كل شئ فيه معني كل شئ فتفطن و اصرف الذهن اليّ

كثرة لاتتناهي عددا قد طوتها وحدة الواحد طي

قال الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير و الحاصل من ضرب العشرة في المائة الف فعلي ذلك من التراب الي العرش الف درجة و من اسفل المثال الي اعلاه الف و من اسفل المادة الي اعلاها الف و كذلك من اسفل الطبع الي اعلاه فهذه اربعة‌آلاف درجة و كل درجة عام و النفس فوقها فالنفس قبل البدن اربعة‌آلاف عام و اعلي المثال فوق اسفل الجسم الفا عام و ان كل مقام يوم من ايام الرب لانه منوّر بنور شمس مشيته و ان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدّون لجامعيته بالنسبة الي ما دونه فان الاسافل و ان كانت متكثرة بحسب العدد لكنها مجملة في الواقع بحسب ضيقها و لكن العوالم لغلبة البساطة عليها تكون اوسع ، مثال ذلك الجسم بالنسبة الي الاجسام الجزئية فان الاجسام الجزئية في العداد متعددة متكثرة و لكن اذا نظرت الي كل جسم مقيّد تراه واجدا لفعليته من حيث او حيوث قليلة فان مادته غليظة محدودة و لاتقبل فعليات كثيرة و لكن الجسم المطلق [ص 298] للطافته يكون محيطا بجميع المقيدات واجدا لكل الفعليات بالدهرية فيومه كيوم جميعها بل كجميع ايامها بل آنه كجميع اوقاتها الا انه لدي التحديد قد يقال يومه كمائة سنة في المثل و كذلك الامر في العوالم العالية و اذا كان الامر هكذا بالنسبة الي الخلق فما ظنك بالخالق و ما ينسب اليه بل اقول يجوز ان يقال ان قوله ان يوما عند ربّك كألف سنة مما تعدّون محض بيان التغليب لا خصوص العدد و مثل ذلك جايز في كلام الله و كلام الائمة عليهم السلام و لايخفي علي المتدرب الاتري الي قوله تعالي ان تستغفر لهم سبعين مرّة لن‌يغفر الله لهم فحمله رسول الله صلي الله عليه و آله علي مفهوم العدد فاستغفر لهم مائة فانزل الله عز و جل سواء عليهم استغفرت لهم ام لم‌تستغفر لهم لن‌يغفر الله لهم فعرفنا من ذلك ان السبعين كان لمحض بيان الكثرة كما هو المتعارف لا خصوص العدد و كذلك نقول في قوله ان يوما عند ربّك كالف سنة مما تعدّون انه محض بيان الكثرة و الا فنسبة ايامه تعالي بل كل يوم منه بل كل آن من آناته الي جميع ملكنا بالسواء كالجسم بالنسبة الي الاجسام و لاجل ذلك قال عليه السلام في خبر في بيان مدة كون العرش علي الماء قبل الخلق ثمّ لا تحديد مع انه حدده لمحض تقريب الاذهان في مقام فتدبر و بالجملة طال بنا المقال فنرجع الي ما كنا في صدد بيانه ففي الذر الاول اي عالم النفس قبل الابدان كلّف الله النفس الكلية و تجلي لها بها و بها امتنع منها و تكليفها تكليف كل نفس فاخذ عليها الاقرار بالربوبية بقوله الست بربكم و النبوة بقوله و محمد نبيكم و الولاية بقوله و عليّ امامكم و كل النفس اقرّت بذلك في المقام اذ لم‌تكن تقدر علي الانكار و الجحود في مقام الطبايع و ذلك تأويل قوله تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم لا غير و لذلك يقال ان غير المؤمن بهائم هائمات و قال الله ان هم الا كالانعام بل هم اضل و قد يقال ان جماعة اقرّوا بالباطن و الظاهر و جماعة اقرّوا بالظاهر دون الباطن و كان من نيتهم المخالفة و كلاهما لا ريب فيه و اهل العلم يعرفون المخرج من ذلك و بالجملة [ص 299] ثمّ امات النفس في عرصة الطبايع و اقبرها في غيب الافلاك و العناصر فصارت قوة ثم اخذ منها حصصا مختلفة و صوّرها بصور مختلفة فظهرت من بطونها بحسبها ثمّ كلّفها علي ما مرّ و الابدان بمنزلة الامكان للنفوس الانسانية و الداعي هو المشية الشخصية الشرعية فالقي في هوية الابدان مثاله و اظهر منها اشباحه فآمن من آمن و كفر من كفر و هذا الميثاق حين الدعوة معها الا انها فوقها و يكفي هذا القدر من البيان في الذر ان شاء الله لمن كان من اهل البصيرة و الخبرة .

تذييل - اعلم ان بعضا من اكابر المتقدمين انكر عالم الذر بالمرة و اوّلَ آية الميثاق الي الظاهر القشر و ذلك لانه لم‌يعرف الحقيقة و زعم ان بتقدم الروح علي البدن و اخذ الميثاق منه يلزم التناسخ كما انهم انكروا الرجعة لذلك ايضا و الاكثرون اقرّوا بهما و لكن اغلبهم لم‌يعرفوا الحقيقة و اقرّوا تعبّدا و لكن العارف بحقيقة ما ذكرناه يعرف انه لايلزم تناسخ من ذلك اذ التناسخ بان يتعلق روح زيد ببدن غير بدنه لا ان يتعلق روحه ببدنه ، هذا و سبق الروح سبق دهري و بهذا السبق لايلزم وجود روح بلا بدن او كونه متعلقا ببدن آخر بل البدن بدنه دائما و الروح هو هو دائما فافهم ذلك فانه دقيق و لاتعِبْ علي المنكرين اذ لعلهم لم‌يصل اليهم من الاخبار ما يطمئن به قلوبهم و لم‌يعرفوا الحقيقة حتي يقفوا علي سرّ المسألة مع انه قد ثبت لهم بالضرورة بطلان التناسخ و زعموا انه يلزم من ذلك التناسخ فانكروه و قد كان في زمن الائمة عليهم السلام جماعة كانوا ينكرون مسائل و حِكما كثيرة صارت يومنا هذا من البديهيات و مع ذلك لم‌يعيبوا عليهم الائمة عليهم السلام و لم‌يأمروا بالبراءة عنهم و ذلك لان العلم كله مخصوص بآل‌محمد عليهم السلام و الانبياء سلام الله عليهم و غيرهم لايعرف الا ما تعلّم منهم فمن علّموه تعلم بقدر ما علموه و هو جاهل بما لم‌يعلموه فاذا خصّك الله في زماننا بعلم شئ لاتعبْ علي الماضين اذ جهلوه و يكفي في المقام هذا القدر من البيان في النفس و سيجيء تمامها بعد ان شاء الله .

[ص 300] المطلب الرابع

في الطبيعة و بيان ما يتعلق بها من المسائل و فيه فصول :

فصل - في معناها و تعريفها ، قال في المجمع الطبيعة مزاج الانسان المركب من الاخلاط و قال الطبْع بالسكون الختم و قال في المعيار الطبع كفلس الجبلة التي خلق الانسان عليها و هو في الاصل مصدر كالطبيعة و الطباع ككتاب الي ان قال او الطباع ما ركب في الانسان من المطعم و المشرب و غير ذلك من الاخلاق التي لاتفارقه قال و الطبيعة ايضا مزاج الانسان المركب من الاخلاط و الطبع ايضا المثال و الصيغة تقول اضربه علي طبع هذا و الختم و هو التأثير في الطين و نحوه ، اقول ورد لفظ الطبع في الكتاب المجيد علي معني الختم كقوله تعالي طبع الله علي قلوبهم و في الخبر ايضا ورد بهذا المعني في قوله (ع) من ترك ثلث جمع من غير علّة طبع الله علي قلبه ، اي ختم عليه و غشّاه و منعه الطافه ، و كذلك ورد الطباع بمعني المطعم و المشرب عن اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله اليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه الحديث ، و يجوز ان تكون بمعني الغير (كذا) كما هو المصطلح و ورد الطبيعة بمعني العناصر ايضا في خبر آخر كما روي عن ابي‌الحسن (ع) طبايع الجسم علي اربعة فمنها الهواء الحديث ، اقول هذه المعاني مروية في كتب اهل اللغة و ان كان بعضها من المعاني الاصطلاحية و الذي يظهر لي ان الاصل في معني الطبع الختم و استعمل بمعني الجبلة و المزاج لان الشئ يختم عليه بجبلته و مزاجه و من هذا الباب الطبع بمعني الباسمج فمن هذا الباب استعمالها في الجبلة و الصورة ثمّ انها في اصطلاح اهل الحكمة خصصت بمعني قال في بيانه الآخوند (ره) في مشاعره انها اي الطبيعة صورة جوهرية سارية في الجسم هي المبدأ القريب لحركته الذاتية و منشأ آثاره و ما من جسم الا و تتقوم ذاته من هذا الجوهر الصوري الساري في جميع اجزائه و صرّح في كتابه الكبير في مقامات انها [ص 301] الصورة النوعية و علي ذلك لايخلو تعريفه من النقص و لست بصدد النقض و الابرام في الكلمات و لكني اتكلّم في اصل المسألة انه يلزم من كلامه انحصار صدق اسم الطبع علي الانواع و هي دون الاجناس فهي خالية من الطبيعة مع ان الادلة تدل علي ان لها طبايع فانه لا شكّ ان جميعها بالنسبة الي جنس الاجناس انواع من طريق الاعلي و من طريق الاسفل لكل موجود بالنسبة الي متمماته نوعية و لذلك يقال ان لكل شئ دهرية بالنسبة الي صفاته و متمماته فكل شئ له طبع بالنسبة و هو مزاجه فافهم ، هذا و هو يقول ان النوعية و الشخصية تابعة للمٰهية و الوجود من حيث هو لايكون نوعا و لا شخصا و الطبيعة اذا كانت هي النوعية فتكون تابعة للمٰهية او هي المٰهية فان كانت تابعة لها فهي عرض و لايكون جوهرا و تكون عدمية علي قولهم اذ هي من لوازم المهية فقول الآخوند انها منشأ الآثار و الحركات يكون خطاءا فان العرض لايؤثر في الجواهر اذ هو فرعها و تابع لها و العدم لايؤثر في الوجود اذ هو قوة و القوة عدم فافهم و ما يشاهد من الآثار المترتبة علي الاعراض لايكون من الاعراض بل يكون من مؤثر اعلي الا انه مترتب علي عرض بفعله او يجعل العرض يدا لفعله و لذلك ربما يوجد العرض و لايترتب عليه الفعل فافهم و ضيق المجال يمنعني من التعرض للقيل و القال مع انه لا فايدة في نقل اقوال الرجال و بالجملة و ان كانت هي هي المٰهية فقول الآخوند انها سارية في جميع اجزاء الجسم خطاء اذ الجسم هو الحاصل من تركيب الهيولي و الصورة و الهيولي وحدها لاتكون جسما فما معني انها سارية في الجسم و السريان في الهيولي ايضا كلام خالٍ من التحقيق فان الهيولي قوة و لا اجزاء لها معلومة و عن بعضهم ان الطبيعة هي الصورة و هي ما ذكر في اللغة انها الجبلة او المزاج و بالجملة كلمات القوم اغلبها ناشئ من الرأي و المتبع قول من يأخذ كلامه من ائمة الهدي لا غير قال شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه في شرح المشاعر بعد ما نبّه علي مفاسد تعريفه (ره) و اذا سامحنا قلنا [ص 302] ان المصنّف تساهل في التعبير او غفل في التقدير و الحاصل ان الطبيعة هي هوية الشئ من نفسه و هي في الخلق الثاني ما لبسها من صورة اجابته حين ورد عليه الست بربكم ، اقول مراده اعلي الله مقامه ان كل شئ مركب من نور و ظلمة نوره جهته من ربه و ظلمته جهته من نفسه اي انيته و يعبّر عن الجهة الاولي بالنفس و عن الثانية بالطبع و ذلك متخذ من قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثمّ خلق الاشياء بالمشية ، و المراد من هذه النفس النور و الآية التي تدل علي باريها و لذا قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال الله في كتابه و في انفسكم افلاتبصرون ، و قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي ، و قد يعبّر عن الجهة الاولي بالروح و ذلك قوله تعالي في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فالنفس هي الجهة من رب الشئ و هي الرب اذ مربوب و الطبع هو جهته من نفسه و انيته و هما شؤن صورته و اما الهيولي فهي مقام المادة و الابهام و قد يقال ان جهة النفس هي المادة و ذلك بملاحظة ان صورة الشئ مركبة من مادة ذاتية و صورة ذاتية و مادتها حيثها الاعلي و صورتها حيثها الي نفسها و الهيولي مادة عرضية لها و هي بمنزلة المرءاة لظهورها و قد بسطنا القول في ذلك في ما مضي فراجع و بهذا المعني الذي ذكره شيخنا اعلي الله مقامه تصدق علي انية كل نوع و جنس و فرد و قوله و هي في الخلق الخ ، يعني في الخلق التشريعي هي ما لبسها من الاجابة و الانكار في عرصة النفس فمن اقرّ بالميثاق صار طبيعته الثانية الاقرار و الايمان و من انكره صارت طبيعته الكفر و ذلك قوله تعالي فطرة الله التي فطر الناس عليها قال عليه السلام جبلوا علي التوحيد و التعريف الاول في عرصة التكوين فيخلص من التعريفين ان الطبيعة ظاهر النفس و انيتها فافهم .

فصل - اذا عرفت القول الحق في تعريف الطبع فاعلم انه في كل شئ [ص 303] بحسبه ففي الكلي كلي و في الجزئي جزئي و في الاعلي عالٍ و في الاسفل سافل فكما انه يثبت لمجموع الملك كل ما للاشخاص بالشخصية بالكلية يثبت له طبيعة كلية و لا بدّ من بيان بدئها و محلها و صفتها ، فاعلم ان الله سبحانه كان قبل الكون و المكان و لم‌يكن معه شئ من الامكان و الاكوان و خلق اول ما خلق مشيته تعالي بنفسها كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثمّ خلق الاشياء بالمشية فالمشية بنص قوله مركبة من جزئين اذ لايصدق ان يكون شئ واحد من حيث واحد علة و معلولا اذ يلزم من ذلك كون الشئ قبل وجوده فانه اذا كان معلولا لعلة هي نفسه يكون وجوده قائما بنفسه و موجودا بنفسه مع انه في نفسه معدوم و يلزم ان يكون المعدوم سببا لوجود نفسه و هذا باطل و هو عليه السلام لم‌يرد من كلامه مثل ذلك البتة فقوله ان المشية مخلوقة بنفسها تشعر بان النفس غير جهة مخلوقيتها فهي حيث فعل البتة اذ لاتكون فاعلة و ان كان ظهورها فيها فللمشية حيثان حيث فعل هو مثال الله و نوره و هو مقام التجلي و حيث مفعول و هو حيث الهوية و الانية و الطبع و الاول كون و علم و الثاني امكان و معلوم و الاول حيث الوجود و الثاني حيث الاطلاق و بعد ما تمّ خلق المشية بهما خلق الله الخلق بها و معني الخلق هو التأثير اذ الفرض انه ليس شئ ثابت الا بالمشية فلايعقل التكميل فانه يثبت فيما اذا كان مادة ثابتة و تتكمل بتكميل مكمل كامل في فعليته و لايفرض في المقام وجود امكان غير مخلوق بالمشية و برهان ذلك ظاهر و الكتاب و السنة ناطقان بان كل شئ مخلوق بالمشية و ان قلت ان الامكان لاشئ و لايكون شيئا اقول انه لاشئ بالنسبة الي الاكوان لا بالنسبة الي نفسه و الا للزم كونه معدوما من نفسه و المعدوم من نفسه ممتنع و هو موجود فافهم فانه مسألة شريفة يرتفع بها اشكالات كثيرة فالامكان و ما منه مخلوق بالمشية نعم خلق الله الامكان اوّلا و هو منها كالمفعول المطلق من الفعل و مرّ سابقا شرح ذلك ثمّ خلق الاكوان بها منه فنفس الامكان مخلوق لا من شئ سابق و الاكوان [ص 304] من لاشئ و هو الامكان فالامكان من المشية بالتأثير و الاكوان منه بالتكميل و معني التأثير الخلق لا من شئ و هو ايجاد الاثر و الاثر علي صفة المؤثر البتة و كذلك التكميل بالقاء الكمال الذي هو الاثر علي المتكمل و كل فعلية لايخرج من قوة غيره الا مثله و تلك ايضا مسألة ثابتة لا غبرة عليها فاذا كانت المشية ذات جهتين جهة من الربّ و جهة من النفس فاثرها ايضا يكون ذا جهتين فالامكان الذي هو مفعوله و منزلته منه منزلة المصدر يكون مركبا من نفس و من انية و نفسه جهته من المشية و هي جهته من الربّ لان المشية هي فعل الله و نوره و انيته جهته من نفسه و الاولي هي الوجود و الثانية هي الماهية و قد يعبّر عن الاول بالفؤاد و عن الثاني بالطبيعة و هما ظاهر الامكان و باطنه فافهم و لذلك ورد في الخبر ان الله عز و جل خلق اول ما خلق ياقوتة حمراء نظر اليها بالهيبة فذابت فان الياقوتة مقام الطبيعة و قد يعبّر عنها بالكثيب الاحمر و جبل قاف الحافّ بالدنيا و سيجيء بيانه ان شاء الله ثمّ ان الاكوان ايضا حالها ذلك لكونها من الامكان بالمشية فقسمت بالغيب و الشهادة غيوبها جهتها من الربّ و شهاداتها جهتها من النفس و هي العقل و الروح و النفس و تلك المادة و الصورة و الجسم و هي نورية روحية و هي طبعية ظلمانية و هي مخلوقة من غيب الامكان و تلك مخلوقة من شهادته فمجموع عالم الشهادة بملاحظة الكلية لا الجمعية الطبع و مجموع عالم الغيب الفؤاد نور الله الذي يعرف به فكل مولود لم‌يجاوز حدّ الشهادة يكون طبيعيا كالجن و الملئكة بالمعني الاخصّ و الحيوانات و النباتات و الجمادات و كل من جاوز حدّ الشهادة بمعني ان خرج من قوته المبادي النورية كلها او بعضها يكون نوريا غيبيا كالانسان و الانبياء و الاولياء صلوات الله عليهم هذا هو القول الحق المطابق للكتاب و السنة ثمّ انه قد يستعمل في الالسنة و الافواه عالم الطبع لمحض عالم الاجسام و الحكماء يتكلمون في طبيعياتهم في عالم الاجسام فقط و لا مشاحّة في الاصطلاح و قد يخصصون الطبايع بالعناصر [ص 305] و ذلك كثير شايع و ما فيه كلامنا في هذا المقام هو الطبيعة الكلية لا غير .

فصل - اريد ان اعرّفك الطبيعة الكلية حتي تعرفها كما عرفناها بحول الله و قوته ، فاعلم ان هذه الافلاك المشهودة و العناصر المرئية هي عرصة الاجسام و هي كلها اجسام مقيدة خاصة كل واحد منها مركب من حصة من الجسم و صورة خاصة هي قيدها و به يعرف من غيره فالافلاك لها حصص من الجسم و صورة خاصة فلكية و العناصر لها حصص من الجسم و صور خاصة بها تمتاز و تشخص و لااريد من الحصة المذكورة البعض فان الجسم بنفسه لايفرز اذ الفرز مخصوص بالكم المعين و كمّ الجسم كمّ مبهم و الكمّ المبهم لايكون قابلا للتقسيم و لكن المراد البعض من الكل بمعني ان لكل منها جسمية غليظة قابلة للتصور بالصور المختلفة و قد مرّ شرح ذلك فيما مضي في بيان المادة و الصورة فراجع و بالجملة فكل جسم مقيّد بصورة مركّب من جسمية و صورة و هي الحاصلة من الاعراض الخاصة فاذا نظرت اليها و قطعت نظرك عن القيود بالمرّة و عن خصوصيات الاجسام المادية تري جوهرا قابلا للاعراض اي صالحا للظهور بها و له صورة مطلقة هي اطلاق جميع الصور الخاصة و هذا الجوهر هو الجسم المطلق الساري في جميع الاجسام و سيجيء بيانه و بيان ما يتعلق به و هو مركب من جوهرية و صورة و صورته المثال المطلق اذ هو مثال النفس و آيتها في عرصة الجسم و الجوهرية الملحوظة في الصورة تكون مادة مطلقة فانك عرفت مما مضي ان المادة مادة اذا لوحظت في ضمن الصورة و اذا قطعت نظرك عن الصورة و رأيت الجوهر الصرف يكون هو الطبيعة و هي الكثيب الاحمر وراء البحر الذي هو المادة و هي النار المخلوق منها ابليس اللعين و هي علي خلاف كينونة الله و غيبها الفؤاد و هو ايضا جوهر الا انه جوهر احدي المعني لطيف نوري يكون علي صفة الله تعالي فافهم فقد اسقيتك ماءا غدقا و قلّ ما تجد هذا المطلب الشريف في كتاب و لاتسمعه في خطاب و الحمد لله الذي عرّفنا [ص 306] الحق و الصواب في كل باب ، اذا عرفت الحق فاعلم ان الذي دعا القوم الي القول بان الطبيعة هي الصورة النوعية ماعرفوا نوعا انها وجود جوهري و رأوا ان الاعراض غير مستقلة فهي لاتكون صورة ثابتة و الهيولي قوة تحتاج الي صورة و زعموا ان الجنس لا صورة له من نفسه فقالوا ان الطبيعة هي الصور النوعية و لكنك عرفت الحق مما بيّنّاه و اكرّر القول توضيحا ان النوع جوهر بالنسبة الي الاعراض و الافراد و لكنه بالنسبة الي الجنس الاعلي عرض الاتري ان الفرد قد يخرج من تحت النوع كما يخرج من تحت ساير الاعراض فانه كما يصير الطويل قصيرا و الابيض اسود فيخرج من تحت هذا الكمّ الي كمّ آخر و من تحت هذا الكيف الي كيف آخر كذلك قد يخرج الدود من نوعه الي الطائر و النملة قد تصير طائرا و النحاس فضة و الفضة ذهبا و امثال ذلك و لكنها باقية علي الجسمية فالنوع ايضا عرض نعم له تأصّل بالنسبة الي الاعراض السافلة فان كان مرادكم من نوعية الطبع جوهريته فالجنس اولي بذلك و لايجوز ان يقال ان الجنس لا صورة له فانه مصوّر بالجنسية نعم صورتها الامكان و لما كان معني الطبع المزاج او الجبلة و في الاصطلاح الانيّة قلنا انه جهة الوجود الذي هو ذات الشئ من نفسه و في الملك هو الجوهر الظاهر في الجسم و هو انية الفؤاد و هو جوهر عالم الشهادة علي ما عرفت و لا جوهر فوقه في عرصة الشهادة من الخلق كما لا جوهر فوق الفؤاد .

فصل - اعلم ان هذه الطبيعة تنزّل النفس علي ما بينّاه في السلسلة الطولية و ليس المراد من التنزل انها خلت مكانها و هبطت الي الطبيعة بل هي ثابتة في مقامها و الطبيعة في حدّها مخلوقة من فعلها و اشراقها و نسبتهما نسبة الطافي و الراسب و جميع ما للنفس في قوة الطبع و جميع ما للطبع في قوة النفس فكل منهما جامع للقوتين علي ما قال الفلاسفة ماء من طبيعتين و ارض من جسدين و لذلك يتكمل الطبيعة بفعل النفس و يستخرج منها ما فيها من صفة النفس و كذلك [ص 307] جميع آثار الطبيعة مركبة من هذه القوة و الفعلية فيمكن استخراج النفس من جميعها بالتكميل و التكمّل و كل ما كان منها الطف و اعدل و اصفي يكون احكي لصفة النفس و لكن ليس ما ظهر منها حقيقة النفس فانها في عالمها و ما منها في الطبع فعلها و كذلك نفوس آثاره و ما كان منها اغلظ يحكي جهة الطبع فافلاك عالم الاجسام صارت مرايا النفس اي هي في محالّها تحكي فعل النفس و لذا تكون حية مريدة اذ لاتكون حياة و لا قدرة و لا ارادة الا لله تعالي هو الحي لا اله الا هو فالنفس التي هي آيته حية مريدة و العناصر حاكية للطبع و لذلك تكون ميتة يعني حيوتها ضعيفة و جهة الطبع في الافلاك في القوة بالنسبة و جهة النفس في العناصر ضعيفة و كما ان النفس الكلية تحرّك علي الطبيعة و تمدّها بفضل حيوتها و قوتها كذلك نفوس الافلاك تمدّ الطبايع و تقويها و تخرج منها ما من جنسها ثم اعلم ان النفس علي ما عرفت غيب الطبع و هو غليظها و هي لطيفه فلا بدّ بينهما من مناسبة كما بين غيب كل شئ و شهادته قال عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هاهنا ، و اشتهر ان الظاهر عنوان الباطن و مأخذ الجميع قوله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قوله و ما امرنا الا واحدة ، فنفس الجسم المطلق كلي مطلق و نفوس الاجسام الجزئية جزئية و نفوس المواليد الحاصلة بينها علي حسب طبايعها فان الطبيعة الظاهرة شاهد النفس الغايبة البتة فكل فلك يحكي من النفسانية بحسب مزاجه و يكمّل ما دونه بحسب فعليته و ما له من النفس و كذلك تتكمل منها بحسب قابليتها فيحكي كل مولود من النفس بحسبه فيتولد هاهنا نفوس جزئية علي حَسَب الطبايع الجزئية و بالجملة مرادي هنا محض بيان ان النفس اعلي درجة الطبع و غيبه و جرّ بنا الكلام استطرادا .

فصل - ما اسخف رأي من جعل المؤثر في الاشياء الطبيعة و ذلك مبلغهم من العلم و ذلك لانهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون فانهم رأوا طبايع و غفلوا عن غيرها و زعموها مؤثرات و لا علينا ان [ص 308] نفصّل هذه المسألة في المقام بقدر ما يقتضيه الحال قال الآخوند لا ريب في ان المقتضي للآثار المختلفة المختصة كل منها بقسم من اقسام الاجسام لا بدّ و ان يكون امورا مختلفة غير خارجة عن ذاته لانا نعلم ان للاجسام آثارا مختلفة كقبول الانفكاك و الالتيام بسهولة كالماء و الهواء او بعسر كالارض و النار و امتناعهما كالكواكب و السماء و كاختصاص كل قسم من اقسام الفلكيات و العنصريات بما له من الشكل و هكذا يعدّ الآثار الطبيعية الي ان يقول فتلك المبادي لايمكن ان يكون هي الجسمية المتفقة و الا لاتفقت الآثار و لا اليهولي لانها كما علمت قابلة محضة و الكلام في المقتضي و لانها واحدة في العنصريات فيعود مثل المحذور المذكور في مبدئية الجسمية المشتركة و هو اتفاق الآثار في اجسام هذه الدار و لا العقل المفارق لتساوي نسبته الي جميع الاجسام و لايجوز استنادها الي الباري ابتداءا بلا وسط لان نسبة الباري الي الاشياء نسبة واحدة و الاشرف منها مٰهية و انية اقدم منه تعالي صدورا و فيضانا و هذا لاينافي القول بالفاعل المختار ما لم‌يجوز الترجيح بلا مرجح و ما لم‌يبطل اخذ الحكمة و الترتيب فاختصاص بعض الاجسام بصفات و آثار مخصوصة لا بدّ في حصوله من الفاعل الحكيم و الفاطر العليم من مخصص و هو المسمّي بالصورة النوعية و حكي عن بعض الاقدمين ان لكل نوع من الافلاك و الكواكب و بسايط العناصر و مركباتها ربّا في عالم القدس و هو عقل مدبّر لذلك النوع ذو عناية به و هو الغاذي و المنمي و المولد في الاجسام النامية لامتناع صدور هذه الافعال المختلفة في النبات عن قوة بسيطة عديمة الشعور و فينا عن نفوسنا و الا لكان لنا شعور بها و ينسبون جميع انواع الاجسام و هيئاتها الي تلك الارباب و يقولون ان هذه الهيئات العجيبة و النسب المزاجية و غيرها لاشراقات معنوية في تلك الارباب النورية كما ان الهيئة البسيطة لنوع كرايحة المسك مثلا ظل لهيئة نورية في رب طلسم نوعه و بعضهم ادعوا مشاهدة هذه الارباب و قالوا انها غير النفس لان النفس تتألم بتألم ابدانها و صاحب النوع لايتألم بتألم [ص 309] نوعه و للنفس علاقة ببدن واحد و لصاحب النوع عناية بجميع ابدان نوعه ، الي آخر كلامهم و ذهب جماعة من القشريين الي ان الفاعل هو الله تعالي و اقرّوا بذلك اجمالا و ربما يزعم جهّالهم انه يفعل كفعل عباده و لايعرفون غير ذلك و استأنسوا بقولهم و رأيهم حتي انهم يستوحشون من خلافه و هم سالمون بالنسبة الي الاولين و ان لم‌يعرفوا الحقيقة و بعض من صار منهم اعلم و استمع ما ورد من اهل العصمة من وجود ملئكة وسايط بين الله و بين خلقه يحملون الفيوض و الامداد الي الخلق و اقرّوا بذلك و ان لم‌يعرفوا حقيقة الامر و المراد و امرهم الي خير اذ اخذوا قولهم من الانبياء و المرسلين و لم‌يمزجوه بكلمات الفلاسفة و الطبيعيين و حجج الله لم‌يعبّروا الا عن الحق بالحق فمن سلّم لهم سلم عرف المراد او لم‌يعرف و ذلك مثل ما حكموا به في الشرع فان لكل حكم مأخذ حق و لم‌يحكموا الا لحكمة و لكن لايجب علي الامة معرفة الحكم و عليهم التسليم فمن اتّبعهم تعبّدا بمحض هذا الدليل المجمل ان هذا حجة الله و لايقول الا عن الله لكفاه البتة ثمّ ان عرف اسرار الاحكام لكان ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم و كذلك الامر في الحقايق من سمع قولهم ان الله خلق ملئكة خلاقة يدخلون الارحام و يخلقون المواليد علي ما شاء الله و ملئكة رزاقة يسوقون الي كل مخلوق رزقه و اسرافيل نافخ الارواح و عزرائيل قابض الارواح و آمن بذلك و صدّق لنجا و دخل الجنة و لايسأله الله عن غيره علي ما يظهر لنا من الاخبار فكل من اتّبع قول الحجج كفاه البتة و يا ليت اغلب حكماء الشيعة سكتوا عن البيان و لم‌يشيّدوا كلمات حكماء اليونان و اباطيل الاشراقيين و المشّائين اتباع الشيطان و لم‌يفسدوا عليهم دينهم و يا للعجب من اصلهم البالي في تعريف الحكمة انها علم بالحقايق سواءا طابق الشرع ام لم‌يطابق نعوذ بالله الم‌يسمعوا قول الله تعالي ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و قوله و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و قال و ان تنازعتم في [ص 310] شئ فردوه الي الله ، و قال الامام عليه السلام شرّقا او غرّبا لن‌تجدا علما صحيحا الا ما يخرج من هاهنا و اشار بيده الي بيته ، فاين يذهبون و الي مَن يفرون و بالجملة يجب علي المؤمن ان يطيعهم في الاصول و الفروع و الجزئي و الكلي و لايتخلف عنهم و ما وصل الينا عنهم صلوات الله عليهم و ثبت لنا من كتاب الله و ضرورة المسلمين و الادلة العقلية ما سنذكره لك هيٰهنا ان شاء الله و اقول اولا للاولين الذين قالوا ان الطبيعة هي الفاعلة ماذا تريدون من الطبيعة و ما الذي دعاكم الي هذا الرأي الكاسد و القول المتباعد لا شكّ ان مرادهم من الطبيعة الصورة النوعية كما بينّا و دعاهم الي نسبة الافعال اليها ان الله بذاته لايرتبط بالحوادث الكثيرة و المجردات ايضا لاتخصص بالشهاديات و نسبتها الي الجميع بالسواء و كذلك الجسم نسبته الي الكل بالسواء فلا بدّ من مخصص و هو النوعية ، اقول ان مثل ما قلتم في الجنس يجري في النوع نعم الجنس نسبته الي جميع الانواع و الافراد بالسواء و النوع بحسبه نسبته الي الاصناف و الافراد بالسواء و ان قلتم ان الفيض يأتي من النوع بالوحدة و يتخصص في بطون الافراد بها نقول مثل ذلك يجري في الجنس ايضا و ان قلتم ان الجنس مبهم نقول ان النوع ايضا مبهم و بالجملة نسبة الافراد الي النوع كنسبة الانواع الي الجنس و ان قلتم ان النوع مرتبط بالافراد اقول ان ارتباطه ليس بتقطعه و تخصصه فان نوع الناطق لم‌يخصص افراد الانسان و ان كان مخصصا لانواع الحيوان و ان قيل ان تعيّن الافراد بالاعراض و هي طارية لخصوصية داخلة في الجسم و كلامنا فيها لانها مقومة لتلك الاعراض و الآثار مترتبة علي تلك الخصوصية و الاعراض لاتكون منشأها لان الكلام في منشأ عروضها اقول ان كان المراد الجوهرية الواقعية فلاتثبت الا للجنس الاعلي فان جميع ما سواه عرض بالنسبة اليه و اثبتنا ذلك قبل فراجع و ان كان المراد الجوهرية النسبية فلكل فرد جوهر بالنسبة الي حالاته بحكم العقل و النقل و في رجوع حمار عزير و طيور ابرهيم و بقرة [ص 311] بني‌اسرائيل شهادة للمسألة فانه لو كان نفس الاعراض عين وجودها الشخصي و لم‌يكن لها جوهرية ثابتة فوقها لماصدق رجعتها و لو كان الراجع منها الفرد من النوع لكان كل فرد منها رجعتها و ليس الامر كذلك ببداهة العقل السليم و الكتاب و السنّة فلحمار عيسي جوهرية غير عرضه و غير نوع الحمار البتة و كذلك يدل علي ذلك ما ورد من عود الحيوانات للتقاص و ما ورد في عود الامكنة و الازمنة للشهادة و لو لم‌يكن لها جواهر خاص ( خاصة ظ ) لماكان في عودها تحصّل فافهم نعم الافراد بنسبة انواعها اعراض و كذلك حال الانواع بنسبة الجسم فهي اعراض و هو جوهر سارٍ في الكل فكان الاحري ان يقول ان جوهرية كل شئ علة قريبة لوجوده ثمّ انا نقول ان هذا الرأي العليل مخدوش من جهة اخري هي ان تلك الطبيعة بنفسها مخلوقة محتاجة قد اخرجت من العدم فكيف تكون علة موجدة ثمّ نقول انها علة لماذا هل تكون علة للماهية او الهيولي او الجسم اما الجسم فلايكون معلولا اذ هي واردة عليه فوجوده سابق عليها و اما الهيولي فنقول ماذا تريد منها هل تقول انها هيولي الجسم مع اني لااظن ان تقول به او نفس الجسم او اهبية الجسم التي خلقت منها الاجسام و المواليد فان قلت انها خالقة هيولي الجسم اقول انها بحر سايلة يعدم فيها نفس الجسم فضلا من الطبع الذي هو فرده و ان قلت انها فاعلة اهبية الجسم اقول نفس الطبع تتحقق بها فان الصورة تتحقق بالمادة فكيف تفعل فيها مع المادة في الواقع يد الله في خلق الصورة لا العكس و ان قلت انها فاعلة الماهية اي الصورة اقول اما ماهية الجسم فسابقة علي الطبيعة و اما ماهية الاجسام الجزئية فنفس الطبيعة فكيف تكون خالقة نفسها و بالجملة هذا رأي سخيف لايعتني به و يكفي في بطلانه ان الآخوند (ره) الذي شيّد هذا المذهب و احيي ما اماته الائمة صلوات الله عليهم بمحنة و تعب رجع من كلامه بعد قليل و قال ان الطبيعة فاعلة الحركات و الآثار الطبيعية لا جميع الامور اقول ما معني ذلك ان قلت انها يد الله فيها فما منعك ان تقول [ص 312] انها يد الله في غيرها و ان قلت انها فاعلة مستقلة فيها و لساير الامور فواعل فذلك شرك بالله و كلامنا ذلك محض المدارات و الا فاصل هذا الرأي عندنا باطل سخيف و الطبع لايكون مصدر فعل مطلقا و كونها مصدر الحركة ايضا مرّ بطلانه سابقا في بيان العلل فراجع و انا اقيم لك برهانا كليا تستغني به عن كل برهان فاقول ان المعطي لا بدّ و ان يكون واجدا فان من يكون فاقدا لايكاد يعطي ما يفقده و الطبيعة هي الصورة الا انهم اصطلحوها للنوعية و نحن نقول انها الجنس و يجري اسمها بالعرض في كل صورة و علي ايّ حال هي محدودة بحدّها و جميع ما هو خارج من فعليتها في قوتها فلاتجد من الكمال الا ما يملكها بالفعل و لايترتب الاثر الا علي تلك الفعلية فلايصدر منها الا ما يناسبها فاذا كانت الطبيعة حارة لاتصدر منها الا الحرارة او ما يلزمها من الاحراق و التكليس و التفتيت و التصعيد و غيرها و محال ان يصدر منها البرد و ما يلزمه و ذلك امر مشهود فكيف يمكن ان يصدر من طبيعة نوعية افعال مختلفة مع ان فعليتها الكلية هذا و قد اثبتنا في ما مضي ان النوع في نفسه قوة و القوة لاتعطي الفعل فافهم و ان قال قايل انها علة معدّة اقول ليس ذلك ببعيد و لكن لا بنوعيتها فقط بل الطبيعة الكلية معدّة للكلية و الجزئية للجزئية و اريد ان اتبرّك في المقام بذكر حديث شريف قال مولانا الصادق عليه السلام لمفضل بن عمر عليه الرحمة فاما اصحاب الطبايع فقالوا ان الطبيعة لاتفعل شيئا لغير معني و لاتتجاوز فيه تمام الشئ في طبيعته و زعموا ان المحنة تشهد بذلك فقيل لهم فمن اعطي الطبيعة هذه الحكمة و الوقوف علي حدود الاشياء بلا مجاوزة لها و هذا قد تعجز عنه العقول بعد طول التجارب فان اوجبوا للطبيعة الحكمة و القدرة علي مثل هذه الافعال فقد اقرّوا بما انكروا لان هذه هي صفات الخالق و ان انكروا ان يكون هذا للطبيعة فهذا وجه الخلق يهتف بان الفعل للخالق الحكيم و قد كان من القدماء طائفة انكروا العمد و التدبير في الاشياء و زعموا ان كونها بالعرض و الاتفاق [ص 313] و كان مما احتجوا به هذه الاناث التي تلد غير مجري العرف و العادة كالانسان يولد ناقصا او زايدا اصبعا او يكون المولود مشوّها مبدّل الخلق فجعلوا هذا دليلا علي ان كون الاشياء ليس بعمد و تقدير بل بالعرض كيف ما اتفق ان يكون و قد كان ارسطاطاليس ردّ عليهم فقال ان الذي يكون بالعرض و الاتفاق انما هو شئ يأتي في الفرط مرّة لاعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها و ليس بمنزلة الامور الطبيعية الجارية علي شكل واحد جريا دايما متتابعا الي ان قال عليه السلام بعد كلام في ضرب الامثال الي ان قال : فان قالوا و لمَ صار مثل هذا يحدث في الاشياء قيل لهم ليعلم انه ليس كون الاشياء باضطرار من الطبيعة و لايمكن ان يكون سواه كما قال قايلون بل هو تقدير و عمد من خالق حكيم اذ جعل الطبيعة تجري اكثر ذلك علي مجري و منهاج معروف و يزول احيانا من ذلك لاعراض تعرض لها فيستدل بذلك علي انها مصرفة مدبرة فقيرة الي ابداء الخالق و قدرته في بلوغ غايتها و اتمام عملها تبارك الله احسن الخالقين ، انتهي محل الحاجة من الخبر فظهر منه ان الفاعل هو الله العليم الحكيم لا الطبع و ان قال قايل ان الفاعل هو الله و الطبيعة واسطة اقول اولا بينها و بين المشية وسايط كثيرة و هي لاتتلقي الفيض من المشية بغير واسطة لعدم المناسبة و منافاتها مع المشية في الصفة فلمَ اخترتم ذكرها دون ما فوقها و ان قلت انا اردنا ذكر السبب القريب اقول الحق ان دون الطبيعة ايضا وسايط فانه لا شكّ ان الانواع لاتحصر و هي مترتبة بعضها علي بعض الي ان ينتهي الي الشخص و قد عرفت ان للشخص ايضا نوعية بالنسبة الي اعراضه نوعية و كلها وسايط فانه لا شكّ ان مثقالا من الدارصيني يؤثر في اخلاط بدن الانسان و الاثر مترتب علي مزاجه و هو طبعه الخاص به لا نوع الدارصيني و ان كان الاثر نازلا اليه من النوع فالسبب القريب مزاج الشخص لا النوع و ثانيا نقول ان الطبيعة ان كانت هي الفاعلة فمن المفعولة و ليس ثمّ الا نفس و طبع و ان قلت ان المفعول هو الاعراض خاصة اقول لها ايضا طبايع [ص 314] اذ هي اعراض لغيرها لا لنفسها بالعقل و النقل و بالجملة وجوه الادلة في سخافة هذا الرأي كثيرة و مرادنا الاختصار و اما من قال بالارباب اقول ليس عين كتابهم و قولهم موجودا عندي و يحتمل انهم ارادوا مطلبا حقا و الراوون اخطأوا في الرواية او ارادوا باطلا و الناقلون غيّروا العبارة و بالجملة ما رويناه من قولهم محتمل للحق و الباطل و الحق اولي بالاتباع و هو ان الله سبحانه هو الفاعل المطلق و لا فاعل سواه و خلق اول ما خلق مشيته بنفسها علي ما مرّ فجعل نفسها التي هي وجودها علة خلقها و انيتها مخلوقة بها فهي قائمة بنفسها لربها ثمّ خلق بها حقيقة الحقايق و منشأ الخلايق و هي الفؤاد و هي اثر المشية و شعاعها الذي انفصل منها كما يفصل نور الشمس من الشمس فلها حيثان حيث نورانية هي حيث صدورها من المشية و حيث الي نفسها و الحيث الاول علي صفة مشية الله في كل شئ و الحيث الثاني يخالفها و مثال ذلك العكس الظاهر من وجهك في المرآة فانه مركب من حيثين حيث الي الشاخص و هو حيث صدوره و حيث الي المرآة و هو حيث ظهوره و انيته و حيث صدوره مثل الشاخص لا فرق بينه و بينه الا انه اصل و هو فرع و حيث ظهوره متغير بتغير المرآت مخالف مع حيثه الاول البتة و يعبّر عن حيث الصدور بالفؤاد و عن حيث الظهور بالطبيعة و الانية و قد يقال ان الفؤاد هو الروح و ذلك قوله تعالي روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، و النفس واسطة بين الطبع و المشية فان فيضها نورها الساطع و ضياؤها اللامع و هو روحها لا غير فافهم و اغتنم ثمّ ان الله تعالي خلق ما خلق من هذه الطينة علي ما مرّ و سيأتي فكل شئ مركب من روح و طبع اذ كل شئ مخلوق بالمشية من هذه الحقيقة ففعلها مركب من هذين الحيثين و مادتها ايضا مخلوقة من هذين الحيثين فالمواليد جميعها مركبة من نفس و طبع علي حسبها و في كل شئ نفسه آية الله فيه و هي يده في صنعه قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ، و قال (ص) [ص 315] من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و معني الرب هو المربي و يد الله في الصنع و لذلك نقول ان كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه فيد الله في ايجاد الاشياء نفوسها التي هي اوامره و هي مترتبة بعضها علي بعض فكل عالٍ مؤثر في ما دونه بواسطته الي ان ينتهي الي الامر الاول فكل شئ راجع الي امره تعالي و هي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و الطبايع في كل مقام انيات للاوامر و هي الانفعالات و لذلك نقول ان كل شئ مركب من فعل و انفعال ، هذا ما يظهر لنا من الاخبار و يشهد به الاعتبار و لايرد عليه ايراد و الفاعل في الكل هو الله تعالي و الوسايط هي النفوس تأخذ عنه بوسايط علي حسبها حتي ينتهي الي النفس الكلية التي هي اصل كل خير و اما الملئكة فهم روابط بين الاعالي و الاسافل و سيجيء بعد صفتهم ان شاء الله و ليس هنا محل ذكرها .

فصل - اعلم ان بعض الحكماء اقاموا براهين لاثبات الطبايع الخاصة للاجسام و جوهرية صورها المنوّعة منها من جهة مبدئيتها للحركات و الآثار و مرّ الاشارة اليها و منها كونها مقومة للمادة و بيانه انّا نعلم بالضرورة ان في كل نوع من الاجسام امرا غير الهيولي و الجسمية مختصا بذلك النوع مستحيل الانفكاك عنه فهو اما ان يكون عرضا او جوهرا و الاول بط لكونه مقوما لما لايمكن قوامه بنفسه و مثل هذا المقوم يكون صورة اذ كما لايتصور وجود المادة معرّي عن الجسمية كذلك لايتصور وجودها بدون ان يتخصص نوعا من انواع الجسم فانا لانقدر ان نتصور جسما لايكون فلكا و لا عنصرا و لا شجرا فلايؤخذ الجسم المطلق الا بالمخصص و المقوّم للجوهر جوهر لانه سبب وجوده الخاص و السبب اولي بالجوهرية من المسبب لان الوجود يتعدّي من الاول الي الثاني فيكون المخصص للجسم المطلق نوعا جوهرا قطعا فهو اما حالّ في المادة او محل و الثاني باطل بالوجدان و لانقلابه الي غيره كما في العناصر مع بقاء المادة في الحالين علي ضرب من البقاء فيكون حالّا و الجوهر الحالّ او محل [ص 316] و هو المط و اعترض علي هذا الرواقيون من وجوه لا حاجة الي نقلها و منها ان الصور اذا تبدلت في الاجسام يتغير بتغيرها جواب ما هو فليست الصور اعراضا اذ الاعراض اذا تبدلت لم‌يتبدل بتبدلها مٰهية الشئ فما يتبدل بتبدله جواب السؤال عن الشئ الجوهري بما هو يكون جوهرا لا عرضا و الا لكان الجوهر متحصل الحقيقة من عرض و منها ان هذه الامور اجزاء الجوهر النوعية و جزء الجوهر جوهر مثلا مهية النار ليست مجرد الجسمية بل مٰهيتها مركبة من جسم و امر آخر يحصل من مجموعهما حقيقة النار و هكذا الماء و الهواء و الحجر و الشجر و الدوابّ و غيرها .

اقول هذا غاية حظّهم من البرهان و جميعها مخدوش فاسد من جهة او جهات : اما المنهج الاول ففساده ظاهر مما مرّ فان الطبيعة لاتكون منشأ الآثار بل المؤثر هو الله تعالي و يده في صنعه المشية و محل المشية النفس في كل شئ فالنفس هي يد المؤثر و الطبيعة ظاهر النفس و هي لها كاليد للكاتب و لايقال ان اليد كاتبة بل يقال ان الكاتب هو النفس و اليد لها آلة كالقلم و كذلك الطبع للنفس هذا و علي فرض تسليم ذلك و تجويزه بنحو من المجاز نقول ان مؤثرية الطبع لاتدلّ علي جوهريته اذ جميع الاعراض مؤثرة و يشهد بذلك الشرايع فان اغلبها في الامور العرضية و الاعمال الجزئية و كذلك الاعمال المعروفة في السيميا و الريميا و الهيميا فان اغلبها مترتبة علي الاعراض نعم العرض لايؤثر بالاستقلال في جوهره فافهم و في المنهج الثاني نقول ان المادة لاتقوم بالصورة الا في الظهور و التعين و لكنها قايمة بمؤثرها و الصورة قايمة بالمادة قيام التحقق و لا مانع من ظهور المادة في العرض في الدنيا نعم المادة الذاتية لا بدّ لها من صورة ذاتية كلية كانت او جزئية ثمّ ان قولهم باستحالة انفكاك الجسم عن النوعية يكون دليلا لجوهرية الصورة اذا كانت تلك الصورة بعينها لازمة الجسم و الامر بخلاف ذلك فانّا نري [ص 317] علانية تقلبه من نوع الي نوع فان الجسم الواحد يكون عنبا ثمّ ينقلب خمرا ثمّ خلّا و كل منها نوع فلو كان نوع العنب جوهريا للجسم لازما له لماانقلب الي غيره و نري الانواع متغيرة و الاستحالات في جميع الملك ظاهرة و ليس نسبة النوع الي الجسم الا كنسبة الفرد و ليس نسبة المقومات اليه الا كالمتممات فتدبر و احسن الجواب ان كنت مجيبا و ان قلت ان حقيقته لاتتغير و المتغير هو العناصر و هي بمنزلة المرايا اقول فالاعراض ايضا جوهرية لان نفس الطول لايصير عرضا و لكن الطويل يصير عريضا و البياض لايصير سوادا و لكن الابيض يصير اسود و كذلك ما قال من البرهان علي لزوم وجود الجسم في الانواع انّا لانتصور جسما بغير صورة نوعية ، اقول انه ناقص اذ لانتصور ايضا جسما بلا عرض و قال الامام عليه السلام كل ما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، و قوله لانه علة وجوده الخاص الخ ، كلام عجيب و اقول فيه ماذا تريد من العلة ان كان مرادك المؤثر فكيف يتصور عليّة الفرع للاصل فان العلة هي الشئ الذي يحصل من وجوده وجود شئ آخر و من عدمه عدمه و لازمة ذلك ان يكون نوع السماء مثلا ثابتا قبل وجود الجسم و هذا خطاء بيّن و ان كان المراد منها ما يتوقف عليه الشئ فيمتنع بعدمه و لايجب بوجوده ، اقول ذلك ايضا لايجري في المقام فان الجسم لايمتنع بعدم النوع و لايفرض وجود النوع بلا جسم حتي نقول لايجب بوجوده ، خلاصة الكلام انهم اخطأوا في برهانهم و ما يظهر من امثلتهم و كلماتهم انهم رأوا ان الصورة النوعية علة للنوع الخاص فزعموا انه علة للجسم او للمادة و حاشا ان يكون الامر هكذا فان صورة التثليث علة لوجود المثلث و هو الشمعة المثلثة لا للشمعة فانك تري شمعات غير مثلثة نعم في عرصة الظهور لا بدّ و ان يكون للشمعة صورة مّا ايّا كان و هي تخصصها في عرصة الظهور و كذلك الامر في الجسم المطلق فانه يظهر في الانواع و يتخصص فيها كما يتخصص شعاع الشمس في المرايا و لايتخصص نفس الجسم بذاته و لاجل ذلك اذا نظرت الي الانواع [ص 318] و الافراد قاطعا نظرك عنها تري الجسم باطلاقه و لو كان نفسه متقطعة متخصصة لماشوهد باطلاقه ثمّ لنا اعتراضات علي قولهم في الحالية و المحلية و ليس هنا محل ذكرها و في المنهج الثالث نقول ان هذا القول يجري في كل جوهر و عرض بحسب شأنه فان البياض بياض بمادته و صورته و بتغيرهما يتغير مٰهيته و هو عرض للجسم و كذلك حال النوع بنسبة الجسم و ان قلت ان الفرق بينهما ان البياض لايقوم بنفسه و النوعية قائمة بنفسها اقول ان الصورة قائمة بالمادة ايضا و لاتقوم بنفسها و كلتاهما قايمتان بالجسم فلا فرق بينها في ذلك ايضا و في مقام بيان حق المسألة قال الآخوند (ره) ان لكل شئ صورة بها تقوم مٰهيته و صورة عرضية تتقلب فيها و فصّلها باصطلاحاته ، اقول فهذا الكلام في كل شئ جارٍ حتي الافراد الشخصية و في المنهج الرابع ايضا نقول مثل ذلك فان كل شئ جوهرا كان او عرضا مركب من مادة و صورة و ذلك ايضا لايكون دليل الجوهرية و الحق الحقيق بالتحقيق ان الشئ ان كان جوهرا خالصا فهو مركب من مادة و صورة ذاتيتين و هما ركنا وجود الشئ بمعني ان كل واحدة منهما بانفرادها لاتكون شيئا تامّا بل هي بعض الشئ و هما معا شئ واحد و هو جوهر بتركيبه و اجزاؤه ابعاض الجوهر و قوله ان بعض الجوهر جوهر خطاء محض فان بعض الجوهر بعضه و لو كان جوهرا خاصا لكان الشئ مركبا من جواهر و الحاصل من جواهر لايكون شيئا واحدا حقيقيا البتة افهم ذلك مثال ان الكاس مثلا مركب من اجزاء و كل جزء بعض الكاس و لايكون كاسا و كذلك الامر في كل ذاتي فان الجسم مركب من مادة و صورة مادته الجوهر و صورته القابلية و كل واحد منهما بانفراده لايكون جسما و لكنه بعض الجسم و كذلك الامر في كل ذات و لذلك نقول ان اجزاء الذوات لاتسبقها بل هي معها فلا معني لجوهرية [ص 319] المادة و الصورة نعم في عرصة الظهور في الاعراض تظهر الذاتيات في المحالّ العرضية و تكون صورة لها و هي جوهرية و المحالّ العرضية تكون مادة و هي قائمة بنفسها و جواهر لانفسها و حكم العرض زايل لايدوم و مرّ سابقا حكم المادة و الصورة فراجع و لانعيد .

فصل - حري لنا ان نتكلم في المزاج فانه ليس لبيانه محل انسب من هذا المقام و اشرف الكلام في تعريفه ما قاله ابي العلامة اعلي الله مقامه و انت ان عرفت الحقيقة تعرف ان قوله فوق قول جميع الحكماء قال اعلي الله مقامه : اعلم ان ظاهر المزاج هو الكيفية الوحدانية الحاصلة ظاهرا من امتزاج كيفيات مختلفة علي نسبة معلومة و في الحقيقة المزاج نور يصدر من تحت حجاب الواحدية و يظهر في مرآت تلك الكيفية الوحدانية لما صارت قابلة لتجليه و هو المشار اليه بقوله عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و ما لم‌يتعلق به ذلك النور لم‌يصدر منه الافعال الخاصة به فان الفعل من الفاعل و الفاعل هو الله سبحانه و يظهر فعله علي يد امثلته و اسمائه و صفاته ، الي آخر كلامه و يبين فيه ان الفاعل هو الله و يده في الفعل المزاج و هو مركب من نورانية و نفسانية و قال ابوعلي بن سينا في قانونه المزاج كيفية تحدث من تفاعل كيفيات متضادة موجودة في عناصر متصاغرة الاجزاء التماس اكثر كل واحد منها اكثر الآخر اذا تفاعلت بقواها بعضها في بعض حدث عن جملتها كيفية متشابهة في جميعها و هي المزاج انتهي ، و انت تري نقص تعريفه من جهات ابيّنها مجملا فقوله متضادة ، يشعر بان شرط حصول المزاج تضادّ العناصر كأن يكون واحد حارا و الآخر باردا مع انه قد يحصل من امتزاج متخالفين كباردين في درجتين فانك اذا عجنت زهر الخطمي مع اصله يحصل منهما معجون له مزاج و هما لايكون متضادين نعم يجوز ان يقال انه من باب المسامحة لظهور المسألة او لان اختلاف البرد ايضا للامتزاج مع الحرّ ، قوله موجودة في عناصر متصاغرة الاجزاء ، كلام زايد [ص 320] و الحكيم الفصيح لايتكلم بما لا حاجة فيه فانه لا شك ان الكيفيات المعدومة لاتؤثر و ان العناصر غير المحلولة او المسحوقة مجمل القول كبيرة الاجزاء لاتمتزج فلم‌يكن حاجة في بيان ذلك ، و قوله التماس اكثر الي آخر ، ذلك لايكون جامعا فان اجزاء الاكسير جميعها فاعلة متفاعلة بحيث يصير كلها شيئا واحدا و كذلك في المحلولات قد يحصل الامتزاج بحيث يلتمس كل ذرّة من كل جزء الجزء الآخر و لكل منها مزاج البتة و كذلك قوله اذا تفاعلت لم‌يكن حاجة اليه مع قوله تحدث من تفاعل كيفيات الخ ، ثم انك تري انه زعم ان المزاج نفس تلك الكيفية و ذلك لقصور نظره فانه لا شكّ ان المزاج فيض من الله و نور من نوره فمبدؤه من الرب و لذلك يكون مؤثرا في المركب و في غيره و تلك الكيفية تتولد من الاخلاط و لم‌تكن ثمّ كانت بسبب اجتماعها فكيف تكون مسلطة عليها فاعلة فيها و لكنهم لقصر انظارهم يرون الظاهر و يشاهدون اثرا فيزعمون ان الاثر مترتب عليه مثلا يرون نارا و احتراقا فيزعمون ان النار محرقة من نفسها غفلة عن حقيقة الحال و لكن الحكيم العارف يري علانية ان المحرق هو الله فاذا شاء يظهر فعله من النار و اذا شاء يظهره من غيرها ، افرأيتم ما تحرثون أانتم تزرعونه ام نحن الزارعون افرأيتم النار التي تورون أانتم انشأتم شجرتها ام نحن المنشئون ، بل هو المنشئ و الزارع لا غير الاتري ان النار قد تحرق و قد لاتحرق كما كان لابرهيم الخليل و لغيره ممن سبق له من الله العناية كما كان لواحد من الشيعة اذ دخل التنور بناره و لم‌يحترق و كذلك كثيرا ما يتفق انه يشعل النار في اشياء و لاتحترق و كذلك الماء قد لايغرق و لو كان نفس الكيفيات مؤثرة لكانت معها فلمَ لاتؤثر احيانا فظهر من ذلك ان المزاج الذي يكون مؤثرا غير تلك الطبيعة و لكنه متعلق بها فانها لها بمنزلة الدخان للنار الغيبية فان نفس النار ليست حاصلة من الدهن و لكن الدهن مادة للدخان و النار تتعلق بعد استعداده و كذلك الامر هنا يحصل من امتزاج الكيفيات كيفية تتعلق بها نور من الله تعالي و يؤثر في غيرها منها فتدبر ، [ص 321] و قال الانطاكي المزاج و هي كيفية متشابهة الاجزاء حصلت من تفاعل الاربعة بحيث كسر كل سورة الآخر بلا غلبة و الا كان المكسور كاسرا و الثاني باطل و هو التفاعل بالمواد و الكيفيات دون الصور و الا لزالت عند التغير فلم‌يبق الماء ماء حال الحرارة او غلبت المادة عن صورة و الكل باطل لايقال الرطوبة الباقية عند حدّ صورة لانه لايوجب صورتين في مادة و قد احالته الفلسفة و ذلك ايضا قول ضعيف سخيف و قال الآخوند ان المزاج كيفية بسيطة ملموسة من جنس اوائل الملموسات متوسطة بين العلل الاربع الاول توسطا ما متشابهة الاجزاء حتي انها تكون بالقياس الي الحرارة الشديدة برودة الي قوله و انها في الجسم ذي المزاج بحيث يكون ما وجد منها في كل جزء من اجزائه مثل ما وجد منها في جزئه الآخر لا تفاوت بينها الا في الموضوع ذاتا و وصفا كما هو عند الجمهور او وصفا فقط كما هو عندنا و اما سبب انيتها فاعلا و قابلا فالمشهود ان العناصر اذا تصغرت و امتزجت و تماست و فعل كل منها في الآخر انكسرت سورة كيفياتها فحصلت للجميع كيفية متوسطة متشابهة هي المزاج مع انحفاظ صور العناصر المختلفة بحالها بالجملة لهم تحقيقات بعضها يقرب من بعض و مراد الآخوند (ره) من قوله انه من جنس اوايل الملموسات انه كيفية فوق كيفيات الاسطقسات فلاتكون حرارة صرفة او برودة صرفة او رطوبة صرفة او يبوسة صرفة بل تكون فوقها كالميل و الحركة للنفس مثلا فانهما من حيث نفسهما لايخصّان جهة دون جهة و وضعا دون وضع و انا لست في المقام في صدد النقض و الابرام الا اني لما ذكرت حدّه علي الحق من قول ابي (اع) لا بدّ لي من بيان كيفية تولده من الاسطقسات علي الحق و للناس فيها مذاهب و قد اختلفوا و لست بصدد نقل اقوالهم لعدم طايل فيها و لكن من نظر في كلامي مع الاطلاع علي اقوالهم يعرف بطلان قولهم و ضعف حججهم و من ارادها فليطلبها من الاسفار و كتاب السقم المسمّي بالشفا فانهما مجمع اقوال [ص 322] الحكماء بما لا مزيد عليه ،