من نوع الاشجار و لو كان هذا الحمل صحيحا لايكون بعيدا اذ لا شك ان الاشجار و الرطوبات الزائدة تورث زيادة السحب و الامطار و ذلك مسلّم و مجرّب عند اهل الافرنج و يروي ان شجرا خاصا يكون من خاصيته انشاء السحب و لو كان صحيحا يسهل شرح الخبر الا انه يبقي الاشكال في معني الكثيب و يمكن ان يكون منبت هذا الشجر يومئذ الكثيب و لكني اقول ليس من البعيد من لحن الائمة عليهم السلام انه (ع) اراد بيان منشأ [ص 481] السحاب بدءا فانك عرفت مما مضي ان الفاعل في الملك النفس بامر الله تعالي و ذلك قاعدة مسلّمة عندنا و الطبيعيون يقولون انه الطبع و ذلك غلط منهم و يعبّر عن النفس في الاخبار بالشجر و الكثيب هو الطبيعة و هي الجبل الحافّ و الطور الذي كان يصعد موسي عليه السلام عليه الذي قسم بالعناصر الاربعة و هذا الجبل علي ساحل بحر المادة من فوق فبيّن عليه السلام ان منشأ السحاب هو النفس و ذلك حق لا ريب فيه و يظهر فعلها في الطبع و فعل الطبع في المادة و فعل المادة يظهر بواسطة المثال في السماوات فتنشأ السحاب الثقال من تلك البحار و في خبر آخر قال ان السحاب من البحر و لميذكر ساير العلل و ليس هذا المعني من اصطلاحاتهم ببعيد الاتري ما ورد في المطر انه ينزل من العرش الي السماء فينزل من سماء الي سماء الي السحاب و الجاهل يزعم انه محمول علي ظاهره فيستغربه حتي ينكره و لكن العارف بلحنهم يعرف مرادهم و كذلك قولهم في السحاب .
فصل - في ما ينزل من السحاب ، اعلم بحول الله و قوته ان السحاب هو ذرات البخار المتراكمة فاذا تراكمت بالعلل المذكورة سابقا تتثاقل و تنزل و لا شك ان الماء اذا رشّ من علو الي سفل يتقطر و لاينزل مجتمعا و ذلك مجرب لا شك فيه فان الهواء و البخار يخرق اجزاءها و يفرقها و كل ما كان ابعد من الارض كان القطرات اصغر و كل ما كان اقرب يكون القطرات اكبر و ذلك مجرّب معلوم لايحتاج الي تحقيق و في الخبر ان السحاب غربال المطر و في خبر انه يذيب الثلج و يغربله و وجهه ظاهر اما كونه غربالا فلان الابخرة تفرق اجزاء المياه النازلة بعد العقد و اما تذويبها فذلك فيما اذا صعد السحاب الي حدّ العقد و بعد ما بلغ هذا المبلغ ربما يذوب بحرارة البخار كما تري ان الابخرة تذيب الثلوج اذ لاتخلو من حرارة و اما الثلج فنزوله فيما اذا كان الهواء باردا كثيرا و يمنع البرد من ذوبه و ربما يقال ان السحاب اذا انعقد قبل التقطر يكون ثلجا فيثقل فينزل و يجمع بين هذه البيانات بان السحاب اذا علا الي حدّ الانعقاد فان [ص 482] كان الهواء النازل منه ايضا باردا لايذيبه و ينزل منعقدا و ان كان الهواء النازل حارّا و السحب النازلة متراكمة تذيبه و تقطره و ان كان الهواء باردا كما في الشتاء ربما ينعقد البخار في الجو ايضا و لايبلغ الزمهرير و ينزل من هنا و اما البَرَد فذلك فيما اذا تقطر السحاب و عرضه الانعقاد في الجو فان نزل من علو يكون حباته اصغر و ادور لذوبان تضاريسه في النزول بالاحتكاك في الجو و ان كان طريقه اقرب يكون حباته اكبر حتي انه ربما ينزل بقدر الليمون او اكبر او اصغر و حكي ابوعلي ان ببلاد جبل حدثت قطعة بردة وقعت من السماء فنقلت الي بدر بن حسنويه يزن كذا منّا و لو كانت المادة غير جامدة لكان منها القِطْقِط فان المطر يعرض له ان يكون اجزاؤه في ابتداء تكوّنه صغارا جدّا ثمّ يجمع فيكبر و يعرض له مرة اخري في الانحدار اذا طالت مسافتها ان ينفصل ماءا و يتجزأ كالماء المصبوب من موضع عالٍ وافي القرار و ربما يصير بردا بعد الاجتماع الاول او معه و يقلّ البرد في الصيف لان البخار الرطب الثقيل يقلّ فيه و في الشتاء لانه يجمد سحابا و تكثر في الخريف اذا استفادت الارض بلة بالنشف و قويت فيها لقلة التحلل و يقوي فيها الحرارة المعدّة للبرد فان الدخان اذا خالط البخار و صعد منه يشايعه الحرارة الثابتة في البخار فيتسلط عليه البرد و ذلك ظاهر لمن كان عالما بعلم اجماد الماء و لايغلب عليه الحرّ المحلل للمادة و اما الضباب الذي مرّ ذكره و هو البخار الغليظ المشهود في قرب الارض الذي يقال له بالفارسية نژ (ظ) فهو من جوهر الغمام الا انه ليس له قوام الغيوم فما كان منه منحدرا من العلو و خصوصا عقيب الامطار فانه ينذر بالصحو و ما كان منه مبتدءا من الاسفل متصعدا الي فوق لايتحلل فهو ينذر بالمطر و اما الطل فهو يتكون من البخار اليومي المتباطئ الصعود القليل المادة اذا ضربه برد الليل و كثفه و عقده ماءا فينزل نزولا ثقيلا في اجزاء صغار جدّا لايحسّ بنزولها الا عند اجتماع شئ يعتد به و ربما يعرضه البرد بالليل فينجمد و يسمّي صقيعا و ذلك يكثر في اراضي كثيرة الرطوبة و اطراف الانهار [ص 483] و الشطوط و المراتع و الجزاير و هذا من البخار نظير السحاب الذي يعرض له انه كما يأخذ في التكاثف و في ان يجتمع فيه حب القطر يجمد و لميتخلق الحبات بحيث يحسّ فينزل جامدا فيكون ثلجا و نسبة المطر الي الثلج نسبة الطل الي الصقيع و قد ينعقد ذرّات السحاب بعد الاجتماع القليل فتكون حبات صغيرة بين الثلج و البرد كمّا و طبعا تسمّي بالبرد الصغار و هي في الاغلب تنزل مع الثلوج .
فصل - و لما ان بينّا شطرا من خلق الغيوم و الامطار ناسب ان نذكر حكمة خلق بعض كائنات الجو كالهالة و قوس الرحمن و ساير ما يشبههما علي نهج الاختصار لخروجها عما نحن بصدده مع ان معرفة وجه ظهورها و رؤيتها علي التفصيل منوطة بعلم المرايا و في المقام مرادنا محض بيان حكمة جزئية مما يتعلق بتكوّنها فنذكر سرّ تخيّلها او رؤيتها بالتبع اما الهالة و هي دايرة بيضاء تامة او ناقصة تري حول القمر و غيره من الكواكب اذا كان دونها سحاب رقيق فاختلفت الآراء في سرّ ظهورها فقال بعض من المتعصبين علي اصحاب الشعاع ان سطح الغمام كري كساير الاجسام البسيطة و مما يدل علي كرية السحاب انه متشاكل البعد الي الارض و عن المركز قال و اذا وقع عليه شعاع القمر حدث من الشعاع و منه قطع مستديرة و قال من هو اقدم من هؤلاء ان الشعاع اذا سقط علي السحاب كان شبيها بحجر يلقي علي الماء فيحدث هناك موج مستدير مركزه المسقط قالوا و وسطه يكون كالمظلم لانه يتحلل لقوة الشعاع و قال ابوعلي انما الهالة خيال و لذلك يختلف منظره و انما يتخيل عن ضوء القمر او عن ضوء نيّر غيره لاشراق السحاب به علي سبيل التأدية لا علي سبيل التكيف به و ذلك اذا كان السحاب مائيا لطيف الاجزاء رقيقا لايغم القمر او الكوكب و ادي نفس الكوكب مع اداء شبح الكوكب لا علي استقامة ما بين الناظر و المنظور اليه و انما يري علي الاستقامة نفسه لا شبحه و انما يؤدي شبحه زايلا عن محاذاة الاستقامة التي بينه و بين الرائي ضرورة فاذا كان جميع اجزاء السحاب او [ص 484] اكثره مستعدا لهذه التأدية و كانت نسبة كل مرآة في وضعها من الرائي و الكوكب نسبة واحدة من جميع جوانب الكوكب وجب ان يكون ما يري من الهالة مستديرا ، الي آخر كلامه و مراده من التخييل هو ان يجد الحسّ شبح شئ مع صورة شئ آخر كما يجد صورة الانسان مع صورة المرآة فانه باعتقاده ليس لصورة الانسان انطباع حقيقي في مادة ذلك الشئ الثاني الذي يؤديها و يري معها و يستدل بانه لو كان لها انطباع حقيقي لكان لها مقرّ معلوم في المرآة و لماكانت تنتقل بانتقال الناظر اليها و في رسالة اخوان الصفا اما الهالة التي تكون حول الشمس و القمر فانها تدل علي المطر و رطوبة الهواء و ذلك انها تحدث في اعلي سطح كرة النسيم في وقت ما يرتفع الهواء الي هناك واحد (كذا) يتألف منه الغيم عليها و ان النيّرين اذا اشرقا علي ذلك السطح انعكس شعاعهما من هناك الي فوق و حدث من ذلك الانعكاس دايرة كما يحدث من اشراقها علي سطح الماء و يشفّ رسم تلك الدايرة من تحت ذلك الغيم الرقيق كما يشفّ من وراء البلور و الزجاج و يكون مركز فلك الدايرة مسامتا للبقعة التي تمرّ بها مسقط الحجر الخارج من مركز النيّر الي مركز الارض فكل من كان من الناظرين ذلك النير علي سمت رأسه يري المركز فوق رأسه و من كان خارجا الي احدي الجهات فانه يري مركزها في الجهة المقابلة و يكون قطر هذه الدايرة ابدا مثل سمك كرة البخار مرتين قلّ ذلك السمك او كثر و تقديرها اكثر ما يكون ستةعشرالف ذراعا .
اقول معرفة هذه المسألة منوطة بمعرفة كيفية الانطباع و قبول الاجسام الصقيلة للانوار و الالوان و اصحاب التعاليم لميعرف اكثرهم هذه المسألة و انكروها بالمرّة و قد اشتبه الامر عليهم لانهم وجدوا تغيّر اوضاع الاشباح في المرآت بالنسبة الي من يدور في جوانبها فقالوا لو كان الشبح منطبعا في سطح المرآت لكان اللازم عدم تغيّر وضعها و ظهور الشبح في محل خاص منها بوضع [ص 485] مخصوص و برهانهم ذلك برهان سخيف فان الاشباح ليست كالوان الاجسام فانها صور ثابتة علي المادة الجسمية و قد تطبع الجسم بها كحمرة الورد و صفرة الزعفران مثلا فان جسمهما صار ملونا بهما و لكن الاشباح انوار تنفصل عن الشاخص النيّر و تؤثر في الاجسام و كل جسم لطيف يكون اسرع في قبولها كما هو من شأن اللطيف و كل جسم غليظ يكون ابطأ في القبول و هي قاعدة كلية و حكمة جارية في كل الاعراض الاتري ان الصوت مثلا عرض من الكيفيات المسموعة يحدث من الصائت كائنا ما كان و يحمله ساير الاجسام بالتكمل علي ما هو الحق بمقتضي الدليل و التجربة التي هي اوضح من كل برهان اذ ليس شئ فوق العيان و سيجيء بيانه بعد انشاء الله و الهواء للطافته يكون اطوع و احكي له حتي انه اشتبه الامر علي جماعة بحيث زعموا انه لايحمله غيره و كذلك الرايحة كمال آخر للاجسام من المشمومات تؤثر من ذي الرايحة فيها و الهواء يكون اسرع انفعال للطافته و هكذا الامر في الانوار فانها من سنخ الالوان المبصرة و تؤثر في الاجسام مطلقا و كل جسم يقبلها بحسبها و الاجسام اللطيفة اسرع لقبولها فالهواء يتنور من النيّر قبل كل جسم كما انه يتصوت قبل كل جسم و يتروح قبل كل جسم و هكذا الامر في النور و اي شاهد لذلك اوضح من الكشف و العيان الاتري ان انوار النيّرات باشكالها و الوانها تنطبع في عينك و لا شكّ انها بانفسها لاتنفصل من مراكزها و ليس ما يصل اليك الا الوان باشكال خاصة فان النور ايضا لون كما اثبتناه في محله و لا شكّ ان اللون و الشكل عرض و العرض بنفسه لايسير و لايقوم بل لايكون موجودا فلا بدّ من مادة تحمله و ليس المادة بينه اي النيّر و بينك الا الهواء او ما يشبهه من الاجسام فهو الحامل لا غير نعم الجسم المتكمل ان كان لطيفا لايري بنفسه و لكنه بنفسه يؤدي النور اليك كما انه لايري و لكن يؤدي الصوت و الرايحة نعم يشترط في ادراك النور من النيّر بواسطة الهواء بعض الشروط و هي لاتنافي انطباع [ص 486] النور في الهواء و كذلك الامر في الاجسام الصقيلة فانها ايضا تتكمل بالانوار و الالوان و الاشباح فان كان جميع ثخنها صقيلا كالبلور ينفذ فيها النور كما ينفذ في الهواء و لايري و ان كان وجهه صقيلا و ساير سطوحه الداخلة غير صقيلة ينطبع النور في سطحه الظاهر و لاينفذ في جميع سطوحه و لصقالته يحكي عن الضيّء علي ما هو عليه و ينعكس منه النور في ما يواجهه و هذا تمام المسألة .
بقي الكلام في وجه تغيّر الاوضاع في المرآة و الماء فاعلم ان الشبح لايظهر في المرآة الا اذا كانت مقابلة للشاخص و كذلك لاينطبع منها في العين الا مع المواجهة التامة و ذلك كما في المرآت المواجهة لك فان شبحك ينطبع فيها و ينعكس منها في العين و كذلك تري شبح غيرك منها فانه ما لمينطبع الشبح في العين لاتري و لاينطبع الا في حال المواجهة فاذا وقع شبح شئ في المرآت و قمت مواجها لها بحيث صار الشبح في طرف خط عمودي يخرج من عينك الي سطح المرآت تري و ان ملت من هذا الخط لاتري هذه الجهة و لكن اذا قمت من جهة بحيث يكون الخط الخارج من سطح عينك عمودا علي نقطة من المرآت يكون الخط من الشاخص من جهة اخري عمودا عليها بحيث يكون العمودان محيطين علي زاوية معينة تري حينئذ هذه الجهة من الشاخص و ان كان هو ايضا رجلا ناظرا تراه ح و هو يراك و ربما لايري هو نفسه و انت لاتري نفسك و بالجملة بتغير الاوضاع تري ساير سطوح الشاخص و ربما تزعم انه رأيت ما رأيته قبل و ان دققت النظر تعرف المسألة ، فاذا عرفت هذه المسألة فاعلم ان اباعلي لهذه الشبهة المعضلة قال ان السحاب يؤدي الشبح و لكن لاينطبع فيه و هو غافل عن ان التأدية بغير الانطباع محال فان المرآت ان لميتلون بلون الشاخص كيف يؤدي فلا فرق في هذه المسألة بين المرآت و الجدار ابدا فان كليهما يتلونان بلون الشاخص الا ان المرآة لصقالتها تؤدي علي ما هو عليه كما تحكي هكذا و الجدار لاختلاف سطوحه [ص 487] لايواجه الشاخص مواجهة تامة كما هو مبرهن في محله فلايحكي النيّر علي ما ينبغي اذ يواجه كل جزء منه جهة فيتركب صفحة الجدار من اشعة مختلفة فيري صفحته كقطعة ضيئة و بالجملة طال بنا المقال مع اني ماكنت بصدد التطويل و حاصل المراد ان اباعلي لهذه الشبهة اخطأ في كلامه الا ان نأول كلامه بان السحاب مثله كالزجاجة ينفذ فيها الشبح و لاينعطف الي جانب العين لعدم الحاجب بخلاف المرآت فانها ينفذ فيها الشبح الي ان يصل الجسم الغليظ المدبر تحتها فيحجبه و ينعطف نحو عين الناظر فعبّر عن مراده بهذا اللفظ المتشابه و لكنه بعيد و لانحتاج الي بيان بطلان ساير ما اخطأ فيه و اما قول من قال بان سطح الغمام كري فهو كلام خال من التحقيق فان الكرة ان كانت صغيرة في غاية الصغر يكون قطعة صغيرة منه مواجهة للنيّر و تتنور و لايتنور ساير اجزاء الكرة و ذلك مسلّم ثابت بالادلة الهندسية و لكن كرة البخار كرة كبيرة و سطحها الاعلي بحسب سطحها الداخل البتة فيكون اكثر الربع الاعلي مواجها للنيّر و الهالة دايرة صغيرة محدودة و وجه آخر انه لو كان حدوثها بهذه الجهة للزم رؤيتها من محل خاص دون ساير المحال و نري انها ربما تري في اكثر المحال التي تظهر هذا السحاب فيها نعم من كان القمر في سمت رأسه يري الدايرة حوله و القمر في مركزها و من كان معه بنسبة اخري يريها بوضع آخر و بالجملة هذا قول ضعيف و القول الآخر ايضا محض مثال خال من التحقيق ان اراد محض ظهور المسألة و ان اراد ان النور يموج السحاب فبطلانه ظاهر و اما قول اخوان الصفا فلايخلو من بعد فان اجزاء السحاب ليست الا كاجزاء الماء و ربما ينعكس منها النور ان كانت غليظة في الجملة و لكن الكلام في وجه ظهوره كالدايرة في بعض الاحيان فان نفس الانعكاس لايكون سبب ذلك و الذي اظنّ و الله العالم بحقايق الامور ان سبب حدوث الدايرة وقوع السحاب من القمر بوضع ينعكس النور الواقع منه في موضع في اطرافه بسبب اختلاف [ص 488] درجات السحاب و حيّز اجزائه فيصير دائرة ان وقعت بهذه النسبة و الا فلاتري دايرة بل تري كقطعة بيضاء ان كانت رقيقة او بغير هذا اللون ان كانت غليظة و لو كان مطلق كرية السحاب سبب ظهور الدايرة لكان اللازم ظهورها مع كل سحاب رقيق و الحال انا نري سحبا رقيقة برقة سحاب الدايرة و لاتري الا قطعا بيضاء و بالجملة العالم بجزئيات الامور و الحوادث آلمحمد عليهم السلام و لكن مقتضي الادلة ما ذكرنا و قلّ ما يتفق حول الشمس هالة لأن حرارتها تحلل الرطوبات القليلة و لكن مع ذلك قد يتفق و قد يتفق هالة فوق هالة اذا وقعت سحابة بهذه الصفة تحت سحابة و التحتانية تكون اعظم من الفوقانية لانها اكبر و يكون اكثر اجزائها حاكية لنور القمر او الشمس و اما دلالتها علي المطر ان كانت دايرة تامة و علي الرياح ان كانت دايرة ناقصة فمن جهة ان نفس الهالة تحدث من اجزاء رشية مائية و هي دالة علي حدوث سحاب ماطر فان كان من احد جوانبه ناقصا يدل علي ان من هذه الجهة حرارة محللة للرطوبة محدثة لدخان يكون سبب حدوث الرياح و لكن ذلك ايضا لايكون قاعدة كلية حاكمة في كل حال .
و اما قوس الرحمن و يسمّونه قوس قزح و هو غلط لأن قزح اسم الشيطان فاختلف فيه آراء اصحاب الطبيعة و التعاليم و قال فيه كل ما قال و قد انصف ابوعلي من نفسه حيث قال قد حصلت عندي من امره احوال و بقيت احوال لماتحققها بعد و لايقنعني ما يقال فيها قال اما ان هذا العارض لا بدّ من ان يكون وراءه في اكثر الامر سحاب مائي مستوي الاجزاء فامر يوجبه المشاهدة لان هذا الاثر لايكون في نفس السحاب البتة هو الذي يؤدّيه لكن البصر يغلط فلايميز بين مكان مرآته و بين السحاب الذي يكون وراءه فاول ما عرفت هذا هو في البلاد الجبلية فقد شاهدت فيها مرارا كثيرة سحابا يتولد مع مثله هذا الاثر و كان ذلك السحاب مشرفا شاهقا و جهته حيث جهة الجبل و ظهر الاثر فوقع بصري اول ما وقع علي ذروته و منتصف قوسه و تخيلت انه في ذلك السحاب فلما تأملت اسافله كان [ص 489] قايما فيما بيننا و بين الجبل قياما في الجو و انه لولا الجبل يتوهم انه في السحاب الكدر و رأيت القوس مرّة و هي مرتسمة في الجو المصحي قدام جبل الا ان ذلك الجو رطب مائي من غير ضباب و لا شئ و كان موضعه ما بيننا و بين الجبل لايزيد عليه ارتفاعه ، الي آخر ما قال و حاصل مطلبه ان البخار الرقيق بمنزلة المرآت فان كان شئ مظلم كجبل او سحاب ينعكس منه النور الي ما يلي الناظر و الا فلايظهر له بل ينفذ النور فيه الي وراء و اصرّ علي ذلك و استشهد بما رآه في اماكن متعددة و ادعي انه رآه فوق السحاب في بعض الجبال ثمّ قال في وجه اختلاف الالوان لعله انما لايكون منيرا ابيض لان مرآته بعيدة عن النير ليس كما يري في الهالة فلذلك يختلط الضوء الخيالي بشئ من جنس الظلمة فيتولد حمرة و ارجوانية و غير ذلك و قال في شكله انه يجب ان يكون مستديرا فان الشمس اذا كانت علي الافق وجب ضرورة ان يري من القوس نصف دايرة و ذلك لان القوس ليس وضعها وضع الهالة موازيا للارض حتي يكون جميع ما تخيّله مرئيا فيري الخيال و انما وضع القوس وضع مقاطع للافق لا موازٍ له فاذا كانت الشمس علي الافق قطعت الافق من الدايرة الموهومة له نصفها لا محالة و ان ارتفعت الشمس ارتفع محور المنطقة فانحطت المنطقة لا محالة فتقطعت القوس لا محالة حتي اذا ارتفعت الشمس لميكن قوس و اما اذا كان ارتفاعها الي حدّ كان قوس فلذلك يجوز ان يحدث القوس في بعض البلاد في انصاف النهار و لايحدث في الصيف لقلة ارتفاع الشمس في انصاف النهار في الشتاء و كثرته في الصيف و قال في حكمة كون الالوان ثلثة مع مرافقة لون اصفر اياها في بعض الاحيان فليس يمكنني ان اقف علي السبب فيه و قيل ان السبب فيه اختلاف وضع سحابتين و امتزاج لون ثالث منهما و قيل ان الناحية العليا يكون اقرب الي الشمس و انعكاس البصر اقوي فتري حمرة ناصعة و ان الناحية السفلي ابعد منها و اقلّ لذلك اشراقا فيري في الطوق الثاني حمرة الي السواد [ص 490] و هو الارجواني و انه يتولد فيما بينهما لون كرّاثي كأنه مركب من اشراق الحمرة الفوقاني و كدر ظلمة السفلاني ، اقول جميع هذه البيانات محض خرص و تخمين فانه لا شك ان البخار جسم لطيف لايقوم بصورة خاصة مدة معتني بها فما قيل ان البخار الحاكي للقوس كنصف كرة مقعرة تقع الشمس في تقعيرها قول بعيد فان البخار بعيد ان يصعد هكذا و يقوم بحاله مدة ، هذا و ان الثقات رووا انهم شاهدوها في الصحو ايضا و كذلك العلل المذكورة في انعكاس الانوار المختلفة ايضا لايكون علة كما لايخفي علي المتأمل و لانطيل و احسن القول قول ابي اعلي الله مقامه انه ليس كرة سحابية قبالة الشمس و لا بخار كري و انما هو عكس من الشمس يقع في ابخرة لطيفة رقيقة مشفّة تليها يعني هي واقعة بين الشمس و بين موضع القوس ثمّ ينعطف عن تلك الابخرة الي موضع القوس و لا بدّ و ان يكون موضع القوس ايضا فيه ابخرة لطيفة مشفّة و آية ذلك انك لو اخذت كرة بلور بل قطعة بلور و ان لمتكن صحيحة الاستدارة (ظ) و لو كان لها تضاريس و دخلت بيتا مظلما له كوة يقع منها نور الشمس فطرحت علي مطرح ثوبا اسود او ادخلت البلورة في الشمس انك تري انه يظهر منه قوس ذات الوان و تقازيح كالتي في الخارج فان قابلتها بثوب ابيض رأيت قوسا تعجب منه و ليس في الثوب الابيض سحاب كري و انما وقع شبح الشمس في البلورة و انعطف منها فظهرت الالوان و كذلك اذا وقع سحابة كالبلور لطيف مشفّ في جانب الشمس و انعطف عنه الضوء الي موضع القوس رأيت فيه علي هيئته قوس و له تقازيح اذا كانت الاوضاع علي حسب ما بينّاه في البلورة المثلثة السابقة بل لو اخذت البلورة المثلثة السابقة لرأيت عكس تقازيحه في الثوب الابيض و سرّ الالوان ما ذكرنا و قد بيّن اعلي الله مقامه سرّ اختلاف الالوان الظاهرة من البلورة اذكر كلامه بعينه :
قال بعد ما ذكر حكمة الانطباع في البلورة و الظهور للعين : ان لتلك التقازيح مادة و صورة اما مادتها فلا شك انها الضوء لانها انوار و ما لميكن ضوء فلا تقازيح [ص 491] و انما الكلام في صورها و لا شك ان هذه الصور ليست في الخارج بالفعل محسوسة حتي تنطبع في المرآت فوجب ان يكون علتها الصورية من البلور كما ان العلة المادية لها من الخارج اذ لا ضوء للبلور نفسه و تلك الالوان مختلفة فلنتفكر في امر البلور كيف يختلف حالاته فنري البلور اذا قابلنا سطحه بسطح العين موازيا له يكون شافّا و يري فيه اشباح ما ورائه و لايري نفسه و اذا جعلنا طرف سطحه مقابلا للعين بحيث يكون قائما علي سطح العين يكون حاجبا لما وراءه و يميل لونه الي الخضرة و لو كان عريضا مال الي السواد ثمّ يسود فرأينا يختلف صفاته بسبب اختلاف الاوضاع يكون ما بين هذين الحالين بين بين يعني كل ما يميل الي التوازي يكون اشفّ و كلما يميل الي التحريف يكون استر لما وراءه حتي انه عند قرب منتهي التحريف يصير لنا مرآتا يكشف عما امامه و يستر ما وراءه فاذا اخذ سطح بلور موازيا لسطح الارض فان نظرنا اليه من جهة العمود عليه رأينا تحته و كل ما نميل عن جهة العمود يصير استر لما تحته الي ان يصير خط نظرنا منطبقا علي سطحه فلايري منه سوي الطرف خط اسود و انما ذلك لانه اذا تراكم اجزاؤه الجوهرية و القي بعضها ظله علي بعض لأن الجسم المرئي لايخلو من ظل و كل بحسبه و كثر الاظلال و الاجزاء اسود لا محالة و لذلك يري لون ماء البحر اسود لتراكمه و رأينا البلور له الالوان مختلفة من البياض الشافّ الي الزرقة الي السواد فصلح لأن يكون منه صورة الالوان فلنتكلم الآن في العلة المادية اما الضوء الآتي من الخارج فلا شكّ انه ايضا يختلف بحسب الاجسام المستضيئة فان كان الجسم اشدّ صقالة كان الضوء الآتي منه اشدّ بريقا و ان كان اكدر كان اقل بريقا و كذا يختلف بحسب الالوان فاكثره اشراقا الآتي من الابيض ثمّ الاصفر ثمّ الاحمر ثمّ الازرق ثمّ الاخضر ثمّ البنفسجي و غير ذلك من الالوان فعلي حسب درجتها فالاضواء في نفسها ايضا لها اختلاف فكل لون يكون اشدّ اشراقا اذا قارن لونا آخر ادني منه بدرجة احسّ النفس في الادني ظلمة [ص 492] فان ضعف النور بسبب ممازجة الضدّ و ضدّه ظلمة البتة فكل نور ضعف فيه شوب ظلمة فلايميز ظلمته الا اذا قارن نورا انور و كذلك اذا قارن نوران قوي و ضعيف و اتصلا حصل بينهما برزخ و نور بين بين فان النور الاقوي لا بدّ من ان يضيء الاضعف و اضاءته اضعف من نفسه فيستضيء طرف الاضعف الي مسافته مقدرة بنور الاقوي فيحصل في تلك نور برزخ بينهما و اعتبر ذلك من شاخص تقيمه في الشمس فتري اطراف ظله يرق قليلا قليلا حتي ينتهي الي النور فبين الضوء و الظل حالة برزخية و الظل هو النور الاضعف و هذا هو الحالة بين النورين و ان اردت اعتبارا اقوي فاجعل ثقبة في حايط بيت و اقم قبال الثقبة شاخصا احمر بحيث لايعم شبحه الثقبة يكون في تجاه الثقبة و ادخل البيت و سدّ المنافذ فانك تجد ضوء الثقبة علي الحايط المقابل و في وسطه ضوء الشاخص احمر و اطرافه يرق شيئا بعد شئ حتي ينمحي الحمرة الي البياض ، الي ان قال : اذا وقع ضوء الاشياء الضيئة في البلورة و حصل الانعطافات فكل جزء من الشبح كان بعيدا عن غير مشاكله بان كان في اوساط السطوح فيري كما هو لان لون نفس السطح اكثف و اظهر و كل جزء منه كان قريبا من الطرف و هو ما يقارن غير المشاكل فذلك الجزء من جانب الاضوء اكدر و من جانب الاكدر اضوء ففي ضوء الطرفين امتياز عن ضوء الاوساط فاذا جاءت الاشباح الي البلورة انطبعت فيها و البلور جسم مرئي شفاف بخلاف الهواء فانه شفاف غير مرئي فما ينطبع فيه لايتبين و اما البلور فاذا انطبع فيه شبح انصبغ به و تبين الصبغ كالماء الذي يحمر كله في الاناء الاحمر فكل جزء له حالة شفافة و حالة قبول الرؤية فكل جزء منه كالمرآة فاذا انطبع فيه ضوء من الضيئات و انعطف الي سطح آخر انصبغ اجزاؤه من تلك الاجزاء و انطبع في سطوحه لكن اذا كان السطح موازيا لسطح عينك كان الضوء المنطبع فيه ارق لانه حينئذ شفاف في الغاية و اذا كان منحرفا كان الضوء الواقع فيه اغلظ البتة لغلظة البلور و تراكم اجزائه و اظلالها [ص 493] فاذا شاب النور بتلك الاظلال تفاوت كدورته و صفائه و لونه البتة و كل شبح اتاك من زاوية حادة اغلظ و اكدر و كلما اتاك من زاوية منفرجة يكون اضوء و انور و لما كان نور الشمس بنفسه اصفر و لميتغير كثيرا تغيّر في السطوح البيض و ما يقاربها فاذا وقع شبحه في البلور يكون عند الزاوية الحادة اصفر متراكم و الاصفر اذا تراكم احمر لاسيما و عند الزاوية الحادة يشوبه كدورة الاظلال و لاسيّما اذا كان اصفر من طرف السطح الابيض المتكثف بكثافة المقارن المضطلم و ظلمته كما بينّا فباجتماع هذه الاسباب يحمر طرف شبح كل ابيض و ما يقاربه حمرة ارجوانية ، و بالجملة كلامه طويل خارج عما نحن بصدده و مجمله انه اوضح و بيّن اللون الظاهر في كل زاوية و بيّن ما يتولد منها و انت بعد ما تدبرت فيما روينا من كلامه تعرف ما يظهر في كل زاوية من الالوان و ما يحدث منها بعد التأليف و قس علي ذلك ما يحدث من الالوان في القوس و ربما يشاهد مثل هذا القوس في المياه النابعة من الفوارات بعد الانتشار و في ابخرة الحمامات و في شعور السودان و امثالها و انت بعد ما عرفت الحكمة في ظهورها لايشتبه عليك الامر فلايشترط في ظهورها كون البخار ككرة قعراء علي ما قال ابوعلي و لا وجود سحاب من ورائه اذ قد يري في الصحو و انا بنفسي رأيت القوس بعد العصر في بعض التلال انه كان بعضه في سطح الجبل كأنه متصل به و بعضه كان مرتفعا في الجو و قد يتعدد القوس و ذلك ايضا مجرّب و قد يتفق بالليل القمراء (كذا) و لكنه ابيض بل يحدث احيانا من ضوء القمر في مياه الفوارات و حكي شارح المقاصد انه رأي بالليل قوسا في خلاف جهة القمر علي الوان قوس قزح الا انها كانت اصغر كثيرا و كانت بحيث يكاد يتم دايرة و لميكن الوانها في صفاء الوان الشمسية و لكنه بعيد في الغاية و لعله قد اشتبه عليه الامر و يكفي هذا القدر من بيان وجه تكونه و في الخبر انه يدل علي الرخص و وجه ظاهر فانه لايتكون الا في وقت زيادة الرطوبات المولدة للسحاب المطير و المطر اصل جميع النعم و لعل له وجوها [ص 494] اخر لايبلغها عقولنا .
فصل - و لما اتينا علي مجمل من امر الهالة و القوس ناسب ان نذكر كيفية تكوّن الرعد و البرق و الصاعقة و الحريق نعوذ بالله منها ، قد عرفت مما اسلفنا ان المتصاعد من الارض بخار و دخان اما البخار فهو اجزاء رطبة متصاعدة من الرطوبات الارضية و اما الدخان فهو اجزاء يابسة دهنية لطيفة متصاعدة و الدخان للطافته يطلب مركزا اعلي بل قد يصعد البخار ايضا بقوته و بعد ما وصلا الكرة الزمهريرية يبرد اجزاء البخار فتمنع من الصعود و تقوم حتي تتغلظ و معها الدخان و هو يميل الي الاعلي مع ان البخار لانعقاده يمنعه و هو يصعد بعنف فيخرق السحاب و يمزقه فيحدث صوت من اصطكاك اجزائهما و ربما يدفعه الي الجهات او الي جهة و لذلك ما تري ان السحاب اذا ارعد الدخان يجري سريعا و يقبل و يدبر و كثيرا ما يكون مع الرعد ريح يموج السحاب و يجري به و قد ورد في الخبر انه ملك له مخاريق يزجر السحاب بها و المراد من الملك روحانية الدخان فان روحه ملكي لانه ناقص في وجوده و المخراق ثوب يلف ليزجر به و قد شبه الدخان بالثوب لرقته في المادة و يخرج بسبب خرقه صوت كهايهاي فقال عليه السلام انه صوت الملك و قال ابوعلي في صفته هذا الدخان الراعد انه يحتبس في البخار المعقود بالبرد مع انه مايل الي الصعود و اعالي البخار لشدّة البرد هنا اكثر انعقادا فهي اشدّ منعا من صعود الدخان فيرجع الي الاسفل و يمنة و يسرة و هو ريح عاصف و الريح اذا هبّ في الهواء يصوت من اصطكاك الهواء مع لطافته فكيف اذا هبّ في البخار الغليظ فيحدث منه صوت عجيب يسمّي بالرعد و اكثر ما يتفق الرعد في الربيع اذ في الشتاء يغلب البرد علي الهواء فيضعف حرارة الدخان و ينعقد مثل البخار بل صعوده من الارض اقل و لذلك يكون الرياح ايضا اقلّ في الشتاء و في الصيف يكثر الدخان و يقلّ البخار لانه يتحلل بسبب الحرارة و لذلك يكون الصحو غالبا فيه و في الخريف في اوايله يمنع الحرارة من ذلك و في اواخره [ص 495] يمنع البرد و قد يتفق الرعد و اما في الربيع فالرطوبات كثيرة و قد حفظت في الخزاين مدة الشتاء و تتصاعد بحرارة الشمس في الربيع و الدخان معها و لايبردها الهواء كثيرا فيكثر الرعد باذن الله و اما البرق فهو باشتعال الاجزاء الدخانية التي خرج منها القوة البرقية بنفس الاصطكاك او شبهه و ليس يلزم وصوله الكرة النارية حتي يشتعل بل لنفس الدخان طبيعة فسفورية تشتعل بالاصطكاك او حركة سريعة كما قد يتفق مثل ذلك في المعادن الكبريتية و بطون الارض فبعد الاصطكاك و القمع يشتعل الدخان ثمّ تشتعل الاجزاء المتصلة بالمشتعل (ظ) و للطافة المادة تحترق سريعا و لاتدوم و انت اذا نظرت في البرق تراه كأنه يتموج كالدخان و البخار المتموج و وجه ذلك ان المادة متموجة متحركة مع انها متفرقة في الاجزاء البخارية هكذا فتشتعل و مثل ذلك يسهل دركه لاهل بلادنا اذ كثيرا ما يتفق انه يحدث من امرار اليد علي الاقمشة البيض الطاهرة سيّما اذا كانت من صوف و وبر او السود نار لطيف كالبرق و صوت كما يحدث بفلكة الماس بل قد يحدث ذلك بمحض تقريب الايدي و قد جرّبنا مثل ذلك في حال المصافحة و يحدث مثل ذلك في الفلزات و بالجملة ذلك امر مسلّم لا شك فيه و كذلك امر البرق و قال ابوعلي قد يعرض ان يمطر في بعض البقاع التي في جوهرها سبخة و لزوجة دهنية ثمّ يتصعد من تلك البقعة ابخرة دسمة لطيفة فيشتعل من ادني سبب شمسي او برقي و يري علي وجه الارض شعل مضيئة غير محرقة احراقا يعتد به للطفها و يكون حالها كحال شعلة القطن المنفوش بل كحال النار التي تشتعل في بخار شراب مجعول فيه الملح و النوشادر اذا وضعت فيه فتيلة في خمر فقرب من بخاره سراج فاشتعل و بقي مشتعلا مدة قيام علي ان المطر يكون الطف و ارق كثيرا و اعلم انه لايكون برق الا و معه رعد لانه لايكون الا من دخان مضطرب يضرب في الغمام ثمّ يشتعل و لكن البرق يري قبل سماع صوت الرعد و قد قصر نظر ابيعلي في حكمته علي وجه واحد قال ذلك لان مدي البصر ابعد من مدي السمع [ص 496] فان البرق يحسّ في الآن بلا زمان و الرعد الذي يحدث مع البرق يحسّ بعد زمان لأن الابصار لايحتاج فيه الا الي موازاة و اشفاف و هذا لايتعلق وجوده بزمان و اما السمع فيحتاج فيه الي تموج الهواء و ما يقوم مقامه ينتقل به الصوت الي السمع و كل حركة في زمان و لهذا ما تري وقع الفاس و هو اذا كان يستعمل في موضع بعيد قبل ان يحسّ بالصوت بزمان محسوس القدر و اما اذا قرب فلايمكنك ان تفرق بين ذلك الزمان القصير و بين الآن اقول انه علم شيئا و غاب عنه شئ فانه ربما يكون الرعد من بعيد و نري شعلة البرق قبال العين بحيث يحسّ في مقام الناظر و يسمع صوت الرعد بعده و ربما يري البرق ايضا في البعيد و محض المواجهة ليس باعث الرؤية بل لا بدّ من انطباع النور و النور ايضا شئ يسري كما ان الصوت ايضا يسري و ليس في كل حال بحدوث البرق الي مكان الناظر فان ذلك في حال يكون الغيم قريبا و المادة موجودة الي مقامه و وجه ذلك ان النور صورة مثالية دهرية و يسري في الزمان سير دهري و لذلك يطوي المواد و يمشي بسرعة حتي ان حكماء الافرنج عيّنوا بالقواعد المسلمة و الموازين المعلومة عندهم ان نور الشمس يأتي من فلكها الي الارض في ثواني . . . و كذلك الامر في نور البرق فانه يأتي من رأس خمسين فرسخا في طرفة عين و الصوت و ان كان ايضا من الامثلة و لكن المواد لاتصلح لحكايته بسرعة و لا بدّ من تكملها به شيئا فشيئا فانه يحدث بالقرع او القمع و ذلك يظهر في الهواء في الاكثر و هو يتصوت غالبا بمثل ذلك و ذلك يستدعي مدة معلومة و لكن بعض المواد يحكيه اسرع كما ان مفتول التلغراف يقبل الحركة دفعة و ان كان طويلا في الغاية و ذلك لصلاحية المادة و الصوت ايضا صفة كالحركة يختلف تكمل الاجسام بها بحسب السرعة و البطئ و الهواء و ان كان سريع القبول للاصوات للطافته الا انه كما يكون سريع القبول يكون سريع التحول و التغير للطافته و انتشاره و كثرة تموجه الاتري ان الرياح تمنع الهواء من [ص 497] ايصال الصوت الي الجهة المخالفة و تضعفه في الايصال الي الجهة الموافقة ايضا الا ان تكون ضعيفة فتعين علي سرعة الوصول و سيجيء الكلام بعد في بيان الاصوات و حواملها و الحاصل ان البرق سريع السير بالنسبة الي الصوت و لذلك يري قبل سماع الرعد و لانريد في المقام اكثر من هذا البيان و قال ابنسينا ان البرق في اكثر الامر هو الحركة الريحية التي يحدث صوتا و يشتعل اشتعالا و ربما كان البرق ايضا سبب الرعد فان الريح المشتعلة تطفأ في السحاب فيسمع لطفوها صوت بعده بزمان و السبب في حدوث ذلك الصوت ان السبب الاول انه يحدث من مفاعلة ما بين الرطوبة و النار حركة عنيفة سريعة هي سبب الصوت كما انا اذا اطفأنا النار فيما بين ايدينا حدث صوت دفعة لحدوث حركة هوائية عنيفة دفعة لقرع ذلك المتحرك ساير الهواء بحركته السريعة او المائلة قرعا شديدا يحدث منه الصوت اقول قد اشتبه عليه الامر و ليس سبب قرع الهواء الانطفاء بل الانطفاء و الصوت كلاهما مستحدثان من حركة اخري كالنفخ او الريح او ضرب في الهواء ينقطع به الدخان عن الفتل و ينتشر في الهواء فينطفي و الحركة سبب الصوت الاتري انه لو انطفي سراج من نفسه لفناء الدهن او الفتل لايصوت ابدا فانطفاء البرق لايتسبب الرعد هذا بالدليل العقلي القاطع لبرهانه مع انه ليس برهانا بل صرف قياس شئ غير معروف الي شئ غير معلوم و اما من النقل الذي يكون برهانا قاطعا فقول الامام (ع) في صفة حدوث الرعد و البرق ان الرعد صوت الملك الزاجر للسحاب و البرق يحدث من قرع مخاريقه فما اصرح قوله روحي فداه في ان الرعد علة للبرق لا العكس ثمّ اعلم انه لايكون برق بلا رعد نعم ربما لايسمع صوته لبعد محله و لكنه قد يتفق رعد بلا برق لجهات منها كثرة الرطوبة المطفية للنار كما انك اذا حككت الفسفور في الماء لايشتعل و نفس الفسفور الخالص يحفظ في الماء عن الاشتعال و لو بقي في الهواء حتي جمد يشتعل بنفس حرارة الهواء او تموجه و ربما يكون الاصطكاك الحاصل [ص 498] من ضرب الدخان الراعد ضعيفا لايبرق بالجملة حكم الجزئيات و اسرارها كثيرة يصعب احصاؤها في السطور و يعرفها الحكيم الماهر في نفسه ،