فاعلم ان المزاج هو كيفية وحدانية حاصلة من امتزاج العناصر بنسبة معينة فلايحصل المزاج الا بتركيبها و حق التركيب لايحصل الا بالامتزاج الواقعي و ذلك ليس بتصغير الاجزاء فقط بل بالاختلاط الواقعي و ذلك لايمكن الا بترويق الاجزاء و حلّها ماءا حتي يدخل بعضها في بعض الاتري ان الافيون و رب السوس لايكادان يمتزجان بمحض سحقهما و خلطهما فانه لايحصل من ذلك الا مجاورة الاجزاء الصغيرة و لا فرق بين ذلك و بين مجاورتها و هي كبيرة و لذلك نقول ان السفوفات و الحبوب لايحصل لها في الخارج مزاج واحد و ما تري فيها من الآثار الواحدة في بدن الانسان فذلك بعد انحلالها في المعدة و تركيبها هناك اذا حصل و اما ان اثرت فيها الحرارة الغريزية و فرقتها بحسب استعدادها قبل الانحلال التام فلايكاد يظهر منها اثر واحد كامل و يؤثر كل عقّار بحسب مزاجه الخاص به و لذلك يدبرون المعاجين بتدابير معينة في علم الصنعة حتي يحصل لها مزاج واحد و ذلك بالتفاعل و لايحصل التفاعل الا بالتداخل و لايحصل ذلك الا بالانحلال فلا بدّ من حل اجزاء المركب حتي تتداخل و ذلك برطوبة فاضلة و حرارة عاملة حلالة و بالجملة لا بدّ ان يحلّ اجزاء المركب و يتغير بذلك صورها عن اكوانها فان التراب اذا انحل يتبدل يبسه الي الرطوبة في الظاهر و ان كان في قوته يابسا و برده الي الحرارة في الجملة بقدر ما يلزم في الانحلال الاتري ان البرد اذا غلب علي الماء ينجمد فسيلانه لحرّه البتة فافهم فانه دقيق و ما لميكن الانسان عالما بالصناعة لايقرّ بهذه الحكم و كذلك لا بدّ من تشكيلها في الطبع فانها لو كانت باقية بعباطتها لاتكاد تختلط فان محض الانحلال لايكفي الاتري ان الدهن لايختلط بالماء بل يطفو عليه و ذلك للطافته و كذلك التراب الذايب بحسب وزنه اغلظ من الماء بالطبع فكل منهما يطلب حيّزا فكيف يحصل الامتزاج بينها فلا بدّ من كسر سورة الاجزاء و تشاكلها حتي تمتزج و تتركب حتي تقبل صورة واحدة و الداء [ص 323] العضال و نهاية الاشكال في معرفة ذلك انه هل يكون بالاستحالة بان يتحول كل عنصر الي اخيه او يكون بالتقريب و التشكيل و هي مسألة صعبة تاه فيها العقول و زل فيها الاقلام و ان اردت الحق الحقيق فانظر فيما اقوله ان ساعدني التوفيق ، فاعلم ان معني الاستحالة تغيّر صورة الشئ الي شئ آخر و ذلك بفساد الشئ و تلبّس جوهره بصورة اخري كالعنب يحول خمرا فان عناصره تخلع صورة العنبية بحيث لايبقي لها وجود فعلي و تلبس صورة الخمرية و الخمر تحول خلا هكذا و كذلك الامر في كل شئ مستحيل و ذلك امر ممكن و ذلك لتحصيل المزاج لايفيد ذلك فايدة فان التراب مثلا اذا استحال الي الماء بالكلية فهو ماء و لايحصل من تركيبه مع الماء شئ زايد علي تركيب مائين و امثّل لك مثالا من الفلسفة حتي تعرف الحقيقة فاعلم ان الفلسفي يريد ان يتحصل دواء جامعا لاكوان ثلثة يؤثر في الفلزات الناقصة و يكملها بفضل وجوده و مثل ذلك لميكن موجودا بافراده في الملك فالتجأ الي تركيبه من اركان مختلفة فاخذ روحا و نفسا و جسدا و ركّبها بالاعتدال حتي فاز بمأموله و لاتكاد تتركب تركيب الخلود و الاتحاد الا بكسر سورة كل واحد منها و ذلك بتشكيلها و حلّها و عقدها لا باحالة كل واحد الي الآخر فان الزيبق مثلا روح معدني له مزاج خاص و اثر مخصوص غير مزاج الذهب و اثره و كذلك الكبريت نفس معدنية له مزاج مختص به و اثر غير مزاجهما و اثرهما و كذلك الذهب الذي هو الجسد و مراد الحكيم جمعها لتحصيل مزاج جامع فاعل بفعل جامع يكمل به الناقصات فلو احال الزيبق من طباعه الي طباع الكبريت او الذهب لمابقي فايدة في اخذه و كذلك الامر في الباقي و لو كان مرادهم من عملهم ذلك لكان يكفيهم ركن واحد فانه لا فرق بين الذهب الطبيعي و الزيبق المتحول الي الذهب الاتري انه اذا دبّر بالاكسير و عقد بالذهبية يستحيل ذهبا ثمّ لايكون روحا ابدا و لاينفذ و لايلطف و لايطهر و لايحيي فافهم و تنبه و من ذلك اعرف امرك و قد غفل عن ذلك هؤلاء الجهال المتفلسفين و اغترّوا بتضليلات الفلاسفة [ص 324] و معمياتهم لمحض ظنهم لكثرة طمعهم فزعموا ان مرادهم من اقوالهم في التجنيس و التشكيل الاحالة فاذا قالوا روح متجسد و جسد متروح زعموا ان مرادهم ترويح الجسد و تجسيد الروح حتي يصير الروح جسدا و الجسد روحا و هذا اتعاب النفس فيما لايفيد و لكن مرادهم من كلامهم كسر سورة كل واحد منها حتي يتقرب من اخواته فيعانقها و قد بين ذلك الامام الهمام اميرالمؤمنين عليه السلام بقوله ماء جامد و هواء راكد و نار حايلة و ارض سايلة ، و معني ذلك ان يكون كل واحد منها باقيا علي طباعه الا انه يتشبه باخواته في الصورة في الجملة لحصول المعانقة الجزئية و ذلك مثل انك اذا اردت تركيب السكر مع الخلّ تذيب السكر حتي يقرب من الخل فيعانقه و لايبطل مزاج السكر من حلّه في الماء مثلا بل يصير ذايبا كالخل و كذلك اذا اردت تركيب الماء و التراب لا بدّ لك من تغليظ الماء في الجملة و تذويب التراب حتي يتشاكلا و يختلطا و كذلك الامر في تركيب الاكسير الاعظم لا بدّ من تجنيس اركانه بحيث يكسر سورة كل واحد منها حتي يصلح للتركيب و ما قيل من انه لولا الاستحالة التامة للزم امكان التفصيل في القرع و الانبيق قول جاهلٍ بعلم التفصيل فان ذلك فرع الاختلاط و التعانق فكلما ازدادت المعانقة بين الاركان يبعد المركب من الفساد و كلما قلّت يقرب من الفساد و يمكن التفصيل فيه و لكن الاستحالة بمعني فساد صورة ركن و ثبوت ركن آخر و هي لاتفيد المزاج ابدا بل يصير بها الشئ شيئا آخر فافهم فانه دقيق و بذلك يرتفع الاشكال و لما ان بلغ الكلام الي هنا ناسب ان نذكر النسبة المعلومة في التركيب و ان كان محل بيانه غير المقام و لكن لما ذكرنا مقدماته يسهل تلقّيه و فهمه للطالب و نفصّل لبيانه فصلا خاصا .
فصل - نعم القول في المقام قول ابي العلام اعلي الله له المقام فان كلامه فوق كل كلام ، قال : اعلم انه لما اراد الصانع الجليل احداث مزاج في مركب اخذ من رطوبة ذلك المقام اربعة اجزاء و من يبوسة ذلك المقام جزء فيدبّرهما بيديه [ص 325] الفاعلتين الحرارة و البرودة علي نحو التعاقب فيحلّ اليبوسة في الرطوبة و يعقد الرطوبة في اليبوسة حتي يجعله ماءا و تلك الرطوبة مع تلك اليبوسة متشاكلة فان تلك اليبوسة هبائية صالحة للتمازج مع الرطوبة الهوائية و هذا الماء بارد رطب قد تكون من طبيعتين الرطوبة و اليبوسة ثمّ ان الله سبحانه يسلّط النار علي الماء حتي تغلّظه و تلزّجه و يختلط معه من الاجزاء اليابسة الهبائية جزء في جزئين من الماء مع جزء من الهباء و يصير دهنا فالدهن يتولد من الماء كما تولد المرأة من المرأ فالدهن نفس الماء و زوجته المخلوقة من ضلعه الايسر فلاجل ذلك صار الماء مقام الروح و مرأتها و صار الدهن مقام النفس و مرأتها و هذا الدهن مركب من جسدين جسد الماء و جسد الاجزاء الهبائية التي بها تلزّج و تغلّظ و يكون حارّا يابسا فحصل الطبايع الاربع فيها علي نحو التشاكل و التماثل فيجعل الله سبحانه هذا الدهن زوجة الماء لانه مشاكل له قابل للممازجة معه و النكاح منه فيجمع الله سبحانه بينهما بكمّية مناسبة لذلك المركب الذي شاء و اراد و وضع بينهما من الاجزاء الهبائية بكمّية مناسبة فالّف بينهما بالحلّ و العقد تأليفا حقيقيا لانه قد ثبت في الحكمة ان التأليف لايتحقق الا بين المحلولات المتشاكلة و ان اليوابس لا الفة بينها لعدم الرطوبة الرابطة المنفعلة و هذا الذي ذكرنا هو النار الحايلة اي المتغيرة عن كيانها المتغلظة في الدهن و الارض السايلة برطوبة الماء المنحلة فيه و الماء الجامد بيبوسة الاجزاء الهبائية و الهواء الراكد بتلك الاجزاء فتشاكلت الاسطقسات و تماثلت و صارت صالحة للتركيب فاخذ الله سبحانه من كل واحد من هذه الكيان الثلثة الصاحبة للكيفيات الاربعة علي حسب ارادته و مشيته مقدارا معلوما فدبّرها بيديه الحرارة و البرودة الي ان ركّبها و حلّها و عقدها حتي تولد منها المولود المعيّن ذو مزاج واحد متشاكل الاجزاء فاشرق علي هذا المركب نور من تحت حجاب الواحدية و انطبع في مرآت هذا الحاصل المركب فصار مؤثرا بالله فيما شاء كيف شاء و بغير ذلك لميتحقق مولود ابدا فالماء ابوه و الدهن امه و الاجزاء الهبائية هي الرابطة بينهما ببرودتها [ص 326] تناسب الماء و بيبوستها تناسب الدهن فهذه الثلثة هي اسطقس جميع المولدات و قد خفي علي الاطباء ذلك حتي زعموا ان الاسطقسات القريبة هي العناصر الاربعة و انّٰي لها بصلاحية التركيب مع شدة تناكرها و اختلاف حيّزاتها و رقّتها و غلظتها و انٰي يمكن للنار ان تمازج التراب و انٰي يمكن للهواء ان يمازج الماء ما لمتتغير عن كيانها و تصير مشاكلة صالحة للممازجة و اما الماء فقد يشاكل الدهن في السيلان و لما في الماء من الاجزاء الهبائية المشاكلة لهبائيات الدهن و يشاكلهما الهباء لما فيهما من الاجزاء الهبائية فالدهن بين الماء و التراب كالكُلاب يرتبط بالماء من حيث السيلان و بالتراب من حيث الغلظة فتربط الثلثة ربطا صادقا حقيقيا و يتحقق المركب بعد الفعل و الانفعال بينهما فالتراب يغلّظ الدهن بيبسه و الدهن يغلّظ الماء بغلظته و الماء يرقّق الدهن برقّته و الدهن يرقق التراب برقته فيخرج من بينها شئ وحداني متشاكل الاجزاء قابل لان يتعلق به نور الواحد جل شانه الحق و هذا هو المزاج الحق ، الي ان قال : فلكل مولود طبايع اربع و كيان ثلثة و الشئ قايم بكيانه و الكيان ( اكوان ، خل في الثلثة ) قايمة بطبايعها و لاجل ذلك تري الانسان الصغير متولدا من نطفة ابيه البيضاء و نطفة امه الصفراء و التراب الذي يموثه الملك بينهما فاركان وجوده هذه الثلثة و طبايعه اربعة الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة فظهر كيانه في دماغه و قلبه و كبده و طبايعه في اخلاطه و اخلاطه لاتصل الي اعضائه ما لمتستحل الي الكيان فالصفراء العبيط و الدم العبيط و البلغم العبيط و السوداء العبيط لايصير مدد عضو و غذائه ابدا ما تستحل الي ماء و دهن و عكر ثمّ يؤخذ من الماء و الدهن و العكر لكل عضو علي حسب ما يليق به فيؤخذ للعظام مثلا منها و العكر ازيد و لللحم منها و الدهن ازيد و للسمين منها و الماء ازيد و هكذا للاعضاء فيؤخذ منها للدماغ مثلا و الماء ازيد و للقلب الدهن ازيد و للكبد العكر ازيد ، الي آخر كلامه علا مقامه و هو خارج مما نحن فيه فظهر من كلامه الشريف و بيانه المنيف ان التركيب الكامل لايحصل من هذه العناصر و ذلك محال [ص 327] في الحكمة و لكنها تتبدل الي زيبق و كبريت و جسد و يتركب المواليد من هذه الثلثة و هي ثلثة متجانسة متقاربة و تأتلف بعد الانحلال في بطون الارض او الارحام علي ما شاء الله و هي في كل شئ بحسبه حتي في هذه العناصر الدنيوية و الجمادات و النباتات و ظهر ايضا من بيانه ان مزاج كل شئ نفسه كما ان الصورة الجامعة للاركان طبعه و لذلك قال ان المزاج يسطع عليها من تحت حجاب الواحدية و هو حجاب النفس الكلية اذ لا واحد سواها و ظهر من بياناته ايضا ان المزاج الواقعي لايثبت الا للمواليد فان اركان العالم الكبير منفصلة الا ان يثبت لكل سماء نفسا خاصة و الا فالنفس الكلية لاتتعلق بمجموعها علي الحقيقة الا بنحو من العلاقة الظاهرة و لذا قال (اع) في مقام آخر : ان تسمية الملك بالعالم الكبير من باب المجاز و الانسان علي الحقيقة هو الانسان الصغير لان سماواته و ارضه لمتتألف علي نحو الاتحاد بل هي منفتقة و لكن سماوات الانسان و ارضه مؤتلفة مجتمعة فافهم فانه دقيق فالنفس الكلية علي الحقيقة لاتتعلق الا بالانسان الكلي و لذلك يقال ان اميرالمؤمنين عليه السلام هو النفس و نصّ الله علي ذلك في آية المباهلة و في قوله قد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم و يلحق به في حكاية النفس الكلية ذريته و قوله تعالي رسول من انفسكم اي من الائمة صلوات الله عليهم فانه كان منهم و لميكن من سنخ الامة البتة و بذلك يحمل قوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم فانه لميرد من هذا البشر عامتهم فانه لميكن مثل عامة الناس بالبداهة كما نطق بذلك الاخبار و لكن قوله هنا ما قال في آية اخري خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا و كان ربك قديرا و بالاتفاق لميكن غير اميرالمؤمنين عليه السلام نسبا و صهرا فهو البشر الحقيقي المخلوق من الماء و اما ساير الخلق فهم خلقوا من طين كما في (كذا) قال خلق الانسان من صلصال كالفخّار ، انّا خلقناهم من طين لازب و بالجملة فالبشر الذي يكون محمد صلي الله عليه و آله مثله اميرالمؤمنين عليه السلام لا غير و هو نفسه كما صرّح [ص 328] بذلك في خبر و قال اشارة اليه : ذاك نفسي و كذلك ساير الائمة عليهم السلام كما قال (ص) حسين مني و انا من حسين و قال اولادنا اكبادنا و بالجملة فالامام هو النفس الكلية و منها البدأ و اليها العود و اما هذا الملك فحكايته للنفس جزئية و ان اردت ان تعرف وجه تعلقها و ظهورها فاعرف ذلك مما يقال ان القمر حياة الملك و عطارد فكره و زهرة خياله أتري انها درّاكة مريدة كالانسان حاشا بل هي ارواح كلية مبهمة و معني فكرية عطارد انه اذا بلغ دخان بدن زيد بلطافته يكون متفكرا و معني خياله زهرة مثل ذلك و كذلك الامر في النفس فانه يقال ان الكرسي محل ظهور نفس الملك فانه ليس نفسا علّامة عاقلة فَهِمة بل هو نفس مبهمة و لكن بعد ما بلغ الانسان حدّ الكرسي يحكي عن النفس علي الحقيقة ثمّ ان ظل الكرسي مترامٍ الي اسفل السافلين الي انه اذا ركب العناصر تركيبا ما يظهر علي الاربعة عكس من الكرسي فيظهر عليه النفس بحسبها و هي المزاج المؤثر المكمل فافهم .
فصل - اذا عرفت ان المزاج هو الكيفية الواحدة فاعلم انه طبيعة خامسة من حيث الاسفل اي خامس الاربعة فلاتكون حارة و لا باردة و لا رطبة و لا يابسة و مع ذلك قد يقال هذا الدواء مثلا مزاجه حارّ و هذا بارد ، بيان ذلك ان اصل المزاج و حقيقته خارجة من هذه الصور ثابتة علي اطلاقها و نسبتها اليها نسبة الجسم الي الاعراض فان تلك الاعراض ليست مما به الجسم جسم و لكنها مجالي له فاذا اخذت مرآة له في غاية الحرارة يظهر عليها و اذا اخذت مرآة في غاية البرودة يظهر عليها و كذلك الامر في المزاج فهو في نفسه فوق جميع الطبايع و اذا ركبت عناصر علي طبع خاص يظهر عليه بصورته ثمّ لا شك ان في هذا العالم يحكم علي الغالب لقوته و كل قوي اثره اقوي و كل يتقوي بمثله و يتضعف بضده كما تري انك اذا سلّطت النار علي الماء تفسده و تحيله اليها و اذا سلّطت الماء علي النار يخمدها و كذلك الامر في المركبات اذا اكثرت [ص 329] من عنصر و اقللت من الباقي يتسلط عليها لا محالة و يحيلها الي طبعه و يحكم عليها به كما تري في الشعلة المرئية انها مركبة من عناصر اربعة الا انه غلب عليها النار فبددت ترابها و بخرت ماءها و سخنتها حتي سمّيت بالنار فلذلك يقال ان مزاج الشعلة حار مع ان المزاج في نفسه فوق الطبايع و ذلك بحسب ظهوره في المرآة و كذلك الامر في امزجة كل شئ و من هذا الباب قولك ان هذا النبات حار و هذا بارد و هذا المعدن حار و هذا بارد فان اصل مزاجها الذي هو نفسها فوق ذلك و لكن فعله يظهر بحسب طبع المركب و الحكم في طبعه علي الغالب و لاتزعم مع ذلك ان هذا المركب في حرارته مثلا كالنار العبيطة حاشا ان يكون هكذا و الحسّ بذلك شهيد فان الحرارة الممتزجة بالبرودة ليست مثل الحرارة الصرفة و لذلك يقال ان نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار الآخرة لانها نار صرفة نعوذ بالله منها و هي نار مركبة و كذلك النار العنصرية بالنسبة الي المركبات الحارّة اسخن بمراتب الا ان حرارة المركب الحار اكثر من المركب البارد البتة فافهم ذلك و ليس المقام محل بيان هذه المسايل فانها حريّة بالطبيعيات و ان وفقني الله علي بيانها اذكر ان شاء الله مسايل بديعة مما يتعلق بهذا العلم و يكفي هذا القدر من البيان في المقام .
فصل - اذا عرفت حقيقة الطبيعة فاعلم انها اصل الظلمات و الجهل المذكور في اخبار ائمتنا صلوات الله عليهم في مقابلة العقل اول من عصي الله اذ قال له ادبر فاقبل ثمّ قال له اقبل فادبر و هي الامارة بالسوء التي قال الله تعالي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي فان سبقها عناية من الله و استنارت بنور العقل و استضاءت بضياء اليقين و اطمأنت بوعد السابقين و اطاعت الانبياء و المرسلين و اتبعت سبيل المؤمنين دخلت في زمرة عباد الله الصالحين كما قال الله في كتابه يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربّك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي و ذلك بغلبة جهة نورانيتها اذ عرفت انها اعلي درجتها و ان بقيت علي [ص 330] حالها و لمتترك اعمالها تحبس في اسفل السافلين اعني انها لاتصعد مع الصاعدين و هي هي نار مؤصدة تطلع علي الافئدة عودا و بعد ما ختم علي القاطنين يحبسون فيها فتمدّ عليهم العمد و تطبق عليهم فتسدّ الابواب فلايخرج من كوامنهم ما استجن فيهم من الانوار ثمّ انه قد يعبّر عنها بالبرد الكثير و تسمّي بالزمهرير بملاحظة بُعدها من مشية الله فانها مبدأ الحرارة لانها اصل الحركة و اول الصنع من جهة الصانع و كلما يبعد منها يكثر البرد حتي ينتهي الي اسفل السافلين و هو الطبع و قد يعبّر عنها بالنار بمقتضي فعلها لانها تبدد و تفرق الاوصال و تهبئ و لذا يكون اهل النار دايما مشرفين علي الفناء و بقاؤهم بحسب ما لهم من النورانية فظواهرهم دايما في حال الفناء و التجدد و حقايقهم المسجونة فيها باقية و ذلك قوله تعالي كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب و بالجملة و هي الظل ذي ثلث شعب لا ظلول و لايغني من اللهب اما كونها ظلا لانها لاتكون نورا و وجودها بالنور فان الظل لايري الا بالنور بل لايوجد في الواقع الا به و ان كان موجودا بايجاد الله و قد خبط من قال ان الظل هو عدم النور و لايكون موجودا فانه شئ محسوس مشهود يري بالعين الا انه لايري بنفسه لنقصه بل يري بنيّر كساير الالوان و الهيآت و لايحدث بحدوث النور بل هو محدث باحداث خاص كما قال الله في كتابه الحمد لله الذي خلق السماوات و الارض و جعل الظلمات و النور ثمّ الذين كفروا بربهم يعدلون و قال و مايستوي الاعمي و البصير و لا الظلمات و النور و لا الظل و الحرور ، فالظلمات موجودة مجعولة الا انها تابعة للنور و جعلها ايضا تابع لجعله كما اثبتنا ذلك في غير مقام و قد بيّن الله حقيقة المسألة في تأويل قوله افرأيتم النار التي تورون أانتم انشأتم شجرتها ام نحن المنشئون فان النار في التأويل هي الطبيعة ثمّ ان في الكلام اشارة و هي قوله أانتم انشأتم شجرتها ام نحن المنشئون فان الشجرة هي النفس و النار اي الطبع منها و قد اختار الله ذكر انشاء الشجرة محض اثبات [ص 331] المنشأية في الاصل ليعرف المستمع ان الفرع منشأ بطريق اولي و ليس علي زعم الجاهل ان الشجرة منشأة و النار الحاصلة منها غير منشأة هذا و هي شئ و الله خالق كل شئ و بالجملة سمّاها الله تعالي ظلا لذلك و لغيره من الحكم و وصفه بانه ذي ثلث شعب لبيان شأون الطبع التي تظهر فيها و هي في مجموع الملك المادة و الصورة و الجسم فانها بالنسبة الي اصحاب النفوس و العقول سجون يسجنون فيها و في عرصة المواليد ظهرت بالحيوانية و النباتية و الجمادية فان الجمادات جسم لميظهر عليها المثال الا علي ظواهرها من الامثلة العرضية فهي من الجسم و اليه و النباتات ملحقة باسافل المثال الظاهرة في الاجسام و لذلك قال ابي اعلي الله مقامه ان النبات مخلوقة من العناصر المثالية و من هذا الباب ما تري ان امزجة النباتات لاتظهر في ظواهرها بل جميعها في الظاهر باردة يابسة كالتراب و لكن في قوتها العناصر و تستخرج في الكبد بتربية الحرارة الغريزية و الحيوانات ملحقة باعالي المثال و هي المادة و لذلك تحيي و تدرك و تتقوي فيها الطبايع بل قد يحصل لها ارواح مفارقة و لذلك تحشر في اسافل القيمة للتقاص فهذه الثلثة شعب الطبع و الكفار يحبسون فيها و يعذبون فمنهم محبوسون في اسفل درك من الحميم و هو مقام الموت و هو عرصة الجمادية و ذلك قوله تعالي وقودها الناس و الحجارة و قوله ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشدّ قسوة و منهم محبوسون في عرصة النباتية و ذلك قوله تعالي لآكلون منها من شجر من زقوم فمالئون منها البطون و قال في صفتهم كأنهم اعجاز نخل خاوية و قال كأنهم خشب مسندة و غيرها من الآيات و منهم محبوسون في الحيوانية و درجاتها خمس فيكون مجموع الطبقات سبعة بعضها فوق بعض و قد اشار الله في نوع اهل هذه الدرجة بقوله ان هم الا كالانعام بل هم اضل و قال كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة و غيرهما من الآيات و سيجيء بعد في المعاد بيان هذه المسائل ثمّ ان تلك الطبيعة هي النار التي خلق منها الجن [ص 332] و ذلك قوله تعالي حكاية عن ابليس خلقتني من نار و خلقته من طين و لا شك انه كان من الجن كما قال الله تعالي كان من الجن ففسق و لميكن من الملئكة و ان كان في زمرتهم فانهم لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و هو قد عصي و فسق اي كفر نعوذ بالله و بالجملة الجن خلقوا من هذه النار و هي دون طين البشر كما قال عليه السلام ما حاصل معناه ان ابليس زعم ان النار خلق منها كانت اشرف من طينة آدم مع ان النار كانت من الشجرة و الشجرة من الطين فالمراد من الشجرة النفس كما قال عليه السلام في صفة النفس ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي ، و النفس من الروح و منه طينة آدم عليه السلام كما مرّ سابقا فاين نار الطبيعة من طينة آدم عليه السلام فافهم فابليس حكم بالقياس انفة و كبرا فاصل الجن من الطبيعة و لكنهم سكنة المثال كما ان الجمادات من الجسم و لكنها في الارض و ذلك لان الطبيعة بنفسها لاتصير مادة خلق لاطلاقها و كليتها و لكن ظهوراتها تتطور بالاطوار و ظهوراتها الامثلة فالجن من عالم المثال و لو كانت من نفس الطبع لكانت كلية دهرية و ليس الامر علي ذلك و ان قلت ان ظهور الطبع المادة اقول بلي و لكن المادة لاتظهر الا في المثال لما كان مادة ، مثال ذلك الشعلة المرئية فان مادتها شعاع النار و هي لاتظهر الا في تلك الصورة و لولاها لماكان الا الشعاع المطلق غير المتعين بصورة و هو قائم بنفس النار قيام الصدور و كذلك الامر في كل الملك فالمادة مادة في ضمن الصور و لذلك نقول ان اعلي المثال هو المادة و لو انسلخت عنه لكان طبعا و يكفي هذا القدر من البيان في الطبيعة ايضا .
في المادة و قد اشبعنا القول فيها في القسم الثاني الا انا نذكر هنا ما يخص المادة الكلية و بيانه بقدر ما يقتضيه المقام يستدعي رسم فصول :
فصل - مرّ سابقا بيان الاصطلاح في المادة و لكن لما كان مرادي التسهيل [ص 333] للطلاب اذكر كل مطلب في كل مقام بقدر الحاجة و لااحيل الي ما مضي الا ان يكون المسألة طويلة و تكرارها يورث تطويلا بلا طايل او تكون مذكورة مكررة و لايقتضي رسم التصانيف تكريرها اكثر فاقول المادة في اللغة الزيادة المتصلة و من ذلك ما يقال ان ماء الحمام له مادة و كذلك ماء البئر و كل ماء له مادة لاينجس بملاقاة النجاسة و في الاصطلاح معروض الصور ، قال ابي اعلي الله مقامه المادة عند الحكماء مطلق الهيولي مع انهم خصّوها باربع صناعيا و طبيعيا و كليا و اوّليا فليس مادة فوق الهيولي الاولي و هو الجوهر البسيط عندهم و لذلك جعلوا عالم المواد عالم الاجسام وحدها و ما فوقه عالم المجردات و بالجملة مرّ سابقا حكاية الاصطلاحات من اقوال الحكماء و لا حاجة الي اعادتها و الذي نريد منها في المقام جوهر الهباء و الماء الاول في عرصة الشهادة الذي قال عليه السلام ان الله خلق اول ما خلق ياقوتة و هي الطبيعة ثمّ نظر اليها بنظر الهيبة فذابت فهذا الذائب هو المادة و هي ظاهر العقل في عرصة الشهادة فانه قد ثبت في الحكمة ان كل باطن له ظاهر و لايمكن قيامه الا فيه فان مثل الظاهر و الباطن كالروح و الجسد فان الروح لايقوم الا بجسد و الجسد لايقوم الا بروح و ذلك ما يقال ان الظاهر عنوان الباطن و قال الصادق عليه السلام الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور و الغيب تمام الشهادة كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، فالفؤاد الغيبي كماله في ظهوره و ظهوره في الطبيعة و العقل المعنوي ظهوره في جوهر الهباء فالطبع وجود ثانوي و الهباء معني ثانوي و كما ان الفؤاد غيب العقل و اعلي درجته و لذلك قد يسمّي العقل باسم الفؤاد و الفؤاد باسم العقل كذلك الطبع غيب المادة فانك عرفت مما بيّناه انه اذا تعلق بالصورة يكون مادة و اذا سلخ عنها يكون طبعا و معرفة هذه المسألة دقيقة في الواقع و قد عبّر الامام عليه السلام في حديث الاكوان عنها بالاظلة و الذرّ و ذلك لانها ظل النفس في الواقع و سميت [ص 334] بالظل تشبيها بظل الشخص تراه و لاتدركه باللمس و سمّيت بالذر لان المثال هو الذر الثاني و لانه هباء في الواقع و اجزاؤه اي حصصه المتشكلة بالاشكال كاجزاء الهباء ثمّ انه قد اختلفت الاقوال في تعريف الهيولي فعن المشّائين انه الجوهر القابل للصورة و قال الآخوند انه منقوض بالنفس لانها جوهر قابل للصور فالاولي ان يقيّد الصورة بالحسية اقول انه منقوض علي مذهبه لا علي مذهب كل احد فان النفس علي الحق لاتكون قابلة للانفعال بالصور لانها ظهوراتها و آثارها و الاثر لايرد علي المؤثر و لذا نقول ان الاعمال لاتعرض الذات و لكن النفس صالحة للتجلي فبين صلوحها و صلوح الهيولي فرق عظيم فان هذا صلوح الفعل و هذا صلوح الانفعال و بعضهم قيّد التعريف بكون القابل بحيث لا معني له الا القابلية و ذلك ايضا خطاء فان القابلية الصرفة لاتكون ثابتة بل هي عدمية و الهيولي جوهر ثابت الا انه معنوي قابل للصور ثمّ ان لهم ابحاثا و تحقيقات في القوة و عدمها و مرّ البيان الحق في القوة و في معني الصلوح و الامكان و لانعيد هنا فراجع ان احببت فيما مضي ثمّ اعلم ان جوهر الهباء و المادة بالنسبة الي المجموع مقام انحلال مجموع الاجسام و الامثلة فلا ذكر لشئ خاص فيها الا بالابهام و الاطلاق و تعينها في مقام وجودها البتة علي ما مرّ سابقا فراجع .
فصل - في اثبات الهيولي ، اعلم ان للناس فيها مذاهب و كل حزب بما لديهم فرحون قال الآخوند ان ثبوتها بلغ حدّا لاينكرها من له ادني شعور اذ كل احد يري في الاجسام سنخا يتوارد عليه الصور و الهيآت و لها خميرة يختلف عليها الاستحالات و الانقلابات و تحقيق كلامه انا نري النطفة في الرحم تستحيل الي العلقة و العلقة الي المضغة و هكذا تتطور طورا بعد طور و خلقا بعد خلق و هذه التي تتطور بالاطوار و تتصور بالصور هي جوهرة قابلة فيها اذ نري علانية ان هذا الجسم المتخصص بالنطفية لايصير علقة الا بعد خلع صورة النطفة و هذا الجوهر الثابت في الحالين هو جوهر الهباء و هو الهيولي و بمثل [ص 335] هذا البرهان القشري اثبت وجود جوهر قابل للصور و قال وجوده اتفاقي الا ان الناس اختلفوا فيه انه ما هو فذهب الاشراقيون و من تبعهم الي انه نفس الجسم الذي هو امر واحد و لا تركيب فيه بوجه الا انه من حيث جوهريته يسمّي جسما و من حيث اضافته و قبوله للصور يسمّي مادة و ذهب المشّاؤن و من حذا حذوهم الي انه جوهر ابسط يتقوم بجوهر آخر يحلّ فيه يسمّي صورة يتحصل من تركيبهما جوهر وحداني الحدّ قابل للمقادير و الصور و الجسم و قال الآخوند ان مرادهم ان الجسم حاصل من تركيب الهيولي و من الاتصال القابل للابعاد و نسب الي ذيمقراطيس انها اجسام متعددة بسايط غير قابلة للفصل و نسب الي المتكلمين انها الجواهر الفردة التي يتقوم بها التأليف ، اقول حكايتي لاقوالهم لمحض عثورك علي سخافتها و ذلك لانهم لميطلعوا علي الحقايق و نظروا الي الظواهر او ما يحكم به القضايا المنطقية و القياسات الميزانية فحكموا بمقتضاها و لا علينا الا بيان الحق فاقول ان في المقام مطلبين لا بدّ من معرفتهما احدهما الكلام في الجسم المطلق و ثانيهما في الاجسام الجزئية و كلاهما مركبان من مادة و صورة لا بدّ لنا من معرفتهما اما هذه الاجسام الجزئية المشهودة فهي مركبة من مادة و صورة بلا كلام و لاينكر ذلك جاهل فضلا من عاقل و ما ذكره الآخوند من البرهان حاكم علي مادة هذه الاجسام كما لايخفي علي عاقل و هي معني نسبي محفوظ في جميع التقلبات الاتري ان التراب يستحيل الي الماء و يبطل صورته و يبقي منه جوهر في ضمن الماء ايضا و كذلك الماء يستحيل الي الهواء فيتبدل صورته مع ان الجوهر الاول باق و كذلك الامر في جميع الاستحالات فان التراب مثلا يصير نباتا فيأكله الحيوانات فيصير لحما و عظما فيأكله الانسان فيلبس صورة الانسان و في جميع هذه الحالات يكون الجوهر باقيا و ليس لعاقل ان يقول ان التراب يفني بجميع اجزائه فهذا الامر الباقي في ضمن الصور هو مادته و لكنها الجسم الطبيعي المتقلب في الصور و يشهد بذلك الادلة القطعية الاتري انه يصدق علي هذه الجوهرة تعريف الجسم [ص 336] فانه جوهر قابل للابعاد اما جوهريته فمسلّمة و اما قابليته فتثبت بقبوله الابعاد الجارية عليه و هو صفة ثابتة في جميع الاحوال و سيجيء بعد بيان هذا المطلب ابسط و اوضح فليس مادة هذه الاجسام الهيولي الاولي فانها فوق الجوهر القابل للابعاد و اما الجسم الكلي فهو مركب من هيولي الكل و شكل الكل و اخطأ من زعم انه مجرد و ذلك انه نطق الكتاب و السنة بان كل ما يصدق عليه اسم الخلق مركّب و قد اثبتنا ذلك فيما مضي و ليس في الملك مجرد صرف نعم ربما يكون شئ مجردا بالنسبة حتي انه ظهر لك مما اسلفناه ان العقل الذي حكموا ببساطته مركبة ( مركب ظ ) و المشية مركبة و من العجب ان الآخوند (ره) مع اصراره علي تجرد النفس يقرّ بان فيها معني هيولاني قابل للصور العقلية و ليس مثل هذا المعني الا المادة و لاينافي ذلك ما ورد في العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد ، اذ المراد من تلك المواد المواد الجسمية لا المواد الذاتية اذ لايخلو شئ في الملك من ان يكون له جهة الي خالقه و جهة الي ماهيته و الاولي مادة و الثانية صورة لها و قد اشبعنا القول في اثبات ذلك سابقا و الجسم اولي بان يكون له مادة و صورة ، هذا و قد علمنا بالادلة القطعية ان الظاهر عنوان الباطن قال الله تعالي قد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فمن افراد كل كلي دهري نستدل عليه اذ هي آثاره و الاثر يشابه صفة مؤثره و هذا هو معني التزييلات الفؤادية و لما نظرنا في هذا العالم رأينا ان جميع الاجسام مركبة فعرفنا من ذلك ان الجسم المطلق ايضا مركب و رأينا ان لكل جسم خاص جوهرية خاصة و قابلية محدودة فعرفنا ان لكليها مادة هي جوهر مطلق و صورة هي قابلية مطلقة و لما رأينا ان قابلية الاجسام الخاصة بالنسبة الي الاعراض عرفنا ان قابليتها ايضا قابلية الاعراض فافهم فان هذا دليل كشفي لايخفي علي اهله و هذا الجوهر هو ظل الطبيعة المطلقة فانها بنفسها لاتتصور لما عرفت انها صرف الجوهر و هو فعلية بل هي صورة بملاحظة الا انها مقومة الشئ و لذلك تكون يد الفاعل في الظاهر و المادة قوة [ص 337] صرفة و هي محل الصورة و هي كائنة ما كانت دون الطبيعة و لذلك قلنا انها ظهور الطبيعة في الامثلة و ظهورها يسمّي بالهيولي اذ بها يكون وجود الشئ الثابت القائم و تلك الهيولي قابلة من حيث نفسها للصورة و تعيّنها بالمثال و مثالها حيث انيتها و ان شئت قل ان الهيولي فعل الطبيعة و المثال مقام انفعالها و سيجيء شرح المثال فيما سيأتي انشاء الله و من تركيب الهيولي مع المثال يحصل الجسم المطلق ثمّ الجسم يظهر في افراده فيتعين فيها فكل حصة تتعين بمثال خاص هو ظل المثال المطلق و فرده فتدبر .
فصل - ربما يظهر من بعض كلمات مشايخنا ان المادة الاولي لاتكون مادة الجسم و لكنها تظهر في المثال و تتصور به ثمّ تصير مادة للجسم مع انهم صرّحوا في مقامات عديدة ان المادة مادة الجسم و المثال مثاله و قد سئل الشيخ الاوحد (اع) عن الهيولي فقال هي مادة الجسم الكل و يظهر مرادهم مما اشرنا اليه في الفصل السابق و ازيد هنا ان في هذا الملك ليس الا هذه الاجسام المشهودة و هي مصداق اسم الجسم و الجسم المطلق موجود في غيبها لاينفصل عنها علي ما سيجيء و كل ما ذكر الجسم يحمل علي هذه السماوات و الارضين و الحكماء لايريدون منه سواها فالجسم الذي ينفون كونها مادة له هو هذه الاجسام و مرادهم من بيانهم الشريف ان الهيولي الاولي للطافتها و كليتها لاتتصور بهذه الصور و لكنها تتصور بصورة الجسم الكل و صورته قبول الابعاد و غيرها من الاعراض و اخطأ من زعم ان الهيولي هي التي تتصور بكمّ خاص و كيف خاص و غيرهما بالخصوص لانّا اثبتنا ان الصورة ليست الا حدود المادة و نهاياته ( نهاياتها ظ ) و باختلافها تتعين المواد انظر الي البحر مثلا فانه ماء واحد لا اختلاف فيه فاذا ماج البحر و تعيّن اجزاؤه بحدود مختلفة حصل امواج مختلفة و ليست الا نهايات اجزاء الماء و كذلك الطين مثلا اذا وضع في الملبنة المحدودة و وقف في هذا الحدّ و جفّ عليه سمّي لبنة و لو جفّ بغير هذه الحدود سمّي بغيره و كذلك في كل شئ [ص 338] و الامر في كل عالم و مقام هكذا بحسبه و لا شك ان كل خميرة لاتتناهي بكل نهاية فان الماء مثلا للطافته يكون سايلا جاريا فلايثلّث من نفسه اعني حد التثليث لاينهيه و لكن اذا جمد بقدر ان يقوم علي حدّ يتثلث و يتربع و هو قابل للانجماد لانه بارد رطب و لو خلي و طبعه ينجمد ببرودته و كذلك الامر في غيره كالحديد مثلا فان كل حديد لايتصور بالحسام الحادّ القطّاع و لكن اذا كان حديدا ذكرا ليّنا يصير سيفا كاجود ما يمكن و ان كان بخلافه يتصور بخلافه و مادة الحجر مثلا لاتصلح لصورة الياقوت و لكن اذا صفيت و لطفت صارت ياقوتة حمراء صافية كاحسن ما يكون و كذلك الامر في كل الملك و من هذا الباب نقول ان طينة المؤمن طيبة طاهرة زكية كصورته و طينة الكافر خبيثة منتنة كصورته و بذلك شهد الاخبار و الآثار و كذلك المادة الفلكية لاتتصور بصورة العناصر و المادة العنصرية لاتتصور بصورة الافلاك و لذلك نقول لايتجاوز شئ ما وراء مبدئه و كذلك الامر في المقام المادة الاولي التي هي جوهر الهباء لاتكاد تتصور بصورة الاجسام الجزئية لانها جوهر معنوي و صورة الجسمية الخاصة الاعراض الخاصة و ساحة الجوهر النوراني اعلي من ان تتصور بها فان الجوهر لايقبل الاعراض الا بعد ان يتغلظ في مراتب فهو بنفسه محدود بحدّ نوراني بسيط معنوي و هو الفهم و الادراك بحسب شأنه و قبول الصورة الكلية و بعد ما نزل الي المثال مرّة و تعيّن بحدّه يصير صالحا للتهيأ بهيأة الجسم الخاص كالماء الذي يتهيأ بالتثليث بعد الجمد فافهم ذلك و اتقنه ، فحدّ المادة الشعور الكوني و غيبه العقل المعنوي ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان ظاهرها السيلان و الانفعال و باطنها الاطاعة لله و الامتثال ظاهرها النفوذ في الاعيان و باطنها الاحاطة بالاشياء من جميع جهاتها و العلم بالاشياء قبل وجودها كما قال عليه السلام في الخبر و هذه المادة لكثرة مطاوعتها تقبل ما ورد عليها من الغيب بامر الله سبحانه و قبولها صورة لها اذ هي جهة غير نفسها الاتري في الظاهر ان الماء [ص 339] المتصور بالامواج له جهتان جهة نفس المائية و جهة قبوله للامواج و هي غير نفسه و هي صفة زايدة عليها و من قال ان القبول لايكون امرا زايدا علي نفس الشئ لميعرف ما يقوله فان كلامهم محض تعبير عن القبول بغير لفظه فانه قال قايلهم ان نسبة القابلية الي الهيولي كنسبة الفاعلية الي الله يعني ان الله بذاته مؤثر و لا معني لمؤثريته غيرها و كذلك الهيولي بذاتها قبول و استعداد اقول يلزم من ذلك ان تكون موجودة اذ صفة القبول صرف القوة و ان قلت انها موجودة قابلة اقول فهما اثنان و ان قلت ان وجودها قبولها اقول قبولها لايّ شئ لنفسها او لغيرها فان كان قابلا لغيرها فقبولها غير ذاتها و ان كان نفسها فيلزم من ذلك عدمها فافهم و اغتنم .
فصل - في تصاحب الهيولي و الصورة و تلازمهما و هذه المسألة من امهات المسايل و قد اقام ابنسينا لذلك ادلة جدلية ظاهرية و تبعه الآخوند (ره) و ذلك لانهم عرفوا ظاهر الحكمة و نحن بحمد الله عرفنا ظاهرها و باطنها فلا بدّ لنا من اثبات هذه المسألة بانواع الادلة المستنبطة من الكتاب و السنة ليظهر حقيقتها لطلابها فنقول ان الهيولي و ان كانت موجودة الا انها وجود امكاني و الوجود الامكاني لايكاد يقوم بلا صورة ابدا و لاتقاس بالمواد العرضية الدنيوية كالتراب مثلا بالنسبة الي الكوز فانه مادة له و لكنه موجود بوجود ترابي ثابت فله فعلية قائمة الا ان تلك الفعلية قوة لصورة الكوز و لكن الهيولي الاولي لاتكون ذات فعلية ثابتة هكذا بل هي نفس قوة القبول و معني قبوله رطوبته الانفعالية فلاتكاد توجد و لاتظهر الا في تلك الصورة و لكن الناس قاسوها بالموجودات الفعلية و قالوا انها كانت موجودة بوجود مادي ثمّ دبّرها يد التدبير و صوّرتها علي ما شاءت و ليس الامر هكذا اذ كل موجود قائم لا بدّ و ان يكون في مقام خاص علي حدّ مخصوص فيكون مصوّرا بهذا الحدّ و فرضهم ان الهيولي جوهر مفرد عن الصورة و هذا خلف و برهان آخر انه لو كان الهيولي قائمة بنفسها لكانت [ص 340] متحيزة في حيّز خاص علي وضع مخصوص و الصورة ان كانت في غيره و بوضع آخر لماتصورت بهما اذ لايخرج شئ من حيّزه و وضعه الصوريين الي غيره اذا كانا ذاتيين و ان كانت الصورة في حيّزها و وضعها لايخلو من فرضين ان تكون بالفعل او بالقوة فان كانت بالفعل لكانت متصورة و ان كانت بالقوة لكانت متصورة بقوة الصورة و هي شئ و برهان آخر من طريق الحكمة المستنبطة من الكتاب و السنة ان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان و لميكن معه شئ مما كان فخلق اول ما خلق مشيته خلق تأثير لا خلق تكميل و الخلق التأثيري خلق لا من شئ سابق اذ ليس قبل الاثر الا المؤثر و هو لايكون مادة لاثره و كذب من زعم ان الاثر يحدّ مؤثره و يحلّ فيه فان رتبته مؤخرة عن رتبة مؤثره سبعين مرّة فلايرد عليه و لكنه مخلوق بمؤثره في مقامه و له جهة الي مؤثره و هي حيث صدوره منه و كونه فعله اذ ليس قبله فعل غيره اذ المفروض انه الاثر لا غير و جهة الي نفسه و هي انيته و مٰهيته و هي حيث انفعاله و تمام الاثر و كماله بهما فالمشية التي هي اول اثر لله تعالي مركبة من هذين الحيثين فعل و انفعال فحيث فعلها يسمّي بالمشية و حيث انفعالها يسمّي بالامكان اذ هو مقام الصلوح ثمّ خلق الله تعالي بتلك المشية غيرها من الاشياء و كلما يصدق عليه اسم الشئ مشاء بها فيجري في جميع المشاءات صفة التركيب لانها معلول المشية بل تركيبها اشدّ و ابين و منها الجسم المركب من الهيولي التي يعبّر عنها تارة بالنور الغليظ و الجوهر و الشكل الذي يعبّر عنه بالمثال و الظل و الصورة و غيرها من الاسماء اما الهيولي فهي جهة فعله و اما المثال فهو جهة انفعاله في الظاهر المعروف و الشئ لايقوم الا بهما و الفعل مصاحب للانفعال و لايفارقه اذ لايقوم فعل من غير انفعال اذ لا فعل الا بالقبول كما لا فاعل الا بالقابل بل اقول ان الفاعل و ان كان قادرا بلا نهاية لايجري قدرته ما لميقبل القابل فانه لايجوز ان يقال ان زيدا قادر علي كسر الماء لان الماء لاينكسر و من ذلك ما اجاب عليه السلام [ص 341] عن سؤال الزنديق ان الله قادر ان يجعل السماء في البيضة قال هو قادر و هذا مما لايكون و مراده ان قدرة الله لاتتناهي بالعجز و لكن البيضة لاتصلح لتعلقها بها من هذا الحيث و بالجملة فلا فعل الا بالانفعال فانك ان طرحت الكاس و لمينكسر لايقال انك كسرته و لكن الكسر حين الانكسار كما ان الجذب مع الانجذاب و كذلك الامر في كل الملك لا فعل الا مع الانفعال و هما مقترنان الا ان الانفعال لايتحقق الا بالفعل و لذلك ان الله لايجبر عباده و لايفوّض اليهم اذ الجبر فعل بلا قبول و انفعال و التفويض انفعال بلا فعل و هما ممتنعان و لذلك نفاهما الامام الواقف علي الاسرار مطلقا و قال لا جبر و لا تفويض بل امر بين امرين اي الفعل مع الانفعال و بهما يثبت الشئ فكسر الكاس الذي هو اثر الكاسر حاصل بتأثيره مع قبول الكاس و انكساره فتلك الصورة المعيّنة لها مادة هي الكسر و صورة هي الانكسار و بروز الكسر بحسب الانكسار البتة و كذلك الامر في صنع نفس الكاس فان الفاخور صنعه بفعله و قبول الطين و كذلك الامر في الطين الي ان انتهي الامر الي المبدأ الذي هو نفس الاثر و لا محل له غير نفسه فلا مفعول به هنا بل هو المفعول المطلق و هو ايضا له حيث فعل و انفعال و الفعل هو المادة و الانفعال هو الصورة فالجسم لايتحقق الا بهما و فعله لايثبت الا بانفعاله و انفعاله ايضا لايثبت الا بفعله فهما متصاحبان متلازمان و لعلك قد عرفت من بياننا انهما لايكونان جوهرين كما زعم جماعة من الناس بل الجوهر في الواقع هو الفعل الذي هو المادة و الصورة عرض لها اذ عرفت انها الانفعال و الانفعال لايكون قايما بنفسه فان الانكسار لايكون موجودا من غير كسر فلايثبت له اسم الجوهر و لكنه قايم بالكسر و ان قلت ان الكسر ايضا فعل علي قولك و هو ايضا عرض اقول بلي هو ايضا عرض لما فوقه الي ان ينتهي الي الفعل الاول و هو لايكون عرضا اذ لميعرض علي شئ فان الذات لاتصير معروضة الخلق و لكن الله اقامه بنفسه فهو قايم بنفسه لله و امكانه الذي هو صورته قايم به فهو الجوهر الحقيقي [ص 342] و جميع الاشياء اعراض و لكن لكل شئ بحسبه جوهر هو مادته و عرض هو صورته الا ان الاعراض متفاوتة منها لازمة قارّة و منها متغيرة متبدلة و هي من الاعراض القارّة .
فصل - في تقدّم المادة علي الصورة ، لعلك قد عرفت ان الصورة كائنة ما كانت فرع المادة و صفتها فانها حدود المادة و نهاياتها فلاتتقدم عليها البتة و لكن الاشكال و الداء العضال في معرفة حقيقة هذا التقدم فانه لا شكّ ان الهيولي بلا صورة قوة مبهمة و تعيّنها بانها قوة لا بانها فعلية و القوة بلا صورة لاتقوم ابدا نعم المواد العرضية تقوم قبل الصور و ذلك لان كل مادة متصورة بصورة و تلبس صورة عليها فالصورة الاولي تلبس صورة ثانية دايما كالخشب فانه له مادة و صورة و مادته متعينة بصورتها و تلبس صورة الخشب صورة السرير و كذلك السرير يلبس صورة اخري و ليس الامر في الهيولي الاولي هكذا لانها مادة بلا صورة فلاتقوم في نفسها الا بصورة فكيف يتصور مع ذلك تقدمها عليها فاعلم ان عمدة الاشكال في معرفة التقدم و التأخر فان المبتدي ربما يزعم انحصارهما في الزماني و المكاني مع انهما من الاعراض و هي لاتعرض الهيولي الا بعد نزولها في منازل و لو ثبت لها تقدم او تأخر انما يكون بحسبها و هي دهرية فتقدمها علي الصورة دهرية فهي رتبية فان كل ما هو اعلي في الدهر يكون مقدما و العلوّ فيه بحسب الكلية و الجمعية كما تري في تقدم نفس الدهر علي الزمان فان الماء المطلق مثلا مقدم علي المياه الجزئية و ليس تقدمه الا باحاطته عليها و الا ففي الزمان قبل وجودها لميكن الا قوة الماء و كذلك حكم الدهريات بعضها بنسبة بعض فالعنصر المطلق مقدم علي الماء هكذا و الجسم مقدم عليه هكذا و كذلك في تقدم الهيولي علي الصورة فانها كلية محيطة فانها الوجود الثاني و المثال مظهره و مرآته و هو لايتحقق الا به فان الصورة قيامها بالمادة قيام تحقق الاتري ان التربيع لايتحقق في ملك الله الا علي مادة جسمانية و كذلك [ص 343] الامر في العالم فالمادة مقدمة علي الصورة بهذا المعني و ربما نقول ان الصورة ايضا مقدمة علي الصورة ( المادة ظ ) تقدم الشرف و ذلك بمقتضي انها فعلية و المادة قوة و هي كون و هي امكان و الكون كائنا ما كان مقدم وجودا علي الامكان و ان كان مؤخرا ظهورا و هي مسألة صعبة مستصعبة مرّ شرحها في محلها فشرف الصورة علي المادة ظاهر و لايضرّ ان يكون لشيئين تقدما و تأخرا بالنسبة من حيثين و مثل ذلك كثير و بالجملة فالمادة بحسب رتبتها مقدمة علي المثال اذ هي اول صادرة من الطبيعة الكلية صدرت منها ثمّ تطورت و تشكلت بالمثال علي حسبها .
فصل - طال ما بحثوا في نسبة الهيولي و المثال و اقتصر علي حكاية قول شيخهم و رئيسهم و اذيله بالحق في المقام قال في اشاراته و اعلم ان الهيولي مفتقرة في ان تقوم بالفعل الي مقارنة الصورة فاما ان يكون الصورة هي العلة المطلقة الاولية لقوام الهيولي بها مطلقا او يكون الصورة آلة او واسطة لمقيم آخر يقيم الهيولي بها مطلقا او تكون شريكة لمقيم آخر باجتماعهما جميعاً يقوم (ظ) الهيولي او يكون لا الهيولي تتجرد عن الصورة و لا الصورة تتجرد عن الهيولي و ليس احدهما اولي بان يكون مقاما به الآخر من الآخر بعكسه بل يكون سبب ما اخر خارج عنهما يقيم كل واحد منهما مع الآخر او بالآخر ، هذا مجمل اقوالهم و احتمالاتهم في المقام و انا ابيّن لك الحق ان شاء الله و يظهر لك وجوه بطلان آراء الناس ايضا فاعلم ان الله سبحانه كان قبل الامكان و الاكوان و خلق اول ما خلق مشيته بها علي ما مرّ سابقا و قد خلقها بنفسها كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية و في خبر بالعلم خلقت المشية ، و هذا العلم هو نفسها و هي الوجود و انية المشية هي المٰهية لها و هي الامكان و الامكان لايقوم الا بالكون و هو الوجود و لولاه لكان الامكان معدوما صرفا فهو موجود بالوجود الذي هو جهته الي ربه و هو يد الله عز و جل في صنع المشية و لايجري في المقام ما يقال ان [ص 344] الهيولي قوة و عدمية و العدم لايصير سبب الوجود اذ الفاعل في الواقع هو الله بفعله و هو نفس تجليه قد تجلي به الي الامكان و الفعل في نفسه لايكون قوة الاتري انك تسمّيه بالوجود و العلم و لو كان قوة صرفة لكان العلم عدما نعم هو قوة بالنسبة الي الافعال الجزئية هذا و فرض القوة يجري فيما اذا كان وجود بلا مٰهية و قد علمت فيما مضي ان الله لميخلق شيئا فردا قايما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه و علمت ان نسبة الوجود الي المٰهية نسبة الفعل و الانفعال فشرط فعلية الفعل ثبوت الانفعال و شرط وجود الانفعال وجود الفعل فلا معني للتجلي الا في المتجلي له فوجود المشية التي هي نفسها لايقوم الا في الامكان الراجح الذي هو انيتها و مٰهيتها فلايذهب وهمك الي انه كان وجود للمشية و لا مٰهية ثمّ خلق به المٰهية حتي تستبعد خلقها به بل هو اعلي درجتها و جهتها الي خالقها فكأنها صدرت منه متعينة بالامكان اي تعيّن الصلوح المطلق الا ان الله سبحانه جعل اعلي درجتها سببا لاسفل درجتها ، مثل ذلك و لله المثل الاعلي شبحك في المرآة فانه مركب من جهتين جهة صدوره منك و جهة ظهوره و تعينه و حصل من تركيبهما العكس و هما لايفارقان بل في الواقع ليس ثمّ الا شبح واحد فمن حيثه اليك و هو حيث صدوره يسمّي بالظهور و من حيث انه غيرك يسمّي بالمظهر فان المظهر الحقيقي هو المٰهية و المرآت كالمكان العرضي للشخص و هو هو لايكون مناطا في نفس الامر و الحاصل ان حيث ظهورك يسمّي بالمادة و حيث المظهر يسمّي بالصورة و ظاهريتك ايضا في ظهورك و لذلك نقول ان الفاعل يظهر في المادة و يفعل بها و لذلك اشتق له اسم من مبدء الفعل فان الاسماء تنزل من السماء و لاتوضع لمسمياتها في عالم الحقايق الا لمناسبة فالفاعل ذات ظهرت بالفعل و الفعل مادة المصدر الذي هو المفعول فافهم فالظاهر ذات ظهرت بالظهور و كذلك الامر في المقام فالمشية مخلوقة بتجلي الله لها و تجليه نفسها و صورتها المجلي و المظهر لها و هي مخلوقة بسبب التجلي فالعلاقة بين المادة [ص 345] و الصورة في المقام بالسببية اي سبب للفعل و الله الفاعل و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها ثم ان الله سبحانه خلق بالمشية العقل مركبا من مادة هي جهته الي المشية و هي الامر المفعولي و الامكان الجايز و صورة هي المعنوية و الكلية و المادية للاشياء بل اقول ليس ثَمّ الا الماء الاول و هو العقل الا انه ايضا مركب من جهتين جهة صدور عن المشية يعبّر عنها بالامر و المفعول الحقيقي و الوجود و جهة انية و هي المعنوية و الجمعية و الكلية و الماء الذي منه كل حي و هي اول المقيدات و هو العقل و هو ايضا مخلوق بنفسه بالمشية اي نفسه ظهور المشية له و رأسها المتعلق به المتعين به و بذلك دار الامر الي الجسم الذي هو آخر المقيدات نوعا فالمادة في كل عالم يد الله في صنعه و ذلك قولنا ان كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه و لايشتبهن عليك الامر بسبب وساوس الحكماء ان المادة مبهمة مطلقة فكيف تصير علة صورة خاصة فان الحكمة صعبة مستصعبة بعيدة من الاذهان و الناس يطلبونها بافهامهم الناقصة او بتقليدهم من الجهّال و لذلك يشتبه عليهم الحق دايما و الحق في المقام ان للمادة مناسبة مع الصورة و لا كل مادة تصلح لكل صورة الاتري في العالم الظاهر ان كل جسم لايتصور بكل صورة فالفولاد الذكر الجيد يصير سيفا حسَنا و الحديد اليابس الردي لايصير سيفا حادّا حسنا و لو كان الصانع كاملا ماهرا و لو كان كل مادة صالحة لكل سيف لكان يجوز ان يصاغ من الحديد الفاسد سيف صالح و ان ذلك بحسب الصورة الفعلية لا الاسطقس فان العناصر تصلح لكل سيف اقول ان الامر فيها ايضا هكذا فان صورة الاسطقسات تمنع مما لايناسبها و ان قلت ان الوجود الثاني اي الهيولي لا صورة لها تمنعها عن القابلية اقول ان لميكن لها صورة مانعة فلمَ تكون وجودا ثانيا فان صيرورتها ثانية الوجود ليست الا بحدود فرقت بينها و بين الوجود الاول و لو كانت خالية من الصورة مطلقا لكانت يمكن تصورها بصورة النفس ايضا بل كان يمكن تصورها بصورة العرش و الكرسي [ص 346] ايضا و لايمكن ذلك الا بعد تصورها بصورة الجسم افهم ذلك و كذلك الامر في الوجود الاول هو الماء الاول لايقتضي الا صورة المعنوية و لو لميقتضها لماتصور بها ابدا لان الله سبحانه ابي ان يجري شيئا الا بدعاء القابل و دعاؤه اقتضاؤه و الله بنفسه لايقتضي شيئا و المشية ايضا مطلقة مبهمة فالله لايرجح من قوي الامكان بنفسه بلا ترجح من نفسه و المشية ايضا بنفسها لاترجح من الامكان بنفسها اذ هي قوة الفعل علي ما عرفت فلا بدّ و ان يكون لنفس الامكان نحو خصوصية بصورة يقتضيها و لذا نقول ان الامكان لايلبس الا صورة المعنوية و هي امكانية الامكان و ماديته و ان قيل ان هذا الاختصاص ان كان من نفس العقل فيبقي الامكان بلا اختصاص و ان كان من حالة سابقة فهي ايضا صورة غير العقل و هو غير معقول اقول ان اختصاصه بنفس امكانيته فان الامكان الاول لايمكن بالامكان القريب ان يتصور بغير الكلية و هي صورة العقل و ان قلت كيف يجمع بين قولكم ذلك و قولكم ان الامكان يصلح لكل شئ و هو قوة كل شئ اقول لانريد من ذلك انه يتصور بكل شئ بلا واسطة بل نريد انه قوة لكل الاشياء و يصلح للتصور بها مترتبة بعضها علي بعض كما تري في عالم الشهادة انه يخلق من الهيولي الجسم و من الجسم العناصر مثلا و من العناصر الماء و الملح و الدهن و منها المواليد الجمادية و من الجماد البخار و الدخان و منهما المعادن و منها النباتات و هكذا فكل صورة ترد علي المادة تعدها لصورة اخري الاتري الي خلق الانسان بعد ما تصوّر الاسطقسات بصورة النطفة تعدها للعلقة و بعد ما صارت علقة تعدها للمضغة و هكذا الي مقام الخلق الآخر اي تعلق الروح بها و بعد تعلق الروح بها تستعد لتعلق النفس و بعدها تستعد لتعلق العقل و هكذا يترقي خلقا من بعد خلق و مقاما بعد مقام و كلها في قوة الامكان و قد مرّ سابقا شرح هذا المطلب و مرادنا محض بيان لتقريب الذهن فكل مادة لاتتصور بصورة الا بسبب استعدادها القريب و هذا سبب الرجحان لا غير و بعد ما تعلقت المشية بها و اشتعلت بنارها [ص 347] يستخرج من كمونها بها الصورة اللازمة لها فالجعل المتعلق بالصورة تابع للجعل المتعلق بالمادة دايما و قولنا انه جعل جديد ، لايحمل علي استقلاله بل مرادنا انه غير الجعل المتعلق بالهيولي بل هو وصفه كما ان الصورة بنفسها وصف الهيولي و الهيولي هي واسطة الفيض و سبب قوام الصورة و بقائها فهي العلة القريبة لها فافهم و الآخوند (ره) زعم ان الصورة هي واسطة العلة لان العلة هي العقل و العقل عنده فعلي و ظهور في الصورة الفعلية و لما كان نظرهم الي الظاهر غالبا و رأو ( رأوا ظ ) علانية في عرصة الظهور تبدل الصورة الجزئية قال ان العلة هي الصورة النوعية و الصور الشخصية اياديها و لكنك بعد ما بينّاه تعرف حق الامر اما اوّلا فالعقل هو بنفسه مادة و تري ان الامام عليه السلام بيّن ذلك اذ قال مرة اول ما خلق الله الماء و مرة قال العقل و صرّح بانه العلة اذ سمّاه مرّة بالقلم و قال في الخبر ان بالقلم خلق اللوح و هو النفس و ظهور العقل في النفس فهي السبب القريب و ظهورها في الطبع و هو بمنزلة البدن للنفس و الهيولي ليست الا ظهور الطبع في المثال فالهيولي اولي بالعلية من المثال و اما ثانيا فقد ثبت مما بينّاه ان الصورة النوعية صورة للمادة النوعية و لكنها مادة للمادة الشخصية فرجع الامر الي ما قلناه فافهم فانه مشكل جدّا نعم ربما نقول ان الصورة ظهور الغاية و هي في الشرف سابقة علي الكل و نزول المادة ليست الا للتلبس بها و قد مرّ شرح ذلك في العلل فراجع و لكنه لاينافي ما ذكرناه فان الغاية في الغيب ايضا اشرف من الفاعل اذ هي المهيجة له و لكنها لاتظهر الا بسببه و كذلك الامر في الظاهر فافهم .