فاقول علي قول المشّائين اذ قال ان المعلول الاول مركب من جهات ثلث الوجوب و الوجود المتعين و الامكان ان الذات الاحدية لاتصير علة شئ مطلقا واحدا كان او متكثرا بالكتاب و السنة قال الله تعالي سبحان الله عما يصفون و قال سبحان ربك رب العزة و لما علم الله تعالي ان جماعة ينهمكون في التوحيد في آخر الزمان انزل سورة التوحيد و من عرف تفسير آياتها لايشتبه عليه المطلب قال تعالي قل هو الله احد فاحديته تعالي ذاتية اذ الحمل حمل هو هو و لايجمع مع الذات غيرها و لو جمع معها غيرها لصار الحمل كذبا اذ خرجت من الاحدية و ان [ص 200] عرفت ما بيناه في توحيد الصفات تعرف الحقيقة و ان احببت فراجع ثمّ وصف نفسه ثانيا بالصمدية و لها معانٍ منها انه لايكون اجوف مثل خلقه فلايحتاج الي مدد و رزق و هي من لوازم الاحدية ثمّ قال لم‌يلد و لم‌يولد فلايكون علة شئ و لا معلول شئ و لا جزء له و لايكون جزء شئ و لو كان بذاته علة لكانت والدة فان المعلول لعلته كالولد لوالده ثمّ قال و لم‌يكن له كفوا فكل صفة تري في خلقه يكون منزّها عنه و ليس كمثله شئ و الا لكان له كفو احد اي واحد في صفاته و كذلك انزل الآيات من سورة الحديد الي قوله هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم و ذلك حقيقة الاحدية و من كان اولا و آخرا و ظاهرا و باطنا لايقترن به غيره فلايكون علة شئ بل هو محيط بالعلة و المعلول و اما من الاخبار فالاصرح من الكل قوله كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، فالعلة خلقه و قال عليه السلام علة ما صنع صنعه ، فالعلة فعله و هو مشيته فالذات الباهرة الكاملة لاتكون علة شئ مطلقا ، هذا و هم بنوا جميع ادلتهم علي انه لايصدر منها المتكثر و وجه ذلك عندهم ان المعلول يشبه علته فكيف يصدر منه مولود ذو ثلث جهات و لعل هذا القول من باب ما قال عليه السلام مما اعان الله الكاذب ان لم‌يجعل له حفظا نعم كل كلام لايكون مأخوذا من اصل حكيم يكون متناقضا و كل ما هو من الله لاتري فيه اختلافا و لذلك انزل الله في كتابه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ثمّ تركيبه من الوجوب و الوجود الشخصي اي الوجود المقترن بالمٰهية ايّ معني له هل المراد من الوجوب الوجوب الذاتي كما هو الظاهر من بعض شروحهم و تعبيراتهم المختلفة فكيف يقترن الذات بخلقه و يتصل بهم و يوصف بالامكان و يتشخص بالماهية ، ان هذا الا اختلاق و ان ارادوا الوجوب الغيري كما قال الملا عبدالرزاق فلمَ جعلوه جهة خاصة غير الامكان و كذلك الوجود المتشخص المتعين هل هو حقيقة الشئ من نفسه فما الوجوب الطاري ان كان جزء الحقيقة فهو معها و كيف يفرق عنها و ان كان [ص 201] غيرها فاي ارتباط له بها و الوجود المتشخص هل تشخص بالماهية او بغيرها فان كان تشخصه بها فهي علي رأيهم موهومة و الموهوم كيف يشخّص الموجود و ان كان تشخصه بغيرها فبما ذا يتشخص و رأٰي بعض ان تشخصه بنفسه و مرّ سابقا القول فيه في مبحث الوجود ثمّ الامكان علي قولهم محض اعتبار لا مصداق له لانه سلب الطرفين و شئ هكذا عدم صرف فكيف يصير جهة موجود و كيف يصير علة شئ آخر و اما ما قال الآخوند اللاهيجي فحاصلة رأيهم العليل ان الماهيات و عوارضها لاتكون مجعولة بجعل خاص و معني كلامه ان الله تعالي جعل نفس العقل و لم‌يجعل الباقي و هذا باطل و مرّ براهين بطلانه سابقا ثمّ انّا نقول لهم ان الجهات العلمية التي يذكرون لاتتفاوت مع العالمية علي قولهم فان العلم و العالم و المعلوم عندهم واحدة فلايفيد عدادها شيئا و لايؤثر شئ منها اثرا غير نفس الشئ و كذلك نقول لهم ان حقيقة الشئ من ذاتها عندهم اصلية و ساير الجهات وهمية غير مجعولة فلاتؤثر اثرا و الوجودات الذهنية عندهم غير مؤثرة فكيف تصير علة فافهم و اعتذر عن هؤلاء من اقوالهم فانهم ارادوا ان يتكلموا بعقولهم فيما يدركه احد غير من اشهده الله فتحيّروا و كان الاحري لهم ان يسكتوا و نعم ما قال الشاعر :

يا باريا للقوس لست تحسنه لاتفسدنها و اعط القوس باريها

ثمّ انّا نتكلم في اصل هذا القول ان الواحد لايصدر منه الا الواحد ، فنقول علي فرض تسليم الصدور من الله بوجه مصحّح نقول ان فاعليته تعالي بالاختيار لا بالطبع و لا بالتجلي و لا بالعناية و الفاعل المختار يفعل ما يشاء و لايضرّه فان شاء خلق واحدا و ان شاء خلق اثنين و ما تري في المؤثرات الفلكية و العنصرية و بعض المواليد ان كل شئ مقهور في فعله مجبول في تأثيره علي مثله فذلك من باب ان افعالها طبيعية فان الشمس تسخّن و لاتبرد و الماء يبرّد و لايسخن و النار [ص 202] تنير و الادوية لكل مزاج خاص يتبعه اثر مخصوص و تعالي ربنا عن ذلك فانه لايخلق بطبعه و مزاجه حتي يلزم ان يكون اثره علي صفته بل هو فاعل مختار لاحديته و احديته لاتعارض الكثرة كما لاتوافق الوحدة الخلقية فان شاء يختار واحدا بمشيته و ان شاء يختار اثنين او اكثر الا انه اختار اول ما اختار واحدا بسيطا لاغراض و حِكَم و ما سمعته من كلامنا انا نثبت هذا القول احيانا لانريد منه ان الله يصدر منه شئ او يكون محتوما عليه خلق الواحد بل مرادنا ان مبدأ الكثرات واحد بالادلة المقررة التي مضي شطر منها و نعم ما قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في بعض رسائله ان الله قادر علي خلق غير واحد و لكن يشترط قبول القابل و لما خلق اول خلقه حيث خلق ملأ فضاء عرصته فلم (كذا) محل فارغ لخلق غيره في تلك العرصة ، فافهم فان كلامه دقيق و بالجملة فالله باختياره و قدرته يختار ما يشاء و ان قلت هذا رأي الكلاميين و انت تختار قولهم مع انكارك عليهم و ما ورد في شانهم لعن الله اصحاب الكلام حيث يقولون هذا ينقاد و هذا لاينقاد و هذا نقبله و هذا لانقبله اقول نحن نقول الحق و ان عزّ و لانقلّد احدا سوي ساداتنا سلام الله عليهم و ان اتفق احيانا مطابقته مع قول بعض المخالفين لايضرنا شيئا فان اهل الباطل قد يتفق حق في قولهم كما ان اهل الحق ربما يتفق في كلامهم باطل غفلة و المعصوم من عصمه الله و نحن نتبع الحق اين ما وجدناه ما وفقنا الله له و اوقفنا عليه و اسأله ان يحفظني من الخطاء و الزلل ، فاصل هذه القاعدة بناؤها علي الرماد و لاتبقي و لاتفيد بانيها و لاتصلح للبناء عليها و كيف يتزيّنها و نقشها و لاتستوحش من هدمها لشدّة الانس بها فان البناء الذي لم‌يعمره الله يفني و يزول و ان هو الا كلُعبة الصبيان و ما بناه الله باق لايزول فاتبع سبيل الهداة و قل بقول الائمة الولاة و اترك قول غيرهم تفز مع الفايزين فاذا انهدم اصل البناء ان الواحد لايصدر منه الا الواحد فاعلم ان الله تعالي فاعل مختار يختار ما يشاء و قد خلق اول ما خلق فعله و مشيته و خلق [ص 203] به ما شاء و هي ايضا مختارة فانها صفة اختيار الله و لاتكون مقهورة و ان ابيت الا الجدل اقول ان ما كان محدودا متعينا بذاته يكون مضطرا بذاته و لكن المشية ليست محدودة في ذاتها لاطلاقها فهي لاتكون مضطرة بصورة و حالة خاصة فهي مختارة فافهم هذا المطلب الشريف حتي تقف علي اسرار جمّة فاذا عرفت بطلان اصل القاعدة و اصل التثليث الذي قالوا به نلوي العنان الي نقض برهان اهل الاشراق فاقول ان بناء كلامهم علي انه صدر من الله نور مستطيل مجرد و له اختلاف مراتب و درجات و هي منشأ آثار في كل مرتبة الي ان يضطلم لبعده عن المبدأ الفياض ، اقول ان هذا الرأي ايضا رأي عليل فانك عرفت ان الله تعالي لايكون مصدر الانوار ابدا و ان وجه الصدور بوجه صحيح نقول ان اول الصادر هو مشيته و لو كانت مستطيلة الي اسفل المراتب الطولية للزم ان يكون جميع العوالم مشيات ثمّ انهم قالوا ان ساير العقول العرضية حاصلة من اصطكاكاتها فعلي ذلك يكون الجميع من المشية و ذلك حاصل كلام ضرار حيث قال ان المشية تأكل و تشرب ثمّ ان مرادهم ايضا ان الصادر عقل و عرفت بطلان ذلك فاذا عرفت بطلان اصل المطلب نقول ان تعدد العقول علي هذا الوجه ايضا كلام بالرأي و ينافي الاخبار و الآثار و اخطأ اللاهيجي حيث قال ان هذا الرأي لاينافي الشرع و اوّلَ قوله (ص) اول ما خلق الله العقل فان قوله (ص) يدل علي اولية العقل و ان ما بعده غيره لا ان بعده عقول و كذلك عدّوا النفوس و الاكوان في اخبار و لم‌يذكروا عقولا و اما ما يدل علي تعدد الاقلام فذلك ايضا لايدل علي الحصر و لا علي التعدد بالوجه المذكور و لكن دلالته ان للقلم شؤن و شعب في الخلق و ذلك مثل قولهم ان روح القدس ملك له رؤس بعدد الخلق و ذلك ايضا مثل قولهم ان للمشية رؤسا و ذلك غير قولهم كما لايخفي و شرح ذلك ظاهر من النبوي حين سئل عن العقل فقال خلقه ملكا له رؤس بعدد الخلايق [ص 204] من خلق و من لم‌يخلق الي يوم القيامة و لكل رأس وجه و لكل آدمي رأس من رؤس العقل و اسم ذلك الانسان علي وجه ذلك الرأس مكتوب الحديث ، فظهر ان مرادهم من الرؤس الافراد الظاهرة في الخلق و يدل علي بطلان ذلك ادلة عقلية منها ما ذكره شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه ارويه بعينه تبركا بكلامه قال اعلي الله مقامه و درجته في جواب احمد بن الشيخ الصالح القطيفي كلاما مفيدا و عبارة سؤاله هذه : ان كان كل واحد من الثوابت مظهر عقل فذلك يقتضي تعدد الافلاك الكلية بتعددها و ان كانت كلها مظهر واحد فمن اين جاء التعدد ، قال (اع) في جوابه : اقول ان الثوابت ليست مظاهر عقول لان العقول لاتتمايز بالصور اذ لا صور لها و انما هي معانٍ مجردة عن المادة و المدة و الصورة و انما هي مظاهر نفوس و لكنها نفوس جزئية لا كلية و لو لزم تعدد افلاكها الجزئية فلا محذور ، الي آخر كلامه و هو كلام مختصر له فوايد كثيرة فتدبر ، و منها ان العقل بناءا علي قولنا مجموع المعاني الكلية و علي قولهم كل الملك فما معني تعدده هل عقل كل فلك كل الملك فذلك غير معقول او كل فلكه فهو معيّن مخصص و كل مخصص متخصص بصورته فهو غير العقل بل هو نفس فان النفس تنزّل العقل و معني التنزل الانعقاد و الانعقاد هو الانجماد علي هيئة و صورة و منها ان جماعة منهم قالوا ان المعلول تنزل العلة فالعقل الاول بوجوبه الذي هو نورانيته كيف يبقي علي صفته الاولي بعد التنزل مع انه نزل من عالم العقلية و يشهد بذلك قولهم ايضا ان من وجوده الخاص يخلق نفس الفلك الاطلس و هو كان في الاعلي عقليا و قد صار نفسا بنزوله و كذلك امكانه في مقامه لم‌يكن جسمانيا و بنزوله صار جسما فكيف بقي نورانيته علي العقلية و منها انهم قالوا ان العقل جوهر مجرّد و عقول الافلاك مقترنة بموادها فهي غير مجردة و منها ان الانسان انموذج العالم الكبير و نري انه ليس في الانسان الا عقل واحد و اما ساير مشاعره فكلها جزئية و ان كان منها معنوية الا انها معاني جزئية [ص 205] نسبية و كذلك الامر في مجموع الملك فتدبر ، فاصل هذا التحقيق في تعدد العقول تحقيق باطل مع انه ثبت بالادلة القطعية ان بين عالم العقل و الاجسام عوالم عديدة و لاينزل العقل اليها الا بعد التنزل فيها و التلبّس فيها و جميع ما يصل اليها من الامداد جميعها بواسطة الوسايط و مرّ شرحها في السلسلة الطولية نعم نقول ان للعقل ظهور فيها بحسبها كما يظهر في المواليد من وراء الحجب و الاستار و ذلك لايوجب تعددا في نفس العقل كما ان بظهور الشمس في المرايا لاتتعدد الشمس مع ان اشباحها عديدة و بعض المرايا اصفي من بعض و اعدل و اجمع فيكون احكي له و هي رؤس العقل و افراده فيها .

فصل - اعلم ان لهم تقسيما آخر للعقل بحسب ظهوره في الانسان اي الولادة الدنياوية علي رأي جماعة و الاقبال في قوس الصعود علي قولنا و اذكر اوّلا قولهم بالمعني علي الاجمال ثمّ اردفه بنقل الحق الظاهر من اخبار الآل عليهم صلوات الله المتعال و قد مرّ سابقا عند التعرض لذكر معاني العقل مجمل هذه الاقوال و لكن المراد هنا بسط الحق ان شاء الله قالوا ان للنفس الانسانية قوتين مخصوصتين به باعتبار تأثّرها من المبادي المفارقة و تأثيرها في ما دونها اوليٰهما تسمّي بالقوة النظرية و العقل النظري و ثانيتهما القوة العملية و العقل العملي و لكل واحدة منهما مراتب اربع :

الاولي مقام خلو النفس عن جميع المعقولات و ذلك علي ما قيل بعد تعلق النفس بالآلات و المدارك و قبل استعمالها في ادراك المعاني حتي يحصل لها التمييز فليس لها الا قابلية للتعقل فيسمّي بالعقل الهيولائي و قيل ان النفس تسمّي عقلا هيولائيا و ذلك بمقتضي قول الآخوند ان النفس الانسانية تترقي الي ان تصير عقلا و قد يسمّي هذا المقام بالعقل بالقوة في مقابلة الفعلية و وجه تسميته بالهيولي من باب تشبيهه بالمادة اذ النفس خالية في المقام عن جميع الصور العلمية كما ان الهيولي خالية عن الصور العينية و لذلك قالوا العقل الهيولائي [ص 206] بالقوة عالم عقلي و قالوا انه يشبه الهيولي ايضا من جهة انه يتحد بجميع الصور العقلية كما تتحد الهيولي بجميع الصور الحسية و لذلك قالوا ان الحكمة صيرورة النفس الناطقة عالما عقليا مشابها للعالم العيني و قالوا ان هذه المرتبة فوق عوالم الصور المدركة من الموهومة الي المحسوسة و دون المعقولات حتي المعقول من نفسه لان تعقله نفسه كالموهوم لا المعقول و ذلك مثل علم الحيوان بنفسه ثمّ ان لهم في المقام تحقيقات تركت نقلها لقلة الجدوٰي فيها .

الثانية مقام تلبّس النفس بالبديهيات بسبب تكرار النظر و استعمال الحواس و مرادهم من هذه البديهيات الستة المذكورة في علم المنطق و هي الاوليات و المشاهدات و الفطريات و التجربيات و الحدسيات و المتواترات و يسمّي العقل عندهم في تلك المرتبة بالملكة لان له ملكة الانتقال منها الي النظريات او يكون الملكة في مقابلة العدم لا الحال لانه في المقام الاول كان قوة صرفة و في هذا المقام يملك علوما فتقابلهما تقابل العدم و القنية و ربما يسمّون النفس في تلك المرتبة بهذا الاسم لانه رسخ فيها استعداد الانتقال .

الثالثة مقام ملكة النظريات و هي تحصل له بدوام النظر فيها فتحصل له الملكة في مقابلة الحال بخلاف الملكة الاولي فانها كانت مقابلة العدم و بينهما فرق و تنتج له تلك الملكة انه يتذكر ما عرفه و ان احتجب عنه بغير حاجة الي تكرار النظر و تلك كملكة اصحاب الصناعات و تسمّي بالعقل بالفعل بمقتضي ان قوته قريبة من الفعلية و قيل ان هذا الوجه غير موجّه فان له فعلية العقل و هو اكمل الفعليات لان فعليات ما دونه مشوبة بالاعراض متفرقة غير مجتمعة بسبب تفرق اجزاء الزمان و المكان و لكن فعلية العقل مجتمعة فهي اكمل الفعليات .

الرابعة مقام مشاهدة المعقولات و ذلك اما يعتبر في كل واحد من المعقولات او يعتبر في الجميع فان اعتبر في الجميع يقال قام في دار القرار و صار بسيطا و لذلك عبّر الآخوند عن هذه المرتبة بالعقل البسيط و قد يسمّي بالعقل المستفاد [ص 207] لانه فايدة عظيمة استفادها من العقل الكلي الفعال .

و عن المعلم الثاني الفارابي ان العقل المذكور في كتاب النفس له اربع مقامات : عقل بالقوة و عقل بالفعل و عقل مستفاد و عقل فعال و اسقط العقل بالملكة لانه ليس بينه و بين العقل الهيولائي كثير تفاوت نعم الفرق بينهما بالقرب و البعد ثمّ اعلم ان الاسم عندهم اما يكون صادقا علي القوة او علي النفس حال اتصافها بهذه الصفات و وجه الضبط علي ما ذكره بعضهم اثنان احدهما ان حال النفس في العقلية اما حال كمال او حال استعداد و حال الاستعداد اما قريب او بعيد او متوسط و ثانيهما ان حالها اما يكون حال كمال او حال استعداد استحضار او استعداد اكتساب او استعداد استحصال فالكمال في العقل المستفاد و الاستعدادات الثلثة في الوجهين في العقول الثلثة .

و قال الآخوند في مبحث اتحاد العاقل بالمعقول قالت الحكماء انواع التعقلات ثلثة : احدها ان يكون العقل بالقوة اي لايكون شيئا من المعقولات و لا له شئ من المعقولات حاصلا بالفعل و لكن النفس تقوي علي استحصالها و فصّل المقام تفصيلا الي ان نهي الكلام الي انه يكون في قوة النفس ان تصير مجموع الكل و يكون عند الله نعوذ بالله ثمّ ان مراتب القوة مختلفة فقد تكون قريبة من الفعلية و قد تكون بعيدة و قد تكون بالقياس الي الكل و قد تكون بالقياس الي البعض علي تفاوت اعداد كثيرة في الحالين لاتعدّ و لاتحصي و للكل طرفان فمن شديد البلادة متناهٍ في الغباوة و خمود القريحة و من شديد الذكاء متوقد الفطرة و هو القوة القدسية و يكاد زيته يضيء و لو لم‌تمسسه نار العقل الفعّال و ثانيها ان يكون الصور العلمية النفسانية الفكرية حاصلة في قوة خيالية بحيث يشاهدها و كأنه ينظر اليها علي التفصيل و ثالثها ان يكون عقلا بسيطا يتحد فيه المعقولات حاصلة فيه بالفعل لا بالقوة مقدّسا عن الكثرة و التفصيل و بيّن (ره) في شرحه علي الكافي بيانا و قسّم تقسيما آخر في ذيل حديث سماعة [ص 208] بيّن بيان ترقيات النفس في الجملة قال في الصعود و الرجوع اليه تعالي كان جسما فصار صورة بعد صورة و طباعا بعد طباع ثمّ نفسا بعد نفس ثمّ عقلا بعد عقل اي كان عقلا هيولائيا ساذجا ثمّ عقلا اوّليا ثم عقلا بالملكة ثمّ عقلا منفعلا نفسانيا منتقلا من صورة الي صورة ثمّ عقلا مستفادا ثمّ عقلا بالفعل متّحدا بصور المعقولات كلها او جلّها ثمّ صار عقلا فعّالا و هناك رجع الي ما نزل منه و انتهي الي ما بدأ منه فصارت نهاية القوس و حكي شيخنا الاجل الاوحد اعلي الله مقامه عن قول بعض ان المرتبة الثالثة و هي الاستعداد القريب لاستحضار النظريات تسمّي بالعقل المستفاد و الرابعة التي هي مقام الكمال و هو حصولها بغير كسب يسمّي عقلا بالفعل و يريدون من اللفظين المدركات لا الادراكات و ربما اعتبر في المرتبة الثالثة حصول البعض بغير كسب و في الرابعة حصول الكل بحيث لايغيب عنه و من اعتبر الكل في المرتبة الرابعة قال بعضهم لايكون هذا في الدنيا و انما يكون في الآخرة و قال الآخرون يجوز ان يكون في الدنيا للنفوس القوية التي لايشتغل بشيء و هذا اقوي و لكنه الكلية اضافية لان الاشياء مع تحققها كلها في عالم الامكان قد يتحقق بعضها في الاطوار الكونية من الغيب و الشهادة و قد لايتحقق بعض منها و قد يكون بعض منها مشروطا و منه ما يحصل بشرط و منه ما لايحصل و علي هذا لاتحصل جميع المدركات و لذا قال تعالي رب زدني علما ، و قال صلي الله عليه و آله اللهم زدني فيك تحيّرا ، مع ان احد ( احدا ظ ) لايجوز مرتبة لاحد من الخلق تساوي مرتبة النبي (ص) فضلا ان تكون فوق رتبته و ان احدا لايشكّ في بلوغه صلي الله عليه و آله الرتبة الرابعة من العقل كيف لا و قد قال تعالي في خطاب العقل و لااكملتك الا في من احبّ و هو حبيب الله و الله سبحانه امره بطلب زيادة العلم و هو طلب زيادة التحير في الله عز و جل ، انتهي كلامه علا مقامه في المقام و هذه هي المراتب الاربع للعقل النظري .

و اما مراتب العقل العملي فهي هذه : الاولي تهذيب الظاهر باستعمال [ص 209] الشرايع النبوية الثانية تهذيب الباطن من المهلكات المردية و ترك الشواغل من عالم الغيب الثالثة تحلّي النفس بالصور القدسية بعد القرب و الاتصال بعالم الغيب الرابعة انجلاء ضياء المعرفة بالفؤاد و استفراغه في انوار الجلال و الجمال و هو مقام الصدق في المحبة و مقتول الحب الذي اشير اليه في الحديث القدسي من احبّني قتلته و من قتلته فعليَّ ديته و من عليَّ ديته فانا ديته ، و ليس وراء ذلك في العقل العملي علي هذا الاصطلاح رتبة و الآخوند رحمه الله يريد من بياناته ان بعد مراتب العقل العملي الاربع المذكورة و التحلّي بها يحصل للنفس العقل النظري و لكن الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه يقول اذا حصلت للانسان هذه المراتب الاربع و تخلّق بآدابها و تحلّي بحليتها علي النحو الذي قرره الشارع عليه السلام ظاهرا و باطنا حصل له العقل الشرعي الذي به يعبد الرحمن و يكتسب به الجنان و لكن الاشكال في تصحيح المقدمات لان صحة النتيجة متوقفة علي صحة المقدمات و كثير ممن يسمع هذا يقرأ بيت مجنون ليلي :

و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقرّ لهم بذاكا

فاجيبه بيت مجنون ليلي :

اذا انبجست دموع من خدود تبيّن من بكي ممن تباكي

و قال السبزواري رحمه الله في التقسيم و اما مراتب العمل التي يقسم العقل الي اربعة بسببها فهي التجلية و التخلية و التحلية و الفناء و المراد منها ما رويناه هنا الا ان الالفاظ مختلفة و قال حكاية عن لسان العرفاء علي حسب قولهم في التوحيد ان مراتبه ثلث توحيد الافعال و توحيد الصفات و توحيد الذات ان للفناء ايضا مراتب ثلث و لكل مرتبة اسم : فالاول المحو و هو فناء الافعال في فعل الحق و هو معني لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و الثاني الطمس و هو فناء جميع صفات كمالات العبيد في صفات الحق فيري العبد في حاله كل علم مستهلكا في علمه تعالي و كل مشية مستغرقة في مشيته و كل قدرة منطوية [ص 210] في قدرته و كذلك في باقي الكمالات و ذلك معني قوله لا اله الا الله و محق و هو فناء الذوات و الوجودات في وجود الحق كانطفاء انوار الكواكب في اليوم عند سطوع نور الشمس و ذلك مضمون لا هو الا هو ففي الاول لايري فعلا لفاعل الا للحق و في الثاني لايري صفة كمال في كامل الا للحق له الملك و له الحمد و في الثالث لايري وجودا في موجود الا وجود الحق و هناك حق الوصول ، و بالجملة هذه بياناتهم في تقسيم العقل و هم اعرف بنياتهم و العبارات محتملة للحق و الباطل و ما علينا الا بيان الحق فاعلم بحول الله و قوته ان الحق الحقيق بالضبط ما قاله السيد الاوحد اعلي الله مقامه ، قال بعد ما قال في تعريف العقل و قد مرّ سابقا شطر من كلامه فلما خلقه الله قال له اقبل فاقبل فاظهر الله سبحانه باقباله الذي هو ادباره عنه حقايق الاكوان و مستجنات غيوب الاعيان ففي كل مرتبة نازلة اظهر قشره و استتر في لُبّه الي ان ظهرت القشور المتراكمة و خفي اللُبّ المقصود بالحقيقة ثمّ امره سبحانه بالاقبال فكان اقباله بحسب الاسباب الظاهرية و الباطنية فظهر بظهور الاسباب عند بلوغ الولد اوان الحلم فهناك اول ظهوره و مقام كمال الولد فيتكلف ليكون سببا لكمال الظهور و مستشرقا بشوارق النور و الظهور فهو في اول ظهوره عقل بالملكة اي بالاستعداد و التهيؤ القريب الي الفعل بكمال الظهور و الا فهو فعلي فاذا قوي في العلم و العمل كان عقلا بالفعل اي يكون جميع مداركه و احواله حاضرة لديه و هو ناظر الي جميع الاحوال السفلية و مطلع علي جميع مراتب الموجودات المقيدة و اذا قوي ايضا بالعلم و العمل كان عقلا مستفادا فيعود الي بدئه و يحصل له الاتصال بعالم اللانهاية فيقف حينئذ علي باب فوارة النور فلا غاية لادراكاته و لا نهاية لظهوراته و هذا هو العقل الكلي في العالم الاكبر و العقل الجزئي في كل فرد و شخص من افراد الانسان او ما هو يعمّ الكل من افراد الموجودات كما هو الحق و هذا عليه مدار التكليف [ص 211] و السعادة و الشقاوة و الثواب و العقاب و لما كان كل شئ مركبا من النور و الظلمة و هما متعادلان متعاكسان في الفعل و كان للعقل ايضا ضدّ و هو مٰهيته لكنها ضعيفة مغلوبة لتراكم الانوار فيه لكونه من الخلق الاول و لكن العبد اذا انهمك في المعاصي و اعرض عن الله عز و جل و خالف اوامره و نواهيه و بادره بالعصيان و الطغيان يضعف ذلك النور و يخفي و بقدره يقوي تلك الظلمة و تظهر الي ان يذهب النور بالكلية و لم‌يبق له اثر و تأثير الا بقدر ما يمسك الوجود و تستقل الظلمة و تقوي و يكوّر لها التأثير و الاثر فينقلب ذلك النور الذي به عبد الرحمن و اكتسب الجنان الي النكراء و الشيطنة يعني يخفي ذلك و يظهر هذه فيبقي للمشخّص حينئذ ادراك و تمييز و يدرك الكليات و يفهم الدقايق و يقع عليه التكليف لكنه لايميل الي الخير و لايحبّه و لايقبل علي الله عز و جل و لا علي اوليائه و انما هو يبغضهم و يكرههم و هذا معني قوله عليه السلام لما سئل عن العقل قال عليه السلام ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان قيل و الذي في معوية قال عليه السلام تلك النكراء و الشيطنة و ليست بعقل لكنها شبيهة بالعقل انتهي ، و هو ما ذكرنا لك من ان الضدّين متعادلان و متعاكسان في الاحوال كلها فضد النور الكلي ظلمة كلية ، انتهي ما يتعلق بالمقام من كلامه و هو كلام مجمل في الظاهر و لكنه مبيّن في المعني اشير الي بعض الحِكم المندرجة فيه ليتبين السراب من الزلال و الهدي من الضلال .

قال اعلي الله مقامه : فلما خلقه الله قال له اقبل الي آخر ، اعلم انه ورد في المقام الاخبار بلفظين ففي خبر قال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل و في خبر قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل اما الحديث الاول فيفسر الادبار بالادبار عن المبدأ الي المنتهي بالتنزل و الاقبال بالاقبال من المنتهي الي المبدأ الاول و الخبر الثاني يفسّر بوجهين ففي وجه يقال ان المراد من الاقبال الاول الاقبال الي الله تعالي بطاعته و اتباع امره حتي يستكمل وجوده [ص 212] و الادبار هو التنزل في قوس النزول و الاقبال هو الصعود في قوسه و هذا قول ابي (اع) في تفسيره و في وجه يقال ان المراد من الاقبال الاول الاقبال الي الكثرات بالتنزل و الادبار هو الادبار عن الكثرات في الصعود و بذلك فسّر الحديث سيدنا (اع) طبق قول بعض الحكماء فيه و لذلك قال اعلي الله مقامه فاظهر الله باقباله الذي هو ادباره الخ ، و لايضرّ اختلاف الحكيمين العليمين في معني الحديث فان كلامهم ذو وجوه و كل حكيم يفسّره بوجه بمقتضي الحكمة ، ثم اعلم ان مفاد كلامه اعلي الله مقامه ان العقل في الخلق الاول كان خلقا تاما كاملا بالفعل و لم‌يكن في القوة ثمّ امر الله بنزوله فتنزل و تنزّله ليس باستحالته الي الخلق الثاني فانه يلزم من ذلك فناؤه في مقامه و يستلزم ذلك الخلاء و الطفرة في الوجود اذ الخلق الثاني لايقوم في مقام الخلق الاول و ما قبله لاينزل اليه فلو تنزل العالي من مقامه و استحال الي غيره لزم انعدامه في محله كهواء تغلظ و استنزل فصار ماء فلا هواء بعد في حيّزه و مكانه فلو كان نزول العقل هكذا لزم خلاء محل العقل من كل مولود و هذا طفرة في الوجود و يلزم من ذلك ايضا استفاضة الداني من المشية بغير وساطة العلة الاولي و ذلك محال فاشعر علا مقامه و رفع في الدارين اعلامه ان نسبة ساير العوالم من العقل نسبة القشر و اللُبّ فتنزل العقل بمعني تلبّسه بلباس الروح فهو في بطنه موجود و هو فوقه موجود و كذلك الامر الي آخر العوالم فجميع العوالم العالية حيّة موجودة في بطون الجسم و معني كونها في القوة خفاؤها لا انعدامها فجميع الفيوض و الامداد النازلة من مشية الله تعالي كلها تنزل بواسطة العقل دايما و كذلك ساير الوسايط وسايط الفيض في كل شئ ثمّ ان في قوله فاظهر الله ، اشعار بان خلق ساير المراتب كان بالتكميل لا التأثير فان جميعها كانت موجودة في العلم ثمّ نزلت في الامكان و منه في العقل و منه الي ساير المراتب فافهم و اعتبر باشارات الكلام ، قال اعلي الله مقامه : الي ان ظهرت القشور المتراكمة الي آخر ، مراده اعلي الله [ص 213] مقامه ان القشور الكثيرة حجبت العقل في غيبها و لذلك يختفي اثره و يضعف قوته فلايقوي بنفسه علي الخروج من مكانها و يحتاج الي مكمّل يقويه و يكمّله و يخرجه الي الفعلية كما تخرج النار بين الزناد و القدحة و لايحتاج المطلب الي شرح كثير لوضوحه . قال : فكان اقباله الخ ، اشار بذلك الي ان بروز العقل في قوس الصعود من طريق التعين و ذلك بالتولد نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما الخ ، و لكنه ليس ذلك باستحالتها الي العقل كما ظنّ بعض الحكماء فان صريح كلام جماعة ان الجماد يترقي و يتصاعد الي ان يصير نفسا نباتية ثم حيوانية ثم انسانية ثم عقلا ثم يتحد بذات الله تعالي نعوذ بالله و بهذا الوجه يثبتون المعاد لكل شئ و لكن هذا الرأي العليل يخالف الكتاب و السنة و لا بدّ لي من شرح هذه المسألة ليظهر الحق بحول الله و قوته ، فاعلم ان الله عز و جل كان قبل ان يكون كان و لم‌يكن معه شئ مما كان لانه تعالي احد و قد اثبتنا في كتابنا هذا و في غيره ان الاحد بنفسه فوق كل حدّ و يمتنع معه ذكر جميع ما سواه بالنفي و الاثبات و هو تعالي منزّه عن جميع الكثرات مبرأ عن كل الصفات و لايعتريه التغيّر و الزوال و لايعترضه الحدوث و الاضمحلال و لايتصور في شأنه تعالي جميع ما يجري في خلقه و ذلك قوله تعالي ليس كمثله شئ و هو السميع البصير فظهر من هذه الآية الكريمة ان جميع ما يجري في الخلق لايجري في الذات فلاتكون علة و لا معلولا و لا اثرا و لا مؤثرا و لا موصوفة و لا صفة و لا والدة و لا مولودة و لا مشتقة و لا مصدرا و لا مبدأ و لا مآبا و لا متجلية لشئ و لا متحلية بشيء و قس علي هذا فخلقها الخلق ليس بوجه من الوجوه المذكورة و غيرها مما يجري في الخلق و الحق قول الامام بالحق لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما ابدأه كذب العادلون بالله و ضلّوا ضلالا بعيدا ، فلايكون الله مبدأ الاشتقاق و لا منشأ الافتراق و لا كليا ذا الاطلاق و كذب من قال في قنوته يا علة العلل يا قديما لم‌يزل ، و الصدق قول حجته كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، [ص 214] و كذلك لايكون فعله بالتجلي فانه يلزمه التغيّر عن حال التنزّه الي التحلّي و لا بالحلول فانه يلزم منه الطلوع و الافول و كل ذلك باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و لكنه تعالي تجلّي لمشيته الاولي بها فخلقها بها بمعني ان نفسها في محلها تجلّي الرب تعالي لا انها صدرت من الله او ظهر الله بها او انفصلت و اشتقت من الله نعوذ بالله من غضب الله بل حق القول قول الامام عليه السلام في صفة اضائة السراج و مرّ تفصيله في صفة خلق المشية فراجع و بعد خلق المشية و تمامها خلق بها الامكان علي ما مرّ و نسبة الامكان منها نسبة المصدر من الفعل و ليس بينهما اثرية و مؤثرية كما لايخفي بل الفعل مبدأ اشتقاق المصدر و المصدر مشتق منه و كلاهما اثر الفاعل الا ان الفاعل ظهوره بالفاعلية في بطن الفعل فانه قبل الفعل لايسمّي فاعلا بالكتاب و السنة اما من الكتاب فقوله تعالي و ماتجزون الا ما كنتم تعملون فقبل العمل لايصل الشخص شئ و قال اني لااضيع عمل عامل منكم فقبل العمل لايسمّي الشخص بالعامل و غير ذلك من الآيات و في الخبر لايزني الزاني و هو مؤمن و ورد ان حين الاشتغال بالمعصية يخرج روح الايمان من بدن الانسان و بعد التوبة يتعلق به ثانيا و غير ذلك من الاخبار و هذا بحث طويل الذيل ان وجود المبدأ لازم لصدق المشتق ام لا قد اشبعنا القول فيه في رسالة خاصة من ارادها فليطلبها فذات الله تعالي بنفسها منزّهة عن المؤثرية و لكنها مؤثرة بالتأثير و تأثيرها في المشية و التأثر من الامكان ، مثال ذلك للتقريب لا التمثيل النار الغيبية فانها محرقة في الشعلة و الشعلة فعلها و هي بذاتها لاتحرق اذ الاحراق حركتها و حركتها غيرها فان الحركة الجوهرية ممنوعة و لو اثبتت في الخلق معناها استفاضتها من مبدئها و استمدادها بنفسها منه و مرّ شرحها ، و اعلم ان جميع ما مضي في كتابنا مقدمة لهذه المطالب المتعلقة بالمبدأ و المعاد فلاتغفل و الحاصل ان المؤثر لايكون هو الفعل فانه التأثير و لا الذات بلا فعل و لكنها مؤثرة في الفعل افهم ذلك و الامكان هو مقام التأثر و الانفعال [ص 215] و المصدر مبدأ اشتقاق ساير الصفات حتي اسم الفاعل و هو الامر المفعولي و هو مادة جميع الكاينات و هو الماء الاول و الخلق مخلوقون منه بالمشية و ليست المشية بنفسها مادة الكاينات كما زعم ضرار و ذلك امر محسوس لاهل النظر فان حركة يد الكاتب علة صدور الحروف و يد الفاعل و اما المداد فهو العلة المادية و كذلك الخاتم لايكون من حركة الصائغ و لكنه من الفضة بحركته و كذلك الخلق خلقوا من الماء الذي هو الوجود الجايز و المشية علة خروجها من كمونه و ان كانت هي غيب الامكان و الشمس الطالعة في قعره فافهم فمبدأ الخلق الوجود و عودهم اليه و هو الحقيقة و النفس و له درجات كما سيجيء و كل احد يعود الي ما بدأ منه و لايتجاوز ما وراء مبدئه و اول ما اغترف من هذا الوجود العقل الاول و هو الخلق الاول المعنوي الكلي خلق بيد الله تعالي من الامكان و الامكان بنفسه لايصلح بالصلوح القريب لساير الخلق و تصوّره بالعقل ايضا ليس بذاته اذ ذاته بنفسها لاتقتضي غير سوي الامكان و لو اقتضت العقل لخرجت عن كونها امكانا مع انها امكان بذاتها و لكن اول ظهورها ظهر بالعقل كما تري في الجسم الكلي بشرط لا فانه بنفسه لم‌يتصور بالعرش و الا لكان الجزئي كليا و الكلي جزئيا و بشرط لا بشرط شئ و بشرط شئ بشرط لا و هذا خلف و لكن فردا من افراد الجسم يظهر في العرش و هو مادة العرش لاتصلح لغيره ففي الواقع معني ان اصل العرش الجسم انه ظهوره لا نفس بشرط لا فانك تري ان العرش بشرط شئ فان وجوده مسبوق بغيره و كونه عرشا بان يكون مقيّدا بالعرشية فكيف ينقلب الي الجسمية الكلية و ليس ذلك الا كانقلاب الف مع انه الف الي لاالف و هذا باطل و كذلك الامر في العقل الاول فهو عقل بمادته و صورته و هو ثابت في مقامه ابدا دهريا ثمّ ان الله خلق بالعقل من ظهوره النفس و ليست النفس من عين العقل و الا للزم استحالته بالكلية بالنفس و هذا محال فان العقل هو الكلية الخارجة من الحدّ و النفس اصل كل حدّ فكيف يصير غير المحدود محدودا و وجه آخر [ص 216] انه يلزم من ذلك تغيّر العقل عما هو عليه كماء ينجمد و المنجمد بصورته لايكون ماءا و لايبقي ماء علي المائية و الجمد لايؤثر اثر الماء فيلزم من ذلك ذهاب صورة الماء و انعدام اثره فكيف يستمد النفس من المشية و تبقي المعلول بلا علة و هذا خلف و وجه آخر ان العقل هو القلم و النفس هي اللوح و العقل كتب علي اللوح كما في الاخبار و لم‌يرد ان نفس القلم صار لوحا و لو كان اللوح عين القلم النازل لقاله الامام عليه السلام و ان قلت انه ورد ان القلم جري بما كان و ما يكون و جفّ اقول لايريد من ذلك ان الله فرغ من الامر فانه قول اليهود و ردّ الله عليهم بقوله قالت اليهود يد الله مغلولة غلّت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء بل المراد انه جري بما شاء الله في اللوح و لايزيد في علم الله شئ و لكنه يجري باظهار الغيوب و ابراز المقدرات الي عرصة القضاء و من القضاء الي الامضاء و يمحو ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب افهم ما اقول لك و ان قلت انه ورد في الاخبار ان الله خلق اول ما خلق ياقوتة ثمّ نظر اليها بالهيبة فذابت و خلق من دخان الماء السموات و من زبده الارض و ذلك يشهد بان نفس المبدء تتطور بالاطوار و تدور في الادوار اقول من عرف اخبار الطينات و ما ورد في اربعية اركان العرش و غيرها لايشكّ في ذلك الا ان المبيّن يجب عليه حل كل عقدة فاقول يحلّ تلك العقدة بما بينا في الاوعية الثلثة فان الزمان لايجري في غير الاجسام بل لايجري ايضا في مجموع عالم الاجسام و لذا نقول حدوث الافلاك و العناصر من حيث المجموع لايكون زمانيا بل هي حادثة دهرية و كذلك تقدّم الياقوتة علي الماء و الماء علي الريح و الريح علي الدخان و الزبد و تقدّمهما علي السموات و الارض ليس تقدّماً زمانيا حتي يلزم من تصور هذا بذاك انقلاب و تغيّر بل هذه مراتب دهرية واقفة بعضها فوق بعض ابدا دهريا فالياقوتة ثابتة فوق الماء ابدا و هي يد الله في التصرف فيها ابدا و الماء دونها ثابت ابدا و يعبّر عن ذلك بنظر الله اليها و ذوبانها و المراد من ذلك انك لو نظرت [ص 217] الي الماء بنظر العبرة تجده ذائب تلك الياقوت و كذلك الريح حاصل تحت هذا الماء و هو المثال و هو في مكانه حاصل من الماء بحرارة الياقوتة و كذلك الدخان و الزبد و بالجملة هذه امثال مضروبة لفهم الناس و لم‌يرد الامام عليه السلام ان المرتبة العالية انقلبت الي الدانية و لو كان الامر هكذا للزم انعدام الطبيعة الكلية لانها تلك الجوهرة و لو انعدمت لانهدم بنيان جميع ملك الله فان يد الله تعالي في الملك النفس و النفس ظاهرة في الطبع فلو لم‌يكن الطبع لماقام عمود و لااخضرّ عود فالطبيعة قائمة في دهرها و هي المبدأ لجميع عالم الشهادة و عالم الشهادة قائمة في مقامها ابدا دهريا فافهم ، فاذا عرفت ما بيّنّاه فاعلم ان العقل بنفسه لم‌ينزل الي النفس و لكن النفس خلقت من تنزل العقل بمعني ان مادتها في مقامها تنزل العقل و العقل ترفعها و ذلك ما ورد عن مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة النفس موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية ، و لم‌يقل ان موادها نفس العقل و كذلك في ما لوّحنا اليه من حديث اركان العرش فانه لو كان بناء العالم علي استحالة العالي في بطن الداني لمابقي للعرش اي الملك الا ركن واحد و لكنه اركان و كلها بالفعل فهي ثابتة في محالها افهم ذلك و كذلك خلق الله الطبيعة التي هي الجوهرة من تنزل النفس و هكذا الي ان بنيت السموات و الارض علي ما تري و هي آخر نزول العقل في ادباره فحاصل المرام من هذا التفصيل الذي بيّنوه ان الوجود المقيد الاعلي بنفسه لايتطور بالاطوار و لكنه مطلق عن القيود الشخصية و له افراد مترتبة بعضها علي بعض و بنيت العوالم من افرادها المترتبة و هي كلها وجودات مقيدة الا انها بعضها فوق بعض و بعضها دون بعض فعلي ذلك لايتمكن الداني من الوصول الي العالي ابدا كما لم‌ينزل العالي من درجته نعم اذا كان افراد من عرض واحد يمكن للداني الصعود الي العالي و بالعكس و ذلك لايجري الا في عرصة التشكيك نعم اذا لطف الداني و اعتدل و صفا يمكنه حكاية روح اعلي كالمرآة اذا صقلت انطبع فيها [ص 218] شمس السماء و بذلك يصعد الاداني الي الاعالي و بيان ذلك يأتي في اثناء الفصول و المقامات و مجمل القول ان العقل بعد ما نزل الي غاية النزول امره الله بالاقبال بواسطة الوسايط و المكمّلين باَلسنة الدعاة الكونية و الشرعية فاقبل الي ربه بالصعود و اول امره ان بمشية الله المتعلقة بالنجوم و الافلاك ضربت العناصر بعضها ببعض و اثر كل جزء في صاحبه حتي تولد منها المواليد و اول اختلاطها و امتزاجها قبل انتضاجها يسمّي المولود جمادا و بعد ما انتضج في الجملة يحصل المعدن و بعد ما بلغ النضج التام حصل النبات و جميعها مواليد مرتبة واحدة من عرض واحد و يحصل كل عالٍ بانتضاج الداني و كل سافل بفساد نضجه و بعد ما صعد النضيج الذي هو النبات في درجاته و بلغ اعلي درجته من فسحة وجوده يبلغ درجة الحكاية فاذا تلطف النبات يطلع روح الحياة من كمونه بحسبه و ليست الحيوانية من النبات فانما هو عناصر مركبة و لكنها من القمر و شعاعه منبثّ في جميع الملك و لايحكي شئ من اجزاء العناصر و مواليدها نوره الا بحسب الظاهر كما يظهر اللحك في المرآة و لكن بعد ما اعتدلت اجزاء المولود تحكي النور بظاهره و باطنه و مثل الاول كظهور نور السراج علي الجدار فانه يشتعل من شعاعه ظاهره و هو صبغ برّاني قليل الجدوٰي و الاثر و مثل الثاني كالدخان فانه لصفائه و مناسبة مزاجه مع النار الغيبية يتكمل منه بظاهره و خافيه فيصير سراجا كالسراج الاول و ذلك قول مولانا اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين انا من محمد كالضوء من الضوء انتهي ، و اما اغلب الذين تسمّوا بالمسلمين فمثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لايبصرون و كذلك الامر في ما نحن فيه شعاع القمر منبثّ في جميع الملك و لايخلو منه مطارحه و لكن الاجسام الغليظة تتنور بنورها بظاهرها و لاتتأثر في بواطنها و لكن الادخنة المتكونة في قلوب الابدان الحيوانية قابلية للاشتعال بنور القمر مثل جرمه لان جسم العناصر صالحة للترقي الي جسم الفلكية لانها من عرصة التشكيك [ص 219] و لا ترتب بينها في الوجود فاذا بلغت لطافة الفلك تشتعل بنور الفلك كما ان الفلك قد اشتعل بروحه و بالجملة فالروح الحيوانية اصله من الافلاك و لايستحيل نفس العناصر اليها و لكنها تصير حاملة له فافهم ثمّ ان النفس الحيوانية تترقي و تتصفي و تتلطف بحسب المحل و المادة الجسمانية الي ان تصير قابلة لحكاية النفس الانسانية و بينهما مراتب تركنا ذكرها خوف طول المقال ، ثم اعلم ان النفس القدسية الانسانية لاتتعلق بالمولود الا اذا بلغ دخان قابليته حدّ جسم الكرسي و كما ان نفس الكرسي هي النفس الانسانية كذلك يصير نفس البدن نفس الانسان و لكنها لاتخرج الا بالتكميلات الشرعية و تحصيل العلوم الالهية و انبعاثها من العلم و ما قال مولاي اميرالمؤمنين عليه السلام انه لا انبعاث لها ، محمول علي عدم الانبعاث من البدن لا مطلقة فانها مخلوقة و كل مخلوق له محل و مبدأ البتة ، ثم اعلم ان النفس هي الصورة الكلية العلمية و سيجيء شرحها بعد انشاء الله في محلها و هي صرف الصورة و مادتها ظل الشعور و العقل فهي اثر العقل اذ خلقت من نوره و نسبتها منه كنسبة الحيوان اليه فكما ان الحيوانية لاتصل درجة الانسانية بالاستحالة و الانقلاب و لكنها تصير مرآة لها كذلك الانسانية بالنسبة الي العقل فان مبدءها ظل العقل الذي هو المؤثر و لاتكاد تصل اليها فانه لا ذكر لها فوق مبدئها كما في خبر المعراج ان جبرئيل عليه السلام رافق النبي و شايعه الي السدرة ثم قال لرسول الله صلي الله عليه و آله تقدّم يا محمد فقال له رسول الله في مثل المقام تتركني فردا قال ان مبدأ وجودي من هنا و لااجاوزه و في خبر لو دنوت انملة لاحترقت ، و كذلك الامر في النفس التي هي عين السدرة لاتتجاوز محلها و هي مركوزة في مقامها بمادتها و صورتها نعم لها ترقيات في محلها بحسب الظهور في مرايا القوابل و لكن النفس بعد الصفاء و الاعتدال تصير حاكية عن العقل الغيبي و ذلك اذا بلغ دخان القابلية حدّ ظاهر العرش فيصير حيّا بحيوة العقل كما ان الفلك التاسع مشتعل بنور العقل فاذا بلغ هذا المبلغ يصير صاحب عقل [ص 220] و العقلاء متفاوتون بحسب شانهم و درجتهم و اكمل من كمل عقل و لم‌يحجبه حجب الانية و استار الكثافة و الغلظة و هنالك يصير عود العقل الي بدئه و فوق ذلك مقامات و درجات فافهم فالنفس لاتتولد من اسافلها و لاتستحيل الي العقلية و هذا الرأي فاسد عليل و وجه الاشتباه عليهم انهم يرون العناصر تستحيل الي الغذاء و الغذاء يصير دما و الدم يصير بخارا و البخار دخانا و يصعد الدخان الي الدماغ و يحكي المشاعر الغيبية و النفس و العقل فزعموا ان نفس العناصر بلغت هذه الدرجة و لكن الحق ما ذكرنا ان الجسم لايبلغ فوق العرش ابدا و ذلك منتهي سيره و العرش جسم لطيف و التراب جسم لطيف و هم مشتركان في الجسمية ممتازان باللطافة و الكثافة و العرش مع لطافته اكثف من الارواح المثالية بسبعين درجة فكيف يبلغ الجسم المحدود عرصة التجرد هيهات هيهات ما ابعد رأيهم و اسخف قولهم فمعني العود علي البدا رجوع العقل الذي خلق اولا في الكون الي الفعل في العين فاعرف الرجعة الحقيقية و الاياب الواقعي فاذا عرفت هذا المطلب نرجع الي ما كنا بصدده من شرح كلام السيد الامجد اعلي الله مقامه .

قال اعلي الله مقامه : فكان اقباله بحسب الاسباب الظاهرية و الباطنية ، الاسباب الظاهرية هي اشعة الكواكب و حركات الافلاك فانها اكمام المشية و اوكار الارادة و لولا الافلاك لماتأثرت العناصر من المشية للزوم المناسبة بين المكمل و المتكمل و قد بيّنّا في محله ان المشية ظهرت في الافلاك و الارض الجرز في الارض و الماء النازل في اشراقات الكواكب و من بينها تولدت المواليد ، و الاسباب الباطنية هي النفوس الشرعية الظاهرة في المكملين من الانبياء و المرسلين ، قال اعلي الله مقامه فظهر الخ ، يعني ظهر العقل بحسب ظهور الاسباب المذكورة عند بلوغ الولد اوان الحلم فظهر من ذلك ان شرط ظهور العقل من قبل الفاعل جمعية الاسباب و من جهة القابل بلوغه هذا المبلغ و هذا حكم الغالب [ص 221] و الا فقد يتفق تعلق العقل به قبله او بعده و لكن غالب الناس يمنعهم من حكاية العقل الرطوبات و يعوق ظهوره فيهم غلظة الابخرة في الصغر و اذا بلغوا الحلم يقوي فيهم الحرارة الغريزية و لذا تري الحيوانية فيهم في هذا السن في غاية القوة و ذلك اول انجلاء شمس العقل من تحت سحاب ابخرة الدماغ و مراده من كمال الولد كماله في النباتية الحيوانية لا الانسانية ، قال : فيتكلف الخ ، يريد ان بروز العقل بسبب الشارع و تربيته بالاوامر الشرعية و الاحكام الدينية و هو لسان الله الآمر بالاقبال و امره ذلك يستنطق بالاوامر الشرعية كصَلِّ و صُمْ و غيرهما فالمولود يترقي باتباع الرسول الي ان يخرج العقل من كمونه و هو في نفسه و ان كان بالفعل الا ان الحجاب حجبه و الشمس اذا احتجبت بالسحاب لاتصير قوة فانها في مقامها بالفعل و لكن ظهورها لما دون السحاب بالقوة فافهم و كذلك الامر هنا فكلما اطاع الولد و عمل بالاحكام يترقق حجابه فيستشرق نور العقل فيه بالشوارق ، قال : فهو في اول ظهوره الي آخر ، اشار بذلك الي ما قلت و مراده ان هذه المراتب المذكورة في القوة ليست بالنسبة الي نفس العقل فانه بالفعل و لكنها بحسب الظهور في الشخص ففي مبدأ الامر يكون عقلا بالملكة و ترك (اع) ذكر العقل بالقوة لانها قبل هذا المقام و هو حين عدم اقباله الي العمل او اول شروعه في العمل فاذا عمل يكون عقلا بالملكة اي القوة القريبة للكمال و بعد بلوغه درجة الكمال الشخصي باستشعاره حضور جميع ما دونه تحته يكون عقلا بالفعل و بعد استكماله درجة يصير مستفادا و مراده منه الفؤاد فافهم كلامه و انظر الي آثار الحق كيف تظهر من بيانه فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا و يظهر من ترتيب كلامه ان ساير بيانات القوم كلها تكلّفات نشأت من عدم اطلاعهم علي البدأ و العود و انهم اراد ( ارادوا ظ ) كشف الحقايق بالادلة الجدلية و المقائيس المنطقية و ذلك مما لايكون ، قال اعلي الله مقامه : فيعود الي بدئه ، هو في الظاهر موافق لقول ساير الحكماء [ص 222] و لكنه في المعني بحسب اعتقاده مخالف لهم في مسائل : منها انهم يقولون ان المبدأ هو العقل و قبله ليس الا الاحد جل شانه و لكن القول الحق الذي ذهب اليه مشايخي ان العقل هو اول الاكوان و قبله الحقيقة و هي الوجود الجايز و قد يعبّرون عنها بالفؤاد و قد يعبّرون بالعقل المرتفع و سمّاه (اع) هنا مستفادا لانه من الله و ليس للعباد فيها صنع و بعد ما بلغ العبد هذا المبلغ يعود الي بدئه لان المبدأ هو الماء كما نطق به الكتاب و السنة و هي الماء الاول بل هي الهواء الذي هو مبدأ الماء كما ذكرنا و الامر الذي قال الله و ما امرنا الا واحدة و هو عالم اللانهاية لانها الكلية و الجمعية و لاتنتهي الي شئ و المشية فوقها و لكنها لاتنتهي اليها لانها الفعل و هو المفعول و النسبة بينهما طولية فكل ما سار الساير في هذا العالم لايبلغ درجة الفعل و لكنه يحكي عن الفعل بحسب ظهوره فيه و يسير فيه و لايخرج منه بل اقول ان ظهور الفؤاد في الشخص ايضا بالوجدان و الا فالمقيّد لايصير مطلقا الاتري ان افراد الجسم لاتتجاوز في ترقيتها العرش و لاتبلغ الجسم الكلي ابدا و لكن كل ما صارت اجمع بحسب ظهور الافراد تكون احكي للجسم الكلي و لا نهاية لهذا السير فافهم و منها انهم يقولون برجوع الحوادث الي الله تعالي و مشايخي (اع) يقولون بامتناع وصول الحادث الي القديم و قول الله تعالي انا لله و انا اليه راجعون بمعني رجوعهم الي امره و هو وليه كما ورد في الاخبار و الآثار و لذلك قال فيقف حينئذ علي باب فوّارة النور فالنور هو الكينونة و فوّارتها المشية و بابها الفؤاد فالعبد يقف هنا و لايتجاوزه و ان شئت ان تعرف ذلك باليقين فاعرف ذلك من هذا البيان و قوله (اع) فلا غاية لادراكاته و لا نهاية لظهوراته ، لانه وصل عالم الاطلاق الساري في كل الموجودات وجدانا و يمكن له الظهور في كل كمال و صفة و لذلك لا نهاية لترقياته مع كماله و الخاتم صلي الله عليه و آله مع شانه العظيم امر من ربه بطلب الزيادة و اوحي اليه و لاتعجل بالقرآن من قبل ان يقضي اليك وحيه و قل [ص 223] رب زدني علما و كان يقول رب زدني فيك تحيرا ، و لاتزعم ان ذلك نقص في شانه فان كمال العبد في القبول بلا نهاية كما ان كمال الرب في العطاء بلا نهاية و احتياج العبد الخالص الي ربه بقدر غنائه و غناء العبد بربه و ظهور جود الرب في عبده و لولا العبد لماكان يجود مع انه الجواد فافهم و اغتنم فالعبد في هذا المقام واقف موقف السؤال بلا استغناء و الله واقف موقف العطاء بلا فناء ، قال (اع) : و هذا هو العقل الكلي الخ ، يريد اعلي الله مقامه ان امر مجموع الملك و الانسان بالسواء بلا فرق الا في الكلية و الشخصية فعقل الملك كلي و عقل الشخص جزئي و فيه اشعار بان الشخص لايصل مقام الاتحاد بالكلي وجودا و ان كان ما فيه ايضا عقل كما ان ساير مشاعره ايضا لاتتحد مع مشاعر الملك و اما في مثل الخاتميين فامرهم ارفع من ذلك و ليس هنا محل شرح مقامهم و قد مرّ سابقا شرحه نعم في الآخرة يمكن ان يقال ان المؤمنين بعد ما ترقوا في درجات النعيم ربما يصلون مقام الكلية و الجمعية و ذلك حظّ قليل منهم و قد اقرّ بذلك بعض الحكماء و لاادري انهم ارادوا من قولهم ما اردت او غيره و هم اعرف بقولهم و مطلبهم و سيجيء بعد في المعاد بيان ذلك و بقوله او ما يعم ، اشار الي ان لكل موجود كائنا ما كان عقلا جزئيا و ذلك مطلب سابيّنه في فصل خاص ، قال : و هذا الي آخر ، اشارة الي نوع العقل بمقتضي قوله تعالي مخاطبا له اياك آمر و اياك انهي و اياك اثيب و اياك اعاقب ، لا العقل المستفاد خاصة كما ربما يعرفه المبتدي من ظاهر كلامه اذ لو كان الامر كذلك للزم عدم كون غير الكامل مكلفا مع ان جميع العقلاء مكلفون حتي اصحاب العقل بالقوة و الملكة بل لايبلغون درجة الكمال الا بالعمل و لا عمل الا بالتكليف بل ما يظهر من ظواهر الاخبار ان العقل الذي هو مناط التكليف صرف الفهم و الشعور و لما كان في الغالب بروزه عند الحلم جعل الشارع صلي الله عليه و آله حدّه اذا احتلم و بناء الاحكام الشرعية علي الغالب كما لايخفي علي المتدرب ، قال : و لما كان الي [ص 224] آخر كلامه ، معناه ظاهر و لا غبرة عليه و هو ردّ علي من زعم ان العقل بسيط فقال اعلي الله مقامه ان كل شئ مركب من نور و ظلمة و قد اثبتنا سابقا هذا المطلب و صرّح بان الظلمة هي الماهية و هي مقام الصورة و الانية و تسمّي ظلمة لانها محدودة متعينة و بتعينها تخالف الكينونة فتكون ظلمة لان الكينونة نور قال الله تعالي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و لما كان العقل اول الخلق و اقرب الموجودات من المشية تضعف ظلمته حتي كادت ان تفني و لذا يقال ان صورته كلية معنوية و المعنوية اقرب الانيات الي الوجود البتة و لكن اذا انهمك العقل في المعاصي و الخطايا يكثر انهماكه و توغله في العبودية و الانية و يضعف وجوده الذي هو النور و لكن مع ذلك لاينقص من ادراكه فيدرك الكليات و هو مع ذلك ظلماني بل اقول انه ربما يعلم اكثر العلوم و يطلع علي اغلب الرسوم و يستدل علي المسائل بالبراهين المنطقية و الادلة العقلية و مع ذلك يكون ظلمانيا فقول من قال ان بعلم المنطق و الكلام و ضبط الاحكام و الاطلاع علي الهندسة و النجوم و غيرها من العلوم يكمل العقل قول بلا دليل مخالف للاخبار فانك تري قوله عليه السلام في صفة العقل انه ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و لم‌يصفه بالعلوم الرسمية بل سئل عما كان في معاوية قال انه نكراء شبيهة بالعقل مع انه كان عالما بالعلوم الادبية و سرّ الفلسفة التي لايطلع عليها اغلب الناس و علم السياسة و الولاية المنكوسة فان الولاية ايضا قسمان مستوية معتدلة و منكوسة منحرفة فان كانت حقة تكون مستوية و هي ولاية اميرالمؤمنين (ع) و ان كانت باطلة تكون منكوسة منحرفة و لكل منهما علم مخصوص و هو في غاية الصعوبة و بالجملة مرادنا ان معوية كان له علم و مع ذلك لم‌يسمّ الامام عليه السلام شعوره بالعقل بل سمّاه بالنكراء و الشيطنة ، فظهر لنا من هذه الاخبار ان الشعور في الانسان اذا اعتدل باتباع الائمة الهداة عليهم السلام و الصلوة و استنار بنورهم يصير عقلا و اذا خالفهم و عصاهم يضطلم و يصير [ص 225] نكراء و شيطنة فافهم و لايحتاج المسألة الي زيادة بيان لوضوحه و قد فصّلت القول في الجملة لظهور ما بيّنه سيدنا و سندنا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه .