[ص 421] فاذا عرفت ذلك فاعلم انه ليس المراد من تلك الايام مقدار دوران الشمس بسير العرش دورة تقريبا البتة فان ذلك امرٌ محسُوْس لاينكره عاقل فانه ان لميعرف حقيقة الايام يعرف ان هذه الايام ايضا ليست ثابتة قبل السموات و الارض و القول بان اليوم هو مقدار دوران العرش ايضا صادق في نفسه و لكن لايغني من الحق شيئا فانه غير مسلّم ان العرش الكائن المستقر علي الماء هو هذا العرش و لو كان هو هو لزم عدم كونه جسما فان الماء المنبسط دون العرش هو الهيولي او الجسم المطلق و الجسم الخاص العرشي من الماء البتة فانه ايضا سماء من السماوات و لذلك يسمّونه الفلك الثامن و قال الامام عليه السلام انه اخ الكرسي و الكرسي من الماء بلا شك و لو لميكن العرش من الماء لماكان اخاه فان الاخ من مادة اخيه البتة فافهم ذلك فالعرش المستقر علي الماء مستوي الرحمن و هو عرش العلم المحيط بالكون و الامكان و ليس محل بسط القول فيه و علي فرض التسليم ايضا لميثبت حركته المحورية علي الماء قبل خلق السماوات و الارض فان تلك الحركة محدثة في الدنيا و لميكن دنيا قبل السماوات و الارض فلا معني لتأويل الايام بمقدار حركة العرش ايضا و اما ما ذكره المجلسي في المقام فهو في نفسه كلام صحيح الا انه لميكشف عنها بل بيّن مجملا ان هذه الايام غير تلك الايام فلا بدّ لنا من التفحص عنها فاعلم ان القرآن انزل بعلم الله علي نبيه علي اقسام فمنه ما تأويله قبل تنزيله و منه ما تأويله مع تنزيله و منه ما تأويله بعد تنزيله و منه ظاهر معروف و منه باطن غير معروف يحتاج الامة في تأويله الي تفسير الامام و لا شك ان جميعه لمينزل علي الاصطلاح الجاري في الالسنة و الافواه و لو كان هكذا لمااحتاج الامة الي شارح و كانوا يكتفون بما هو المتبادر عندهم و كونه عربيا لايدل علي ان العرب يفهمونه فان الكتب العلمية بعضها عربية و لايعرفها غير اهلها فانصف و لاتلتفت الي قول من يقول برأيه و يستدل بما يشاء من نفسه فلاينبغي ان يقال ان القرآن جارٍ علي الاصطلاح و لاينافي ذلك امر [ص 422] التبليغ بعد ما قرنه النبي (ص) بالشارحين و امرنا بالاخذ عنهم فعلي ذلك بعد ما نظرنا في الآيات الكريمة الدالة علي اوقات خلق الدنيا و رأينا انها لاتستقيم علي الاصطلاح الخاص عرفنا ان الله سبحانه وقّتها و عيّن وقتها بلسان آخر غير العرف الظاهر فلا بدّ لنا من النظر بحادّ البصر حتي نعرف حقيقة الخبر فاعلم ان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان و لميكن معه شئ مما كان فخلق اول ما خلق مشيته بها علي ما بينّا سابقا بلا وقت و لا مدة و لميَمُرّ علي خلقها مدة خارجة عن ذاتها بل اوجَدها بها في نفسها لنفسها ثمّ خلق بها الماء الاول الذي منه كل شئ حي لا من شئ كما ورد ان نسب كل شئ ينتهي الي الماء و الماء لا نسب له اي لا مادة له و اذ لا مادة له فلا وقت له ايضا في خلقه و لا اول له و لا آخر نعم له وقت سرمدي كالمشية و هو ايضا غير محدود بحدّ ثمّ خلق منه الشئ في ستة ايام الكمّ و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة ليس شئ منها في الظهور قبل الآخر و انما هذه مع المادة في حصة الوجود مع الصورة التي هي حصة المٰهية هي الشئ ظهر الجميع دفعة لان كل واحد من هذه الثمانية شرط لكلها في الظهور و الشئ الموجود مركب من الوجود و المٰهية و الستة قيود مقومات لها و هي رتب الصورة عبّرنا عنها بالايام للتطبيق و لانها مركبة من نور و ظلمة نورها من شمس المشية و ظلمتها من جهة امكانها و انيتها فكل مرتبة يوم و ليلة و الاول يوم الكم اي القدر الجوهري اي قدر المادة قلة و كثرة لا الكمّ العرضي فانه من اعراض الجسم و هو بدن بلا روح و قد يسمّي بظل النور و اليوم الثاني الكيف و هو في كل شئ بحسبه و اليوم الثالث الوقت و هو مدة بدء كل شئ و ختمه و هما في كل شئ بحسبه علي ما مرّ سابقا و اليوم الرابع المكان و هو ظرف للحالّ به و يكون من نوعه فمكان السرمديات سرمدي و الدهريات دهري و الزمانيات زماني و اليوم الخامس الجهة و هي وجه الشئ الي اصله و الي توجهه اليه و هي جهة الاستمداد من مبدئه و اليوم السادس الرتبة [ص 423] و هي مكان الاثر من مؤثره في القرب و البعد و هذه الستة المسمّاة بالايام هي اطوار المحدث كما قال الله و قد خلقكم اطوارا و لما كان الامر في المبدء هكذا جري هذا السرّ في جميع الخلق فبني بناء جميع الملك علي الستة فمن الخلق مولود الانسان و الحيوان في الارحام جرت علي سنة الله الجارية فانه لنتجد لسنة الله تبديلا و لا تحويلا و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فخلقها الله في ستة اطوار كما قال في كتابه . . . و كذلك جري الامر بذلك في خلق السماوات و الارض ماتري فيها تفاوتا مع الانسان فانها انسان كبير كالانسان الصغير فلها ايضا ستة اطوار : طور النطفة و هي العقل الاول فانه الماء المخلوق منه جميع العالم و طور العلقة و هي بالنسبة الي الماء الاول بمنزلة الصورة الا انها مجملة كلية و هي النفس و طور الطبيعة المضغة و هي مقام الطبيعة و هي في الواقع علقة منتضجة فان العلقة دم منعقد و بعد انتضاجه يصير لحما ثمّ من بعد هذا الطور طور العظام و هي مادة ثانية للمولود في الواقع و هي مقام الهباء و المادة و قد تسمّي بالهيولي ثم من بعده طور اللحم المكسو علي العظم و هو مقام المثال و الصورة المتعينة و هي اللحم المتشخص الممتاز ثمّ من بعده طور الجسم الخاص و هو آخر الاطوار و تمام المولود و تعيّنه و تشخصه ففي هذه الستة الاطوار خلق الله السماوات و الارضين و ما بينهما و هي في كل شئ بحسبه البتة و قد يعبّر عنها بالاوقات لانها حدود في الواقع و الوقت بمعني الحدّ مع ان الوقت من حدود صورة الشئ و قد يعبّر عن كل وقت بيوم و مثل ذلك في كتاب الله غير عزيز كقوله تعالي كل يوم هو في شان و قوله ذلك يوم الخلود و كذلك في العرف مثله موجود و لايلزم منه مجاز بل اقول حمله في استعماله في الايام الدنيوية علي المجاز اولي كما هو هكذا في جميع المسمّيات فان الاسماء موضوعة علي الماهيات الغيبية و استعمالها في الافراد الشهادية من [ص 424] باب ظهورها فيها كاستعمال الماء في افراده فافهم فانه دقيق هذا و ورد في بعض الاخبار ان الارض مخلوقة في يومين يوم ابتداء و يوم انقضاء و السماوات هكذا فالمراد من الابتداء بدؤ الشئ و هو وقت اخذ الصانع في المادة و يوم الانقضاء اتمام الحدود و الصورة فارضية الملك مخلوقة في يومين و سماويته هكذا و اليومان الآخران يوما الرزق اي الامداد و الاستمداد و هو بافاضة العقل و النفس فانهما من الله و اما الآية الاخري الدالة علي تقدير اقوات اهل الارض في اربعة ايام فيجوز تأويلها الي ما ذكرنا بناءا علي التفسير الاول المذكور سابقا ان الاربعة مجموع الايام و اما ما ورد فيها انها الفصول الاربعة فمحمول علي تأويل آخر و معاني الاخبار غير محصورة كما ورد في اخبار عديدة و يجوز ان يقال ان نزول الآية في غير المقام بل هو في بيان مطلب آخر و لا شك ان رزق اهل الارض يقدر في الفصول الاربعة ثمّ اعلم انه ورد في خلق الخلق انهم خلقوا في ستة اكوان و ذلك ما قال . . .
( انقطع هنا هذه المقالة من الكتاب و لمتتم )
[ص 425] ٤٢٥ [ص 426] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين و الصلوة و السلام علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين و العاقبة للمتقين .
و بعد يقول العبد الاثيم محمد بن كريم ان هذه هي المقالة الثانية من القسم الثالث من ينابيع الحكمة اذ رتّبته علي مقالتين : الاولي في علم البدء و رتّبتها علي مقامات و فرغت من شرحها و ثبتها و الحمد لله و الثانية في علم المعاد و ارتّبها ايضا علي مقامات لاطراد السياق و مراعات الاتساق .
في المعاد و فيها مقامات و اعلم ان المعاد مصدر عاد اي رجع و المعاد بمعني الرجوع و زاد بعضهم رجع بالذات او بالقول او بالعزيمة و في الاصطلاح العود بالمعني الاعم في مقابلة البدأ و المراد من البدأ النزول من المبدأ الي المنتهي علي ما شرحناه في المقالة الاولي فقوس النزول قوس الابتداء و العود في مقابلة البدأ و هو سير الخلق في قوس الصعود فانهم يعودون اي يرجعون الي حيث بدؤا فعلي ذلك بدؤهم من التراب ابتداء عودهم و ذلك قوله صلي الله عليه و آله بدؤكم عودكم اي بدؤ تكونكم رجوعكم الي المبدأ و العَود بالمعني الاخص هو المعني المتعارف [ص 427] المتداول بين اهل الشرع و معناه عود الارواح الي الاجساد بعد الموت و نفخة الصور في القيامة و العود بالمعني الاول عام و بالمعني الثاني خاص بالجن و الانس و ربما يعود بعض الحيوانات ايضا الي اسافل القيمة و قد تسمّي الرجعة ايضا بالمعاد اذ هي عود للارواح في الابدان الاصلية و لذا يقال انها قيٰمة صغري و سيجيء شرح كل في مقامه و مرادي في هذه المقالة بيان جميع المعادات و لا حول و لا قوة الا بالله و اعلم ان مسألة المعاد بالمعني الاخص من المسائل المعضلة التي تحيّر في فهمها الاعلام و غرق في تيّار يمها الاحلام حتي ان جماعة من مدعي الحكمة و الفلسفة انكروها رأسا و قال قائلهم :
حياة ثم موت ثم حشر حديث خرافة يا ابنعمرو
و بعض اخترع من قبل نفسه معادا بعقله يخالف ما حكم به الشرع و بعض من المتشرعين قالوا علينا الاقرار به تعبدا و ان لميحكم به عقولنا و خطرهم اقل من المنكرين و المبتدعين فان الجاهل سكوته و اقراره محض التسليم لآلمحمد عليهم السلام ينجيه من الجحيم الا انه ناقص بجهله و جنانه بقدر علمه و اما المبتدع الذي اخترع لنفسه مذهبا و ابتدع برأيه مسلكا لايسعي الا الي الهلاكة و كلما كان علمه اكثر يكون عذابه اشدّ فانه ليس الجنة الا شعاع نور آلمحمد عليهم السلام و لايدخلها انسان الا بالتسليم و الانقياد لهم ، هذا و في الواقع ليس العلم الا ما خرج من عندهم و غيره جهل و ان كان بصورة العلم و بالجملة النجاة كل النجاة في اتباع آلمحمد عليهم السلام و مشايخنا اخذوا بين الحكماء طريقا وسطا اذ عرفوا لحن الاخبار و وازنوا عقولهم بها و صححوا القواعد الحكمية و الادلة العقلية بمطابقتها فصار حكمتهم موافقة لما حكم به الشرع فصدقوا جميع ما ورد في الاخبار مع الاعتبار و عرفوا حقايق الاشياء اذ صاروا من اولي الابصار و لذلك استشهدوا لجميع ما بيّنوه بالاخبار و انكروا علي من زعم ان الحكمة هي العلم بحقايق الاشياء بقدر الطاقة البشرية سواءا طابق الشرع [ص 428] ام لميطابق و قالوا ان ما لايطابق الشرع هجر لايعتني به سواءا كان من الاصول او الفروع فصاروا ممن بشّر الله بهم في كتابه في قوله و ممن خلقنا امة يهدون بالحق و به يعدلون و انا بحول الله و قوته اريد اتباعهم في هذا المذهب فان وفقني الله له و عرفني الحقايق مطابقة لما صَدر من اصول الحقيقة و مبادي العلوم فاشكر الله علي ذلك و اتبع العقل المنقول و ان لماعرف الحقايق و لماقدر علي التوفيق اترك ما حكم به عقلي و اتبع الشريعة المطهرة ان شاء الله تعالي .
في بيان بعض المسائل الكلية المتعلقة بمعرفة ابتداء الخلق في الصعود و فيه فصول :
فصل - العمدة و الاصل في معرفة خلق الخلق معرفة السلسلتين علي الحقيقة و قد مرّ في المقالة الاولي بيانهما مفصلا مشروحا و ظهر مما بينّا ان هذا العالم المشهود الذي هو عالم الاجسام تنزل جميع العوالم العلوية فجميع ما عرفته و علمته في العوالم العلوية جميعها ثابتة في قوة هذا العالم فما كان فيها من مراتب الفعل كامنة في الافلاك و ما كان من مراتب الامكان اي الانفعال في التراب بل كلاهما في كليهما الا ان في الافلاك جهة الفعل اقوي و في التراب جهة الانفعال اقوي و لذلك تتأثر الارض من السماء و تفعل السماء فيها ما تفعل و من هذا الباب ايضا تأثر الافلاك بعضها من بعض و لو لميكن لها قوة الانفعال و كانت فعلا محضا لماكادت تنفعل و لو كانت الارض انفعالا فقط ماكاد يؤثر بعض اجزائها في بعض فهما فعلان و مفعولان و لكن الحكم علي الغالب و لذا يقال ان الافلاك محال المشية و الارض محل الامكان و قد عرفت فيما مضي ان المشية في نفسها واحدة بسيطة بحسبها لانها المبدأ و لايتصور التكثر في المبدأ و لكنها بحسب المتعلق تقسم الي اربع مراتب و متعلقها مراتب الامكان فان المشية ممكنة اذ لاتكون واجبة و لا ممتنعة و لاتخرج الشئ من هذه الثلثة بالحصر العقلي فهي ممكنة الا ان وجودها راجح اذ لو كان جايزا لبقيت معدومة لعدم مرجح لوجودها فتدبر فان ساير الجوائز [ص 429] ترجح بالمشية و لا مرجح لها غير نفسها و لذا يقال انها مخلوقة بنفسها فافهم و بالجملة فالمشية ممكنة و لكن امكانها دونها اذ لا امكان قبلها فوصفها بالامكان لايكون الا بحسب المتعلق و متعلقه الامكان و كليات مراتبه اربعٌ العقل و الروح و النفس و الطبع و سمّيت في الاخبار باركان العرش اي المشية و المشية تعينت بالفعلية فيها و العقل مقام الاجمال و الكلية فهي فيه ذكر نوعي للمفعول و الروح مقام برزخ بين الاجمال و التفصيل فانه منتهي الاجمال و مبدؤ التفصيل فهي هنا العزيمة علي الامر و النفس مقام التفصيل و التكسير فانها آخر مراتب الغيب فهي مقام التصور و التعين فالفعل المتعلق بها هو التقدير اي الهندسة الايجادية ثمّ ان الغيب لايتم الا بالشهادة كما هو ثابت في محله فلا بدّ لكمال المراتب الغيبية من ظاهر و هو الطبع و هو محل كل تفصيل اذ تفاصيل النفس تتعين و تثبت فيها فالفعل المتعلق به يكون قضاءا حتما فالمشية قد تشعبت في هذه المقامات باربعة و بها يتمّ كل موجود و يكمل كل مشهود و لكنها في نفسها كلية دهرية و لا بدّ لظهورها من تمثّل في عالم الاجسام و تمثلاتها الافلاك و قد ظهرت فيها بحسب قوابلها فالعقل الذي هو الذكر ظهر في العرش و الروح ظهرت في الكرسي و هو مقام العزيمة و النفس ظهرت في فلك البروج محل التفاصيل و القدر و الطبيعة ظهرت في الشمس و هي مظهر تمام الفعل و شؤنه و مظاهره و ساير الافلاك تفاصيل هذه المراتب و شؤنها فزحل يد العرش و هو مقام الاجمال في عرصة الافلاك و ان كان مفصلا بالنسبة و يعينه العطارد في فعله و المشتري ظاهر الكرسي و هو فلك الحيوة و يد المدير و المربي و يعينه الزهرة في فعله و القمر مظهر النفس و فلك البروج في فعله و ان كان فيضه بواسطة الشمس و يعينه الزهرة بنصف قوته و عطارد بنصف قوته و المريخ مظهر الشمس و الطبع في القضاء و هو السلطان الحاكم في الارض و يعينه المشتري بنصف قوته و الزحل بنصف قوته و هو و ان كان بظاهره باردا يابسا الا انه بباطنه حارّ يابس و لذلك يقال انه بمنزلة الماء [ص 430] الالهي المسمّي بذي الوجهين في المولود الوسيط و بالجملة فالافلاك محال المشية و هي يد الفاعل فان الكواكب بمنزلة الاصابع و الشمس كالكف و القمر كالزند و الكرسي هو الذراع و العرش هو الساعد و الله سبحانه يجري فعله بهذه اليد الطويلة في ملكه و لذلك قال لابليس يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي استكبرت ام كنت من العالين قال انا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين و لذلك صارت الافلاك متحركة دايرة علي الارض و الارض ساكنة ثمّ ان الارض ظاهر الارض الجرز و قد كانت رتقا ففتقها الله باشعة الافلاك و اخرج منها الوان المركبات و ذلك قوله تعالي اولمير الذين كفروا ان السماوات و الارض كانتا رتقا ففتقناهما و جعلنا من الماء كل شئ حي افلايؤمنون و الارض في اصل مزاجها رطبة لانها قابلة لجميع فعل العالي و لكنها جفّت في ظاهرها و لذلك ورد انها من زبد الماء و ورد في الخبر ايضا ان الماء بعد جفافه صار ارضا اي ترابا و لو كانت من نفسها يابسة ماقبلت فعل الافلاك و آثار انوار النجوم فان القبول من الرطوبة بل اقول ان العناصر الاربعة جميعها ماء سيّال متراكم اعلاه متصل بالفلك و اسفله عندنا و اعلاه لاتصاله بالفلك و تأثره منه و من اشعة الكواكب و الشمس صار ساخنا حارّا و هو البحر المسجور فسمّي نارا و دونها دونها في الحرارة و لقلة حرارته لميتجفف كل الجفاف و لميتفرق اجزاؤه و لكنه مع ذلك صار رطوبة لطيفة صاعدة منتشرة فصار هواءا و دونه صار ابرد منه و لكنه مع ذلك لميبلغ برودته الغاية فلاتقتضي اليبوسة التي هي من مقتضيات البرد فصار باردا رطبا سايلا جاريا من دون الهواء و بعد ما اثرت فيه الرياح و اشعة الكواكب صار يابسا و لذلك تري هذه الاربعة قابلة للاستحالة فيستحيل دايما بعضها الي بعض الاتري الي البحار ان اطرافها تستحيل الي الارض و الجبال و الاحجار و من الارض تستحيل الي الماء كما تري انه يلحق بالبحر دايما اتربة كثيرة من الاودية و الجبال و الامطار و من الارض [ص 431] بواسطة جزر الماء و مدّه و بسبب الرياح التي تحمل الاغبرة اليه و لو لمتستحل اغلبها الي الماء لنفد الماء البتة و نري علانية ان البحر باقٍ بحاله لايزيد و لاينقص و كذلك يستحيل بعضه الي الهواء فان البخار اذا لطف في الجملة يصير هواءا و بالجملة هذا علم مبسوط شرحه يستدعي رسم كتاب كبير مع انه لايفيد هؤلاء الناس كثير فايدة سيّما في هذا المقام اذ مرادنا هنا الاجمال لا طول المقال .
فصل - لما عرفت ان الافلاك محل الفعل و الارض محل الانفعال فاعلم ان الافلاك ذكر لطبعها و الارض انثي لطبعها و لما اراد الحكيم خلق المواليد خطب امته الارض لعبده السماء و نكح بينهما و جعل لها من المهر من ماله خمسمائة درهم اذ العبد لايملك من نفسه شيئا و تلك الدراهم هي انوار و اشعة من نور توحيده تعالي القاها الي الافلاك لانك قد عرفت ان مظاهر الغيب و انوار التوحيد خمسة كما اثبتناها في القسم الاول و هي مقام الذات الظاهرة و الهوية و الالوهية و الاحدية و الواحدية و قد استنطقت بالهاء و صار زبر الاسم الاعظم و هو هو كما رأي اميرالمؤمنين في منامه خضر عليه السلام فعلمه هذا الدعاء يا هو يا من لا هو الا هو اغفر لي و انصرني علي القوم الكافرين فلما قصّ رؤياه علي النبي صلي الله عليه و آله قال له علّمت الاسم الاعظم و قال الامام عليه السلام في تأويل هو ان الهاء تثبيت للثابت و الواو اشارة الي الغائب عن درك الحواس ، فعرفنا بكلامه ذلك ان الثابت لايثبت الا في هذه المراتب الخمسة و الظهورات اذ الثابت في نفسه لايحتاج الي اثبات فمراده عليه السلام من تثبيته اظهاره في مقام الاكوان بتكونها فتدبر ثمّ لا شك ان قوام كل موجود في العالم بهذه الانوار و لولاها لايثبت شئ اذ لا وجود مع فقد الوجود و لا وجود الا للحق المعبود و يظهر نوره في الهاء مبدأ نسبته في سورة التوحيد فافهم ان كنت تفهم فالمراتب العشرة الطولية التي هي السبحات و مظاهر الاسماء و الصفات تنورت بهذه المقامات قبل الارضين و السماوات و هي من مقام الفعل الي الجسم و كل مرتبة تنورت [ص 432] بخمسة انوار فحصل منها خمسون و استنطق بالنون و جعل بينة كن امر الله النافذ في كل شئ ثم تنزلت و تشعبت فتكثرت فظهرت في الافلاك التسعة و فلك البروج فصار كل سماء جامعا لجميع المراتب الخمسين بينة فعل الله تعالي حتي قام عليها الكاف المستديرة علي نفسها اذ لايظهر الكاف الا في النون و ظاهر الجسم المطلق الذي هو آية فعل الله تعالي في كل موجود فبلغ عدد الانوار خمسمأة و عبر عنها بالدراهم لانها من فضة و مزاجها كالقمر لانها تتولد بتربيته و به حياة الموجود و شرف الوجود فان الحياة بالقمرية في كل مقام فتلك الانوار حياة قمراء و فضة بيضاء مسكوكة بسكة خاتم الاولياء لقوله عليه السلام ان الله كتب اسمي علي كل شئ ، نقلت حاصل الخبر و بعد ما منح الله تعالي الافلاك من ماله هذه الانوار مع انه المالك لما ملكهم امرها بالقائها علي الارض فاصدقها و لذلك جعل الله عز و جل مهر الصديقة الطاهرة ايضا هذا المبلغ فان امر الله واحد في جميع الملك و ليس فعل منه الا لحكمة ، افهم ذلك فهما تنتفع به ان شاء الله فتحرك الافلاك بنكاح غير سفاح بصداق حلال علي الارض و تحركت عليها و القت شعلاتها من صلبها الي رحم الارض و هي بمنزلة نطفة الرجل حارّة عقّادة و القت الارض ايضا نطفتها من ترائبها الي رحمها و هو محل تكوّن المولود فيجتمع الماءان و نطفة الارض هي الرطوبات الارضية و ينضم اليهما بعض الاتربة و هي بمنزلة التراب الذي يموثه الملك بين المائين و يتولد منهما المولود .
فصل - اذا عرفت ما بيناه فاعلم ان هذه العناصر خارجة عن حدّ العباطة برُمّتها بل كل منها مركب في جوهره من عناصر اصلية مثالية كما اثبتنا ذلك في محله و بعد التركيب ايضا حصل لها تغير بالفعل و الانفعال الحاصلين بينها بسبب مجاورة بعضها لبعض و قال ابوعلي بن سينا انها خرجت عن محوضتها لان قوي الاجرام السماوية تنفذ فيها فتحدث في السفليات الباردة [ص 433] اجزاء يخالطها فتصير بذلك بخارية و دخانية فيختلط بها نارية و هوائية و ترقي في العلوية ايضا ابخرة مائية و ادخنة ارضية فيخلطها بها فيكاد ان يكون جميع المياه و جميع الاهوية مخلوطة ممزوجة ثمّ ان توهمت صرافة فيشبه ان يكون للاجرام العلوية من النارية فان الابخرة و الادخنة اثقل من ان يبلغ ذلك الموضع بحركتها و اذا بلغت فما اقوي تلك النار علي احالتها سريعا و يشبه ان يكون باطن الارض البعيد من اديمها الي غورها قريبا من هذه الصفة و ان لميكن بدّ من ان يكون كل جزء من النار و الارض كاينا فاسدا باطنه و ظاهره الا ان ما يخلص الي مجاورة الفلك من النار يمحض و لايكسر محوضتها بشائب و كذلك ما يخلص الي المركز من الارض يشبه المحض لانه لاينفذ فيه تأثير من السماويات نفوذا يعتدّ به و لاينفذ اليه شائب و لايقبل رسوبا الي ذلك الحدّ فيشبه لذلك ان يكون الارض ثلث طبقات طبقة يميل الي محوضة الارضية و تغشيها ، طبقة مختلطة من الارضية و المائية و هو طين و طبقة منكشفة عن الماء جفف وجهها الشمس و هو البر و الجبل و ما ليس بمنكشف فقد ساح عليه البحر و هو اسطقس الماء و يستحيل ان يكون للماء اسطقس و كلية غير البحر الي ان قال بعد كلام له في برهان قوله ان البحر اسطقس الماء و لا حاجة الي نقل كلامه فالهواء ايضا طبقات طبقة بخارية و طبقة هواء صرف و طبقة دخانية و ذلك لان البخار و ان صعد في الهواء صعودا فانه انما يصعد الي حدٍّ مّا و اما الدخان فيجاوزه و يعلوه لانه اخف حركة و اقوي نفوذا لشدة الحرارة فيه و اعني بالبخار ما يتصعد من الرطب من حيث هو رطب و اعني بالدخان ما يتصعد من اليابس من حيث هو يابس و لان البخار بالحقيقة علي ما بينّاه ماء متخلخل متصغر الاجزاء و طبيعة الماء ان يبرد بذاته و صورته اذا زال عنه المسخن و بعد عهده به فيجب ان يكون الجزء البخاري من الهواء باردا بالقياس الي ساير الهواء لكن ما يلي الارض منه يسخن بمجاورة الارض [ص 434] المسخنة بشعاع الشمس المستقر عليها استقرار الكيفيات لا الاجسام و ما يبعد عنه يبرد فيكون طبقة الهواء السافلة بخارا يسخن بمجاورة الشعاع ثم يليه طبقة بخارية باردة ثم يليه هواء اقرب الي المحوضة ثم يليه هواء دخاني و كأنه خلط من هواء و نار و ارض ثم يليه نار فيكون هذه الطبقات ثمانية ارض الي الخلوص و مائي و طين و بر مع الجبال و البحر كطبقة واحدة مركبة و هواء متسخن بالشعاع و هواء بارد و هواء اقرب الي المحوضة و هواء دخاني ناري و نار فهذه طبقات العناصر في ترتيبها و وضعها ثمّ قال في الماء ان ماء البحر ليس حكمه حكم ساير العناصر في ترتيب العلو و السفل و ذلك لأن الماء سريع الاختلاط بما يخالطه ينداف في رطوبته الاشياء و لاينداف في رطوبته الهواء لانه ليس عمقه و ثخنه مثل عمق الهواء و ثخنه فلذلك يشتد اختلاط الآثار بكليته و ينفذ فيه و جذب الشمس لما في باطن الارض و تحريكها اياه يفي بتبليغه وجه البحر و اخراجه عنه و لولا ذلك لكان ظاهر البحر و ما يلي وجهه اقرب الي طبيعة الهواء و كان لا كثير تأثير فيه للارضية و ليس كذلك بل ماء البحر كله مالح وجهه او زعاق و الماء لايتغير التغييرات التي بعد الكيفيات الاول (كذا) بنفسه انما يتغير بمخالطة شئ آخر و الهواء اذا خالطه جعله ارق و اعذب و لميجعله ملحا انما يصير ملحا بسبب الارضية المحترقة المرّة اذا خالطته فلميخطئ من زعم ان ملوحة ماء البحر لارضية خالطته اذا اعتقد مع ذلك شرط الاحتراق و المرارة ، الي آخر كلامه و ما ذكره بعضه صحيح و بعضه ناقص و حاصل المطلب ان العناصر لمتبق علي سذاجتها و عباطتها بل هي مركبة ممتزجة حتي ان البحر الذي قال فيه ما قال مركب الا ان اجزاءه تختلط بعضها ببعض و لا شك ان ملوحته ليست من نفس الماء بل هي من الاجزاء الارضية المالحة التي تنحل في الماء و يشهد بذلك الخبر المروي عن الامام عليه السلام ايضا ثمّ انه لميلتفت الي الخلط و المزج [ص 435] بالمجاورة ايضا كثيرا بل كان نظره الي تأثير الاجرام العلوية و لكنه لا شك في ان كل عنصر يؤثر في ما يجاوره و يختلط و يمتزج به فالتراب المشهود تراب و ماء و نار و هواء و لذلك تري انه يستحيل اليها و كذلك الباقي و لايخفي ذلك علي اهل الصنعة فيشبه ان يكون هذه العناصر مواليد و الاسطقسات في غيبها و كذلك الامر في الافلاك فان العقل السليم حاكم بان كل فلك يؤثر في غيره و يشهد بذلك تأثير النجوم بعضها في بعض كما لايخفي علي المنجم الماهر و وجه ذلك بطريق الحكمة التي هي قرة عين الضرير ان كل شئ مركب من مادة و صورة و المادة مقام القوة و الصورة مقام الفعلية و القوة لا فعل لها سوي الانفعال اذ هو فعل ايضا و الصورة فعلها بحسب استعدادها ● و كذلك المادة الشخصية من حيث التشخص قويٰها بالنسبة الي شئون صورتها خاصة كما ان صورتها كمالها بحسب سعتها اذ نحن قد اثبتنا فيما مضي ان المادة الشخصية لكل شئ خاصة بها غاية الامر انها بنسبة متممات تلك الفعلية قوة فعلي ذلك لاتصلح مادة زيد ان تنقلب الي عمرو و مؤمن الي كافر و ما تري في عرصة الدنيا من الانقلابات و الاستحالات في المواد البدنية بلا اكتراث فذلك لنوعيتها بالنسبة الي الامثلة الملقاة فيها و لعرضيتها و المواد الشخصية الذاتية ليست حالها ذلك و لكن المادة النوعية صلوحها بحسب الافراد التي دونها و صورتها ايضا لاتمنعها كالحديد المطلق مثلا بالنسبة الي السيف فان السيف الجيّد الارحبي الجيد لايصاغ الا من حديد ذكر خالص و حديد ليّن انثي لايصلح لسيف جيد البتة و لكن الحديد المطلق يصلح للظهور بكل سيف بل لغيره فعلي ذلك كل مادة شخصية تصلح للظهور باطوار صورة واحدة اعني اطوارا و حالات لايخرجها [ص 436] عما هي عليه كان تكون بهذا اللباس في هذا الوقت بهذا الكيف و الكمّ و غيرها من الاعراض العامة الخارجة عن ذات الشئ فهذه المادة تصلح في فسحة وجودها للترقي و التنزل و التغير و التبدل بحسبها في تلك الفسحة لا غير و اما المادة النوعية فهي النوع الواقع فوق بعض افراد مجتمعة كالحديد المطلق فوق الحديدات و الفضة فوق الفضات و هكذا فهي تصلح للتطور بجميع الاطوار التي دونها فيمكن تكمل افرادها في نوع ظهوراتها فيتكمل فرد من افرادها في سعة الوجود المطلق الساري فيها بان يخلع صورة خاصة به اقعدته عن صورة شريفة اخري و يلبس صورة شريفة عالية عنها و تلك الصورة غير الصورة المذكورة بل هي الصورة التي جعلتها قابلة كصورة ذكرية الحديد و طهارته و صلابته و لينه و انوثته فبملاحظة كون جميعها حديدا يصلح الجميع لما تلبس به الآخر من افراد الحديد و لكن مع حفظ الحديدية لايمكن ان يخرج هذا الفرد من تحت نوعه البتة و اما بملاحظة ان صورة الحديد لبست علي الزيبق و الكبريت بكمّ خاص و كيف مخصوص به و نفسهما صالحتان لجميع المعادن فيمكن تربيتهما و تكميلهما في كمّهما و كيفهما و اخراج الفضة من كمون الحديد اذ هذه القبضة الخاصة التي لبست صورة الحديد لايمكن ان تلبس صورة الفضة لا مطلق الزيبق و الكبريت فاذا غيرت كمّهما و كيفهما يمكن لك استخراج جميع المعادن منهما و لكن غيرها اي الفضة في قوتهما البعيدة و ليس للفلسفي اخراج غيرها منهما و اما ان كان نبي قادر يتمكن من ردّهما الي الاسطقسات من غير فساد الجوهر يتمكن ان يأخذ منها كل ما اراد حتي انها اذا ردّت الي الامكان تصير صالحة لكل شئ فمدار الصلوح علي سعة المادة و التي تتغير هي المادة و من الاكوان تلك العناصر الاربعة و هي في اصطلاحنا مركبة من عناصر مثالية و في اصطلاح القوم موادها الجسم اذ لميعرفوا العناصر الهورقلياوية و علي فرض القولين لكل عنصر مادة شخصية لها فسحة وجود بحسبها و مادة نوعية سارية [ص 437] في الاربعة و هي النوع القريب ايضا فاما المادة الشخصية فهي صالحة لاطوار الصورة الخاصة فان المادة الشخصية للماء تصلح لماء لطيف و ماء كثيف و ماء حلو و ماء حامض و ماء مُرّ و هكذا فيمكن تكميلها فكل ماء ذي فعلية من المتممات صالح لمتممات اخري فاذا قاربه ذو فعلية اخري يكملها في صفته بحسب كماله و لكن مادة الماء في نفسها من افراد الاسطقس المطلق الساري في ساير العناصر فلذلك تصلح في نفسها للتكمل بكمال ساير العناصر فتخرج من نوعها الي نوع آخر كما ان بالاكسير يمكن تكميل قابلية النحاس و اخراجها من نوع النحاسية الي الفضية و كذلك اذا جمع الماء مع التراب و صار غالبا يحلّه و يذيبه و يصير ماءا بالمجاورة كما ان الماء يصير ترابا و الهواء ماءا و نارا و النار هواء و بالجملة فهذه العناصر قابلة للاستحالة و يستحيل بعضها الي بعض بالمجاورة و بتأثير الافلاك فهذا التراب المشهود لايكون ترابا صرفا بل ربما نقول ان التراب لايكون لونه هذا اللون و لا وزنه و لا طبعه و كذلك اخواته فان كلها انقلبت عن صرافتها بل تكون دائما في حال الانقلاب و الاستحالة حتي انه ربما يجوز العقل ان يقال انه يعرض كل عنصر كل يوم ما لميكن عرضه قبل ذلك لكرور تأثير الفواعل و توارد اعراض القوابل مع دوام قبولها مع انها لاتفي بدفع الاعراض و الآثار عن نفسها فعلي ذلك الارض كل يوم جديد و السماء كل يوم جديد فالسماء دائما تمور و الارض و الجبال دايما تسير و تمرّ مرّ السحاب صنع الله الذي اتقن كل شئ .
فصل - اعلم ان جميع المواليد تتولد بين السماوات و الارض فان شعلات الكواكب تلقي و تطرح علي قابلية الارض و الارض مستعدة لقبولها و كما ان المولود يتولد في رحم الام من نطفتها و نطفة الاب كذلك يتولد المواليد من العناصر و شعلات الكواكب و لكنها محض كيفيات تربيها و تكملها و لكن لا شكّ ان هذه العناصر بصرافتها لاتصلح للتركب و الامتزاج [ص 438] فلايحصل المولود من بينها الاتري ان النار صاعدة منتشرة و تقتضي حيّزا مخصوصا و التراب هابط متقلص و يقتضي حيّزا و مقاما مخصوصا و الهواء و الماء بين بين فلاتجتمع و لاتختلط الا بعد الاستحالة و تغير صورها كما قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام نار حايلة و ارض سايلة و هواء راكد و ماء جامد ، فانها اذا صارت هكذا تصلح للتركب و الامتزاج و الا فلا و بعد ما تغيرت الي هذه الصور تلبس صور الماء و الدهن و الارض و هي الروح و النفس و الجسد كما في المولود الهرمسي غاية الامر انها في كل مولود من الجمادات و النباتات بحسبها هذا بمقتضي ما اثبته المتقدمون بتجاربهم و لكن في يومنا هذا استخرج اهل الافرنج علما سمّوه بالشيميا اخذوه من الكيميا و مرادهم منه علم صناعة التجزية و عرفوا بالتجزية ان المواليد مركبة من اصول مختلفة تجتمع بالاختلاف فيها حتي انهم عدّوا اكثر من عشرين اصلا يمكن تركيب المركبات منها و لكنهم لايبينون امر العناصر و الكيان علي اصطلاح الفلاسفة و لكنا عرفنا ان جميعها حق فان العناصر مواد هبائية للمواليد و يؤخذ منها الماء و الدهن و الارض ثمّ تركب الثلثة و يحصل من تركيبها الاملاح و الشبوب و الكباريت و المياه فتتركب و يحصل من تركيبها المواليد باختلاف كيوفها و كمومها و قد يجمع غيرها ايضا في الحيوانات و الاناسي و ليس هنا محل بسط الكلام في ذلك و مرادي محض بيان ان المواليد لاتحصل من نفس العناصر بل العناصر لا بدّ من تغيرها و بعد التغير لا بدّ ان تتصور بصور علي صور حتي يحصل المولود من بينها و ذلك سرّ التركيب علي نحو الحقيقة و اعلم ان العناصر المذكورة ايضا مجموعة في التراب و الماء علي ما عرفت سابقا و لايلزم الاتخاذ في التركيب من النار و الهواء بل تركيبهما مع الماء و التراب لايحصل الا بتدبير كثير و طريقه بعيد و استخراج نارهما و هوائهما ايسر من تقريبهما الي التركيب و لذلك تري ان الله لميذكرهما في كتابه في [ص 439] مادة المواليد الدنيوية بل ذكر الماء و التراب فقط فقال مرّة خلق الانسان من صلصال كالفخار و هو ماء و تراب و مرّة قال فاستفتهم اهم اشدّ خلقا ام من خلقنا انا خلقناهم من طين لازب و مرّة قال خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا و هو بظاهره النطفة المأخوذة من التراب و الماء و قال ان مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون و قال تعالي و الله انبتكم من الارض نباتا و بالجملة لميذكر في مادة المواليد غير الماء و الطين مع انها من العناصر جميعا و ذلك لمحض ان النار و الهواء في كمونهما و يستخرجان منهما بتربية الافلاك فتنقلب الي الاخلاط الاربعة فيحصل منها المولود المركب و هذا السرّ سارٍ في خلق كل مخلوق من الجماد و النبات و الحيوان و الانسان و كل مولود يتولد في هذه الدنيا من هذه العناصر و ليس كلامنا في المقام في بيان كيفية خلقها فانه من علم الطبيعة و علمنا هذا مما وراءها و لكن مرادنا في المقام شرح ظهور النفس و بيان تعلقها بالابدان و رجوعها الي مبدئها و ما يحصل له فيها و ما يلحق بذلك و اما نفس بيان التركيب و كيفيته و ما يتعلق به فبحري ان يثبت في الطبيعي و ان وفقني الله و اطال بقائي الي ان كتبت فيه شيئا اثبت جميع هذه الجزئيات فيها ان شاء الله .
فصل - في بيان مسألة شريفة لا بدّ من بيانها في المقام و ان ظهر بعض المرام مما مضي في بيان النفس بل ان عرفت تمامها يظهر لك جميع سرّ البدأ و العود و لكن لا بدّ من التوضيح و البيان من غير الحوالة فان فيها نوعا من الاقالة و بها تضييع لحق طلبة العلم فاعلم ان النفس الكلية مطلقة مبهمة و لا اختصاص لها في نفسها بشئ دون شئ و وقت دون وقت و ليس لها خصوصية بمولود و لو بالنوعية اعني ليس لها خصوصية الحيونة و النماء و الجمودة بل و لا الانسانية الخاصة و ان كانت هي في حدّها انسانا كاملا لانها مجموع صور العالمين و اللوح المحفوظ و لها كمال جميع الفعليات و لكن الخصوصيات و الجزئيات يحصل لها في [ص 440] مرايا القوابل و قد تمثلت في عرصة الشهادة بالجسم المطلق اذ ليس مرءات لظهور المطلقات اجلي و انسب من المطلقات فصارت نفسه فظاهره الامتداد المطلق اعني قابلية الطول و العرض و العمق و باطنه النفسانية الكلية الا ان النفس تظهر في الشهود في كل مرءات بحسبها و لا ريب ان الجسم المطلق في طبعه لايقتضي العلم الخاص و الحلم المتميز من العلم و الذكر الخاص المتميز منهما و هكذا و لكنه يقتضي كمال وجود مطلق و هو من النفس المطلقة بل وجوده من العقل المطلق و اطلاقه من النفس لانه صورته ثمّ ان الجسم المطلق قد تمثل بالافلاك فتعين فيها بحسبها فصار كل فلك جسما متمثلا بنفس خاصة و نفوسها هي الارواح المتعلقة بها و قد تعينت و تمثلت بما يناسبها ففي العرش صار الغالب عليه العقلانية التي هي جهة وجود الجسم و جوهره و في الكرسي صار الغالب جهة النفس الكلية لجامعية الكرسي بالنسبة الا انها تعينت بالقدس و في الزحل ظهر نفس عاقلة و في المشتري نفس عالمة و هكذا الي ظهرت في مجموع العناصر و ظواهر الافلاك نفس نباتية و في افراد العناصر نفس جمادية فتفصلت في هذه البسايط سماوات عالم النفوس و ارضوها و ليس فوقها سماوات منفصلة من الارضين لعالم النفس بل فوق عرصة الاجسام عرصة الكلية و الابهام و ان عرفت هذا المطلب تعرف ما يقال ان ارض المحشر في الكرسي و عنده سدرة المنتهي و جنة المأوي و ساير الجنات في السماوات العلي و العرش سقفها و الجحيم في الارض و هكذا و سيجيء بعد شرح هذه المطالب ان شاء الله و اعلم ان ساير المراتب السبعة ايضا كلها ظاهرة في الجسم بحسبه و به ظهرت في هذه البسايط فليس غيرها عالم منفصل متباين عنها كما يتصور المبتدي اعني ان جميع ما طرق سمعك او عرف قلبك كلها في هذه البسايط لا غير الا انها تدرك و تشاهد بالنظر فالسماء مثلا جسم اذا رأيت مادة مقترنة بالصورة مع الاقتران و مثال سماء [ص 441] اذا رأيت صورتها من حيث انها ظهور النفس في تلك المادة و مادة اذا رأيت جوهرا شهاديا و طبع اذا رأيت الجوهر القابل و هو بعينه نفس اذا رأيت سماوية مستقلة في السماوية و روح اذا رأيت رقايقها و عقل اذا رأيت كلية و فؤاد اذا رأيت نوريته و آئيته فكلها في كل فلك و ارض بهذه المثابة فالغيب و الشهادة مجتمعان لايتفارقان ما دامت الدنيا باقية و اذا جاء اجلها و اراد الله خلوص العوالم العالية يصفّيها و يخلصها منها بمورها و سيرها و يخرج ارواحها خالصة من الشوايب كما يؤخذ الزبدة من اللبن و قد بينّا ان الامر في هذا العالم كالانسان فكما يخلص بالموت و يرجع الي مبدئه كذلك هذا العالم بلا فرق و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فتدبر .
فصل - ربما يرتفع اشكال عظيم بما بينّاه في كيفية خلق المواليد في كل عالم و لكن لا بدّ من التنبيه فانه ليس كل ناظر بنبيه و اورد اولا اشكالا اورده الاستاد اعلي الله مقامه يوما بعد درسه و انا يومئذ كنت في سن الشباب و اظن اني كنت ابن اقل من خمس و عشرين قال اولا في ضمن افاداته اعلي الله درجاته ان الامر في جميع العوالم بنسق واحد و اثبته بالبراهين ثمّ قال كما انه يتولد المواليد في هذا العالم بين السماوات و الارض بحركتها و دورانها علي الارض كذلك يتولد مواليد كل عالم بدوران افلاكها علي ارضها حتي ان الحقايق لاتتولد الا بدوران سماوات عالم الحقيقة علي ارضها و منها يتولد المواليد ثمّ اورد بعد درسه او في حال التدريس اشكالا عظيما قال رفع مقامه ان افلاك عالم الحقيقة عبايط خالصة عن الاعراض غير مشوبة بالامراض بل افلاك ساير العوالم حتي المثال بالنسبة الي هذا العالم هكذا و اذا دارت علي الارض يؤثر شعلاتها بعضها في بعض و ينقلب مزاج كل فلك و كل عنصر عن عباطته و يحصل عالم عرضي و هو هذا العالم و اذا تغيرت الافلاك و العناصر تتولد المواليد البتة فكيف التوفيق بين هذين المطلبين و امر اصحابه بالجواب فسكت الجميع و لميجب احد سواي كتبت اوراقا بحسب فهمي الناقص و تلقاها اعلي الله مقامه بالقبول و اذكر بعضه [ص 442] في المقام لانه كالمنصوص عليه قلت ان جميع هذا العالم كانسان واحد و له جميع مراتب الانسان من الحقيقة بل الآئية و فوقها الي الجسم بل الجسم العرضي و هذه المراتب لاتنفصل بعضها عن بعض بل بعضها في غيب بعض و كان الامر هكذا من اول يوم لا انه كان عقل مثلا و لميكن روح و كان روح و لميكن نفس و كان نفس و لميكن طبع و هكذا فان ذلك غير معقول بل حق المقام ان الله خلق عالما جامعا لجميع المراتب ثمّ ادار افلاك الاجسام و فيها افلاك جميع العوالم فدارت علي ارضيها و فيها امكانات الجميع و خلق منها بها مواليد جميع العوالم و لميلزم من دوران ساير الافلاك علي ارضيها تغيّر فيها او نقول انها تحركت و حصل من حركتها افلاك عرضية هي هذه و لايلزم من بروز العرض فساد الجوهر بل هو محفوظ و يؤثر اثره و يخرج من الامكان نظيره ، مثال ذلك ماء البحر فانه اذا ضرب به الريح العاصفة و اماجته حتي ازبد لايلزم من ذلك فساد جوهر الماء بل هو محفوظ بحفظ الله و مع ذلك يؤثر في ما يلاصقه و يكمله البتة و كذلك حال هذه الافلاك تدور و فيها افلاك غيبية و وراءها شموس و اقمار و نجوم و تؤثر في الارض و تخرج المواليد و المواليد مثلها اي لها اجسام و نفوس و عقول و حقايق و كل مرتبة من مراتبها خرجت بفعل فلكها البتة اذ لايؤثر الاداني في الاعالي فان الجسم بجسمانيته لايتمكن من استخراج الروح و النفس هذا في الكون و اما في الشرع اي الوجود الشرعي فافلاكه انسية و قوابله انسية و التدبيرات فيها انسية و لايلزم من دوران افلاكه علي ارضه تغيّر في جوهره و كل مرتبة من مراتبه تكمل القوابل المستعدة و تخرج ما يناسبها من دون ان يلزم نقص في غيرها اذ امر الانسان بالاختيار دون الاضطرار فيمكنه العمل في ما يشاء بما يشاء مع امساك ساير المراتب كما في اعضائه الظاهرة فانه يمكنه العمل باليد دون الرجل و بالرجل دون العين و هكذا الامر في مشاعره الباطنة يتمكن من العمل بخياله دون فكره و بهما دون وهمه و هكذا فافهم و تدبر في مطاوي كلماتي اذ كان [ص 443] مرادي الاختصار فصارت المطالب بعضها مندرجا في البعض و يظهر المطلب للناظر بادني تأمل ان كان مراده الفهم و الا فتغطيته عنه اولي .
فصل - الآراء قد تشتتت و الاهواء قد تفرقت في حقيقة النفس و اختلف اقوالهم و تفرقوا ايدي سبا و وقع كل منهم وراء حصي و ان ذكرت اقوالهم و فصلت ادلتهم يطول المقال و يورث الملال فاقتصر علي مُرّ الحق و من كان من اهل التتبع مطلعا علي كلماتهم ربما يعرف وجه بطلان اغلب آرائهم و سخافة ادلتهم و قد مضي في علم المبدأ بيان كثير في علم النفس الا انه لا بدّ في المقام من بيان ما يتعلق به فاعلم ان الله تعالي ذات كاملة من كل حيث مع انه لا حيث لها سوي نفس كون الذات هي هي و قد تفسخت دونها الحيوث و بطلت الجهات اذ هي الاحد الحق و الفرد المطلق و كمالها ليس من صفات الاضافة بل ليس من الصفات اذ يلزمها نوع اضافة و لو الي الموصوف و لكنه كمال ذاتي اي ذات الكمال اذ هي صرف الوجود و حقه تعالي شأنه فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و الكامل المطلق ليس له جهة قوة اذ القوة هي النقص بل لا معني للنقص سواها فكل النقص ثابت للامكان و كل الكمال ثابت للكون و الكون البسيط ثابت لله تعالي اذ كل كائن غيره مركب من كون و امكان ثمّ ان الله الكامل بالفعل تجلي الي مشية مطلقة و هي الوجود المطلق و قد قيد بالاطلاق لان وجوده لايتعلق بشئ سابق عليه اذ لا خلق قبله و قد خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية فلايشترط وجودها بشئ غيرها نعم تكون قائمة لله تعالي و قد اقامها بها فيكون وجودها مطلقا غير مقيد بخلاف الوجود الجايز فانه مقيد بوجود المشية و لذلك قسّم ما عبّر عنه بالوجود بالحق و هو الله تعالي و المطلق و المقيد و لا رابع لها و بالجملة خلق الله المشية بها في مقامها و هي وجود اذ المعدوم لاينخلق و هو فعل الله تعالي و الفعل مركب من جهة الي الفاعل هي حيث الصدور و جهة القبول و هي حيث الانفعال و هو المفعول المطلق و هو قائم بالفعل موجود به كضَرَبَ ضربا فان الضرب [ص 444] الفعلي هو حركة الفاعل و الضرب المصدري هو صورة تلك الحركة و هي مقام القبول و هو الامكان و يعبّر عنه ايضا بالوجود اذ ما سوي الوجود غير موجود و ان كان وجوده وصفيا بالنسبة الي الوجود الفعلي و الوصف قايم بموصوفه فهو مقيّد به فانه لو لميكن الفعل لماكان مفعول ابدا و لذلك عبّر عنه بالوجود المقيد و لانه امكان جميع المفاعيل سمّي امكانا كما ان الوجود المطلق ايضا امكان جميع الافعال فالمجموع امكانان امكان فعلي و امكان انفعالي و اول كون اخرج من هذا البحر القمقام الدرة البيضاء و القصبة الجوفاء عرش الاكوان و مصدر الاعيان و معني كل الكلمات و فاتحة السور و الآيات و هو العقل الاول و الروح المخلوق من الامر كما قال الله تعالي يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي و هو و ان كان مقيدا في وجوده بالعلل الاربع الفاعل و الفعل و المادة و الصورة الا انها منه كالنار من الشعلة فان ظهور الجميع منه و لاتقوم خارجة عنه و ان لمتكن داخلة فيه و لست بصدد شرح ذلك اذ مضي بيان هذه الاسرار في هذه الينابيع و الحمد لله ثمّ خلق الله من العقل جوهرة متعينة كاملة قائمة بها غنية عما سواها مادتها من تأييداته اي فعله و نوره و صورتها من الكون العلمي اي الوجودي و هي علم الله تعالي بالمعلوم اي العلم الخلقي و اللوح المحفوظ المكتوب بقلم الابداع و هو الانسان الكامل و هو تمام الغيب و به قامت السماوات و الارض و في انفسكم افلاتبصرون اذ هي كرسي العالم و وسع كرسيه السماوات و الارض اي جميعها شؤنه و شعبه و قال الامام عليه السلام جميع ما خلقه الله في الكرسي فافهم ثمّ انه بعد ما تم عالم الغيب تنزل بالشهادة و هي له بمنزلة البدن للروح و قد مرّ سابقا بيانه و لانعيد فاذا عرفت هذا البيان الشريف و الكلام المنيف تعرف انها جوهرة نورانية اذ خلقت من نور مشية الله كاملة لان النور علي صفة منيره و هي العالمة القادرة الذاكرة الفاكرة الحليمة النبيهة اذ جميع ذلك من كمالات العقل الكامل لكمال مشية الله تعالي فمن زعم انها عرض من الاعراض [ص 445] لميعرف الحقيقة و ضلّ عن الطريقة و من قال انها جسم ان اراد انها جسم كالاجسام لميعرفها و كأنه زعم انها البخار المنبعث من القلب و كذلك من سمّاها هواءا و ماءا و نارا لميعرفوها و من قال انها المزاج مع انهم عرّفوه بانه كيفية متوسطة بين الكيفيات زعم انه عرض من الاعراض غفلة عن حقيقة الحال و لعلك قد عرفت من هذا البيان الشريف البديع انها لاتكون مجردة بمعني تجرد الذات لان الله تعالي لميخلق شيئا فردا قايما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه و لكنها مجردة من المواد الجسمانية نعم هي في ظهورها و فعلها تتعلق بالمادة الجسمانية و فرقها مع العقل المعنوي في ذلك اذ هو في فعله لايحتاج الي الجسم اذ هو علة الجسم و سيظهر لك تمام البيان ان شاء الله حتي تقف علي المراد .
فصل - كما عرفت ان النفس في الملك هي مقام العلم و التعين بالنسبة و هي تمام الملك و حقيقته فاعلم ان النفس من كل شئ ايضا هي عينه و حقيقته و هي صورته و يدل علي ذلك العقل و النقل الاتري انك تسمّي كل شئ في الدنيا باسمه بصورته و اذا تغيرت لاتكاد تسمّيه بها و ان المواد العرضية الدنياوية لها بمنزلة المحال لذيها فانك تجلس في مقام يوما و ليس هو منك و لا اليك و تقوم حينا و يجلس غيرك و نسبة مكانك منه كنسبته منك بدون تفاوت و كذلك نسبة المواد العرضية من صورها فان صورة السرير هي عينه و حقيقته و تمامه و كله و المادة العرضية كالخشب ليست الا كمكانك منك فانها تظهر عليها يوما و ترتحل و لذلك قد تظهر علي غير الخشب ايضا و لو كان الخشب منها لماكان ما حلّ في الحديد سريرا مع انه سرير و لذلك نقول ان النسبة بين المواد و السرير عموم و خصوص من وجه فنفس السرير عين صورته لا غير و كذلك كل شئ هو هو بصورته و الاحكام الشرعية و الكونية كلها تابعة للصور الاتري ان الكلب يحكم عليه بالنجاسة ما دام كونه علي صورته و اذا وقع في المملحة و استحال يحكم عليه بالطهارة و كذلك الخمر خمر لصورتها و اذا استحالت الي الخل طهرت مع [ص 446] ان المادة واحدة بلا شك و لو كان المادة بعض الشئ حكم عليها بما حكم علي الكل و كذلك الامر في الآثار الطبية العلاجية لا شك ان الماء و الطين يستحيلان الي العقاقير و يظهر منها آثار مختلفة و روايح متفاوتة و ليس شئ منها راجعا الي المادة فان للماء و الطين اثرا خاصا بهما و للعقاقير آثار غيره و اذا رجعت الي الماء و التراب لايبقي لهما الا ما يخصّهما من الآثار و ذلك اعظم شاهد علي ذات كل شئ صورته المقومة التي بها يمتاز عن غيره نعم ربما يشتبه الامر علي بعض المبتدئين فيغلطون اذ يزعمون ان المقومة هي الصورة العرضية حتي انهم ربما يزعمون ان صورة زيد هي تخطيطات بدنه الجسماني و لذلك يستبعد بعض ان تكون هي نفسه و لكن العاقل البصير و الناقد الخبير يعلم انها ليست صورة زيد الاصلية بل هي صورة المادة الجسمانية و هي بالنسبة اليها ايضا عرضية الاتري انها تتغير مع بقاء المادة و لو كانت من ذاتياتها لماتغيرت بالبداهة و اذا كانت عارضة للمادة الجسمانية مع ان المادة ايضا عرضية لزيد فكيف تكون صورة زيد نعم تلك الصورة نفس لتلك الاجزاء حين تلبسها بها و ربما تفارق النفوس و يعقبها نفس آخر فافهم ذلك و بالجملة فنفس كل شئ صورته و تلك الصورة في كل شئ هي آية الوحدة المتجلية لاركان هذا الشئ و هي المزاج في الواقع اذ المزاج عندنا هو الواحد المتجلي من عرش الله تعالي علي الاركان بلا واسطة او بواسطة و وسايط غاية الامر انه في كل شئ بحسبه فان الوحدات متفاوتة و ليس وحدة كل احد كوحدة الله الاحد جل شانه الاتري انك تقول للانسان واحد و لله تعالي واحد و لكن الله تعالي واحد احدي المعني و الانسان واحد اي كثرات تركبت فلبست صورة واحدة و بينهما فرق كثير و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و هكذا يكون جميع الوحدات الخلقية نسبية من المشية الي آخر الكاينات و هي من حيث التعلق بالاجسام و كونها منشأ الآثار نفوسها و هي الامزجة بل هي الارواح فان الروح قد يستعمل و يراد [ص 447] منه البخار او الحرارة النافذة و قد يستعمل و يراد منه النفس و هي اصل الحياة و منها العلم و الارادة و القدرة اذ هي آثار وجودية تصدر من النفس .