تذييل - ما اجهل من زعم ان النفس هي الله تعالي و ليس ذلك الا شرك عظيم بل كفر بالله تعالي فان النفس هي صورة محدودة متعلقة بموضوع غيرها فهي مركبة و كل مركب مثني و كل مثني قابل للتجزية و كل مجزي حادث و تعالي عن ذلك علوا كبيرا و بعبارة اخري نقول انها اي تلك الصورة و النفس الظاهرة في مادة زيد تكون كل الله تعالي او بعضه فان كانت كله فما في عمرو ايّ شئ هو مع انه لا شك و لا ريب في مغايرة عمرو مع زيد و لايقول عاقل انه هو و يشهد بذلك اختلاف طبايع الناس و آثارهم و حالاتهم و العاقل يكتفي بالاشارة و الجاهل لايكفيه الف عبارة و ان كانت بعضه فيلزم من ذلك تجزيه اولا و عدم كون النفس هي الله ثانيا و بالجملة هذا قول عليل لايقبله مؤمن و ان كان حاصل كلمات الصوفية سيّما اهل ذوقهم ايضا ذلك و لكن ليس من شأننا نسبة رأي الي احد الا بعد تصريحه و اهل العلم يعرفون فساده .
فصل - اعلم ان ما من العالي ابدا متوحد و لا اختلاف منه و ما من العالي ( الداني ظ ) ابدا متكثر مختلف فجميع الاتحاد من العالي و كل الاختلاف من الداني و ما منه خير و نور و لذلك يعبّر عنه بجهة الرب و ما من الداني ظلمة و تكثّر و اختلاف و لذلك يعبّر عنه بجهة الظلمة فالنفس في صدورها من مؤثرها في كمال الوحدة و الاتفاق و النورانية و بعد ما تعلقت بالمواد تشعبت و اختلفت شؤنها و صورها بل هنا تنوعت و تسنخت و قيّدت و خصصت اذ جميعها بواسطة الكثرات و هي من الاسفل لا من الاعلي فالنفس المطلقة في مقامها و حدّها في غاية الوحدة و ليس فيها خصوصية و ما يقال انها اللوح المحفوظ و مجموع الصور لايراد منه انها معدن تفاصيلها و شؤنها و آثارها بل المراد انها اول التفصيل فهي في غاية الاجمال و هي المؤثرة للآثار و المؤثر غير الاثر و بالجملة مرّ [ص 448] سابقا بيان النفس المطلقة و لانعيد الكلام و هي باطلاقها تجلت في المواد الطبيعية و تخصصت في القوابل بخصوصياتها و تلونت بالوانها و اول ما تجلت به من الاكوان في عالم الشهادة الكرسي بل العرش لانه ايضا له كرسية بحسبه و الا لماتصور و ذلك قول الامام ابيالحسن عليه السلام العرش ليس هو الله و العرش اسم علم و قدرة و عرش فيه كل شئ و قال ابوعبدالله عليه السلام العرش في وجه هو جملة الخلق و الكرسي هو وعاؤه و في وجه آخر هو العلم الذي اطلع الله عليه انبياءه و رسله و حججه و الكرسي هو العلم الذي لميطلع عليه احدا من انبيائه و رسله و حججه عليهم السلام و في خبر طويل في صفتهما عنه عليه السلام ان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منها الاشياء كلها و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الحدّ و الاين و المشية و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و العود و البدأ فهما في العلم بابان مقرونان لان ملك العرش سوي ملك الكرسي و علمه اغيب من علم الكرسي الي ان قال : عليه السلام انه صار جاره لان علم الكيفوفة فيه و فيه الظاهر من ابواب البدأ و اينيتها و حدّ رتقها و فتقها فهذان جاران حمل احدهما صاحبه الحديث ، فظهر من هذه الاخبار ان للعرش ايضا صورة علمية و القشريون ربما زعموا ان التفصيل المروي في صروف العرش يدل علي دلالته علي المعاني المذكورة بالاشتراك و كل الموضوعات مختلفة و ليس الامر في الحقيقة هكذا فان العلم ايضا واقع علي الملك و هو المعلوم و المشية ايضا ظاهرة فيه نعم الفلك الاطلس ربما ينفصل عن بعض المعاني و لكن بعضها ايضا ينطبق عليه و لست في هذا المقام في صدد تطويل الكلام فالاولي الاقتصار علي اقل ما يظهر به المرام فالكرسي في هذا العالم هو مستوي النفس و مظهره و ظهر ما ظهر منها في العرش ايضا بكرسيته و ظهرت منه في ساير الافلاك و العناصر ايضا فان كلها [ص 449] في الواقع مركبات الا انها كلية نوعية و قد تعينت بصورها و قد عرفت انها النفس لا غير و نفوسها كانت مطلقة حال الصدور و قد تعينت في المواد فما ظهر منها في الدخان المرتفع علي ساير الافلاك صار نفسا زحلية بحسب مزاج هذا الدخان و ليس قبله و لا بعده ذكر خاص للزحل و ما ظهر منها في الدخان المتطبع بطبع المشتري صار نفسا مشترية و هكذا و ليس في النفس الكلية افلاك خاصة ابدا كما انه ليس في نفس الانسان حواس خاصة و جميع الخصوصيات ناشئة من الادخنة الصاعدة في الدماغ و لولاها لماتعينت ادراك النفس و اراداته كما سيجيء ان شاء الله بيانه و كذلك العناصر لها نفوس و هي صورها و لاتستوحش من هذا الكلام لقلة القايل به فان المناط حقيته لا كثرة قائليه بل اهل الحق دائما الاقلون و رُب مشهور و لا اصل له ، هذا و الحكماء و الكلاميون قايلون بان ما تركب من العناصر بميزان معلوم يثبت له نفس و هي اول كمال للمركب و لا شك ان العناصر ايضا مركبة من العناصر المثالية و اقرّ بذلك بعضهم فانها ليست عناصر عبيطة و لو تدبرت في ذلك قليلا لعرفته و قد مرّ هنا بيان تركيبها و تغيّرها في الجملة و بعد حصول تركيبها تعلق بها نفوس الا ان نفوسها بحسبها لما عرفت آنفا ان النفس من نفسها مطلقة و تعينها من القوابل و اعلم ان نفوس الافلاك صارت حية شاعرة لان موادها صالحة لذلك و نفوس العناصر صارت ميتة غير شاعرة الا بشعور جزئي بقدر استمساك الوجود فان الشئ اذا لميكن شاعرا مطلقا لايكون موجودا و لذلك نقول ان جميع الخلق مكلفون علي حسب شأنهم و مرتبتهم و بالجملة جميع البسايط من الارض الي العرش جميعها اولوا نفوس و قد ظهرت فيها و تعينت بها و حقيقة النفس في محلها كاملة بنفسها و كمالها مطلق بحسبها و بعد ما ظهرت بالبسايط حكت كمالاتها كل بحسبه و ما صار بالفعل في واحد منها صار بالقوة في غيره لان المادة الجسمية مقام القوة و الصلوح لجميعها لانك عرفت سابقا ان النفوس كانت حية في الذر [ص 450] و ماتت هنا و دفنت في الارض و نزلت الي عالم الاجسام ثم يخرج من بطونها بحسبها .
فصل - اعلم ان الله عز و جل كامل بالفعل و لايحدّ كماله بنقصان و ملكه تعالي في اول صدوره كان في غاية الجودة و الكمال جامعا لجميع ما يقتضيه الحكمة في المبدأ و المآل لانه صدر من ذي الجلال و لميصدر منه ناقص و قد ترامي هذا النور المتألق و الكامل المطلق حتي انتهي الي الغاية و ختم بالنهاية و كلما بعد من المبدأ الفيّاض عرضه نقص لبُعده عن مبدأ الفيض اذ ما لميكن من نفسه كاملا يكون كاملا بغيره فكلما قرب من مبدأ الكمال يكون اكمل و كل ما بعد يصير ناقصا كما تري في نور السراج ان المواد القريبة من السراج تكون اكثر نورا و بهاءا و جمالا و المواد البعيدة يقلّ نورها الي ان تضطلم بحيث يصير النور في قوتها و كذلك الامر في مراتب الامكان ما كان منها قريبا من فعل الله صار كاملا في الكون و صفاته و ما بعد صار ناقصا الي ان لميبق له من الوجود الا بقدر استمساك الوجود و زعم بعض ان ما يكون اقرب يكون مجردا بسيطا خارجا من الامكان و ما كان ابعد يترامي في النقص الي ( ان ظ ) يصير ماديا غليظا الي ان ينتهي الي القوة الصرفة و زعم انها مقام العناصر الجسمانية و لكن الحق ما ذكرناه اذ جميع ما سوي الله ممكن و كل ممكن ممكن بالامكان لا من نفسه ببداهة العقول السليمة و اول الخلق هو الماء و هو الامكان و منه كل موجود حيّ كما بيّن الله في كتابه و صرّح به الائمة عليهم السلام في اخبارهم فجميع الخلق من الاعلي الي الاسفل من هذا الامكان الا ان اعالي الامكان لقربها من فعل الله متنورة بنور الله حية بحيوته كائنة بكينونته و اسافلها باقية علي نقصها و لا تعارض بين قولنا هنا و ما قلنا في الامكان الاشرف بالمنع اذ مراد شيخنا اعلي الله مقامه من منعه بحسب نفس الامكان اذ لا تفاوت بين اجزائه لعدم التعيّن و لكن كلامنا فيه بحسب ظهوره في الكون فاسافل الامكان التي هي العناصر ليس لها الا الصلوح [ص 451] مع صورة كونية مبهمة لا بدّ منها في البقاء و الا لكانت عدمية صرفة و المراد من الصلوح قبول التكون و التغير و التصور و قد عرفت في ما مضي ان الافلاك هي ايادي التدبير و محالّ التقدير و كل منها فاعلة بنفوسها و ارواحها في العناصر و تلقي دايما شعلاتها و تربيها بالامتزاج و الاختلاط و التحليل و التحويل و غيرها بامر الله تعالي و ستعرف ان شاء الله في ما سيأتي بعض البيان في كيفية الخلق و التركيب في كل مقام فكلما اخذت يد التدبير من هذه العناصر قبضات و ركبتها و مزجتها يخرج من كمونها نفس من نفوس الفواعل بسبب شعلاتها فان الافلاك بمنزلة ادخنة و النفوس بمنزلة شعلات النار الغيبية الظاهرة فيها و كما ان الدخان اذا اشتعل بالنار يصير فوارة للنار فتفور منها في المواد لانها قوة في جميعها فلايظهر اثرها من مادة الا بعد الفعلية و كلما خرجت من مادة تؤثر منها و كذلك الامر في هذا العالم فان النفس الفلكية ليست بالفعل الا في ادخنة الافلاك و فشا منها انوارها و هي بالقوة في جميع العناصر و ما لمتتركب علي وجه تناسب مواد الافلاك لاتكاد تحكيها و اذا تركبت باعتدالها تحكيها علي حسب اعتدالها الاتري الي النار اذا اشعل في الاجمة لايشتعل بحرارتها الا القصبات الجافة فلو كانت الدنيا برُمّتها قصبات جافّة لاشتعلت بالنار بلا كلفة كما انه لو لمتكن في العالم مادة صالحة لحكايتها و كان العالم ممتليا من النار لماظهرت و هكذا الامر في المقام مواد الافلاك فعليات للنفوس و هي فاعلة بواسطة الكواكب فان شعلاتها حملة لافعال النفوس و اشرقت بها العناصر و لكن لاتظهر فيها علي ما ينبغي الا بعد التركب و الالتيام فاذا اجتمعت اجزاء من العناصر بكمّ خاص و كيف مخصوص يظهر اشباه النفوس من الافلاك علي حسبها .
فصل - اذا ركبت العناصر في الظاهر بمحض اجتماعٍ مّا و لمتأتلف علي ما ينبغي يظهر عليها نفوس جزئية من ظواهر الافلاك و لكنها لاتحيي بحيوة نفوس الافلاك و لاتظهر منها خواصها و لاتبرز منها افعالها و لكنها اذا بلغت [ص 452] في الامتزاج و الايتلاف حدّ الوحدة حتي شابهت جواهر اوائل عللها تحيي بحيوتها و يخرج من بطونها مثل ما خرج من بطون السماوات و مثال ذلك يظهر لك من المواد المشعلة بالنار فانك اذا اخذت مادة غليظة كالحجر و سخّنته بالنار تظهر عليه بحسبه تتسخن بلا نور و ربما تذوب بالمعالجات و تحمر في الجملة مع بريق ضعيف كل ذلك لغلظ مادته و كثرة يبسها و قلّة دهانتها و لكن اذا اخذت دهنا و كلّسته حتي انقلب الي الدخانية يشرق بالنار حتي يصير مثل الشعلة الاولي و هكذا الامر في ما نحن فيه ما لمتبلغ المواد العنصرية حدّ ساير الافلاك لاتكاد تحكي نفوسها علي ما هي عليه و لكنها تحكي بعض الانوار و الآثار بحسبها و لكن ما ساوت ادخنة الافلاك تصير كأنها افلاك في الصفاء و اللطافة لا فرق بينها و بينها الا في الشخصية و الكلية و قال بعض الحكماء في بيان المواليد التي لها نفوس ان المركبات التي لها مزاج ثلثة انواع تسمّي بالمواليد و هي المعادن و النباتات و الحيوانات و وجه الحصر انه ان تحقق فيه مبدأ التغذية فاِما مع تحقق مبدأ الحس و الحركة الارادية فهو الحيوان او بدونه و هو النبات و ان لميتحقق ذلك فيه فالمعادن و قال في شرح الاشارات المركبات منها ما له صورة معدنية يقتصر فعلها علي حفظ المواد المجتمعة من الاستقصات المتضادة بكيفياتها المتداعية الي الانفكاك لاختلاف ميولها الي امكنتها المختلفة و منها ما له صورة تسمّي نفسا نباتية يصدر عنها مع الافعال النباتية و الحفظ المذكور جمع اجزاء اخر من الاسطقسات و اضافتها الي مواد المركب و صرفها في وجوه التغذية و التوليد و منها ما له صورة تسمّي نفسا حيوانية يصدر عنها مع الافعال النباتية و الحفظ المذكور الحس و الحركة الارادية و منها ما له نفس مجردة يصدر عنها مع الافعال السابقة كلها النطق و ما يتبعه ، انتهي موضع الحاجة من كلامه و يظهر منه ان رأيه في ان للانسان نفسا واحدة يصدر منها فعل النبات و الحيوان و الانسان [ص 453] و كذلك ساير المواليد لكل منها نفس واحدة الا ان ما كان اعلي نفسه اجمع و ابسط ، انظر في كلامه هذا ليظهر لك مرامه و ذهب الي هذا الرأي اغلب المحققين و ما عندنا هو ما نص عليه اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلّين ان النفوس عديدة و سيجيء شرحها فيما سيأتي ، و اعلم ان النفس المعدنية و النباتية و الحيوانية غير الانسانية و هي ( و ظ ) ان سمّيت نفوسا الا انها ليست مجردة بل هي نفوس مقترنة بالمواد الزمانية بدؤها منه و عودها اليه كما صرّح بذلك اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث النفوس و قال روحي فداه ان النباتية انبعاثها من الكبد و هي من صوافي الاغذية و الحيوانية انبعاثها من القلب و هي الحرارة الغريزية الفلكية فالنباتية علي ذلك جسم من الاجسام و المعدنية اخسّ منها البتة و الفلكية مثالية و هي برزخ بين الاجسام و النفوس و معني برزخيتها تعلقها بالاجسام بالذات دون الفعل فقط فلاتكون ايضا مجردة و سيجيء تفصيل ذلك من بعد ان شاء الله ، فنفس هذه المركبات الدانية عن الحيوان و الانسان كأنها مزاج الاخلاط و نفس الحيوان كأنها مزاج الاخلاط و الحواس و اما الانسان فنفسها مجردة بالنسبة و علي اصطلاحنا هي مجردة عن الاجسام و ان كان لها مادة و لكن الحكماء يقولون انها لا مادة لها و غرضهم من المادة المواد الشهادية اذ لايعرفون فوقها تركيبا و اما نحن فنعتقد ان جميع ما سوي الله مركب و بينّا ذلك كرارا و سيجيء بعد ما ينبغي من البيان ان شاء الله .
فصل - لما اتينا علي ما اردنا بيانه حريّ بنا ان نبين الحقيقة و نصفها بقدر الامكان علي ما ينبغي فاعلم ان كميل بن زياد رحمه الله سأل اميرالمؤمنين عليه السلام عنها فقال له ما لك و الحقيقة قال أولست صاحب سرّك قال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني فقال أومثلك يخيب سائلا قال اميرالمؤمنين عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام هتك الستر لغلبة السرّ فقال [ص 454] كميل زدني بيانا قال عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد فقال كميل زدني بيانا قال عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره قال كميل زدني بيانا قال عليه السلام اطفئ السراج فقد طلع الصبح ، اقول شرح هذا الخبر الشريف مشايخنا كل بحسب صلاح زمانه و مرّ في المقالة الاولي بعض الاشارة في صفتها و لكن في المقام لا بدّ من بيان الحقيقة اذ بدونها لايعرف المبدأ و لا المآب و لا شئ من بيانات المشايخ الانجاب و انا قد كتبت قبل ذلك فايدة مختصرة في شرح الحقيقة و صارت بحول الله تعالي موافقة للحكمة احبّ ان اذكرها هنا فان فيها كفاية و بلاغا قلت : كثيرا ما قال مشايخنا اعلي الله مقامهم ان الحقيقة ما ان زيد عليها مثقال ذرة لخرجت عما هي عليه و ان نقصت عنها مثقال ذرة لخرجت عما هي عليه الي غيرها و اقرب مثلٍ في الملك للحقايق الاعداد و انما صارت كذلك لقلة اعراضها فان الاثنين لو زيد عليه ذرة لخرج عن الاثنينية الي اكثر و لو نقص عنه مثقال ذرة لصار اقلّ فهو هو ما لمتزد عليه و لمتنقص منه و ذلك اصل اصيل احفظه حتي تعرف منه اسرارا جمّة فان اردت معرفة الحقيقة انظر في كل ما تراه الي ما يكون ثابتا في جميع حالاته و انتقالاته و تقلباته بلا تغيّر فاعرف انه الحقيقة علي الحقيقة و جميع ما سواها اعراض لها و امثّل لك مثالا انظر الي هذا التراب تراه جسما باردا يابسا و تري انه يقبل الاستحالة الي غيره فيتحول برده الي الحرّ و يبسه الي الرطوبة و ربما يصير ماءا و ربما يصير هواءا و ربما يصير نارا و مع ذلك نري له اصلا ثابتا في هذه الاحوال فنعرف من ذلك ان هذه الصور كانت اعراضا زايلة فنتجسس ح عن الحقيقة الثابتة فنري الاسطقس المطلق ثابتا في جميع هذه الحالات و نقول لعله هو الحقيقة كما قال ابرهيم عليه السلام للقمر هذا ربي فنجسس عن ثبوته لكي نقف علي ما اردنا فنري انه ايضا يستحيل الي الفلكية بعض الاحيان كما في الحيوان فان الدخان المشتعل بروح الفلك فيه ليس الا خلاصة العناصر التي ركب منها اذ لميكن [ص 455] شئ سواها لا في الاصل و لا في الغذاء فنعرف من ذلك ان نفس الاسطقس ايضا لمتكن حقيقة ثمّ ننظر في الدخان الحاصل فنري ان ما كان ثابتا مشهودا فيه قبل الاستحالة ثابت فيه في هذه الحال ايضا فننظر في ساير تقلباته فنري انه يصعد صاعدا في دماغ الانسان في ساير مراتب الافلاك و كلما يترقي درجة يتغيّر عن صورته الي صورة و ان قلت من اين تعرف ذلك و لمتشهده و لميتيسر لك تجربته بالمعالجات الفلسفية اقول عرفنا ذلك بالامارات و الآثار فاذا رأينا انه في اول امره كان نباتا غير ذي روح ثمّ صار حيّا عرفنا انه صعد من عرصة العناصر الي الفلك و لما رأينا انه صار متفكرا متخيلا متوهما عالما ذاكرا عرفنا انه ترقي من سماء الي سماء حتي صار قابلا لحكاية نفوس ساير الافلاك و ذلك شاهد عدل مقبول القول مرضي عند كل عاقل و بالجملة نراه صاعدا في الدرجات الي ان صار بلطافة الكرسي و العرش و في جميع هذه الاحوال نري له الاصل الذي كنّا نراه اولا فنتجسس عنه فنري انه الجسم و هو الجوهر القابل فنظن انه الحقيقة المطلوبة فنفحص و نري انه ايضا يصعد و يترقي في الدرجات و يسعي الي ربّه باقدام الامتثالات و له حقيقة ثابتة لاتتغير في مقام و لا في درجة الاتري ان الجسم يستخرج منه المثال و المثال يخلص منه المادة و المادة تصعد الي الطبيعة و يخلص منها النفس و الروح و يخلص من الجميع العقل كما يظهر من حديث اقبال العقل و ادباره للمتفكر اللبيب و في جميع هذه المقامات و الدرجات نري شيئا ثابتا قائما يقول انا الذي صعدت و نزلت و اطعت امر الله حين امرني بالادبار و اجبته حين امرني بالاقبال و تقلّبت في الصور كيف شاء الله و بعد التعمق فيه نري انه الجوهر الاول و الاسطقس الذي هو فوق الاسطقسات و هو نور الله الصادر من مشيته فهو الحقيقة المخلوقة اذ لاتستحيل الي خلق آخر و نسب كل شئ ينتهي الي الماء و لا نسب للماء ابدا و ان نظرت الي هذا النور من حيث النورانية تقف علي اسرار جمّة لميؤذن لنا في اظهارها [ص 456] و بالجملة فالحقيقة ما لاتتغير و لاتتبدل و لاتستحيل الي شئ اذ لا شئ و هي التي سأل عنها كميل بن زياد و هي النفس التي من عرفها عرف الله و العلم الاول و نور الازل و آية الله عز و جل و هي الذات و الذات في الذوات للذات و جميع ما سواها عرض لها و لنعم ما قال الشاعر :
يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض
الا ان للاعراض درجات و مقامات و كل يذهب الي عالمه و يرجع الي حيث بدئه و اعلم ان للخلق بحسب شأنهم و مراتبهم حقايق نسبية و هي و ان كانت اعراضا للحقيقة الاولي الا انها حقايق لما دونها و هي في كل مولود حصة من الوجود ركبت علي ماهيته اي مادته و صورته فان الاصطلاحات مختلفة مرّة يقال الوجود و يراد منه المادة و المٰهية و يراد منها الصورة و مرة يقال المٰهية و يراد مادة الشئ و صورته و الوجود و يراد منه الحقيقة الجالسة علي كرسي الركنين و هي النفس التي يقال ان كل شئ مخلوق بنفسه و قد يقال انها الصورة و لكنها غير الصورة المقترنة بالمادة فانها صرف حدود المادة و نهاياتها و هي مثال النفس العليا و ان سمّي بالنفس يراد منها النفس الظاهرة فلايذهبن بك المذاهب و لايشتبهن عليك المسالك الاتري الي قول مشايخنا ان الشئ يقوم بمادته و صورته قياما ركنيا و لو كان الصورة بنفسها تمامه لماكانت بعضه بالضرورة فان بعض الشئ لايكون كله ، فظهر من ذلك ان الصورة التي نقول انها النفس هي المزاج علي اصطلاحنا لا حدود المادة و نهاياتها و كذلك نقول لاثبات هذه المسألة ان الصورة بنفسها لاتكون شيئا اذ الشئ شئ بمادته و صورته كما قال الامام عليه السلام ان الله لميخلق شيئا فردا قايما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه فالصورة المفردة لاتكون شيئا مع انها لاتتحقق الا بالمادة الاتري الي قول مشايخنا ان الصورة تقوم بالمادة قيام تحقق مع انهم يصرّحون بان النفس علة وجود الشئ فلو كانت قايمة بالمادة قيام تحقق كيف تكون علتها و ذلك غير معقول [ص 457] نعم وجه الاشتباه في امثال هذه المسألة اشتباه الاعراض بالجواهر فانهم يرون ان الصورة تظهر علي المواد العرضية و تدعي الاشياء بصورها و يقال انها نفوس الاشياء مع انها ظهرت علي المواد بالصورية فقط فيزعمون ان النفوس هي حدود المواد و لكن الحق ان تلك الصور لها مواد ذاتية علي ما بيّنا سابقا و هي هي بموادها و صورها و المواد العرضية بعد ما وصفت بصفات معينة و حدّت بحدود مشخصة تظهر عليها بالمناسبة و بعد ما خلعت تلك الحدود ترتحل الي عالمها فتدبر بالجملة اذا عرفت ذلك فاعلم ان المواليد الحاصلة من التركيب لها نفوس بحسبها في مراتبها علي ما سيجيء و كل ما تركب اجزاء و امتزجت و اختلطت حتي توحدت بعد التعدد يظهر عليها صورة جامعة بحسب سعة الاجزاء و ضيقها و كثرتها و قلتها و تكون نفسها و حقيقتها بالنسبة اليها و يكون لها ظهورات متممة بحسب الاجزاء و اعراضها و هي صور متبادلة متناوبة بالنسبة كالنبات مثلا فانه صورة كلية نامية مربية حاصلة من تركّب العناصر حتي تصير متحدة فان بدونها لايتعلق بها نفس واحدة بل هي انفس عديدة و تلك النفس الواحدة بالنسبة الي النباتات حقيقة ثابتة في حالات طارية للاعراض و العناصر فان الشجر مثلا قد ينمو و يزيد نماؤه و قد ينقص و قد يتطول و يتعرض و قد يتفرع و يثمر و يورق و قد يخضر اوراقه و قد تصفر و تسقط في الخريف و في جميع هذه الحالات تكون النفس النباتية باقية و من ذلك نعرف ان لها بالنسبة اليها نفسانية و ان كانت بالنسبة الي الجوهرة الذاتية العالية عن السماوات و الارض عرضية و هي ايضا تزول يوما مّا فتدبر حتي تقف علي المراد و هذا السرّ سارٍ في جميع الملك فالوجود الظاهر علي العناصر المركبة تركيب الامتزاج بالصورة الحاصلة منها نفس نباتية و اذا ركب مولود منها و من جزء فلكي يجلس علي كرسيها نفس عليا و هي الوجود المتصور بالصورة الحاصلة من اجتماعها و كذلك يتفاوت المراتب و النفوس في المواليد و من ركب من النشأتين و جمع المنزلتين و تركب من [ص 458] جميع الاكوان يجلس علي كرسيه نفس قائمة علي الكل فتكون محيطة بجميع الملك متصرفة فيها و تقول بلسانه انا الذات انا الذات في الذوات للذات فافهم .
فصل - في بيان قاعدة كلية ينبغي ذكرها و ليس محل انسب و اليق بذكرها من هنا ، اعلم ان النفس ان كانت مركبة من اركان ثابتة في الزمان قبل تركيبها قائمة بانفسها لاتكاد تدوم و لاتبقي بل تزول و تفني و بقاؤها بقدر اجتماع الاركان و ان كانت مركبة من اجزاء ركنية بمعني ان كل جزء من تمامية الشئ اي لايكون شيئا بدونه يبقي الشئ بعد تركيبه مدي الدهر البتة و شرح ذلك علي ما ينبغي علي معرفة مسألة عويصة : اعلم ان الله سبحانه احد قديم ازلي لايعرضه البوار و لايعتريه الزوال تبارك و تعالي عن تغيّر الاحوال لان الاحد الحقيقي لايتعقل فيه الفناء اذ هو الموجود من كل حيث و اول ما تجلي تجلي لمشيته و هي فعله سبحانه و هو حادث البتة الا ان حدوثه غير حدوث ساير الخلق فان حدوث غيره اما زماني و اما دهري و الحادث الزماني بمعني انه لميكن في زمان من الازمنة ثمّ كان و الحادث الدهري بمعني انه لميكن في دهر اعلي فخلق في دهر اسفل و المشية مستعلية عليهما منزهة عن صفتهما اذ ليس لها سابق حتي يتصور عدمها فيه و لا في عرضها شئ حتي يتصور عدمها فيه فانك قد عرفت سابقا ان الزمان مدة بقاء نسبة صفة الي صفة و الدهر مدة بقاء نسبة صفة الي موصوف و كلا الفرضان مفقودان في المشية فالمشية باقية طول الدهر و الزمان و لاتكون مستحدثة في زمان و لا درجة و لكنها ثابتة قايمة في زمانها ابدا و لاتحتاج الي شئ غيرها لبساطتها النسبية اذ مادتها منها و صورتها منها فلاتزول في درجة الفعلية ابدا و معني حدوثها كونها فعل غيرها و قيامها له و به فالمشية التي هي اقرب الخلق من الله سبحانه تكون باقية دائمة لاتفني اذ لاتفني شئ في مقام وجوده و معني العدم الانعدام في غيره و لايثبت غير هنا حتي يثبت انعدامها فيه فتدبر ثمّ ان الله تعالي خلق [ص 459] ما سواه بالمشية و هو عرصة المشاءات و هي مترامية من اعلي المراتب الي اسفلها فما كان منها ابسط في وجوده يكون ادوم و ما كان اقلّ بساطة يكون اقصر عمرا و هذه قاعدة كلية سديدة و لا شكّ ان البساطة الحقيقية غير ممكنة في الامكان فان كل كائن مركب من كون و امكان الا الكاين البسيط الذي سبق الامكان كونه و هو الوجود الحق تعالي شانه فالتركيب ملازم لوجود كل موجود سوي الحق المعبود نعم بعض الموجودات يكون اركان وجوده اقل و بعضها يكون اركانه و اجزاؤه اكثر و بعضها اشبه بالواحد و بعضها اقل شبها بالواحد و اعالي المشاءات القريبة من المشية لان قيودها اقلّ تكون اوحد فتكون ادوم و الاسافل بخلافها و لا شكّ ان ما يكون مركبا من اجزاء مستقلة قبل التركيب لايكاد يحصل بينها الامتزاج التام و الاختلاط الحقيقي و ان كسر سورة كل جزء و بطل بعض خواصه و لكن الاثنين لايصيران واحدا البتة غاية الامر ان الاجزاء يكثر اتصالها و ارتباطها كما في تركيب اجزاء الاكسير و يشهد بذلك ان بعد التركيب تري اثر كل واحد من الاركان من المركب و لو بطل خواص كل جزء لماوجد بعده البتة فالمركب من الاجزاء التامة اجزاؤه باقية البتة الا ان ما كثر اختلاط اجزائه و امتزج يصير اوحد مما لميختلط فيكون اكثر عمرا و لكن الاختلاط التام يحصل بين اجزاء ركنية يكون كل جزء تمام وجود الآخر كنصفين مثلا و ثلثة اثلاث و اربعة ارباع و هكذا فالمواليد المركبة من الاجزاء الركنية تكون باقية لايعرضها الزوال و هي العقول و النفوس لا غيرها و غيرها فانية و لو بعد حين و هي التي تكون مركبة من اجزاء غير مستقلة و معني تركيبها انها ركبت في مقام وجودها من شعاع العالي و خصوصية المحل كالنفس مثلا فانها مخلوقة من تأييد العقل و صورة علمية و تأييد العقل اشراقه و اشراقه اعلي وجود تلك الصورة و تلك الصورة من لوازم محل هذا الاشراق فانهما متلازمان و امثّل لك مثالا سمعتُه من لسان ابي اعلي الله مقامه كان يقول في مثل المقام من جهة التمثيل ان معرفة [ص 460] ان الكل اعظم من الجزء كيف تفني و هي ليست مما يعرضه الفناء و ازيدك بيانا ان هذه المسألة مثلا صورة علمية مادتها مثال فعل الله تعالي و صورتها هوية مثالها كما قال عليه السلام القي في هويتها مثاله ، و تلك الهوية نفس المثال فحقيقتها انها مثال الله تعالي فهي لاتتعدد و لاينفك بعض اجزائها عن بعض و لايعرضها زوال ابدا و كذلك نفس العقل المجرد فانه مخلوق من الوجود الذي هو هيئة المشية و هو مادته و صورته الرضا و التسليم و الطاعة التي هي صبغة الله و قد تألف من معاني نفسه المجردة عن المادة الملكية و الملكوتية و عن المدة الزمانية و عن الصورة المثالية و النفسية بل هي نفس المعنوية هي المادية و التعين المادي من تمام جواز الوجود و لولاه لماثبت الوجود فكيف يتلاشيان و يتفرقان و اما ساير المواليد المركبة من الاجزاء الكونية فلايكون امرها هكذا اذ كل ركن من اركانها يكون كائنا ثابتا قبل التركيب كالنباتات مثلا فانها عناصر ثابتة قائمة بمؤثراتها قبل وجودها قيام صدور و بموادها و صورها قيام ركن و لاتحتاج في وجودها الي المولود المركبة ابدا الا انه قد اثّر فيها يد التقدير و ركب بينها يوما فجلس عليها صورة جامعة بالعرض و سمّيت نفسا و لكنها في الواقع صورة مركبة من الصور كالسكنجبين مثلا فان صورته صورة مركبة من الخل و الدبس تابعة لهما كما ان جسمه مركب منهما و طعمه من طعمهما و رايحته من رايحتهما و هكذا فتكون نفسه من نفسهما فاذا فرقا يبطل الصورة المركبة منهما البتة اذ ليس لها وجود سابق عليهما و كذلك الحال في جميع المواليد المركبة من العناصر السابقة و منها النباتات و المعادن و الجمادات و الحيوانات فانها كلها نفوسها تابعة للعناصر و الافلاك بدؤها منها و عودها الي مباديها و قد صرّح بذلك الامام عليه السلام في حديث النفوس و اما سبب فراقها فاختلاف الاركان و سبب اختلافها تعددها و كونها بانفسها موجودات مستقلة ثابتة و لا شكّ ان المربيات من السماوات و الارض بحسب امزجتها قد تكمل عنصرا و تضعف [ص 461] عنصرا و بذلك يخرج المركبات من الاعتدال التركيبي فيبطل تركيبها كما تري في الربيع و الشتاء فان برد الشتاء يعقد رطوبات النباتات و يضعف حرارتها فما كان منها ضعيفا في تركبها يتجفف بذلك و يبطل فيعود الي التراب و يبطل انفسها و ما كان منها اقوي يبقي اصوله و دوحاته و لكن يقل نماؤه فلاينمو مدة الشتاء و في الربيع ينمو الاشجار و تورق و تخضر و تنبت و ليس ذلك الا للحرارة المستحدثة في الربيع بانتقال الشمس الي البروج الشمالية من الجنوبية و كذلك الحال في كل مولود يكون مركبا من اجزاء مستقلة و لكن النفس الانسانية ليست من هذه العناصر بل و لا الافلاك و ليس لها انبعاث من بدن الانسان و لا مقرّ له منها و فيها و لكنها منبعثة من العقل و مقرّه العلوم الحقيقية الدينية اي ذرّات الوجود و هي من عالم اعلي و لذلك يقال ان وجودها قبل هذا البدن باربعةالف عام فلايعرضها الفنا بفناء البدن العنصري ابدا بل تدوم و تبقي ابدا فافهم هذه القاعدة الكلية و سيجيء زيادة البيان ان شاء الله بعد ذلك في كل مقام .
في بيان خلق الجمادات و المعادن و النباتات و ما يناسبها و يقرب منها و قد جمعتها في مقام واحد لقلة الكلام فيها و فيه مطالب :
فصل - اعلم ان الجماد كسحاب ما ليس فيه النماء يجمع بالالف و التاء و سمّي ما ليس فيه زيادة و نقصان بالخاصية بالجماد لانه انجمد علي طبعه و في الاصطلاح قيل ان ما له صورة حافظة لنفسه معدن فعلي ذلك ما ليس له صورة واحدة جامعة لاركانه يكون جمادا و اذا حصل الصورة الواحدة الحافظة لها عن الحوادث يكون معدنا و بعض الحكماء لميعدّوا الجمادات من المواليد مطلقا [ص 462] بل قالوا ان المواليد ثلثة المعادن و النباتات و الحيوانات و بعض الحكماء الطبيعيين قالوا ان ما يركّب من نفس العناصر يكون جمادا و ما يتركب منها بعد التغيّر الي الزيبق و الكبريت او البخار و الدخان يكون معدنيا و قال الجلدكي بالتثليث بملاحظة ان الامتزاج التامّ بين الاركان لايحصل الا في المعدنيات فان الجمادات تركب اجزائها بمحض الجمع بينها في الصورة فلاتستحق مركباتها نفسا خاصة فلاتعدّ من المواليد و اول الامتزاج و الاختلاط حين التصور بالمعدنية و اما غير الفلاسفة فنظرهم الي التصور و التعين في الظاهر و ذلك يحصل في ادون من المعدنية و قال ابي اعلي الله مقامه في مقام التقسيم و التعيين بعد ما بيّن مبدأ التكون و تأثير الافلاك في الارضين و ان المراد خلق الانسان و بيان كيفية امتزاج انوار الكواكب و اجزاء الارض فان عرضه عارض و زاد احدهما او نقص و كان هناك عرض او مرض و سقط كان جمادا علي حسب ما ركب و ان كانت الاركان اي روح ماء المرأة و نفس ماء الرجل و جسد التراب المموث بينهما اكثر تناسبا و اعتدالا في الجملة و سقطت بعد صيرورتها علقة كانت معدنا علي حسب ما ركبت و قال بعد ذلك بقليل : اعلم ان الافلاك اذا دارت علي الارضين و القت شعلاتها عليها مازجتها و اختلطت بها تحركت اجزاؤها حتي اختلطت و تركبت فمهما تركبت تركيبا تجاوريا عرضيا حدث عنه الجماد فان تركبت تركيبا مزجيا بسبب نعامة الاجزاء و لطافتها لكن مع غلظة و جساوة ما في اصل الجوهر حدث عنه المعدن ، الي آخر كلامه علا مقامه اقول ظهر لك من هذه البيانات ان مبدأ التركيب الجمادات فانها حاصلة من العناصر بامتزاج جزئي و ليس لها وحدة كاملة يصدق عليها مولود واحد و لذلك لاتكاد تجد في مولود جمادي دواما و بقاءا اذ ليس لها صورة جامعة فلميتعلق بها نور الله الحافظ للاشياء المبقي لها فانك قد عرفت ان تمام البقاء [ص 463] و الوجود و الدوام و الثبات لله تعالي قال الله تعالي كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و لذلك تتغير الجمادات عن حالها و تتبدل و كل ما صعدت عن درجتها و تلطفت كثر اختلاطها و امتزاجها فقويت نفوسها الي ان بلغت درجة الانسانية .
فصل - لا علينا ان نذكر في المقام شطرا من بيان كيفية خلق الاحجار فان بمعرفتها يظهر كثير من المسائل لا شكّ انها لاتتكون من التراب الخالص فانه جافّ من نفسه و الجفاف يورث التفتت و لايكاد يتصل اجزاؤه و كذلك الماء العبيط لايصير حجرا فلا بدّ من وجود ماء و تراب معا يجتمعان و اقلّ مدارج التركيب ان يكون جزءان من الماء و جزء من التراب قال ابوعلي بن سينا انه يتكون الاحجار في الاكثر علي وجهين احدهما علي سبيل التفخير و الثاني علي سبيل الجمود فان كثيرا من الاحجار يتكون من الجوهر الغالب فيه الارضية و كثيرا يتكون من الجوهر الغالب فيه المائية فكثير من الطين يجفّ و يستحيل اولا شيئا بين الحجر و الطين و هو حجر رخو ثمّ يستحيل حجرا و اولي الطينات بذلك ما كان لزجا فان لميكن لزجا فانه يتفتت في اكثر الامر قبل ان يتحجر قال و قد شاهدنا في طفوليتنا مواضع كان فيه الطين الذي يغسل به الرأس و ذلك في شط جيحون ثمّ شاهدناه قد تحجر حجرا رخوا و المدة قريبة من ثلث و عشرين سنة قال و قد يتكون الحجارة من الماء السيّال علي وجهين احدهما ان يجمد الماء كما يقطر او كما يسيل برُمّته و الثاني ان يرسب منه في سيلانه شئ يلزم وجه مسيله و يتحجر و قد شوهدت مياه تسيل فما يقطر منها علي موضع معلوم فيعقد حجرا او حصي مختلفة الالوان و قد شوهد ماء قاطر اذا اخذ لميجمد و اذا انصبّ علي ارض حجرية يقرب من مسيله انعقد في الحال حجرا فعلم من ذلك ايضا ان لتلك الارض قوة مجمدة تحيل السيّال الي الجمود قال ابوعلي ان من هذه القراين يعرف ان مبادي تكوّن الحجارة اما جوهر طيني لزج و اما جوهر [ص 464] تغلب فيه المائية و هذا القسم يجوز ان يكون جموده من قوة معدنية ، اقول ان اباعلي لعدم اطلاعه علي الصناعة لميعرف حقيقة المسألة فان جلّ هذه المسايل يعرف من علم الصناعة فاعلم انه لايتكون مولود في العالم الا من العناصر الاربعة الا انها بعباطتها لاتتركب فلا بدّ من حيلولة النار الي الهواء و ركود الهواء حتي يصير ماءا فكلاهما ينزلان الي الماء البتة فاذا عرض الماء حرّ النار و يبسها و حرّ الهواء يقلّ رطوبته البتة ثمّ التراب ايضا بعباطته لايقبل الامتزاج ابدا الاتري انك ان رششت الماء علي التراب الخالص المهبأ لايختلط به ابدا و لذلك يسعون اهل الصنعة في تعطيش الارض و يصفون ارضهم بالعطشان و هو حالة قبول الماء يعرضها بالتدبير و كذلك الامر في كل تركيب فلا بدّ من تقريب التراب الي الماء بالتدبير حتي ينحل فيه شيئا فشيئا و ذلك لايحصل الا بالتعفين غاية الامر ان التدبير في المعادن و النباتات اكثر و في الجماد يحصل باقلّ تربية و المربي النوعي في الملك الافلاك بحرارتها و المربي الخاص الحرارة كما هو معلوم في علم الصنعة فاذا جمعت رطوبة و يبوسة بالميزان القابل للتركيب في الحجر في مقام خاص يكون محفوظا من الحوادث و اثرت فيه الشمس باشراقها ينحل الاجزاء اليابسة في الاجزاء الرطبة حتي يحصل طين لزج قابل للتركيب ثمّ يبدأ في الانعقاد فانه اذا انعقد قبل الانحلال الجزئي لايتحجر الاتري انك اذا ركّبت ترابا و ماءا في مكان مكشوف للشمس او الريح و جففته قبل الانحلال لايتحجر ابدا و ان التصق اجزاؤه في الجملة بل الالتصاق ايضا مشروط بانحلال جزئي و اما ان كانت الاجزاء اليابسة غير قابلة للانحلال كالرمال مثلا لاتكاد تتصل اجزاؤها و الطين لايتكون الا من التراب الحر او ما يشبهه و بالجملة اذا انعقد بعد التركيب ربما ينعقد الي الحجرية و اكثر ذلك في بطون الارض و قعر البحر و بطون التلال و قلّ ما يتكون فوق الارض بهذا التركيب و ربما يتكون من المياه و ذلك فيما اذا كان لها اجزاء يابسة غالبة [ص 465] من عيونها او اجزاء ملحية او غيرها و بعد ما جرت في الارض في القنوات و الانهار تنعقد شيئا فشيئا و ربما يكون لنفس الماء قوة عقادة و ذلك بان يكون نفس الماء مركبة من عناصر قابلة للانعقاد الا انه غلب عليها الرطوبة في الجملة و منعها من الانعقاد او غلب عليها حرارة مذيبة فان الحرارة بطبعها يذيب بعض المعقودات ما اذا كان لها رطوبة تنعقد بالبرد كما تري في الاملاح و الفلزات فان فيها رطوبة دهنية تنعقد في البرد و تذوب في الحرّ اذا كان باعتدال مخصوص و اما اذا غلبت عليها حتي احرقت دهنها تنجمد البتة و بالجملة اذا وصل اليها برد يعقدها كالاملاح و في الفرض الاول اذا غلب عليها حر الشمس عقدها كالسطريط و ما يشبهه و لا شك ان مثل ذلك ملحق بالمعادن و الحاصل ان تركيب الحجر لايحصل الا بالحرارة و البرودة بالحل و العقد فان الامر في ملك الله تعالي واحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور .
بقي الكلام في الاحجار الكبيرة و الجبال اما وجه خلقها فما ذكرنا من دون اختلاف و لكن يحتمل ان يكون تكوّنها تحت الارض و بمرور الدهور تخرج من تحت التراب بسبب الامطار و المياه الجارية علي وجه الارض فانه اذا سال الماء يذهب بالاتربة فينحفر الارض شيئا فشيئا و يربو و يرتفع الاحجار الكبيرة عن التراب و تقوم في محالها شاخصة و ربما تطول الجبل بذلك يوما فيوما بانحفار المسيل و بروز اصول الجبل الغائرة في الارض من اطرافه و يمكن ان يتحول من تحته ايضا اتربة الي الحجرية فيزيد فيه و ربما يطول من رأسه ايضا في مدة طويلة و ذلك يمكن بان يجمع التراب عليه و يتقطر عليه الامطار و الطلول و يربيها الشمس شيئا و يمكن ذلك ايضا بواسطة عمل الحرارة في المواد و تذويبها و تحجير و ربما يبرز الجبال بواسطة الرياح الشديدة اذا وقعت الارض في مهبها فتنشف اتربتها و يبقي الجبل شاهقا و ربما يتفق ذلك بسبب الزلازل هذا اذا كونت تحت التراب و ربما تتكون في البحار بسبب اجتماع المواد [ص 466] اللزجة و عقدها بحرارة الشمس و القمر فانه كما يؤثر الشمس و القمر في قعر الارض يؤثران في قعر الماء ايضا و ذلك مطلب ظاهر و يمكن ذلك بمرور الدهور و الاعوام فانه ربما تجتمع المواد في موضع و تعقد ثم تتصل بها مواد اخري هكذا و تعقد عليها حتي تصير جبلا و ربما يتحول الماء من اطرافه الي جهة بسبب الاعراض و ينقلب البحر برا و ربما يتكون جبل تحت الارض في البحر و يحفر الماء اطرافه بسبب الطوفان و غيره فيبرز الجبل و بالجملة بواعث بروزها كثيرة و بامثال هذه الاعراض ربما يغيب جبل شامخ و ربما يتفتت و يتكسر و يتفرق و الدار دار الاعراض و هي غير معدودة ، قال ابوعلي بن سينا في تكوّن الحجر الكبير اِما يكون دفعة و ذلك بسبب حر عظيم يغافص طينا كثيرا لزجا و اما ان يكون قليلا قليلا علي تواتر الايام و لست بصدد اكثر ذلك من البيان في كيفية تكون الجبال و الاحجار و تعلم من ذلك نوع خلق الجمادات و اما بيان منافع الجبال و حكمها فيحتاج الي بيان كثير مع انها خارجة عما نحن بصدد شرحه في هذا المقام .
فصل - اذا عرفت كيفية تركيبها فاعلم ان المركبات الجمادية لاتكون صالحة لحكاية النفوس الكاملة لان تركيبها لايكون مخلدا و نفس كل شئ تابعة لاركانه فان كانت صالحة لطيفة مركبة تركيب الصلاح ممتزجة متعانقة حق التعانق يظهر من كمونها نفس كاملة و مرادي من كمالها وحدتها و كليتها و تأثيرها و الا فهي ناقصة بل ربما يقال انه لا نفس لها مطلقا و لكنّا لانستبعد ثبوت نفس جزئية ضعيفة لكل شئ بل لانستبعد كونها شاعرة و الشعور صفة مواد الاشياء و النفس صورها فاذا كانت مادة الجماد تلك العناصر و هي شاعرة فليس من البعيد تعلق نفسٍ مّا بها و بذلك كان يصرّح ابي و هو مصرّ علي ذلك و يشهد بذلك العقل السليم فان كل شئ له صورة و لولاها لمابقيت متشخصة فالحجر حجر بصورته و المدر مدر بصورته و التراب تراب بصورته و هي تمامه [ص 467] و حقيقته غاية الامر ان نفوسها غير كاملة مع انها موجودة و لاتكون متحدة حق التوحد و ذلك لعدم توجه الاركان و لذلك لاتكون حاكمة عليها مختارة لها و لاتقدر علي العمل بها الا بقدر استمساك الوجود فكان لكل فرد منها نفوس او نفس ذات شعب و لذلك ربما تشاهد من جمادي واحد آثارا مختلفة من اجزائها و جهاتها فاعاليها لها اثر خاص و اسافلها لها اثر خاص و لذلك لايعرضها الموت بالتفريق و التقطيع الا ان تستحيل الي شئ آخر بالمرة و لو كان لها نفس واحدة لرفعت تعلقها عنها بتفرق اجزائها كما تري في النباتات و لذلك نقول ان نفوس الجمادات جمادية و حكمها حكم الجمادات .
فصل - اعلم ان للجماد فسحة وجود اسفلها مبدؤ تركيب العناصر فكل ما ركبت حتي صدق عليها شئ واحد في الجملة تسمّي جمادا و اعلاها ملحق بالمعادن فانه لا شكّ ان المعادن لها نفوس فاعلة مؤثرة غاية الامر ان تأثيرها فيها و لكنها لاتربي انفسها بحيث لو اخرج تراب معدني من معدنه و ذخر في مقام آخر لايستحيل الي جنسه من نفسه بل لا بدّ و ان يبقي في معدنه حتي يبلغ بطبع المعدن درجة و لايغيّر غيره الي مثله من نفسه و لكن كل معدن بلغ درجة الكمال يحفظ نفسه عن الاعراض مهما لميغلب عليها عرض غالب و لكن الجمادات لاتكون هكذا بل ربما يفسد تركيبها بسبب جزئي و لا شكّ ان بين هذين لايكون خلوا فانه لايرقي شئ من درجة النقصان الصرف الي درجة الكمال دفعة بل يكون ذلك بالتدريج فبين مقام النقص و الكمال درجات و كذلك من مبدأ المعدنية الي النباتية درجات و هكذا فبين كل نوعين من انواع الموجودات برازخ البتة و نعم ما قال شارح المقاصد في مقام اثبات الشعور للنباتات ان هذا ليس ببعيد عن القواعد الفلسفية فان تباعد الامزجة عن الاعتدال الحقيقي انما هو علي غاية من التدريج فانتقاص استحقاق الصور الحيوانية و خواصها لا بدّ ان يبلغ قبل الانتفاء الي حدّ الضعف و الخفاء و كذا النباتية و لهذا اتفقوا علي ان من المعدنيات ما وصل الي [ص 468] افق النباتية و من النباتات ما وصل الي افق الحيوانية كالنخلة و اليه الاشارة بقوله عليه الصلوة و السلام اكرموا عماتكم النخل ، اقول هذا السرّ سارٍ في جميع الاكوان و كل الاعيان فان مشية الله التي هي مبدأ الخلق معدن كل كمال و لا شكّ ان هذه العناصر في مقامها في غاية النقص لانها فاقدة لكل كمال الا بقدر استمساك الوجود و لمينته فيض الله تعالي الي غاية النقص من مبدأ الكمال الا بالتدرج كما تشاهد في النور الصادر من السراج المنتشر في الفضاء انه يكون قرب الشعلة في غاية البهاء و الضوء و يتدرج في مدارج الضعف و النقصان الي ان ينتهي الي منتهاه و هكذا الامر في هذا الملك جميع الخلق منشأون بالمشية و هي مبدأ الجميع و قد صدرت منه و نزلت نازلة بالتدرج و حصل من تدرجاته انواع الخلق الي ان انتهي الي التراب في اسفل السافلين و لذلك نقول لمن قال ان تشخّص الوجود بالاشتداد و الضعف انك ان اردت من كلامك اتحاد الحقايق و الاختلاف بالشدة و الضعف فذلك قول مخالف للعقل و النقل لما مرّ في السلسلة الطولية و ان اردت انها مختلفة في المادة و الصورة الا انها تسمّي بالوجود و وجود التالي اضعف من سابقه فليس ببعيد و من باب توضيح البيان نشير الي وجه الاستدلال بقدر الملح في الطعام و لانطيل الكلام اما من طريق النقل فالاخبار الدالة علي اختلاف الخلق و كون السافل اثرا للعالي و اخبار الطينات نادية بذلك و اما من طريق العقل ان الطينة اللطيفة لاتقبل الصورة الغليظة الا بنحو من التنزل و الطينة العالية لاتنزل بذاتها من مقامها و الا للزم انقطاع السلسلة و خلو مقامها عن وجودها و لايقوم غيرها في مقامها و بذلك ينقطع الفيض اذ السافل لايستفيض من الاعلي الا بالاوسط و ادلة ذلك كثيرة فلا بدّ و ان يكون الطينة العالية واقفة في مقامها حتي يثبت السافل في درجته فلايجوز تنزلها بذاتها فهو بنحو آخر يشكل فهمه و قد بينّاه سابقا و ان احببت فراجع فالسافل كنههه و حقيقته غير العالي فوجوده غير وجوده البتة و ان شئت قل ان العالي وجوده ذاتي [ص 469] بالنسبة و السافل وصف له فليس امتيازهما بالاشتداد و الضعف فقط بل بالمادة ايضا و بالجملة نرجع الي ما كنا في صدد بيانه فالجمادات من اسفل درجتها الي المعدن متدرجة فاسافلها تراكيب مجتثة زايلة غير باقية و اعاليها تراكيب باقية ثابتة في الجملة و هي ملحقة بالمعادن كالاحجار و الجواهر كالياقوت و الالماس بل و مثل الجبسين و الكلس و القفر و غيرها فان الامام عليه السلام الحقها بالمعادن و ذلك لاعتدال تركيبها في الجملة او لانها تتولد في معدن و محل مخصوص و لكل وجه .
فصل - اعلم ان الجمادية مبدؤ التركيب و اول الامتزاج و هو اول قدم للتراب يقبل به الي رب الارباب فان الله تعالي بعد ما خلق العقل و ربّاه حق التربية دعاه اليه فاجابه فاكرمه و شرّفه و ادناه ثم امره بالادبار للرجوع الي الآثار و كسوة الانوار و مطالعة الآيات و مشاهدة العلامات و وقوفه في المقامات لعبادة الله تعالي في كل لباس و تأسيس الاساس للجِنة و الناس فادبر مطيعا لربه و لميخالف امره لحبّه الي ان وصل الي التراب و لميكن دونه مقام يمكن النزول اليه اذ ليس دون الفقدان مقام و لا بعد الموت موت لان الموت فوت و ليس شئ افوت من الفوت فافهم و بعد ما وصل اليه ناداه ربه ثانيا ان اقبل فاقبل و اقباله بالتشخص اذ لايصلح بغير هذا الوجه و الله لايفعل بعباده الا الاصلح و التراب لغاية بعده صار متكسرا عادما للوحدة و كان لكل جزء من اجزائه حكم خاص بحسب مزاجه المختص به فلايصلح جميع قبضاته في القوة القريبة لما يصلح له الآخر الاتري ان السبخة لاتصلح لانبات الاوراد و الاشجار الطيبة و الجبل لايصلح لما يصلح البرّ و هكذا و كذلك حال جميع القبضات فانك تري علانية ان قطعة خاصة من الارض ينبت من شرقيها نوع خاص من النبات و من غربيها نوع آخر بل في جزء واحد من اصل واحد و نبات واحد تري الوانا و امزجة و خواصا مختلفة و ذلك يدلك ان افتهمت علي اختلاف اجزاء التراب و ليس الامر في الهيولي الاولي هكذا فانه خلق منها جسم واحد غير مختلف و كذلك المواد العالية البعيدة من الاختلاف [ص 470] المتصلة بمعدن الايتلاف ليس شانها هكذا فالارض برُمّتها لاتصلح للاقبال دفعة واحدة و لكن اجزاؤها تقترب اولا فاولا و كل ما اقتربت قبضة اقبلت لان النداء الذي هو باعث الايجاد موجود و المانع مفقود قال الله تعالي ادعوني استجب لكم فتدبر فان ضيق الاوقات يمنعني عن تطويل المقالات فاقتصر علي الاشارة و ربما تنغلق العبارة و لكن المطالب تفتح لك ان دخلت من الباب ان شاء الله فيختلف قبضات الارض في قبول الاقبال و يتقدم بعضها و يتأخر بعضها و كلما جمعت اجزاء و ائتلفت باختلاف العناصر كمّا و كيفا اختلفت الصور البتة لان كل مؤتلف يقتضي صورة خاصة فيصير اول قدم جمادا لذلك و يتولد بسبب ذلك جمادات كثيرة و لكنها صالحة لجميع ما يصلح له العناصر في المادة الا ما اقعدها منه الصورة الحاصلة فانها فعلية مخصوصة خرجت من قوة العناصر و لاتخرج الا بمرجح من عند الفاعل و اقتضاء القابل و المرجّح لتلك الصورة يضعف ما يخالفها و يضادّها و يناقضها البتة فيبقي جميعها في القوة البعيدة عن تلك الصورة الفعلية و امثّل لك مثالا لتعرف حق المسألة فان الحق يعرف بالمثل و الباطل بالجدل انظر الي الحجر الخاص انه مخلوق من عناصره و هي قبل التصور بصورته صالحة لكل حجر من الجواهر و غيرها و لكن بعد ما خصصتها كمّا و كيفا اقتضت تلك الصورة و الله عز و جل اعطاها لانه المعطي الجواد الكريم و بعد ما تصورت اي ركبت بهذا الوزن الخاص و الكيف المخصوص بعدت عن صور جميع ما يضاد هذا الحجر و ما يخالفه البتة نعم كلها في قوة العناصر ثابتة و اذا اردت تصويرها بغير ما ركب عليها لا بدّ لك من كسر صورة الحجر و ترجيعها الي العناصر و اعادتها علي صورة ما شئت مثال آخر للتوضيح لمن ليس من اهل العلم ان افيون و عاقرقرحا و فلفل و زعفران مثلا تصلح لمعاجين مختلفة و لكن اذا اخذت منها بوزن معين في برشعثا و ركبتها يقضي الامر و يرفع البداء و يبقي جميع المعاجين الممكنة اتخاذها منها في قوتها و تصير برشا بالفعل فان اردت يوما ان تتخذ منها شيئا آخر لا بدّ لك [ص 471] من تفكيك الاجزاء و ردّها الي اصولها او احالتها و الاحالة بتكميل بعض الاجزاء بالزيادة و النقصان بالقواعد الفلسفية و بالجملة لسنا بصدد التفصيل اكثر من ذلك و العاقل يعرف الاشارة و غيره لايكتفي بالف عبارة فالجمادات اختلفت في صورها و اثرت الصور في موادها لما عرفت فيما مضي ان المؤثر هو النفس فعمر في الواقع عالم خاص من انواع الجمادات ثمّ منها من لميعدم قوته بالمرّة و بقي له رطوبته الانفعالية فكثر صلوحه للترقي و التبدل و الاستحالة و منها من عدم القوة بالمرّة و افتقد الصلوح بالكلية بالنسبة الي الحالة الموجودة و ان كان كل شئ فيه معني كل شئ بحسب المادة فما كان من الجمادات رطوبة انفعاله موجودة و طرق سمعها امر الله الدايم ان اقبل و لاتخالف يقبل الي الاعلي بقدم آخر من الجمادية الي المعدنية كما سار من العنصرية الي الجمادية بكثرة الانتضاج و اعتدال المزاج فانك قد عرفت آنفا انه لا فرق كثيرا بين الجمادات و المعادن و هما اخوان في الواقع و سأبيّن لك بعد ذلك كيفية خلقها و كذلك الامر في المعدن كل ما بقي له منها بعد التأليف رطوبة قابلة يصعد صاعدا الي النباتية اذ لا فرق بينهما الا في الصفاء و الكدورة و الغلظة و اللطافة فكل ما لطفت العناصر و صفيت حتي صارت كيلوسية تعلق بها الروح النباتي فيتولد بذلك مواليد كثيرة و يعمر عالم برأسه من النباتات و هكذا يدور الامر فيها بمعني انه كل ما كان منها كثيرة الرطوبة و الانفعال و لميطرؤه الجفاف علي تركيبه يكون صالحا للصعود و اطاعة الرب المعبود فيقدم اليه قدما و ذلك بتلطفه علي ما سيجيء و كونه مولودا بخاريا بعد ما كان كيلوسيا و هكذا يصعد صاعدا في الدرجات و يدلج اقداما الي خالق البريات و في كل مرتبة و مقام كل ما تخلف من المواليد و عاقه الطبع العنيد عن الترقي الي العزيز المجيد قام في مقامه فيترتب علي ذلك انواع و يعمر العباد و البلاد بذلك الي يوم التناد و يومئذ يرجع الي الله و ذلك يوم الجمع لا ريب فيه و سيجيء شرحه من بعد ان شاء الله .