الرابع - قال الآخوند رحمه الله في جواباته عن دليل ابن‌سينا علي امتناع اتحاد المعقول بالعقل و العاقل قلنا ذلك الغير ليست غيرية بانه بالفعل صورة موجودة بل هو معني متحد مع هذه الصورة النفسانية اتحادا في الوجود لان المراد من صورة الشئ عندنا هو وجود ذلك لا المفهوم الكلي منه فالصورة لكل شئ لاتكون الا واحدة بسيطة لكن قد تكون مصداقا لمعاني كثيرة كمالية و قد لاتكون كذلك كما انه قد يكون وجودا قويا شديدا و قد يكون وجودا ضعيفا ناقصا فالنفس اذا قويت تصير مصداقا لمعاني كثيرة كل منها اذا وجدت علي حدة فربما كانت صورة لنوع ناقص جسماني كالفرس المعقول و الشجر المعقول و الارض المعقولة فلكل منها صورة جسمانية اذا وجدت في الخارج اعني في المواد الجسمانية كانت صورة نوع مادي و اذا وجد المعقول منها في عالم العقل كان متحدا بجوهر عقلي لايلزم ان يكون صورة ذاته او نحو وجوده العقلي بل معني من المعاني المتحدة به علي وجه اعلي و اشرف من اتحاده بالصورة الجسمانية الدنية لان الوجود العقلي وجود عالٍ شريف قد يوجد فيه جميع المعقولات بوجود واحد لا كوحدة الاجسام و ما فيها و قال في مقام آخر في جواب المتقدمين و تأويل قولهم برأيه ما مختصر كلامه الذي يليق ان يذكر في المقام امور ثلثة احدها ان النفس اذا عقلت شيئا صارت عين صورته [ص 251] العقلية و ثانيها ان العقل كل الاشياء المعقولة و البرهان عليه كما قد اقمناه في موضع آخر و معني كونه كل الاشياء المعقولة ليس ان تلك الاشياء بحسب انحاء وجوداتها الخارجية الخاصة بواحد واحد صارت مجتمعة واحدة فان ذلك ممتنع فان المٰهية الفرسية لها وجود في الخارج مع مقدار و وضع و لون و مادة و لها ايضا وجود عقلي خاص مع لوازم و صفات عقلية يتحد معه في ذلك الوجود الخاص كاتحاد الماهية و اجزائها بالوجود الخاص اما خارجا او عقلا فكما ان لكل من النوعيات وجودا حسيّا يتمايز به اشخاصها و يتزاحم تزاحما مكانيا كذلك لكل منها وجودا عقليا مخصوصا يتباين بحسبه انواعها و تتزاحم في ذلك الوجود فيكون المعقول من الفرس شيئا و من النبات شيئا آخر جعلا و وجودا بل المراد انه يمكن ان يكون جميع المٰهيات الموجودة في الخارج بوجودات متعددة متكثرة كثرة عددية و في العقل بوجودات متكثرة كثرة عقلية موجودا بوجود واحد عقلي هو بعينه جامع جميع المعاني مع بساطته و وحدته ثمّ بيّن بعد ذلك ان وحدة العقول ليست عددية كوحدة الجسم بل قال انا اذا فرضنا وجود الف عقل مثل هذا العقل لكان حال الواحد في وحدته كحال ذلك الالف في كثرته مثال ذلك معني الانسان بما هو انسان فانك اذا اضفت الي هذا المعني معني هو مثله في الحقيقة مع قطع النظر عن العوارض اللاحقة من الوضع و المقدار و الاين و غيرها فلم‌تجده في ثانويته و لا المجموع في اثنينيته الا كما تجد الاول في وحدته و قال صاحب التلويحات صرف الوجود الذي لا اتم منه كلما فرضته ثانيا فاذا نظرت اليه فاذن هو هو اذ لا ميز في صرف الشئ اقول ما يظهر من كلماته ان العقل حقيقة واحدة قد ظهرت في الخلق فما يستنبطه العاقل من الاشياء بعقله هو عين العقل الا انه قد فرّق كلامه و زيّن رأيه في انواع البيانات و لذلك قال ان العقل كل الاشياء و كان الاحسن له ان يقول انه كل العقول او كل المجردات اذ يصرّح في كلامه ان الماديات لاتكون عقلا و قوله ذلك ينافي قوله ببساطة العقل اذ [ص 252] يلزم من ذلك تحديده بالماديات و كل محدود مركب فالعقل و كذلك سائر بياناته ايضا ينافي قوله ذلك فانه لو كان بسيطا لكان محيطا بكل شئ و اولي بكل شئ من نفسه فما معني احتجابه بغشاوة الماهيات و الاعراض ثمّ انّا نقول لو كان نفس العقل الاول متعلقة بكل شئ للزم من ذلك كون النبي متحدا مع الامة في مقام غاية الامر ان الامة عقله اضعف و النبي عقله اقوي فعلي ذلك الاختلاف في الاشتداد و الضعف و ذلك خطاء محض بل كفر صراح و لكنهم بعد ما قالوا بوحدة وجود الخالق و الخلق لايكادون يبالون بمثل ذلك و كذلك يلزم من ذلك ان يكون ما يعقل من الفرس عين ما يعقل من الانسان فلم‌يفرق بين الفرس العقلي و الانسان العقلي كما قال و كذلك نقول له ان العقل الذي يتحد بكل معقول هو العقل الاول او عقول جميع الناس فان قلت بالاول اقول فعقول الناس لاتتحد مع المعقول اذ لايملك احد العقل الاول الا الخاتم و الائمة عليهم السلام فلمَ تقول باتحاد العقل و المعقول في كل احد و ان قلت ان عقل كل احد كل المعقولات فيلزم ان يكون عقل كل احد كليا ثمّ انه اذا كان العقل متحدا يلزم من ذلك عدم تفاوت عقل زيد بادراك المعقولات و عدمه و زيادتها و نقصانها مع ان تفاوت العقول و زيادتها و نقصانها بالادراكات امر بديهي لا شك فيه و قد اجاب عن ذلك في مقام ان بالادراكات يشتد العقل و يبعد عنه النقايص و زعم ان هذا جواب لايقدر احد علي الجواب عنه و اقول ان النقايص هل عرضته ام لا ان قلت بالاول اقول فبحسبها يتفاوت العقول فلمَ تقول انها واحدة الا ان تقول ان العقول في انفسها متفاوتة و لكن فوقها عقل كلي مطلق يعمّ جميعها ، اقول هذا حق و لا مرية فيه و لكن المعقولات لاتعرض مطلقها كما تري في عالم الاجسام ان بعروض بعضها لبعض لايعرض الجسم الكلي شئ فافهم فانه دقيق و ان قلت بالثاني اقول يلزمك الاقرار بعدم التفاوت مطلقا و ذلك باطل و كذلك نقول ان الاشتداد و الضعف الذي يقول انهما سبب التشخص في العقول و وجودات الاشياء موجودان البتة [ص 253] و هما صفتان ثابتتان و اختلاف الاشياء بهما عنده و بهما يحصل الفرق بين الاشياء فلتكونا ماهيتين فان الماهية ليست الا صفة الوجود هذا و نقول انهما لايحصلان من نفس الوجود بل يحصلان من امر آخر و هو من الامكان البتة اذ لايحصل اختلاف الدرجات الا فيه و لايحصل الضعف الا من القوة و لايحصل الاشتداد الا من الفعلية و ظني ان هذا المطلب من اوضح المسائل و لاادري لمَ لم‌يلتفت اليها مع فطانته و كياسته و بالجملة لا معني لاتحاد المعقول مع العقل بهذا الوجه ايضا و لكن لنا كلام شريف في المقام قد اشرنا اليه سابقا و نذكره هنا ايضا بقدر ما يقتضيه المقام و هو ان المعاني المتنوعة المختلفة تظهر في العاقلة و هي من سنخها فتتهيأ بهيأتها و تدركها العقل منها و هي تتصور بصورتها المعنوية و معني اتحادها بها ذلك و لذلك تجد معاني مختلفة من الاشياء و لو كان اتحادها بها بانقلابها اليها للزم عدم ادراكك لمعاني متعددة متواردة فان العاقلة اذا صارت معني زيد مثلا لاتصير معني غيره لان زيدا لايصير غيره كما مرّ سابقا و لكن العاقلة مادة مبهمة كالعين ترد ( يرد ظ ) عليها المعني فتتصف بصفته فاذا وردت ( ورد ظ ) عليها معني آخر تتصف بصفته و هكذا و اما العقل الظاهر عليها فهو جوهر كلي فوقها و فوق ما يحصل لها من المعاني كما ان النفس مطلق العلوم الصورية الحاصلة للعالمة فكل من كان ادراكاته اكثر يكون عقله و نفسه اوسع و ابسط و لايلزم من ذلك محذور و لا اتحاد المتعددات و لا ورود المختلفات بعضها علي بعض و اعلم ان اختلاف المعنويات قليلة جدّا فان الاختلاف في الصور و لذلك تجد احكام العقلاء متفقة غالبا اذا لم‌يعرضهم عارض من الطبايع و كذلك في الآخرة ايضا اختلافهم في غاية القلة بل اهل الرضوان يتعانقون بحيث لايبقي بينهم اختلاف لاتحاد العرصة و بالجملة فلنقبض العنان فان للحيطان آذانا و ان دققت النظر تعرف الفرق بين كلامي مع ما ذكره الآخوند (ره) و لاتعرف حقه الا ان تشرب من كاس شربناه و تفهم ما فهمناه و لا حول و لا قوة الا بالله .

[ص 254] المطلب الثاني

في صفة الروح الملكوتي و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الروح هو البرزخ بين العقل و النفس و يقال انه مثاله فيها و نسبته منها كنسبة عالم البرزخ بالجسم فلذلك يكون اعلاه مشابها للعقل في الوحدة و البساطة و اسفله مشابها للنفس في الكثرة و التركيب و لذا شبّه بورقة الآس هكذا و ذلك لان مقام العقل في الحروف هو مقام الالف فانه اول الحروف و ابسطها و اوحدها و فيه خمس علامات من صفات الله تعالي كما في الخبر الوحدة و المبدئية و الاستقامة و انه مع كل حرف و لايكون حرف معه و العقل ايضا له هذه الصفات و العلامات و هو اول مخلوق من النقطة الاولية التي هي الفؤاد و لذلك كله يكون بصورة الالف و النفس هي مبدأ التفصيل و اول الكثرة و هي في صفتها علي خلاف العقل في الجملة لانها من جهة الانية فصارت منبسطة بخلاف الالف اذ كان مستقيما و خرج من بطونه النقطة الي الظهور و قامت منفصلة متعينة بخلاف الالف اذ كانت في بطنه ثمّ لا شك ان مبدأ التفصيل اثنان فصارت النفس بصورة الباء و صار الروح برزخا بين العقل و النفس فصار اعلاه دقيقا كهيئة الالف و كل ما نزل مال الي التفصيل شيئا فشيئا الي ان اتصل الي الباء فصار كهيئة القلب اللحم الصنوبري و الشكل المخروط علي ما شاهدت و قد يقال انه بصورة اللام هكذا فانه صورة مركبة من الف و باء اعلاه صورة الالف و اسفله صورة الباء و الشكلان كلاهما هيئة البرزخ يدلّان عليه و لكل منهما حِكم كثيرة لست بصدد ذكرها في المقام و الحاصل ان الروح هو مقام فعل العقل في النفس و تأييده و تسديده له و لذا يسمّي روحا اذ به حيوة جميع النفوس بل حيوة كل الملك و قد وصف بالملكوتي لتمييزه عن الروح الحيواني اذ هو ملكي و الملكوت هو عرصة الدهر كما ان الجبروت ايضا عرصة الدهر و هو اعلاه مقام العقل و قد يلحق العقل بالسرمد و يقال ان الروح اول الدهر و اذ قلنا انهما من الدهر [ص 255] نقول ان العقل مقام العرش و الروح مقام الكرسي و النفس مقام فلك البروج فلاتغفل و قد ينسب الي الامر فيقال انه روح من امر الله و يأول الي ذلك قوله تعالي اوحينا اليك روحا من امرنا ، و ذلك قول مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام ان لله نهرا دون عرشه و دون النهر الذي دون عرشه نور من نوره و ان في حافتي النهر روحين مخلوقين روح القدس و روح من امره و ان لله عشر طينات خمسة من الجنة و خمسة من الارض الي ان قال : ما من نبي و لا ملك الا من بعد جبله نفخ فيه من احدي الروحين و جبل النبي من احدي الطينتين فقيل لابي‌الحسن عليه السلام ما الجبل فقال الخلق غيرنا اهل البيت فان الله خلقنا من العشر الطينات و نفخ فينا من الروحين جميعا فاطيب بها طيبا انتهي ، مراده عليه السلام من الروحين العقل و الروح الملكوتي و اشار فيه الي ان ابدانهم الشريفة جامعة لجميع المراتب الغيبية و الشهادية بخلاف ساير الناس و قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه ان العقل و الروح كليهما من امر الله و قال ان المراد من الامر الامر المفعولي و هو مادتهما و ذلك المعني ظاهر من هذا الخبر لمن كان عارفا باصطلاح ائمتنا اذ قال ان في حافتي النهر روحين فهما من هذا النهر و هو نهر الامكان و لاينافي ذلك كون العقل اولا و كون الروح مترتبا عليه اذ مرجعه ايضا اليه فهو منه بواسطة العقل و العقل منه بلا واسطة و قد يعبّر عن هذا الروح بالنفس فان النفس تستعمل بمعني الروح و لذا يسمّي روح النبات بالنفس و روح الحيوان بالنفس كما في خبر الاعرابي و لكنه يقال انها نفس كلية الهية فتوصف بالكلية لاطلاقها و معنويتها بالنسبة الي النفس القدسية و النفس الحيوانية و تنسب الي الله لغلبة النورانية عليها و قد وصفها مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام و اروي عين الرواية لتفوز مع الفائزين روي الملا محسن في الكلمات المكنونة ان اعرابيا سأل اميرالمؤمنين عليه السلام عن النفس فقال عن ايّ نفس تسأل فقال يا مولاي هل النفس انفس عديدة فقال عليه السلام نعم نفس نامية نباتية و نفس حسية حيوانية و نفس ناطقة [ص 256] قدسية و نفس الهية ملكوتية قال يا مولاي ما النباتية قال قوة اصلها الطبايع الاربع بدأ ايجادها عند مسقط النطفة مقرّها الكبد مادتها من لطايف الاغذية فعلها النمو و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة فقال يا مولاي و ما النفس الحيوانية قال قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها الافلاك بدؤ ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية مقرها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدأت عود ممازجة لا عود مجاورة فقال يا مولاي و ما النفس الناطقة القدسية قال قوة لاهوتية بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرّها العلوم الحقيقية الدينة موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تحلل الآلات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدأت عود مجاورة لا عود ممازجة فقال يا مولاي و ما النفس اللاهوتية الملكوتية فقال قوة لاهوتية جوهرة بسيطة حية بالذات اصلها العقل منه بدأت و عنه وعت و اليه دلّت فاشارت عودتها اليه اذا كملت و شابهت و منها بدأت الموجودات و اليها تعود بالكمال فهي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي و من عرفها لم‌يشق و من جهلها ضلّ و غوي فقال السائل يا مولاي و ما العقل قال العقل جوهر درّاك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب و قال عليه السلام في خبر كميل حين سأله عن النفس ايّ النفس تريد ان تعرفك (كذا) قال قلت يا مولاي و هل هي الا نفس واحدة قال يا كميل انما هي اربعة النامية النباتية و الحسية الحيوانية و الناطقة القدسية و الكلية الالهية و لكل واحدة من هذه خمس قوي و خاصيتان فالنامية النباتية لها خمس قوي ماسكة و جاذبة و هاضمة و دافعة و مربية و لها خاصيتان الزيادة و النقصان و انبعاثها من الكبد و هي اشبه الاشياء بانفس الحيوانات و الحسية الحيوانية لها خمس قوي سمع و بصر و شم و ذوق و لمس و لها [ص 257] خاصيتان الرضا و الغضب و انبعاثها من القلب و هي اشبه الاشياء بانفس الاناسي و الناطقة القدسية لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بالنفوس الملكية الكلية (ظ) و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة و الكلية ( و الملكية خ‌ل ) الالهية لها خمس قوي بقاء في فناء و نعيم في شقاء و عزّ في ذل و فقر في غناء و صبر في بلاء و لها خاصيتان الرضا و التسليم و هذه التي مبدؤها من الله و اليه تعود قال الله تعالي و نفخنا فيه من روحنا و قال يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية و العقل وسط الكل انتهي ، و يكفي هذان الحديثان في الواقع في شرحه و تعريفه الا انه لا ( بدّ ظ ) من توضيح بيان لظهور المراد من الحديثين الشريفين بقدر ما يقتضيه المقام ان شاء الله .

فصل - اذا تدبرت في مطاوي الحديثين الشريفين تعرف حقيقة الروح الملكوتي الاتري انه عليه السلام قال في خبر الاعرابي في صفة الناطقة القدسية انها قوة لاهوتية و قال في صفة الروح ايضا انها قوة لاهوتية فهي صورتهما فكلاهما قوتان لاهوتيتان و قال في النفس ان موادها التأييدات العقلية و قال في الروح ان اصلها العقل ، فظهر لنا من هذا البيان ان للنفس مادة هي ظهور العقل و لكن في صفة الروح لم‌يقل ان مادته العقل و ان كان الاصل ايضا في اللغة بمعني المادة و لكن في الاصطلاح قلّ ما يستعمل الاصل في مقام المادة فيمكن ان يكون مراده من هذا اللفظ ان تحقق الروح بالعقل او هو تنزله او منشأه و لو كان مراده المادة لقال مادته العقل هذا و لا شكّ ان العقل هو المادة و لكن في المقام نكتة ستظهر لك ان شاء الله و بالجملة فظهر من هذا الخبر الشريف ان صورتهما واحدة الا ان مادتهما مختلفة ثمّ لا شك ان القوة لاتتعد و لايتصور قوتان لاهوتيتان فان التعدد تتصور في الفعليات و يظهر لك ذلك مما مرّ في بيان القوة و الفعل ان عرفته فعلي ذلك صورة النفس عين الروح الملكوتي و المادة هي تأييد العقل و يظهر لك ايضا ذلك مما قال عليه السلام في صفة الروح انها حية بالذات [ص 258] و هي صفة الجواهر البسيطة و لو كانت مثل النفس لماقال في صفتها انها جوهرة بسيطة و كذلك يشهد بذلك قوله عليه السلام في صفة الناطقة القدسية انها شبيهة بالكلية و في النسخ اختلاف ففي بعضها قال في صفة النفس انها اشبه شئ بالنفوس الملكية و قال في النفس الكلية ايضا انها ملكية و في بعضها وصفها بالكلية و المعني واحد فانها ان وصفت بالملكية يراد انها عباد لله تعالي مطيعة له و يصدق علي ما سوي العقل اسم الملك و ان وصفت بالكلية يراد كليتها بالنسبة الي ما دونها و بالجملة يظهر من الخبرين ان الروح صورة النفس و لكن بيان هذه المسألة حتي يتضح المطلب علي ما ينبغي يحتاج الي تحقيق فاعلم ان الله سبحانه خلق اول ما خلق العقل كما مرّ سابقا و العقل جوهر بسيط كلي معنوي مادي لا تعيّن له من نفسه سوي الكلية و المعنوية و هو الماء الاول الذي خلق منه كل شئ و هو علة جميع الموجودات و قطب الكاينات اذ ثبت مما ذكرناه سابقا ان ظهور العلة الفاعلية في المادية و لانعيد و قد ركّبه الله مع الروح الذي هو الحيوة الكلية و ظهور المعنوية اذ المادة لا ظهور لها من نفسها الا في الصورة كما ان الصورة لا تحقق لها الا بالمادة الاتري الي العناصر الاصلية فانها بانفسها لاتقوم و لا وجود لها في الخارج الدنيوي الا في بطن الصور فلاتكاد تجد نارا عبيطة و ماءا خالصا و هواء صرفا و ترابا اصلا غير ممتزجة و لا مختلطة بل كل ما تري منها تري مركبة بعضها علي بعض و يحصل من تركيبها صورة خامسة و ما تري من العناصر هي مواليد في الواقع و تسمية كل منها باسم واحد منها بحسب الغلبة فالتراب في الواقع عناصر مركبة تتفصل بعضها عن بعض بادني تدبير و لكنه غلب عليها الترابية فسميت جميعها بها كما في النباتات فان كل نبات مركب من عناصر اربعة و لكن الطبيب يصف كل عقار بطبع العنصر الغالب و كذلك الامر في جميع الملك فلايكاد يقوم مادة بلا صورة و برهان ذلك ظاهر لا غبرة [ص 259] عليه اذ المادة هي القوة و القوة عدم لايتعين الا في بطن صورة و ما تري من المواد العرضية انها تقوم منفصلة عن الصورة فذلك لانها لاتكون مادة خالصة بل هي مواليد مركبة من مواد و صور الا ان كل مولود يكون قوة بالنسبة الي كمالات و هي تخرج من كمونها مجتمعة او مترتبة و تري انها كانت قوة بالنسبة اليها و لكنها ذات فعلية بالنسبة الي صورتها كالمداد مثلا فانه قوة بالنسبة الي الحروف لا بنسبة بنفسه فله صورة فعلية و هي المدادية و عناصرها و هي التوتج و الصمغ و الزاج و العفص موجودة في ضمن تلك الصورة و بعد ما تصورت بتلك الصورة صارت مستعددة ( مستعدة ظ ) للتصور بصورة الحروف فالمداد بالفعل بنسبة نفسه و بالقوة بالنسبة الي الحروف و كذلك الامر في جميع الكاينات حتي ينتهي الي مادة المواد التي تكون قوة من كل جهة الا المادية فهي لاتكاد توجد منفصلة عن صورة و لايتصور ذلك في حقها اذ هي عدم و صلوح و هي الماء الاول و هو العقل ، هذا و العقل ايضا مركب من الوجود الاول و صورة من الارض الجرز علي ما بيّنّا الا ان صورته صورة المادية لا التعين و هي صرف كون مطلق مجموعي فلا بدّ من تعينه بصورة و اقرب الصور اليه حيوة مطلقة اذ هو حيّ بحيوة جبروتية ناشئة من حياة مشية الله فيقرب منها الروحانية الكلية و هي روح سارٍ في جميع ملك الله او يقال انه روح اسرافيلي يبدؤ منه كل حي و يعود اليه كل حي يتعلق بقلب ولي الله و هو الصور الذي ينفخ فيه باذن الله فافهم فاذا ركّب العقل مع هذا الروح يحصل من تركيبهما صورة ثالثة هي النفس و الصورة الحاصلة من شيئين تقوم ادون منهما البتة الاتري ان العناصر المثالية تتركب و يصير المولود جسمانيا و العناصر الدهرية تتركب فيكون المولود مثاليا و هكذا الامر في المقام العقل جوهر سرمدي او من اعلي الدهر و الروح جوهر سرمدي دوينه او دهري دوينه يتركبان فيقوم المولود في وسط الدهر دوينهما و هو النفس و ان كان ذاتها و حقيقتها فوق الركنين و بالجملة فالنفس مركبة من مادة هي [ص 260] العقل و صورة هي الروح و المولود هو النفس القدسية و يشهد بذلك ما تري في عالم الشهادة فانه قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هاهنا الاتري الي الجسم الذي هو ظاهر النفس و شهادتها ان له ركنين مادة مثالية و صورة مثالهما هما من شعاع الطبيعة الكلية فالمادة هي الجوهر المبهم و الصورة هي قوة قبول الاعراض و من تركيبهما يحصل الجسم و هو الجوهر القابل الا ان الناس يصفونه ببعض كمالاته فيقولون انه جوهر قابل للابعاد و لكنه قابل لكل كمال و كذلك في النفس فانها هي هي الجسم من حيث الاعلي و لذا يقال ان عرصة النفس ايضا جسمانية و عالم الذر كان جسما و عرصة القيامة تكون جسما و قامت بذلك الضرورة و مع ذلك لايعقلون ما يقولون فالنفس لها مادة و هي العقل غيب هذه المادة التي قلنا انها جوهر الاتري انك تصف العقل ايضا بالجوهرية الا انه الطف من جوهرية الجسم و جوهرية الجسم تنزل جوهرية العقل و هو الماء الاول و المادة الماء الثاني و هو مقطر ياقوتة الفؤاد و ذلك مقطر ياقوتة الطبع فافهم فالمادة غليظ العقل و المثال ايضا غليظ الروح و مشايخنا ينادون بذلك في بياناتهم و الناس لايعقلون و يسمّي الروح ايضا بالمثال لانه تمثّل الفؤاد الغيبي و شعاعه و ذلك قوله عليه السلام في صفة النفس صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، قوله عليه السلام صور لانها نفوس و النفس صورة ، قوله عالية عن المواد اي المواد الجسمانية لا كل مادة ، قوله خالية عن القوة لانها القوة اللاهوتية و القوة اللاهوتية قوة فعلية اي هو قوة بالنسبة الي الكمالات العالية ، قوله تجلي لها اي بالعقل و الفؤاد لان موادها التأييدات العقلية ، قوله فالقي في هويتها اي في قوابلها مثاله اي الروح قال الله تعالي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و قال اذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين و لا شك ان حياة كل [ص 261] حي بمثاله و هو نفسه و ذاته كما سيجيء فحيوة النفس بالروح و هو صورتها و هو العلم و الحكمة كما انه في الكون يعبّر عنه بالنطق اي العلم الكوني و اهل العلم احياء و غيرهم اموات فافهم فقد كشفت عن الحقيقة و لما كان المسألة بعيدة عن الاذهان اذكر لك شاهد صدق من كلام ابي اعلي الله مقامه حتي تقف علي الحق ان شاء الله .

شاهد صدق قال اعلي الله مقامه في عايدة من عوايده ذكر فيها كيفية تعيّن النفس و عرّف جوهر النفس لمحض توضيح المسألة ، الي ان قال : و النفس عرصتها فوق عرصة الطبيعة كما عرفت و لها ايضا اربع مراتب : مقام جزئية و شخصية و فوقها مقام صورة نوعية و فوقها مقام مادة نوعية و مقام طبيعة فيها انحلال الكل و يسمّي مقام الطبيعة فيها بالفؤاد و مقام المادة فيها بالعقل و الصورة بالروح و لهما كلية و معنوية و يسمّي الجزئية بالنفس فبهذه المراتب تكمل مراتب النفس ، الي آخر كلامه و من تتبع في رسائله اعلي الله مقامه يجد هذا المطلب الشريف صريحا .

فصل - ربما يشتبه عليك الامر فتزعم تعارضا في كلماتنا مما ذكرناه في السلسلة العرضية المترتبة ان كل دان تنزل العالي و ما ذكرناه في المقام و لكن لايذهبن بك المذاهب و اصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول فاعلم ان كل صورة كائنة ما كانت تنزّل المادة اذ المادة بعد ما نزلت من مقامها بانعقادها مرتبة تتصور بتلك الصورة و الصورة بعد ما ذابت صعدت من مقامها و صارت عالية الاتري الي الهواء اذا قطر بالعقد يصير ماءا فينزل من درجته مرتبة و اذا بخر الماء ينحل و يصعد درجة فيصير هواءا و كذلك الامر في جميع ملك الله تعالي الاعلي مقام الانحلال و الاسفل مقام الانعقاد فعلي ذلك العقل تنزّل الفؤاد لان الفؤاد مقام الانحلال و العقل مقام الانعقاد و بعد انعقد (كذا) بالعقلية صلح لتصوره بصورة اخري اي يعقد مرتبة اخري بصورة الروح ، مثال ذلك في المعدن ان البخار و الدخان اصلان لكل معدن و هما في نفسهما مقام الانحلال التام و لا ذكر لمعدن من المعادن فيهما الا بالصلوح المطلق [ص 262] فاذا عقدا مرتبة يحصل من تركيبهما الزيبق و الكبريت باختلاف كمّهما و كيفهما و هما مادة شخصية و صورة للمعادن و هما ليسا الا معقود البخار و الدخان الا ان الزيبق بخاره اكثر و لذا ينحل الي الماء و الكبريت دخانه اكثر و لذا ينحل الي الدهن ثمّ اذا عقدا درجة اخري في المعدن باختلاف الكمّ و الكيف يحصل من تركيبهما المعادن المختلفة منطرقة و غير منطرقة كاملة و ناقصة فاذا حللتها تنحل الي الزيبق و الكبريت و لذلك نقول ان المعادن واحدة نوعا و لذلك يحصل بينها الامتزاج و التركيب الجوّاني و بالجملة فالصورة كائنة ما كانت معقودة المادة و كل معقود يتنزل عن درجة العالي و وجوده مترتب علي وجود العالي فالروح تنزّل العقل اي صورة مكسية عليه و النفس تنزلهما اذ هي صورة مترتبة علي تركيبهما مع انها صورة ثالثة حاصلة من جمعهما و لذلك صارت خضراء كما سيجيء بيانه ان شاء الله في محله فترقب افهم ذلك ثمّ انا ذكرنا مرارا ان نفس العالي لاتتنزل الي الداني و ربما يشتبه عليك الامر من بيانا ( بياننا ظ ) فلاتغفل و لايذهبن بك المذاهب فان ذات العالي ان نزلت الي الداني لزم استحالتها بالمرّة و يلزم من ذلك ذهاب الاول بالمرّة و لايجري ذلك في المادة و الصورة فان الماء اذا جمد لايستحيل الماء بالمرّة الي الجمد بل الماء باقٍ في حدّه و مقامه و لكن الجمد عرضه بالبرد فالماء باقٍ في مقامه و مقامه غيب الجمد و هو اعلاه البتة و اما في مقام الاستحالة لايكون الامر هكذا فان الخمر اذا صار خلّا يذهب الصورة الخمرية بالمرة و تستحيل المادة الي الخلّ فمعني الاستحالة ان يخلع المادة صورتها و تلبس صورة اخري كالكلب المطروح في المملحة فان عناصره تخلع صورة الكلبية و تلبس صورة الملحية و كذلك العنب المستحيل (ظ) الي الخمرية يلبس صورة الخلّية و يخلع صورة الخمرية و لكن العقل لايخلع صورة العقلية بل هي باقية بحالها في دهرها الا انه يعرضها صورة الروح فالعقل موجود في غيب الروح الا ان ظاهره روحانية و يشهد بذلك انك تري ان العقل يقوي في [ص 263] بعض المواليد و الروح في بعض و لو كان العقل منقلبا الي الروح بالمرّة لمابقي بعد عقل بل لو كان الامر في قوس النزول علي الاستحالة للزم من ذلك ان لايبقي عالم غير الجسم و تري ان ظاهره جسم و باطنه ساير العوالم ، فعلم من ذلك ان العالي بذاته موجودة ( موجود ظ ) و قد نزل بمحض الانعقاد في الاسفل و ذاته موجودة في الاعلي اي هي غيب المعقود كما ان البخار غيب الزيبق و الدخان غيب الكبريت و هما غيب الذهب و الفضة فافهم فاني قد بيّنت و اوضحت .

حلّ عقدة اذا كان العقل مادة النفس و الروح صورتها فما معني ما يقال ان جماعة عقليون و هم افراد العقل كالخاتميين و جماعة روحيون و هم الانبياء و جماعة نفسيون و هم النقباء و النجباء مع ان المولود هو النفس ، اقول ان الحكيم لايشتبه عليه الامر و يعرف الحقيقة و لكن المبتدي ربما لايعرف و يشتبه عليه المسألة فلذلك لايضرّنا حلّ العقدة مع انه يتفرع عليه مسايل شريفة فاعلم ان الامر في الغيب مثل الشهادة بلا تفاوت لان الكل امر واحد مخلوق بامر واحد و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، انظر في عالم الاجسام و مواليدها تجد المطلب علانية فاعلم ان مشايخنا و بعض ( بعضا ظ ) من الحكماء قسموا عرصة الشهادة باربعة عوالم و قد سمعها اغلب تلامذتهم و يلوكونها بين لحييهم و لايعرفون مقامها و حقايقها و هي الطبيعة و المادة و المثال و الجسم و ربما يزعم المبتدي انها عوالم منفصلة و بعضها فوق بعض فوقية اينية و لذلك يشتبه عليهم اغلب و ليس الامر هكذا و لكنا سنوضح لك حق المسألة بعد ذلك و ما يقتضيه المقام انه ليس ثَمّ الا الجسم و هو مركب من مادة و هي الوجود الثاني و الهباء المعروف و صورة و هي عرصة الذر و المثال و هي قبول الاعراض كما مرّ سابقا و هذه المادة هي المادة الكلية و المثال و هو المثال الكلي و الاجسام المقيدة ايضا مركبة من مادة و صورة مادتها تفصيل عالم المادة و صورتها تفصيل عالم المثال و لذلك يقال ان عالم المادة لها عرش و كرسي و افلاك و عناصر و هي هي التي تري [ص 264] مع قطع النظر عن صورها و يقال ان لعالم المثال سماء و ارض و عرش و كرسي و شمس و قمر و نجوم و ليل و نهار و هي هي مع قطع النظر عن موادها ثمّ انك اذا نظرت اليها من حيث الانحلال و الاتحاد تجد طبعا كليا و هو ليس الا الجسم مع قطع النظر عن جميع الخصوصيات فافهم فكل مولود جسماني له مثال و مادة و طبع و مع ذلك تري مواليد يغلب عليهم الجسمية و هي الجمادات و المعادن و النباتات و مواليد يغلب عليهم المثالية و هي الحيوانات و الجن و مواليد يغلب عليهم المادية و هي اشعة الكواكب من حيث النورانية و الارواح المعلقة بالفلكيات التي قد تعبّر عنها بالملئكة و بعضها يغلب عليهم الطبيعة اذا صارت اجمع بالنسبة اليها كشياطين الانس و ابليس اللعين مع ان الجميع خلقوا في عالم الاجسام و الجاهل ربما ينظر و لايري غير الجسم و لكن الحكيم ( يري ظ ) ان هذا جسماني و هذا مثالي و هذا مادي و هذا طبيعي و وجه ذلك ان المواليد تختلف حالاتها في الرقّة و الغلظة و الاعتدال و الانحراف فكلما كان المولود اغلظ و اكثف يشتد انهماكه في الاسفل فيغلب عليه الجسمانية و كلما يصير الطف و اصفي و اعدل يكثر مفارقته فيصير اعلي و يكثر حكايته عن ساير المراتب و بحسب ذلك ينسب الي العليا و يقع تحت نوع اعلي و يغلب عليه صفاته و كذلك الامر في الغيب فانه طبق عالم الشهادة و قد عرفت سابقا ان النفس هي غيب الجسم و حكمها حكم الجسم ، فكل مولود صار منهمكا في الاسفل متعلقا بالادني يغلب عليه النفسانية اي حيث ارتباط المادة بالصورة و لكن اذا اعتدلت المادة و لطفت بحيث لم‌يحبس الصورة عن طبعها يغلب عليها حكمها فان الصورة من حيث نفسها نافذة سريعة لطيفة مؤثرة كما تري في الامثلة الدنياوية و التي اقعدتها عن كمالاتها هي المادة فاذا صفيت المادة و لطفت حتي بلغت درجة طاوعت الصورة في صفتها فلا مانع من ظهور كمالها الاتري الي الصورة النارية فانها في نفسها صورة مثالية و لذلك تكون نافذة سريعة بل تكون قريبة من حال [ص 265] الاعتدال و لكن المواد الجسمانية تمنعها عن بروزها علي ما هي عليه فاذا صفيت مادة حتي صارت دخانا لاتمنعها بعد عن بعض كمالاتها فتظهر بهذا النفوذ و السريان و لذلك يقال ان النار مثالية مع انها جسمانية و كذلك الامر في الغيب اذا صارت نفس لطيفة من حيث المادة قابلة للتطاوع يظهر عليها الروح علي ما هو عليه و تعرف صفته انه نفس كلية محيطة حية دايمة باقية عالمة غير معلّمة فهمة غير مفهّمة متصرفة في ما يشاء اذ هي من امر الله تعالي فيلحق المولود النفساني بالروحانيات و ان كان في وجوده مركبا من روح و عقل و هو مولود نفساني و كذلك الصورة مانعة للمادة عن احاطتها و كليتها و معنويتها و تجليها بما تشاء و ظهورها بما تشاء و اما اذا لطفت صورة و خرقت الحجاب و ابعدت عن نفسها الحدود بحيث صارت مطلقة تغلب المادية علي المولود البتة انظر الي الجسم الطويل بذراع مثلا نفس الجسمية تقدر علي الظهور بكل طول طويل و قصير و الذي اقعدها عن ذلك جمودها علي الذراع فاذا رفع هذا القيد وجودا او وجدانا لايكاد يمنعها عن التجلي بايّ طول اراد فيلحق المولود حينئذ بالماديات و يصدر منه فعلها كما كان جبرئيل قد يظهر بصورة دحية و قد كان يظهر بصورة الاعرابي و ذلك لعدم تقيده بقيد مخصوص و كذلك الامر في المولود النفساني اذا ظهر بصورة لطيفة صافية لاتمنع مادتها عن احاطتها تظهر بايّ صورة شاءت و تتجلي لايّ شئ ارادت قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الذي اتقلب في الصور كيف اشاء ، فالمولود الموصوف بهذه الصفة يعدّ من العقليين و ان كان مركبا من روحانية و عقلانية و من هذا الباب نقول ان النبي صلي الله عليه و آله كان صاحب نبوة و ولاية و اميرالمؤمنين عليه السلام كان صاحبهما الا ان الغالب علي النبي جهة العقل و الغالب علي الولي جهة النفس و لذلك قال الله تعالي انما وليّكم الله و رسوله و الذين آمنوا اي الائمة عليهم السلام فان الولاية جهة النفس اذ الولاية لاتثبت الا بنسبة الولي الي الرعية فانها من اسماء الاضافة [ص 266] و مقام النسبة مقام النفس و العقل منزّه عن النسب فالعقل فوق الولاية و مع ذلك يثبت للنبي (ص) ولاية و لعلي ولاية فذلك بحسب انفسهم و لذلك قال رسول الله (ص) من كنت مولاه فهذا علي مولاه و قال علي نفسي و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا محمد و محمد انا ، فافهم و ان عرفت هذا المطلب تعرف معني قوله عليه السلام علّمته علمي و علّمني علمه ، فانهما بابان من ابواب الغيب و علم علي عليه السلام علم التفصيل و علم النبي (ص) علم الاجمال فعلّم النبي اميرالمؤمنين عليه السلام علم الاجمال و علّم اميرالمؤمنين نبيا علم التفصيل يعني ان عقل نبي عالم بالاجمال و نفسه عالم بالتفصيل فلاتغلط .

فصل - اعلم ان الجواهر في حدّ انفسها بريئة عن النوعية و الجنسية فانهما صفتان طاريتان من جهة الماهيات بملاحظة الافراد و اما ذات الشئ من نفسها فليس لها حيثان حيث من نفسها و حيث بملاحظة غيرها معها و الا للزم الالتفات الي نفسها و جهة نسبتها في كل نظر و ليس الامر هكذا كما تري علانية انك تري زيدا و لاتلتفت الي نسبته الي عمرو لا الي صفة من صفاتها و كذلك الامر في الجواهر الغيبية فانت اذا نظرت الي الروح الملكوتي من حيث هو لاتراه جنسا و لا نوعا و ما تري ان مشايخنا قد يصفونه بالاطلاق فذلك بملاحظة ظهوره في الافراد لا بملاحظة نفسه بل ان لم‌تلاحظ ما فوقه ايضا لايكون مقيّدا فان المقيّد مقيّد بما فوقه فاذا قطعت نظرك عما فوقه فلايكون في ذاته مقيّدا فكل جوهر من نفسه منزّه عن الاطلاق و التقييد و النوعية و الفرعية و هما صفتان تعرضان الشئ بملاحظة ما فوقه و ما تحته و لذلك نقول ان الله لايكون جنسا و نوعا اذ يلاحظ في معناهما النسبة و الاضافة مع الجنس هو ما يجتمع انواع و هو مادتها و النوع ما به يجتمع اشخاص و هو مادتها و الله لايذكر معه شئ بوجه من الوجوه و لاينسب اليه شئ بوجه و ملاحظة ابدا فهو منزّه عن هذا الاسم و ان اردت ان تختار له صفة من هذه الصفات فاسم الشخص اولي له و لذلك [ص 267] يقول الحكماء ان الوجود لايكون نوعا و مقام التنوع مقام الماهية و اما في الخلق فلأنهم محل التراكيب و يجوز اختلاف الانظار و الملاحظات فيهم لوقوعها بالنسبة اليهم نقول ان الجوهر من حيث هو يتنزه عن التنوع و التجنس فان وصفنا الروح بالاطلاق يوما فاِمّا بملاحظة نسبته الي ما دونه من المرايا و اما بملاحظة الاطلاق عن القيود حتي النوعية و كذلك العقل و النفس و الفؤاد كلها منزّهة عن هذه الصفات و لكن الله تعالي اظهرها في عرصة الطبايع في مرايا طبيعية و نحن بعد ما نظرنا فيها و شاهدنا تعددها و تكثرها بحسب المرايا نلاحظ التنويع بحسبها فكلما رأينا مرايا حاكية للعقل الاعلي نقول انهم افراد من نوع و نوعية العقل فيها بها و كل ما رأينا مرايا حاكية للروح نقول انها افراد من نوع و هم روحيّون و هكذا و ان قلت انه يلزم من ذلك بطلان تشخص الافراد فوق الطبايع اقول ان عرفت دهرية كل شئ و سرمديته لاتشكّ في تلك المسألة فان كل شئ زماني بنسبته الي ما في عرضه و لكن اذا نسبته الي ما فوقه يكون دهريا و اذا لاحظت نفسه من دون نسبة يكون سرمديا فهو باقٍ في محله و مقامه لموصوفه ابدا دهريا و لنفسه ابدا سرمديا و ان مضي من الزمان ما مضي بل بهذا النظر جميع الصفات باقية دائمة ابدا و وجدوا ما عملوا حاضرا ، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تودّ لو ان بينها و بينه امدا بعيدا و قال حتي اذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم و ابصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون و قالوا لجلودهم لمَ شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شئ و هو خلقكم اول مرّة و اليه ترجعون فافهم فانه دقيق و بالتدقيق حقيق ، و بالجملة فحاصل الكلام ان الروح من نفسه لايكون مطلقا و لا مقيّدا و لكنه بعد ما ظهر في الافراد الخلقية و تجلّي لها يوصف بالنوعية و كذا العقل و كذا النفس بل و كذا الطبع و المادة و المثال و الجسم فانها من انفسها لاتكون متنوعة و لا متجنسة و لا متشخصة بل هي جواهر ساذجة و بعد ملاحظتها في المرايا و المظاهر توصف [ص 268] بالجنسية و النوعية و الاطلاق و التقييد و بذلك يعرف كل جوهر ربّه فانه لو كان الجوهر من نفسه مبهما او مطلقا لعرف ربّه بذلك فما وحّده حق توحيده اذ هو سبحانه منزّه عن جميع هذه الصفات و تري انك تعرف ربك بانه لايكون نوعا و لا جنسا و لا فردا من نوع و لا مقيّدا من مطلق و لاتعرفه الا بما عرفته من نفسك قال صلي الله عليه و آله من عرف نفسه فقد عرف ربه .

فصل - قد بيّنّا في ما مضي ان المشية الكلية من حيث نفسها امكانية الا انها امكان فعل و ظهرت بالامكان الجايز و هو امكان الانفعال و لا شك انه لايحصل الكون بين امكانين الاتري ان يدك في قوتها الكتب و المداد في قوته الحروف و لكنها لاتتكون الا بحركة فعلية تحدث من اليد فانها ان لم‌تتحرك لاتوجد حروف و كلمات ابدا و كذلك الامر في المقام بالمشية الامكانية التي يمكن ان يفعل بها و الامكان الانفعالي الذي يمكن ان ينفعل لايتكون مولود و لذلك قد تجلي الله سبحانه بمشيته الامكانية الي اكوان فعلية و بالامكان الي اكوان قريبة من الانفعال فصارت المشية كونية فعلية و لما كان عرصة الكون عرصة التفصيل لانها مقام الحدود تفصّلت مراتب الفعل هنا هنا (كذا) و برزت باختلاف المراتب بعد ما كانت متحدة في عرصة فظهرت المشية التي هي الذكر الاول في العقل و الارادة التي هي العزيمة في الروح و القدر الذي هو الهندسة و مقام النقوش و الحدود في النفس و القضاء الذي هو مقام الابرام في الطبع فانه لايقضي امر ما لم‌يخرج من الغيب الي الشهود فالروح الكلي هو مقام من مقامات فعل الله تعالي و به يفعل ما يريد و هو الواسطة بين القلم الذي هو العقل و اللوح الذي هو النفس و لولاه لم‌يرتبط القلم باللوح بل هو المداد الذي نزل من غيب القلم الي لسانه و جري منه في اللوح و يوحي اليه من عند الله تعالي ما يشاء و هو يوحي الي اللوح اذ هو روح من امر الله تعالي بملاحظة ثمّ اعلم انه قد يترك ذكر الروح في الوسط بملاحظة انه صورة النفس و بذكرها نستغني عن ذكرها فلاتغفل .

[ص 269] فصل - قد عرفت مما مرّ سابقا ان المراتب الغيبية بعد ما تعلقت بالاجسام تظهر في افلاكها للطافتها و صفائها فالعقل يظهر في العرش و الروح في الكرسي و النفس في فلك البروج و الطبع في الشمس و المادة في الزحل و المثال في القمر و ساير الافلاك و سيجيء بعد تفصيل ذلك ان شاء الله تعالي و كلامنا هنا في كيفية بروز الروح في الاشخاص و وجه تعيّنه فاعلم ان المولود الحاصل من تركيب العناصر بعد ما بلغ حدّ الاعتدال الفلكي يتعلق به روح فلك القمر و هو الحيوة لان اصل الحيوة من الغيب اي الدهر و لا اختصاص لها من نفسها بجسم الفلك و ظهورها منه ليس الا لصلوحه لذلك فكلما حصل دخان صالح تتعلق به علي حسبه كما هو شأن ساير الدهريات الاتري الي الجسم انه من نفسه جوهر قابل و لا اختصاص له بجسم الفلك و التراب فكل ما وجد جوهر قابل جزئي او كلي خاص او عام لطيف او كثيف يظهر فيه كذلك الامر في الروح هو من نفسه جوهر لطيف و لايخصّ شيئا دون شئ و لايوصف بصفة من صفات ما دونه حتي الظهور و الخفاء فانه ليس من شأنه ان يظهر و الا لماخفي و لا من شانه ان يخفي و الا لماظهر بل هو صالح لكليهما فاذا وجد مادة صالحة لحكاية الروح يتعلق بها ايّا كان و وجه تعلقه بالافلاك صلاحيتها لذلك لا غير فاذا وجد مادة هكذا في قلب الحيوانات يتعلق بها بلا مانع و لما كان من نفسه غير مقيّد بصفة خاصة و قيد مخصوص يظهر في المادة بحسبها فالمادة الفلكية تحكيها بحسب ابهامها لانها مبهمة ليس لها طبع مخصوص و صورة مخصوصة و لكن الدخان الحاصل في قلب الحيوان و دماغه متعين بتعينه متطبع بطبعه متشكل بشكله فان دخان قلب كل حيوان خلاصة اخلاطه و ذلك ثابت في الفلسفة ان لطايف كل مركب علي طبع كثايفه و لذا يقال ان المحلول في الاسفل محلول في الاعلي و المعقود في الاسفل معقود في الاعلي فالدخان الحاصل من عناصر بدن الاسد علي طبعه و هيئته و الدخان الحاصل في بدن البهيمة علي طبعها و لذلك يستدل [ص 270] بقيافة الابدان علي صفات الارواح و لو لم‌تكن الارواح صوافي الابدان لمادلت عليها فلذلك يصير الروح المتولد في الادخنة الخاصة خاصة بطبعها و صفتها و كلما لطفت الاخلاط و صفيت يكثر اعتدالها فيكثر شباهتها بالافلاك فيشابه روحها روح الافلاك فيشاركها فالذي اقعد زيدا عن الفلكية خواص البدن لا نفس الروح فافهم فانه بيان شريف ينفعك في مواطن كثيرة في علم الطبيعة و الحقيقة و الطريقة و الشريعة ان شاء الله ، ثم اعلم ان الحيوة هي اول روح يتعلق بالبدن من فلك القمر فاذا صفي الدخان و لطف حتي ساوي فلك العطارد يتعلق به مثال عطارد و اذا صفي و لطف حتي ساوي فلك الزهرة يتعلق به مثال الزهرة و هكذا يترقي درجة بعد درجة و فلكا بعد فلك حتي يبلغ في اللطافة اسفل الكرسي مقام فلك البروج فيتعلق به النفس و سيجيء بعد ذلك شرح هذه المرتبة ان شاء الله ثمّ اذا صفي و لطف درجة اخري حتي بلغ مقام الكرسي يتعلق به الروح الملكوتي الغيبي يعني انه يغلب عليه الروحانية فيكون نبيا من عند الله و نبوته تلك بحسب صفاء بدنه و اعتدال اخلاطه فكل ما صار اصفي و اعدل يكون في نبوته اكمل و اعلي و لذلك يختلف درجات الانبياء في العلم و الحكمة و العصمة و القدرة مع انه لا اختلاف في اصل الروح فانه روح واحد من امر الله تعالي و لا اختلاف فيه من عند الله قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة و لكن الاختلاف في القوابل تلك الرسل فضّلنا بعضهم علي بعض منهم من كلّم الله و رفع بعضهم فوق بعض درجات و آتينا عيسي بن مريم البينات فاختلاف درجاتهم ليس الا من جهة القابل كما هو شأن الاختلاف في كل شئ و لايظهر الروح علي ما ينبغي له من الكمال الا في الخاتم صلي الله عليه و آله فانه كامل في الروحانية و قد بلغ فوق مقام جميع الانبياء كما انه صار اكمل من جميع الاناسي في انسانيته و اعدل من جميع الخلق في حيوانيته و نباتيته و جماديته و قد ثبت في الحكمة ان ظهور الارواح العالية في الابدان السافلة بحسب الابدان و كل [ص 271] روح سافل بدن للاعلي فما لم‌يبلغ السافل كمال الاعتدال لايتعلق به اعدل الارواح البتة فمن صار وسطا في الاسفل يصير وسطا في الاعلي و من صار طرفا في الاسفل يصير طرفا في الاعلي فالنبي (ص) بانسانيته الشريفة يكون اشرف الاناسي و اعدلهم و اوسطهم فيكون حجة عليهم و بروحه الشريف يكون اعدل الارواح و اشرفهم و اوسطهم فيكون حجة علي النبيين و بعقله الشريف يكون اعدل العقول و اكملهم و اشرفهم فيكون حجة عليهم ، فافهم ذلك فانه مسألة شريفة ذكرناها هنا قربة الي الله تعالي و نرجع الي ما كنا في صدد شرحه ، فاذا بلغ فلكية الانسان مقام الكرسي يتعلق به الروح الملكوتي ثمّ اذا لطف درجة اخري و صعد مرتبة بعد اولي يتعلق به العقل و يحيي بالحيوة العقلية الكلية المعنوية كما مرّ سابقا علي نحو الاختصار و سيجيء بعد ان شاء الله تعالي و هذا هو وجه ترقية النفس الي الدرجات و المراتب لا ما زعمه الزاعمون ان النفس النباتية تترقي الي الحيوانية و الحيوانية تترقي الي الانسانية و الانسانية الي النبوة و النبوة الي الخاتمية و حاصل قولهم ان النبات بعينه يصير انسانا و نبيا كانقلاب النطفة الي العلقة و العلقة الي المضغة و المضغة الي العظام و كسوة اللحم و ذلك قول مخالف للكتاب و السنة و دليل العقل و ما يدل عليه الاخبار و صحيح الاعتبار ان النبات لايصير حيوانا و الحيوان لايصير انسانا و الانسان لايصير نبيا و النبي لايصير اماما بل كل ما صفي مقام من المقامات و لطف و اعتدل يتعلق به روح اعلي و الادني يصير جسدا للاعلي و يشهد بذلك اخبار عديدة منها حديث النفوس الذي مرّ هنا و حديث الارواح الذي رواه ابي اعلي الله مقامه عن اميرالمؤمنين عليه السلام قاله لرجل اتاه ، الي ان قال : و اما ما ذكرت من السابقين فانبياء مرسلون و غير مرسلين جعل الله فيهم خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن فبروح القدس بعثوا انبياء مرسلين و غير مرسلين و بروح الايمان عبدوا الله و لم‌يشركوا به شيئا و بروح القوة جاهدوا عدوهم و عالجوا معايشهم و بروح [ص 272] الشهوة اصابوا اللذيذ من الطعام و نكحوا الحلال من شباب النساء و بروح البدن دبّوا و درجوا ثمّ قال تلك الرسل فضّلنا بعضهم علي بعض منهم من كلّم الله و رفع بعضهم فوق بعض درجات و اتينا عيسي بن مريم البينات و ايّدناه بروح القدس ثم قال في جماعتهم و ايّدهم بروح منه يقول اكرمهم بها و فضّلهم علي من سواهم الحديث ، انظر في مطاوي الحديث الشريف كيف صرّح عليه السلام بثبوت الارواح فيهم دائما و لو انقلب السافل بالاعلي و استحال لمابقي الاسفل و بطل حكمه كما تري ان النطفة اذا صارت علقة لايبقي بعد نطفة و لايترتب عليها اثر بل تمامها يصير علقة في الظاهر و الباطن و هكذا كل طور من الاطوار و لكن بعد ما بلغ حدّ التمام يتعلق به الروح من الغيب و لاينقلب البدن الي الروحية و ذلك محال في الحكمة فان البدن اذا صار روحا لاحتاج الي بدن يحرزه و كذلك كل روح هو قايم في مقامه و يترتب عليه آثاره و يشتعل اعلاه بروح اعلي و لذا تري الحيوان ينمو و يربو و يجذب و يدفع و يمسك و يهضم و يزيد و ينقص و مع ذلك هو حيوان يسمع و يبصر و يذوق و يشمّ و يلمس و كذلك اذا صعد الي الانسانية يثبت له ساير الارواح و هو مع ذلك انسان يذكر و يعلم و يحلم و يفكر و كذلك بعد ما بلغ درجة النبوة يثبت له هذه الكمالات و هو مع ذلك يحيي بالنبوة و يثبت له بقاء في فناء و نعيم في شقاء و عزّ في ذل و فقر في غناء و صبر علي بلاء و الرضا و التسليم ، فافهم ذلك و تدبر حتي تقف علي الحق و لذلك قال عليه السلام في صفة النبي ما قال و تراه موصوفا بجميع هذه الصفات المذكورة نعم بعد ما بلغ درجة الكمال ربما يقل انهماكه في المراتب السافلة فيضعف بعض صفاته و ذلك ظاهر لا غبرة عليه و من طريق العقل المستنير بالنقل نقول ان كل روح اعلي هو مرتبته فوق الاسفل طولا او واقع معه علي الترتب فالسافل ادون منه مادة و صورة طولا او عرضا مترتبا فمحال ان يستحيل السافل الي العالي و ذلك مما لا شكّ فيه و لا ريب يعتريه فان الروح الحيواني ليس في عرض النباتي حتي [ص 273] يمكن استحالته اليه و لكن نسبته منه نسبة الطبيعة الخامسة من العناصر و محال ان يستحيل عناصر الشئ الي نفسه فان النفس هي بمنزلة الطبيعة الخامسة بل فوقها و هي دهرية فكيف يمكن استحالة العناصر اليها نعم بعد ما ركبت و الفت يظهر عليها النفس من الغيب و يتعلق بها و يركب عليها و سيظهر لك المسألة بعد ان شاء الله في مقامها ، هذا و قد عرفت سابقا ان الروح صورة للنفس و العقل مادتها و لا شك ان الصورة لاتصير مادة انظر صورة الخاتم هل يمكن استحالتها الي الفضة و كذلك المادة لاتستحيل الي الصورة و ذلك ايضا محال فان الصورة هي حدود و نهايات و المادة جوهر تقوم تلك الحدود و النهايات بها و كذلك المعجون المركب لايصير مفردا فافهم و يكفي هذا القدر من البيان لاهل العيان و لكنه دقيق لايعرفه كل احد .

المطلب الثالث

في النفس و حقيقتها و هي ايضا علم مشكل لايعرفه كل احد و قد بيّنها مشايخي اعلي الله شأنهم و رفع منزلتهم في كتبهم بما لا مزيد عليه و لكن الاكثر لايطلعون علي رموزهم و انا اذكر ما يتعلق بالنفس الكلية و ما يعرضها في قوس النزول هنا و ما يتعلق بتولدها من المواليد و ما يعرضها في قوس الصعود بعد في علم المعاد ان شاء الله و فيه فصول :