فصل - في نقل اصطلاحات اصحاب العلوم في العقل اذكرها للحفظ نقلا من عين كلام الآخوند رحمه الله قال في شرحه للكافي ما ملخص كلامه اختلفوا في حدّ العقل لما رأوا تارة يطلق علي اول ما خلق الله و تارة يطلق علي ما هو خصلة من خصال الانسان و ملكة من ملكات نفسه و تارة يطلق علي الغريزة الانسانية التي بها يفارق الانسان ساير الحيوانات و تارة يطلق علي جودة الروية في استنباط ما ينتفع به و ان كان في باب الدنيا و في الامر العاجل فيقال لمثل معوية انه عاقل و تارة يطلق علي غير هذه المعاني و الحق الكاشف للغطاء ان اسم العقل يطلق علي الغريزة بها يمتاز الانسان عن البهايم و يستعدّ لقبول العلوم النظرية و يستوي فيها الاحمق و الزكي و يوجد في النائم و المغمي عليه و الغافل و قال ان مثله مثل روح الحيوة في الحيوان فان الله خصّ الحيوان بها دون الجمادات و بها يصدر منه الحركات و كذلك تلك الغريزة مما يخصّ بالانسان و يستعد بها لاكتساب العلوم النظرية و فصل الكلام بنوع هذا البيان و قال ان العقل بهذا المعني يستعمله الحكماء في كتاب البرهان و يعنون به قوة النفس التي بها يحصل اليقين بالمقدمات الصادقة الضرورية لا عن قياس و فكر بل بالفطرة و الطبع و من حيث لايشعر من اين حصلت و كيف حصلت فاذن هو جزء ما من النفس يحصل بها اوايل العلوم .
الثاني - العقل الذي يردده الجمهور من المتكلمين في السنتهم و يقولون هذا ما يوجب العقل و هذا ما ينفيه العقل و انما يعنون به المشهور في بادي الرأي المشترك عند الجميع و الاكثر فهذا ما يسمّونه العقل كما يظهر من استقراء استعمالاتهم هذا اللفظ فيما يتخاطبون به و يكتبون في كتبهم و من هذا الباب [ص 226] العلوم الضرورية كالعلم بان الاثنين ضعف الواحد و ان الاشياء المتساوية لشيء واحد متساوية و ان الجسم الواحد لايحصل في حيزين و ان الحيز الواحد لايحصل فيه الجسمان .
الثالث - العقل الذي يذكر في كتاب الاخلاق و يراد به جزء من النفس الذي يحصل بالمواظبة علي اعتقاد شئ و شئ علي طول تجربة شئ شئ من الامور الارادية التي لنا ان نؤثرها او نتجنب عنها فان ذلك الجزء من النفس يسمّي عقلا و القضايا التي يحصل للانسان بهذا الوجه و في ذلك الجزء من اجزاء النفس هي مبادي الرأي فيما سبيله ان يستنبط من الامور الارادية التي شأنها ان تؤثر او تتجنب و نسبة هذه القضايا الي ما يستنبط بها من تلك كنسبة تلك القضايا الضرورية الي ما هي مبادٍ لها من العلوم النظرية التي غايتها ان تعلم لا ان يفعل بها شئ و هذا العقل مما يتزايد و يشتد مع الانسان طول عمره فانه لا شك ان بزيادة التجارب و السلوك في المذاهب يزيد العقل و يتفاوت و يتفاضل فيه الناس تفاضلا كثيرا . الرابع - الشئ الذي به يقول الجمهور في الانسان انه عاقل و مرجعه الي جودة الروية و سرعة التفطن في استنباط ما ينبغي ان يؤثر او يتجنب و ان كان في باب الاغراض الدنياوية و هوي النفس الامارة بالسوء فان الناس يسمّون من له هذه الروية عاقلا و يعدّون معوية من جملة العقلاء و اما اهل الحق فلايسمّون هذه الحالة عقلا و الوجه في ذلك ان النفس الانسانية متي كانت نشأتها غير مرتفعة عن عالم الحركات و كان الغالب علي طبعها الجزء الناري التي شأنها سرعة الحركة و قوة الاشتعال فمثل هذه النفس النارية شديدة الشبه بالشيطان في استنباط الحيل و المكر و الاستبداد بالرأي و العمل بالقياس الفاسد و الاباء و الاستعلاء و الغواية و الاغواء بخلاف النفوس النورية المطمئنة الطبع المعتدلة الخلقة العالية الجوهر عن هذا العالم فان شانها الانفعال عن الملكوت الاعلي [ص 227] و التوكل علي الله في امر دنياه و استعمال الروية و الفكر علي سبيل القصد فلايكون مكّارا و لا بليدا فخير الامور اوسطها فهذا معني العقل المستعمل في هذا الموضع و مرجعه الي التعقل للامور و القضايا المستعملة في كتب الاخلاق التي هي مبادي للآراء و العلوم التي لنا ان نعقلها لنفعلها او نتجنب عنها و نسبة هذه القضايا الي العقل المستعمل في كتب الاخلاق كنسبة تلك العلوم الضرورية الي العقل المستعمل في كتاب البرهان فذانك العقلان جزءان للنفس الانسانية احدهما جزء انفعالي علمي ينفعل عن المبادي العالية بالعلوم و المعارف التي غايتها انفسها و هي الايمان بالله و اليوم الآخر و ثانيهما جزء فعلي عملي ليفعل فيما تحته بسبب الآراء و العلوم التي غايتها ان يعمل بمقتضاها من فعل الطاعات و الاجتناب عن المعاصي و التخلق بالاخلاق الحسنة و التخلص عن الاخلاق الذميمة و هو الدين و الشريعة فاذا حصلت الغايتان حصل التقرب الي الله و التجرد عما سواه .
الخامس - العقل الذي يذكر في كتاب النفس و هو يطلق علي اربعة انحاء و مراتب : عقل بالقوة و عقل بالملكة و عقل بالفعل و عقل مستفاد فاولها هو قوة من قوي النفس بل هي النفس من حيث نشأتها الاولي التي ليس فيها كمال و صورة عقلية كمالية و لا ايضا استعداد قريب لها لكن في قوتها ان ينتزع مٰهيات الموجودات كلها و صورها و ثانيها قوة من النفس او هي النفس من حيث استعدّت بواسطة العلوم العامية و الادراكات الاولية لان يحصل فيها صور الموجودات المنتزعة عن موادها الخارجية صايرة اياها متحدة بها اتحاد المادة بالصورة كما رأيناه و اليه ذهب بعض اعاظم الحكماء و ثالثها مرتبة كونها بالفعل كل المعقولات او اكثرها بان يتبدل وجودها الكوني الاول الذي كانت به صورة لمادة حسية الي وجود ثانوي و فطرة ثانية مستأنفة بها يتحد في ذاته المعقولات المنتزعة التي كانت اولا في موادها الكونية فحصلت ثانيا في تلك [ص 228] الذات و تلك الذات انما صارت عقلا بالفعل بالتي هي بالفعل معقولات و معني كونها معقولة في انفسها و موجودة في انفسها و كذا كونها معقولة لتلك الذات و موجودة لها و تلك الذات عاقلة لها كلها معني واحد و وجود واحد فاذن كونها عقلا و عاقلة و معقولة شئ واحد بلا واحد بلا خلاف حيثية توجب كثرة في الذات و الوجود بل في المفهومات و معاني الالفاظ و تلك المعقولات من قبل ان تنتزع من موادها كان وجودها دنياويا و كونا ماديا و هي كانت تابعة في وجودها لما يقترن بها فهي مرة اين و مرة متي و مرة ذات وضع و مرة ذات كمّ و احيانا مكيّفة بكيفيات جسمانية و احيانا تفعل و احيانا تنفعل و اذا حصلت معقولات ارتفعت عنها كثير من المفهومات الصادقة عليها من قبل فصار وجودها وجودا آخر فتبدلت الارض غير الارض و السماء غير السماء فصارت الارض مشرقة و السموات مطويات في نظر هذا العارف كما في يوم الآخرة بالقياس الي جميع و رابعها مرتبة من هذه الذات متي شاءت ان تعقل هذه المعقولات مفصلة احضرتها من غير ان تحتاج الي نزع و تجريد و تجشم كسب جديد كيف و قد انتزعها سابقا و تجردت و اختزنت بل لما حصلت له ملكة الاتصال بالعقل الفعال فهي متي نظرت الي العقل الفعّال استحضرتها لانها ما دامت باقية التعليق و التدبير لهذا العالم لمتكن دايمة الاستغراق لشهود الحق الاول و الاتصال به و بما يتلوه من واهب الصور باذنه و فعال المعقولات بقوته التي تمسك الارض و السموات و انما الذي لها في هذا العالم ملكة الاتصال علي وجه .
السادس - العقل المذكور في كتاب الالهيات و معرفة الربوبيات و هو الموجود الذي لا تعلّق له بشيء لا بمبدعه و هو الله القيوم فلا تعلّق له بموضوع كالعرض و لا بمادة كالصورة و لا ببدن كالنفس و ليس له كمال بالقوة و لا في ذاته جهة من جهات العدم و الامكان و القصور الا ما صار منجبرا بوجوب وجود الحق تعالي و لهذا يقال لعالمه عالم الجبروت و كله نور و خير لايشوبه شوب ظلمة [ص 229] الا ما احتجب بسطوة الضوء الاحدي و الشعاع الطامس القيومي و هو امر الله و كلمته و هو المنعوت بما جري في الحديث الاول و ما سيأتي في حديث آخر يذكر فيه جنوده و جنود الجهل فهذه معاني العقل المشتركة في الاسم و اما معانيه المشتركة في الاسم (كذا) و اما معانيه المختلفة بالتشكيك فمنها العقول الاربعة المذكورة في كتاب النفس فانها متفاوتة بالشدّة و الضعف و الكمال و النقص و منها مراتب العقل المذكور في كتب الاخلاق اولها تهذيب الظاهر و ثانيها تطهير الباطن و ثالثها مشاهدة المعلومات كلها او جلّها الرابع الفناء عن نفسه و رؤية صدور جميع الاشياء من الله و مرّ سابقا تفصيل مراتب العقل العملي فراجع و قال بعد ذكر مرتبة الرابعة هناك التخلق باخلاق الله كما ورد الامر به في قوله صلي الله عليه و آله تخلّقوا باخلاق الله و هذا آخر الدرجات لكلا العقلين فيتحدان في هذه الغاية و ليس وراء عبادان من قرية و منها ان العقل بالمعني السادس عند طايفة من الحكماء كثير العدد فتلك الكثرة لو تحققت كما يقولون فليست كثرة تحت نوع و لا ايضا كثرة بالفصول كما هو عندهم و لا بالعوارض الخارجية حاشا العالم القدس عنها لانها تستلزم الحركة و المادة بل انما هي مراتب وجودية بسيطة متفاوتة بالاشدّ فالاشدّ و الانور فالانور فهي كانوار و اشعة متفاوتة في الكمال و القرب الي نور الانوار و منها ان الفرق بين الصور العقلية المنتزعة عن المواد بتجريد و نزع و بين الصورة العقلية التي هي مفارقة عن المواد في اصل الفطرة فرق ايضا بالكمال و النقص لا بشيء آخر و منها ان العقل الذي هو عبارة عن الغريزة الانسانية التي يمتاز الانسان عن البهائم ليس امرا مساويا في افراد الناس كلها بل الحق ان جواهر النفوس الانسانية في اصل الفطرة مختلفة في الاشراق و الكدورة و الضياء و الظلمة فبعض النفوس في صفاء الجوهر و قوة الذكاء و استعداد الاستضاءة بحيث يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار فلايحتاج الي معلّم بشري لان يستكمل ذاته بانوار المعرفة و الهدي و بعضها في كدورة الجوهر و خمود نور القريحة بحيث [ص 230] لاينتجع فيه تعليم و لا تأديب ثمّ قال الآخوند رحمه الله بعد بيان هذه الاقسام فاذا انكشفت عليك ايها السالك هذه المقدمات و الاحكام و تمثلت في ذهنك هذه المعاني و الاقسام علمت ان العقل بايّ المعاني يقع الاشتباه بينه و بين النكراء و الشيطنة و منشأ الاشتباه ان كلا منهما مشترك في انهما جودة الروية و سرعة العقل في امور و قضايا هي مبادي آراء و اعتقادات فيما يجب ان يؤثر او يتجنب سواء كانت في باب الخير و الآجل او في باب الشرّ و العاجل لكن المتعلق بالدنيا من التعقلات و الحركات الفكرية لايخلو عن افراط و تفريط و اعوجاج و تشويش و اضطراب و عجلة كما هو من فعل الشياطين و عبدة الطاغوت و اما الصادر من عباد الرحمن المتعلق بامور الدين و العرفان فيكون علي سبيل اطمينان و سكون و احكام و استقامة فهذا افضل الاخلاق الحسنة و ذلك اردأ الملكات الردية النفسانية المسمّي بالجربزة و البلاهة احسن منه لانها كما قيل ادني الي الخلاص من فطانة بتراء فقوله (ع) ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان هو تعريف العقل بهذا المعني و هو المقابل للشيطنة بوجه و للبلاهة بوجه آخر ثمّ نبّه علي مكنون قلبه و قال : اعلم ان جميع معاني العقل علي تباينها و تشكيكها يجمعها امر واحد يشرك الكل فيه و هو كونه غير جسم و لا صفة لجسم و لا جسماني بما هو جسماني و لاجل اشتراكها في هذا المفهوم يصح ان يجعل موضوعا لعلم واحد و ان يوضع له كتاب واحد يبحث عن احوال اقسامه و عوارضها الذاتية و قوله ذلك صريح في ان جوهره واحد في الحقيقة و ذلك قول مخالف للكتاب و السنة كاغلب بياناته في تقسيماته فانها محض تخييلات بالرأي و لا اصل لها و لكني في المقام لست بصدد الرد و البحث لانجراره الي طول الكلام و لكن من عرف ما بيّنّاه و وقف علي ما شرحناه يتضح له السبيل و يقف علي الحق بالبرهان و الدليل فتدبر .
فصل - وعدت في الفصل السابق اثبات وجود العقل في كل شئ بحسبه [ص 231] بالبراهين القطعية و هذا المقام انسب لبيانه من ساير المقامات و قد مرّ سابقا ذكر هذه المسألة مجملا و لكني لمافصّلها و لماذكر برهانها ، فاعلم ان اقوال الحكماء في المسألة مختلفة فمنهم من اثبت لكل شئ عقلا و منهم من انكر ذلك و الحق ان جميع الخلق عقلاء من الدرّة الي الذرّة الا ان عقولهم متفاوتة في الدرجة و الاشتداد و الضعف و معرفة هذه المسألة علي الحقيقة تحتاج الي بيان علي نهج الاختصار فاعلم ان الله خلق اول ما خلق العقل كما ذكرت و هو الماء الاول الذي منه كل حي كما قال الله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و قال خلق كل دابة من ماء ، و في الخبر اول ما خلق الله الماء ، و ثبت سابقا ان العقل هو اول ما خلق الله فهو الماء الاول و المادة الاولي و جميع الخلق خلقوا منه و من تنزلاته علي ما ذكرت في السلسلة الطولية و قد تنزل حتي بلغ المنتهي و هو التراب و في كل مرتبة نقص من كمالاته بحسب بعدها من المبدأ الي ان انتهي الي غاية البعد فقعد عن كل فعلية كاملة و فقد كل صفة شريفة الا محض الانفعال و الايتمار بفعل العالي و امره و هو من كمالات العقل الاول اذ قبول امر العالي و الانفعال بفعله هو نفس الاستشعار و هو صفة الماء نعم الماء الاول لشدّة صفائه و كثرة لطافته كان شاعرا لامر الله بنفس المشية من غير وساطة شئ و ساير الخلق لبطئ انتقالهم و غلظة طينتهم لايستشعرون منها بغير واسطة و وسايط فالتراب الذي هو في غاية البعد لايكاد يستشعر امر الله الا بواسطة جميع الوسايط العالية و هي تترجم امر الله للافلاك و هي لكونها جسمانية تشارك التراب في المادة الجامعة فيتمكن من الانفعال بفعلها للاطلاع عليها و الافلاك تلقي امر الله اليه بشعلاتها و حركاتها و يعبّر عن ذلك بالامر و قول اقبل فيأتمر التراب و يقبل و اقباله بشعوره اذ ليس الشعور الا ذلك الا انه جري الاصطلاح علي تسمية ذلك بالقبول و تسمية انفعال العقل المعنوي بالتعقل و الا فجميعها بالتعقل فافهم فللتراب عقل الا ان عقله انفعاله [ص 232] و ايتماره بحرارة الافلاك و لكن الناس زعموا ان العقل مطلقا اسم للجوهر الدرّاك للمعاني فلذلك سلبوه عن غير الانسان و لكن اذا عممت المعني تعرف الحقيقة ثمّ ان التراب اقبل الي مبدئه و في اول قدمه تصوّر بالمعدنية فلطف و صفا بدرجة واحدة و بقدر صفائه صار استشعاره اكثر الاتري ان المعدن يصلح لقبول تصريفات كثيرة و يتقلب بانواع التقلبات فهو شعوره اكثر ثمّ يترقي بحسب ايتماره و صلوحه درجة اخري و يصعد مرتبة اخري فيصير نباتا و لاعتداله في تركيبه كمّا و كيفا صار شعوره اكثر فيستشعر جميع تأثيرات الكواكب و آثار الهواء و الارض و الماء و يتغير بتأثير كل مؤثر و يأتمر بامر كل امر طبيعي بل ربما يري من بعض النباتات شبيه شعور الحيوانات كما لايخفي علي المتأمل و كذلك يصعد درجة اخري لكثرة شعوره الي الحيوان فيؤثر فيه المؤثرات الحيوانية و قبل هذه المرتبة لميكن يستشعر اوامرها مع انها دائمة و منادي الرب لايفتر و لايقصر و لكن قابلية التراب لايجيب الا بعد الاستعداد و استعداده لقبول الامر المربي للحيوانية بعد وصوله الي النباتية فيترقي منها الي الحيوانية و شعوره ظاهر بيّن الا انه ادون من الانسانية ثمّ من الانسان الي اعلي الدرجات شعورهم ظاهر بيّن لايحتاج الي اثبات و خلاصة الكلام بنحو بيّن ظاهر ان الشاعر هو الجوهر المنفعل و هو الماء و الوجود الثابت في كل موجود و لكنه لايكون في كل شئ بدرجة واحدة فان لكل خلق درجة فاذا كان هذا الجوهر الصافي لطيفا متحدا صافيا ينفعل باقل اشارة و ادني عبارة كما تري في بعض افراد البشر بل ربما يبلغ مبلغا ينفعل بالخبايا و الخفيات فربما يرتب مقدمة امر تنتج بعد سنوات و هذا الجوهر الشريف ينظر اليها و يتفطن و يتذكر النتيجة الغايبة و لذلك يقال ان العقل عالم بالغيب كما انك تنظر الي السم مثلا و تعرف ان شاربه يموت بعد ساعات و تنظر الي الترياق و تعرف ان شاربه يشتفي و كذلك يترقون في درجات العقل الي ان يبلغوا مقاما يعرفون الاسرار البعيدة عن الاذهان [ص 233] من المقدمات الدقيقة و ليس ذلك الا بالتفرس و لكن البلهاء لايكادون يعرفون الا ما شاهدوه باعينهم او جرّبوه و كذلك الحيوانات لايكادون ينفعلون من هذه الدقايق و لكنهم ينفعلون من بعض الخفيات الجزئية باوهامهم الظلية و النباتات لاتدرك الا ما التصقت به و كذلك المعادن دركها اقل الي ان التراب ادراكه اقل قليل كما مرّ فجميع الآباء العلوية و الامهات السفلية و المواليد اولوا الالباب الا ان عقولها بحسبها و لهذا المطلب الشريف ادلة جدلية كثيرة اشير الي بعضها : منها ان العقل هو غاية الخلق كما مرّ سابقا فلو لمتكن موجودة في كل شئ بحسبه لكان الخلق لغوا و منها ان العقل مادة المواد و اصل الاصول و صور جميع الكاينات متحققة بها فلو كان معدوما في بعض الصور للزم تحققها بلا مادة و ان قلت انه مادة للخلق الثاني لا لساير الخلق فلايقوم ساير الخلق به اقول ان المواد مترتبة بعضها علي بعض و كل مادة سافلة متحققة بالمادة العليا فلايمكن خلو مقام عن المادة العليا و منها ان جميع الفيوض و الامداد نازلة من عند الله و هو يعطي خلقه ما يعطيهم بمشيته و العقل واسطة بين المشية و المشاءات و يأخذ كل فيض منها و يعطي غيره فلا بدّ من ثبوته في كل مقام للسفارة و الوساطة و منها ان العقل جوهر مجرد كلي و هو خارج عن جميع حدود ما دونه فلايحد بشيء منها كما هو صفة كل مجرد فبه ملأ جميع الاصقاع من الغيب و الشهود و تنوّر بضوئه كل موجود و بالجملة الادلة الجدلية علي هذا المطلب اكثر من ذلك و لكن مرادنا الايجاز و اشرف الدليل دليل الحكمة التي قدّمناها فانه في الواقع من الكشف ثمّ ان الكتاب و السنة ناطقان بثبوت العقل لكل موجود قال الله تعالي و ما من دابة في الارض و لا طاير يطير بجناحيه الا امم امثالكم فاذا كانت امما مثل البشر فهي عقلاء مع ما تري في قوله تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير و لاينذر الا العقلاء فجميعها عقلاء و كذلك نري ان الله سبحانه ارجع الي الكل بضمير العقلاء في قوله و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم [ص 234] فان هُم ضمير مخصوص بالعقلاء و ارجعه الي جميع الخلق مع انه نسب اليهم التسبيح و كلامه محمول علي الحقيقة و التسبيح الحقيقي لايتصور لغير الشاعر و قال مخاطبا للارض و السماوات ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين و لايجوز مخاطبة من لايشعر و هو لايجيب و لايطيع ابدا و كذلك ورد اخبار عديدة تدل علي كون جميع الخلق مكلفين و عرض الولاية عليهم و قبول بعض و انكار بعض و جميع ذلك شأن العقل فان تكليف غير العاقل قبيح و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و اخبار الباب كثيرة فاطلبها من مظانّها .
فصل - لما اتينا علي ما يتعلق بالعقل في المقام ناسب ان نذكر شطرا من بيان نسبة العاقل بالعقل و المعقول و كذلك نسبة العقل بالمعقول و قد شاع في اَلسنة تابعي الآخوند رحمه الله اتحاد العاقل بالمعقول و العقل حتي انهم انسوا بهذا القول الشنيع بحيث ينكرون غيره حتي انهم ربما يعدّون من قال بغير ذلك قشريا و لكن المنصف يعرف انهم قشريون لايعلمون الكتاب الا اماني و ان هم الا يظنون و لا بدّ لي من ان ابيّن الحق في المقام بقدر اقتضاء المحل و اقدّمه علي نقل قولهم و ادلتهم ليكون الطالب علي بصيرة و قد مرّ في القسم الاول في علم الله تعالي بعض ما يتعلق بالمسألة و يأتي بعضها ايضا بعد و اعلم ان الآخوند (ره) ذكر هذه المسألة في الامور العامة لانها علي رأيه من عوارض مطلق الوجود و لكني اختار في كل مقام ذكر بعض فروعها بقدر المناسبة لسهولة تلقيها علي الطلاب و لا بدّ لبيان المطلب علي ما ينبغي من ذكر مطالب :
الاول - في تعريف العاقل و العقل و المعقول فان ذلك هو العمدة في المطلب ، اعلم ان العاقل هو ذات ظهرت بالعقل كما ان العالم ذات ظهرت بالعلم و القادر ذات ظهرت بالقدرة و كذلك ساير الصفات و المدارك و المشاعر و الذات من حيث هي منزهة عن الوصف فلاتكون عاقلة اذ لو كانت عاقلة بالذات لماظهرت بالسفه فان ذلك مسلّم لا شك فيه ان الشئ لايظهر بضده فان الاسود بالذات [ص 235] لايصير ابيض و السواد لايكون بياضا و ذلك ظاهر لا غبرة عليه و كذلك العاقل بالذات لايصير سفيها و نري ان زيدا يكون هو هو في حال سفهه و عقله كما يكون زيدا في بصره و عماه و كل ما رأيت الشئ ظاهرا بصفتين متضادتين فاعلم انه فوقهما منزّه عن صبغهما و انت تري عيانا ان زيدا زيد في جميع حالاته من سفهه و عقله و كماله في العقل و نقصه فذاته غير عاقلة بالذات و برهان آخر انك تري انك تنسب العقل الي نفسك و تقول عقلي و لو كان العقل عين ذاتك او صورتها لماكنت تنسبه الي ذاتك و برهان آخر ان العقل قابل للزيادة و النقصان و الذات لاتزيد و لاتنقص و قول الآخوند انه يشتد وجود العاقل بالتعقل قول زور لا برهان عليه ان كان مراده ما يستفاد من ظاهر بياناته و ان اراد من ذلك معني صحيحا سايغا في الذوات فلايضرّ و قد نشأ قوله ذلك من قوله ان التشخص بنفس الوجود و التفاوت بالضعف و الاشتداد و قد اثبتنا بطلان هذا الرأي في ما مضي علي انه يلزم من ذلك ان يكون نفس الوجود المطلق هو زيد حتي يبقي علي الزيدية في جميع الحالات و الا للزم من ذلك ان لايبقي علي الزيدية بعد اشتداد وجوده و لو كان نفس الوجود زيدا للزم ان يكون كل الموجود زيدا و هذا خطاء و برهان آخر انا نقول ان الذات تكون عاقلة من حيث كونها ذاتا او من حيث الاضافة الي العقل فان قلت بالاول يلزمك القول بانها عاقلة و ان لمتعقل فلايتفاوت علي ذلك حالتاها فلاتثاب بعلمها و لاتعاقب بجهلها او تثاب مطلقا و هذا قول مخالف للشرع و العرف و العقل و النقل و ان قلت بالثاني اقول فحال الاضافة غير نفس الذات و هي عرض فالذات منزهة عن الاتصاف بالعقل فلاتكون عاقلة و لكن الله تعالي خلق لها في مملكتها عقلا و هو مشعر معنوي كلي و الذات تتجلي له و به و تشعر به و هو بمنزلة القلم في الملك فكما ان الله تعالي يجري في ملكه ما يشاء بالقلم كذلك ذات الانسان يجري بعقله ما تشاء في المشاعر ثمّ ان العقل بنفسه جوهر درّاك كلي معنوي علي ما عرفت [ص 236] سابقا و هو مقام الكلية و الجمعية و قد يقال انه للبدن بمنزلة العرش لعالم الاجسام و علي ايّ حال هو لكليته لايقوم في مقام و لمعنويته لايحد بصورة و لتجرّده لايكون جسما و لا جسمانيا بل لايتعلق بنفسه بالجسم لتجرده الكامل و النفس و ان كانت مجردة الا انها مجردة في ذاتها و لكنها تتعلق بالاجسام بفعلها فالعقل المجرد الكلي بنفسه لايكاد يتعلق بشيء و لايتعلق به شئ اذ لو صار متعلقا بغيره لصار حالّا و لو صار غيره متعلقا به لصار محلا فخرج بذلك عن الكلية و المعنوية و التجرد و بوجه آخر نقول ان عروض شئ بشيء يفرض في غير المجردات و اما المجرد فلايعرضه شئ و الا لماكان مجردا ، انظر الي الامثلة الجزئية التي تجدها بعينك ان السواد لايعرض البياض بل البياض لايعرض الطول مع انه من غير مقولته و لكن الجسم يمكن ان يتكيف بلون و يظهر بطول معا و ذلك لانه مادي قابل و الامثلة فوق القوي و الاستعدادات فلايفرض فيها تغيّر الحالات و اذا كان الامر فيها هكذا مع انها ليست مجردة في الواقع فما ظنّك بالعقل الذي هو فوق جميع الدهريات فهو منزّه عن التهيأ و التصور بنفسه نعم بعد ما تجلي في العاقلة بواسطة النفس يرتبط بها بالمعاني و يدركها و الدرّاك في الواقع هو العقل و العاقلة آلة له كما ان البصير هو الروح و العين آلة لدركه فافهم ذلك و اتقنه و ان قلت ما بال العقل يزيد بادراكاته اقول زيادته بقوته في نفسه و زيادة انبساطه و اقتداره لا بلحوق غيره به فان ما يرد عليه لاينافيه و لايخالفه و مثل ذلك مثل الماء مثلا فانه جسم بارد رطب و قد ظهر في فرد من افراده بحسب صلوحه و كل ما صفّيته و لطّفته يزداد صفاء الماء و سيلانه و رطوبته و غير ذلك من كمالاته و لايزيد في مائيته شئ و لايلحق مائيته شئ فافهم فانه دقيق فان قلت انه لميزد علي الماء شئ لصدقت و ان قلت انه زاد عليه لصدقت و كذلك الامر في باب زيادة العقل و بوجه آخر نقول كلما يزيد ادراكاته يصفو مشاعره و كل ما ازدادت صفاءا صفا عقله و رفع [ص 237] الغشاء عن وجهه فيزيد ظهورا فافهم و تبصر حتي تقف علي المراد ان شاء الله ، و اما المعقول فهو المعاني الجزئية و الكلية يعقلها الانسان بعاقلته و واهمته و فكره و وجه ادراكها يظهر لك في ما سيأتي ان شاء الله و مختصر القول بقدر ما يقتضيه المقام لبيان حقيقة المعقول لمعرفة نسبته الي العاقل و العقل ان الادراك هو الوجدان و معني الوجدان ان تجد شبح الشاخص الخارج في مدركك فتدركه هنا بنفسك و عقلك بقدر ظهوره لك و مثل ذلك يظهر لك في الحواس الظاهرة ان شبح السراج مثلا ينفذ في الهواء او جسم صقيل آخر كالماء و الاحجار الصيقلية و ينفذ منه في العين حتي يقع علي جدار العصبة و هي حية بحيوة الروح و في غاية اللطافة و بسبب لطافتها صارت مشتعلة بالروح كاشتعال الدخان بالشعلة و الروح درّاك مطلق فاذا تعلق بالعصبة يجدها دائما الا انها خالية من لون و هيئة مخالفة لطبع الروح فلايحصل له بدركها تألم و انصدام فلايلتفت الي انه يدرك شيئا و لكن اذا ورد لون خاص من الخارج عليها تتلون به فيجدها الروح منصبغة و يلتفت اليها لكونها جديدا و اذا طال مدة الانصباغ حتي استأنس الروح بها لايلتفت الي ادراكه لها لانها تكون حينئذ كطبيعة ثانية للعصبة و ذلك مجرب مشهود سيّما في الروايح الاتري ان من استعمل المسك لايجد رايحته بعد مدة و من اكل البصل لايستشم رايحته و ليس ذلك الا للانس و بالجملة فالادراك بالحواس الباطنة ايضا مثل الحواس الظاهرة فان الشبح اذا ورد الحاسة الظاهر و انطبع فيها يتأثر منه الروح البخاري و هو مركب للحس المشترك و الحس مظهر للخيال و الفكر و الوهم و العلم و العقل و هي في نفسها افعال النفس تظهر في الحس في مواطن مختلفة علي ما سيجيء و نفس الحس يتصور بصورة الشبح الوارد عليه و النفس ظاهرة فيه مدركة منه الا انها تدرك في كل بطن من بطون الدماغ جهة من جهات الشبح بحسب طبيعة الحس المشترك في المقام كما انها تدرك بواسطة الروح الحيواني من كل حاسة شيئا من المدركات [ص 238] و لايدرك من كل واحدة منها جميعها و ليس ذلك من نقص الروح و النفس بل النقص من المدرك فانه لغلظته و كثافته لاينفعل بجميع المدركات فان العين بسبب نقصانها في خلقها لاتصلح للسمع و الشم و اللمس و ان كان الروح كاملا في دركه و لكنه لايكاد ينفعل بغير الرؤية من العين و كذلك حالها في ساير المشاعر ففي كل مرتبة من المراتب و مقام من المقامات يدرك النفس منها امرا خاصا و جهة مخصوصة فافهم ذلك فهي تتفكر في الفكر و تتوهم في الوهم و تتخيل في الخيال و تتعلم في العلم و تتعقل في العقل و جميع مدركاتها من تمام ما به الشئ شئ فانه لايكون شئ في الملك الا و له صورة جزئية من متمماته و صورة كلية ظاهرة في تلك المتممة و لها معني جزئي رابطي بحسب ارتباطها بمادتها و ما في عرضها و محلها و ساير نسبها و قراناتها و هو في الواقع من الآثار المترتبة علي الشئ و لها نسبة بغيرها من النسب الفكرية التي سيجيء بيانها و معني كلي هو بمنزلة الروح في بطن الصورة و هو الكلي الظاهر فيها و يدرك النفس في كل مشعر من مشاعرها ما يتعلق فيحصل لها من المجموع صورة نفسانية علمية كلية و تؤدّي معناها الكلي البسيط الي العقل فافهم و اغتنم فالمحسوس هو الشبح الوارد علي الحاسة لا نفس الحاسة و المُدرَك بفتح الراء هو الشبح الوارد علي الخيال و المعلوم هو الشبح الوارد علي العالمة و المعقول هو الشبح الوارد علي العاقلة لا غير فافهم فالمعقول في الواقع لايكون عقلا و لا عاقلا بل هو الشبح المنفصل المستنبط من الشبح المتصل الا علي المعني الذي سنبيّنه ان شاء الله نعم في العقل الكلي لغاية بساطته و وحدته يجوز ان نقول ان المعقول متحد معه لعدم الاختلاف و لعدم ورود غيره عليه و اما الذات فهي بريئة عن هذه الحدود فافهم .
الثاني - ربما يشتبه الامر فيما اذا لوحظ علم الذات بنفسها و عقلها لها و لكني ارجو من فضل الله علي ان يجري علي قلمي حق القول فيه و كثيرا ما [ص 239] يلوكون هذا الكلام بين لحييهم و لايعرفون حقيقته فاعلم بحول الله و قوته ان حقيقة العلم فعل العالم و العقل فعل العاقل و العاقل و العالم هو الذات و الذات في نفسها منزهة عن ان يجري عليها ما هي اجرته او يعود فيها ما هي ابدته كما ان الخيال فعلها و الوهم فعلها و السمع فعلها و الرؤية فعلها و الذات بنفسها هي الحقيقة الصرفة فلا معني لان يقال انها علمت نفسها فانا نقول هل علمها بالعلم او بغيره فان قلت انها علمت بالعلم فذلك غير معقول لان العلم صفتها و فعلها و الصفة لاتدرك حقيقتها و ان قلت انها علمت بغير علم فذلك معني آخر غير ما يعرفه العامة و الانسان مالك لسانه و قوله و يقول الكلام و يريد منه وجوها كما قال الامام العالم عليه السلام كان عالما و العلم ذاته و لا معلوم ، و معني ذلك ان ذاته هي العلم لا بمعني انها علم غيرها بل العلم اسم من اسمائنا و ليس علمها بمعني العلم الفعلي اذ العلم الفعلي مع معلومه و قال انه عالم و لا معلوم و ليس معني ذلك انها علمت نفسها فانها لاتحتاج الي ذلك اذ هي هي و لا غير مع ان الذات لاتكون لها حيث عالمية و حيث معلومية بخلاف الروح المخلوق فانه ذو حيثين له حيث عالمية و هو اعلي مقامه و حيث معلومية و هو حيث تعلقه بالاسفل و لكن الذات لاتتعلق بغيرها و ليس معني قول الامام لما خلق المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم ان الذات وقعت علي المعلوم فانه يلزم من ذلك اضافة القديم الي الحادث و حلوله فيه او تعلقه به و يلزم من ذلك انقلاب القدم الي الحدوث و ذلك خطاء و لكن معني كلامه عليه السلام ان المعلوم بعد ما خلق وقع العلم المخلوق الذي هو كمال الذات عليه اي صار اعلي درجته كما مرّ سابقا في علم الله تعالي فراجع و بالجملة فالعلم الذاتي علم بلا معلوم فهو حيث واحد هو حيث نفس الذات لا غير و ليس لها حيث غيرها فلا معني مطلقا لمعلومية الذات فلا معني لقولك انها علمت نفسها و ان قلنا يوما انها علم نفسها نريد انها لاتفقد نفسها كما في خبر سلمان ( عمران ظ ) سأل الرضا عليه السلام هل كان الكائن معلوما في نفسه [ص 240] عند نفسه قال الرضا عليه السلام انما تكون المعلمة لنفي خلافه و ليكون الشئ عن نفسه بتحديد ما علم منها انتهي ، انظر كيف بيّن و شرح عليه السلام لعمران الذي كان من اهل الكلام و حاصل الكلام انه لايقال انه علم نفسه لان العلم لنفي خلافه و لا خلاف هنا و ليكون الشئ عن نفسه بتحديد ما علم منها و الذات لاتكون محدودة فافهم نعم ربما كانوا يجوّزون استعمال لفظ العلم و المعرفة في بعض المقامات لئلايقع العوام في الشبهة كما في الخبر سئل الرضا عليه السلام هل كان الله عارفا بنفسه قبل ان يخلق الخلق قال نعم و قيل لابيجعفر عليه السلام جعلت فداك ان رأيت ان تعلمني هل كان الله جل ذكره يعلم قبل ان يخلق الخلق انه وحده فقد اختلف مواليك فقال بعضهم قد كان يعلم تبارك و تعالي انه وحده قبل ان يخلق شيئا من خلقه و قال بعضهم انما معني يعلم يفعل فهو اليوم يعلم انه لا غيره قبل فعل الاشياء و قالوا ان اثبتنا انه لميزل عالما بانه لا غيره فقد اثبتنا معه غيره في ازليته فان رأيت يا سيدي ان تعلمني ما لااعدوه الي غيره فكتب عليه السلام مازال الله عالما تبارك و تعالي ذكره انتهي ، و سياق البيان يدل علي المراد فان الناس لجهلهم اختلفوا في المسألة و من سياق قولهم يظهر قلة معرفتهم فبيّن عليه السلام للسائل الذي تحيّر من هذه الاباطيل كلاما مجملا يكتفي به فقال مازال الله عالما و ابهم الكلام و لميذكر المعلوم مع ان كلامهم كان في العلم بالوحدة و لو كان مراده اثبات العلم بها لذكرها و لكن قال انه مازال عالما فانكر بذلك قول الجميع اما قول القائلين بحدوث العلم له فردّه بقدم علمه و اما قول من قال بانه عالم بالوحدة فاوضح بطلانها باطلاق كلامه انه تعالي عالم مطلق و لا معلوم و لا معني للعلم بالوحدة اذ ليست صفة زائدة علي الذات بخلاف الوحدة الخلقية فانها صفة زائدة علي الشئ فالواحد ربما يعلم انه واحد و ربما لايعلم و اما الذات فوحدتها عينها و هي عين علمها و لا مخالف لها حتي تحتاج الي نفيها فاني يكون تعلم فافهم فانه مشكل فمعني علم الذات بها انها هي هي [ص 241] فهي عالمة و لا معلوم فليس العالم متحدا بالمعلوم فافهم و افتح عينك حتي لاتخبط خبط العشواء و اما علمها بغيرها فهو علم خلقي و هو عين المعلوم كما قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة له فارق الاشياء لا علي اختلاف الاماكن و تمكّن منها لا علي الممازجة و علمها لا باداة لايكون العلم الا بها و ليس بينه و بين معلومه علم غيره ان قيل كان فعلي تأويل ازلية الوجود و ان قيل لميزل فعلي تأويل نفي العدد فسبحانه و تعالي عن قول من عبد سواه و اتخذ الها غيره علوا كبيرا ، انتهي موضع الحاجة من كلامه فعلمه تعالي بالمعلوم نفس المعلوم و لايلزم من ذلك جهل الله تعالي به اذ هو المحيط بجميع خلقه من ورائهم فلميزل عالما بالمعلوم في مقامه و هو كلام مشكل و لايلزم من ذلك حضور المعلوم في الذات كما زعمه بعض المتصوفة و لا كونها محدودة بمعلومها بل ذلك بنحو آخر مكتوم قد بينّاه في ما مضي بقدر سعة العبارات و اقتضاء الزمان و استعداد ابنائه و لانعيد ثم اعلم انه يجوز لنا ان نقول باتحاد العالم و المعلوم في المقام بوجه و هو انه قد ظهر لك في ما مضي ان الذات تتنزه عن جميع الصفات فلاتوصف بالعالمية مطلقا لانها حدّ و هي منزهة عن كل حدّ و ان قلنا ان الذات عالمة فذلك بمعني آخر مجوز لا المعني المتعارف المتبادر الي الاذهان و لكنها تجلّت للعلم الذي هو من كماله و علمت المعلوم به و ذلك قوله عليه السلام و لما خلق المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم ، فبظهورها و تجليها الواقع علي المعلوم علم المعلوم و ليس معني ذلك العلم بالاداة المنفي في الخبر بل هو العلم بالعلم و الاداة هو المدرك الذي يعلم العالم به كالعالمة للانسان و هي غير العلم فمعني الخبر ان علم الله تعالي حضوري لا باداة اخري فافهم فهو تعالي يعلم في علمه بالمعلوم و قبل تجليه بالعلم لايوصف بالعالم كما انه يشاء في المشية و قبل المشية لايكون شائيا اذ لا معني للشائي بلا مشية و المريد بلا ارادة فظهور الفاعل في الفعل و العالم بالعلم علي الحقيقة لا المجاز فالعالم عالم في العلم لا غير [ص 242] و مثال ذلك يظهر لك من الكَتْب فانك لاتكتب بذاتك بل ما من ذاتك كمال مطلق و اول ما يصدر منه فعل مطلق و يظهر فعلك في بطن يدك بلون الكَتْب فالكاتب في الواقع يدك بقوة ذاتك و قدرتها المستطيلة عليها فبمقتضي ذلك يجوز ان يقال ان العالم و العلم و المعلوم و العاقل و العقل و المعقول واحدة بهذا النظر و ان قلت لايصدق القول في الكتب اقول ان دققت النظر و تعمقت في الفكر تعرف ان الامر في المقام ايضا هكذا فان المكتوب الحقيقي هو المصدر الصادر من الكاتب بكتبه و اما الخطوط المنقوشة علي القرطاس فهي آثاره الظاهرة عليه بمشايعة حركة اليد كاثر القدم للساير و البناء للبنّاء و كلامنا في المفعول الواقعي لا المفعول به فالمكتوب هو ما صدر منك و هو الكتب الا ان القلم لاتصاله بيدك ظهر عليه حركتك و المداد لقوامه بقي علي القرطاس علي شكل كتابتك فافهم و كتابك الحقيقي هو الذي يبقي معك و يحشر و ينشر و هو فعلك و الخط و القرطاس يبليان و لو كان مكتوبك في الواقع الكتاب لكان يفني بفنائك بل بفناء فعلك فان الاثر لايبقي بعد مؤثره و قد مرّ سابقا شرح ذلك في بيان التأثير فراجع و قد فرّق الآخوند رحمه الله بين العلم و الفعل بما يجري علي مذهبه لا علي مذهبنا و لانحتاج الي نقل قوله هنا ، هذا بالنسبة الي علم الله تعالي بخلقه و اما بالنسبة الي الخلق فاذا قطعت نظرك عن الاعراض اللازمة للاجسام و قصرت علي النظر الي الحقايق و آثارها يكون الامر علي هذا المنوال و لذلك جعل الله نفسنا آية تعريفه و تعرفه فان علمك اثرك و قد صدر منك علي نحو الاطلاق و ظهرت فيه به له و قد تخصص بعلوم مختلفة في بطن المشاعر و هي ليست الا كقراطيس ينقش عليها الخطوط فاذا قطعت النظر عن النقوش تري نفسك علمك ثابتا لك و هو معلومك و فيه عالميتك و لايلزم من ذلك تكثر ذاتك و لا ورود شئ غيرها عليها و ان عرفت اشارات كلام شيخنا اعلي الله مقامه تعرف هذا المطلب و بالجملة فالاتحاد بهذا الوجه صحيح و لكن بمعني ما قالوه باطل فان حاصل كلامهم ان [ص 243] الذات هي العالمة و المعلوم نفس الشئ الخارجي و العلم وجوده لك فانت اذا علمت زيدا قائما مثلا تكون انت العالم بذاتك و زيدا معلوما بنفسه و علمك حضوره لك فكيف يتصور الاتحاد بهذا المعني و كذلك في علم الله يقولون ان العلم نفس المعلوم و المعلوم حاضر في الذات و هذا كفر صراح .
الثالث - قد استدل الآخوند رحمه الله علي مذهبه بدليل اذكره هنا قال صحّ عند جميع الحكماء ان الصورة المعقولة بالفعل وجودها في نفسها و وجودها للعاقل شئ واحد من جهة واحدة بلا اختلاف و كذا المحسوس بما هو محسوس وجوده في نفسه و وجوده للجوهر الحاسّ شئ واحد بلا اختلاف جهة فاذا كان الامر هكذا فلو فرض ان المعقول بالفعل امر وجوده غير وجود العاقل حتي يكونا ذاتيين موجودتين متغايرتين لكل منهما هوية مغايرة للاخري و يكون الارتباط بينهما بمجرد الحالية و المحلية كالسواد و الجسم الذي هو محل السواد لكان يلزم حينئذ ان يمكن اعتبار كل منهما مع عزل النظر عن اعتبار صاحبه لان اقل مراتب الاثنينية بين شيئين اثنين ان يكون لكل منهما وجود في نفسه و ان قطع النظر عن قرينه لكن الحال في المعقول بالفعل ليس هذا الحال اذ المعقول بالفعل ليس له وجود آخر الا هذا الوجود الذي هو بذاته معقول لا بشيء آخر و كون الشئ معقولا لايتصور الا بكون شئ عاقلا له فلو كان العاقل امرا مغايرا له لكان هو في حدّ نفسه مع قطع النظر عن ذلك العاقل غير معقول فلميكن وجوده هذا الوجود العقلي و هو وجود الصورة العقلية فان الصورة المعقولة من الشئ المجردة عن المادة سواء كان تجردها بتجريد مجرد اياها عن المادة ام بحسب الفطرة فهي معقولة بالفعل ابدا سواء عقلها عاقل ام لا و ليس حكم هذه المعقولية كحكم متحركية الجسم الذي اذا قطع النظر عن محركه لميكن هو في ذلك الاعتبار متحركا بل جسما فقط و ذلك لان وجود الجسم بما هو جسم ليس بعينه وجوده بما هو متحرك و لا كحكم متسخنية الجسم اذا قطع النظر عن تسخين مسخّنه [ص 244] فانه لميكن هو متسخنا عند ذلك لان وجوده بعينه ليس وجود السخونة و لا كذلك حكم المعقول بالفعل فانه لايمكن ان يكون الا معقولا بالفعل لان ذلك الكون في نفسه هو بعينه معقوليته سواء عقله غيره او لميعقله فهو معقول الهوية بالفعل من غير حاجة الي عاقل آخر عقله فاذن هو عاقل كما انه معقول بالفعل و الا لزم انفكاك المعقولية بالفعل عن العاقل بالفعل و قاس امر المحسوس ايضا بالمعقول هذا غاية برهانه في المقام و كأنه زعمه وحيا من عند الله اذ ذكره في غير هذا الكتاب و ادّعي في اسفاره انه كشف له بعد التوسلات و ذكره محض التحديث بالنعمة و تري ان جميع برهانه داير مدار ادعائه ان وجود الشئ في نفسه عين وجوده لعاقله و هذا الكلام محض ادعاء لا برهان له من عند الله نعم هو يصحّ علي قولهم بوحدة الوجود و علي هذا القول الفاسد لايصحّ اخراج الماديات و ساير الصفات من ذلك كما يظهر لك بادني تأمل و مرّ سابقا في مبحث الوجود و الماهية ما ينبغي ان يراجع و قد بيّن الشيخ الاوحد الامجد اعلي الله مقامه في ردّ برهانه كلاما شريفا احكيه بعينه تبركا و تيمنا و لانه احسن من كل كلام ،
قال اولا قبل خوضه في الردّ ان الشبهة دخلت عليهم من دعوي ان وجودها ادراكي و هذه اذا سلمت انما يلزم منها اتحاد العقل بالمعقول علي توجيه نذكره و الباب الذي دخلت عليهم منه الشبهة توهم ان العاقل يعقل غيره بنفس ذاته كما يسمع بذاته و يري بذاته و قد بيّنّا في ما تقدم ان الادراك معني فعلي لان السمع الذي هو الذات و كذا البصر و العلم المعبّر عنه بالعقل هو الذات فسمِّهٖ باسم الحق و هو الذات ثمّ انظر هل تقدر ان تنسب اليه ادراك مسموع او مرئي او معلوم لانه تعالي انما هو هو فلا مسموع و لا مبصر و لا مدرك فاذا وجد المسموع و المبصر و المدرك حصل الاشراق بها و هو الوجود الادراكي النسبي و هو ظهور المدرِك بكسر الراء بالمدرَك بفتح الراء و الظهور اثر الظاهر فالاتحاد في الظهور اذ ليس للمدرَك بفتح الراء حقيقة غير الظهور اذ هو الظهور به لان مادته ذلك [ص 245] الطاري المتجدد الذي هو تأكيد الفعل و صورته ظل هيئة الفعل كما ان صورة الكتابة ظل هيئة حركة يد الكاتب و كما ان هيئة حركة يد الكاتب ليست هي يد الكاتب و لا ذات الكاتب و انما يحدثها الكاتب عند ارادة الكتابة بنفسها كذلك الوجود الادراكي ليس هو نفس الفعل و لا ذات الفاعل و كلام المصنف يلزم منه ان تكون هيئة الكتابة القائمة في القرطاس التي هي بمنزلة الصورة المعقولة هي نفس حركة يد الكاتب و نفس يد الكاتب بل نفس الكاتب و مع هذا كله يدعي ان برهان ما ذكره فايض عن الله سبحانه اخذه من الآيات الآفاقية و الانفسية فانظر ماذا تري ، الي ان قال بعد كلام طويل في ردّ برهانه : اقول اذا تأملت هذا الكلام وجدته مغالطة خفي التخلص منها علي المصنف و علي اهل الاتحاد و بيان التخلص منها هو ان فهمك العاقلية انما هو لاجل مأخذ الاشتقاق بمعني ان تحقق المعقولية مأخوذ فيه لحاظ العاقلية كالابوّة و البنوّة فان تحقق كل منهما مأخوذ فيه لحاظ الآخر و لكن كما لايتحد الابوة بالبنوة مع اخذ لحاظ احدهما في تسمية الآخر بل الابوة منسوبة للاب و البنوة منسوبة للابن ليس بينهما اتحاد و انما اعتبر لحاظ الجهة الملايمة يعني ان جهة الاب الي الابن دون غيرها من جهات الأب جعلت صفة لجهة الابن الي الأب في اخذها لجهة الابن و جعلت جهة الابن الي الاب صفة بجهة الأب في اخذها لجهة الأب فالابوة صفة الاب الموصوفة بجهة الابن و البنوة صفة الابن الموصوف بجهة الاب كالضارب صفة لزيد باعتبار فعله الموصوف بالضرب و ليس صفة لذات زيد فالابوة مركبة من صفة هي جهة الابن و موصوف هي جهة الاب و البنوة مركبة من صفة هي جهة الاب و موصوف هو جهة الابن و ليس بينهما اتحاد بل الابوة غير البنوة كذلك المعقولية و العاقلية فان المعقولية التي هي صفة الصورة المعقولة لحظ في الاتصاف بها تعقل عاقلها و هو فعل العاقل و العاقلية التي هي صفة فعلية للعاقل كذلك فالصورة في نفسها هيئة المحدث و المتصور لها اما بان انتزعها من صاحبها [ص 246] او اخترعها لصاحبها و علي كل حال هي صفة غير العاقل لها اما في التسمية فاخذ فيها هيئة تعقل عاقلها كما قلنا في المتضايفين بل هذان متضايفان و اما في الذات فلان الصورة لميكن لها تحقق في التقدير الا هيئة تعقل عاقلها لانها عبارة عن ظهوره بها اي عبارة عن تعقله لها فحيث قام الدليل القطعي علي انها ممكنة و كل ممكن زوج تركيبي وجب ان تكون الصورة المعقولة مركبة من مادة هي هيئة صاحبها سواء كانت منتزعة من موجود ام مخترعة لما يوجد و من صورة هي هيئة محلها الذي هو الخيال او النفس او ما يشابه ذلك لان الصورة المعقولة لا بدّ لها من محل تقوم فيه كالصورة في المرآة فان محلها زجاجة المرآة بما هي عليه من بياض و صفاء و كبر و استقامة و اضدادها فالمصنف فيما هو فيه لا بدّ له ان يجعل للصورة التي فرض ان عاقلها هو الحق سبحانه محلا اما ذاته او علمه ان فرضه غير ذاته او شيئا خارج ذاته و الحاصل لا بدّ للصورة المعقولة من محل تقوم به و هيئة كما قلنا في زجاجة المرءاة هي صورتها فلا بدّ للصورة المعقولة ان كانت ممكنة من مادة و صورة فمادتها نفس ظهوره بها و هو تعقله لها و صورتها محلها منه و كل هذه المراتب لمتكن نفس العاقل اذ غاية ما يسامح فيه ان يقال هو ظهوره بها و ليس ظهوره بها ذات لانه قبل ان يتعقلها فلما تعقلها اتحدت به كيف يكون و قبل ذلك تكون حالة مغايرة لحال الاتحاد و ايضا اذا تعددت الصور المعقولات و هي لا شك انها لمتعددة من الحوادث متغايرة وجب ان تكون كل صورة معقولة بما هي به هي من التعدد و التمايز و اعتبار التعدد و التغاير ينافي الاتحاد و اعتبار الاتحاد ينافي ما هي عليه اذ لايتعقل المختلف بغير الاختلاف و الا كان المتعقل غيره الاتري ان نور الشمس الواقع علي الزجاجات المختلفة الالوان لايكون ما في الزجاجات و ما انعكس عن كل منها متحدا بنور الشمس الواقع عليها لا في لونه و لا في وحدته و لا في اوضاع ما فيها و لا المنعكس عنها و ان كان نور الشمس واحدا و باشراق واحد بل وجب التعدد و الاختلاف [ص 247] لاختلاف القوابل و الاوضاع علي ان نور الشمس الذي هو بمنزلة تعقل العاقل للصورة و ان جوزنا كونه في ظاهر النظر متحدا بالواقع علي الزجاجات او بالمنعكس عنها لايكون متحدا بالشمس و كيف يتحد ما في السماء الرابع بما في الارض و ان عوّل الي مفاهيم الالفاظ الاشتقاقية فليس في معرفتها معرفة الحق و لا صفاته لانه عز و جل هو و صفاته ليس من الالفاظ و لا مفاهيمها و انما نتكلم في الموجود في الخارج المتحقق في نفسه قبل ان نتكلم و قبل ان نفهم الاتري المصنف كيف استدل علي كون الصورة المعقولة عاقلة انك اذا لحظتها مع قطع النظر عن عاقلها انها يكون عاقلة اذ لايتصور معقول بدون تصور عاقل له فلاجل ان ملاحظتها من حيث هي معقولة تستلزم حضور عاقل لها في ذهن ملاحظها تكون عاقلة بحضور عاقل لها و لاجل فهم كونها عاقلة يكون وجود عاقلها وجودها و الا لمافهم من نفس وجودها العاقلية ، الي آخر كلامه علا مقامه و قد رويت منه بقدر الحاجة ،
فظهر من بيانه الشريف ان قوله ان وجود الشئ لنفسه و وجوده لعاقله كلام باطل و ان معقولية الشئ بذاته قول باطل و الذي اري ان فساد قوله نشأ من مسألتين احديهما قوله ان العقل بسيط الحقيقة و كل بسيط الحقيقة كل الاشياء و ثانيتهما عدم اطلاعه علي حقيقة علم المرايا فان من عرفها لايشتبه عليه المسألة و انا ابيّن لك شيئا من ذلك حتي تقف علي المراد ، فاعلم ان الصورة المقترنة بالمادة هي الشئ تمامه كالسراج مثلا فان الصورة المتمثلة بالدخان هي حقيقة السراج و كله و جمعه و نفسه و هي وجوده لنفسه و ليس في معناه المدركية و المعقولية و المحسوسية ابدا و لكنك اذا ادركته و التفتت الي الشبح الظاهر لك في المدرك مع ملاحظة دركك له تري انه مدرك لك فليس المدركية الا كساير النسب ثمّ ان هذا الشبح المتصل بالمادة لايرد مدركك ابدا و لولا اسباب ايصال الشبح الي العين لماادركته فمن اسباب الادراك النور فلو كان الشبح مظلما من نفسه لايكاد يصل العين ابدا و من اسبابه مادة لطيفة فاصلة بين العين و الشاخص فلولا جسم لطيف صقيل ينفذ [ص 248] فيه النور الملوّن بلون الشبح لاتكاد تدركه و بعد ما وجد مادة كالهواء و نور و استضاء الشبح به ينعكس منه نور كهيئة الشبح في الهواء و يتلون بلونه و يتهيأ بهيأته و ينفذ في العين و تتلون به كالهواء من غير تفاوت مع السراج الاصل الا في انه الاصل و هو الفرع و الا فالسراج الاصل مركب من مادة هي شعاع النار و صورة هي الهيئة الحاصلة من الدخان و اما الدخان فهو مادة عرضية للنار ظهورها به و هو بمنزلة الجدار للنور و النور الظاهر في الهواء مركب ايضا من مادة هي شعاع السراج و صورة مستنبطة من الهواء و الهواء حامل كالدخان و كذلك النور الظاهر في العين ايضا مركب من شعاع النار و الصورة الحاصلة من العين و الصورة المدركة هي ما في العين علي ما عرفت سابقا انصف من نفسك هل تكون مجردة عن المادة و المدة و المحل حاشا و كلا و لايقول بذلك عاقل فانه محسوس ان في خارج العين يكون الصورة حالّة في الهواء و هو يحملها و في العين تظهر في العصبة و العصبة لها بمنزلة الهواء و الدخان و لا شك ان كلا منهما ذو جهتين جهة الي السراج و هي جهة صدوره منه و جهة الي نفسه و هي التعين الخاص الحاصل له من الهواء فالنور مركب من هذين الجهتين و هما مادته و صورته ثم لا شك ان ما يدركه الانسان في عينه هو الشبح الواقع في العين و هو غير الشبح المتصل بالدخان و غير ما في الهواء بلا شك و ان كان اصله منهما و لذلك يدرك العين بحسبهما كما تري ان العين الرمد تري النور احمر و العوجاء تري الواحد اثنين و ، قد ينكر العين ضوء الشمس من رمد ، كل ذلك لاجل انها تدرك ما فيها بحسبها لا ما في الخارج و لايجوز ان يقال ان وجود ما في العين عين وجود ما في الخارج اذ نقول ماذا تريد من هذا الوجود هل تريد الوجود المطلق الساري في الكل فهو واحد لا اختلاف فيه و نسبته الي الشاخص و الشبح و العين و ما انطبع فيها علي السواء و وحدة الوجود الساري فيها لايجدي شيئا و لايورث الوحدة لاختلافها بمشخصاتها او تريد الوجود المدرك و هو الوجود المتشخص المتعين و هو عندنا [ص 249] مع الماهية اذ الماهية عندنا هي الصورة و عنده خالص من الماهية اذ يزعم ان الوجود المدرك بسيط و قد عرفت مما اوضحنا لك فساد هذا الرأي العليل فلا فرق بين الاشباح المدركة و الاشباح المتصلة الا في الاصلية و الفرعية ثم اعلم ان الشبح مركب ايضا من حيثين حيث نفسه و حيث كونه مدرَكا بالفتح فان معني كونه مدركا ظهوره للمدرِك بالكسر و ظهوره للمدرِك بالكسر غير وجوده فانه صفة عارضة اذ ربما يكون الشبح و لايدرك اذ لا عين تدركها و ربما يدرك لانطباعه في العين و ذلك محسوس بل هو من الاوليات التي لاتحتاج الي دليل فانه لولا مدرِك بالكسر فمن ذا يدركه هل هو بنفسه يدرك نفسه او غيره يدركه اما دركه لنفسه فلايجدي شيئا و هو خارج عن محل البحث و اما درك غيره له فهو عين المطلوب و كل ما يحصل بين اثنين يحصل هذا النظر المذكور و مأخذ قول الآخوند انه لايكون هنا اثنان و لذلك فرق بين الحركة و السخونة و المعقولية و لكنك تعرف من سياق كلامي انه لا فرق في المسألة و الحمد لله فكل محسوس مركب من حيثين حيث انه هو و حيث انه محسوس و حيثه الاول الي نفسه و حيثه الثاني بالاضافة و كذلك بعد ما انطبع الشبح في الخيال يكون مادة الخيال التي هي البخار الصالح لحكاية الزهرة بمنزلة الهواء و الشبح بمنزلة الشبح الظاهر في الهواء الا ان المادة هنا الطف و اصفي و الخيال يتخيل و يدرك الصورة الشخصية و الفرق بينه و بين الشبح المدرك بالعين ان تجرّده اكثر بمعني ان حاجته الي المادة الخارجية اقل و سيجيء بيان هذه المسألة بعد مفصلا ان شاء الله ، فالصورة المتخيلة هي ما ظهر هنا لها مادة من الشبح الخارج و صورة من هيأة الخيال و تلك الصورة ايضا لها حيثان حيث نفسها و هي نفس الشبح و حيث انها متخيلة اي ظاهرة للخيال و كذلك كل مدرك يأخذ من هذا الشبح ما يأخذه و الآخوند (ره) لايذهب الي ذلك و قوله في المقام ان النفس تخترع الاشباح طبق ما في الخارج و سنتكلم فيه بعد ان شاء الله و هكذا [ص 250] الامر في المعني الظاهر للعاقلة فان له حيثان كما مرّ مع انه غير العاقلة نفسها و ان ورد عليها و صار كمالا لها و اما النفس الكلية و العقل فهما كليان و دركهما في تلك المشاعر و ما يحصل لهما من تلك المشاعر هو كمال كلي و قد يقال انه ملكة و ربما يظهر لك حقيقة ما يحصل لهما بعد و الآخوند يذهب الي ان النفس من كثرة الادراك تصير عقلا و العقل هو معني بسيط و ما يرد عليه من المعاني عينه و لذا لايستوحش من اتحاده مع المعقول و لاينفعه ادلة القوم علي ابطال وحدة العاقل و العقل و المعقول فينبغي لنا ان نتكلم في هذه المسألة في الجملة في مطلب خاص .