فصل - اعلم ان تسمية العقل بالقلم لها حِكم شريفة اشير اليها علي نهج الاختصار ، فاقول لايخفي ان القلم الظاهر الذي يكتب به قصبة مجوّفة ذات عقود تنبت في الآجام و حافّة الانهار و امثالها و القلم الاول ايضا يثبت له هذه الصفات و كذلك القلم لايصلح للكتب الا ببريه و قطّه و شقّ لسانه و كذلك الامر فيه و لكن لايعرف ذلك الا الحكيم فاعلم ان المخلوق الاول جوهرة خالصة و قد يقال انها ياقوتة لان مزاجها حارّ يابس لقربها من المشية و الحرارة في الاصل تقتضي اللمعان و اليبوسة تقتضي السواد و بالتركيب مع الحرارة يحصل الحمرة كما تري ان الابخرة اذا استضاءت بالشمس حين الطلوع و الغروب تحمرّ و الدخان الاسود اذا استنار يحمرّ و كذلك جوهر العقل بعد ما استنار بنور شمس المشية احمر و مع ذلك هو في غاية الصلابة لان المبدأ في غاية اللطافة و لكثرة لطافته تتشاكل اجزاؤه فتتلاصق و تتحد و لذلك يصير جوهرا صلبا فان اجزاء المركب كلما كانت اشدّ تشاكلا و انعم يصير المركب ابسط و جوهر هكذا في الدنيا [ص 174] الياقوت و لذا يسمّي جوهر العقل بالياقوت و هو الجوهرة التي خلقها الله اوّلا ثمّ نظر اليها بنظر الهيبة فذابت فتدبر ثمّ ان هذا الجوهر له قوة النماء اذ يستمد من الله دايما و يمدّه الله من لطفه فيجذب المدد اليه و يمسكه و يهضمه و يغيره يشكله (كذا) و ينمو و مع ذلك له دافعة يدفع فضوله الي ساير الخلق و كل ما هو هكذا نبات و له اصل نشب في ارض القابلية و دوحة و فروع في سماوات الكاينات فهو شجر و مع ذلك لايكون صمدا لتركيبه و احتياجه الي المدد و الله الصمد لانه لايأكل و لايشرب و اما العقل فهو محتاج الي الامداد فهو اجوف و لذا يقال انه قصبة و هي مع بساطتها مركبة و اقل الاجزاء ثلثة اعلي و اسفل و وسط واسطة بينهما يعبّر عنها بالروح و النفس و الجسد و كل منها مركّب من اربعة اجزاء هي عناصر الوجود يعبّر عنها في كل عالم بلسان باسم خاص و كلها معنوية كلية مع انها في غاية الوحدة و مرجعها باثنيعشر عدد الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و كل مقام عقد فلهذه القصبة اثناعشر عقود هم ائمة الوري و حجج الله علي اهل الآخرة و الاولي و هنا مقامان مقام جمعية و الطبيعة الثابتة فوقها الجامعة لها فمقام الجمعية العصمة الكبري و الطبيعة الكلية مقام النبوّة العليا و تلك اربعةعشر السبع المثاني فاتحة كتاب الامكان فللقلم اربعةعشر مقامات كلية ثمّ اعلم ان هذه القصبة لها اعلي الي المبدأ و اسفل الي المنتهي و ما يرتبط منها بالاسفل اسفلها و ما يرتبط بالاعلي اعلاها فاعلاها في يد المشية و اسفلها يرتبط باللوح فباسفلها يكتب و اسفلها ايضا مركب من جزئين و كل جزء قوس في الواقع و نصفه الي الاعلي لايكتب لعدم ارتباطه بالاسفل و نصفه الاسفل يكتب فلذلك يبري منه الربوبية و تختفي في العبودية و تتصل بالحروف العبودية فقط و لكنها ايضا مركبة في نفسها فان الفرد هو الله تعالي فللعبودية ايضا جهتان جهة الي الربوبية بها تتصل بها و تتركب معها و جهة الي اخوانها فلذلك انشقّ [ص 175] لسان القلم بشقين و لما كان جهة الربوبية اوحد صار شق منه ادق و هو ما منه الي الكاتب و في الاصطلاح هو شقه الانسي و شق منه الي العبودية و هو مقام الكثرة فهو اغلظ و هو الشق الوحشي و رأسه مأنوس البتة لميله الي الكاتب فبهذا القلم كتب علي اللوح ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة و يجوز ان يقال انه دقّ لسان القلم بالبري من جميع اطراف (كذا) حتي صار دقيقا و كتب به بغير شق و قط و حكمة ذلك انه يؤثر في ما دونه بغلبة النورانية و ذلك لايمكن الا بغلبة الوحدة الممكنة في المقام و بهذا القلم يكتب الله ما يشاء فافهم .
فصل - اعلم ان العقل هو اول ما خلق الله من الاكوان و بذلك نطق الاخبار و حكم العقل المستنير بنور الآثار و قد اقام الآخوند (ره) لذلك ادلة و لكن شيخنا الاجل اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه ردّ عليه كلامه باطلاقه لانه لايزعم فوق العقل مقاما و يظنّ ان الله تعالي فوق العقل و العقل بنفسه هو المشية و انت قد علمت بطلان هذا الرأي لان المشية غير العقل كما اثبتنا سابقا و لانعيد و كذلك الامكان مقدم علي العقل فانه لا شك ان العقل ممكن و لايوصف بالامكان الا بمادته فان كل ما يوصف بالامكان لايوصف الا بحسب مادته اذ لايمكن الشئ الا في مادته فللعقل مادة سابقة و يشهد بذلك الاخبار ايضا و لا شك ان مادة الشئ سابقة عليه نعم سبقها طولي لا زماني و كذلك كل سبق و لحوق فوق الزمان امره بهذا المنوال فقبل العقل فعل و امكان ثمّ بعده عقل فالعقل اول الارواح و الاكوان لا اول موجود و يظهر هذا المطلب الشريف من بعض الاخبار فمنها قوله عليه السلام في صفته انه اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و في رواية قال (ص) اول ما خلق الله روحي و روي بعض عقلي و المعني واحد و قد اضاف الروح او العقل الي ياء المتكلم و هو اشارة الي النفس فنفسه قبل العقل و هي مخلوقة لله و هي نفس الامر المفعولي او الفعلي و ان شئت ان تعرف الحقيقة اقرأ كتاب نفسك حتي تطلع علي الدقيقة فانك تقول بدني و نفسي و روحي و عقلي [ص 176] و يدلّك ذلك علي حقيقة سابقة عليها تضاف اليها و يهديك ايضا الي ذلك انك انت انت لاتتغير و مضافاتك تتبدل و تتغير بالزيادة و النقصان و الحدوث و الزوال فانت انت و لاتعقل فيخرج العقل من كمونك فتعقل و كذلك انت انت و لاتعلم و تتعلم فيخرج لك النفس من كمونك و بالجملة تعرف من هذا و امثاله ان ذاتك غيرها و هي فوقها و كذلك الامر في الانسان الكبير لانه طبق الصغير و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فالعقل ليس اول العالم مع انه مادة كلية و المادة قوة معنوية و القوة لاتصلح للتقدم فالاول هو العلم الذي قال (ع) بالعلم خلقت المشية و هو غير ذات الاحد اذ صار واقعا علي المشية و الذات لاترتبط بغيرها كما اثبتناه سابقا نعم بملاحظة ما بيّناه هنا و في الامامة ان العقل محلّ حكاية كل الغيوب و هو فعلية الامكان و متعلق المشية و مظهر الارادة و المعلوم المكوّن قد يقال انه اول ما خلق الله مطلقا مثل انه يقال انه فعل الله و امره و ذلك مثل قولك ان الشعلة هي النار فتدبر و كذلك اذا وصف بساير الاوصاف و سمّي بساير الاسماء قد يقال انه الاول كقول الامام (ع) اول ما خلق الله الماء و اول ما خلق الله النور و اول ما خلق الله القلم و لكن قد يلاحظون المراتب العالية فيبينون غيرها و الجاهل يزعم ان في اخبارهم اختلافا و الحكيم يعرف انه لا اختلاف في الاخبار و لا في كلمات الحكماء الاخيار .
فصل - زعم جماعة ان العقل الاول هو الحقيقة المحمدية و ذلك لقلّة معرفتهم و قد ثبت من الاخبار و الآثار و الادلة العقلية ان حقيقتهم فوق جميع هذه المراتب و قد اشبعنا القول في ذلك قبل في الامامة و ان شئت فراجع نعم العقل الاول الكلي عقلهم الشريف كما ان ساير المراتب الكلية مراتبهم و اما ما ورد في صفة الروح انه يؤيّدهم فلايدلّ علي سبقه عليهم بل المراد تأييده بدنهم بما يمدّه حقيقتهم الشريفة كما تري في نفسك انها تمدّ بدنك بحواسك الباطنة و لايصلح بدنك الا ذلك و مع ذلك جميعها دونك و هي فروع وجودك و كذلك [ص 177] الروح خلق من خلق الله اكبر من جبرئيل و يستمد من الحقيقة المحمدية (ص) و يمدّ بدنها و قوله تعالي تنزل الملئكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر سلام هي حتي مطلع الفجر لايدل علي شرف الروح عليهم بنزله من عند الله اذ لو كان ذلك سبب لكان يثبت ذلك الشرف للملئكة ايضا و هم اخسّ من جميع الانبياء و المؤمنين بداهة نعم ينزلون الي البدن الجسماني و هم الطف منه و نزولهم من عند حقيقة محمد صلي الله عليه و آله لان واسطة فيضهم من عند الله و لايصل الي احد من الخلق فيض الا بسببهم و هم يستمدون من الله بلا واسطة احد و يدلّ علي ذلك قوله عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة ، فافهم و يكفي هذا القدر من البيان .
فصل - اختلفوا في ثبوث العقل المجرد و عدمه فذهب جماعة الي وجوده و منهم الآخوند و اتباعه و آخرون من الكلاميين و من حذا حذوهم علي عدمه و لكل جماعة براهين علي قولهم و قد اقام الآخوند (ره) علي وجود الجوهر العقلي و اوليته ادلة اجمل نقلها و اذيلها بما يخطر بالبال مما يظهر من اخبار الآل عليهم صلوات الله المتعال ،
قال : الاول - من طريق النبوة و الالهام و ذكر قول النبي صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله العقل و قوله اول ما خلق الله القلم و قوله اول ما خلق الله نوري و خلقت انا و علي من نور واحد .
الثاني - يجب ان يكون اقرب الاشياء من الله ذاتا بسيطة مبرّاة عن ملابسة العدم الخارجي و القوة و الاستعداد مستغنية في ذاته و فعله عن غير مبدعه ليصح ان يكون واسطة في افاضة الجود و الخير من المعطي الحق علي ما عداه من المخلوقات فهو جوهر عقلي قدسي لانتفاء هذه النعوت من الجسم و جزئيه و هما المادة و الصورة و كماله و هو النفس فضلا عن العرض .
الثالث - من سبيل الامكان الاشرف و لا شبهة في ان العقل اشرف من ساير الممكنات و هو فرد من افراد الوجود و مرتبة من مراتبه و الوجود طبيعة واحدة نوعية علي الوجه الذي قرّرناه و ان لميكن نوعيتها باعتبار عروض [ص 178] الكلية لها في الذهن كما في الماهيات فيكون الموجود الاشرف ممكنا لا محالة بالامكان فيجب حصوله قبل الاخسّ فالموجود الاوّل عنه سبحانه وجب ان يكون اشرف الذوات العقلية .
الرابع - من مسلك الملايمة و المناسبة الذاتية بين المقتضي و المقتضي و العلة التامة و معلولها فيجب ان يكون المناسبة الذاتية الحاصلة للعقل الاوّل اتمّ و اكمل ما يتصور بالقياس الي ساير الممكنات و ان هو الا اكرم العقول .
الخامس - من جهة اخراج ما بالقوة الي ما بالفعل فان شيئا من الاشياء اذا كان بالقوة في كماله ثمّ صار بالفعل في ذلك الكمال فمُخرج ذاته من حدّ القوة الي الفعل لايكون ذاته و الا لكان الامر الواحد مفيدا و مستفيدا و ايضا لو كانت الذات بذاتها مقتضية الخروج من القوة الي الفعل لماكانت بالقوة و ايضا الخارج من القوة الي الفعل اشرف و اكمل من حيث الفعل و اخس و انقص من حيث القوة فلو كان خروجه منها اليه من تلقاء ذاته لكانت ذاته اشرف من ذاته و ذاته انقص من ذاته و بالجملة يلزم ان يكون معطي الكمال قاصرا عنه فاذا النفس العاقلة لايستطيع ان يخرج ذاته من القوة الي الفعل و من العقل الهيولاني الي العقل الصوري بواسطة الاستعداد الذي هو العقل بالملكة فلا بدّ من معلم قدسي و مصوّر عقلي بريء من القوة و الانفعال و ليس هو الواجب القيوم بلا واسطة اذ النفوس كثيرة و الواجب واحد فلا بدّ من متوسط عقلي .
السادس - من طريق الهيولي و الصورة حيث يحتاج وجود الهيولي الي واحد بالابهام من صورة مطلقة غير مخصصة بشيء من افرادها و واحد بالهوية التحصلية و هو الجوهر العقلي المعقب لكل صورة زايلة عن الهيولي بصورته عاقبة اياها ليستحفظ وحدتها الشخصية الدائمة بوحدة مرسلة متبدلة الافراد .
السابع - من اسلوب الطبيعة المتجددة الهوية عندنا فانها لما كانت متجددة الهوية دون المٰهية فلايمكن ان يكون مفيض وجودها ذاتا احدية من كل وجه [ص 179] كواجب الوجود و لا ايضا طبيعة اخري و الا لعاد الكلام الي تجدد هويتها و حاجتها الي سبب موجب لوجودها فيلزم الت و هما ممتنعان فكذا ما يؤدّي الي احدهما و لا النفس فانها كما علمت حكمها من حيث تعلقها الي البدن و استكمالاتها اللازمة لوجودها حكم الطبيعة في الانقضاء و التجدد و التصرم و التبدل و لا الهيولي لانها قوة انفعالية لا صورة فعلية ايجابية فموجب وجودها و مقتضي ذاتها من حيث الثبات المضمن فيه التجدد و الحدوث جوهر عقلي و صورة مجردة و مثال ربوبي و ملك كريم و اسم الهي .
الثامن - من الاشواق و ميل الاشياء الي الكمالات فلا بدّ ان يكون لكل نوع طبيعي غاية كمالية عقلية لصحة توجه الافراد بحسب الجبلة و تشوقها بحسب الغريزة الي ما فوقها و الا لكان ارتكاز هذا المعني اعني الميل الي التمام و التوجه الي الكمال باطلا و محال ان يكون باطل و عبث في الطبيعة و الاصول التي لا حركة بعدها ليست نفوسا لانها ايضا ما دامت نفوسا بالقوة و مشتاقة الي الكمال الاتمّ و ليست واجب الوجود لانها متعددة و واجب الوجود واحد فهي عقول و كما لا بدّ في سلسلة المبادي من واسطة عقلية بينه تعالي و بين المجعولات كذلك لا بدّ في سلسلة الغايات و آخر النهاية هو اول الاوائل .
التاسع - من طريق عدم كفاية الامكان الذاتي لوجود الانواع المحصلة التي لايفتقر فيضانها نوعا و لا شخصا عن المبدأ الواهب الي امكان استعدادي غير امكانها الذاتي فهي لا محالة صادرة عن الواهب مبدعة قبل الزمان و الزمانيات و الامكنة و المكانيات قبلية بالذات في الدهر اذ لا مانع في ذاتها من قبول فيض الوجود و لا صادّ للجواد المطلق و لا مبطل و لا معطل للمفيض الحق جوده و ابداعه فهو لا محالة فائضة عنه ابدا و اما التي يفتقر في خصوصيات افرادها الشخصية الي سبق امكان استعدادي وراء امكانها الذاتي فهي ايضا فايضة من حيث الطبيعة المرسلة في عالم الصنع و الابداع و ان كانت في فيضانها الشخصية مرهونة [ص 180] الهويات بالمادة و الاستعدادات و الازمنة و الاوقات و بالجملة فالافاضة دائمة و ان كان المفاض عليه و هي الانواع بحسب الهويات متجددة فاذن جميع الماهيات و صور الانواع علي الدوام فائضة من جانب الله و ان كان العالم الزماني حادثا زمانيا و لما كانت الانواع و الطبايع لا بدّ في صدورها عن الواحد من وسايط عقلية مع جهاتها النورية ليصح فيضان هذه الانواع و الطبايع عنه و المادة و ان تكثرت بتعددها او تعدد جهاتها الاستعدادية اشخاص نوع واحد او افراد طبيعة واحدة لكن يستحيل ان يتكثر بها و باستعدادها انواع متخالفة و طبايع متكثرة فثبت وجود العالم العقلي و تكثر صورة و ذلك العالم مع تكثر صوره ليس مبائنا لذات الحق الاول بل هي علوم الهية قائمة بذاته تعالي واقعة في صقع الربوبية فليست هي من جملة ما سوي الله .
العاشر - من سبيل الحركات الفلكية و ذلك من وجوه : احدها ان لكل متحرك محرّكا غيره اذ الشئ لايحرك نفسه و المحرّك ان كان متحركا يحتاج الي محرّك آخر و هكذا الي لا نهاية و مع ذلك لكانت بالاسر اوساطا بلا طرف و ما دام حكمها حكم الواسطة لايكون الحركة متحققة بالفعل علي نحو وجودها فلا بدّ من الانتهاء الي محرّك لايتحرك و لا محالة امر بالفعل لايتغير مطلقا و تحريكه الفلك اما باعطاء المبدأ القريب اياه و اما بان يكون هو المؤتم به و المعشوق للجوهر المتحرك حركة شوقية تتبعها الحركة الدورية و ثانيها ان الحركة الطبيعية لاتكون مستديرة فحركة الافلاك ارادية مستندة الي نفس دراكة و الباعث لها في الحركة اما امر شهوي او غضبي و غاية الحركة دفع منافر او جلب ملايم و هما منتفيان عن الفلك لانه تامّ الخلقة لايحتاج الي غذاء و ليس له مضادّ فوجود الشهوة و الغضب فيه عبث معطل و الاغراض الحيوانية منحصرة فيهما راجعة اليهما فغرض الافلاك في حركتها امر عقلي جازم غير مظنون و لا موهوم و الا لكانت حركاتها لامر موهوم و ليس الغرض امرا حقيرا كنفع السافل [ص 181] و ما يجري مجراه فحركتها لاجل كمال عقلي و هي اما لتحصيل ذات عقلية او ليتشبه اليها و الاول غير ممكن فتعيّن الثاني و لايمكن ان يكون المتشبه به ذاتا واحدة هي الواجب تعالي و الا لمااختلف الحركات فهي لطلب معشوقات كثيرة و ان صحّ ان يكون لها اشتراك في طلب المعشوق الاول لاشتراكها في دورية الحركات و اختلاف في طلب الثواني فلكل معشوق يخصّه و هو امام نفسه و ثالثها ان حركاتها غير متناهية و لا منقطعة فلها مبدأ لايتناهي في قوته و كل قوة جسمانية سواء كانت نفسا او صورة منطبعة فهي متناهي القوة و الاثر فلا محالة مبدأ حركتها قوة مفارقة غير متناهية التأثير و التحريك و ليس ذلك هو الباري بلا توسيط لان الحركات الدائمة كثيرة و الواجب واحد فثبت كون العقول موجودة بهذه الوجوه الثلثة .
الحاديعشر - من منهج مطابقة الاحكام الصادقة الحاصلة في الاذهان لما في نفس الامر و قد فصّله و مجمل قوله انا لانشكّ في ان الاحكام اليقينية الذهنية مطابقة لما في نفس الامر اي الخارج و الاحكام التي بخلافها غير مطابقة و المطابقة لاتتصور الا بين شيئين متغايرين بالشخص متحدين في ما به المطابقة و الاحكام الصادقة و الكاذبة مشاركان في الثبوت الذهني فيجب ان يكون للصنف الاول ثبوت في الخارج دون الثاني و ذلك الموجود الخارجي اِما يكون قايما بنفسه او متمثلا في غيره و القايم بنفسه اما يكون ذا وضع او غير ذي وضع و الاول محال لوجوه احدها : ان تلك الاحكام لاتتعلق بجهة من جهات العالم و لا بزمان و كل ذي وضع يتعلق بهما و ثانيها ان العلم بالمطابقة لايحصل الا بعد استشعار المتطابقين و نحن لانشكّ في المطابقة مع الجهل بذلك الشئ من حيث يكون ذا وضع و ثالثها ان تلك الاحكام تدرك بالعقول و ذوات الاوضاع لاتدرك بالعقول بل هي مدركة بالحواس و الثاني و هو كونه غير ذي وضع محال ايضا لانه القول بالمُثُل الافلاطونية و اما ان يكون ذلك الخارج متمثلا في غير منقسم [ص 182] فنقول ذلك المتمثل فيه لايمكن ان يكون بالقوة و ان كان بعض ما في الاذهان بالقوة و ذلك لامتناع المطابقة بين ما بالفعل عاجلا و آجلا و بين ما بالقوة و ايضا لايمكن ان يزول او يتغير او يخرج من الفعل بعد ما كان بالقوة في وقت من الاوقات لان الاحكام المذكورة واجبة الثبوت ازلا و ابدا من غير تغيّر و لا تقييد بوقت و مكان و واجب ان يكون محلها كذلك و الا فامكن ثبوت الحالّ بدون المحل فاذن ثبت وجود قائم بنفسه في الخارج غير ذي وضع مشتمل علي جميع المعقولات التي يمكن ان يخرج من القوة الي الفعلية بحيث يستحيل عليه و عليها التغير و الزوال و لايمكن ان يكون ذلك الوجود اول الاوائل فانه يمتنع ان يكون فاعلا لها كما مرّ سابقا بعض دليله فثبت وجود موجود غير الواجب و نسمّيه عقل الكل و هو الذي عبّر عنه في القرآن باللوح المحفوظ و تارة بالكتاب المبين انتهي ، و هذا دليل حكاه الآخوند رحمه الله من المحقق الطوسي .
الثانيعشر - من براهينه ان الاشياء بحسب الاحتمال العقلي اربعة اقسام لانها اِما تام او ناقص و الاول اما فوق التمام او لا و الثاني اما مستكفٍ بذاته او بما لايخرج عن قوام ذاته او لا ثمّ ان العنصريات ناقصة صرفة و الفلكيات مستكفية و الواجب فوق التمام فلا بدّ ان يكون في الوجود موجود تام ليكون متوسطا بين الله و خلقه لانه لو صدر منه ناقص لانتفت المناسبة بين المفيض و المفاض عليه و ايضا يلزم الفرجة و الانفطار في سلسلة الوجود و هو غير جايز و بيّن قبل ذلك من جهة قاعدة الامكان الاخس انه لايمكن وجود مرتبة من الشرف لايترتب عليه جميع ما هو دونه ، الي آخر الحاشية الاخري هذه ادلته علي وجود العقل الاول و مبدئيته .
و اما المتكلمون القايلون بالعدم فقال قايلهم : لميثبت دليل علي امتناعه و ادلة وجوده مدخولة و استدل علي رأيهم بانه لو وجد جوهر مجرد اي ليس جسم و لا جسماني لشاركه الباري تعالي في هذا المعني فلزم ان يكون ذات الباري مركّبا من الامر المشترك و مما به يمتاز عنه و هو محال ، و ردّ علي بعض [ص 183] ادلة المثبتين ببعض البيانات بعضها لايخلو من التحقيق و قد ذكرتها محض اطلاع الناظرين في كتابي علي نوع ادلتهم و اجمل الكلام في نقض ما يخالف الحق منها لئلايشتبه الامر علي من لايطلع علي الحقيقة و اعنون جواب كل واحد بذكر العدد لسهولة التلقي و التطبيق .
الاول - عرفت سابقا ان المراد من اولية العقل في الاخبار اوليته بالنسبة الي الاكوان لا بالنسبة الي مجموع الملك و يكفي عن كل بيان ما ورد في صفته انه اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و يشهد بذلك ايضا قوله عليه السلام روحي ، اذ اضاف الروح الي ياء المتكلم فالمتكلم فوق الروح و كذلك قوله (ص) عقلي ، علي ما رووا و كذلك قوله اول ما خلق الله القلم ، لايدل علي انه قبل جميع الكاينات بل المداد قبله و اليد قبلهما و ورد ان الاول الشئ الذي جميع الاشياء منه و هو الماء و قال الله و جعلنا من الماء كل شئ حي و العقل حي بل هو اول الاحياء و كذلك قوله اول ما خلق الله نوري ، اضاف النور الي نفسه فنفسه منيره و لايريد من النور مادته و لو اراد ذلك لعبّر عنه بغير هذا اللفظ فانك ان قلت نور الشمس تريد النور الساطع منها لا النور الذي خلقت منها فتدبر و قوله (ص) خلقت انا و علي من نور واحد ، يظهر من روايته له انه زعم النور في قوله نوري ، المادة فزعم ان هذا هو مادة و هو سهو منه (ره) و لكنه سهو مغفور لانه اراد الاستدلال فاخطا و هو غير من اراد الاستقلال نعوذ بالله .
الثاني - اقول يبتني هذا البرهان علي اثبات القاعدة المعروفة عندهم ان الواحد لايصدر منه الا الواحد و قد اوضحنا بطلان هذه القاعدة من رأس و سنعيد القول عليها ان شاء الله و مع الاغماض عن مفاسدها و توجيهها بوجه صالح اقول بمقتضي هذا البرهان لايكون العقل اول ما خلق الله لان العقل بمقتضي الاخبار لايكون بسيطا و هو مركّب و لايخلو من العدم بل هو مركبّ من امكان و كون و هم يقرّون بانه لايفقد الامكان و بنظر آخر نقول انه لايخلو من احتمالين فانه [ص 184] اما يكون الماء الاول الذي منه كل شئ او اول مخلوق منه فان كان هو الماء الذي خلق منه كل شئ فهو بنفسه مادة للاشياء و المادة عدم الفعليات و ان كان خلقا كائنا فهو من الماء و مادته عدم فهو لايصلح لان يكون اقرب الاشياء من الله مع ان الله سبحانه لايكون قريبا من شئ و لا بعيدا عن شئ و المراد من هذا القرب الاتصاف بصفة الكمال و الفعلية و كذلك ما قال في صفة استغنائه يحكم ذلك ايضا بعدم اوليته نعم يصحّ ذلك علي رأي الآخوند انه نفس امر الله و قد اثبتنا انه غير المشية و الامر فهو في نفسه قايم بالمشية و الامكان فهو قايم بغيره و لايستغني عما يقوم وجوده به البتة فبحكم هذا البرهان علي فرض توجيهه بوجه صحيح اول ما خلق الله المشية كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، بل اقول ان الاول لايجوز ان يصدق عليه اسم الخلقية ايضا لانها ملازمة النقص و الحاجة بل الاول العلم و قال عليه السلام في صفته انه لا خالق و لا مخلوق و هو من كماله تعالي و هو علة المشية كما مرّ في مقامه و لانعيد فالعلم الاحد البسيط اقرب الاشياء من الله و لا فرق بينه و بين الله الا انه قايم بالله او تقول انه قايم بنفسه لله و الله بنفسه لنفسه فافهم و الجسم لايصلح للاولية لانه مركب من مادة و صورة و هما سابقتان البتة و الجسم نتيجة تركيبهما و مع ذلك هو معرض الاعراض لان ما بالجسم ظهوره العرض يلزمه فهو لايكون مبدأ الكاينات و جزءاه ايضا مثله فان المادة اوّلا عدم و العدم لايصير واسطة بين الذات الكاملة و الخلق و ذلك غير معقول و ثانيا هي من نفسها تحتاج الي مرجح يرجح احدي قويها و يخرجها من القوة و الذات لاتصير علة لشيء فلا بدّ من وجود علة فعلية غير الذات و الصورة ايضا لاتسبق المواد اذ هي لاتتحقق الا بالمادة كما مرّ سابقا و كذلك النفس لاتكون اول الاشياء اذ هي بفعلها مرتبطة بالمواد و ان كانت بذاتها مجردة في الجملة و علي مذهبنا هي ايضا صورة الا انها قدسية و تحتاج الي مادة و مرّ الكلام فيها ان مادتها التأييدات العقلية و سيجيء [ص 185] بعد ايضا كلام طويل في شرحها ان شاء الله و العقل ايضا لايكون اوّلا لانه لايقوم بنفسه بل هو قائم بفعل سابق و لايكون جوهرا فردا بل هو مركب من اجزاء الا انه مركب دهري و قد يلحق بالسرمد و كذلك الامر المفعولي انفعال مسبوق بالفعل و الفعل كامل و لكنه معلوم مسبوق بالعلم و العلم نفسه و بالعلم كانت المشية و الله وراء علمه بما لايتناهي فافهم و اغتنم .
الثالث - لا بدّ اوّلا من تفصيل هذا البرهان ، قال الفاضل السبزواري (ره) في تفصيل البرهان ان الممكن الاخسّ ان كان موجودا فالاشرف لايخلو من ان يكون مقدّما في الوجود عليه فهو المطلوب بالبرهان المستقيم او الخلف او يكون معه من (كذا) فيلزم من ذلك صدور الكثير من الواحد البسيط و هذا باطل او يكون الاشرف بعده بواسطته و يلزم من ذلك تعليل الاقوي بالاضعف و ذلك ايضا اوّلا يكون موجودا مطلقا مع انه ممكن و ذلك اِما بعلة انه لميعلمه الفاعل او كان في علمه و لكنه لميقدر عليه او كان في العلم و القدرة و مع ذلك اوجد الله الاخسّ و يلزم من ذلك ترجيح المرجوح علي الراجح و ذلك محال من الكامل المطلق و ان قيل ان عدمه لان الجهة المقتضية في علة العلل تفي بالاخس فقط و لاتفي بالاشرف فذلك ايضا باطل لان واجب الوجود لايتناهي في كماله و لايتصور فوق كماله كمال و لا فوق اقتضائه اقتضاء و لا فاعل اتمّ و اشرف منه و يملك الجهات الوافية بكل شريف و خسيس و اوساط ، هذا مجمل برهانهم و المشهور عند المتمسكين بهذه القاعدة امران : احدهما كون الاشرف و الاخسّ من مهية نوعية واحدة و ذلك لان يكون الاشرف ايضا ممكنا و ذلك لان الامكان لازم المٰهيات فالماهية النوعية اذا كانت ممكنة تكون جميع افرادها ممكنة و لايعتبر ذلك عند محققيهم و يقولون انّ اتحاد الوجود كافٍ و هو الاصل و الوجود واحد في الشريف و الخسيس و هو الذات النورية في كل شئ و امكانه محض الارتباط و التعلق و المٰهية اعتبارية و الامكان تابع للوجود و ثانيهما اجراء القاعدة في الكليات [ص 186] لا في الجزئيات لان في الجزئيات ربما تتغير الحكم بسبب الاعراض اذ ربما نري اشخاصا يمنعون عن الوصول الي فعلية العقل بسبب الاعراض مع انه ممكن في حقّهم و لكن الامور الكلية باقية علي الفطرة و لاتعرضها العوارض و لاتنصدم بالامراض اذ هي لازمة المواد العنصرية و الاوضاع الفلكية و الكليات اختلافها بجهات فاعلية فاذا عرفت اصل برهانهم فاعلم انهم يثبتون بهذا البرهان سبق العقل و تفصيل قولهم ان النفس مجردة في ذاتها دون فعلها و العقل مجرد في ذاته و فعله و الموجود المجرد في جهتين اشرف من المجرد الغني من جهة و لا شكّ في ان التامّ اشرف من المستكفي و النور القاهر من المدبر و الجبروت من الملكوت و عالم الجمع من الفرق و هكذا و الشريف موجود لا محالة فالاشرف موجود قبله اذ لا مانع منه لاتحاد الوجود و هو لايكون اقل من النوع الواحد بل هو مثله و امكان الاشرف ايضا متحقق اذ لايكون ممتنعا و هو محض فقره الي واجب الوجود و النفس و العقل كلاهما فوق الكون فهما كليان فالعقل متقدم ، اقول ذلك مبلغهم من العلم و قد ارادوا ان يقولوا شيئا و لكنهم استبدّوا بآرائهم و لميتركوا انسهم بقواعدهم فاقعدهم عن الوصول الي الحق و بطلان اغلب كلامهم ظاهر فان دليلهم يبتني علي اصول يحكم الكتاب و السنة و العقل ببطلانها منها كون الذات علة فاعلية فانا اثبتنا بطلان ذلك كرارا و منها كون جهات كمالاته الذاتية عديدة و كون الذات مقتضية للخلق فانهما فاسدان اما كون كمالات الذات عديدة فظهر بطلانه مما اسلفناه في توحيد الصفات و الحق ان الذات كاملة بذاتها لا بكمال غيرها نعم لها كمالات وصفية في عرصة الخلق و هي آيات الذات و كذلك اثبات الاقتضاء للذات باطل فانه صفة قبول الفعل و الله القاضي بمشيته و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود اليه شئ مما ابداه و بالجملة نقصان البرهان و فساد بعض اصوله ظاهر و لانطيل الكلام بنقضه و لكني ابيّن وجه الصلاح علي الاجمال .
[ص 187] فاقول و لا قوة الا بالله انه لا شكّ ان الله تعالي بذاته لايقتضي شيئا فان الاقتضاء صفة تركيب و حدّ و حدوث و هو منزّه عن ذلك مع انه غني عن غيره لكماله و الغني علي الاطلاق لايحتاج الي شئ ابدا فلايكاد يوجد شيئا بذاته لذاته و لكن اذا سأله سايل يعطيه لعدم مانع من ذاته كما انه لا باعث منها فان كليهما صفة نقص و هو منزه عنهما و لذلك قال في كتابه ادعوني استجب لكم و قال قل مايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فالله الغني الكامل الجواد كلما اقتضي الامكان منه حلّة الوجود و سأله كسوة الكون يعطيه بلا اكتراث بقدر اقتضائه البتة و الامكان الاول في غاية الابهام و الاطلاق لانك قد عرفت انه مقام انفعال الفعل الاول و هو ابسط ما يمكن و لايتصور ان يكون انفعال الفعل البسيط خاص فهو عام البتة و الامكان العام و ان كان صالحا لكل امر كلي او جزئي كما اسلفنا في ما مضي و لكن لايكاد يتصور الا بصورة مطلقة كلية معنوية لجهات : منها ان الامكان من نفسه لايرجّح طرفي الاشياء لتساويها فيه فلا بدّ من مرجح يخرج شيئا من عدمه و يبقي علي العدمية شيئا و لا مرجح في مبدأ الكاينات الا المشية بالكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل و من قال بغير ذلك لايصدقه عاقل و المشية المطلقة لاترجّح الا صفة الاطلاق الا انها تكمل الامكان باطلاق فعلي و مثال ذلك ان النار الغيبية مطلقة و هي منزهة عن كل لون و هيئة و خصوصية و لاتظهر الا في الدخان و هو مٰهية مطلقة امكانية لنيران مختلفة و اذا كان من نفسه صافيا خالصا غير ملوّن بلون و لا متهيئ بهيئة تتعلق به النار و ترجح له الوجود الناري بلا صفرة و لا حمرة و لا لون آخر الا لون الاعتدال و كذلك الامر في المقام فالمشية اذا تعلقت بالامكان لاترجح الا فعلا وجوديا و قبل التعلق كانت مختفية غيبية و لذلك يقال انها في نفسها امكان فعل فاذا تعلقت بالامكان تصير بالفعل بوجود فعلي مكوّن و ذلك قول الله عز و جل انما امره اذ اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فاذا اراد قال في الفور و قوله امره و عند قوله يكون اي [ص 188] يتكون الامكان فينبت نبات العقل مولودا كاملا بالغا كليا محيطا جامعا و محال ان يتصور هذا الامكان بغيره من الصور و المواد و النفوس لعدم المقتضي بل اثبتنا في غير المقام ان نفس الامكان لايصلح لقبول صورة مطلقا كما هو شأن جميع الاجناس و الانواع الكلية و لكن المتصور افراده و هو موجود فيها كوجود الاجناس في الانواع و الانواع في الافراد و اول الافراد ابسطها اذ المراد من الاول ما لميعرضه الاعراض و لميطرأه الكثرات و هو مادة العقل البتة فافهم و وجه آخر ان الصور درجاتها مختلفة فمنها في غاية الغلظة و الكثافة و منها في غاية اللطافة و لا بدّ من المناسبة بين المادة و الصورة كما مرّ سابقا لان الصورة نهايات المادة و اللطيف لاتحدّ و لاتتناهي بالنهايات الكثيفة كما ان الهواء للطافته لايتشكل بذرع و ذراع من نفسه الا ان يشكله مادة غليظة قسرا و لا شكّ ان الامكان الاعلي الذي هو مٰهية المشية في غاية الوحدة و اللطافة و النعامة فلايصلح للحدود الغليظة بلا واسطة و قولنا انه صالح لكل شئ لايحمل علي امكان تصوره بالصور الدانية ابتداء بل مرادنا انه يصلح للتصور لان يتغلظ بصور اخري حتي يتصور بهذه الصورة كما يقال ان الماء يصلح للتربع و لا شك انه لايتربع علي ما هو عليه الا ان يتصور بالبرد المفرط حتي ينعقد بالثلجية فيعرض الثلج صورة التربيع و التخميس و كذلك الامر في المقام فالامكان الاول من نفسه لايتجسم و لايتنفس و لكنه يتصور بصورة العقل و اثر العقل يقبل صورة النفس و اثرها يقبل صورة الجسم و هكذا فالعقل اول موجود اعني انّ اول الموجودات جوهر بسيط درّاك محيط فسمِّهٖ بما شئت و قد يسمّي عقلا و يكفي هذا القدر من البرهان في المقام لظهور المرام و بطلان قول هؤلاء الاعلام و لكن ليس من دأبهم ملاحظة المقال و لكنهم يعرفون المقال بالرجال و لكني اقول ان كان طلبك هذا فاختر اتباع آلمحمد عليهم السلام فان الحق اولي ان يتبع و خذ قولهم ،
و دع عنك قول الشافعي و مالك و احمد و المختار عن كعبالاحبار [ص 189]
و خذ عن اناس قولهم و حديثهم روي جدنا عن جبرئيل عن الباري
الرابع - بالنسبة الي اول الاكوان صحيح و اما بالنسبة الي مجموع الملك فلايكون مناسبة العقل اتمّ بل الاتم و الاكمل هو المشية و العلم علي ما مرّ .
الخامس - مراده ان النفوس في وجودها و كمالها بالقوة و كل ما هو بالقوة يحتاج في بروزها الي الفعلية الي وجود كامل بالفعل و لو كان له ايضا قوة لااحتاج (كذا) الي غيره و تسلسل و هذا الكامل لايكون هو الواجب تعالي لان النفوس كثيرة و هو الاحد الحق جل شانه و لايصدر علي رأيه الكثير من الواحد فلا بدّ من مكمل عقلي اذ هو جوهر بالفعل من كل جهة عنده و هو يتوسط بين الله و النفوس ، اقول ثبت من النقل و العقل ان العقل مركب من مادة و صورة و مادته الامكان و هو النور و الهواء في اصطلاح الاخبار و المادة قوة تحتاج في التكمل بالفعلية الي فعلية كاملة و هي المشية و ان قلت ان المشية ايضا امكان اقول بلي و لكنها راجح الوجود و رجحانها سبب خروجها الي الفعلية بنفسها و لذلك نقول ان المشية مخلوقة بنفسها و لو كانت جايزة لاحتاجت الي مرجّح كما في ساير الجوايز فان سرّ احتياج الكاينات الي مرجّح خارجي الجواز و هو تساوي الوجود و العدم و لو كانت المشية ايضا جايزة لماخرجت من الامكان لان الله عز و جل بذاته لايرجّح شيئا لما مرّ سابقا فالمشية وجودها راجح و لذلك تكون ثابتة دايما و الله من ورائها محيط و لذلك لايمتنع عدمها بملاحظة القدرة الصمدية و القوة الاحدية و اما الرب فهو فوق الفوق و لايفوقه شئ فلذلك لايتصور عدمه بل يمتنع فيجب وجوده .
السادس - برهانه من ملك الهيولي و مراده ان الهيولي قوة محضة ليس لها في ذاتها امتداد و وضع و يحتاج في تقوّمها الي صورة نوعية تكون واسطة بين العقل الفعّال و بينها او شريكه في العليّة و الصورة ايضا تحتاج في التشكل الي الهيولي مع انها لاتكون وضعية فلا بدّ من وجود جوهر مفارق يعانق بينهما [ص 190] و يحفظهما و الا لمابقيا متعانقين مع التنافي و التنافر بينهما ، اقول هذا ايضا برهان نوعي يحكم بوجود جامعٍ مّا و بعين ذلك يثبت ان العقل يحتاج ايضا الي موجد و جامع فان مادته و صورته و ان كانتا سرمديتين و هما خلقتا معا مع العقل و لكنهما من نفسهما لاتجتمعان و لاتوجدان .
السابع - مراده ان الطبيعة متجددة دايما بخلاف المٰهية علي اصطلاحهم فانها حقيقة واحدة ثابتة و مراده من الطبيعة الصورة كما مرّ سابقا و لتجددها تحتاج الي باعث مجدد و هو لايكون طبيعة مثلها و لا الاحد جل شأنه و لا ما يؤدّي اليهما كاَن يكون الباعث جوهر يأخذ عن الطبيعة او الاحد و كذلك النفس فانها و ان كانت من حيث نفسها ثابتة خالدة و لكنها من حيث التعلق بالبدن الطبيعي متجددة و لا الهيولي لما ذكر فانحصر الامر في كون الباعث العقل ، اقول كون النفس متعلقة بالبدن لاتمنع من كونها باعثة اذ ليس شرط وجودها التعلق و الا لمابقيت بعد الموت و عند المتشرعين و جماعة المسلمين العارفين بالحق المبين ان النفس باقية خالدة و لكن الآخوند و اشياعه و جماعة من الحكماء ذهبوا الي تنقل النفس الي العقل و ستعرف بطلان هذا الرأي بعد ان شاء الله و بالجملة تعلق النفس بالبدن بفعلها يعني انها تدرك ما تستنبطها من الخارج بواسطة المشاعر و الحواس مع انها قائمة بمؤثرها فيمكن ان تكون سبب تجدد الطبع و لكن لا بنفسها من نفسها و لكن بواسطة العقل و مع ذلك هو مبدأ كوني و نحن بلساننا نقول ان جميع الفيوض من الله تعالي و في الربوبية العظمي و الالهية الكبري لايغيّر الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لايكوّن الشئ لا من شئ الا الله و لكن الله يفعل ما يفعل بواسطة المشية و المشية ايضا تجري بامر الله و تؤثر بواسطة العقل و هو القلم و القلب و القطب و بينه و بين ساير الخلق ايضا وسايط باختلاف الدرجات .
الثامن - هذا البرهان ناشئٌ من قصر النظر فانّا نجد من هو كامل في العقل يطلب الترقي و الصعود الي الغاية القُصوٰي و هم محمد و آلمحمد اولوا النُّهٰي و [ص 191] ذووا الحجٰي هذا خاتم الانبياء صلي الله عليه و آله ما دامت الارض و السماء و الآخوند (ره) يزعم ان حقيقته العقل الاول و نحن نقول انها فوق العقل و مع ذلك اوحي اليه ربه فيما اوحي و لاتعجل بالقرآن من قبل ان يقضي اليك وحيه و قل رب زدني علما و كان يقول رب زدني فيك تحيّرا و لو كان العقل هو الغاية لكان واصلا الي النهاية و ماطلب الزيادة و لكنه كان سايرا الي ما لايتناهي بما لايتناهي و كان مطلوبه يدلج بين يديه دايما .
التاسع - مراده ظاهر و هو من نوع ما مضي في الخامس و السابع و لكني اقول لا فرق في احتياج الممكن الي المبدع سواءا كان ممكنا ذاتيا او استعداديا محتاجا في وجوده الي شروط و لوازم اولا فان كل ممكن معدوم قريبا كان او بعيدا و كل عادم لايصير موجدا بنفسه فجميع الخلق يحتاجون الي موجد لا محالة و اما قوله و ذلك العالم الخ ، ففساده ظاهر اما اولا فلان العقل الكلي مع معنويته لايكون متكثرا بتكثر الصور و اما ثانيا فلايكون متحدا مع ذات الله اذ التغيّر كنهه و تعدد ذاته هذا و اذا جاز صدور العالم العقلي منه مع تكثره فلمَ لايجوز صدور العالم النفسي و الطبعي و لا فرق في التكثر و اذا جاز اثنان يجوز آلاف فتدبر و انصف فان قايلهم جوّز التكثر في نفس العقل الي ثلثة اجزاء و عارفهم يقول ان رأس كل موجود في العقل و كلام الآخوند يستشم منه رايحة هذا المطلب فليقل بصدور انفس الكثرات من الله فان بناء جميع ادلتهم علي عدم صدور الكثرة من الواحد و بالجملة طال بنا الكلام مع انه خلاف المرام .
العاشر - الكلام في اول براهينه ، غاية هذا البرهان ظهور حاجة المتحرك الي المحرّك و لكنه العقل خاصة لايظهر من ذلك بل اقول ان العقل ايضا له قوة و فعل و قد خرج من القوة الي الفعل فهو ايضا مفتاق في نفسه ثمّ ما قال و اما بان يكون هو المؤتم به الخ ، يلزم منه ان يكون حركتها من نفسها الا انها تتحرك شوقا و ذلك كأن يسير زيد الي عمرو شوقا اليه و ذلك في المقام غير محتمل [ص 192] لان حركة الافلاك ليست من اجرامها بعين البرهان المذكور و ان قال ان الشوق يخرج الحركات المتتالية من كمونها اقول ان كان شوقا دايما كاملا فهو فعلية دايمة و تنافي القوة و ان كان شوقا في القوة يخرج شيئا فشيئا يحتاج الي فاعل مكمّل ، هذا و هنا دقيقة لطيفة و هي ان الحركة هي الكمال الاول نحو الكمال الثاني و هو ميل الشخص الي المطلوب و الشوق ان كان نفس العشق فهو هذا الميل و ان كان حاصلا منه كأن يكون طلب المحبوب مع غاية الميل فهو ثمرة الحركة فالشوق بهذه المعاني لايكون باعث الحركة و ان قال انه كيفية ذاتية اقول هل هي عين الذات من كل جهة فهي هي و ان كان غيرها فلايجمع معها ، هذا و الذاتيات لاتتغير و لاتتفاوت فلو كانت ذواتها نفس الشوق لماتغيرت و ماتبدلت مع ما نري انها تشتاق الي شئ و لاتشتاق الي شئ و لو كان ذاتها نفس الشوق لكانت شائقة الي كل شئ و كذلك ينافي ذلك قولهم ان حركاتها ارادية اذ يلزم من ذلك ان تكون طبيعية اذ المفروض ان صورة الذات نفس الشوق فافهم ، و ثاني شقوق براهينه مخدوش من جهات : منها نفي كون الحركات الدورية طبيعية ، اقول اما اوّلا فنحن ننكر مطلق الحركة الطبيعية علي ما مرّ مفصلا في بحث الحركة و السكون و ان شئت فهمه فراجع و علي فرض التجويز نقول ايّ مانع من ذلك و ايّ فرق بين الحركة الجهتية و الدورية فان المتحرك ان كان مفردا او في حكمه و له مزاج واحد يتحرك بمقتضي طبعه كالنار العبيط فانها تقتضي الصعود الي فوق و الهواء العبيط فانه يقتضي الانتشار من فوق و التراب العبيط فانه يقتضي الحركة الي تحت و الماء فانه يقتضي الانتشار من تحت و لكن اذا تركب المولود منها و لميمنعه مانع يتحرك مستديرا فان النار تقتضي الصعود و يشايعها ساير العناصر و الهواء يقتضي الانبساط من فوق و يشايعه اخواته و التراب يقتضي النزول و يشايعه اخواته و الماء يقتضي الانبساط من تحت و يشايعه اخواته و هذا الاقتضاء مستمرّ و في كل جزء و نقطة فيستدير المولود و اذا منعه مانع [ص 193] ربما يتحرك بالقبض و البسط كحركة النبض و القلب فان الدم اذا اعتدل عناصره يقتضي الاستدارة و لان الشريانات تمنعه من الدور ان يتحرك بالقبض و البسط و اذا خرج من حدّ الاعتدال يتغير حركته فربما يكثر ميله الي فوق او الي تحت و هكذا و ذلك باختلاف كمّية العناصر و بالجملة قوله ذلك محض خيال نشأ من ان الطبيعة لاتتخالف فحركاتها من وجه واحد و منها ان نفي الشهوة و الغضب من الافلاك بالمرّة ينافي الاخبار و الادلة العقلية اما من الاخبار فما ورد من ان روح الحيوة من الفلك مع ان من قويٰها الرضا و الغضب و من الادلة العقلية علي وجودهما في الفلك حدوثهما في المواليد و ليسا من محض العناصر بل هما من خواص الروح و ان تفاوتا بحسب العناصر كما في ساير الصفات الروحانية و النفسانية و كذلك قوله انها لاتحتاج الي غذاء ، باطل فان جميع ما سوي الله يحتاجون الي المدد بالكتاب و السنة و لايستغني احد عن ربه الا ان غذاء كل خلق بحسبه فللافلاك امداد فلكية تميل اليها بشهوة و لها اضداد لا محالة فان ما سوي الاحد يضاده شئ كما قال عليه السلام بمضادته بين الاشياء عُلم ان لا ضدّ له ، و الاشياء جمع محلي باللام يفيد العموم و من افرادها الافلاك و العاقل لاينكر ان كل فلك له مزاج خاص يضاده غيره فالمريخ ينافي طبعا القمر و يضاده مسلما فالقمر بالطبع يفرّ من المريخ و المريخ من القمر الا ان يجمع بينهما جامع و منها لايلزم مع ذلك ان يكون حركاتها لطلب العقل و ربما يكون لمحض حفظ النفس او دفع المضرّة او جلب المنفعة ان قلنا بثبوت الشهوة و الغضب و ربما يكون حركاتها لطلب النفس ايضا و بالجملة هذا البرهان محض قول لايفيد شيئا ، هذا و طلب العقل ارادة خاصة و خصوصية الارادات لاتكاد تحصل الا ببدن شخصي كما سنبيّنه في مقامه ان شاء الله و الافلاك اراداتها مطلقة كما ان ادراكاتها مطلقة فلاتريد و لاتدرك شيئا خاصا فايّ معني لارادة العقل فيها و منها انه زعم ان الغاية لكل فلك عقل خاص و ذلك ناشئ من القول بالعقول العشرة [ص 194] يجمع التسعة واحد منها و تصحيح هذا الرأي بالوجه المقرّر عندهم بعيد و يلزم من ذلك تعدد الغايات و ذلك ينافي مذهب التوحيد و مسلك التفريد ، و ثالثها يخالف قول رسول الله صلي الله عليه و آله اذ قال بتناهي الايام و الليالي و استدل علي ذلك بكون اليوم الذي نحن فيه آخر ايام ما مضي و كل ما يكون آخره منقطا له اول و ذلك بمقتضي ان ما لميأت من الايام و الليالي في القوة و لاتعدّ مع ما صار بالفعل و ما صار بالفعل آخره الموجود ما نحن فيه و بدليل العقل المستنير بالكتاب و السنة نقول لا شك ان دورات الافلاك مختلفة متعددة و كل دورة لاحقة غير سابقها و مسبوقاتها فجميع دوراتها متناهية و مجموعها ايضا مركب من اجزاء متناهية و كل ما هو مركب من اجزاء متناهية متناهية فمجموع الدورات متناهية فايّ معني لقولهم ان حركاتها غير متناهية و كذلك قوله فلها مبدأ لايتناهي في قوته ، اقول لا شك في ذلك و لكنه يمكن ان يكون هو النفس فان كل دهري قواه غير متناهية بالنسبة الي الزمان كما اثبتناه في محله و لانعيد .
الحاديعشر - هذا رأي عليل و قول بلا دليل من ذا قال ان ما تخيّلته حق و ما تخيّله غيرك باطل و من ذا قال ان جميع ما يعرفه الانسان يلزم ان يكون في خارج الدنيا و بالجملة اتبع خلفهم سلفهم و اخذ كل لاحق من سابقه بغير برهان و البرهان الحق ما حكم به آلمحمد عليهم السلام و لو شئت ان ابيّن وجوه بطلان كلامه لطال بنا الكلام و ان شئت بيان برهان التطبيق بوجه رفيق يوافق الحق الحقيق فاعلم ان الانسان في ترقياته الشخصية يصل الي مقام يملك مشعرا فوق الحواس الخمسة و المدارك الباطنة مدركا للكليات المعنوية بمشاهدة العيان و يدلّنا علي ثبوته فوق ساير المدارك عدم قدرتها علي درك الكليات اذ الادوات تحدّ انفسها و تشير الآلات الي نظايرها و هو جوهر مجرد لأنه يدرك ما لميظهر علي مادة و لميخرج من عرصة القوة و لو كان في وجوده محتاجا الي مادة و مدة لماادرك ما لميقترن بالمواد و يدلّنا علي ذلك ايضا حفظه لما محي من عرصة [ص 195] الكون و الحواس و ساير المشاعر و بالجملة نري انه يحدث لنا مشعر هكذا و لانشكّ في ان الانسان الصغير يطابق الانسان الكبير فله ايضا مرتبة هكذا و كما ان مدركنا ذلك فوق ساير مداركنا يكون هذا المقام للملك ايضا فوق ساير المدارك و كما انا شهدنا ان للملك جميع ما يثبت لنا من الخيال و الفكر و غيرهما و كلها كليات غير متشخصة بما تشخصت فينا كذلك هذا المشعر الكلي للملك ايضا كلي غير مخصص و بالجملة بثبوت وجود العقل فيك تثبت جوهرا هكذا في الملك كما ان بذاتك تثبت للملك ربّا و من عرف نفسه فقد عرف ربه فافهم و اغتنم .
الثانيعشر - بعين هذا البرهان يثبت وجوب خلق قبل العقل فانه لا شك في انه مما سوي الله و قال عليه السلام ما سواك قايم بامرك ، فهو قايم بامر الله و نفسه لايكون امر الله لانه مخلوق من الاكوان و الامر فوق الاكوان و مرّ سابقا بيانه نعم في عرصة الاكوان يكون وجوده اتمّ و اكمل من الباقي في الجملة فيكون واسطة و اما في نفس الامر فالقول قول الله تعالي و لقد كرّمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضّلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا و قال الامام عليه السلام ما معني كلامه ان الله خاطب العقل و قال ماخلقت خلقا هو احبّ اليَّ منك ، و لميقل انه اكرم عليه و المكرم هو الانسان الجامع و اذا كان الامر هكذا فالانسان اتمّ و اكمل فهو اولي للوساطة و قال عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة و ان الكليم لما عهدنا منه الوفا البسناه حُلّة الاصطفاء ، فمحمد و آلمحمد هم هذا الوجود الكامل الذي يكون واسطة بين الواجب و الخلق لا العقل المفرد الا انّا بملاحظة قد نصف معهم و نقول ان الواسطة العقل فنشاركهم في اللفظ و نخالفهم في المعني فتدبر فيما بيّنت و بيّنوا حتي تقف علي المراد ، و اما قول المنكرين للعقل لعدم دليل علي وجوده فعجيب في الواقع و ايّ دليل [ص 196] اولي بالتصديق من الكتاب و السنة و ليتهم نظروا في الاخبار و شاهدوا ما بيّنه الائمة الاخيار و لكنهم يأخذ خلفهم عن سلفهم بلا رويّة و اما النقض المذكور انه لو كان عقل مجرد لزم ان يكون شريك الباري فناشئ من زعمهم انه ليس فوق عالم الاجسام مادة و لا مادية و قد علمت مما اسلفناه مكررا ان جميع الخلق مركّبون من مادة و صورة الا ان المواد في العلويات بحسبها و في السفليات بحسبها و الله خلق كل حي من الماء و الماء هو مادة الكل كما نطق به ظواهر الاخبار المتواترة فالعقل يكون مجردا من الجسم و لايكون مجردا من مطلق المادة و الله تعالي تجرده تجرد احدية فافهم و اما ما اوردوه علي ادلة هؤلاء المثبتين فلايدل علي عدمية العقل و لكن بعض المثبتين تشبثوا بادلة فاسدة و اثبتوا حقّهم بالباطل و لكن اهل الحق يثبتون جميع قولهم بادلة قطعية لايرد عليها نقض بوجه .
فصل - لما انتهي بنا الكلام الي هنا ناسب ان نذكر قولهم في العقول العشرة و اصل تلك المسألة من فروع مسألة بدأ الخلق و كان المناسب ان نبيّنها قبل ذلك عند بيان الارادة و لكنّا عاهدنا ان نذكر جميع ما يتعلق بمسمي مرتبة من العوالم الطولية و العرضية ذيلها لسهولة تناول الطالبين فمن فروع مسألة العقل بهذ اللحاظ تلك المسألة فلا بدّ لنا من ذكر منشأ هذا التقسيم حتي تقف علي مرادهم فعلي مذهب جماعة منهم ينتهي عدد العقول الي عشرة بيان ذلك عندهم بعد قولهم ان الواحد لايصدر منه الا الواحد ، ان وحدة الصادر ليس مثل وحدة المصدر اذ لو كان هكذا للزم ان لايحدث سلسلة العرض و لايحدث الكثرات بل يكون سلسلة الطول اي الوحدات المترتبة موجودة فقط مع ان وحدة المعلول ليس مثل وحدة العلة فالعقل الاول الذي هو اول صادر وحدته ليست وحدة احدية و لكنه مركب من جهات ثلث وجوب و وجود خاص و امكان و بعبارة اخري نور و ظل و ظلمة اما النور فهو وجوب وجه الله فيه و اما الظل [ص 197] فهو وجود مشوب بالماهية و اما الظلمة فهي امكان و قالوا انه عدم و ليس له ما بحذاء في الخارج لانه سلبان سلب ضرورة الوجود و العدم و ان شئت عبّر عنها هكذا له علم بمبدئه اعني وجه الله و الوجوب و علم بنفسه و هو قسمان علمه بذاته النورية اي الوجود الخاص و علم بذاته الظلمانية اي المٰهية الامكانية فمن جهة علمه بمبدئه او الوجوب او النور حدث العقل الثاني و من جهة علمه بذاته النورية و وجوده الخاص او ظليته حدث نفسه و من جهة علمه بذاته الظلمانية و امكانه و ظلمته حدث جسم الفلك الاطلس و كذلك من عقل الفلك الاطلس حدث عقل الكرسي و فلكه نفسا و بدنا الي ان انتهي الي العقل العاشر فانخلق بوجوبه النفس الناطقة و من وجوده الخاص صورته النوعية و من امكانه هيولي العناصر ثمّ وجد منها بسبب الوغول في التنزل عن مقام الوحدة و البُعد من ينبوع النور كثرات لان فيها جهات و حيوث وافية بكثرة صور نوعية عنصرية ، هذا مجمل كلام المشّائين في العقول العشرة علي ما بيّنه الفاضل السبزواري و قال اللاهيجي في حكمته الفارسية ما ترجمة كلامه : لما انحصل العقل الاول حصل الكثرة علي سبيل اللزوم بالعرض لا بطريق صدور الذات بيان ذلك ان للعقل الاول لا محالة هوية مخصوصة قد يعبّر عنها بالوجود الخاص و هو الصادر الاول بالحقيقة و يلزمه مٰهية كلية و يثبت لها الامكان بالقياس الي الوجود و يلزم الوجود وجوب بالغير بالقياس الي العلة و تلك الهوية لكونها قائمة بالذات مع تجردها تتعقل ذاته و علتها فيحصل امور ستة اثنان منها مقومان لذاته و هما الوجود و الماهية و هما متحدان في الخارج متغايران في الذهن و اثنان منها حالتان بالقياس الي ذاته و هما الامكان و يعقل ذاته و اثنان منها حالتان بالقياس الي علته و هذا هو الوجوب الغيري و تعقله و يصدر منه بالقياس الي علته امر و بالقياس الي ذاته امر ، و اما طريقة الاشراقيين فعلي ان للعقول كثرة وافرة لاتعدّ و هي علي طبقتين [ص 198] طبقة مترتبة و طبقة متكافئة فانه صدر من نور الانوار انوار قاهرة هي العقول و لاتحصر عددها في عشرة او عشرين و المعيار في العدد ان يبلغ النور من التنزل و الاصطكاك درجة لايصدر نور من نور الانوار لغاية ضعفه مثال ذلك نور الشمس يصدر منه ضياء و نور و ظل و يضعف حتي يفني فيصدر من كل عقل و نور واحد و لايبلغ نوبة الافاضة الاجسام اي لايصدر منها نور ابدا علي خلاف المشّائين فانهم قالوا ان من العقل الاول خلق فلك الافلاك و العقل الثاني و حاصل رأي الاشراقيين ان العقول العرضية و ارباب الانواع من الطولية فاضت من العقل الاول في مقابلة قولهم ان الافلاك و العناصر صدرت من العقول علي الترتيب و يقولون في مقابلة الوجوب و الامكان و وجود المٰهية في كثرة الجهات يقولون ان المفارقات لايحجب بعضها بعضا و يختص الحجب بالابعاد و الاحجام و البرازخ و الاجسام فلكل عالٍ اشراق و يستضيء من شروقه السافل بواسطة او بلا واسطة علي اختلاف الدرجات و نور الانوار يفيض علي الجميع و ينير الكل بواسطة و وسايط فيحدث من انوار العقل مخلوقات فما كان من نوره الروحاني يخلق منه مثله كما ان من اشراقه الظاهر علي النفس يحصل عقل آخر و مثال ذلك من غير عالم الشهادة ان الله تعالي يتجلي للعقل الكلي و منه علي العقل الفعّال و روح القدس و منه علي العقل البسيط الانساني و منه علي العقل التفصيلي و لكل شهود لنور الانوار و ساير الانوار القاهرة كمشاهدة قلوب اهل الصفا الذين اتحدت قلوبهم و قبلتهم و اعتقاداتهم و وصفوا الشهود بأنه غير الاشراق و مثّلوا لهما باضاءة الشمس للعين و مشاهدتها الشمس فانهما متفاوتان و بالجملة قالوا انه يصدر العقول العرضية من العقول الطولية من هذه الجهات النورية المتكاثرة و عدد هذه العقول العرضية بعدد انواع الافلاك و الكواكب و انواع عالم العناصر ايضا عقول و قيل ان انواع الحيوانات اربعمأة و الف ، ثمانمائة منها بحرية و ستمائة برّية و لها انواع نباتية و جمادية و حكي عن شيخ الاشراق اعتراض علي المشّائين حيث يقولون [ص 199] انه يصدر من النور الاقرب جسم و نور مجرد و هكذا حتي ينتهي السلسلة الي العناصر و هو انه يلزم تناهي سلسلة الانوار المترتبة الطولية لترتبها و اجتماعها و لا شك ان في كل من الاثيريات كوكب و في الكرسي كواكب لاتحصي عددها فلها جهات غير محصورة فكيف يجوز صدوره من النور الاقرب مع هذه الكثرة مع ان جهاته لاتفي بهذه الجهات لانهم لميقولوا بازيد من ثلث جهات و كذلك لايصدر من الانوار البعيدة لان كرة الثوابت في غاية العظمة و هي اعظم من جميع الكرات فالانوار البعيدة لاتفي باحداثها فتبقي علي رأيهم الكرسي في كتم العدم و بالجملة كل حزب بما لديهم فرحون و العجب منهم انهم يرون عجزهم عن معرفة الارضيات مع ان اغلبها مشهودة فيطمعون في ادراك خلق السماوات مع انهم يرون كلام الله حيث يقول مااشهدتهم خلق السماوات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و الواجب علي من لميشاهد بنفسه ان يتبع الانبياء و المرسلين و الائمة الطاهرين عليهم صلوات المصلين و لااعجب من الاشراقيين و المشّائين اذ لميتدينوا بالدين و لميتبعوا النبيين و لكني اتعجب من المسلمين كيف تخلفوا عن آلمحمد عليهم السلام و اتبعوا الخارجين عن الاسلام و بالجملة علينا متابعة ساداتنا و هم اعرف بتكليفهم و لا علينا ان نذكر بعض النقوض و الاعتراضات الواردة علي القولين ،