فصل - نرجع الي ما كنا في صدده من بيان السلسلة و لعلك قد عرفت مما بينّاه ان سلسلة النور مستطيلة من لدن اول ما خلق الله الي آخر الدرجات فجميع الذوات الطيبة و الصفات الحسنة كلها من آثار آل‌محمد عليهم السلام لايري فيها نور الا نورهم و لايسمع منها صوت الا صوتهم و ان قلت انها اذا كانت آثارهم و الاثر يشابه صفة مؤثره فلمَ صارت مختلفة اقول اختلافها من وجهين احدهما اختلاف الدرجات و الآخر تفاوت الصفة و الخلق معهم اما اختلاف الدرجات فلما عرفت سابقا و ازيدك بيانا لطيفا لزيادة التوضيح و هو ان سلسلة الكون للشرع بمنزلة الدخان للنار و هذا معني كلام مشايخنا ان الاكوان بمنزلة الامكان للصورة الشرعية فان زيدا مثلا يمكن ان يكون مؤمنا و كافرا فاذا تنور بنور الايمان يكون مؤمنا و اذا اضطلم بظلمة الجحود يصير كافرا و ورد في الخبر المروي في الاحتجاج ان الكفر صفة الفعل ، و معني ذلك ان الانسان ما لم‌يجحد ما عرض عليه من التوحيد و النبوة و الولاية لايكون كافرا و كذلك ورد في معني الايمان انه التصديق و في بعض الاخبار في صفة الاسلام انه الاقرار بالظاهر و الايمان هو الاعتقاد في القلب و العمل باركان البدن و هما ايضا صفة فعل و الفاعل غيرهما و الفعل يصير صورة للفاعل بعد التجلي به فهو بعد قبل التجلي لايوصف بها البتة و مثال ذلك الضرب فان زيدا قبل التجلي بالضرب لايوصف بعد الضرب و لكنه بعد ما تجلي بالضرب يسمّي ضاربا و كذلك المؤمن [ص 147] هو زيد المتجلي بالايمان و الكافر هو المتجلي بالكفر و لايلزم من ذلك ان يكون الايمان و الكفر نفس الفعل بلا جوهر فانا قد اثبتنا في مباحثاتنا و بعض رسائلنا و بينّا في هذه الرسالة الشريفة ايضا ان الارواح العالية تظهر في المراتب السافلة بالوصفية و ذلك ثابت في محله و روح الايمان مقامه فوق الروح الكوني و لذلك يظهر عليه بالوصفية و كذلك روح الكفر عرصته فوق الكون و يظهر بالوصفية و ان عرفت ما بينّاه لايبقي لك اشكال في ذلك و روح الايمان من طينة الجنان و شجرة المزن اي شجرة النبوة و الولاية و روح الكفر من طينة النيران و شجرة الزقوم طعام الاثيم و هي ظلمة الجهل و اما الاكوان فهم من التراب كما يظهر من اخبار آل‌محمد عليهم السلام و التراب مادة الاكوان اذ كلها مستخرجة منه فكل قبضة آمن بالله و برسله صار مؤمنا و من صار مظلما بظلمة الجحود يصير كافرا قال الله تعالي كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين فبعد خلق الاكوان في عرصة الكون تجلي لهم الشارع بنوره و للشارع ايضا محل ظهور في الكون و قد عرفت سابقا انه العقل الاول و الاكوان التي هي امكانات الشرع واقعة بالترتب علي ما عرفت حتي ان بينها و بين كون الشارع نسبة الترتب لا الاثرية و المؤثرية و لو كانت برُمّتها آثاره لكانت علي صفته فان الاثر يشابه صفة مؤثره فاذا كان الامر علي الترتب يختلف الانوار الظاهرة عليها فان كل مادة في مقام تقتضي صورة خاصة و اذا تجلي عليها الشارع في المقام يتصور نوره في قابليتها بصورتها كما تري في نار الشعلة انها علي لون الدخان و هيئته و اذا نزلت المادة درجة تقتضي صورة اخري اغلظ من الاولي و اذا ظهر عليها النور يتصور بصورتها البتة و كل ما ترتّب علي مادة منورة بنور الشارع آثار تصدر منها بصورتها لان النور علي صفة منيره البتة و لا شك ان صورة المنير مركبة من هيئة القابلية و ضياء النورية فافهم و امثّل لك مثالا للتوضيح و هو ان الدخان يحكي النار علي لونه و هيئته [ص 148] فيسطع منه نور مركب من صفة النار و صفة الدخان و لذلك تري ان لون الشعلة يتغير بلون الدخان و بعد ما سطع منه النور نشر في الهواء الي ان وصل مادة غليظة فاذا كان علي الشعلة بلورة بيضاء يتجلي عليها النور و يتلون بلون البلورة فيحصل نور مركب من لون الشعلة و لون البلورة و ينتشر منها النور علي لون مركب البتة فاذا كان علي تلك البلورة بلورة حمراء يظهر عليها النور باللون المركب و يتركب ثانيا من لون تلك البلورة الحمراء و هكذا فللشعلة الاولي اثر علي لون الشعلة و صفتها لا فرق بينه و بينها الا انه نور و هي منيرة و بعد ما ظهر علي البلورة الاولي و تركب النور مع لونها يتجلي بانوار مركبة مثل لون البلورة بعد الاستضاءة و هكذا الامر في كل طبقة و لذلك ينتشر من سراج واحد الوان مختلفة من الانوار و لكل نوع من الالوان مبدأ لاتتجاوزه و ما منّا الا له مقام معلوم ، فبدأ الانوار الحمر البلورة الحمراء و عودها اليها و بدؤ الانوار البيض البلورة البيضاء و بدأ الانوار الساذجة الشعلة اذا كانت ساذجة و اذا عرفت حقيقة تلك المسألة تعرف معني قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة مع تكثر الخلق باختلاف صورها و يكفي هذا المثال اهل الفهم و لايحتاجون الي زيادة البيان و كذلك الامر في عرصة الشرع فالشارع صلي الله عليه و آله منير جميع عرصة الامكان و يسطع منه انوار بلا واسطة و هي آثاره و علي صفته و تظهر في امكانات قابلة فتسمّي جميعها باسمه و هم الاربعة‌عشر صلوات الله عليهم و لايشاركهم في هذا المقام احد و نوره اذا ظهر علي الروح يتركب من لونه و صفة النور مولود روحاني كلي و النور من حيث الصدور يشبه صفة مؤثره و من حيث الظهور يظهر بالروحانية و من هذا المرآت يفشو انوار هي علي لون الروح و بدؤها منه و عودها اليه بحسب الصورة الروحية و مادتها و اما نوره فهو راجع الي المنير كما بدأكم تعودون و كذلك من نور الروح المستنير بالعقل يستضيء النفس الكلية و يفشو منها انوار هي الشيعة من الاناسي و هم بدؤهم من النفس و عودهم اليها كما [ص 149] ان الانوار المشرقة من وراء الزجاجة المتلونة ترجع اليها و لاترجع بالوانها و هيئاتها الي السراج و ان كان اصل النور منه و هنالك مزلة الاقدام اذ لم‌يعرف الاغلب المبادي و لذلك لم‌يعرفوا معاد الخلايق و لذلك زعموا ان العود الي مبدأ واحد و اخطأوا و بالجملة ثمّ خلق مؤمنوا الجن من نور النفس الظاهر في الطبع بلونه و صفته و كذلك نور الطبع يظهر في المادة و يتطبع بطبعها و يخلق من انوارها الملئكة بلا واسطة حجاب آخر ثمّ يتنور بنورها المثال المطلق و يخلق من النور الساطع منه الحيوانات الطيبة ثمّ يتنور بنوره عالم الاجسام و يخلق من النور المتعلق بظواهر الافلاك النباتات الطيبة و تنور بنورها العناصر و خلق منها الجمادات الطيبة و بذلك عمر سلسلة النوريين و من عرف حقيقة ذلك يعرف سرّ حدوث الاختلاف مع اتحاد المبدأ الاول و لولا ذلك للزم ان يكون كل طيب بصورة محمد و آل‌محمد عليهم السلام من غير تفاوت و هذا خلف و لكن اذا عرفت المبادي تري ان كل شئ يشابه مبدأه القريب البتة .

فصل - و لما ذكرنا السلسلة الطولية النورانية ناسب ان نذكر شطرا من امر السلسلة الظلمانية ، فاعلم ان حقيقة الظلمة هي المٰهية لانه ليس ثَمّ الا وجود او مٰهية بحكم الحصر العقلي و الوجود كله خير و نور لانه من الله و الي الله و المٰهية بكلها علي خلاف صفته فهي شرّ بكلها و ذلك قوله تعالي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و قال ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي و الوجود حيّزه و مقامه فوق جميع الكاينات في اعلي عليين دون مشية الله تعالي و المٰهية حيّزها في اسفل سافلين كما قال الله تعالي كلا ان كتاب الابرار لفي عليين و ما ادراك ما عليّون كتاب مرقوم يشهده المقربون و قال كلا ان كتاب الفجّار لفي سجين و ما ادراك ما سجين و لكنهما مع غاية البعد بينها متلاصقان لتلازمهما اذ المٰهية انية الوجود و الوجود ربوبيته و في الخلق الاول يعبّر عنهما بالعقل و الجهل و لكنهما من المبدأ الي المنتهي كمثلثين متداخلين [ص 150] و ذلك لانه كلما يقرب من مبدأ النور يصير انور و كل ما يقرب من المنتهي يصير اظلم و يكون هذا الامر بالتدرج لعدم وجود الخلأ و الطفرة و كذلك النور في المنتهي اضعف و يقوي شيئا فشيئا الي نهاية القرب اذ هي منشأ النور ثمّ ان الظلمة قد تسمّي بظل النور و ذلك لانها انيته و صورته فان الظل مقام الصورة و التعين و قوام الصورة بالوجود و حيوتها به و قد يشبه بالظل في ان بروزه و ظهوره بالنور و ان لم‌يكن بنفسه اثره و كما ان جميع ما له حاصل له بواسطة النور يصير بفضله منشأ آثار و لو لم‌يكن فضل النور لماصار منشأ آثار لانه ناقص في الغاية و الناقص ليس له فضل كمال و يوم القيمة يؤخذ ما لها من فضل النور و تلقي في النار و ذلك معني ما ورد في قوله تعالي و الشمس و القمر بحسبان ان الله يأخذ نورهما في القيمة و يطرح جرمهما في النار و من باب مطابقة الشهادة للغيب اخذوا مبادي الظلمة في الدنيا صورة الشرع بالعرض و تقمّصوا الولاية بالغصب و كذلك كل باطل يدعو الي نفسه لا بدّ ان يعار لنفسه صورة حق في الجملة بقدر ان يشتبه امره و لذلك قال عليه السلام انما سمّيت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق و لو خلص الباطل لمااشتبه علي احد و لو خرجوا لعنهم الله علي صورتهم الاصلية لماتبعهم احد و ماتعين اشياعهم انظر بعين الانصاف من دون الاعتساف اذا خرج واحد بصورة الخنزير و دعا الخلق الي حجر و قال معجزي الحماقة و الجهل و فعلي المنكر هل يتبعه احد من ذوي الشعور حاشا و كلا و لكن اذا خرج في صورة الانسان و تسربل ببعض الافعال الحسنة و تقمّص ولاية بالباطل و عمل ببعض مقتضياتها بقدر طاقة اهل المكر و الحيلة يتبعه اغلب اهل الباطل و ليس ذلك الا لأجل ان المٰهية الصرفة ليست صالحة للاتباع لانها فقدان و جميع الوجدان للوجود بالبداهة و كما يكون الامر في الظاهر هكذا كذلك يكون الامر في الباطن فالظلمة بنفسها لاتصير منشأ آثار الا بفضل النور و الرحمة الواسعة التي وسعت كل (كذا) ففي كل عرصة من العرصات و عالم [ص 151] من العوالم نشر من ظلمة تلك العرصة ظلمات بواسطة النور و بضوئه و لذلك حدث للظلمات آثار في المقامات هي اشعتها و آثارها و الخلق الاول لكثرة نورانيته لا ظلمة له بمعني انه لايبقي لظلمته حكم بوجه من الوجوه و ذلك ما ورد في الخبر سئل ألك شيطان يا رسول الله قال بلي و لكن اسلم اي لم‌يبق لها انية و لحقت بالنور و ذلك قوله تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي و اما ساير الدرجات ففي كل مرتبة و مقام قام ظلمة و كان لها اظلة و افراد فالظلمة الواقفة في درجة النفس خلقت منها كفّار الانس و من ظلمة الطبع كفّار الجن و من ظلمة المثال الحيوانات الخبيثة و هكذا الي آخر الدرجات ثمّ هل يثبت في مقام الروح ظلمة و يكون لها آثار ام لا ، وجهان الاقرب انه يكون لها ظلمة بحسبها و لها ايضا آثار خاصة و هم الذين ادعوا النبوة و الولاية بالباطل و اظهروا خوارق عادات و شبيه كرامات و يجوز ان يقال انهم ليسوا في شأن الانبياء و لكنهم من الاناسي اي من عالم النفس و ان لم‌يكونوا اناسي شرعيين و قد يسمّون بالبهايم و الانعام و بالجملة سلسلة الجهل و العقل يقومان معا في العالم و كل يدعوا الي اصحابه و يكفي هذا القدر من البيان في السلسلة النورية و الظلمانية .

فصل - لا بدّ من ذكر مسألة اخري في المقام و هي ان تلك المراتب واقعة في الطول بحقايقها و لكن لكل حقيقة اعراض من عرض الحقايق السافلة و من اعراضها و تلك الحقايق مع انها واقعة في الطول لاتكون اعراضها واقعة في الطول و لا بالترتب و بيان ذلك علي نهج الاختصار ان الخاتم (ص) بنفسه مؤثر جميع الكاينات بنفسه و لحقيقته الاولية آثار علي ما عرفت و هم يتجلون في عالم الارواح بارواح اربعة‌عشرة هم مظاهر لهم في تلك العرصة و الانبياء يعرفونهم بتلك الارواح الطيّبة و ذلك احد معني اخبار اميرالمؤمنين عليه السلام في بيان فضل نفسه اني تجلّيت للكليم و لنوح و لفلان و فلان و تلك الارواح الطيبة في عرض [ص 152] افراد الانبياء عليهم السلام و ان كانوا من عرش عالمهم و ذلك لان في عالم من العوالم ليس بين عرشه و افلاكه اثرية و مؤثرية بل كلها في عرض واحد مع ان بعضها الطف من بعض ثمّ ان افراد العقل الاول تنزل مرّة اخري و كرّة بعد اولي الي عالم النفوس فتلبّس افراد العقل حُلّة نفسانية فوق الروحانية و افراد الارواح ايضا تلبّس ابدانا نفسانية فللخاتميين هنالك عرضان و للروحانيين عرض واحد و ليس بين تلك الاعراض اثرية و مؤثرية مطلقا و كذلك ينزل كل حقيقة الي المراتب الدانية الي ان ينزل الجميع الي الابدان العرضية الجسمانية فيصير الآثار و المؤثرات كلها اخوانا علي التراب و لذلك سمّي الله انبياء الامم اخوانهم كما قال الي ثمود اخاهم صالحا و قوله و اذكر اخا عاد و امثال ذلك من الآيات مع انهم في عالم الحقيقة ليسوا اخوانا و لكنهم في عرصة الاعراض اخوان فتدبر و بعض الجهّال ربما يزعمون ان الائمة الهداة عليهم السلام في الابدان العرضية مؤثرون لساير الخلق و ذلك لجهلهم بمعني الاثرية و المؤثرية و لكن العاقل يعقل ان مثل ذلك من المحال و المؤثر لايقوم بنفسه في عرصة الآثار مع انك تري ان الامام يتولد و يعيش و يمرض و يقتل و يموت و لايتغير الخلق عن حالهم و لو كان البدن مؤثرا للخلق للزم تغير الخلق بتغيرهم و المشهود خلافه و اما ما ورد انه لو رفع الامام عن الارض لساخت ، فالمراد رفعهم عن العالم او المراد رفع مجموعهم او نوع بدن لهم بايّ درجة كان فان الانبياء ايضا كانوا مظاهر ناقصة لهم اذ هم آثارهم الكاملة و بوجودهم يقوم السموات و الارض و الا فلا شك ان بموت امام يقوم وصيه مقامه لايسيخ الارض كما تري ان الائمة عليهم السلام كانوا يموتون و بالجملة فالابدان العرضية الدنيوية ليس بينها اثرية و مؤثرية مطلقا فالنبي و الامام و الخاتم و الشيعة من الانس و ساير طبقات الخلق و كذلك اظلالهم جميعا يتعلقون بابدان دنيوية و تلك الابدان من عرض واحد و كلهم ابدان جسمانية من عرض واحد و كذلك افراد المراتب ايضا ليست بينها اثرية و مؤثرية فان [ص 153] افراد الانبياء ليسوا آثار افراد الائمة و كذلك افراد الاناسي ليسوا آثار افراد الانبياء الاتري ان المؤثر يعطي ما دونه اسمه و حدّه و انت تقول لكل انسان انه نفس و لاتقول انه موسي او عيسي ، هذا و نقول لو كانوا آثارهم هل يكونون جميعهم مؤثرين لكل فرد فرد فيلزم ان يكون شئ واحد معلولا لعلل متعددة و ان يكون علل مختلفة منشأ اثر واحد و لها معلول واحد غير مختلف و كلاهما خلف و ان قلت ان البشر مقسومون فكل جماعة آثار واحد منهم اقول يلزم ان يكون جماعة مسمّين بعيسي و جماعة مسمّين بموسي و هكذا و هذا خلف و بالجملة فافراد العالي لاتكون مؤثرة الداني ابدا بل سلسلة الافراد بانفسها سلسلة و كل دان يصلح لان يصير محلا لظهور العالي و فرد العالي يظهر فيه كظهور الروح من الجسد فافراد الجمادات في مقامها واقفة و هي تصلح لظهور النفوس النباتية منها فتتعلق بما كان منها معتدلا في الترتيب في الجملة و النفوس النباتية ايضا تصلح لحكاية النفوس الحيوانية فتتعلق بما كان منها معتدلا لطيفا و هكذا الامر في ساير النفوس العالية كلها واقفة بالعرض و بينها ترتّب التشكيك لان السافل يمكن ان يصل مقام العالي لا كما زعمه بعض الحكماء ان الجماد بنفسه يصير نباتا و النبات يصير حيوانا و الحيوان انسانا و الانسان خاتما و قد اشرنا الي بطلان هذا الرأي سابقا و لكن بمعني ان ابدان هذه المواليد جميعا من عرض واحد و ارواحها ايضا هكذا فالارواح النباتية كلها من عرض واحد و الارواح الحيوانية هكذا و كذلك الارواح الانسانية نعم بعضها الطف من بعض و بعضها اصفي من بعض و لذلك نقول ان ترتبها ترتب التشكيك بل يكون الامر هكذا بالنسبة الي بدن الانسان و روحه النباتي و الحيواني فان نسبتها نسبة العناصر الي الافلاك و هي تشكيكية نعم النفس الانسانية و العقل خارجان من عرصة هذا البدن و لايجوز ان يقال انهما لطيفة البدن لتجردهما و خروجهما عن تلك العرصة فيجوز ان يقال ان بينها ترتب بملاحظة ان بين العقل الكلي و النفس الكلية [ص 154] و الطبيعة ترتب و هذه المراتب في الشخص افراد هذه المراتب و بهذا اللحاظ ربما يأوّل قول الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه ان الحيوانية في الشخص اثر الانسانية و هو اعلي الله مقامه يستعمل لفظ الاثر و المؤثر في مقام الترتب و ربما يعرف المبتدي من كلام ابي (اع) ان بينها ترتب التشكيك و لايكون مراده ذلك البتة بل مراده من الانسان الذي يقول انه في عرض النبات و الحيوان و يمكن استحالة كل الي كل الانسان الكوني الذي انبعاثه من الدماغ و هو حيوان معتدل و هو الذي يكون بينه و بين ساير المواليد نسبة التشكيك اذ هي ارواح فلكية و البدن عنصر لها و اما العقل فهو جوهر مجرد و النفس ايضا جوهر مجرد في ذاتها عن المادة الطبيعية و ان كانت مقترنة بها بفعلها كما سنذكره ان شاء الله بعد فالطبيعيات لايجوز استحالتها الي الجواهر المجردة بل النفس لاتنقلب عن النفسية الي العقلية لانها صورية و العقل معنوي و يكفي هذا القدر من البيان في السلسلتين و لو فصّلت القول اكثر من ذلك لطال بي المقال مع اني اشرت الي رؤس المسائل المتعلقة بهما .

المقام الرابع

في ذكر الاكوان علي التفصيل بقدر اقتضاء المقام و لم‌يتعرض الحكماء لذكر المراتب علي التفصيل و فرّقوا البحث عنها و عن متعلقاتها في مقامات و انا رأيت ان اجمعها في مقام واحد في مطالب و اذكر ما يتعلق بكل عالم من المسائل فيها لسهولة التلقي للطالبين و فهم المبتدئين .

المطلب الاول

في العقل الاول اول الاكوان و فيه فصول :

فصل - قال الشيخ الاوحد الامجد اعلي الله مقامه في معاني العقل الظاهر في الانسان كلاما طويلا اذكره بطوله في المقام لان بناءنا علي ذكر متعلقات كل مرتبة في هذا المقام ثمّ اذكر بعده تعريف العقل الكلي و ما يتعلق به ،

[ص 155] قال العقل لغةً الحبس و عند اهل الشرايع و الملل يطلق علي معانٍ علي حسب مراداتهم و مذاقاتهم : الاول العقل الذي هو مناط التكليف الشرعي من حيث انه يدعو الي التأدب بالآداب الشرعية بقدر الوسع او دون الوسع علما و عملا فلايتوجه الي فاقده التكليف و قيل في تحديده بوجوه متقاربة منها انه قوة غريزية يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات فالنائم علي هذا التعريف لايسمّي عاقلا لعدم العلم و مثله ما يعرف به حُسْن الحَسَن و قُبْح القبيح و منها انه قوة ادراك الخير و الشرّ و التميز بينهما و التمكّن من معرفة اسباب الامور و ما يؤدّي اليها و ما يمنع منها و منها العلم ببعض الضروريات و هو العقل بالملكة و قريب منه ما قيل انه العلم بوجوب الواجب و استحالة المستحيل في مجاري العادات و منها انه عدم الجنون عما من شأنه ذلك فهو صفة اولي للانسان تدعو الي الافعال الحسنة و ضدّه الجهل و الهوٰي او صفة يستعد بها لاستنساخ المجهولات من المعلومات و ضدّه الجنون المعني الثاني العقل هو العلم التام بالشئ الحاصل من التأمل التام فيه المعني الثالث هو التأدب بالآداب الحسنة في طلب العلم بالاشياء من حيث حُسنها و قبحها و كمالها و نقصها و نفعها و ضرّها و العمل بذلك المعني الرابع العقل هو التأدب بالآداب المستفادة من التجارب بمجاري الاحوال المعني الخامس العقل هو جودة الذهن و سرعة انتقاله الي الدقايق مع حبس النفس علي الحق و هو الذي اشير اليه في الحديث : العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان ، و قد يطلق عليه الذكاء و الفطنة و الفهم و البصيرة و كذا الكياسة و ان كان مع حبس النفس علي ضدّ الحق مع رعاية منافع الدنيا فقط فليس بعقل بل تسمّي النكراء و الشيطنة و الجربزة و الفطانة البتراء و يقابل هذا العقل الجهل و الحمق و الغباوة و البلاهة و البلادة [ص 156] المعني السادس العقل ميل النفس الي الافعال الحسنة و العقل بهذا المعني فطري و كسبي و كذا بالمعني الذي قبله و الفطري منه ما خلقه الله تعالي مع خلق النطفة و هو الاعلي من مراتب الفطري و منه ما يخلق عند الولادة و هو المتوسط و منه ما يخلق عند البلوغ و هو الادني و الكسبي ما يحصل بعد ذلك بتكرر مراجعة العقل في المعاني و معالجة الصنايع و وقته كل العمر و هو قول الحكماء في اشاراتهم ان زمن الربيع لايعدم من العالم اي ان وقت تحصيل الكمالات لايفقد في اول العمر و في وسطه و في آخره و هذا الكسبي اختياري فمن طلب وجد و اما الفطري فقيل انه اختياري عند التكليف الاول في عالم الذرّ و قيل انه ايجابي لان تنزّلات العقل الاول في المراتب الكونية عند ظهوره بها باذن الله عز و جل ايجابي تكويني ، اقول و الحق انه اختياري بل الحق انه ليس في الوجود اضطرار بل كل الموجودات مختارة لانها اثر المختار فهم من فهم و قد حققنا في مباحثاتنا و في الفوائد بما لا مزيد عليه ، المعني السابع العقل هو النفس الناطقة الانسانية باعتبار مراتبها في استكمالها علما و عملا و يطلق هذا المعني علي نفس تلك المراتب و علي قواها في تلك المراتب و ذلك ان للنفس قوة باعتبار تأثرها عما فوقها و تلقّيها ما يكمل جوهرها من التعقّلات و يسمّي ذلك عقلا نظريا و باعتبار تأثيرها في البدن بتكميل جوهره اختياريا لانه آلة لها في تحصيل العلم و العمل و للنفس ايضا قوة اخري تسمّي عقلا عمليا و للاول اعني العقل النظري اربع مراتب : الاولي استعداد بعيد للكمال و هو محض قابليتها للادراك و يسمّي عقلا هيولانيا تشبيها بالهيولي المجردة عن الصور احترازا عن الهيولي الثانية التي اخذت الصورة فيها اعني المادة و هي الجسم و الثانية استعداد متوسط لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات بالاولي و يسمّي عقلا بالملكة يعني بالقوة لا بالفعل ، الثالثة استعداد قريب لاستحضار النظريات متي شاء و يسمّي عقلا بالفعل و قيل يسمّي [ص 157] هذا عقلا مستفادا ، الرابعة الكمال و هو تحصيل النظريات مشاهدة و يسمّي عقلا مستفادا و قيل يسمّي هذا عقلا بالفعل و قد يعتبر هذا بالقياس الي جميع مدركاته بحيث لايغيب عنه شئ و هو بهذا المعني انما يكون في الآخرة كذا قيل و منهم من جوّزه في الدنيا لنفوس قوية لاتشتغل بشيء و لا شكّ في وجوده في الدنيا مع اهل العصمة عليهم السلام و هو قوله تعالي و لاكمّلتك الا في من احبّ ، و اهل محبته علي الحقيقة محمد و اهل بيته الطاهرين عليه و عليهم السلام و من دونهم شيعتهم من الانبياء و المرسلين و الخصيصين من اتباعهم و للثاني و هو العقل العملي ايضا اربع مراتب : الاولي تهذيب الظاهر باستعمال الشرايع المعنوية ، الثانية تهذيب الباطن من المهلكات الردية و ترك الشواغل من عالم الغيب ، الثالثة تجلي النفس بالصور القدسية بعد القرب و الاتصال بعالم الغيب بمباشرة روح اليقين ، الرابعة انجلاء ضياء المعرفة بالفؤاد و استغراقه بانوار الجلال و الجمال و هو مقام الصدق في المحبة مع الله في جميع المواطن بحيث لايفقده حيث يحب و لايجده حيث يكره ، ثم قال شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه : و اعلم ان ما يطلق عليه اسم العقل اثنان احدهما الجوهر الدرّاك للاشياء و هو متعلق بباطن الجسم الصنوبري الذي في الصدر و هو القلب الذي عناه الله سبحانه بقوله تعالي و لكن تعمي القلوب التي في الصدور تعلق التدبير و مرادنا بقولنا بباطن الجسم ، انه لايتعلق بالاجسام الا بالواسطة و الواسطة هنا هي النفس المسمّاة بالصدر فان المراد بالصدر هنا هو النفس و الخيال فانه صدر القلب الذي هو العقل الجوهري و هو رأس من العقل الكلي او وجه منه فالنفس مستنيرة باشراقه عليها كاستنارة الجدار باشراق الشمس عليه و ثانيها فعله و ادراكه و بصره و سمعه و هو متعلق بباطن الدماغ و مرادنا بباطن الدماغ الذي في الرأس فعل النفس و الخيال و ادراكهما و بصرهما و سمعهما و ذلك في دماغ الرأس فهما اي فعل النفس و الخيال و ادراكهما و بصرهما و سمعهما مشرقان باشراق [ص 158] وجه العقل عليهما كاشراق النفس و الخيال باشراق القلب عليهما و الاول رأس من عقل الكل و ذلك الرأس هو امر الله الخاص بعقل ذلك الشخص الخاص به الذي يقبل الزيادة و النقصان هو اشراق وجهه اعني الرأس الخاص به من العقل الكلي عليه فالاشراق عقل الشخص يزيد باصلاح قلبه بحسن الغذاء و بالاعمال الصالحة و النيات الخالصة و ينقص بعكس ذلك و اما وجهه الخاص به من العقل الكل فلايزيد و لاينقص و المستفاد و بالفعل هو القابل للزيادة و النقصان و حيث كان اختيار المصنف ان المستفاد هو النهاية جعله روح الايمان و كان الذي يجول في خاطري ان المرتبة الثالثة هي المستفاد و بالفعل هي الرابعة ثمّ اعلم ان روح الايمان ليست هي العقل لان العقل هو وجه الوجود اعني الفؤاد الذي هو حقيقة الشئ من ربه و هو نور الله الذي ينظر به المؤمن و له هيكل معنوي مركب من حدود جبروتية معنوية احدها روح الايمان فروح الايمان ركن من اركان العقل الشرعي لانه نور صور علي هيأة هياكل التوحيد .

فصل - اعلم ان هذه الفروض و المعاني المذكورة كلها صادقة علي العقول الشخصية المستخرجة من كمون القوابل الانسانية علي اختلاف مذاهب الناس و بعضها صحيح و بعضها فاسد و لست هنا بصدد نقضها و ابرامها و سيجيء الكلام فيها في محله ان شاء الله و كلامنا هنا في تعريف العقل الاول و الكلام الحق في تعريفه ما قاله اميرالمؤمنين عليه السلام للاعرابي قال يا مولاي و ما العقل قال العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المآرب انتهي ، اقول مما يجري في الخاطر مما يظهر من هذا الحديث الشريف ان بقوله عليه السلام في تعريف العقل انه جوهر ، ظهر لنا انه لايكون عرضا و يحكم العقل المستنير بنور الخبر بذلك ايضا فان العرض وصف لايقوم الا بموصوف فالوصف قائم بغيره و الفرض ان العقل اول الاكوان و ليس قبله كون صالح للاتصاف بصفته و الامكان السابق صرف صلوح و الاستعداد [ص 159] و العقل معدوم فيه فلايقترن بصلوحاته حتي يقيمها و علي فرض القيام ايضا يكون تحققيا لا قيام صدور و المشية السابقة ايضا و ان كانت مقيمة للامكان و الاكوان و الاعيان الا انها بنفسها مطلقة مبهمة فلاتقترن بالاكوان المحدودة و الاعيان المشخصة فانه لا فرق بينها مع الامكان الا ان المشية امكان فعل و الامكان امكان انفعال فهي بنفسها لاتفعل الا في نفس الكاين المكوّن و لذا يقال ان كل شئ مخلوق بنفسه و ينبأك عن ذلك قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فانه ذكر المراد قبل الامر للانباء بوجوده العلمي قبل المرادية و المشائية و فاعل كُن ايضا مستتر فيه راجع الي الشئ المعلوم المذكور سابقا فافهم فانه دقيق و ذلك بان المشية تتعلق بالشئ تعلق الاشراق و الافاضة لا الارتباط و الاضافة لعدم معقوليتهما بين المعيّن و المطلق و يتخصص نورها في بطنه فتفعل ما تفعل بالنور الملوّن و لذلك يخلق المعيّنات بالفعل المطلق بل ذلك ثابت في جميع انواع الافعال فان النار تحرق و احراقها بانها تتعلق بجسم من الاجسام فتجفف رطوباته و يقلّ برده فيغلب حرّه و يقوي فيحترق الشئ بالحرارة المستخرجة من كمونه و لذلك اذا كان الشئ كثير البرودة و الرطوبة لايحترق مع الاتصال بالنار فافهم ذلك فانه دقيق و بالكتمان حقيق و من ذلك اعرف معني قول مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام في الاشعار المنسوبة اليه :

دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر

و تقرأ في دعاء كميل بن زياد يا من اسمه دواء و ذكره شفاء ، فاسم من اسماء الله يتعلق بكل احد يعالج به داء انيته و عبوديته و مٰهيته فتدبر فالعقل مخلوق بشعاع المشية المتعلق به و هو رأسها و جهة فعليتها فالعقل قائم بفعليته و انفعاله و لايحتاج في وجوده الي كاين سواه فهو جوهر لا عرض و ليس معه في مقامه ايضا شئ خارج عن ذاتيته و لو كان لصار غنيا مع انه كوّن قبل الاعيان و الاعيان تثبت في الاسفل لا في عرصة الاطلاق و ظهر لنا من قوله (ع) درّاك ، انه شاعر [ص 160] مدرك اي من شأنه الدرك و ان لم‌يكن معه في مقامه غيره فهو في نفسه يدرك نفسه فهو عقل و معقول بل هو عاقل بملاحظة اذ الحقيقة التي هي الفؤاد لاتعقل الا بفعلها و فعلها لايظهر في العقل فتوصيفها بالعاقلية في العقل لا في نفسها و في نفسها هي هي فالعقل في نفسه عاقل و عقل و معقول تتعدد الاسماء في المخبر و تتحد في المنظر و ما ستسمع منا و سمعته (كذا) مشايخنا في ردّ هذا الكلام يجري في ادون من المقام و هو في ما اذا كان العقل درّاكا للمعاني الخارجة عن نفسه و سيجيء بعد بيانه ايضا ثم اعلم ان معني دركه لنفسه وجدانه نفسه بنفسه لا بفعل زايد علي نفسه و ذلك عين وجوده و كونه كونه هو هو فافهم و غير ذلك لايعقل اذ فعله دونه و ما دونه لايعمل فيه مع انه اثره و الاثر لايعمل في المؤثر فافهم و ظهر لنا من قوله (ع) محيط بالاشياء من جميع جهاتها علمه و اطلاعه علي الاشياء و علمه بها ليس بوقوع اشباحها بتفاصيلها فيه فان ذلك ايضا غير متصور و لا معقول فان ذكرها فيه بالكلية و المعنوية و هو علمه بها في نفسه علم العلة بالمعلول و لكنه يعلمها في مقاماتها و حدودها برؤسه المتعلقة بها و اشباحها فان للعقل رؤسا بعدد ما خلق الله او بتنزله اليها و يقف علي كل جزء جزء بالنزول و ليس المراد من الاحاطة احاطة الاحدية فانها لاتثبت الا للمؤثر بالنسبة الي الآثار و العقل لايكون مؤثرا بل المراتب منه بالتنزل فالمراد من الاحاطة المذكورة العلم و ذلك مثل قولك ان فلانا عالم محيط اي كثير علمه فقوله محيط بالاشياء من جميع جهاتها اي يعلم جميع جهات الاشياء في نفسه بالمعنوية التي هي اصل كل شئ و في نفسها بالتفصيل و ظهر لنا من قوله عارف الخ ، انه لايكون ماديا بل هو جوهر مجرد اذ الماديات لاتعلم الا ما يقارنها كرؤية البصر للمبصر و السمع للمسموع و كالمشاعر البرزخية من الحسّ الي الخيال الي الوهم بل العالمة و العاقلة من حيث الاسفل فانها لاتدرك الا ما ادّته اليها المواد بل الحس المشترك و الحواس الظاهرة لاتدرك الصور المختلفة عن [ص 161] المواد ابدا و الخيال يدركها و لايحفظها ابدا و لكنها جميعا تدرك ما تدرك من المواد و النفس ايضا و ان كانت كلية و لاتقترن بنفسها بالمواد و لكن دركها ايضا مقترن فلاتكاد تطلع علي ما لم‌تاخذه من تلك الحواس و اما العقل فهو لايقترن بالمواد لا بنفسه و لا بفعله و لذلك لايحتاج في دركه اليها فربما يدرك ما لم‌تؤده اليه المشاعر فهو عارف بالغيب و من هذا الباب استنباطه الامور الغيبية من الاسباب و العلل و حكمه بالنتايج من المقدمات و يختلف دركه بحسب ظهوره في الاشخاص و من كان كامل العقل يطلع علي الغيوب و يهتك له الحجب كالخاتم و الائمة عليهم السلام و لذلك لم‌يكن يحجب عنهم شئ مطلقا فتدبر و ظهر من قوله عليه السلام انه علة الموجودات و نهاية المآرب ، انه الواسطة بين المشية و ساير الخلق و جميع ما يصل الي الخلايق يصل اليهم بسببه و هو العلة الغائية ايضا كما يظهر من حديث آخر و سيجيء بعد ذلك بيان هذه المسألة ان شاء الله فتدبر في مطاوي الحديث الشريف حتي تقف علي اسرار جمّة و اروي لك ايضا كلاما من الشيخ الاوحد الامجد اعلي الله مقامه و السيد السند المعتمد اعلي الله مقامه فان فيهما فوايد جمة للطالبين ان شاء الله ،

قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في الرسالة الجيلانية : اعلم ان العقل جوهر نوري درّاك بذاته للاشياء قبل وجوداتها المتشخصة له مادة و صورة مادته الوجود الذي هو هيئة المشية و صورته الرضا و التصديق و التسليم و الطاعة التي هي صبغة الله و هيئته هيئة الالف القائم لبساطته تألف من معاني نفسه المجردة عن المادة الملكية و الملكوتية و عن المدة الزمانية و عن الصورة المثالية و النفسية فهو النور المشرق من صبح الازل و الماء الذي به حيوة كل شئ الذي نزل علي الارض الجرز و هو ملك له رؤس بعدد الخلايق من خلق و من لم‌يخلق و هو اسم الله الذي به اشرقت السموات و الارضون و هو المذكور في سورة النور و هو القلم الذي جري في اللوح بما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة و هو اوّل [ص 162] خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو ركن العرش الابيض ، هذه الكلمات اشارة الي العقل الكلي في الجملة ، ثم بيّن اعلي الله مقامه من بعد ذلك العقول الجزئية اي الظاهرة في القوابل علي حسبها و قال في معني قوله عليه السلام في الخبر و العقل وسط الكل ، انتهي ما حاصل كلامه الشريف ان النفوس الاربعة اي الكلية الالهية و الناطقة القدسية و الحيوانية و النباتية تدور عليه بالاستمداد فهو قطب الجميع الا ان بعضها بلا واسطة و بعضها بواسطة و وسايط ،

و قال السيد السند اعلي الله مقامه في جواب مسائل عبدالله‌بيك : العقل نور الهي بدا من الاختراع الاول جوهر مجرد عن المادة الملكوتية و الجسمانية و الشبحية البرزخية و عن المدة المقدارية المثالية و المدة الزمانية اول نور مشرق من صبح الازل و آدم الثالث و اول آدم تولد من آدم الثاني الذي هو الوجود المقيّد اعني الماء النازل من سحاب المشية الذي به كل شئ حي و من حوّائه ارض الجرز ارض القابلية اي الماهية الاولي و هو اول غصن اخذ من شجرة الخلد و هو القلم في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون و هو الطور و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو النور الابيض الذي منه ابيض البياض و هو روح القدس و هو الملك المسدد للانبياء و هو العمود من النور الذي به يري الامام عليه السلام احوال الخلايق و هو النفَس الرحماني الثالثي و هو عبد من عباد الله قائم في طاعة الله صورته هيكل التوحيد و صفته الرضا و التسليم و مقامه الركوع و طبيعته البرودة و اليبوسة في ظاهر ذاته و عمله و البرودة و الرطوبة في ظاهر فعله و الحرارة و اليبوسة في اصل ذاته و ادراكه المعاني الكلية المجردة عن الصور النفسية و المثالية و الجسمية و دليله الموعظة الحسنة و سبيله اليقين و طريقته التقوي و علمه الطريقة و صفته الاستقامة و مكانه كل الممكن المكوّن الموجود بالوجود الكوني و وقته الدهر و هو الوقت الثابت المستمر الذي يجمع المختلفات و يفرق المجتمعات الزمانية و لونه [ص 163] البياض في صفته و السواد في ظاهر ذاته و الحمرة في باطن حقيقته مقبل علي الله عز و جل فلما خلقه الله سبحانه قال له اقبل فاقبل فاظهر الله سبحانه باقباله الذي هو ادباره عنه حقايق الاكوان و مستجنات غيوب الاعيان ففي كل مرتبة نازلة اظهر قشره و استتر في لُبّه الي ان ظهرت القشور المتراكمة و خفي اللُبّ المقصود بالحقيقة ، ثمّ ذكر حال الاقبال و ظهور العقول الشخصية و ليس كلامنا هنا فيها و قال ابي اعلي الله مقامه في مقام : ان العقل المرتفع هو الفؤاد و قال في مقام آخر : ان هيأة المجموع هي العقل و بالجملة كلماتهم في تعريف العقل متقاربة لانهم ذاقوا من مشرب واحد و اخذوا علمهم من معدنه بخلاف ساير الناس اذ اخذوا علومهم من معادن مختلفة و لما روينا الاقوال و الاخبار في تعريف العقل في الكون ناسب ان نذكر بعض ما ورد عن اهل العصمة و بعض العلماء في صفته في الشرع في فصل خاص .

فصل - قال محمد بن احمد بن علي الفتّال في كتابه روضة الواعظين : العقل في عرف المتكلمين عبارة عن مجموع علوم و هي ثلثة اقسام : اولها العلم باصول الادلة و ثانيها ما لايتم العلم بهذه الاصول الا معه و ثالثها ما لايتمّ الغرض المطلوب الا معه فالاول العلم باحوال الاجسام التي يتغير من حركة و سكون و العلم باستحالة خلو الذات من النفي و الاثبات المتقابلين و العلم باحوال الفاعلين و غير ذلك و ليس العلم بذلك الا ممن يجب ان يكون عالما بالمدركات اذا ادركها و ارتفع اللبس و ممن اذا مارس الصنايع يعلم و العلم بالعادات من اصول الادلة الشرعية لا بدّ منه و هو من القسم الثاني و القسم الثالث العلم بجهات المدح و الذم و الخوف و طرق المضارّ حتي يصحّ خوفه من اهمال النظر فيجب عليه النظر و التوصل به الي العلم و الذي يدل علي ان ذلك هو العقل لا غير انه متي تكاملت هذه العلوم كان عاقلا و لايكون عاقلا الا و هذه العلوم حاصلة و لو كان للعقل معني آخر لجاز حصول هذه العلوم و لايحصل ذلك المعني [ص 164] فلايكون عاقلا او يحصل ذلك المعني و يكون عاقلا و ان لم‌يكن له هذه العلوم و المعلوم خلاف ذلك ، و روي فيه عن رسول الله صلي الله عليه و آله رأس العقل بعد الايمان بالله التحبب الي الناس و قال العقل علي ثلثة اجزاء فمن كان فيه كمل عقله و من لم‌يكن فيه فلا عقل له حسن المعرفة بالله و حسن الطاعة له و حسن الصبر له و قال الصادق عليه السلام في خبر طويل و بالعقل يكمل و هو دليله و بصره و مفتاح امره قال اميرالمؤمنين عليه السلام هبط جبرئيل علي آدم فقال يا آدم اني امرت ان اخيّرك واحدة من ثلث فاختر واحدة و دع اثنين فقال له آدم و ما الثلٰث يا جبرئيل قال العقل و الحياء و الدين قال آدم فاني اخترت العقل قال جبرئيل للحياء و الدين انصرفا فقالا يا جبرئيل انا امرنا ان نكون مع العقل حيث كان قال فشأنكما و قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله تعالي خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي لم‌يطلع عليه نبي مرسل و لا ملك مقرّب فجعل العلم نفسه و الفهم وجهه ( روحه خ‌ل ) و الزهد رأسه و الحياء عينيه و الحكمة لسانه و الرقة همّه ثمّ حشاه و قواه بعشرة اشياء اليقين و الايمان و الصدق و السكينة و الاخلاص و الرفق و العطية و القنوع و التسليم و الشكر ثمّ قال له عز و جل ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له تكلم فقال له الحمد لله الذي ليس له ضدّ و لا ندّ و لا شبه و لا كفو و لا عديل و لا مثل الذي كل شئ لعظمته خاضع ذليل فقال له الرب تعالي و عزّتي و جلالي ماخلقت خلقا احسن منك و لا اطوع لي منك و لا ارفع منك و لا اشرف منك و لا اعزّ منك بك اوحّد و بك اعبد و بك ادعي و بك ارتجي و بك ابتغي و بك اخاف و بك آخذ و بك الثواب و بك العقاب فخر العقل عند ذلك ساجدا فكان في سجوده الف عام و قال الرب تعالي ارفع رأسك و سل تعط و اشفع تشفع فرفع العقل رأسه فقال الهي اسألك ان تشفعني فيمن خلقتني [ص 165] فيه فقال الله جل جلاله لملائكته اشهدكم اني قد شفعته فيمن خلقته فيه و قال الرضا عليه السلام اصل الانسان لُبّه و عقله دينه و مروّته حيث يجعل نفسه و الايام دول و الناس الي آدم شرع سواء و سئل فقيل ما العقل قال التجرع للغصة و مداهنة الاعداء و مداراة الاصدقاء ، اقول لعل مراده عليه السلام من العقل المعني المصدري يعني التعقل التجرع و الاسم لايعرف بالمصدر و كذلك قول مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام لا غني كالعقل و لا فقر كالجهل و لا ميراث كالادب اعقلوا الخبر اذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فان رواة العلم كثير و رعاته قليل لا مال اعود من العقل و لا عقل كالتدبير الحديث ، فان الظاهر من سياق الخبر ان مراده عليه السلام بيان العقل المصدري و روي ان النبي عليه السلام قيل له ما العقل قال العمل بطاعة الله و ان العُمّال بطاعة الله هم العقلاء و في العوالم عن ابي‌جعفر عليه السلام قال قال رسول الله (ص) لم‌يعبد الله عز و جل بشيء افضل من العقل و لايكون المؤمن عاقلا حتي تجتمع فيه عشر خصال : الخير منه مأمول و الشر منه مأمون يستكثر قليل الخير من غيره و يستقلّ كثير الخير من نفسه و لايسأم من طلب العلم طول عمره و لايتبرم بطُلّاب الحوائج قِبَلَه الذل احب اليه من العز و الفقر احب اليه من الغني نصيبه من الدنيا القوت و العاشرة لايري احدا الا قال هو خير مني و اتقي الحديث ، و في معاني الاخبار من اسولة اميرالمؤمنين (ع) يا بني ما العقل قال حفظ قلبك ما استودعه الي ان قال فما الجهل قال سرعة الوثوب علي الفرصة قبل الاستمكان منها و الامتناع عن الجواب ، و في العوالم قيل لابي‌عبدالله عليه السلام ما العقل قال ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان قيل قلت فما الذي كان في معوية قال تلك النكراء تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بعقل و قال افضل طبايع العقل العبادة ، اقول ظهر من هذين الحديثين الشريفين ان ماهية العقل غير الاعمال المذكورة في الاخبار و لكنها جوهر يعمل فان عمل لله و احسن يسمّي عقلا و الا يسمّي [ص 166] جهلا كما ياتي بيانه ان شاء الله .

فصل - بعد ما عثرت علي الاخبار و الاقوال بقدر ما يقتضيه الحال لا علينا ان نذكر حقيقة الامر علي ما عرّفنا الله ببركة حجة العصر عليه السلام و لا بدّ لذلك من بيان حقيقة البدأ في الجملة ، فاعلم ان الله سبحانه و تعالي كان قبل الكون و المكان احدا فردا صمدا و لم‌يكن معه شئ مما كان لا بنفي و لا اثبات بوجه من الوجوه و قد كذب من زعم ان مع الله غيره من خلقه و قد اثبتنا قبل ذلك بطلان هذا الرأي السخيف و لانعيد و قد تجلي الله سبحانه و تعالي اول ما تجلي لكينونته لا بفعل سابق و لا امر لاحق بل بنفسها لها بها و نفسها نفس ذلك التجلي و هو كماله تعالي و قد خلق به مشيته كما قال عليه السلام بالعلم خلقت المشية ، و هي ذلك العلم و هو نفس المشية المخلوقة بها كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و تلك المشية هي الوجود المطلق الامكاني الاعلي و هي في نفسها امكان فعل و هو في وجوده راجح لان نفسه علته اذ الذات لاتصير علة شئ كما بينّا سابقا و ليس بينها و بينه غير علمه و هو و علمه ابدي ازلي و لايكون ممكنا و الا لجاز عدمه و امكانيته بتعلّقه بالامكان اي علم الامكان بالامكانية ابدا فافهم فانه دقيق و اذ كان مرجّح وجود المشية نفس العلم و العلم دايم فهي ابدية و من حيث نفسها ممكنة فلايثبت لها الوجوب فرجحانها متحتم و بعد كمال خلقها بها تجلي بها للامكان الجايز و جوازه بان مرجحه غيره فقيامه بغيره و هو محض امكان قبول لايفرض له ثبوت الا بالتكوّنية بل ايجاده بتكوينه لا بتمكينه فان التمكّن من غير كون محال و اول الكون هو الكلية و الجمعية البسيطة المعنوية فتجلي الله بمشيته للامكان بتحليته بحلية الكون المعنوي و هو اول مكوّن و اول موجود و اعتبر ذلك من قول الله عز و جل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و لم‌يقل يقول له تمكّن فافهم هذا و قد ثبت في الحكمة ان المادة مادة في ضمن الصورة و الصورة صورة علي المادة و الامكان [ص 167] الجايز هو المادة و المادة لاتوجد الا في الصورة و اول الصور في عرصة الوجودات المقيدة المعنوية فهي اول ما خلق الله و قد يعبّر عنه بتعبيرات بحسب الملاحظات فبملاحظة كليته و ماديته يقال انه معني اي معني جميع الملك و بمقتضي انه اصل كل موجود و جميع المقيدات خلقوا منه يقال انه ماء و بمقتضي انه سبب حياة كل شئ يقال انه روح و لما كان من عند الله و منزّها عن الحدود الصورية يقال انه روح القدس و بمقتضي ان مادته الامر يقال انه روح من امر الله يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي و بمقتضي انه علة كل الخلق يقال انه القلم و بمقتضي انه عبد الله و مملوكه يقال انه ملك كما في اخبار و ما ورد انه لايكون ملكا يحمل علي انه لايكون في عرض ساير الملئكة و لكن قد يسمّي ملكا بالمعني الاعم و بمقتضي انه اذا تعلق بالعبد يمنعه مما لايلايمه و من المعاصي في الشرع يسمّي عقلا و هو من العقال و بمقتضي ان جميع الخلق يستمدون منه و يدورون عليه يسمّي قطبا و لذلك قد يسمّي وسطا و لانه الاصل و المبدأ و جميع الخلق تنزلاته في البدأ يسمّي لُبّا و لانه الذات و جميع المتنزلات آثاره و صفاته يسمّي جوهرا و قد يسمّي من حيث اعلاه فؤادا فانه ايضا بمعني القلب الا ان في الاصطلاح بملاحظة الاعلي و الاسفل يفرق بينهما فقد يسمّي من حيث الصدور فؤادا و من حيث الظهور عقلا و قد يسمّي من حيث الصدور عقلا اولا في اصطلاحنا و من حيث الظهور عقلا متوسطا و من حيث التعلق بالاسفل منخفضا و بعض الحكماء يسمّونه بالعقل الاول و بعض يسمّونه عقل الكل و قد يقال انه الحقيقة المحمدية بمقتضي انه يتعلق بالخاتم صلوات الله عليه و آله و غيره من الانبياء و الامم لايبلغون هذه المرتبة .

فصل - اعلم ان في الاخبار وصفوا القلم بصفات اذكرها في المقام ان شاء الله لظهور معناها بقدر الاقتضاء ، سئل ابوعبدالله عليه السلام عن ن و القلم قال ان الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها الخلد ثمّ قال لنهر في الجنة [ص 168] كن مدادا فجمد النهر و كان اشد بياضا من الثلج و احلي من الشهد ثمّ قال للقلم اكتب الحديث ، و عن علي بن ابرهيم ان الله خلق الهواء ثمّ خلق القلم فامره ان يجري و في مسائل ابن‌سلام عن رسول الله (ص) قال صلي الله عليه و آله النون اللوح المحفوظ و القلم نور ساطع و ذلك قوله ن و القلم و ما يسطرون قال صدقت يا محمد فاخبرني ما طوله و ما عرضه و ما مداده و اين مجراه قال طول القلم خمسمأة سنة و عرضه مسيرة ثمانين سنة له ثمانون سنا يخرج المداد من بين اسنانه ، و عن علي عليه السلام قال الكرسي لؤلؤ و القلم لؤلؤ و طول القلم سبعمأة سنة و طول الكرسي حيث لايعلمه الا العالمون ، اقول هي من الاخبار الصعبة لاتجد شرحها الا عند من شاؤا و اذكر لك بقدر ما منّوا علي من بيانها فاما قول مولانا ابي‌عبدالله عليه السلام ان الله خلق القلم من شجرة في الجنة ، فاعلم انها الشجرة الزيتونة التي قال الله عز و جل يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية و هي شجرة مشية الله و مِن للابتداء لا المادة و المشية هي المبدأ و الذكر الاول او المراد منها الامر المفعولي و مِن لبيان المادة و يقال لتلك الشجرة الخلد لعدم فنائها فان الفناء لايجري في السرمديات و ذلك اشارة الي قوله عز و جل هل ادلك علي شجرة الخلد و ملك لايبلي و هي شجرة البقاء و لا بقاء الا لوجه الله عز و جل كما قال كل من عليها فانٍ و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و هو الحقيقة التي سأل عنها كميل بن زياد اميرالمؤمنين عليه السلام و هي الامر و مظهر المشية و ظهور الارادة و بوجه ابطن من ذلك نقول ان الشجرة شجرة علم محمد و آل‌محمد عليهم السلام و علمهم علم الله تعالي او نفسهم علم الله تعالي و اللوح المحفوظ و كتاب الله الذي لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و هو الشجرة التي طمع فيها ابونا آدم عليه السلام كما في خبر و العقل الاول الذي هو القلم يستمدّ منه لما ورد ان المشية بالعلم و علمت ان العقل ظهور المشية و كونها و لذلك قال عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذائق من حدايقنا الباكورة [ص 169] و تلك الحديقة جنة الخلد و فيها شجرة نابتة و من ارضها نامية فتدبر و ليس هذه الرسالة محل بسط هذه الاسرار قوله ثم قال لنهر الي آخر ، هذا النهر هو المادة و هي تأييد العقل و هو الروح الملكوتي و قد يقال ان المداد هو الامكان و هو في باطن العقل و يجري من باطنه الي ظاهره من اسنانه علي اللوح فما يجري من باطنه الي ظاهر هو الروح و هو الماء و لذا ورد ان الحيوة من الماء و قال عليه السلام ان طعم الماء طعم الحيوة و رايحته رايحة الحيوة و كان اشد بياضا من الثلج ، و ذلك بملاحظة عدم خصوصيته و بساطته و لون البياض ابسط الالوان و هو في الواقع مادة لكل لون مع انه من الالوان و كذلك صفة المداد فانه و ان كان مولودا كونيا الا انه لبساطته يصلح للتصور بكل صورة و هيئة و هو مثال العالي في الداني و السفير و النبي و الحجة و باختلاف الملاحظات يختلف التعبيرات عنه و طعمه الحلاوة لقلّة يبسه مع ان مزاجه حارّ رطب و تسميته بالماء لمحض سيلانه و قبوله الصور و الا فهو روح و البرد ليس من مزاج الروح و الحرارة و الرطوبة تقتضي الحلاوة مزاج الدم و اللوح عرصة النفس و هي ظاهر لوح من نور و فيها يظهر تفاصيل علم الله تعالي و سيجيء بعد ذلك بيانه ان شاء الله ، و اما ما روي علي بن ابرهيم ان الله خلق الهواء ، المراد منه هواء عرصة الامكان و قد مرّ سابقا شرحه فراجع و خلق منه القلم فانك عرفت انه اول كون و مادة لغيره الا انه يعبّر عنها بالقلم لان المادة يد الله في صنع الصورة فالقلم هو الماء الاول المخلوق من الهواء و مرّ التفصيل في خلق الهواء الاول و الماء الاول فراجع و قال رسول الله في حديثه ان النون اللوح ، سمّاه به لان النون مقام التفصيل و امر الله مركّب من الكاف و النون فالكاف مقام المشية و النون مقام المشاء و تفصيل المشاء في النفس و قد يقال ان النون مقام المداد و هو نهر في الجنة و ورد ذلك في الخبر ايضا و قال في صفة القلم انه نور ساطع اي نور مرتفع و [ص 170] المراد من ارتفاعه ظهوره و انتشاره يقال سطع البرق و الصبح اي ارتفع اي فشا نوره و ظهر من فوق و العقل نور ساطع تنور به جميع عرصة الامكان بل جميع الاكوان تنزلاته و اشعته الظاهرة و جميع الكمالات كمالاته ثمّ استدل (ص) بقول الله ن و القلم لبيان نزول ذكرهما له في القرآن و الاستدلال لقوله ان ن هو اللوح فانه يظهر ذلك من سياق الآية اذ قال ن و القلم و ما يسطرون و لايسطر الا علي اللوح و لو كان اللوح غير النون لذكره و اما المداد فهو مذكور في ضمن ما يسطرون فان للحروف و الكلمات المسطورة مادة البتة و لا مكتوب الا بمادة فبذكره ما يسطرون ذكر المداد فالاربعة مذكورة المداد و القلم و اللوح و الصور فافهم . قوله فاخبرني الي آخر ، كان مراد ابن‌سلام امتحانه و كان عالما بها من الكتب السماوية و اخبار الانبياء فاخبره (ص) بمقتضي علمه ، و اعلم ان المراد من الطول و العرض غير الطول و العرض الجاريين في الاجسام فانهما فيهما من الاعراض من مقولة الكمّ و العرض مخصوص بالجسم كما قال عليه السلام كلما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، و القلم مجرد من المادة الجسمانية و لايعرضه الاعراض فطوله و عرضه ذاتيان فطوله كيفية حاصلة من نسبته الي المؤثر و عرضه كيفية حاصلة من نسبته الي ما يشاركه في المادة العليا و هي الامكان فتحديد النبي (ص) طوله بخمسمأة عام بملاحظة نسبته الي الله تعالي و لا نسبة و من العقل الي الله خمس مراتب و لا مرتبة و لا نسبة بل المراد ان المخلوق من هذه المرتبة الي مبدأ الموجودات خمس مراتب العقل نفسه و الفؤاد الذي هو الامكان الجايز و هو اعلي درجة العقل و بملاحظة يقال انه الارض الجرز و الثالث مقام الماء النازل من سحاب المشية و قد يقال انه الهواء و هو شعاع شمس المشية الظاهر في عرصة الامكان المربي له و الامكان الراجح و هو مقام الصورة للمشية و الكينونة التي هي العلم و بوجه آخر نقول ان بين العقل و الاعلي خمس مراتب : مرتبة الامكان و مقامات الفعل و لكل وجه و لما كان ظهور جميع هذه المراتب في [ص 171] نفس العقل قال (ص) انها طوله كما يقال ان طول الشخص ما بلغه في سيره الي الله و منتهي الطول آخر مقام ظهر فيه و كذلك طول العقل هذه المراتب و منتهاه العلم و هي غير محصورة اذ ثَمّ لا تحديد الا ان الحكيم قد يعبّر عنها بتعبيرات فعبّر عنها رسول الله (ص) بخمسمأة لانها من ايام الرب و كل يوم يحيط بايام كثيرة بل بجميع ايام الدنيا و لكن لمحض بيان لفهم العوام عيّن (ص) حدّا يحصل منه وقع في ذهن العوام فقال انه خمسمأة بملاحظة ان كل واحد من هذه المراتب يجمع المراتب العشرة لانها خزاين الرب و جميع ما في الاسفل نازل منها فلكل واحد منها عشرة مقامات روحية غيبية من المسمّي الي الجسم و هي لاتظهر الا في عشرة قبضات شهادية و حاصل الضرب خمسمأة و عبّر عن كل مرتبة نسبة لان كمال كل بدوران شمس المشية دورا تاما علي نفسه و تلك سنة كاملة و بوجه آخر ايضا نقول ان العقل كلمة تامّة مركبة من حروف خمسة هي مقامات التوحيد تجمعها جميعها و لذلك صار عبدا خالصا و احبّه الله و الربوبية كنه العبودية و العبودية ظاهرها و ما لم‌تكن كليات الحكمة تامّة في ظهورها تامّة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، فظهرت المقامات الخمسة في المراتب العشرة علي ما مرّ و الحاصل خمسمأة و اما العرض فهو حاصل له بتنزله في المراتب الدانية و من اعلي مقاماته الذي هو الفؤاد الي الجسم ثمانية عوالم و كل عالم له عرش و كرسي و افلاك و ارض فتلك ثمانون مرتبة و جميعها ظواهر العقل و شؤنه و كمالاته قوله (ص) له ثمانون سنّا ، اشارة الي رؤسه المتعلقة بالمراتب المذكورة و هي كليات الاكوان و بها خلق الله الاكوان و الاعيان و لذا قال عليه السلام في خبر في صفة العقل انه ملك له رؤس بعدد ما خلق الله ، و هي افراده و عقل كل كون و عين علته المتصلة و يد الله في صنعه كما ان عقل الكل علة جميع الكاينات و ما امرنا الا واحدة و بعض العرفاء قالوا ان اسنان القلم ثلثمأة و ستّون سنا و ذلك بملاحظة درجات الكرسي و علي زعم الهيويين ورد التقسيم علي [ص 172] العرش و هو فلك الافلاك عندهم و هو مظهر القلم و كل قسم مؤثر في ما دونه ، اقول ان القلم في نفسه مطلق و لا تعدد فيه و رؤسه افراده لا اجزاؤه فالمراد من الرؤس افراد العقول و بتعدد الافراد لايقسم اصل ماهية الشئ كما تري ان حقيقة الجسم واحدة و هي الجوهر القابل و بتعدد افرادها لاتتكثر بل تزداد نعومة و انبساطا و كذلك الامر في العقل المطلق هو بنفسه جوهر كلي معنوي دراك و له افراد الي ما شاء الله و باختلاف الانظار تعدّ المراتب فثمانية و عشرة و ثمانون و مائة و الف الي غير ذلك ثمّ ان هنالك لا تحديد و لايخالف كلامي قول رسول الله صلي الله عليه و آله و اهل الحكمة يعرفون الاتري الي قوله صلي الله عليه و آله في خبر في بيان مدة كون العرش علي الماء ذكر مددا ثُمّ قال و ثَمّ لا تحديد و كذلك الامر هنا فللعقل رؤس بعدد جميع ذرات الوجود فان كل موجود عاقل و عقل كل شئ فرد من افراد العقل الكلي و هو قلم في كتبه و العقل الاعلي قلم الاقلام كما في دعاء اول ليلة من رجب اسألك يا مولاي بالفجر و الليالي العشر و الشفع و الوتر و الليل اذا يسر و بما جري به قلم الاقلام بغير كف و لا ابهام انتهي ، و قوله يخرج المداد من بين اسنانه ، اشارة الي ان مادة كل عالم تجري من الكلي المحيط فوقه و بسايطه و هي المراتب الكلية للاعيان الجزئية و قول مولانا اميرالمؤمنين الكرسي لؤلؤ و القلم لؤلؤ ، اللؤلؤ في اللغة بمعني الدُّر و لايريد عليه السلام من التشبيه انهما لؤلؤان جسمانيان فان ذلك مسلّم و لكن مراده بيان شدّة الصفاء و البريق و الجوهرية و الحكماء قد يسمّون العوالم الغيبية بهذه الاسماء لانها افضل تعبير في الدنيا عنها و لذا يقولون ان العقل دُرّة بيضاء و اما الكرسي فلعله (ع) لم‌يرد من تسميته باللؤلؤة تشبيهه في اللون لانه نور اخضر او اراد تشبيهه في اصل الحقيقة فانه في نزوله كان عاريا من اللون و تلوّن بعد نزوله لتراكم الكثرات فيه و قال طول القلم سبعمأة سنة و ذلك بملاحظة ان كل موجود له سبع مراتب و بها يتمّ الوجود لان كل موجود [ص 173] مركب من عناصر اربعة و اكوان ثلثة بها يتمّ الوجود و كل واحد منها يعدّ مأة بحساب ما مرّ و هي فيه من مراتب الفعل المشية و الارادة و القدر و القضاء و الاذن و الاجل و الكتاب و اعلم انا بينّا سابقا ان تحديد هذه المراتب و المقامات بالنظر و القاعدة الكلية ان كل شئ فيه معني كل شئ غاية الامر انها في بعض المقامات مفصّلة و في بعضها مجملة و هي في القلم مجملة فتدبر و قال (ع) و طول الكرسي حيث لايعلمه الا الله و ذلك لان المراد من الكرسي العلم كما في قوله تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء وسع كرسيه السموات و الارض و لايؤده حفظهما و هو العلي العظيم و هو عرصة النفس مقام العلم و تفصيله فوق حدّ الاحصاء و لا حدّ له و لا نهاية اذ علم الله تعالي لاينهي و لذلك نهي عليه السلام ان يقال الحمد لله منتهي علمه و لكنه قال قل الحمد لله منتهي رضاه و يكفي هذا القدر من البيان في حلّ بعض مشكلات الاخبار .