ثم اعلم ان المتقدمين تكلّموا باصطلاحات في علوم شتي و لميعرفوا اصطلاحهم المتأخرون و ربما غلطوا ايضا في ترجمة كتبهم و حرّفوها كما هو الظن الغالب الحاصل عن تجربة في ترجمة الناس الكلمات عن لسان الي لسان و لذلك رووا مسايل معوجة و مطالب منحرفة و ربما يضحك من كلامهم الثكلي و بعد ما تعمق فيها المتعمق يجدها مطالب عالية الا انهم اساؤا التعبير و من تلك العلوم قولهم بارباب الانواع و الاصنام و اوّل بعض الامثلة بارباب الانواع و ردّ عليهم جماعة ، اقول ان الله عز و جل خلق كل شئ بمشيته و قدّره تقديرا و لا خالق سواه و لكنه سبحانه جعل لكل شئ سببا بل اسبابا و ذلك قوله تعالي حكاية عن فرعون قال يا هامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الاسباب اسباب السماوات فاطلع الي اله موسي و قال في قصة ذيالقرنين و آتيناه من كل شئ سببا فاتبع سببا و هذه السماوات هي الاسباب الظاهرة و قد نطق بذلك الاخبار و من باب ان السبب يد الفاعل في التربية قد يسمّي بالرب و لذلك سمّي اهل التنجيم الكواكب بالارباب و كذلك يسمّون كل كوكب يتعلق بتدبير نوع برب النوع و اهل الحكمة ايضا يسمّون بعض الاسباب بهذا الاسم و ذلك ان الله عز و جل جعل نفس كل شئ يده في صنعه و لذلك يقال ان كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه و النفس رب الشئ الا انها رب اذ مربوب و لذلك قال النبي صلي الله عليه و آله من عرف نفسه فقد عرف ربّه و اهل المعرفة يقولون رب النوع هو الامام لقوله عليه السلام امام الارض رب الارض و مرّ تفصيل المسألة قبل ذلك في الامامة فراجع ثمّ ان النفس تسمّي بالرب لانها من عند الله و لذلك تسمّي بجهة الرب و الطبع بخلافها كما قال [ص 372] الله تعالي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فالطبع و ما منه و ما اليه صنم للانسان و ذلك قوله عليه السلام كلما يشغلك عن ذكر الله فهو صنمك فافهم هذه الاسرار و الحِكم التي يظهر بها حكمة الاولين و الآخرين و اهل العلوم يسمّون الاسباب في كل مقام بحسب المناسبة و من ذلك اصطلاح اهل العدد و الالواح انهم يسمّون الارواح المسخّرة بارباب الطلسمات و تسمية هذه الارباب بالامثلة يصدق بمعني هذه الرواية في صفة العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و يكفي هذا القدر من البيان في شرح المثال ايضا فاني لو بنيت علي شرح جميع ما يتعلق بكل مرتبة انقضي الايام قبل تقضي المسايل مع ما بي من كثرة الاشغال و تبلبل البال بمعاشرة الانذال و مباشرة ما يختل به الاحوال فاقتصر في كل مطلب برؤس المسايل مما لا بدّ من معرفته في المبدأ و المآل ، هذا و سلسلة النزول عرصة الاجمال و لا تفصيل فيها الا بحسب التعلق بالمحال .
في الجسم مبدأ التفصيل و غاية الاجمال و فيه فصول :
فصل - طال ما بحثوا في المقام في مسائل تضيع الاوقات الشريفة بذكرها و تسرف في القراطيس و المداد بتدوينها مثل اثبات وجود عالم الاجسام بالادلة مع ظهورها و تعريف الجسم بالحدّ او الرسم بعد معرفته و اغلب بياناتهم اولي بالترك و انا لااتعرض لنقلها في المقام فانه في الحقيقة من الكلام الذي لايعني و قد نهينا عنه و من اراد تحقيقات القوم فليطلبها من محالّها الا اني اذكر في المقام ما يفيدنا ان شاء الله فاقول اوّلا في تعريف الجسم الطبيعي ان جماعة منهم قالوا في تعريفه انه جوهر قابل للابعاد الثلثة و قيل انه جوهر قابل لفرض الابعاد الثلثة و عن رهط من المتأخرين انه الجوهر الطويل العريض العميق و عن طائفة اخري انه هو الذي [ص 373] يمكن ان يفرض فيه ابعاد ثلثة متقاطعة علي الزوايا القوايم فزادوا قيودا ثلثة هي الامكان و الفرض و كون الابعاد علي وجه القيام العمودي و جميع هذه التعريفات يثبت علي فرض القول بتركيب الجسم و لكن مع القول ببساطته كما ينسب الي الاشراقيين لايكون شئ منها صادقا و علي فرض القول بالتركيب ايضا كما هو الحق نقول ان جميع هذه التعريفات ناقصة اما قولهم انه جوهر قابل للابعاد الثلثة فناقص من حيث فصله اذ هيولي الجسم قابلة لجميع الاعراض لا خصوص المساحة فقط كما ورد في الخبر كل ما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، و العرض اسم عام شامل للجميع و ان قال قائل ان كل ذي كمّ يلزمه ساير الاعراض فلانحتاج الي ذكرها اقول ملازمة بعض الاعراض للكمّ مسلّم و لكن بعضها لايخلو من بعد فان كل ذي طول و عرض و عمق له جهة البتة و وضع بلا شك و لايثبت الجهة الا مع وجود الاين و لايثبت الاين الا مع الزمان و لكن الاضافة و الفعل و الانفعال و كل الكيف يبعد اثباتها بالكمّ ، هذا و نقول ان مصاحبة تلك الاعراض و ملازمتها لمحض الجسمية لا لنفس الكمّ من حيث هو فان الجسم التعليمي من حيث نفسه لايلزم عرضا آخر اذ لايقوم به عرض لعرضيته و لايقوم ايضا بعرض و هو بنفسه يقوم بجوهر الجسم و لذلك تفصل بينها في الذهن و لاتفصل الجسم من عرضٍ مّا و لو نوعيا فتدبر فانه دقيق و ان قلت ان الاعراض خارجة من نفس الجسم اقول ما يخرج من ذاتيته الاعراض الخاصة لا المطلق و هو قابلية الاعراض و بالجملة التعريف ناقص بلا شك و اما التعريف الثاني فهو ناقص من جهتين احديهما الجمع بين القابل و الفرض فانه لايظهر منه المراد هل يريد انه قابل لأن يفرض فيه الابعاد او قابل للتصور بها فانهما مطلبان فان قال بالاول اقول انه يتصور بها ايضا فلا حاجة الي ذكر الفرض و ان قال بالثاني اقول بالثاني فالقيد الاول لغو هذا و كل موجود قابل لفرض شئ فيه فان جميع الخلق مخلوقون من الامكان و يمكن كل شئ في كل شئ فيفرض كل شئ في كل شئ فان العقل المجرّد مع تجرّده ان يمكن ان تفرض فيه اذ [ص 374] لايجب و لايمتنع فيمكن فافهم ذلك و اما التعريف الثالث فهو قول ناشئ من الجهل لانا نقول ان الجسم المطلق طويل عريض عميق بالفعل او بالقوة فان قال بالاول احال اذ لايمكن ان يكون شئ طويلا غير محدود فله حدّ لا محالة فان كان طويلا في حدّ لايكاد يظهر في اقصر منه و اطول و كذا نقول في العرض و العمق ايضا و ان قال بالثاني فما معني التوصيف بالفعلية و اما التعريف الثالث ( الرابع ظ ) فهو محتوٍ علي زيادات فان الامكان هو بنفسه يغني عن الفرض فان كل ممكن يفرض فيه امكاناته ايضا فكان يكفي يمكن و يرد عليه النقض السابق و كذلك قوله الابعاد الثلثة المتقاطعة الخ ، ايضا زايد فانه احترز من دخول التعليمي مع انه سطح فقط و له بُعدان فلايحتاج الي هذا الوصف و لذلك تركوه مَن هم اولي بالتصديق من المتأخرين و قيل لاصلاح هذا القيد ان السطح يفرض فيه خطوط متقاطعة ايضا و لكنها لاتكون بعضها عمودا علي الآخر و لكن ذلك قول بعيد لجهتين : الاولي ان الابعاد الثلثة المذكورة في تعريف الجسم صارت معروفة في الطول و العرض و العمق بحيث صارت اظهر من اوصافها مثل نفس الطول و العرض و العمق و لذلك لميعثروا في تعريف العمق علي لفظ اوضح منه الثانية ان الخطوط المفروضة في السطح كلها سطحية متوازية للطول او العرض فكأنها اجزاء للسطح و لا عمق هنا و فرض العمق هنا بملاحظة المادة لا الصورة و الخطوط المتوازية ربما تكون متقاطعة ايضا بل ربما تكون بعضها عمودا علي الآخر و مع ذلك لايكون السطح جسما فتدبر فبهذا القيد ايضا لميرتفع المحذور الا ان يزيد فيه لفظ الجهات بان يقال يمكن ان يفرض فيه ابعاد ثلثة متقاطعة علي زوايا قوائم من جهات ثلثة و لكن الاقتصار علي الالفاظ المشهورة اولي فان زيادة القيود لاتزيد في المُعرَّف الا ابهاما ثمّ ان التعريف بالذي ايضا خطاء محض فانه كلمة مبهمة و مراد المُعرِّف توضيح ما يعرّفه و بيان حدّه او رسمه فاختيار الكلمة المبهمة سبب زيادة الابهام و لكنهم اختاروا ذلك بمحض وسوسة وقعت بينهم ان الجوهر لايحلّ في شئ [ص 375] فلايكون جنسا للجسم و هذا خطاء آخر منهم و علي فرض ثبوته نقول ان الجوهر بذاته لايكون في موضوع و لكنه لا مانع من ظهوره فالاولي اختيار الجوهر كما فعل السابقون و ان كان جنسا بعيدا ثمّ انهم اختلفوا في ان هذه التعريفات هل تكون حدّا او رسما فقيل انه رسم و يحكي عن الفخر الرازي انه ابطل كونها حدّا بان الجوهر لايصلح جنسا للجسم و لا قابلية الابعاد فصلا له اما الاول فلوجوه سبق ذكرها في كلامه من كون الجوهر معناه الموجود لا في موضوع و الوجود لايصلح للدخول في المٰهيات فلايكون جزءا لانواع الجوهر و لا في موضوع امر سلبي و السلوب خارجة عن الحقايق الموجودة و ايضا لو كان الجوهر جنسا لاحتاج الي فصل و فصله ان كان عرضا يلزم تقوم الجوهر بالعرض و ان كان جوهرا احتيج الي فصل آخر و يعود الكلام اليه فيتسلسل و اما الثاني فلانّ معني القابلية و امكان الفرض و صحته و نحو ذلك من العبارات امور نسبية لا تحقق لها في الخارج و الا لقام بمحل قابل لها ضرورة انها من المعاني العرضية فيحتاج الي قابلية اخري و يعود الكلام الي قابلية القابلية فيلزم التسلسل في المترتبات الموجودة ضرورة توقف كل قابلية علي قابلية سابقة عليها و مثله باطل بالاتفاق سيّما و هذه السلسلة امر محصور بين حاضرين هما هذه القابلية و المحل ، اقول اجاب الآخوند (ره) عن الاول ان اكثر الناس زعموا ان قولهم الموجود لا في موضوع حدّ للجوهر و فهموا منه الوجود منه بالفعل مسلوبا عنه الموضوع و عليه يبتني اعتراضاتهم علي جنسية الجوهر و لميعلموا ان لا حدّ للاجناس العالية لكونها بسيطة و لا حدّ للبسيط فما ذكر في تعريف الجواهر خواص و لوازم يصلح رسما له و عدم جنسية رسم الشئ لايوجب عدم جنسيته و حكي في الجواب عن الثاني عن الطوسي ان الفصل ليس قابلية الابعاد لانها لاتحمل علي الجسم بل الفصل هو القابل المحمول و هو ليس بشئ فان المراد من الالفاظ المشتقة المذكورة في التعاريف هي مفهوماتها البسيطة و حينئذ الفرق بينها و بين مباديها [ص 376] الاشتقاقية بمجرد الاعتبار فان مفهوم الابيض بما هو ابيض بسيط كالبياض و الفرق بينهما بانه ان اخذ بشرط ان لايكون معه شئ فهو عرض غير محمول و ان اخذ اعم من ذلك بلا شرط غيره كان عرضيا محمولا و كذا الحكم في جزء الحدّ كالناطق من جهة كونه جزءا غير محمول بالاعتبار الاول و فصلا محمولا بالاعتبار الثاني كما هو التحقيق فالفرق بالوجود و العدم بين المشتق و مبدئه غير سديد بل الحري بالجواب ان يقال المراد من الفصول المذكورة في اكثر الحدود هي ملزوماتها التي لايمكن التعبير عنها الا بتلك اللوازم كالناطق المذكور في تحديد الانسان فان المراد قوة النطق و كونه بحيث ينشأ منه ادراك الكليات لا نفس هذا الادراك الذي من قبيل الاضافات ضرورة ان المضاف غير داخل فيما هو تحت مقولة الجوهر بالذات فهذه العنوانات اقيمت مقام الفصول و المراد منها ملزوماتها ، اقول جميع هذه الايرادات و الاجوبة الفاسدة ناشئة من ظنونهم الكاسدة و ان اردت الحق الحقيق بالحفظ و التدين به فاعلم اولا ان الوجود الذي يوصف بعدم الموضوع و المحل هو حق الوجود و هو الذات البحت البات فانها بسيطة علي الحقيقة منزّهة عن المواد و المدد و جميع ما سواها مركبة حادثة كما اثبتنا ذلك فيما مضي فلا جوهر بسيطا غير الذات و لايصدق عليها اسم الجوهر لقوله عليه السلام بتجهيره الجواهر علم ان لا جوهر له ، و ذلك لان الجوهر ليس له معني يصدق علي الله بوجه فان الله عز و جل بذاته لا اسم له و قد اختار لنفسه من خلقه اسماء خاصة مما يدلّ علي كمال و سلب عن نفسه ما لميدل علي كمال او دل علي نقص و من الاسماء التي لاتدل علي كمال مناسب للذات الجوهر فان احد معانيه ما يقابل العرض و هو اصطلاحي و احد معانيه ما خلق عليه جبلة الشئ فالمراد منه الصورة النوعية و احد معانيه كل حجر يستخرج منه شئ ينتفع به و الظن الغالب انه معرّب گوهر و معناه بالفارسية الاحجار النفيسة التي يصاغ منها فصوص الخواتيم و صرّح بذلك بعض اهل اللغة و بالجملة لايليق به تعالي شئ من هذه المعاني [ص 377] اما الثاني و الثالث فظاهر و اما الاول فلانه من اسماء الاضافة و ان قلت انه يسمّي به لانه آية من آياته اقول العرَض ايضا من آياته مع انه لايدعي باسم العرض فالله سبحانه لايكون جوهرا و لكنه مُجهِّر الجواهر و ان كان و لا بدّ ان سمّيته بهذا الاسم اقول هو الموجود لا في موضوع فقط اعني انه حق الوجود و ما سواه خلقه من المشية فما دون و جميعها مركبة من امكان و كون و الامكان محل الجميع و الكون حالّ فيه الا ان المشية امكان راجح و المشاءات امكانات جايزة و ليس امكاناتها محض اعتبار كما زعموا فانها لو كانت اعتبارية للزم قدمها و هو محال و مرّ شرح ذلك في الفلسفة الاولي ● فراجع فالامكان وجودي و هو المادة للاشياء و قد قال الامام عليه السلام النفي شئ ، الا انّا بالتحليل العقلي و التزييل الفؤادي نميّز بين الاكوان و الامكان فنري كلا منهما علي حدة فافهم فجميع ما سوي الله متمكن في مكان حالّ في شئ الاتري ان الله سبحانه يقول و كان عرشه علي الماء و اما الله سبحانه فلايكون حالّا في شئ و يشهد بذلك العقل و النقل نعم المكان اِما يكون ذاتيا و اما يكون عرضيا و الجواهر العالية امكنتها ذاتية و الدنيوية امكنتها عرضية و شرح هذه المسألة يليق بالطبيعيات فان قدّر الله لي ان اُلحِقَ بهذا الكتاب قسما رابعا ابيّن فيه حق المطلب ان شاء الله فقولهم مطلقا ان الجوهر الموجود لا في موضوع خطاء و قد اسّسوا هذا البنيان الباطل و فرّعوا عليه الفروع ثم ننقل الكلام الي قوله ان الوجود لايحلّ في المٰهية ، اقول ماذا تريد من الوجود و المهية ان كان مرادك من الوجود الذات و من المٰهية الامكان فقولك حق فان الله قديم احدي و لايقترن بالحوادث و ان كان مرادك من الوجود الوجود الخلقي فهو المادة و المٰهية صورتها و لا مادة الا بالصورة و المادة تقترن بالصورة و الصورة تقترن بالمادة قال الله تعالي هن لباس لكم و انتم لباس لهن هذا ما نطق به الكتاب و السنة و قوله ان الوجود لايكون جزءا للجوهر الخ ، خطاء لان المادة هي الوجود علي الحق و الماهية لاتكون [ص 378] سلبية الا ان تؤخذ بمعني الامكان و الا فهو صورة و تعيّن الوجود بها علي ما هو الحق و اما قوله الجوهر ان كان جنسا الخ ، يظهر جوابه مما بينّاه في الهيولي فان المادة مادة في ضمن الصورة و لو لاحظتها عارية عن الصورة تكون طبيعة كلية لها مادة و صورة علي حسبها و اما في ضمن الصورة منها فهي متعينة بالصورة و الصورة في اصطلاحهم هي الفصل و هي لاتكون عرضية كساير الاعراض و لاتكون جوهرة مستقلة حتي يلزم المحذور بل هي جزء الشئ و مثله كالكسر مثلا بالنسبة الي الواحد فانه مركب من نصفين و هما لايقومان بنفسهما مفردين عن الواحد و الناس (كذا) امر الجواهر بالاعراض فيرون ان المواد و الصور العرضية ينفصل بعضها عن بعض فيزعمون ان الحقايق هكذا و ليس الامر هكذا فالجوهر الذي هو بعض الجسم هو جزؤه و لايقوم منفردا عن الفصل و كذلك الفصل هو نهايات المادة و لاتقوم وحدها الا مع المادة اعني ان المادة وجود تلك الصورة و الصورة تعيّن تلك المادة و لاتفترقان ابدا فليس للفصل فصل و للوجود فصل و وجود فلايرد ما اورده الفارابي ابدا ثمّ ان قوله في الفصل ممنوع ايضا و هو باطل لعين ما بينّا فان القابلية بنفسها لاتقوم البتة و لكنها صفة هذا الجوهر فان قابلية المداد للحروف لاتقوم منفردة عن جوهر المداد بل هي صفة المداد بالنسبة الي الحروف ثمّ ان النسبيات لاتكون موجودة في الذهن فقط بل هي معاني ثابتة في الخارج يستنبطها النفس بواسطة الوهم و لو لميكن لها وجود في الخارج لكانت النسبة باطلة و كذلك الامر في جميع الاضافات و بالجملة معني القابلية صلوح الشئ لشئ و قبول ما يرد عليه فالصورة قابلية بالنسبة الي المادة بمقتضي ما ذكرنا ان المادة هي جهة الشئ الي المبدأ و هي جهة الفعل و الصورة جهة الانفعال و هو القبول هذا في مطلق الصورة ثمّ ان الشئ ربما يكون مادة لشئ آخر فيكون قابلا له و الجسم المطلق بهذا المعني يكون قابلا لاجسام جزئية الي ما شاء الله و قابليته هذه نسبية فافهم ثمّ ان قول الآخوند (ره) ان الجواهر لاتحدّ ايضا خطاء فان كل ما يكون مركّبا يكون محدودا [ص 379] البتة نعم بعض الجواهر خفية عن الانظار فتعرف بالرسوم من باب التوضيح و اما الموجود لا في موضوع ان اريد الموضوع العرضي فهو حق فان الجوهر لايكون موجودا في موضوع و لكنه ظاهر في موضوع و ان كان الموضوع الذاتي فهو خطاء اذ له موضوع علي ما عرفت و لكنه لايكون تعريفا و ان اخذ الموجود بمعني الوجود يكون الجنس صحيحا و لكن لا في موضوع سلب و لايكون صورة و ذلك كقولك زيد لاقايم فان لاقايم لايكون صفة صالحة للحمل الا بمعني الاثبات و علي فرض هذا المعني ايضا لايكون فصلا للوجود فالاولي في تعريفه غير هذا اللفظ و اللفظ المختار في كل جوهر بحسبه فالجسم من بين الجواهر جوهر قابل علي ما سيجيء و اما قول الطوسي فهو محمول علي قوله ببساطة الجسم و مراده محض بيان ان الجسم جوهر و قابليته ليست صفة زايدة عليه و ذلك قول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل فان تركيب الجسم امر مشهود فانه بحقيقته النوعية و ان كان محجوبا الا انه في افراده مشهود بالعقل فانك اذا قطعت النظر عن المشخصات تري جوهرا يقبل كل ما ورد عليه من الصور من غير ان يتفاوت حتي انه في ظهوره بالصغر يصلح للظهور بالكبر و لو لميكن جوهرا لماظهر بالاستقلال و ماصار حاملا بنفسه و لو لميكن قابلا لماظهر بالوان الصور المختلفة و ذلك ادل دليل علي المراد و سيجيء بعد بيانه مفصلا و بالجملة حاصل المرام ان تعريف الجسم ممكن و تعريفه بالجوهر القابل حدّ تامّ نعم لنا كلام مع القائلين بانه جوهر قابل للابعاد مرّ سابقا الاشارة اليه فانه قابل للتلون بجميع الاعراض كما قال عليه السلام كلما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، و لو وصفناه بالقابلية الصرفة ربما دخل النفس في التعريف بل العقل لانهما قابلان للتجلي و الظهور و النفس ايضا قابلة لتعلق فعلها بالاجسام بل هي قابلة للترقي علي ما هو الحق و الاولي وصفه بانه جوهر قابل للاعراض بل هو ايضا قابل لحكاية الانوار و الارواح العالية الا انّا لسنا بصدد هذه التعريفات سيّما [ص 380] في الامور المعروفة ،
ثم اعلم ان الجوهر الذي يدخل في حدّ الجسم غير ما يدخل في حد العقل و النفس و الطبع بل الهيولي و المثال لما بيّنّا سابقا ان كل مادة لاتصلح لكل صورة فان الجوهر الاول الذي هو في غاية القرب من المشية لايصلح للتصور بالقبول الامكاني فانه اقرب الخلق من الله و قد خلقه من نور مشيته و هي فعل و الفعل لايكون عدماً و قوة بل هو كمال الله و جماله و اما ما نقوله ان المشية قوة مرادنا قوة الفعل و التعلق بالمفاعيل لا قوة الوجود و قوة الفعل هي القدرة و القدرة كمال وجودي و كذلك اول ما خلق بها روح قدسي و نور معنوي جبروتي و هو جوهر بسيط بالنسبة لايحتاج في وجوده الي ما دونه و هو جوهر درّاك فعّال و اما الماء الاول فهو مادة للعقل الاول و لايقوم وحده ابدا و قد عرفت سابقا ان العقل هو ظهور المشية و محلها و لذلك يقال انه القلم يجري بلسانه جميع حروف الكاينات علي اللوح اي النفس فكيف يوصف القلم الذي هو علة الموجودات بالقوة و لو كان قوة لماوجد شئ اذ العدم لايصير علة الوجود بالبداهة و لذلك وصف الامام عليه السلام العقل بالفعلية حيث قال في صفته جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عالم بالشئ قبل كونه ، فقولنا انه مادة اي من حيث ظهوره في النفس مادة لها نعم قد يقال انه قوة بحسب الصور المتممة الجزئية الحاصلة في منتهي التفصيل و هذه القوة غير قوة التصور فلايكون المتممات فصولا له و لا خواصا بل هي اعراض خارجة فتدبر فالجوهر العقلاني لايتعين بصورة القبول و لكنه بعد نزل (كذا) مترامياً الي المنتهي يقلّ فعلياته و يختفي كمالاته و يخمد انواره حتي يبلغ درجة يصير قوة لكل شئ و لا وجود له الا من حيث نفسه اذ القوة الذاتية عدم صرف و لذلك نردّ علي من قال بالامكان الذاتي اذ الشئ ان كان ذاته امكانا لكانت غير موجودة و هو موجود البتة فكل موجود حتي نفس الامكان مثبت في ذاته قوة لغيره و لذلك قال عليه السلام النفي شئ ، نعم هو شئ لا شئ و هذا معني قولهم ان [ص 381] الامكان امر نسبي الا انه نسبة واقعة و ليست بمحض الاعتبار فقط كما زعموا و بالجملة المطلب كثير و وقتنا قصير فنقتصر بالاشارة عن كثير العبارة فالعقل الاول في نزوله في عرصة الشهادة ظهر بالهيولي فصار ماءا سايلا صالحا قابلا و بسبب بعده عن المبدأ ضعف بنيته و لميقدر علي دفع الاعراض و الامراض عن نفسه و بيان هذا المطلب علي التفصيل يستدعي رسم فصل مخصوص سيجيء ان شاء الله .
فصل - طال ما بحثوا في تركيب الجسم و بساطته و كيفية تركيبه و في هذا القسم لايذكر من المسايل المتعلقة به الا ما يتعلق بالالهيات و ان كان حقيقة كل موجود و ما يتعلق به من حيث نورانيته الهيا الا انّا نريد ما جري عليه الاصطلاح فلانذكر في المقام من الطبيعيات الا بقدر مسيس الحاجة ، فاعلم ان الحكماء و المتكلمين اختلفوا في الجسم هل هو بسيط او مركب و علي فرض تركّبه هل هو مركب من جوهرين او من جوهر و عرض ثمّ انهم اختلفوا فمن قائل من زعم انه مركب من ذوات اوضاع جوهرية غير منقسمة اصلا لا وهما و لا فرضا و هؤلاء ايضا تشعبوا الي قائل بعدم تناهي الجواهر الفردة في كل جسم حتي الخردلة و هو النظام من المعتزلة و اصحابه و قايل الي تناهيها و هم جمهور المتكلمين و من قائل انه متصل في نفسه فمن هؤلاء من ذهب الي انه يقبل الانقسام باقسامه لا الي نهاية و هم جمهور الحكماء و منهم من ذهب الي انه يقبل عددا متناهيا ثمّ يؤدّي الي ما ينقسم اصلا و هو صاحب كتاب الملل و النحل و منهم من ذهب الي انه لايقبل من الانقسام الا ما سوي الخارجي اعني الفكّ او القطع لكون الجسم المفرد عنده صغيرا صلبا لايقبل شيئا منهما لصغره و صلابته و هو ذيمقراطيس من الفلاسفة المتقدمين و القائلون بانقسامه باقسامه لا الي نهاية افترقوا ثلث فرق ففرقة ذهبت الي انه جوهر بسيط هو الممتد في الجهات المتصل بنفسه اتصالا مقداريّا جوهرا قايما بذاته و هو رأي افلاطون و من حذا حذوه من الاشراقيين [ص 382] و فرقة الي انه جوهر مركب من جوهرين احدهما صورة الاتصال و الآخر الجوهر القابل لها و هم اصحاب المعلّم الاول و من يحذو حذوهم من حكماء الاسلام كالشيخين ابينصر و ابيعلي و فرقة الي انه مركب لكن من جوهر قابل و عرض هو الاتصال المقداري ، هذه مجمل آرائهم الكاسدة و اختلفوا ايضا في انه متصل بنفسه ام لا و ذهب بعض الي ان صورته الاتصال و لو بنيت في هذا القسم علي ردّ اقوالهم و بيان ادلتهم لانقلب نظمه الي الطبيعي فان وفقت لالحاق القسم الرابع ابيّنها فيه ان شاء الله و ما يليق بالمقام محض اثبات تركيب الجسم و تمييز مادته و صورته فقط و مما ينبغي ان يعلم اولا ان مٰهية الجسم غير هذه الافراد المشهودة فانها متمماتها و مظاهرها و ليست مما به هو هو و يشهد بذلك العقل السليم و البراهين القطعية قايمة علي ذلك و سيجيء بيانه ان شاء الله و حكم ماهية الجسم غير هذه الجزئيات كما ان حكمها غير حكمه و اري اكثر الباحثين لايلاحظون الفرق و يقيسون الجزئيات بالجسم الكلي الاتري يستدلون لتناهي الاجزاء و عدم تناهيها و وجودها و عدمها و اتصالها و انفصالها و قبولها للقسمة و عدمها بما يشاهد في هذه الاجسام الجزئية و لو كانوا يعرفون الفرق لماكانوا يستدلون للاتصال و الانفصال مثلا بحركة الرحٰي و دوران الفلك و امثالهما و لا بدّ لنا ان نبيّن في المقام حق المسألة ،
فاعلم ان مٰهية الجسم هي التي تحدّ بالجوهر القابل للابعاد و هو في نفسه مطلق عن جميع القيود و القيود حاصلة من ظهوره في الاعراض الفعلية فان الحجر مثلا جوهر صلب جمادي طويل عريض عميق في حدّ معيّن متحيز في حيّز خاص و هكذا ساير خصوصياته و الحجر حجر بها و لو رفعت الخصوصيات رفع الحجر البتة و اما الجسم فلايكون محدودا بهذه الحدود و لا بشئ منها و لو كان محدودا بحدّ منها لماظهر في غيرها الاتري ان الجسم الطويل بطوله لايكون قصيرا و القصير بقصره لايكون طويلا و هكذا في ساير الاعراض مجتمعة [ص 383] و متفرقة فان الحجر بحجريته لايكون شجرا و الشجر لايكون ترابا و هكذا و لكن يشاهد في جميعها علانية بالعقل السليم جوهر محفوظ في جميع التقلبات قابل لجميع ما يرد عليه من الصور و الهيئات و هذا الجوهر القابل غير هذه الافراد بفرديتها مع انه هي بحقيقتها اذ قوام الكل به و هذا الجوهر شئ لا محالة بل هو الشئ في الواقع و ساير الاعراض شئ بالعرض و هو لايكون بسيطا لان البسيط الحقيقي هو الاحد جل شانه و الاحد يمتنع معه سواه و الا لصار مقترنا بغيره و كل مقترن بغيره متناهٍ البتة و كل ما له نهاية له بداية و كل ما له بداية و نهاية يثبت له بينهما وسايط و الا لكانت البداية نهاية و هذا خلف و يلزم من ذلك كونه ذا اجزاء و الاحد لايكون مركّبا من اجزاء مع ان كل مركّب حادث يحتاج الي فاعل يركّبه و هو مخلوق و كلامنا في الخالق و هو البسيط الحقيقي و جميع ما سواه مركب و ان سمّي شئ بالبسيط فالمراد البساطة النسبية او الانبساط كما تسمّي الافلاك و العناصر بالبسايط فاحفظه فالجسم الجوهري لايكون بسيطا اذ هو مخلوق و لنا وجه آخر من البرهان الاني و لايخلو من اشكال فانّا نستدل علي كل مغيب بما نري من آثاره فانه لا شكّ ان الاثر صفة المؤثر كما اثبتناه سابقا فلايخالفه و لا شك ان هذه الاجسام المقيدة جميعها آثار الجسم المطلق و وجودها منه و جميعها ما لها منه فكل ما وجدنا فيها نثبته في الجسم الا ما يليق بالمحل و لما نظرنا في الاجسام نري جميعها مركبة من جسمية ثابتة في جميعها و صور خاصة بها يمتاز بعضها عن بعض و من ذلك نعرف ان مؤثرها و منيرها ايضا مركّب الا ان المؤثر مطلق عن القيود و معنوي فتركيبه ايضا معنوي و هذه صورية مقيدة فتركيبها ايضا صورية و قد مرّ سابقا في التوحيد بيان هذا البرهان بتفصيل اتم ، و وجه آخر من البرهان الكشفي انا اذا نظرنا الي الاجسام المقيدة و قطعنا نظرنا عن الجزئيات ينتهي نظرنا الي جوهر يكون قابلا لجميع الصور و لايتغير عن حاله بتغير الموضوع العرضي فانّا اذا اخذنا خشبا مثلا نري [ص 384] فيه الجوهر القابل فاذا نحتناه بصورة الكرسي نري فيه الجوهر القابل و اذا احرقناه فانقلب نارا يكون جوهرا قابلا و اذا صار رمادا يكون جوهرا قابلا و هكذا يكون ثابتا في كل الاحوال فهذا الجوهر هو مٰهية ثابتة في الجميع لايتغير عن كيانه و نريٰه علانية جوهرا ذا قابلية و لا شك ان القابلية غير نفس الجوهر و هي صفة زايدة علي الجوهر اذ حقيقة الجوهر لو كانت قابلة لكان كل جوهر قابلا مع ان الجواهر العالية فعليات افهم ذلك فالقابلية لهذا الجوهر كالبياض للجسم فان الجسم لو كان بنفسه ابيض لكان كل جسم ابيض و بعضه ليس بابيض و كذلك بعض الجوهر ليس بقابل و القابلية كيفية نوعية كلية يصلح الجوهر بها للتصور بانواع الصور و مثاله يظهر لك من المداد فانه متكيف بكيف يصلح به للتصور بالحروف و لما كان تلك الكيفية كلية مبهمة و لاتكون فعلية خاصة توصف بالعدم اي عدم الصور فلايرد ما اوردوه انها عدم و لايصير فصلا و الحاصل ان هذا الجوهر قابل لجميع المتممات و يظهر فيها من دون تحلل صورته و استحالته بل هي محفوظة في كل حال و بذلك يصلح كل جسم لكل جسم و يستحيل كل شئ الي كل شئ ثمّ انا يمكننا تفكيك آخر بالنظر الدقيق بين الجوهرية و القابلية بان نغض عن القابلية و ننظر الي الجوهر فقط و هو اولي بالوجود و القيام و هو يوصف بانه وجود ثانوي و كذلك بالنظر نحلل المراتب و نميز بينها و مرّ سابقا اشارة الي ذلك و قد عبّروا عن الفصل بالاتصال و الامتداد و قال الآخوند ان له معنيين احدهما كون الشئ في مرتبة ذاته و حدّ مٰهيته صالحا لان ينتزع منه الامتدادات الثلثة المتقاطعة مطلقا من غير تعيين مرتبة من الكمية و العظم فلا تفاوت بحسبه بين متصل و متصل و لا مساواة اي مماثلة في القدر فلايكون متّصل بهذا المعني جزءا من متصل آخر و لا مشاركا و لا عادّا و لا معدودا و لا جذرا و لا مجذورا (ظ) و لا مباينا ايضا و لا اقل و لا اكثر و هو بهذا المعني فصل مقسّم لمقولة الجوهر و ثابت للجسم في حدّ نفسه و ثانيهما كون الشئ بحيث [ص 385] يوجد بين اجزائه المتخالفة الاوضاع الموهومة حدود مشتركة يكون كل حدّ نهاية لبعض و بداية لآخر و من خواص المتصل بهذا المعني قبوله للانقسام بلا نهاية و هو فصل من فصول الكمّ و يتقوم به ما سوي العدد من الكميات ، اقول هذا اصطلاح خاص منهم و لا مشاحّة فيه فان كان المراد من الاتصال المعني الاول حاصله القابلية التي ذكرنا و الامتداد ايضا بُعد مطلق اذ لايريدون البعد الخاص فالمراد منه الطول المطلق الصالح للظهور بجميع الاطوال و العرض و العمق المطلقان الظاهران في الاعراض و الاعماق ، اقول ان التخصيص بالامتداد و الاتصال بملاحظة تعريفهم الجوهر بقبول الابعاد و لو وصفوه بالقابل للاعراض مطلقا لمااختاروا هذين اللفظين مع انهما في الواقع من اعراض الكم و استعارتهما للمقام بعيدة من الحكمة فان الاتصال علي ما قال ابوالبقاء ان يكون لاجزاء شئ حدّ مشترك تتلاقي عنده و الوصل بمعني الضم و اللأم و الاتصال لغة المطاوعة فعلي ذلك لو فسّر الاتصال المذكور في نفس الجسم بانه منزّه عن الكمّ فلايعرضه الانفصال و لا القسمة و اجزاؤه متحدة بان كل جزء منه منضم بالآخر فكأنه نقطة واحدة سارية في جميع المتممات لكان احسن و اولي فتدبر فظهر و الحمد لله ان الجسم في نفسه مركب و الادلة القشرية ايضا علي تركيبه عديدة لانحتاج الي نقلها ،
فاذا عرفت ذلك فاعلم ان جزئي الجسم المطلق مثالان للنفس علي ما عرفت فان الهيولي شعاعها و شبحها و المثال اي الصورة ايضا شبحها و مثالها و هما مقدمان علي الجسم تقدّما دهريا اذ هما من حيث الصدور دهريان و قد صدرا معا اذ لاينفك احدهما من الآخر و مثلهما كمثل الشبح الصادر من وجهك فانه صدر منك بهيئتك فهناك شيئان هيئة و شبح صادر و الجاهل يزعم ان الشبح صدر منفصلا عن الهيئة و الهيئة منفصلة عن الشبح مع انه لا شبح بلا هيئة و لايقوم هيئة بلا شبح بل نفس الشبح مركّب من مادة و صورة فافهم و كذلك الامر في مادة الجسم و صورته صدرتا من مبدئهما معا و تعانقتا و حصل من بينهما الجسم و صار ادون [ص 386] منهما في الدرجة فلا معني لقولهم ان الجسم مركب من الاجزاء الا ان يكون مرادهم الاجسام المتممة و هي الافراد و اما الجسم المطلق فليس له اجزاء فان الجزء المستقل اسم لشئ تام في الوجود موصوف بالجزئية كاجزاء المداد مثلا فان كلا منها موجود قايم بنفسه في حدّه الا انه يجمع بينها الصانع فيحصل مولود فوقها فهي الاجزاء المستقلة و المداد كلي فوقها و اما المركبات الذاتية فليست امرها هكذا فان كل مركب يكون مركبا من جزئين يكون كل واحد منهما مما به الشئ شئ فمادة الجسم لاتكون شيئا تاما و صورته ايضا ليست شيئا تاما و كل منهما بعض الشئ كنصفين بالنسبة الي الواحد فان كان مرادهم من تركب الجسم من الاجزاء هذا الجسم فلميحصل من اجزاء هكذا بل لميمض وقت لميكن الجسم المطلق موجودا بالجسمية اذ هو مولود دهري ثابت قائم ابدا دهريا و لميظهر في الزمان بدهريته ابدا الا ما ظهر منه في الافراد بها علي ما سيجيء ان شاء الله و ان كان مرادهم من تركب الجسم من الاجزاء الاجسام المقيدة فلا شك في ذلك و لكن الناس اكثرهم لايعقلون وجه تركبها ايضا لانهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون فاعلم علي نهج الاختصار ان حال المركبات المقيدة متفاوتة كما هو مشهود فاما اول ما ركب في هذا العالم فالبسايط فانها مركبة من حصة من الجسم اي الجوهر القابل و قيد مخصوص به تميز كل واحد منها عن الآخر فان العرش مثلا مركب من حصة من الجسم و صورة العرشية اي الحاصلة من الامزجة الكيفية الخاصة و الكم الخاص و الوضع الخاص و هكذا فان اختلاف اوضاع الاعراض يقتضي اختلاف الصور و هكذا الامر في جميع البسايط الي التراب العبيط و مرادنا من الحصّة الجسمانية ما لها من الجسمانية لا ان نفس الجوهر القابل يتحصص فان التحصص يعرض الكموم العارضة للجسم المقيّد و الذي تعيّنه بالصلوح المطلق ليس له الا الصلوح للتحصص فافهم فالجسم قابل القسمة و قابل القسمة غير المنقسم بل هو يقبلها بعد التعين كما ان الماء قابل [ص 387] التثلث و لايصير بنفسه مثلثا الا بعد الجمد فالجسم المطلق لاينقسم اذ ليس له امتداد معلوم يقبل القسمة و لكنه ظهوره و آيته لبعده عن المبدأ و نزوله من الدهرية يقبل التحصص فلذلك يكون مادة العرش غير مادة الكرسي ، مثال ذلك ان الخشب المطلق مادة نوعية صالحة للكرسية و لكنه بنفسه لايتلبس بصورة الكرسي لان صورته مطلقة و لكن الخشب الخاص المحدود بالحدود الخاصة قد يصير سريرا فالسرير مركب من حصة من الخشب و صورة السرير و كذلك الامر في ما يركب من الجسم ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان البسايط العبيطة لها مواد جسمية و صور معيّنة و اذا دارت الافلاك و اشرقت الكواكب و القت شعلاتها بعضها علي بعض و تأثرت منها العناصر يحصل اختلاط و امتزاج و يتغير كل شئ عن جوهريته فيصير الصور الاولي موادا لما يعرضها ثانيا فان فلك المشتري مثلا بنفسه مركب من جسمانية و صورة خاصة تقتضي مزاجا خاصا و لونا خاصا و هيئة مخصوصة فاذا دارت الافلاك و اثّرت بحركاتها و كواكبها في المشتري يحصل له مزاج خارج من طبعه و طبايع الباقي و ما تراه الآن من لون المشتري و طبعه و آثاره جميعها من التركيب الثاني لا الاول و كذلك الامر في العناصر فان هذه العناصر المشهودة كلها طبايع مبدّلة و موادها العناصر الاولي و صورها الصور الثانية العارضة ثمّ انه يتركب من تلك العناصر مواليد موادها تلك العناصر المبدلة يؤخذ بموازين مختلفة فتتصور بصور مختلفة و تلك الصور المختلفة لاتعرض نفس الجسم ابدا بل بينها و بين الجسم وسايط و روابط و جميعها عرضية بالنسبة اليه و لذا تريٰها متغيرة متبدلة و الجسم باقٍ في جميع الحالات نعم لا بدّ لظهوره من واحدة منها نوعا ، فاذا عرفت ذلك مجملا فاعلم ان المركب من الجسم و الماهيات الخاصة هي هذه الافلاك و العناصر و المركب من الاجزاء هي هذه الافلاك و العناصر المتغيرة و المواليد فان التراب مثلا مركب من عناصر هي اجزاء جسمانية و المعدن مركب من اجزاء بخارية و دخانية و النبات هكذا فموادها اجزاء هبائية جسمية ركبت [ص 388] عليها صور علي حسب اقتضائها ثمّ ان هذه الاجزاء متناهية ام لا ، اقول ان اريد من التناهي انها تنتهي الي جزء لايتجزي فانه كلام غير معقول فان الجسم و ان بلغ من الصغر حدّا لايدرك بالعين لايخرج من كونه متكمما و كل ذي كم قابل للقسمة و ان لميعمل فيها الآلات و الادوات ربما تقسم بالتدابير الكيميائية الاتري ان الورد مثلا مركب من مائية و دهنية و ارضية و الحكيم يفصل بينها بآلة التقطير و هذا تقسيم و لايلزم ان كل قسمة بالقطع و الجذّ و القدّ و لا بالسكين و المنشار و المقراض فان المراد من التقسيم تفصيل الجزئين و لايشك الحكيم في ان الذرات الهبائية التي لايمكن كسرها بنصفين بالفهر و حدّ السكين يمكن تفصيلها بالتقطير و تصعيد اللطيف و تنكيس الكثيف ، هب سلّمنا انه بلغ من الصغر حدّا لايمكن تجزيته بوجه ما اقول الوهم يفصل بينها و لو لميكن يمكن تفصيله لماكان يمكن توهمه ، هب سلّمنا ان الوهم ربما يعجز عن قسمته العقل يحكم بامكانها بالبرهان القطعي فاَصغ لما اقول و انصف كل ذي كمّ ذو جهات البتة و كل جهة منه الي جهة البتة فيمينه غير يساره و يساره غير يمينه و اعلاه غير اسفله و اسفله غير اعلاه و بينها ابعاد البتة و ان قلت انه لا مغايرة بينها اقول فهو نقطة و النقطة هي الطرف و لايحصل من تركيبها الا الطرف و هو الخط فقط و الخط طرف الجسم و هو مثالي فلايحصل منها الجوهر الجسماني ابدا فهو جسم ذو جهات البتة و كل جهة غير الاخري فيجوز تفرقها عنها مسلّما فلا معني لتركيب الجسم من جزء لايتجزي الا ان يراد منه الهيولي الاولي و من الجسم الجسم المطلق و هذا هو الظاهر من نقل بعض عن القائلين بذلك و المراد من عدم تجزّيها انها قوة و القوة لاتتجزأ و هذا صحيح بهذا المعني و الهيولي لاتتحصص و لكنها لاتسمّي بالجزء ايضا نعم يمكن تصحيح كلامهم بوجه فانه يحكي عنهم ان الجسم المطلق مركب من اجزاء لاتقبل القسمة لا في الذهن و لا في الخارج و يمكن ان يكون مرادهم منها الاجزاء الهبائية و لكنها اجزاء غير منفصلة و لا متعددة و لا متغيرة بل [ص 389] يعبّر عنها بالهباء لمحض الاشارة الي عدم تصورها محض التشبيه بالهباء المنبث في الجملة و لكنها ايضا قابلة للقسمة في الذهن لانا اثبتنا ان كل شئ مركب حتي الامكان الاول و البسيط هو الله تعالي و لكنها لاتقبل القسمة كساير الاجسام و العجب منهم حيث ردّوا علي هذا القول بان كل متحيز ذو جهات كما مرّ فان هذا البرهان يجري في الجسم و كلامهم في مادة الجسم و هي لاتكون متحيزة بل هي فوق عالم الاجسام ثمّ ان قول ذيمقراطيس و اتباعه ايضا لايجري في الجسم المطلق فانه لايكون مركبا من جسم آخر و لكنه يجري في الاجسام الثانوية و لكن التوصيف بالصلابة و عدم قبول التجزي ايضا قول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و بالجملة طال بنا المقال مع انا لسنا بصدد نقل الاقوال و تفصيل جميع المسائل .
فصل - لما ان فرغنا من بيان الجسم بلسان القوم ناسب ان نصفه بلساننا حتي يجتني كل احد ثمرته و يبلغ كل طالب امنيته و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ، فاعلم ان الجسم نور ملكوتي نزل من سماء مشيته تعالي و تعيّن بالصور المثالية و الحدود الزمانية و له في نفسه صورتان صورة مقومة بها قوامها و هي الصورة المطلقة الكلية التي بها تمتاز عن ساير الجواهر الملكوتية و صور متممة هي الصور المقيدة الحاصلة من الامثلة الملقاة في صفحة الزمان و صورة نفس الجسم هي المثال الكلي و قد يعبّر عنه بالشكل الكل فله كمّ مطلق و كيف مطلق و وقت مطلق و مكان مطلق و وضع مطلق و فعل مطلق و انفعال و جدة مطلقة اذ لو كان متكمما بكمّ مخصوص لماظهر في كل كمّ و ما يقال ان له بعدا خاصا و يظهر في غيره بالتبادل محض قول لايجدي اذ يلزمه خلع بُعد و لبس آخر فهو جوهر قابل للبعدين في نفسه اذ لو كان احدهما من ذاتيته لزم فناؤه بفنائه البتة و ذلك ظاهر عند كل عاقل و كذلك له كيف مطلق و كيفه عدم الكيف و لذلك يظهر في كل كيف و هكذا ساير الاعراض فله عرض مطلق هو قابل للظهور في جميع الاعراض [ص 390] و لكنه منزه عن جميع القيود بريء عن كل الحدود مع انه ظاهر في كلها بحيث يكون اوجد منها في امكنتها الخاصة و اظهر فيها منها مع حدودها المتعينة فتقول العرش جسم و السماء جسم و الكرسي جسم و العناصر جسم او بالعكس و لو كان بذاته محدودا بحدّ منها لماحمل علي غيره فانك لاتقول السماء ارض و الارض سماء و لكن تقول السماء جسم و الارض جسم و ان نفيت الجسمية عنهما تقول حقا و لكنه بمعني ان الجسم ليس محدودا بالسماوية و الارضية و معني هذا النفي و الاثبات ان السماء مثلا لايكون جسما بكليته و جمعيته و احاطته و لكنه جسم بالاشارة و الظهور و الآئية و المعاينة فاذا نظرت الي السماء رافعا نظرك عن خصوصية السماوية و حدودها رأيت الجسم و اعلم ان هذا الجسم لايوصف بالكلية و قد خبط من قال انه كلي طبيعي فان الكلية صفة زايدة علي نفس الشئ و هي من صفات الاضافة و يشهد بذلك الياء الدالة علي النسبة فالكلي اي المنسوب الي الكل كما ان الجزئي اي المنسوب الي الجزء و الكلي غير الجزئي و لايصدق عليه ابدا و لذلك لايصدق اسم الجسم الكلي علي الجزئيات فلايقال العرش جسم كلي و لكنه يقال انه جسم بقول مطلق فالجسم الذي يصدق اسمه علي جميع الجزئيات و الكليات بالتبادل الجسم المطلق عن الكلية و الجزئية و الكلي يصدق علي الكل من حيث المجموع فقولهم في تعريف الكلي انه ما لايمتنع فرض صدقه علي كثيرين خطاء فانه لايفرض صدقه الا علي المجموع الا ان يستعمل في المطلق بنحو من المجاز لمحض الدلالة علي جمعيته فافهم ذلك فانه دقيق فالكلي موجود بوجود جميع الافراد و المطلق وجوده مستقل ثابت و لذلك يكون مع كل شئ و بعده و قبله ثم اعلم انه موجود ثابت في عالمه و له بنفسه عالم فوق الزمان يعبّر عنه بالدهر و لكن الدهر وقته لانفس العالم و هو محيط بجميع الزمانيات و لايحدّ بها فنسبة الجسم الي جميع الاوقات بالسواء و لذلك لايكال بالزمان ابدا و لكن له وقت خاص به و بساير ما في عرضه و قد مرّ سابقا بيان الاوعية التي هي الاوقات [ص 391] و ان شئت فراجع بقي الكلام في نحو وجوده فانه مسألة معضلة و نفرد لها ايضا فصلا .
فصل - قد مرّ في الامور العامة مجمل القول في وجود الكلي الطبيعي و ناسب في المقام زيادة البيان لتوضيح المسألة ، فاعلم انهم اختلفوا في وجود الكلي الطبيعي قال الآخوند (ره) فاما الكلي الطبيعي فليس عندنا موجودا خلافا للمشهور من رأي الحكماء بل بالعرض خلافا لجمهور المتكلمين ، اقول آل اقوالهم في ما اعلم الي اربعة انه موجود في الخارج بذاته او موجود في افراده بذاته او موجود في الذهن بذاته و في الخارج في افراده بالعرض او هو غير موجود في الخارج لا بالذات و لا بالعرض بل في الذهن خاصة لانه من المعقولات الذهنية ، قال الشيخ الاوحد (اع) اما الاول فانه و ان لميقل احد منهم به لقصور افهامهم عن الوصول الي ادراكه لكنه قال به ائمة الهدي و ادركه العقل الذي يقتدي بهم و يهتدي بهديهم عن معاينة لا عن تقليد و اما الثاني فهو قول اكثر الحكماء علي جهة البدلية ظاهرا و في نفس الامر علي نحو الكل و الجزء و اما ما اتفقوا عليه من عدم وجود ما اخذ بشرط لا شئ في الخارج لا بنفسه و لا في الافراد فهو اتفاق منقول و لميثبت النقل لقيام الدليل القاطع من الكتاب و السنة و من العقل كما اشرنا اليه في عدة مواضع في هذا الشرح و غيره علي وجوده في الخارج و ان ما في الذهن لايكون الا كلا منتزعا من خارجي بواسطة المشاهدة او العلم او الاخبار او دلالة اللفظ او توهم الخارجي و ما اشبه ذلك و ان الخارجي المنتزع منه اِما في عالم الاكوان من الغيب او الشهادة و اِما في عالم الامكان و اِما في الواح الحق و اِما في الواح الباطل و ان كل شئ من ذلك مما وقع في الواح الحق فقد خلقه الله اولا و بالذات بمقتضي ما جعل من اسبابه و ان كل شئ مما وقع في الواح الباطل فقد خلقه الله تعالي ثانيا و بالعرض بمقتضي اعمال الباطلين و احوالهم و افعالهم و اقوالهم و ماينزله الي ذهن من يتصوره من الواح الحق او الواح الباطل الا بقدر معلوم و قد دلت [ص 392] الادلة العقلية و النقلية القطعيتان علي ان القول بالحق و الاعتقاد له و العمل به لايرتفع من الارض منذ هبط آدم الي الارض الي ان ينفخ في الصور نفخة الصعق او قبلها باربعين يوما ثمّ يتفرد بحمله وجه الله الذي لايفني الي نفخة الفزع فكيف يصحّ دعوي الاتفاق ان هذا الا اختلاق و اما القول بان ما اخذ لا بشرط موجود في الذهن كما يذهب اليه المصنف لان مبني علومه علي الاعتبارات و المفهومات الفرضية و قد صرّح في المشاعر و غيره بان الوجود معروض للماهية في الخارج عارض لها في الذهن فهو مخالف للادلة القطعية من النقلية و العقلية و مثل هذا في مخالفة الادلة القول بانه غير موجود في الخارج لا بالذات و لا بالعرض و اما الكليان الاخيران المنطقي و العقلي فمما اتفقوا علي عدم وجودهما في الخارج لكنه اتفاق لايكشف عن قول الصادق عليه السلام فيه بل قول جميع اهل العصمة من الاولين و الآخرين عليهم اجمعين السلام مخالف لقول هذه ( هذا ظ ) الاتفاق و هما موجودان و انا ادلّك عليه ان فهمت دلالتي و فهمتها هما موجودان في الصقع الذي فيه ما اخذ بشرط لا شئ و ما وجد بحر الزيبق بما فيه من السفن الجارية و ما وجد فيه الرجل الذي له الف رأس و ما وجد فيه مثل الوجود و القدم و الامكان و الحدوث و الفوقية و التحتية و امثال هذا مما انكروا وجودها و لكن كما قال الله سبحانه بل عجبت و يسخرون و اذا ذكروا لايذكرون و اذا رأوا آية يستسخرون ، انتهي كلامه علا مقامه مما يتعلق بالمقام و مراده اعلي الله مقامه في الشرحين اي شرح المشاعر و العرشية لميكن علي التحقيق الا محض الاشارة في الجملة و عمدة مراده فيهما محض ازهاق الباطل و لذلك لميبين مراده و لميوضح مرامه فلا بدّ لي من شرح كلامه اعلي الله مقامه ببيان رشيق و طرز دقيق .
فاعلم اوّلا بحول الله ان مشاعر الانسان مرايا ساذجة كالحواس الظاهرة ليس لها الا ما يخصّها من الصور بحسب المزاج و كل ما وقع اشباحها فيها بواسطة الحواس الظاهرة تدركها كما سيجيء بعد ان شاء الله و كل مشعر يدرك من الاشباح [ص 393] ما يناسبه و اذا لميقع شبح شئ في مرآة الحسّ لايكاد يدركه و لايملكه ابدا ابدا و لذلك لايحصل للانسان كمال ما لميدركه قال الله تعالي من كان في هذه اعمي فهو في الآخرة اعمي و اضل سبيلا و قال ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري و يحصل له من الادراكات ملكة اقتدار و هي صفة النفس خاصة و بها تقتدر علي مذاكرة ما غاب عنها و قد يعبّر عنها بالحفظ و قد يعبّر عنها بالذكر و هي الصورة التي تحشر بها و تثاب او تعاقب بها كما سنبينها ان شاء الله و قد يحصل لها قوة الاختراع بتلك الملكة فتتصور بعض ما لمتنتزعه من الخارج ايضا بخصوصه و قد تحدثه باظهاره بالادوات في المواد الدنيوية ايضا و ذلك لانها اكتسبت علوما من الخارج و صارت بذلك قادرة علي جعل صور مشابهة مما في الخارج مع ان الاصول و المفردات ايضا مستنبطة من الخارج غاية الامر ان النفس تركبها في المشاعر لانها ايضا مواد صالحة كالمواد الخارجية مثال ذلك انك تنتزع مثلا حمرة من الورد و طولا من الخشب و رايحة من المسك و لينا من لين كالحرير مثلا فتجمعها في فكرك علي مادة واحدة فيصير شيئا جديدا لمتكن تدركه قبل ثمّ تبرز تلك الصورة بواسطة اعضائك و جوارحك و الآلات الخارجية علي مادة تصورتها كالحديد مثلا فتصوغ شيئا بتلك الصفة و مثال آخر انك تستمع الالفاظ و تتعلم البحور و الاوزان فتنشد بيتا جديدا بطبعك فليس في الواقع عملك و صنعك الا من الانتزاعات الخارجية و لذلك لمتكن تقدر علي ذلك قبل تكملك بالتعلم و كذلك الامر في جميع الاختراعات الجديدة و الناس يزعمون ان الانسان يتصور ما لميجده و لمينتزعه من الخارج و هذا خطاء صرف و سيجيء بعد ذلك زيادة البيان ان شاء الله فعلي ذلك جميع ما تدركه او تتصوره موجود في الخارج بانفراده او بتركيبه و للنفس تصريفات كما للمشاعر ايضا فاذا عرفت ذلك نقول فما معني قولهم ان الكليات الثلثة وجوداتها ذهنية و لا وجود لها في الخارج مطلقا او الطبيعي خاصة موجودة في الخارج بالعرض دونهما هل يريدون [ص 394] ان الذهن يجدها من دون الاستنباط و الانتزاع من الخارج او يريدون انه ينتزعها فان قالوا بالثاني فهي موجودة بالذات في الخارج و كل منتزع من الخارج فرعه و هو عرض و ان قالوا بالاول اقول هل الكلية صفة ذاتية للذهن مطلقا او تكون عارضة فان قال بالاول اقول فما له لايدركها في كل حال في كل شئ و ما له يفرق بين الكليات مع انه لايكون الا واحدا و ان قال بالثاني اقول من ايّ سبيل و بايّ علة اتصف بها فان كان من سبيل الخارج فهي موجودة و ان كان بالاختراع فلا اختراع للنفس الا بالمقدمات المذكورة فمأخذ اختراع الكلية ايضا من الانتزاع فلمَ يحكمون بعدم وجودها في الخارج و ان قال انها تخترع لا علي احتذاء شئ اقول اولا ذلك شرك فان الاختراع لا علي احتذاء صفة الله و فعله و ثانيا ما الباعث لذلك ان كان من نفسه فلمَ لايخترعها في غير المقام و ان كان من الخارج فالمطلوب ثابت و وقع فيما فرّ منه ثمّ انا نجد ان كل احد يجد الكلي كليا و الجزئي جزئيا و ان لميكن له مأخذ من الخارج و مأخذه النفوس لمَ لاتختلف حينا مّا و بالجملة وجوه بطلان هذه المسألة عديدة قال الله تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم نعم لا بدّ من معرفة الخارج فان بعض الناس يزعمون ان العوالم منحصرة و الاوادم محصورون فكل ما سمعوا الخارج حملوه علي هذه العرصة و كل ما لميجدوه فيه او دلّتهم الادلة علي عدم وجوده هنا قالوا انه موجود في الذهن و ان كان الخارج هذا العالم فقط لا شكّ ان الكلي الطبيعي لايقوم فيه منفردا عن افراده لانا نري انه يصدق اسمه علي كل فرد بالتبادل بمعني انه يصدق اسمه بكله علي كل فرد و لو كان في عرض الافراد لكان محدودا بمادة متعينة و صورة خاصة من عرض موادها و صورها و ما كان هكذا لايكاد يظهر فيها كالارض مثلا فانها مخلوقة من مادة غليظة لاتستعد للتصور بغيرها و صورة ارضية قايمة بها و هي بهذه المادة و الصورة تقتضي مقاما خاصا و درجة مخصوصة تنتهي الي الماء و الهواء و النار و لاتكاد تخرج [ص 395] من حدّها و لاتدخل فيها و لاتصدق اسمها و رسمها عليها و كذلك صفة كل جسم خاص و لو كان الجسم المطلق اللابشرط في مثلها لصار متحيزا في حيّز خاص متناهيا بنهايات حتي يصدق عليه انه في عرضها و هو غيرها و هو فيما هو هو لايكون هي البتة كما ان العرش لايكون كرسيا و الكرسي لايكون سماءا و هكذا هذا و لايقول بهذا القول عاقل فان نفس كون الجسم جسما يحكم بانه لايكون في عرضها الاتري انه يقال في تعريفه انه جوهر قابل فلايكون عرضا محدودا متعينا فافهم و لايقوم ايضا في ضمن الافراد كما زعمه جماعة اذ لو كان في ضمنها لكان جزءها و اسم الجزء لايصدق علي الكل و تري انك تحمله علي كل فرد بتمامه فتقول السماء جسم و الارض جسم و لو كان الجسم بعضه لماكان هذا الحمل صدقا و لزم من ذلك ان يكون كل فرد مركبا من جسم و من غيره فما ذلك الغير و من اين هو و لا شئ سوي الجسم و المثال صورته و المادة مادته فافهم فان قلت ما معني قولكم ان الجسم هو مادة هذه الافراد اقول الجسم الذي هو مادة الافراد هو الجسم بشرط لا لا نفس الجسم الطبيعي و الجسم الذي يكون النفي قيده مقيد في الواقع الا انه مقيد بالاطلاق اي الابهام فيصلح للتعين و يتعين بالقيود الخاصة و تلك القيود غير الابهام و ان كانت اخص منه و لذا تعرضه فيتركب الشئ من جسمانية و صورة خاصة فهذا الجسم موجود في ضمن الافراد لا بمعني التحصص فان التحصص في الذاتيات غير معقول بل هو من اعراض الكمّ الخاص و لكنه بذاته يظهر في الجسمانية الخاصة التي تكون مادة لهذا الفرد فجسمانيته فرد هذا الجسم بشرط لا و صورته فرد الجسم التعليمي و لذلك يقال ان المادة النوعية موجودة في ضمن الافراد و نحن اذا نظرنا اليها و وقع اشباحها في مداركنا يدرك المادة التي هي ظهور العقل فينا تلك المادة فهذا الجسم ايضا موجود في الخارج و نحن بالعقل الطبيعي نستنبطه من الافراد و بالجملة نرجع الي ما كنّا بصدده فالجسم اللابشرط لايكون في عرض الافراد في الدنيا و لا في ضمنها لا بالذات و لا [ص 396] بالعرض و لكن مع ذلك لايشك عاقل في ان له وجودا ذاتيا و لايقوم وجوده بالاذهان فله عرصة ذاتية له و تلك العرصة تسمّي عندنا بالدهر و بملاحظة اختصاص الدهر بعرصة النفس نقول ان عرصته عالم المثال الا ان بشرط لا و الكلي المنطقي و العقلي دونه و هو فوقها فان للمثال ايضا مراتب و علي ايّ وجه كان هو موجود في غيب هذا الملك بذاته و لكنه ظهر في الافراد بمعني ان وجودها له و هو اوجد منها في مكانها و اولي بها منها و اظهر منها فيها فلايري فيها غيره فهي هو عينا و اثباتا و اشارة و تعبيرا و عيانا و ليست هي هو كلا و لا جمعا و لا احاطة فمعني رؤية الجسم في الواقع رؤية هذه الافراد بعضها او كلها و مع ذلك لو صنع اضعاف هذه الافراد الموجودة يظهر من جميعها و لايزيد علي جوهريته شئ كما انه لو افني جميعها غير واحد يظهر منه من غير ان ينقص منه شئ و ذلك لانه لايكون محدودا متناهيا و ذلك حال كل مطلق من المطلقات فان الماء المطلق مثلا لايكون محدودا بعدد المياه الجزئية مع انها ظهوراته و آياته فلو لميكن في الملك سوي قطرة من الماء حسبه ذلك في الوجود و الظهور و لو اغرق جميع الملك ظهر من كله من غير ان يزيد في سعته و كذلك الامر في جميع المطلقات فان عرفت ذلك فانت انت و اما بروزه في الاذهان فبان الانسان يأخذ اشباح الافراد في مشاعره و هي كلها شؤن الجسم و آثاره و وجوداتها له و ينتزع العقل الظاهر منها الجسم بنفسه نعم اذا كان كلي محيطا بجميع الاشياء بحيث يحيط بالاذهان و هي ايضا افراده فلاتحتاج في دركها الي استنباط من الخارج الا بمشاهدة الآثار و اقتباس الانوار قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق أولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد و قال و في انفسكم افلاتبصرون فافهم ثمّ ان للعقل استنباطات و تصريفات فقد ينظر الي شئ و يلاحظه تمامه من العارض و المعروض و قد يلاحظ العارض و قد يلاحظ المعروض و يستعمل في درك كل شئ مشعره الخاص به فالكلي العقلي موجود اذ هو نسبة ثابتة [ص 397] و الكلي المنطقي ايضا نسبة ثابتة في الخارج و لكن الانسان يفككها في الذهن كما يفكك بين ساير النسب و القرانات و الاضافات و لكن في الخارج لايقوم الكلية مثلا منفردة عن الكلي كما لايقوم الجزئية منفردة عن الجزئي بل ليس الكلية في الواقع صورة مثل ساير الصور و لكنها صفة معنوية كلية اذ هي صفة المادة و آلة دركها المشاعر العقلية كالعاقلة و الواهمة و بالجملة مرادنا محض اثبات وجود الكلي الطبيعي بقدر ما يقتضيه الحال و اذا عرفت الجسم الطبيعي ناسب ان نبيّن صفة الجسم التعليمي بقدر ما يقتضيه المقام في فصل خاص .