فصل - قال ابوعلي في صفة الجسم التعليمي اِما ان يقصد به صورة هذا من حيث هو محدد مقدّر مأخوذة في النفس ليس في الوجود او يقصد به مقدار ما ذو اتصال بهذه الصفة من حيث له اتصال محدود مقدّر كان في نفس او في مادة فالجسم التعليمي كأنه عارض في ذاته لهذا الجسم الذي بينّاه و السطح نهايته و الخط نهاية نهايته و قال الآخوند رحمه الله في كتابه الكبير انهم اختلفوا في حقيقته و تشعبوا الي اقوال فاحدها انه عرض متصل يمكن فيه فرض الخطوط الثلثة علي وجه التقاطع بالزوايا القوائم و يكون اتصاله غير اتصال الجوهر الممتد فعلي هذا يكون في الجسم متصلان احدهما صورة جوهرية و الآخر صفة عرضية و يكون احدهما كمّا و الآخر متكمما به و احدهما قابلا للقسمة العقلية غير متعينة الابعاد و الآخر قابلا للقسمة الوهمية الجزئية متعينا في ابعاده الثلثة ممسوحا بمساحة متعينة لكنهما متّحدان للوضع و الاشارة الحسية و لايخفي فساده لورود ثالث الاشكالات عليه و ثانيها انه متصل بالذات و يكون به ممتدية الجسم الطبيعي بالعرض و هذا مردود بما علمت ان الجسم في مرتبة مٰهية متصل و فصله الذي يمتاز به عن الجواهر الغير الجسمانية ليس الا مفهوم قولنا قابل للابعاد الثلثة و علمت بالبرهان انه لولا الاتصال الجوهري في الموجودات لماصح لشئ من الاشياء الموجودة صفة الوحدة الاتصالية و لماصدق علي شئ حمل المتصل لا بالذات و لا بالعرض و ثالثها انه [ص 398] مجموع امور ثلثة هي الطول و العرض و العمق للجسم و فيه ان هذه الابعاد ليست بنعت الكثرة موجودة في الجسم و الجسم التعليمي من الموجودات الخارجية بالفعل و رابعها ان في الجسم اتصالا واحدا منسوبا الي الصورة الجسمية بالذات و الي مقدارها التعليمي بالعرض فحينئذ اما ان يراد بالجسم التعليمي نفس تعين امتداد الجسم و تحدد انبساطه في الجهات فلزم ان لايكون من مقولة الكمّ و اما ان يراد به الصورة الجسمية مأخوذة مع التعيين المذكور محيّثة بالحيثية المذكورة فكان له اتصال بالذات لا بامر خارج عن ذاته بل من جهة اشتمال ذاته علي الصورة الجسمية و يشبه ان يكون هذا هو الذي اختاره المحققون و يوافقه كلام الشيخ في الشفاء و التعليقات و كلام تلميذه في التحصيل و توضيحه ما افاده بعضهم ان ليس في الجسم الا ممتد واحد في الجهات فاذا اعتبر ذلك الممتد في الجهات علي الاطلاق بدون تعيّن امتداداته تعينا في التقدّر و تحصّلا مقداريا سواء كان مقدارا مطلقا او مقدارا مخصوصا فكان بهذا الاعتبار صورة جسمية و جوهرا و ان اعتبر من حيث هو بتعين مّا مقدار مّا كان جسما تعليميا مطلقا و اذا اعتبر من حيث هو متعين مخصوص كان جسما تعليميا مخصوصا ثمّ ذكر ايرادا و جوابا لانطيل بذكرها الكلام حاصلها انه يلزم من هذا القول ان لايكون الجسم التعليمي عرضا بل يكون مركبا من جوهر هو الجسمية و عرض هو تعين الامتداد و اجاب بما حاصله ان المفهوم المركب من الجوهر و العرض و ان لم‌يكن عرضا اذ لايكون له محل اصلا لكن المركب من معني الجوهر و العرض يجوز ان يصدق عليه تعريف العرض لان مفهوم العرض شامل للمركب من الصورة و العرض فان الهيولي و ان لم‌تكن موضوعا للصورة و لكنها موضوعة للمجموع الحاصل من الصورة و العرض و قال في المخلص العرشي بزعمه الحق ان معني الجسم التعليمي الشئ الممتد المتعين الامتداد بحيث يمسح بكذا و كذا لذاته مساحة حاصلة من تكرار مكعب واحد و ما في حكمه و ليس كون الممتد جوهرا داخلا في هذا المفهوم اصلا كما [ص 399] ليس داخلا في شئ من المشتقات كونها جوهرا او عرضا من حيث مفهوماتها و ان لم‌تكن في الوجود منفكة عن احدي الخصوصيتين فهذا الامتداد الذي هو في الجسم اذا اخذ علي الاطلاق يكون مقوما للجسم و محصّلا للهيولي و اذا اخذ متقدرا متعينا في جهاته و قطع النظر عن كونها جزءا للجسم او صورة للهيولي لان كون الشئ جزءا لشئ آخر اضافة خارجة عن مفهوم ذاته و كذا كون الشئ صورة لامر قابلي بحسب المفهوم غير داخل في مفهوم ذلك الشئ فيصحّ للعقل ان يعتبره مطلقا عن هذين الاعتبارين النسبيين فهذا الممتد المتعين الامتداد داخل تحت مقولة الكم بالذات و مفهومه بسيط عن اعتبار دخوله في الجسم و تقويمه للهيولي و ليس مركبا عن المعني الذي هو به مقوم للجسم و عن معني آخر عرضي ليلزم تركبه عن جوهر و عرض ، هذا خلاصة كلامه ثمّ نقل بعض الايرادات و الاجوبة من القوم و جميعها متقارب و وجه اختلافاتهم عدم اطلاعهم علي حقيقة الجسم فمنهم من راي اجساما جزئية زعمها حقيقة الجسم الطبيعي فزعم بمقتضي زعمه ان التعليمي كمّها و منهم من عرف ان مٰهية الجسم فوقها و اثبت لها كما مطلقا و اثبت للاجسام الخاصة كموما جزئية فقسم الجسم التعليمي ايضا بوهمه و لو انهم عرفوا الحقيقة مااختلفوا و الحق في المقام ان الجسم التعليمي في الواقع صورة الجسم فالجسم المطلق صورته مطلقة و المقيد صورته مقيدة و تلك الصورة في الجسم المطلق الامتداد النوعي المطلق و قد يعبّر عنه بالكم او السطح المطلق و كما ان نفس الجسم يظهر في الافراد و يتخصص في بطونها يظهر الكمّ المطلق ايضا بالكموم و لانريد من ذلك ان صورته منحصرة في الكم بمعني انه لا كيف له و لا وضع و لا ساير الاعراض بل يثبت له الجميع في الواقع الا ان الحكماء بعد ما اصطلحوا لصورة الجسم لفظ الامتداد و مرادهم من ذلك انّا نجد ممتدا غير متعين يثبت في الامتدادات الخاصة و الجسمية تثبت بذلك الامتداد و قد يعبّرون عنه بالاتصال سمّوه بالجسم و مرادهم انه صورة الجسم لانه جسم [ص 400] غير الجسم الطبيعي و وصفوه بالتعليمي في مقابلة الطبيعي بمقتضي انهم يتكلمون عنه في الرياضيات فيحتاجون في تحديده الي تعليم و تعلّم لا ان التعليم صفته بالخصوص و بالجملة وجه تخصيص صورة الجسم بالكمّ ذلك و ربما لاحظ بعض السابقين ايضا ان الكيف جارٍ في ساير العوالم ايضا بحسبها و الوضع يجري في الامثلة ايضا و المكان و الزمان يثبتان لساير العوالم و كذلك الباقي و ما يخصّ الجسم هو الكمّ خصّوه به و ذلك وجه وجيه ان عرفوه و لكن ساير الاعراض ايضا تثبت للجسم بالاطلاق و لذلك قلنا انه جوهر قابل للكل و لكنهم اختاروا الابعاد المخصصة في المكعبات و امثالها و مرادهم الاشارة الي الكم فنحن نتكلم ايضا علي سياقهم فنقول ان الجسم المطلق له مساحة مطلقة غير متعينة و لذلك يظهر في كل ذي مساحة و لاطلاقها و ابهامها لاتبعض و لاتجزي و لذلك تظهر في كل شئ و بعضه و بعض بعضه كما ان الجسم الطبيعي بنفسه اي بمادته لايتبعض بتبعض الاجسام هذا و قد قلنا ان هذا الكم هو صورة الجسم و الهيولي تتعين بالجسمية بها فلو خلت عنها لاتبقي بعد الا الطبيعة المطلقة كما اثبتنا سابقا فالجسم جسم بهما و كل منهما بعض الجسم فلايكاد ينفكّ عن الهيولي ابدا فكلما ظهرت ظهرت بها فجميع ما يسمّي بالجسم يري فيه هذا الكم المطلق و ما لا كمّ له لايظهر فيه الجسم ابدا ثمّ ان هذا الكم يخصص في الاجسام الجزئية بحسبها فكل جسم خاص يثبت له ابعاد خاصة و اما وجه التخصص فسيظهر لك فيما سيأتي ان شاء الله و هذه الابعاد الخاصة المتعينة تمسح و تقدر في المقيدات و تقبل التقسيم و اما ابعاد نفس الجسم فلاتقبل التقسيم لانها مطلقة اي مبهمة فطوله طول مطلق و عرضه عرض مطلق و عمقه عمق مطلق و ظهور كل واحد منها فيما تري من الاطوال و الاعماق و العروض و هذا معني قولنا ان الاطوال الخاصة افراد الطول المطلق و العروض افراد العرض المطلق و الاعماق افراد العمق المطلق و هي كمّ الجسم المطلق لا انها تقوم منفردة عن المادة و ربما يشتبه الامر علي الناس حيث [ص 401] سمعوا مشايخنا اعلي الله مقامهم انها مثالية قايمة في المثال فيزعمون انها تقوم بلا مادة مع ان هذا من المحال الذي لايقوله الحكيم بل الامثلة موجودة علي المواد مطلقاتها علي الجسم المطلق و مقيداتها علي الاجسام المقيدة و ذلك سرّ من الاسرار كشفته لك ان عرفت فافهم و انا اروي لك كلاما من ابي اعلي الله مقامه ليطمئن قلبك ،

قال في رسالته المسماة بمواقع النجوم : اعلم ان الجسم هو جوهر محدود بالحدود الكثيفة المعروفة مطلقه محدود بمطلقاتها اي الكيف و الكمّ و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان المطلقة و مقيده محدود بحدود خاصة كالكيف الخاص و الكم الخاص و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان الخاصة و تلك الحدود لازمة للجسم كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام كلما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، فهي مساوقة للجسم لا وجود لها بدون الجسم و لا وجود للجسم بدونها فلايسبقها الجسم فيكون موجودا بدونها و لاتسبق الجسم فتكون موجودة بدونه فهما مساوقان في الوجود و ان كان الجسم معروض هذه الكيفيات و يكون تحققها به و ظهوره بها فاذا وجد الجسم وجد الزمان و المكان معه و ان لم‌يوجد لم‌يوجدا فالزمان الموهوم قبل وجود الاجسام كلام لا معني له و التوهم المخالف للخارج باطل و الزمان الخارجي وقت الجسم تابع له مساوق معه لايتخلف احدهما عن الآخر فالزمان و المكان المطلقان لازمان للجسم المطلق و الزمان و المكان الخاصان لازمان للجسم المقيد و ذلك ان الزمان هو امتداد كينونة الجسم و الايام و السنون مكائيلها كما روي عن الصادق عليه السلام في حديث مفضل بن عمر (ره) و المكان الذاتي هو بعد امكاني هو شاغله اي هو حصة من الامكان قد حلّ عليها ما به يسمّي الجسم جسما و ذلك البعد لايفارقه و لايمكن خروجه عنه الي غيره و حلول غيره فيه كخروج شئ عن شئ و دخول شئ في شئ فالجسم المطلق مكانه اطلاقي و زمانه اطلاقي و الجسم المقيد مكانه مقيد و زمانه مقيد تدبر فيما قلت تعرف الرجال [ص 402] بالمقال فنحن و ان لم‌نذكر اقوال الناس يتبين للحكيم مقدار كلامنا و بطلانها و حقيته فتدبر و تفهم ، اقول يكفيك هذا الكلام الموجز عن كل كلام و لان ضربت اباط الابل دهرا لاتكاد تجد مثله و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

فصل - لما اتينا علي المراد من وجود الكلي الطبيعي و بيان الجسم التعليمي بقدر اقتضاء المقام ناسب ان نشير الي مسألة شريفة ينكشف بها اسرار جمة بحول الله و قوته فاعلم ان المطلق موجود في الخارج علي ما بينا و لكنه لايكون عاريا عن التمثل فان وجود المطلقات عاريا عن التمثلات من المحال و التمثلات هي الوجودات المقيدة فهي تلزمها دايما فالجسم لايكاد يوجد في غير هذه التمثلات نعم هو مقدم عليها دهرا و ليس معني التقدم الدهري تقدم المكان او الزمان بل المراد منه الهيمنة و الاستعلاء لا باستعلاء مكاني كالسماء من الارض بل بالاستعلاء الذاتي فهو مقدم عليها مع انه معها و داخل فيها مع خروجه عنها و خارج منها مع دخوله فيها و معني ذلك انه داخل في اعماقها بالنفوذ و الطي و خارج عنها بالتوحد و التفرد و التنزه عن كثراتها ، فحاصل الكلام ان الاجسام المقيدة اجسام ممثلة اعني ان وجوده التمثلي نفس المقيدات فهو موجود بالوجود التمثلي بها فلا وجود له بغيرها و هي مساوقة معه في الوجود الا انها زمانية و هو دهري فان تكن المقيدات موجودة في رتبتها كان موجودا في رتبته و ان لم‌تكن لم‌يكن و كذا ان كان موجودا في رتبته كانت موجودة في رتبتها و ان لم‌يكن لم‌تكن فليس في الخارج الا هي فان نظرت اليها قاطعا نظرك عن قيودها فليس الا المطلق و ان نظرت الي الخصوصيات و تباين بعض عن بعض ليس ثَمّ الا المقيدات فاذا لا موجود في الخارج سوي الجسم مع انه لا موجود سوي السموات و الارض و ما بينهما و هي معني كون الجسم في الخارج ان وجد يوجد هكذا و ان لم‌يوجد لم‌يوجد الاتري ان مولاك قال في صفة الله عز و جل لم‌يمثّل فيكون موجودا ، فكل موجود ممثل فاذا وجد التمثلات يكون المطلق موجودا في مقامه [ص 403] بالاطلاق و المقيدات بالتقييد و هو في دهره و هي في زمانها و لو لم‌تكن التمثلات في الدنيا لماكان مطلق دهري في الدهر و لو لم‌يكن مطلق لماكان مقيدات و اعلم ان هذا السرّ يجري في جميع المطلقات و المقيدات و كل مطلق اعلي يتمثل بما دونه فاعلي المطلقات ظهوره و تمثله في ما دونه الي ان ينتهي الي هذا العالم عالم الجزئيات المشهودة فعلي ذلك جميع ما دخل عرصة الوجود هو تمثّل المطلق الاول و وجوده الخارجي ان كان كانت و ان لم‌يكن لم‌تكن و ان كانت كان و ان لم‌تكن لم‌يكن .

فصل - لما اتينا علي هذا البيان الشريف ناسب ان نذكر بيانا في حدوث الاجسام فانه مسألة شريفة طال ما بحثوا فيها و لم‌يعرف الاكثرون حقيقتها فمنهم من ذهب الي ان مجموع الملك قديم و لكن اجزاؤه حادثة و لايلزم من حدوث الاجزاء حدوث المجموع و منهم من ذهب الي حدوثها بالحدوث الزماني كلها و اجزائها و منهم من اثبت الحدوث الذاتي فيما لايجري فيه الحدوث الزماني و ابحاثهم كثيرة و لا عبرة بنقلها فانه لا طايل تحتها غير تسويد الاوراق و تضييع الاوقات فاكتفي بذكر الحق و اسأل الله حسن التوفيق فانه خير رفيق ، فاعلم انه قد ثبت لنا بالنقل و العقل ان جميع ما سوي الله حادث فعلا كان او مفعولا مجردا كان او ماديا و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و يعدّون القايل بحدوث الارادة و العقول المجردة جاهلا ابلها مع ان الامام المعصوم يصرح بحدوثها بل الكتاب ينطق به و لكنهم زعموا ان الحكمة من المعقول و لايجوز الرجوع فيها الي المنقول حتي ان بعض الملحدين عابوا علي شيخنا اعلي الله مقامه انه يتبع الاخبار في المعقولات و لايحذو حذو الفلاسفة و الصوفية في البيانات و لايضرّه و ايانا ردّهم بعد اتباعنا ساداتنا و ائمتنا صلوات الله عليهم اذ نحشر يوم القيامة و نحن تحت لوائهم و هم يحشرون تحت لواء افلاطون و شيعته و محيي‌الدين و مردته قال الله تعالي يوم ندعو كل اناس بامامهم بالجملة كل من هو غير الله خلقه ، حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث (غيرهما ظ ) [ص 404] و معني المخلوقية الحدوث اذ لا معني لها سوي انه لم‌يكن ثمّ كان فكل مخلوق مسبوق بالعدم لا بمعني قولهم ان عدمه يسبقه فان العدم ليس بشئ حتي يسبق الشئ بل بمعني انه لم‌يكن قبله و جميع الخلق و اجزاؤه كلها هكذا و قد خلقها الله نعم بعضها مخلوق من شئ و بعضها مخلوق من لاشئ و كلها مخلوق لا من شئ اذ لم‌يسبق الخلق شئ يصلح للمادية و لايفرض خلقها من مادة ازلية و قد اخطأ من ذهب الي هذا الرأي بل اقول انه تكلم بما لم‌يعرف فان المادة الازلية اذا تصورت تغيرت و كل ما هو صالح للتغير لايكون قديما فان القديم لايتغير فكيف يتصور تغيرها و ان قال انها قديمة بصورها لاحال فان حدوث المتجددات امر مشهود لاينكره من اقر بمعبود هذا و تلك الاصول الازلية غير الذات القديمة اذ الرب لاينقلب مربوبا و لايقول بذلك عاقل فلايكون مادة خلقه فان المادة هي الجزء المدبر المربي و الله سبحانه تعالي عن ذلك علوا كبيرا فهي غيره و يلزم من ذلك تعدد القدماء و هو محال آخر فلا محيص من الاقرار بان مجموع الملك مخلوق لا من مادة سابقة بل مادته فيه و صورته عليها و قد مرّ سابقا شرح هذه المسألة و ان احببت فراجع فمجموع الملك مخلوق لله خلقه لا من شئ غيره و لا حاجة الي بيانه في المقام و لكن الكلام في حدوث المجموع و ذلك ايضا امر ظاهر و من انكر حدوثه لم‌يعرف الله اذ زعم ان الله هو علة خلقه بذاته او صفته الذاتية و ذلك قول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل لانّا قد اثبتنا ان العلية و المعلولية من الصفات المتضايفة كالابوّة و البنوّة و غيرهما فان العلة ما له معلول و المعلول ما له علة و لايتصور علة بلا معلول فالذات ان كانت علة لزم اقترانها بالخلق الحادث و تنزل من قدمها لتلبسها بصفة الحدوث و يلزم من ذلك تفاوتها و انقلابها الي الحدوث فتحتاج في وجودها و قوامها الي محدث و هو الله تعالي فالله لايكون علة خلقه و ان قلت يلزم من ذلك حدوث الحادث بلا علة او بعلة محدثة و الاول محال و الثاني محل الكلام اذ ننقل الكلام الي علة حدوثها اقول علة حدوثها نفسها [ص 405] كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، و الباء للسببية و ان قلت كيف تكون نفسها علة حدوثها مع انها حادثة اقول ان الحدوث من لوازم الامكان و هو مٰهية الخلق الاول و هي المخلوقة المستحدثة بالنفس و النفس هي الوجود العلمي المتعلق بها فافهم فانه دقيق و هذا السرّ سارٍ في كل الخلق فانك اذا لاحظت النفس من حيث هي لاتلتفت الي الحدوث و ان كانت في الخارج ظاهرة بالحدوث و لذلك يكون معرفتها معرفة الله القديم الغاية و لو كان مفهومها عين مفهوم الحدوث لزم من ذلك معرفة الله بالحدوث تعالي عن ذلك علوا كبيرا و لاتزعم من كلامي انها قديمة في ذاتها نعوذ بالله فان القديم الحق لايكون فقيرا الي شئ و هي في نفسها مفتاقة الي الله اذ هي لله و بالجملة هذه مسألة صعبة مستصعبة لايطلع علي حقيقتها الا من فتح الله عين بصيرته فنرجع الي ما كنا بصدده فللخلق علة محدثة منها و هي المشية و ذلك قوله عليه السلام كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، فلايلزم من حدوث مجموع الملك حدوث الذات اذ هو موجود بنفسه اي بعلة من نفسه ، هذا و حدوثه لايكون زمانيا حتي يلزم منه عدم حينا مّا بل حدوثه سرمدي حقيقي و مرّ سابقا في الامور العامة بيانه و لايلزم من ذلك تعدد القدماء كما زعموا فانه قال قائلهم ان الحادث الذاتي قديم زماني فان القديم الزماني قدمه نسبي و القدم النسبي حدوث في الواقع فتدبر ثمّ ان اجزاء الملك متفاوتة في الحدوث فان بعضها في عرصة الزمان و بعضها فوقه اما ما هو فوق الزمان فلايقدر بالزمان ابدا لان الزمان وقت لايحد به الا الجزئيات و المواليد الجسمية اذ هو من اعراض الجسم فلايقدر به العقول و النفوس و الكليات الدهرية فحدوثها حدوث دهري و معناه وجود كل شئ في مقام وجوده و فنائه في اعلي منه فالعقل حادث لانه محلول في الفؤاد معقود في اول الدهر و النفس حادثة يعني انها محلولة في العقول معقودة في وسط الدهر و كذلك الطبيعة الكلية وقتها في اسفل الدهر فحدوثها حدوث دهري و لكن بعض الناس زعموا ان العقل قديم [ص 406] و النفس حادث زماني لان بدأ نشوها من الزمان و قولهم مخالف للكتاب و السنة فان العقل اول مخلوق خلقه الله عن يمين عرشه و هو جوهر مربوب و لا قديم سوي الرب تعالي و النفس ليست في الزمان و لا منه و لا انبعاث لها من الجسم بل هي مولود دهري نبت من ارض العلم كما في الخبر و مرّ سابقا شرحهما فلا معني للحدوث الزماني فيهما ، هذا و لو كان النفس زمانية لمابقيت ابدا مع انه ثبت بالضرورة بقاؤها و خلودها و لا شك ان الزماني لاينقلب دهريا و جميع هذه المسائل مسلّمة عند العقلاء لا ريب فيها نعم ان النفس زمانية التعلق بمعني انها تتعلق بالبدن في الزمان و يرفع تعلقها فيه فاذا رفعت عنه تبقي في دهرها ابدا دهريا ، بقي الكلام في الجسم لا شك ان الزمان اي الوقت من حدوده و لكن اذا كان المراد من الزمان دورة الافلاك او فلك الافلاك لايجوز ان يوقت بها انفسها اذ الدوران هو الحركة و الحركة ليست ذاتية الافلاك اذ هي الكمال الاول نحو الكمال الثاني و الكمال غير ذات الفلك بالبداهة فهي بانفسها لاتكون زمانية نعم يجوز ان يحدد بها المواليد المستحدثة في الدنيا و ذلك مسلّم و كذلك نفس الجسم ايضا لاتوقّت بحركاتها اذ هي منزهة عن انفسها فضلا من صفاتها و اذا كان المراد من الزمان ما وصفناه و هو مدة نسبة الافراد بعضها الي بعض و مدة تلبس المواد بالصور يجوز ان يوقت الافلاك و العناصر و جميع الجسمانيات بالزمان و بما بينّاه في تعريف الاوعية يرتفع جميع الاشكال و الحمد لله المتعال ،

فاذا عرفت هذا المطلب الشريف فاعلم ان مجموع الاجسام لايكون مولودا زمانيا اعني ان الافلاك و العناصر الصرفة خارجة من الزمان بمعني دوران الافلاك و حركة الشمس و القمر اذ هي اعراض طارية و ان كان مباديها بعيدة و نهاياتها غير محصورة لايعلمها الا الله و لكن لها بداية و نهاية و نهايتها الي انفس الافلاك و العناصر قبل الحركة و اما الزمان بالمعني المختار فلايضرّ جريه في انفس الافلاك ايضا الا ان المدة فيها لاتكال بدوران العرش و الافلاك بل تكال بنفس بقائها [ص 407] و لذلك يقال ان وقتها فوق الزمان بل ربما تلحق بالدهر فانه بمعني الزمان الطويل و لكنها لاتخلو من زمان اذ الجسم محدود بالاعراض و هي الكيف و الكمّ و الوضع و الوقت و المكان و تلك الستة حدوده التي لايبقي بدونها الا انها في المطلق مطلقة و في المقيد مقيدة و اما الاربعة الباقية و هي الاضافة و الجدة و الفعل و الانفعال فهي اعراض نسبية و الجهة و الرتبة ايضا من ملحقات المكان و الحاصل ان الجسم لا بدّ له من وقت كما انه لا بدّ له من كيف نعم الجسم الذاتي المطلق وقته مثله اذ المراد منه امتداد كينونته كما انه لا بد له من مكان و هو البعد الامكاني الذي هو شاغله و هما ذاتيان له اذ لايوقت بهذا الامتداد الذي هو صورته الذاتية و لايتمكن في مكانه الذي هو مادته الذاتية غيره فالجسم له وقت و هو زمانه فكل ما وجد الجسم يوجد له زمان و كل ما فني يفني زمانه و لكنه فوق الليل و النهار بل هو بنسبته اليهما قديم اذ لم‌يكن حركة للافلاك لم‌تثبت الجسم فافهم و اما الافلاك و العناصر فلها حالتان حالة اولية و حالة ثانوية اما الحالة الثانوية فهي حالات طارية مستحدثة لم‌تكن ثمّ حدثت و حدوثها في زمان فهي حوادث زمانية فان تلك الصورة المرئية علي التراب حادثة بسبب الاختلاط و الامتزاج الحاصل من تركيب العناصر و تأثير الكواكب و يشهد بذلك العقل السليم و النفس القويم الاتري ان قطعات التراب تتغير حالاتها بمرور الازمان و توالي الملوان و تواتر الدوران دوران الافلاك عليها و ذلك امر لاينكره عاقل و ان لم‌تتفطن بذلك انظر انه يحدث منها النباتات و المعادن و المواليد الاخر بتأثير النجوم و لايختص تأثيرها في قطعة دون قطعة اذ نسبتها الي الكل بالسوية و يسبق بعضها علي بعض بحسن القبول بمقتضي القابلية و لا شكّ انه يحصل نوع اثر في ما لم‌يتشكل باشكالها ايضا و ربما تتشكل باشكالها بعد قليل و ذلك ادلّ دليل علي ان جميع قطعات التراب تتغير عن طبايعها فهي في الواقع مواليد مثل المركبات الخاصة الا انها لم‌تتعين بصورها و قد تولدت من التراب العبيط بسبب الفعل و الانفعال الّذين هما من اعراض الاجسام [ص 408] و يشهد بذلك ايضا الاستحالات الدائمة المشهودة في العناصر و كذلك حكم الهواء و الماء و النار فالعقل بعد ملاحظة هذه الحالات يحكم بتة علي ان هذه العناصر المشهودة في تلك العرصة جديدة بل هي في كل يوم جديد و الصورة الملبوسة علي كل منها هذا اليوم غير الصورة السابقة و كذلك كل سابق غير لاحقه و ليست تلك الحالات المتعاندة و الواردات المتنافية الا كما يرد علي شخص واحد من الحالات و هي بلا شبهة حادثة و كذلك الامر فيها فهي كلها حادثة زمانية اعني انها لم‌تكن قبل يومنا هذا و حدثت بعد و لا شك ان كل معدود ينتهي الي مبدأ و كذلك الامر في هذه الافلاك المشهودة فان العقل و النقل حاكمان بانه لا فرق بينها و العناصر في قبول التأثر و الانفعال و قول من انكر تأثر الافلاك قول باطل كقول من انكر تأثيرها فانها اجسام مركبة سهلة القبول لما يرد عليها لعدم صلابتها و عدم اتحاد اجزائها كما زعم جماعة قال الله تعالي ثمّ استوي الي السماء و هي دخان و الدخان جسم لطيف حارّ رطب مع اليبوسة الكبريتية و كل جسم قابل البتة لانه مخلوق من الهيولي القابلة نعم هي لقوتها و رفعتها لاتنفعل عن فاعل ضعيف و لكنها لاتتعصي فعل القوي سيّما ان كان من جنسها فكل فلك يتأثر من اشراقات غيره كما ان كل نجم يتأثر من غيره و يشهد بذلك اختلاف آثار النجوم بحسب اختلاف البروج و المراكز و المزاجات و غيرها مما يطول بذكرها البيان فبعد ما دارت الافلاك و اشرقت و ادارها فلك الافلاك بمقتضي طبعه تغيرت عن عباطتها و تبدلت فطرتها فحصلت افلاك غير الافلاك الاولية و نجوم غير النجوم الفطرية البتة و ان تركت ما استأنست به من المقدمات الناشئة من الآراء او العادات تري ما اقوله امرا معيّنا موافقا للفطرة الاولية الا ان الناس اكثرهم لايعقلون و لو خليت الافلاك و طبايعها تري شمسا غير هذه الشمس و قمرا غير هذا القمر و نجوما غير هذه النجوم و يدلك علي ذلك اختلاف حالات القمر في البروج الاثني‌عشر بمحض وقوعه قبالها فان القمر المستشرق من [ص 409] شعاع الثور مثلا غير القمر المستشرق من شعاع العقرب و كذلك حاله في قراناته و اجتماعه مع الشمس فهو في كل يوم متطبع بطبع غير طبعه الاول و كذلك يتكمل من حركته و استشراقه من الشمس و حركات ساير الافلاك و في كل يوم يحصل له صورة غير ما كان عليه و قس عليه ساير الافلاك و النجوم فهذه الافلاك الثانوية ايضا حوادث و حدوثها زماني البتة لانه لايجتمع الحال السابق مع اللاحق و كل ماضٍ غير الحال و كل غابر غيرهما و لا شك ان الموجود من الطبايع دايما الحال الثابت علي المواد و ، ما فات مضي و ما سيأتيك فاين ، فكل دورة من دورات الافلاك حادثة زمانية اذ لها امتداد خاص زماني و كل صورة حادثة ايضا زمانية بل نفس الليل و النهار ايضا حوادث زمانية و اما انفس الافلاك فلايجري عليها هذا الامتداد اذ هي قبل الحركات و الصور المستحدثة فلايجري عليها ما يجري عليها فلايتصور وقت زماني لم‌يكن الزهرة زهرة و العطارد عطارد اذ الاوقات الزمانية فروع وجودهما فهما ثابتان في كل زمان و لكنهما ايضا موقتان بوقت جسماني ايضا و هو فوق زمان تلك الصور العارضة البتة و لذلك يقال انها مثالية كما ان انفس تلك الافلاك ايضا مثالية و كذلك انفس العناصر ايضا مثالية و هذا معني قولنا ان العناصر الاصلية مثالية و العناصر الدنيوية حاصلة من تركيبها و كذلك السماوات فعلي ذلك لم‌يمض علي هذه الافلاك العبيطة و العناصر العبيطة وقت زماني لم‌تكن موجودة في مقامها و لكن مضت علي الافلاك الجديدة اوقات زمانية لم‌تكن بالبداهة و اما الجسم الظاهر في الافلاك و العناصر فهو ايضا موقت بوقت و لكن وقت ظهوره فيها لايكون مثاليا بل هو دهري كما ظهر لك مما مضي و يكفي هذا القدر من البيان في المقام ان شاء الله .

فصل - لما عرفت حدوث الاجسام المقيدة باختلاف قيودها لا علينا ان نبيّن بعض الحكم في صدورها من الجسم و لعله لايبقي اشكال في المسألة بعد معرفة معني الحدوث في كل مقام فان اصل الاشكال في هذه المسائل ينشأ من تصور [ص 410] مرور الازمنة علي نفس الجسم و امثلته اذ ربما يتصور المبتدي انه كان زمان كان جسما مطلقا ثابتا بلا افلاك و عناصر ثمّ حدثت فيتحير في كيفية صدورها منه مع كليته و لكنه قد ظهر لك مما مرّ ان الجسم لايكون ثابتا الا في هذه الافلاك و العناصر و معها بل جنس الاجناس لايثبت الا فيها و بها علي ما مرّ ان عرفت فمااتي زمان قام جسم بلا افراد حتي نبيّن كيفية صدورها و حكمه بل خلق الله الجسم يوم خلق في دهره و له افراد في عالم المثال و الزمان و هو ظاهر فيها بل معني كونه في الدهر كونها هاهنا و لكن لا شك انها انوار الجسم و اشعته التي رتّبها الله عليه و اظهرها منه حين خلقه و هو الاصل و هي الفرع و لوقوعها بهذا الوضع حكمة البتة و هي ان الاثر الصادر من مؤثره له مراتب بحسب قربه منه و بعده و ذلك ان الاثر لايكون بسيطا سيّما مع كون المؤثر ايضا مركبا و قد عرفت ان الجسم المطلق مركب فاثره يتبعه بل يكون اشدّ تركيبا و اكثر اجزاء فله فسحة وجود البتة اذ يثبت له اجزاء و له امتداد اذ هو نفس صورة الجسم فكل ما كان منه اقرب من الجسم اي حيث اعلي الاثر الصادر من الجسم يكون اشبه به و كل ما كان ابعد منه اي حيث اسفله يكون اقل شباهة به كما تري ان النور الصادر من الشعلة يضعف كلما بعد منه حتي يصير مظلما و ذلك ظاهر لا غبرة عليه فالاقرب بالجسم يكون اوحد و ابسط و اقرب من الاطلاق لان نفس الجسم مطلق و الابعد لضعف بنيته يتشعب و يكثر البتة الاتري ان النور اول صدوره من المنير يكون شبيها به في اللون و الشكل و كل ما يبعد يتغير لونه و هيئته البتة فاوّل الاجسام يكون جسما متوحدا متفردا اطلسا و آخره يكون في غاية التفصيل حتي ينتهي من كثرة اختلاف الاجزاء و تنافرها حدّ الموت و الفقدان و العدم و لو لم‌يبلغ هذه المنزلة لايمكن استخراج المواليد المختلفة منه فصار مبدأ عالم الاجسام العرش المتوحد و آخره العناصر و العرش في غاية القوة الممكنة في المقيدات من كل حيث و هو في نفسه اقرب الاجسام من الدهريات و لذا يكون حركاته متشاكلة و دوراته غير مختلفة و اجزاؤه مؤتلفة و لذلك [ص 411] يكون حيّا اذ الحيوة مع اتحاد الصورة كما لايخفي فانه ليس سبب موت التراب الا اختلاف اجزائه فانك اذا اخذتها و صفّيتها و ركّبتها بالاعتدال تحيي كما تري في الدم الحاصل في ابدان الحيوانات فانه لم‌يزد الا اتحادا و تشاكلا في الجملة فصار حيّا باذن الله فتدبر و لا شك ان بين العرش و التراب يحصل طبقات و درجات و كل ما كان اقرب من العرش يكون اشبه به البتة و بيان ذلك علي نهج الاختصار ان المادة الكلية مختلفة المراتب و ليست بصفة واحدة من اللطافة و الكثافة فكل ما كان منها الطف و اصفي و اعدل يقوم ارفع و يقتضي صورة مناسبة لها فان الصور علي حسب المواد البتة و كل ما كان منها اكثف يكون ابعد و اخفض و يقتضي صورة مثلها و ان اردت ان تعرف مثال ذلك فانظر الي البحر فان جميعه ماء و لكنه لو خلي و طبعه يقوم غلايظه اسفل و لطايفه اعلي البتة و قد عبّر الله عز و جل عن اللطايف بالدخان و عن الغلايظ بالزبد فانه حاصل من غلايظ الماء الاتري ان الجوهر اللطيف لايزبد و كلما كان اغلظ يعلو زبده فادخنة الماء و هي اللطايف الصاعدة بحرارة مشية الله صارت سماوات و كل دخان اعلي تصوّر بسماء اعلي و كل اعلي اقرب من اعلاه و كل ادني اقرب من ادناه فما صار مجاورا للعرش المتعين بالمعنوية الكلية صار كرسيا متعينا بالروحية الملكوتية و ما صار مجاورا له صار متعينا بالنفسانية فصار فلك البروج و دونه ساير الافلاك بحسب درجاتها افهم ذلك فلذلك صار درجات الاجسام مختلفة و قد ظهر في اعاليها فعلية الجسم و من العناصر جهة انفعاله و بعبارة اخري نقول ان الاثر له جهة الي المؤثر و جهة الي انيته اما الجهة العليا فهي كلها نور و خير و هو جهة الوحدة و اما الجهة السفلي فهي كلها ظلمات و شرور و هي جهة الكثرة ذات شأون و تفاصيل و حيوث و تماثيل فلاتكادان تلتئمان و لاتتحدان ابدا ابدا لبعد المناسبة الباعثة للمنافرة الا بواسطة برزخ بينهما يكون بمنزلة النفس و الصابون في المولود الهرمسي و ذلك قول الله تعالي بينهما برزخ لايبغيان و البرزخ لايكون برزخا [ص 412] الا بمزاجين من سنخ الاعلي و الاسفل حتي يتناسب الاعلي باعلاه و الاسفل باسفله فيصير بمنزلة الكلاب بينهما يربطهما و ذلك قول الفلاسفة ماء من طبيعتين و ارض من جسدين و قد قال الله تعالي ان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله و حكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما فان الآية الكريمة بظاهرها في حكم شقاق الزوجين و تأويلها في ما نحن بصدده فبين اعلي الاجسام و اسفلها ثالث يربطهما و الثالث هو الافلاك و الكرسي الحايلة بين العرش و التراب و هذا البرزخ من حيث اعلاه يلحق العرش و لذلك يكون اخاه و جاره في عرصة الفصل و هو الكرسي و من حيث اسفله يلحق بالاسفل فيكثر شأونه مع وحدة مّا في الجملة فيحصل له اقل مراتب التفصيل و هي التفصيل الثابت في الاعلي و الاسفل اما ما من الاسفل فكلياته اربعة كما تري ان العناصر صارت فتفصل امزجتها في الافلاك بحسبها فالعطارد ترابها و المريخ نارها و المشتري هواؤها و الزهرة ماؤها و ما من الاعلي ثلثة اقلّ مراتب الكثرة و اول الاعداد و لايوجد في العالم موجود الا بها و لذا قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام علي ما روي ماثنّي شئ الا و قد ثلّث ، و لاينافي ذلك ما يقال ان الواحد من العدد اذ الواحد الذي هو مبدأ الاعداد مركب من اجزاء ثلثة و تلك الثلثة في الافلاك الشمس التي هي آية الجسم الكلي و الزحل الذي هو آية العرش و القمر الذي هو آية الكرسي الاتري انك تقول ان الشمس هي المادة الثانية و المادة الاولي هي الجسم الكلي بشرط لا فظهوره فيها و الا لماصارت مادة و كذلك تقول ان الزحل هو العاقلة مظهر العقل و العقل متنزل في العرش و كذلك تقول ان القمر هو الحيوة و الحس المشترك و الحيوة من الروح و قد عرفت سابقا ان الروح الملكوتي متنزل في الكرسي و قد يقال لدي التسامح ان الكرسي مظهر النفس و ذلك بملاحظة ان اسم الكرسي يصدق علي فلك البروج و الكرسي معا ايضا و بالجملة فالافلاك صارت سبعة جامعة للاعلي و الاسفل و دارت علي الارض و ابلغت اوامر العرش اليها فاقبلت الي الله باقدام الوجود و لاختلاف طبايع الارض [ص 413] و مزاجاتها صارت مختلفة في قبول فعل الفاعل فسابق بعض الاجزاء بعضا و تولد منها المواليد علي ما شاء الله و لما بلغ الكلام الي هنا لا علينا ان نبيّن معني الستة الايام التي خلق الله العالم فيها فانها مسألة صعبة مستصعبة .

فصل - قال الله تعالي في الاعراف ان ربّكم الله الذي خلق السماوات و الارض في ستة ايام ثمّ استوي علي العرش و في يونس ان ربّكم الله الذي خلق السموات و الارض في ستة ايام ثمّ استوي علي العرش يدبر الامر و قال في هود و هو الذي خلق السماوات و الارض في ستة ايام و كان عرشه علي الماء ليبلوكم ايّكم احسن عملا و قال في الفرقان الذي خلق السماوات و الارض و ما بينهما في ستة ايام ثمّ استوي علي العرش الرحمن فاسأل به خبيرا و قريب منها في التنزيل ايضا و في السجدة قل ائنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين و تجعلون له اندادا ذلك رب العالمين و جعل فيها رواسي من فوقها و بارك فيها و قدّر فيها اقواتها في اربعة ايام سواءا للسائلين ثمّ استوي الي السماء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين فقضيٰهن سبع سماوات في يومين و اوحٰي في كل سماء امرها و زيّنا السماء الدنيا بمصابيح و حفظا ذلك تقدير العزيز العليم الي غير ذلك من الآيات ، اقول قوله تعالي و كان عرشه علي الماء يشعر بان الماء و العرش كانا موجودين قبل السماوات و الارض و علي كون المراد منهما هذه السموات و الارض الماء هو الهيولي اي المادة الثانية و العرش هو العقل المستوي عليها و ان كان المراد منها مجموع الملك فالماء هو الامكان و العرش عرش المشية و قوله قدّر فيها اقواتها في اربعة ايام يعني تمام خلق الارض و تقدير الاقوات اربعة فخلق الارض في يومين و خلق الاقوات في يومين تلك اربعة كاملة و ذلك مثل قولك سرت من البصرة الي بغداد في عشرة ايام و الي الكوفة في خمسة‌عشر اي خمسة مع تلك العشرة و لعله تعالي لم‌يقل في يومين للاشعار باتصال [ص 414] الايام الاربعة و التصريح علي الفذلكة و حمل بعض تلك الاربعة علي الاوقات التي يخرج الله فيها ارزاق الخلايق و هي الفصول الاربعة و قيل ان هذا التأويل بعيد و سيجيء ما يشهد بصحته بعد و قوله تعالي ثم استوي الي السماء اي قصد نحوها من قولهم استوي الي مكان و كذا اذا توجه اليه توجها لايلوي علي جهة اخري و هي دخان قال البيضاوي اي امر ظلماني و لعله اراد به مادتها و الاجزاء المتصغرة التي ركبت منها و قال الطبرسي قال ابن‌عباس كانت بخار الارض و قيل معناه ثم استوي امره الي السماء و قال الرازي و ذكر صاحب الاثر انه كان عرش الله علي الماء منذ خلق السماوات و الارض فاحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع منه زبد و دخان فبقي علي وجه الماء فخلق الله تعالي فيه اليبوسة و احدث منه الارض و اما الدخان فارتفع و علا فخلق الله منه السماوات و قوله تعالي فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها اي ما خلقت فيكما من التأثير و التأثر و ابرزا ما اودعتكما من الاوضاع المختلفة و الكاينات المتنوعة او ائتيا في الوجود علي ان الخلق السابق بمعني التقدير او الترتيب المرتبة او الاخبار او اتيان السماء بحدوثها و اتيان الارض ان تصير مدحوة او ليأت كل منكما الاخري في حدوث ما اريد توليده منكما و يؤيد قراءة و أتيا من المواتاة اي ليوافق كل واحدة منكما اختها فيما اردت منكما طوعا او كرها شئتما ذلك او ابيتما قوله اتينا طائعين اي منقادين بالذات و الاظهر ان المراد تصوير تأثير قدرته فيهما و تأثرهما بالذات عنها و تمثيلهما بامر المطاع و اجابة المطيع الطايع كقوله كن فيكون و ما قيل انه تعالي خاطبهما و اقدرهما علي الجواب انما يتصور علي الوجه الاول و الاخير و انما قال طائعين علي المعني باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله ساجدين و عن الطبرسي قدّس سرّه قال ابن‌عباس اتت السماء بما فيها من الشمس و القمر و النجوم و اتت الارض بما فيها من الانهار و الاشجار و الثمار و ليس هناك امر بالقول حقيقة و لا جواب لذلك القول بل اخبر سبحانه عن اختراعه السماوات [ص 415] و الارض و انشائه لهما من غير تعذّر و لا كلفة و لا مشقة بمنزلة ما يقال افعل فيفعل من غير تلبث و لا توقف و لا تأن فعبّر عن ذلك بالامر و الطاعة و هو كقوله انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و انما قال اتينا طائعين و لم‌يقل طائعتين لان المعني اتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء و قيل انه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال و كل في فلك يسبحون قوله فقضيهن الخ ، قال البيضاوي اي فخلقهن خلقا ابداعيا و اتقن امرهن و الضمير للسماء علي المعني او مبهم و سبع سموات حال علي الاول و تمييز علي الثاني في يومين قبل السماوات يوم الخميس و الشمس و القمر و النجوم يوم الجمعة و اوحي في كل سماء امرها شأنها و ما يتأتي منها بان حملها عليه اختيارا او طبعا و قيل اوحي الي اهلها باوامره ، اقول ساير فقرات الآيات تفاسيرها ظاهرة و مرادنا هنا محض بيان خلق السماوات و الارض و ما بينهما في الايام الستة و لا شك في دلالة الكتاب صراحة علي ذلك و ورد بهذا المعني اخبار ففي البحار من الكافي سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان الله خلق الخير يوم الاحد و ماكان ليخلق الشرّ قبل الخير و في يوم الاحد و الاثنين خلق الارضين و خلق اقواتها في يوم الثلثاء و خلق السماوات يوم الاربعاء و يوم الخميس و خلق اقواتها يوم الجمعة و ذلك قوله عز و جل خلق السموات و الارض و ما بينهما في ستة ايام ، و من العياشي مثله الا ان فيه و خلق يوم الاربعاء السموات و خلق يوم الخميس اقواتها و الجمعة و ذلك قوله خلق السماوات و الارض في ستة ايام فلذلك امسكت اليهود يوم السبت قال المجلسي في قوله و ماكان ليخلق الشرّ قبل الخير لعلّ الغرض انه سبحانه ابتدأ الجميع يوم الاحد اذ خيريته تعالي تقتضي ان لايقدم خلق الشر علي خلق الخير و ابتداء خلق كان يوم الاحد فلم‌يخلق قبله شئ اصلا و قال ان مدلول هذا الخبر ينافي ما مرّ من الآيات الكريمة و ظواهرها من جهتين الاولي ان ظاهر الآية ان خلق اقوات الارض و تقديرها كان في يومين و الخبر يدلّ علي انه خلق اقوات [ص 416] الارض في يوم و اقوات السماء في يوم و الثانية ان ظاهر الآية تقدم يومي خلق الاقوات علي يومي خلق السماوات و الخبر يدل علي تأخر احد يومي خلق الاقوات عنهما و يمكن ان يجاب عن الاولي بان المراد بخلق اقوات السماء خلق اسباب اقوات اهل الارض الكاينة في السماء من المطر و الثلج و الالواح التي يقدر فيها الاقوات و الملئكة الموكلين بها و يؤيّد ان ليس لاهل السماء قوت ففي يوم واحد قدّر الاسباب الارضية لاقوات اهل الارض و في يوم آخر قدّر الاسباب السماوية لها و في الآية نسبهما الي الارض لكونهما لاهلها و عن الثانية بنحو ما ذكره البيضاوي بان لاتكون لفظة ثمّ للترتيب و التراخي في المدة و ذكر رؤيا له انه رأي في ما يري النائم ان المراد باربعة ايام تمامها لا تتمتها و يكون خلق السماوات ايضا من جملة تقدير ارزاق اهل الارض فانها من جملة الاسباب و محالّ بعض الاسباب كالملئكة العاملة و الالواح المنقوشة و الشمس و القمر و النجوم المؤثرة بكيفياتها كالحرارة و البرودة في الثمار و النباتات و تكون لفظة ثمّ في قوله تعالي ثم استوي للترتيب في الاخبار لتفصيل ذلك الاجمال بان يومين من تلك الاربعة كانا معروفين في خلق السماوات و الآخرين في خلق ساير الاسباب ، اقول انه بنفسه رحمه الله لم‌يعتن برؤياه و هي رؤيا ضعيفة و العجب انه اقرّ بتأثير النجوم هنا مع انه انكره اشدّ الانكار في غير المقام و جوابه الاول ايضا بعيد عجيب حيث انكر احتياج اهل السماوات الي القوت مع ان الملئكة سكنة السماوات محتاجون الي المدد و الله يمدّهم دائما و هذا المدد قوتهم و نفس السماوات و النجوم ايضا تحتاج الي المدد و هو رزقها و قوتها و ثبت بالادلة القطعية ان الجنّات في السماوات و اهلها يرزقون فلجميع خلق الله اقوات فالاولي و الانسب لنا ان نعوّل في تأويل كلام الله علي الاخبار و لانقول برأينا و لانقتفي آثار المفسرين بالآراء و لا شك ان الاخبار بظاهرها ايضا مختلفة و لكن الحكيم اذا تعمق فيها يعرف المراد علي الحقيقة ففي تفسير علي بن ابرهيم قل لهم يا [ص 417] محمد ائنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين و معني يومين اي وقتين ابتداء الخلق و انقضاء (كذا) و جعل فيها رواسي من فوقها و بارك فيها و قدّر فيها اقواتها اي لاتزول و تبقي في اربعة ايام سواء للسائلين يعني في اربعة اوقات و هي التي يخرج فيها اقوات العالم من الناس و البهائم و الطير و حشرات الارض و ما في البر و البحر من الخلق و الثمار و النبات و ما يكون فيه معاش الحيوان كله و هو الربيع و الصيف و الخريف و الشتاء ففي الشتاء يرسل الرياح و الامطار و الانداء و الطول من السماء فيلقح الارض و الشجر و هو وقت بارد ثم يجيء بعده الربيع و هو وقت بارد ثم يجيء بعده الربيع و هو وقت معتدل حار و بارد فيخرج الشجر ثمارها و الارض نباتها فيكون اخضر ضعيفا ثم يجيء من بعده وقت الصيف و هو حار فينضج الثمار و يصلب الحبوب التي هي اقوات العباد و جمع الحيوان ثم يجيء من بعده وقت الخريف فيطيبه و يبرده و لو كان الوقت كله شيئا واحدا لم‌يخرج النبات من الارض ، الي ان قال : فجعل الله هذه الاقوات في هذه الاربعة الاوقات في الشتاء و الربيع و الصيف و الخريف و قام به العالم و استوي و بقي و سمّي الله هذه الاوقات اياما سواء للسائلين يعني المحتاجين لان كل محتاج سايل و في العالم من خلق الله من لايسأل و لايقدر عليه من الحيوان كثير فهم سائلون و ان لم‌يسألوا و قوله ثم استوي الي السماء اي دبر و خلق ، الي ان قال : فقضاهن اي خلقهن سبع سماوات في يومين يعني في وقتين ابتداء و انقضاء الي آخر ، و لا شك ان القمي رحمه الله لايقول في تفسيره الا ما صحّ عنده عن الامام عليه السلام و معني القرآن و تأويله عند الامام فبعد ما فسّر اليومين بوقت الابتداء و الانقضاء عرفنا انهما ليسا من ايام الدنيا و كذلك اول الاربعة الايام بالفصول فعرفنا ان الاربعة زايدة علي اليومين الاولين و يشهد بذلك ايضا سياق الآية و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله ان ربكم الله الذي خلق السموات و الارض في ستة ايام قال في ستة اوقات ثم استوي [ص 418] علي العرش اي علا علي العرش ، اقول و روي اخبار من الخاصة و العامة في تخصيص الايام السبعة بخلق الخلايق كل سنخ في يوم و جميعها متعارضة و بعضها ضعيفة و بعضها محتمل للتصحيف و سهو النسّاخ و يروي ايضا من الكتب السماوية بعض التقسيمات و التخصيصات و قد روينا ما كان من الاخبار اصح و ابعد من الخطاء في كتاب المبين و قد استشكل شرحها علي المبينين و اوّلَها كل احد برأيه قال الآخوند رحمه الله في رسالة الحدوث ان المراد من الايام الستة زمان آدم عليه السلام الي زمان الخاتم صلي الله عليه و آله و كل يوم الف سنة فمن زمانه الي زمان بعث الخاتم صلي الله عليه و آله ستة‌آلاف سنة و هذا نوع تأويل لاننكره عليه الا انّا نقول لايجوز البتّ عليه او القول بانحصار معاني الآية في هذا التأويل فان لكل آية ظاهرا البتة و معرفته عسير و ذهب الباقون الي معاني بعيدة و روي عن ابن‌عباس انها من ايام الآخرة كل يوم منها الف سنة مما تعدّون قال المجلسي بمثل هذا الخبر لايمكن صرف الآية عن ظاهرها ثمّ اورد اشكالا و اجاب عنه بوجوه و هو ان اليوم انما يحصل بحركة الشمس و طلوعها و غروبها فما معني اليوم هيٰهنا و اجوبته ثلثة قال بامكانها الاول ان مناط تمايز الايام و تقدرها انما هو حركة الفلك دون السماوات السبع و المخلوق في الايام المتمايزة انما هو سماوات السبع و الارض و ما بينهما دون ما فوقهما و لايلزم من ذلك الخلاء لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع علي الجميع ، الثاني ان المراد بالايام الاوقات لقوله تعالي و من يولهم يومئذ دبره ، الثالث ان المراد في مقدار ستة ايام و مرجع الجميع الي واحد اذ قبل وجود الشمس لايتصور يوم حقيقة فالمراد اِما مقدار من الزمان مطلقا او مقدار حركة الشمس هذا القدر و علي التقديرين اِما مبني علي كون الزمان امرا موهونا منتزعا من بقائه سبحانه او من اول الاجسام المخلوقة كالماء او من الارواح المخلوقة قبل الاجسام علي القول به او من [ص 419] الملئكة كما هو ظاهر الخبر الآتي و اما بالقول بخلق فلك متحرك قبل ذلك بناء علي القول بوجود الزمان و انه مقدار حركة الفلك فان التجدد و التقضي و التصرم الذي هو منشأ تحقق الزمان عندهم في الجميع متصور قال بعض الصوفية للزمان المادي زمان مجرد كالنفس للجسد و للمكان المادي مكان مجرد و هما عارضان للمجردات و لايمكن فهمه و خارج عن طور العقل كساير خيالاتهم و اقوالهم و حكي عن الرازي في تفسيره ان المراد بستة ايام ستة احوال و ذلك لان السماء و الارض و ما بينهما ثلثة اشياء و لكل واحد ذات و صفة فنظر الي خلقة ذات السماء حالة و نظر الي خلقة صفاتها اخري و نظر الي خلقة ذات الارض و الي صفاتها كذلك و نظر الي ذوات ما بينهما و الي صفاتها اخري فهي ستة اشياء في ستة احوال و انما ذكر الايام لان الانسان اذا رأي الي الخلق رآه فعلا و الفعل ظرفه الزمان و الايام اشهر الازمنة و الا فقبل السماوات لم‌يكن ليل و لا نهار و هذا مثل ما يقول القائل لغيره ان يوما ولدت فيه كان يوما مباركا و قد يجوز ان يكون ولد ذلك ليلا و لايخرج عن مراده لان المراد الزمان الذي هو ظرف ولادته انتهي كلامه ، قال المجلسي انه تكلف بعيد مستغن عنه و ما ذكرنا اقرب الي لفظ الآية الكريمة و قال (ره) في مقام آخر من كتابه بعد نقول من بعض الحكماء ان الوجه ان يفسّر اليوم هيٰهنا و العلم عند الله و اهله بما فسّره الله تعالي تارة بقوله و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدّون و تارة بقوله في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدّون و اخري بقوله في يوم كان مقداره خمسين‌الف سنة فان القرآن يفسّر بعضه بعضا و قد يعبّر عن الاول باليوم الرباني و عن الثاني بيوم الله فعلي كل تقدير يكون ملايما لما نسب من خلق كل منها الي يوم من الاسبوع في الروايات و يتمّ ما يقصر ( يقصد ظ ) عنه عند حمله علي اليوم الدنيوي من معني الامتنان المقصود له تعالي في كثير من امثال تلك الايام و لعلّ حمله علي الاول في ما نحن [ص 420] فيه انسب و اقرب فتصويره علي ذلك ان كل امتداد سواء كان قارّ الذات كالجسم او غير قارّ الذات كالزمان ينبغي ان يقدر له اجزاء و لكل جزء منه اجزاء و هكذا الي ما يحتاج التعبير عن قدر معين منها للتفهيم بدون كلفة و ذلك كتقدير الفلك بالبروج و المنازل و الدرجات و تقدير الزمان بالسنين و الشهور و الايام و الساعات و علي هذا لايعد في ان الحكمة الالهية كانت اقتضت ان يقدر للزمان المتقدم علي زمان الدنيا بل للزمان المتأخر عن زمانها ايضا بامثال ما قدّره لزمانها من السنين الي الساعات لكن مع رعاية نوع مناسبة لهذه الاجزاء الي المقدر بها فكما ان المناسب لزمان الدنيا ان يكون كل يوم منه بقدر زمان دورة للشمس يجوز ان يكون المناسب للزمان المتقدم ان يكون كل يوم منه بقدر الف سنة من زمان الدنيا و للزمان المتأخر ان يكون كل يوم منه لخمسين‌الف سنة منه فيكون ما اخبرنا به في الآيتين الاوليين حال الزمان المتقدم و في الثالثة حال الزمان المتأخر فلا بعد فيما يلوح من بعض الاشارات المأثورة من انه تعالي كان قدّر للزمان المتقدم اسابيع و سمّي الاول من ايامها بالاحد و الثاني بالاثنين و هكذا الي السبت و كذلك قدّر له شهورا تامة كل منها ثلثون يوما سمّي اولها المحرم او رمضان علي اختلاف الروايات في اول شهور السنة و ثانيها بصفر او شوال و هكذا الي ذي‌الحجة او شعبان و علي كل تقدير كان المجموع سنة كاملة موافقة لثلثمائة و ستين يوما ثمّ جعل ايام اسابيعنا و شهورنا موافقة لايام تلك الاسابيع و الشهور في المبدء و العدة و التسمية ، الي آخر كلامه و مرادي من نقل الاقوال علم الناظر في هذه الرسالة بان احدا لم‌يصرف الايام الي الظاهر حتي ان اليهود قالوا انها ايام الله و هي ستة‌آلاف سنة الا انهم عدّوا الآلاف في الدنيا و قالوا ان بعد انقضاء ستة‌آلاف سنة من لدن آدم ابتدأ الامر و قال محمد بن جرير الطبري في اول تاريخه ان حمل تلك الايام علي الايام الربانية امر مقرر بين اهل الاسلام ايضا من قديم الايام ،