في المثال و قد ظهر بعض ما يتعلق مما بينّاه في المادة و قبل ذلك في الامور العامة (ظ) و لكنّا نذكر في المقام ايضا ما يتعلق به و فيه فصول :
فصل - المثال في اللغة المقدار و القصاص و صفة الشئ و صورته و جاء المثل بفتحتين و بكسر الميم و سكون الثاء ايضا بمعني الصفة و بمعني النفس [ص 348] و المراد منه في المقام الصورة و الصفة و قد يقال انه بمعني الشبيه و النظير و فسّر به في اللغة قوله عليه السلام في صفة العلماء اعيانهم مفقودة و امثالهم في القلوب موجودة ، و الظاهر انه سهو و الحق ان المراد من الامثال الصفات او الصور و كذلك قوله عليه السلام في صفة العالم العلوي القي في هويتها مثاله اي صفته و نوره و قد يسمّي بالبرزخ قال ابوالبقاء البرزخ الحايل بين الشيئين و يعبّر به عن عالم المثال اعني الحاجز بين الاجساد الكثيفة و عالم الارواح المجردة اعني الدنيا و الآخرة و ورد في صفته اخبار رويناها في الكتاب المبين اقتصر علي رواية واحدة محض البركة عن ابيجعفر عليه السلام ان الله عز و جل خلق الخلق فخلق من احب مما احب فكان ما احب ان خلقه من طينة الجنة و خلق من ابغض مما ابغض و كان ما ابغض ان خلقه من طينة من النار ثمّ بعثهم في الظلال فقيل و ايّ شئ الظلال فقال المتر الي ظلك في الشمس شيئا و ليس بشئ ثمّ بعث منهم النبيين فدعوهم الي الاقرار بالله عز و جل و هو قوله عز و جل و لأن سألتهم من خلقهم ليقولن الله الحديث ، و غير ذلك من الاخبار كثير و قد صرّح الله تعالي في الكتاب ببرزخيته حيث يقول و من ورائهم برزخ الي يوم يبعثون و كذلك آية الميثاق و قوله من دونهما جنّتان فان دون جنتي الآخرة جنتا البرزخ الي غير ذلك من الادلة النقلية و اختلف قدماء الحكماء و متأخروهم في اثباته و نفيه فذهب الاشراقيون و الصوفية الي ان بين عالم العقول المجردة و عالم الحس الظاهر و هو عرصة الماديات عالم لوجوداته مقدار و شكل و لكن لا مادة لها فالمجردات المحضة مجردة عن المادة و المقدار كليهما و الماديات متلبسة بهما و موجودات عالم المثال مجردة من المادة متلبسة بالمقدار و كان الاولي بمسلكهم ان يقولوا انها مقادير و لكن اجري الله علي لسانهم ذلك ليكون حجة عليهم كما سيأتي و قالوا انها كالصور الخيالية و الفرق بينها و بين الامثلة انها متحققة في الاذهان و هي ثابتة في الخارج و هذا العالم متوسط بين العالمين اذ من حيث التجرد عن المادة [ص 349] مناسب للمجردات و من حيث التلبس بالمقدار مناسب مع الماديات و قالوا ان لكل موجود من اهل العالمين له مثال فيه قايم بذاته حتي الحركات و السكنات و الاوضاع و الهيئات و الطعوم و الروايح و غير ذلك من الاعراض و قالوا ان وجود المجرد في هذا العالم علي سبيل التنزل اذ صار محدودا بالمقدار و الشكل و وجود الموجود المادي فيه بالترفع و الترقي اذ خلع المادة و بعض لوازمها كالوضع مثلا و يسمّون هذا العالم بالمثال و الخيال المنفصل و البرزخ و المثال المطلق و يسمّون خيال الانسان بالخيال المتصل و المثال المقيد و يسمّونه العرفاء بالشهادة المضافة و عالم الفرق و الحكماء القدماء سمّوا سماواته بهورقليا و عناصره و مُدنه بجابلقا و جابرسا و قالوا انه قد يظهر المولود المثالي في الدنيا و يدرك بالحواس الظاهرة و الاجسام الصقيلة كالماء و المرءات تحكيها و كذلك تظهر في الخيال و منها ما يري في المنام و الملئكة و الجن و الشياطين و قد يظهر الجن في الاجسام الصقيلة من هذا الباب و نقل من الاقدمين ان في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسّي لايتناهي عجايبه و لايحصي مدنه و من جملة تلك المدن جابلقا و جابرسا و هما مدينتان عظيمتان لكل منهما الف باب لايحصي ما فيها من الخلايق و هؤلاء يصححون المعاد الجسماني بذلك و يقولون ان الجنة و النار و القيمة في المثال و هنالك تتجسم الاعمال و انكر عليهم المشّاؤن و جماعة من الحكماء و المتكلمين كما قال اللاهيجي بعدم الدليل علي وجوده بل قيام الدليل علي امتناعه و دليلهم ان كل قابل للقسمة محتاج الي مادة فوجود الصورة المقدارية بلا مادة محال و ردّ عليه السبزواري ردا شديدا و حاصل كلامه ان القسمة لاتتصور الا في الخيال و غايته انك تتصور ذراعا ثمّ تتصور نصفين و تصورك للنصفين ليس بتقسيمه بل بمحوه من الخيال و خلق صورة اخري فان مذهبه ان النفس خلاقة و حكي عنه ايضا برهانا آخر قال ان البدن المثالي لايخلو من انه قديم او حادث و علي تقدير القدم يمنعه مانع ام لا و كلاهما مشكل في الغاية بل باطل كما لايخفي و علي [ص 350] تقدير الحدوث هل يكون مستعدا لفيضان النفس ام لا فان كان مستعدا لذلك فتعلق النفس به محال كما مرّ في ابطال التناسخ و الا فلايتصور تعلق النفس به قال السبزواري في رده كأنه لميعثر علي لُبّ هذا المذهب و قال في بيان المسألة ان عالم الصور اثنان واحد منهما في قوس النزول و هو عالم الذر و واحد في قوس الصعود و هو المسمّي بعالم البرزخ غالبا و الاول قبل تعلق الارواح بالاجساد و الثاني بعده و صور الاعمال و تشبح الملكات في الثاني فان قال بقدم الصور الاولي اقول بلي هي قديمة علمية و لكنها علمية قدرية لا ابدان النفوس لانها لمتكن بنحو النفسية و الكثرة و لو كانت مخصصة فتعلقه ببدن دون غيره تخصيص بلا مخصص لان تخصصه لميكن استعداديا و ان كان مراده الصور الثانية فمطالبة الاستعداد حيث لا هيولي غريب مع ان الصور في الصعود حاصلة من النفس لا العكس فالصور الجرد المرد من نورية النفس و السود الزرق البهم من ظلمانيتها هذا غاية حظّهم من العلم و استدل اهل الاشراق لوجود عالم المثال بالامكان الاشرف و بان ما نشاهد من تلك الصور في الخيال مثلا ليست عدما صرفا و لا من عالم الماديات و هو ظاهر و لا من عالم العقل لكونها ذوات مقدار و لا مرتسمة في الاجرام الدماغية لامتناع ارتسام الكبير في الصغير كما مرّ في تخيل صورة الجبل مثلا فيجب ان تكون موجودات خارجية قايمة بذواتها و هو المط و حكي عن السيد في جذواته بعد انكاره لعالم المثال انه قال نعم انحاء التعلقات مختلفة و مراتب اللطافة و الكثافة في الماديات متفاوتة في الضعف و الشدّة و عالم المثال هو مقام لطايف الشهاديات و قال في بيانه كما ان لكل مثال مثال في عالم المثال لكل مادة ايضا مثال و تقوم الصور في عالم المثال بمثال المواد و الصور المثالية و موادها في البرزخ بازاء المواد الهيولانية و الصور المادية في عالم الحس و بالجملة ذهب كل الي مذهب مع ان كلا منهم علم شيئا و غاب عنه اشياء و مرادي في المقام محض ذكر اقوالهم في الجملة لتكون مطلعا علي نوعها [ص 351] و ما علينا الا بيان الحق بحول الله و قوته .
فصل - قد ثبت لنا وجود عالم المثال من طريق الشرع و لا محيص لاحد من الاقرار به اما ما يدلّ من الآيات و الاخبار علي ثبوت الاظلة قبل الميلاد الدنيوي فقوله تعالي اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم الآية ، و سئل ابوجعفر عليه السلام عن تفسيرها قال اخرج الله من ظهر آدم ذريته الي يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرّفهم نفسه و اراهم نفسه و لولا ذلك ماعرف احد ربه و ذلك قوله و لئن سألتهم من خلق السماوات و الارض ليقولن الله ، و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي اخذ ميثاق العباد و هم اظلة قبل الميلاد فما تعارف من الارواح ائتلف و ما تناكر منها اختلف و عنهما عليهما السلام ان الله خلق الخلق و هي اظلة فارسل رسوله محمدا صلي الله عليه و آله فمنهم من آمن به و منهم من كذّبه ثمّ بعثه في الخلق الآخر فآمن به من كان آمن به في الاظلة و جحد من جحد به يومئذ فقال ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ، و عن ابيعبدالله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال ان الله حين شاء تقدير الخليقة و ذرأ البرية و ابداع المبدعات نصب الخلق في صور كالهباء قبل دحو الارض و رفع السماء الي ان قال بعد كلام طويل في اخذ الميثاق : ثم اخفي الله الخليقة في غيبه و غيبها في مكنون علمه ثمّ نصب العوالم و بسط الزمان و مزج الماء و اثار الزبد و اهاج الدخان الحديث ، و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة له لما اراد الله ان ينشئ المخلوقات اقام الخلايق في صورة واحدة قبل خلق الارض و السماوات ثمّ افاض نورا من نوره من نور عزه فلمع قبسا من ضيائه و سطع ثمّ اجتمع في تلك الصورة و فيها صورة رسول الله صلي الله عليه و آله الخطبة ، و اشار عليه السلام الي نوع هذا العالم بقوله ان من وراء قاف عالم لايصل اليه احد غيري و انا المحيط بما وراءه و علمي به كعلمي بدنياكم الحديث ، و قال ابوعبدالله عليه السلام ان من وراء ارضكم هذه [ص 352] ارضا بيضاء ضوؤها منها فيها خلق يعبدون الله الحديث ، و لا شك ان المراد منها ارض المثال و بيّن مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام تجرد تلك الامثلة من المواد في الخبر المشهور : صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها بنوره فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و يدل علي مُدُنه اخبار منها قال ابوعبدالله عليه السلام ان لله عز و جل مدينة بالمشرق اسمها جابلقا لها اثناعشرالف باب من ذهب بين كل باب الي صاحبه مسيرة فرسخ علي كل باب برج فيه اثناعشرالف مقاتل يهلبون الخيل و يشحذون السيوف و السلاح ينتظرون قيام قائمنا و ان لله عز و جل بالمغرب مدينة يقال لها جابرسا لها اثناعشرالف باب من ذهب بين كل باب الي صاحبه مسيرة فرسخ الحديث ، الي غير ذلك من الاخبار الساطعة المنار الناصّة علي ثبوت عالم المثال قبل الاجسام و الاخبار الناصّة علي مرور الخلق عليه بعد موتهم ايضا كثيرة تأتي بعد ان شاء الله و مرادنا في المقام محض اثبات المثال في الجملة و اعلم ان فهم هذه الاخبار معضلة لان لآلمحمد عليهم السلام لحنا خاصا في بياناتهم و الجهال لايعرفون معاني كلامهم و قد قال عليه السلام انا لانعدّ الرجل منا فقيها حتي يلحن عليه فيعرف اللحن ، و معني الفقيه الفهيم و الناس لعدم استيناسهم باحاديثهم يستوحشون منها بل يزعمونها محض المجازات و يزعمون خرافات الفلاسفة و هذيانات الاشراقيين و مزخرفات المشّائين تحقيقات مع ان اغلبها محض رأي فاسد و حدس غير صايب و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و لكن الحكيم الحاذق و العليم المدقق يعرف ان اصطلاحهم احسن و تعبيراتهم افضل و ادلّ علي المطلوب و الحاصل ان فهم هذه الاخبار مشكل و لو بنيت علي شرحها لخرجت عن وضع البيان و لكنه ربما يمرّ علينا في تلو الكلام مسايل ينحل بها بعض ما درج في هذه الاخبار فان علم جميعها مخصوص بهم لايطلع عليه غيرهم .
فصل - في ذكر بعض الادلة العقلية لاثبات عالم المثال و هي كثيرة و لكني [ص 353] اذكر اوّلا مقدمة لاطلاع الناظر علي حال الحكماء و وجه اشتباه اغلبهم و لعلك تعرف صدق ما اقوله اذا تتبعت في كلامهم فاعلم ان جماعة منهم زعموا ان قبل الطبايع اي الاجسام العنصرية و الفلكية امثلة مقدارية مجردة و هي ثابتة قايمة بلا مادة و وجه الاشتباه عليهم انهم سمعوا متقدميهم يثبتون مثالا بروايتهم من الانبياء و الاوصياء و رأوا شاهد وجودها في انفسهم من خيالاتهم و مناماتهم فاقرّوا بها من حيث لايعرفون و دلّتهم بعض الادلة علي تجردها عن المادة الجسمانية فظنوا انها مجردة مطلقا و هي وراء الدنيا لا محالة فحكموا علي ان فوق الدنيا امثلة معلقة بلا مادة و لا مدة دنياوية و جماعة منهم راي ان الامثلة المقدارية و ما في حكمها لاتكاد تقوم مجردة عن كل مادة مطلقا و الفرق انها في غير عالم الاجسام فانكروها رأسا ثمّ لما رأوا من ضرورة مذهب الاسلام ثبوت الحساب في القبر و علموا ان البدن الجسماني ميت و لايضرّه الحساب و لاينفعه و الحساب و الثواب و العقاب مخصوص بالروح فقالوا انه يتعلق بهذا البدن العنصري و يحاسب ثمّ يفني و بعض دبّر و اصلحه بوجه آخر و بالجملة هذا وجه الاشتباه علي جماعة و لو عرفوا حقيقة المسألة لمينكروا امرا بهذا الوضوح و نحن بحول الله و قوته عرفنا حق المسألة بحيث يطابق النقل و العقل و وضعنا كل شئ موضعه و في هذا الفصل نذكر بعض الادلة لثبوت عالم مقداري غير الاجسام ثمّ نبيّن حقيقة المسألة ،
فنقول و من الله التوفيق لا شك انا نري في المنام عالما مقداريا له سماء و ارض و مواليد طبق هذا العالم و هو غير هذا العالم بلا شبهة و لانراه مكشوفا الا بعد الغض عن هذا الملك و الغفلة بالكلية و لا شك ان ما نراه ليس بالانطباع من مواليد هذا الملك و سماواته و ارضه و لو كان كثرة ادراكنا لها في اليقظة معينة علي كشفها و لكنها ليست من اشباحها المتصلة بها البتة و ليست من نقوش جرم الدماغ ايضا و لا هيئة نفس الروح ايضا اذ لو كانت من هيئتها لكنا ندركها كل حين و ان كان و لا بدّ حين الغفلة عن الحواس و ليس الامر هكذا و لاتنزل من النفس اذ يلزم من ذلك ثبوتها فيها و لايخلو [ص 354] من ان تكون في قوتها او بالفعل فان قلت انها في قوتها يلزم من ذلك محذوران احدهما كون النفس هيولي لها مع انه قد ثبت في الحكمة انها صورة علمية مركبة علي مادة نورانية و من قال ان لها مادة هيولائية ايضا لميقل بانها قوة لامثلتها بل اقرّ بانها صفاتها و آثارها و لا شكّ ان الاثر لايبلغ درجة مؤثره بل هو دونه بمادته و صورته و لكنه قال ان لها جوهرا هيولائيا يتصور بالخيرات و الشرور و مراده ان جميع الاعمال يصل اليها بوجه يجوز لها عنده و نحن قد اثبتنا ان اصل هذا الكلام باطل مخالف للكتاب و السنّة و ثانيهما انها لو كانت في قوتها لماخرجت الي المشاعر في المنام لعدم المرجح و ان قلت ان المرجح نفس النفس اقول ان ذلك محال لجهات : اما اولا فلعدم اختيارها في منامها و ثانيا فلان الفاعل بنفسه لايكون مرجحا الا ان يكون الباعث من الخارج فانه لو كان مرجحا للزم ان يرجح امرا واحدا دايما لانه طبيعي لا محالة لما يظهر لك بادني تأمل فان قلت ان ترجيحه بالاختيار اقول فهو في قوته اذ الاختيار تساوي النسبة الي ما يكون مختارا فيه و اذا كان الميل الي الجهات و عدمه في قوته فيحتاج الترجيح ايضا الي مرجح آخر فافهم فان فهم هذه المسألة صعب علي الافهام و ان قلت انها بالفعل فيها اقول ان النفس الواحدة كيف تكون معدن الكثرات فان المادة الواحدة لاتلبس الا صورة واحدة و ان قلت انها كلية تصلح لصور كثيرة اقول فهي دهرية و الامثلة المحدودة لاتثبت في الدهر فليس محلها النفس فلها عالم غير عالم النفس و الاجسام اعني انه دون النفس و فوق الاجسام اما انه دونها فلان الامثلة من آثارها و اما انه فوقها فلأنها اي الامثلة مجردة من موادها فافهم .
و بوجه آخر من البرهان اقول انه قد ثبت في الحكمة ان الانسان الصغير انموذج العالم الكبير و برهان ذلك علي وجه الايجاز ان الانسان مولود في هذا العالم من مادته و صورته و هما يد الله و محل مشيته لصنع المواليد و بعبارة اخري الافلاك آباء علوية و العناصر امهات سفلية و المواليد تتولد من نطفتيهما بلا شك فجميع ما [ص 355] هو موجود فيهما يوجد في المواليد باختلاف حالاتها و محال ان يحدث فيهما ما ليس بعينه او نظيره في هذا الملك و ذلك مسلّم لا شك فيه فان المعلول لايحدث فيه الا ما ثبت في علته و الا للزم ان يحدث معلول بلا علة او يكون له علة خارجة و كلاهما محال في الحكمة فكل ما تراه في نفسك يكون في الملك ثابتا قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم فكل ما في الآفاق في الانفس كما هو مقتضي العطف و لو كان مراده اثبات بعضها في الآفاق و بعضها في الانفس لكان يقول بعض آياتنا في الآفاق و بعضها في انفسهم فتدبر و قال عزّ من قائل و في انفسكم افلاتبصرون و ينسب الي مولانا اميرالمؤمنين :
دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
أتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و قال عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي كتاب ( الكتاب ظ ) الذي كتبه بيده الحديث ، فلا شك ان جميع ما في الملك مندمج في الانسان الصغير و لذلك صار الملك ميزان الانسان و الانسان ميزان الملك و دليله فكما خلق الله لملكه سماوات و ارضين خلق للانسان ايضا سماوات و ارضين و كما جعل لملكه فؤادا و عقلا و روحا و نفسا و طبعا و مادة و مثالا و جسما جعله ( جعل ظ ) له هذه المراتب و كما جعل افلاك الملك محالّ غيوبه و ارضيه محال شهاداته كذلك في الانسان ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لا شك ان لنا امثلة غيبية و شهادية ملقاة في ظواهر ابداننا و غيوبها و هي من حيث انفسها مجردة و ان كانت في ظهورها محتاجة الي مرايا بدنية لطيفة او كثيفة ففي هذا العالم ايضا امثلة هكذا و نري امثلة الانسان قايمة ما دامت افلاك وجوده ثابتة سواء اخرجت في العناصر العرضية ام لا كما نري في الخيالات و الافكار و تصور ما مضي و ما لميأت و في المنامات فنقول ان امر الملك ايضا هكذا امثلته قايمة ما دامت [ص 356] السماوات و الارض فافهم هذا البرهان المليح الظاهر الذي يعرفه كل ناقد بصير و عاقل خبير .
و بوجه آخر من طريق الموعظة نقول ان مراتب الانسان ثلثة نفس دهري و مثال برزخي و جسم دنياوي و لكل واحدة عرصة خاصة و الانسان يعمل بكل منها عملا خاصا فاخبرني أمن العدل ان يحشر الله كل مرتبة في مقام يخصّها و يثيبها و يعاقبها بما يقتضي او يثيب بعضا و يفني بعضا بلا ثواب و لا عقاب فاختر لنفسك ما يحلو فان كان من العدل الاول فالله لايتركهم بعد الموت سدي و لايعدمهم كالجمادات الناقصة بل يقيمهم في عالم ليجزي الامثلة بما سعت البتة و هو غير النفس مسلّما .
و بوجه آخر من طريق الحكمة التي هي اشرف الادلة و اوضحها نقول ان الله كان في قدس احديته منزّها عن كل الصفات مقدسا عن جميع السمات و لميكن معه شئ من القوي و الفعليات فخلق اول ما خلق مشيته لا من شئ و لا بشئ و لا في شئ و لا لشئ بل خلقها بها لها فيها منها فهي غاية الغايات و نهاية النهايات فهي كاملة في ذاتها و لو كانت ناقصة لكانت محتاجة في وجودها الي علة سواها و المفروض انها علة العلل فافهم فانه دقيق و ليس المقام مقام البيان ازيد من ذلك و لما كانت كاملة في الغاية اذ كانت هي الغاية صدرت ( صدر ظ ) منها نور علي حسبها و فاضت علي عرصة الامكان فتنورت بنورها و حييت بفضل حيوتها و خلق من هذا النور المفاض و مادة الامكان العقل الاول مركبا من فعل هو النور و انفعال هو الامكان و بهذا النظر يقال ان الامكان هو مقام الانفعال و ان كان في نظر آخر الصورة مقام الانفعال كما مرّ سابقا و الحاصل تمّ خلق العقل و كمل قايما بمادته التي هي شعاع المشية و مٰهيته التي هي الامكان او بالعكس قيام ركن و بالمشية قيام صدور و هو اول كون تولد في عرصة الامكان و هو كامل لعدم المانع من الكمال اذ الفاعل كان كاملا و القابل كان قابلا و لذلك صار علي محبة الله تعالي و ما يخالفها [ص 357] لايخالف الا لنقص الفاعل او القابل و النقص خلاف الفطرة الاولية و حاصل من الاعراض و الاعراض لاتعرض الشئ الا بعد البرد و البرد من البُعد فافهم فالعقل ايضا مولود كامل في الفعلية و لذلك صار علة اولية كونية و المشية منها كالنار من الشعلة و هي الشعلة المشعلة و يسطع منها نور ساطع هي اثرها و صفتها كنور الشعلة من الشعلة و هو فعل العقل و بملاحظة انه القلم نقول انه حركة ايجادية تظهر في لسان القلم بالمشية فافهم و هذا النور يقع علي قابلية النفس فتستضيء بنوره و تحيي و تقوم خلقا كاملا و هذا النور قايم بالعقل قيام صدور و بمادة النفس اي انيتها قيام (كذا) فهذا النور مثال للعقل بينه و بين النفس و ظله فهو برزخ بينهما و تسميته بالروح لان حيوة النفس بهذا المثال فان اصل الحيوة للعقل فانه روح حيّ لا من نفسه بل من المشية و لذا يقال انه روح القدس يعني مقدس عن كل صفة رذيلة و شعاعه ايضا حي و لذلك يقال انه ايضا روح الا انه انزل من العقل فهو ملكوتي و العقل جبروتي و مثله بالنسبة الي النفس كمثل روح الحيوة في الانسان الشهادي فبين العقل و النفس برزخ هو فعل العقل في النفس و شعاعه فيها ثمّ ان النفس بعد ما كمل خلقها سطع منها ايضا شعاع و نور بحسبها فان شعاع العقل معنوي و شعاع النفس صوري و شعاعها فعلها و هو ادراكها و تدبيرها لا غير فافهم و هو من حيث صدورها منها مطلق للزوم المناسبة بين الاثر و المؤثر و قد وقع شعاعها علي طبيعة الجسم و تعيّن بحسبه و حيوة الجسم بهذا المثال و بقاؤه به و لولاه لماكان جسم ابدا و هو البرزخ بين الجسم و النفس الكلية و هو هو المثال و الامر في جميع الملك هكذا و لا بدّ من وجود برزخ بين العالي و الداني و ان قلت علي ذلك يثبت بين الله تعالي و مشيته ايضا برزخ اقول لا لان المشية لمتصدر من ذات الله كنور من منير بل هي مخلوقة لا من شئ و ليس فوقها شئ و البرزخ يثبت اذا صدر من الشئ نور و وقع علي غيره كقولك ضَرَبَ زيدٌ عمرا ، فالضرب صدر من زيد و تعلق بعمرو [ص 358] فالضرب الصادر من زيد و الواقع علي عمرو برزخ بين زيد و بين عمرو من حيث المضروبية و كذلك النور الواقع من الشمس علي المرآة فان النور برزخ بين الشمس و الشبح الواقع في المرآة و كذلك الامر في جميع الملك فافهم هذه الادلة الساطعة حتي تتيقن بوجود عالم المثال و اعرف من ذلك انا نحن بوادٍ و العذول بواد .
فصل - بعد ما ثبت لك بانواع الادلة وجود عالم مقداري فلا علينا ان نصفه بحيث يظهر لك حقيقة المسألة ان شاء الله ، فاعلم ان عالم المثال يعدّ في السلسلة العرضية المترتبة فوق عالم الاجسام دون المادة و نقول انه مخلوق من تنزل المادة و نريد من ذلك ان حقيقة المادة بنفسها لمتتهيأ بالمثال اذ يلزم من ذلك فساد المادة و تنقلها من ذاتيتها و لكنها باقية علي صرافتها و ان كانت ظاهرة في المثال و ظهورها فيه تهيأ بهيأة المثال و قد اشتهر من كلام مشايخنا بين تلامذتهم ان جميع الملك مخلوق من تنزل العقل و يزعمون انه بذاته نزل في عرصة الروح فصار روحا و هكذا الروح بذاته تنزل الي النفس فصار نفسا و هكذا الي ان نزل المثال بذاته الي الجسم فصار جسما و لو كان الامر هكذا للزم عدم وجود الواسطة بين المشية و الجسم و انفعال الجسم بنفسه من نفس المشية بل يلزم من ذلك ايضا الطفرة في الوجود و الخلاء بين الجسم و المشية و جميع ذلك محال ، هذا و تري علانية آثار العوالم كلها موجودة و علاماتها نيّرة الاتري في المواليد امثلة قايمة و نفوسا فاعلة و عقولا مدبرة و لو كانت متنزلة الي الجسم لكانت معدومة من انفسها فمن اين ظهرت في المواليد بل يريها البصير الخبير في هذا العالم موجودا أليست العناصر مصورة بصورها و الافلاك حيّة ثابتة بنفوسها و الكل قايمة بموادها و عقولها فافهم ، فالعوالم العالية كلها باقية قايمة في محالّها الا ان كل سافل في مقامه تنزّل العالي اي هو عالٍ متنزل كما ان العالي في مقامه سافل مترفع فالمثال في مقامه تنزل المادة مع انها ظاهرة فيها فان المادة في الواقع [ص 359] ليست الا طبيعة متعلقة بالصورة و افرض المسألة هكذا انه ليس ثَمّ الا طبيعة و هي الوجود الثاني اي ظهور الفؤاد الذي هو الوجود الاول و قد ظهر الوجود الثاني في المثال فصار محدودا به لا بذاته ايضا اذ هي مطلقة بل بظهورها و مثال ذلك الماء فانه في طبعه مطلق اي هو في المقام الاعلي طبع عنصري مطلق لا اختصاص له بمزاج و قد تجلي في المياه المقيدة فحصل هنا امران مٰهية مطلقة هي الماء المطلق و هو فوق عرصة المقيدات و لميحدّ بحدودها و مياه خاصة قيّدت بصور و كذلك الامر في هذا العالم طبع عالم الشهادة صرف جوهر وجودي مطلق اعم من الفاعلية و القابلية و قد تجلي الي القابلية المطلقة فحصل من تجليه وجودان وجود اعلي هو الهيولي المطلقة التي لاتتخصص بشئ و هيولي مقيّدة بقيد القابلية و لذلك يقال ان نفس المادة لمتتصور و لمتتنزل و هي ثابتة في مقامها مطلقة الا ان لها فردا واحدا كليا في الاعلي و لعلك عرفت مما بينّاه ان الهيولي ايضا مثال للنفس الا انها اعلي المثال و هي من حيث الصدور كما ان مقام التعين حيث الظهور و بالجملة جميع ذلك تدقيقات من حيث النظر و اما في الواقع الخارج ليس شئ واحد و امر واحد فانك ان نظرت بعين البصيرة تري شيئا واحدا سماءا و ارضا و برا و بحرا و غيبا و شهادة و ذلك سرّ عجيب لايطلع عليه الرقيب .
فصل - اعلم ان المثال المعروف علي الالسنة صرف الصورة و لذلك قد يقال انها الجسم التعليمي او المقداري و الصورة لاتكاد تقوم بلا مادة اذ قوامها بها فلا بدّ من تعلقها بالمادة و بعد ما تعلقت بالمادة و تصوّرت المادة بها يحصل الجسم فان الجسم ليس الا جوهرا شهاديا قابلا للاعراض و من قال بغير ذلك لميعرف الحقيقة و لاينافي كلامنا هذا ما قلناه ان الجسم مخلوق من تنزل المثال فان نفس الصورة المتصلة بالمادة انزل منها لو كانت خالصة و لكن الصورة الخالصة لاتقوم ، مثال ذلك النار المرئية علي الدخان فان هذه النار غليظة مرئية مشهودة [ص 360] و هي ادون من النار الغيبية مع انها ليست الا هذه النار الا انا قد ننظر الي الشعلة قاطعا نظرنا عن دخانها فنريها و قد ننظر اليها و نريها عليها و الاولي الطف من الثانية في الوجدان و ان قلت في كلامك هذا ايضا تناقض فانك قلت ان الصورة لاتقوم بلا مادة فكيف تجدها في وجدانك خالصة اقول في الخارج تكون مركبة علي مادتها و في الهواء الفاصل بينها و بين العين مركبة علي الهواء و هو مادتها و في العين علي العين و في الخيال علي جرم الدماغ و الحس المشترك فالصورة بلا مادة محال ان تقوم و لكنا بعد ما قطعنا النظر عن المادة الخارجية نجدها خالصة عنها فافهم و بالجملة فالصورة في الواقع الخارج قايمة بالمادة قيام التحقق كما ان المادة قائمة بالصورة قيام الظهور و لذلك نقول في معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد ، انها عالية عن المواد الغليظة لا مطلق المادة ، هذا و قد يقال ان المادة الذاتية للمثال المثال المطلق و يضرب المثال لذلك ان الطول الظاهر في الطويل له مادة و هي شعاع الطول المطلق و مرادنا ان المواد العرضية ليست مادة ذاتية للشئ و اما في المقام فالمادة الذاتية للمثال المطلق هو نفس مادتها و هي شعاع النفس المطلقة التي هي ظاهر النفس و لايكاد يفارق المثال مادته الذاتية ابدا فهو معها و لكنه مستعلٍ عن الاجسام الجزئية التي تكون دونها و تتعلق بها الامثلة الجزئية .
فصل - اذا عرفت ان المثال هو شعاع النفس و فعلها فاعلم انه من حيث صدوره منها مطلق دهري علي صفتها لان الاثر علي صفة مؤثره و ما قاله الحكماء ان الواحد لايصدر منه الا الواحد ، يجري في المقام و اما في الخلق الاول بالنسبة الي الله عز و جل فلايجري قولهم كما بينّاه سابقا و لانعيد فالنفس لدهريتها تكون كلية مبهمة و ما يقال انها من ارض العلم لايدل علي زيادة تخطيطاتها بل يدل علي انها صورة علمية مطلقة و جميع الجزئيات ثابتة فيها بالكلية و الابهام لا الخصوص كما مرّ مجملا و سيجيء بعد ذلك ايضا بيانه بقدر ما يقتضيه المقام و كذلك مثالها [ص 361] الذي هو فعلها مطلق مبهم فليس الا صلوح التجلي و الافعال الخاصة الاتري الي مثالك المطلق فانه صرف ادراك مطلق فهو بصر اذ لا مبصر و سمع اذ لا مسموع و خيال اذ لا تصوّر و لا متصور و وهم اذ لا توهّم و لا موهوم و هكذا ساير الادراكات و انا اعطيك قاعدة كلية و هي ان الادراك يستلزم الاقتران بالمدركات و الاقتران لايحصل الا في المشاعر و المدارك الباطنة و الظاهرة و هي اجسام فلكية او عنصرية تحكي فعل النفس بحسبها و الفعل المطلق يتعلق بها و في كل مشعر و مدرك يدرك شيئا بحسبه و جميع الصبغ من المدرك لا نفس الادراك افهم ذلك حتي انه اذا غيّر المدرك مُغيّر يظهر الشبح فيه بغير ما ظهر فيه اولا فخيالية الخيال في مقدم الدماغ لا في النفس و لا في الفعل المطلق و كذلك الامر في جميع المشاعر فاضبطه فانه ينفعك ان شاء الله في مقامات كثيرة و كذلك الامر في النفس الكلية فانها مطلقة عن جميع القيود التي دونها و فعلها ايضا مثال كلي لا تعيّن له من نفسه و قد تعلق اول ما تعلق بالهيولي المطلقة و هي ايضا مطلقة فلاتكاد تتعين الا بمثال مطلق يعبّر عنه بالشكل الكل و قد يقال انه امتداد مبهم و قد يعبّر عنه بالقابلية فلا تعيّن فيه لسماء و ارض و جبل و نهر و انسان و حيوان و ما يقال ان امثلتها ثابتة في عالم المثال يراد منه احد معنيين احدهما انها ثابتة فيه بالكلية و آخرهما انها ثابتة علي موادها فانها ثابتة بالجزئية فيها و عليها لا غير اذ المثال لايتعين الا فوق المادة و امثّل لك ان حركة يدك حركة مطلقة من حيث الصدور منك و بعد ما ظهرت في اليد تظهر بالكتابة مثلا و هي ايضا مطلقة تتعين في الانامل و القلم باشكال الخطوط و الحروف و الكلمات و هي ايضا مطلقة بحسبها تظهر في المداد و القرطاس بحسبهما فاذا رفع القرطاس و المداد يبطل مثالهما المتعين كما يبطل جسم المداد و القرطاس و يبقي مثال حركة الانامل عليها اذا كانت متحركة فان رفعت يرفع و يبقي حركة اليد عليها و ان رفعت ترفع و يبقي الكمال المطلق مثلا لك افهم ذلك فعلي ذلك مدة بقاء المثال مطابقة للدنيا و بيان ذلك علي ما [ص 362] ينبغي يقتضي رسم فصل خاص .
فصل - اعلم ان المثال المطلق هو مثال الجسم المطلق و هو بحسبه مثال مطلق مبهم غير معيّن و لا مقدّر و لذلك يقال ان مثاله الشكل الكل و ظهوره في الامثلة الجزئية الظاهرة علي المواد الجزئية و بيان ذلك علي نحو الاجمال ان الجسم المطلق ظهر في سماوات و ارضين هي مركبة من مادة جسمانية من شعاع الجسم المطلق اي الجوهر القابل و صور هي من ظهورات المثال المطلق الظاهر علي الجسم المطلق و لا شك ان المواد الجسمانية الجزئية مختلفة بحسب القابلية كما تري فالمثال المطلق يظهر فيها بتفاوت المراتب فانه قد ثبت في الحكمة انه كما يؤثر المثال في المادة تؤثر المادة ايضا في المثال فالمادة الغليظة تغلظه و المادة اللطيفة تلطفه الاتري ان الفولاد الذكر الهندي يتلبس بصورة سيف حديد حسن و الحديد الليّن الفاسد يتصور بصورة سيف كال متقشر فانه يلزم المناسبة بين المادة و الصورة قال الله تعالي هن لباس لكم و انتم لباس لهن فالمادة تلبس الصورة و الصورة تلبس المادة و هي تعينها و تلك تعينها البتة فالمادة اللطيفة البسيطة الشريفة المستعلية لاتحكي الا المثال العرشي الذي هو فوق جميع الامثلة و التي دونها تحكي الكرسية و التي دونها تحكي الفلكية و المواد الغليظة السفلية تحكي المثال العنصري فبذلك يثبت لعالم المثال افلاك و عناصر لا كما يزعمه الزاعمون فافلاك عالم المثال هي هذه الافلاك بعينها لو خليت عن الاعراض الجسمانية و اما في المثال المطلق لاتكاد تجد فلكا و عنصر ( عنصرا ظ ) فانه صرف ظل مطلق مع انه لا وجود له في الخارج الا في غيب هذه الامثلة كما ان الجسم لا وجود له الا فيها فهذا العالم المحسوس تمثّل الغيوب و مصداق الاسماء لا غير فبقاء عالم المثال ببقاء السماوات و الارض و لذلك قال الله تعالي في صفة المنعمين في البرزخ خالدين فيها ما دامت السماوات و الارض ثمّ انه بعد ما دارت الافلاك علي الارض و تولد المواليد الخاصة وقع فيها الامثلة من [ص 363] الآباء العلوية و الامهات السفلية فتخصصت في بطونها بحسبها فحصل هاهنا مثال الجمادات و النباتات و الحيوانات و غيرها فان خصوصية المثال من المواد و لذلك نقول ان في عالم المثال لايثبت الا الآن و ما مضي ممحو من لوح المثال و ما لميأت لميثبت فيه فانه ليس المثال الا امثلة الموجودات و هي هي الاعيان الموجودة و ان قلت فما معني قولكم ان الامثلة المختلعة من المواد تبقي و الخيال يتوجه اليها و يتذكر ما نسيها اقول انها باقية في محالّ وجودها و هي عرصة الدهر بالكلية و الجمعية و في علم الله علي التفصيل و ما يراه الخيال يتلقاه من الدهر الاتري الي تلويح مشايخنا الي ذلك انك اذا ادركت زيدا يوم الجمعة في الجامع بهيئة الصلوة تلقي مثالا في مثال المسجد مواجها لزيد في حاله و تبقي الامثلة و انت كلما اردت التوجه اليه تتوجه الي خيالك اي مثالك هذا اليوم الذي كان مواجها لزيد في المسجد حال الصلوة و تراه ، فما لك لاتفهم كلامهم انك تلقي المثال الي اين هل تلقيه الي الاجسام فتري علانية انك بجسمك خلعت الامثلة الماضية او تلقي الي عالم مجرد بلا مادة فاين هو و كيف يبقي المثال فالمراد من الالقاء القاؤها الي النفس و هي تملكها بالكمال و الملكة و كلما ارادت التوجه اليها تحضرها في خيالها ثانيا و تدركها فافهم و استغفر الله من اذاعة الاسرار و ان قلت فما معني قولكم ان عالم المثال فوق هذا العالم حتي ان ارض عالم المثال فوق محدب محدد الجهات اقول المراد تقدّمه بالشرف و اللطافة الاتري ان الشبح في المرآت من شدّة لطافته لايدرك بالمسّ بل هو صرف لون و هيئة و كذلك الامر في جميع الامثلة الظاهرة علي الاجسام و لذلك تراها سريعة في سيرها نافذة فان الضوء يكون في سيره اسرع من فلك القمر و ليس ذلك الا للطافته المثالية فافهم .
فصل - لعلك قد عرفت من كلامنا ان اكثر المشّائين الذين انكروا عالم المثال لميعرفوا حقيقة الامر و زعموا ان الامثلة لو اثبتت يلزم قيام المجردات [ص 364] بلا مادة فانكر عقولهم قيامها بفطرتها و لميعرفوا المخرج فانكروا وجودها رأسا و اما اتباع الاشراقيين فلميعرفوا الحقيقة اذ زعموا ان مراد الاوايل ثبوت امثلة معلقة خالية عن المادة و ذلك ايضا محال ممتنع و بعض الآيات و العلامات دلّتهم الي ذلك اذ لميعرفوا حقيقتها كرؤية الامثلة في الكشوف و المنامات و تصوّر الامور الكثيرة و الاشباح العظيمة مع صغر الادوات و لكن العالم الخبير يعلم ان تصورها ايضا في المشاعر علي المواد و هي مع صغرها تتصور الامور الكبيرة و قد اجاب الامام عليه السلام للزنديق عن تمام المسألة ان عرفت حيث سأله عن قدرة الله عز و جل هل يقدر ان يجعل السماء بكبره في البيضة بصغره قال قد جعلها في عينك و هي اصغر من البيضة و هذا اصل اصيل و كذلك يتصور الانسان في جرم خياله الكبار و الصغار و يري الكبير كبيرا لظهور اشباح جميع ذرات الشئ كما يظهر في سطح المرآة العدسية مسافة كثيرة تظهر مقدارها للناظر بحيث يقتدر الخبير علي مسحها بالقراين و ليس ذلك الا لظهور جميع المسافة كما يظهر جميعها في العين و كذلك الامر في الخيال بعد ما تصور في جسمه جميع اجزاء الجبل يعرف مقداره النفس منه و يظهر ذلك للعارف بعلم النقش فانه ينقش مسافة بعيدة علي صفحة صغيرة و ذلك باراءة الفواصل مختلفة افهم ذلك و من استبعد تصور شبح كبير زعم ان الجسم بنفسه يدخل جرم الدماغ و رأي في الخارج ان الصغير لايصير محل ما هو اكبر منه فقاس به امر الاشباح مع انها لاتكون اجساما غليظة و كذلك التخيلات و المكاشفات فان الانسان لايدرك في المشاعر البرزخية صور مجردة عن مطلق المادة بل هي تتجرد عن الجسم الخارج و تقع علي المواد الحسية فان الخيال لايدرك شيئا في نفسه فانه صرف فعل مطلق و لكن بعد ما تعلق بالدخان الذي بلغ في لطافته درجة فلك الزهرة في البطن الثالث من مقدم الدماغ يقع فيه الاشباح فيتصورها و لولا هذا الدخان لماطبع في نفس الخيال شئ فانه ليس مثل قوة الابصار في العين فان الباصرة لاتري لولا العين [ص 365] فافهم فجميع ما تري في الرؤيا و غيرها من الخيالات كلها مما يقع اشباحها في الحس المشترك نعم بعضها مما ينطبع من الخارج و بعضها مما ينطبع فيه من علوم النفس قهقري و سيجيء بعد تفصيل المسألة انشاء الله و المراد هنا محض بيان انها لاتدرك بالتجرد المطلق نعم تتجرد عن المادة الخارجية ، و بالجملة الاشراقيون غفلوا عن حقيقة المسألة و ان كان قولهم قريبا من الحق و المشّاؤن انكروا حقا لعدم اطلاعهم علي المخرج و لكن الحق يظهر لك مما بينّاه ان شاء الله فارض عالم المثال صورة الارض المتصلة بها و سماواتها سماواتها و مواليدها مواليدها و له مُدن و قري و بحار و نجوم و اقمار و شموس و ايام و ليالي و جميعها امثلة ما تري و من تلك المدن جابلقا و جابلسا او جابرصا و هما بلدان عظيمان احديهما من الاعلي و يعبّر عنه بالمشرق اي جانب شروق شمس الطبيعة و اخريهما من الاسفل يعبّر عنه بالمغرب و هو جهة الارض التي هي منتهي الدرجة و قد يقال المغرب جهة الخير و النور لان الطبيعة هنا غاربة و نور العقل طالع و المشرق علي العكس و بالنظر الاول يكون جابرصا الذي هو من جهة المشرق علي رواية محل الاشباح النازلة من الغيب و جابلقا الذي من جهة المغرب محل الاشباح الصاعدة و الفريقان دايما في الصعود و النزول يلتقيان في هواء عرصة المثال الذي هو مادة الحيوة و ذلك قول الامام عليه السلام في ارواح الموتي انها تطير في الهواء و في خبر المنام ان الروح يرد الي الريح و الريح الي الهواء فافهم فان هذا لحن صعب مستصعب و هؤلاء الاشباح جمّ غفير و خلق كثير لايحصٖي عددهم الا الله و قد قال عليه السلام في الخبر الماضي ان كلهم شاكي السلاح ينتظرون خروج القايم عجّل الله فرجه و شرح ذلك بقدر ما يقتضيه الحال ان الامثلة جميعها مطيعة لامرهم منقادة لحكمهم و كل ما امر الحجة مثالا من الامثلة يطيعه فينصر اقواما و يهلك اقواما اماسمعت ما يروي ان الحمّٰي اجابت الامام فامرها ان تخرج من بدن شيعي من اصحابه و كذلك الجن و الملئكة و غيرهم [ص 366] من الامثلة و المواد ناصرون للامام حتي ان الاشباح المقدارية مطيعة لامرهم و كلها جنود الامام و كل من يهلك من اعدائهم يهلك بيد واحد من جنوده افهم فانه دقيق و هؤلاء اهل جابلقا و جابلسا و ان قلت ان الاشباح في نفسها لاتكون حية اقول اصل الحيوة من الاشباح و لولا (كذا) لماكان جسم ذا حيوة نعم حيوتها متفاوتة اماسمعت ان الحمّٰي اجابت الامام و لو كانت ميتة لمانطقت و ان الحصاة نطقت في يد النبي (ص) و ورد في الخبر المعروف ان الاحجار تتنطق بعد ظهور الامام (ع) في الرجعة و ذلك لغلبة المثالية علي العالم و ذلك قول الله تعالي ان الدار الآخرة لهي الحيوان فالامثلة احياء لهم كلمات و حروف و بيانات يسبّحون ربهم و يكبّرون و لايسأمون و قد يقال ان ارواح المؤمنين بعد موتهم في جابلقا و ارواح الكفار في جابرصا و بيان ذلك شريف لطيف مجمل القول فيه ان النار من جهة الطبيعة يعذب فيها من يعذب و هي شمس عالم المثال فتعذب الارواح تحت عينها و مثالها في الدنيا اي مظهرها كل جسم خبيث و محل كثيف منها عيون بقر و عين الكبريت و بئر برهوت في وادي حضرموت فان جميعها مما غلب عليها جهة ظلمة الطبيعة و الانية و اما جهة المغرب فهي جهة غروب شمس الطبيعة و هي لاتعرف الا في عرصة النفس و هي عرصة الجنان و ظهورها في الامثلة الطيبة الظاهرة علي الاجسام الطاهرة الزكية و هي وادي السلام الواقع في كنف الولي فارواح المؤمنين منعمون فيها ما دام المثال باقيا و بعد نفخ الصور و خرّ الامثلة و تفرقها و رجوع كل شئ الي اصله برجع (كذا) المؤمنون الي الجنة الدهرية و الكفار الي النار الدهرية فافهم و حسبك هذا القدر من البيان في المقام ان شاء الله .
فصل - يروي عن افلاطن انه اثبت مُثُلا قبل هذا العالم قد عبّر عنها بمُثل نورية و قد عبّر عنها بمُثل الهية و عبّر عنها كل احد نحو تعبير و اوّلها الي معني قريب او بعيد فزعم بعض ان مراده منها المُثل العقلية بمعني ان لكل شئ مثالا عند [ص 367] العقل و زعم بعض ان مراده الامثلة العلمية بمعني انها حاضرة عند الله يعلم الاشياء بها كما قال الصوفية ان الاشياء حاضرة في حضرة العلم و هي احدي الحضرات الخمس و زعم بعض ان مراده الاشباح و لمنجد عين ترجمة عبارة افلاطن حتي نعرف مراده منها و بمحض روايات الناس لايمكن التعويل علي قول و يبعد من مثل افلاطن ان يثبت مُثلا مقدارية و لا اقل من الصورية في عرصة العقل المعنوي الذي من وحدته ربما يزعمون انه بسيط الحقيقة و اعني من قولي لا اقل من الصورية ما ربما يزعم الزاعم انها لاتثبت بمقاديرها بل بالنورية و لذا قلت لا اقل من كونها صورا اذ لو لمتكن صورا لماكانت متعينة فلاتكون مُثلا و ان قيل انه مراده منها المثال الكلي المعنوي اقول فهو نفس العقل و لكن الحكماء لايبالون من اثبات امثلة عقلية في العقل و لذلك يقولون العقل كل الاشياء و قد عرفت بطلان هذا الرأي الفاسد في بيان العقل و لانعيد و كذلك يبعد من مثله ان يثبت حضرة علمية غير اعيان الموجودات و ان قيل ان مراده العلم الازلي اقول فالتعبير عنه بالمُثل خطاء و ظني انه اراد من المُثل الامثلة البرزخية و يشهد بذلك ان الاشراقيين التابعين له اثبتوا عالم مثال و استبعد الآخوند (ره) ذلك بان الاشراقيين اثبتوا عالم المُثل و المُثل الافلاطونية معا و الله اعلم بحقيقة مراد افلاطن و انا اروي لك مجمل آرائهم فيها ، قال الآخوند (ره) في اسفاره بعد نقل تفاصيل الاقوال : اجمال فيه اكمال قد ورد في كلام القدماء و شيعتهم الحكم بوجود عالم عقلي مثالي يحذو حذو العالم الحسي في جميع انواعه الجوهرية و العرضية فمنهم من حمله علي العالم المثالي الشبحي المقداري و منهم من قال انه اشارة الي الصور التي في علم الله القايمة بذاته تعالي كما اشتهر عن المشّائين و ان قيام الصور بنفسها علي ما نقل عن القدماء عبارة عن قيامها بذات باريها عز اسمه الذي هو اقرب اليها و اقوم في تحصّلها عن نفسها لان نسبتها الي ذاتها بالامكان و نسبتها الي قيومها بالوجوب و منهم من قال انه اشارة الي رب النوع و صاحب الطلسم فان لكل نوع جرمي [ص 368] و طلسم برزخي عقلا يقومه و نورا يدبره و ليس كليتها كما وقع في كلامهم باعتبار صدقها علي كثيرين فانها غير صادقة علي جزئيات الاجرام و اشخاص البرازخ لكونها مفارقات نورية و عقولا قادسة و انما كليتها باعتبار استواء نسبة فيضها الي جميع اشخاص طلسمها النوعي و منهم من ذهب الي انه اشارة الي هذه الصور الهيولانية في هذا العالم باعتبار حضورها و ظهورها عند المبدأ الاول و مثولها بين يديه و عدم خفائها و غيبوبتها بذواتها عن علمه اذ هي بهذا الاعتبار كأنها مجردة من المواد و الازمنة و الهيئات الحسّيّة و الغشاوات المادية لعدم كونها حجابا عن شهودها و وجودها لدي الباري فهي بذواتها معقولة له تعالي كساير الكليات و المجردات متمثلة بين يديه الي آخر كلامه رحمه الله ، اقول ان افلاطن قال ما قال لايضرّنا خطاؤه ان اصبنا و لاينفعنا صوابه ان اخطأنا و لايلزم علينا تأويل قوله و لا تصحيحه و لا تقليده الا ان الحكماء بنوا في كتبهم علي الرواية عن افلاطن و ارسطو و امثالهما و قلّدوهما و اتبعوا رأيهما غفلة عن ان كتاب الله نسخ كل كلام و سنّة رسول الله صلي الله عليه و آله ابطلت جميع الاحكام و اتباع الائمة الهدي في الاصول و الفروع غاية المرام فما ثبت لنا من الاخبار و الآثار اولي بالاتباع فاَصغِ لما اقول حتي تفوز بالمأمول ،
فاعلم ان هذا العالم المشهود الذي يسمّي بلسان اليونانيين قوسمر آخر العوالم و هذا الآدم آخر الاوادم و جميع ما في هذا العالم من قليل او جليل نازل من العوالم العالية بمشية الله تعالي كما قال الله تعالي في محكم كتابه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فلكل موجود جسماني كائنا ما كان ذكر في الخزائن العالية الا ان اذكار الاشياء متفاوتة مختلفة فمنها ما يكون تمام مٰهيته الشخصية و حقيقته المتعينة ما في الدنيا الدنية و ذكره في العوالم العالية بالاطلاق و الابهام كالجمادات و النباتات و منها ما يكون تعيّنه في اسافل المثال و الدنيا ثمّ من بعدهما يرجع الي الاطلاق كما نزل كاكثر الحيوانات غير الناطقة و هكذا يدور الامر [ص 369] بحسب كلية المواليد و جزئيتها و لااريد من ذلك ان الصور المقدارية و الامثلة التعليمية تصعد صاعدة الي مراتب الكلية بل اريد ان المواليد منها ما يكون مٰهيته كلية فشخصها كلي نوعي و منها ما يكون جزئيا الاتري الي الانسان فان شخص زيد كلي دهري بالنسبة الي الحيوانات و النباتات و الجمادات الاتري ان روح زيد يصلح للتجلي بجميع الحيوانات المثالية و النباتات و الجمادات الاتري انه قد يظهر بالسَّبُعية و قد يظهر بالبهيمية و قد يظهر بالبرية و قد يظهر بالبحرية و قد يظهر بالهوائية و قد يظهر بالنارية و قد يظهر بالوان النبات و انواع الجماد و ليس الامر في المواليد الطبيعية هكذا فان الاسد اسد و لايقدر علي التحلّم و الغنم غنم لايقدر علي التنمّر و البرّي برّي يموت في البحر و البحري بحري يهلك في البر و كذلك في سنخ النبات كل واحدة مجبول علي صورته مقهور في طبعه و مزاجه و كذلك الجماد لكل جمادي حدّ مخصوص يمتاز به عن غيره و الانسان من بدأ عمره الي ختمه يتجلي باغلب تلك الصور و يتصور باكثرها و هو هو في جميع تلك الحالات فنسبة زيد الي تلك المجالي التي ظهرت فيها كنسبة الانسان المطلق الي زيد و لذلك يبقي في الدهر طوله و لايبقي من دونه من الطبيعيات و كذلك حال المواليد العالية فان المولود الروحاني نسبته الي الاناسي كنسبة الانسان الي الطبايع و نسبة المولود الجبروتي الي الروحاني هكذا و لذلك كان الائمة الاطهار صلوات الله عليهم يتجلّون بجميع كمالات الانبياء و المؤمنين و كان يظهر منهم فعل جميعهم فافهم هذا السرّ المنمنم و الرمز المبهم فذكر كل شئ حيث صورته منه متعين و فوقه مبهم و تحته بحسب تجليه في متمماته و تحليه بحلية كمالاته فعلي ذلك جميع الخلق مذكورون في حضرة الفعل بالذكر الفعلي ففي المشية بالابهام كما قال عليه السلام المشية هي الذكر الاول و في الارادة بالتعين النوعي كما قال عليه السلام الارادة هي العزيمة و في التقدير بالهندسة و هي تعيين ما بالنسبة و لذلك قال عليه السلام القدر هو الهندسة الايجادية و ظهوره في المادة الشخصية و في القضاء [ص 370] بالتعين الفعلي و لذلك قال عليه السلام هو الابرام و متعلقه الصورة الشخصية و ليس معني ذلك ان الاشياء مذكورة في نفس الفعل كما زعم الزاعمون بل المراد ان الفعل المتعلق بكل رتبة يسمّي باسم و الا فنفس الفعل هو واحد مطلق و ذكر الاشياء فيه بالصلوح فليس للاشياء امثلة خاصة في نفس الفعل بل الله خلقهم بهذا الفعل و مثلهم به و كذلك ليس لها امثلة قبل الفعل و لذلك قال عليه السلام ان الله خلقهم لا علي احتذاء مثال و لو كان امثلة قبل المشية لكانت المشاءات علي احتذائها و ذلك خطاء و الذكر العلمي ليس بذكر امثلة الاشياء في حضرة العلم و لو كانت لكانت قديمة مع انها حادثة و ذلك خلف و الذكر العلمي له وجه معلوم عند اهله مضي الاشارة اليه سابقا ثمّ في ما دون المشية اول الموجود الماء و هو اول الخزاين المفعولي كما ان المشية هي الخزينة الفعلية كما قال الله تعالي خزانتي بين الكاف و النون ، و الماء الاول الذي هو الامر المفعولي هو ايضا مقام الصلوح الصرف و من بعده العقل الاول مقام الكلية و الجمعية و الاشياء مذكورة فيه بالوحدة و قد اخطأ من زعم ان للاشياء امثلة في العقل بل هو مادة الكل و ذكرها فيه بالصلوح نعم له انوار متعلقة بالاشياء بعد خلقها تسمّي بالرؤس و مرّ سابقا بيانها و من قال ان المُثُل الافلاطونية هي هذه ان اراد نفس الرؤس المتعلقة بالاشياء ليس بالبعيد و لكن لاتكون متعينة في نفس العقل المطلق بل تعيّنها فوق الصور الخاصة و مثالها كشبح الشمس الظاهرة في المرآت بلونها فانه شمس خاصة و لكن خصوصيتها في المرآت نعم هي فوق المرآت في الشأن بل عالمها غير عالم المرآت و كذلك الامر في رؤس العقل المتعلقة بالاشخاص و لكنها في بعض الاشياء في غاية الضعف و الاجمال بحيث لميصلح للتكليف الشرعي كالجمادات و النباتات و الحيوانات مع انها ليست كلها نورية الهية الا كونا فافهم بل بهذا المعني يجوز ان يقال لكل شئ ذكر في الفعل ايضا فان العقل في الاشياء يد الفعل و رأس المشية و لذلك يقال ان كل شئ مركب من فعل و انفعال و لكنه ايضا في الشخص معه لا قبله [ص 371] فالمثال الفعلي ايضا فوق الشئ و لذلك نقول ان جميع الخلق محالّ مشية الله و اماكن ارادة الله فافهم ثمّ دون العقل الروح و هو ايضا مثل العقل فينحصر الحكم في عرصة النفس فما دونها و لا شك ان النفس بنفسها فوق الامثلة و الامثلة هي الطبايع الخاصة علي ما ذكر ،