فصل - اعلم ان الامام عليه السلام قد نبّه الي عرصات الاكوان باحلي بيان انبّه الي الحديث الشريف لتعرف انّا لانخالف قولهم و نتبع في كل مورد حديثهم الا ان الناس جهلوا باصطلاحاتهم و استبدلوا الذي هو ادني بالذي هو خير و نسوا حظّا مما ذكروا و هبطوا الي مدينة الحكماء اليونانيين و فرحوا ببقول علوم الكلاميين و قثّاء تحقيقات الفلسفيين و فوم مزخرفات الصوفيين و عدس القشريين و بصل المنطقيين و انا وجدنا انّا اذا تكلّمنا بصرف ما جري علي لسان الائمة الاخيار ماعرفوا و حملوها علي صرف القول الظاهر كما فعلوا باخبارهم فلايظهر [ص 121] لهم ان ائمتنا صلي الله عليهم تكلّموا بالحقيقة و عبّروا باحسن الالفاظ فلذلك تكلّمنا باصطلاحاتهم ثم طابقناهم مع اخبار ساداتنا علي يعرفوا الحق الحقيق فاقول قال مولانا الصادق عليه السلام للمفضل كنا نسبّحه و نمجّده و نقدّسه في ستة اكوان كل كون منها ما شاء الله من المداء قال المفضل يا سيدي فمتي هذه الاكوان قال يا مفضّل اما الكون الاول فنوراني لا غير و اما الكون الثاني فجوهري لا غير و اما الكون الثالث فهوائي لا غير و اما الكون الرابع فمائي لا غير و اما الكون الخامس فناري لا غير و اما الكون السادس فاظلة و ذرّ ثمّ سماء مبنية و ارض مدحية الحديث ، اقول المراد من النور هو الفؤاد الذي هو مبدؤ الوجود المعبّر عنه في بعض الاخبار بالماء و في بعض بالهواء و المراد من الجوهر العقل كما قال عليه السلام في صفته جوهر درّاك و هو جوهر الجواهر و اصل الموجودات كما سيظهر لك ان شاء الله و جميع الخلق اعراضه او غصونه و الكون الهوائي هو الروح و ذلك قوله عليه السلام ان الروح من الريح و الريح من الهواء فتدبر و يشهد بذلك المزاج ايضا فان الروح حار رطب و الهواء ايضا حار رطب و الدم الذي هو اصل الحياة هكذا و الكون الناري الطبع الذي خلق منه الجن و الاظلة هي المادة التي يمسك الله الاشياء بها فان صورها قايمة بالمادة قيام التحقق و سمّيت ظلا لانها ظل الطبع و هو ظل النفس و الذرّ عرصة الصورة و هويات الاشياء و جمعهما في كون واحد لانهما تقومان معا و المادة ابدا في ضمن الصورة و الصورة مركبة عليها ثمّ سماء مبنية و ارض و هي عالم الاجسام و لميعدّ عليه السلام نفس الجسم المطلق اشعارا بان وجوده في السماوات و الارض و هي تمثّلاته و لاينفصل عنها ثمّ انهم عليهم السلام عبّروا في اخبار اخر عن هذه المراتب باسماء اخر و المعني واحد منها ما رواه علي بن ابرهيم في تفسير قوله تعالي خلق السماوات و الارض في ستة ايام و كان عرشه علي الماء و ذلك في مبدأ الخلق ان الرب تبارك و تعالي خلق الهواء ثمّ [ص 122] خلق القلم فامره ان يجري فقال يا رب بما اجري فقال بما هو كائن ثمّ خلق الظلمة من الهواء و خلق النور من الهواء و خلق الماء من الهواء و خلق العرش من الهواء و خلق العقيم من الهواء و هو الريح الشديد و خلق النار من الهواء و خلق الخلق كلهم من هذه الستة التي خلقت من الهواء فسلّط العقيم علي الماء فضربته فاكثرت الموج و الزبد و جعل يثور دخانه في الهواء فلما بلغ الوقت الذي اراد قال للزبد اجمد فجمد فقال للموج اجمد فجمد فجعل الزبد ارضا و جعل الموج جبالا رواسي للارض فلما اجمدهما قال للروح و القدرة سوّيا عرشي علي السماء ( الماء خل ) فسوّيا عرشه الي السماء ( الماء خل ) و قال للدخان اجمد فجمد ثمّ قال له ازفر فزفر فناداها و الارض جميعا ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين و من الارض مثلهن الحديث ، و هو حديث صعب ربما يظهر بعض شرحه مما ذكرنا ،
فاقول و الله اعلم ان كان صدور الخبر من الامام عليه السلام بهذا الترتيب كان مراده محض عداد المراتب لا بيان التقدم و التأخر و لكن لايحصل الاطمينان بذلك لان الاصحاب ربما كانوا يروون بالنقل بالمعني لاذنهم عليهم السلام لهم فلعلهم غيّروا الترتيب و يشهد بذلك آخر الخبر اذ بيّن خلق السماء بعد دحو الارض مع ان الله تعالي يقول و الارض بعد ذلك دحاها و صرّح عليه السلام في خبر آخر بسبق خلق السماوات فلعل المراد محض بيان وجه الخلق لا الترتيب و بالجملة اقول و الله اعلم ان الهواء المذكور هواء الامكان السابق علي جميع الاكوان و هو نور شمس المشية و هو اصل كل شئ و النور المخلوق هو الفؤاد علي ما ذكرت فان الفؤاد هو مقام الارض الجرز و هي ظاهر الهواء و الوجود الجايز مركب منهما و هما بمنزلة الاب و الام للعقل الاول و مرّ سابقا شرحه في الجملة و قد يعبّر عن الهواء بالريح و ذلك قوله تعالي و الله الذي ارسل الرياح فتثير سحابا فسقناه الي بلد ميت فاحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور و قال في الاعراف و هو الذي يرسل [ص 123] الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي اذا اقلّت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتي لعلّكم تذكرون و مرّ شرح ذلك مفصلا و لانعيد و ان احببت فراجع و القلم هو العقل اول شجرة نبت في حافة بحر الامكان و هو بحر صاد بملاحظة و العقيم هو الروح علي ما بيّنّا و هو المهيج للبحر و باعث الايجاد اذ جميع الفعل بالحيوة مع انه ثبت ان العقل هو يد الفاعل و هو الروح الذي يلقي الله تعالي اليه ما يشاء و القلم الذي يجري بامر الله و الروح الملكوتي يده فبه يخرج الله السماوات و الارض من البحر و الماء هو النفس فان النفس هي اللوح الذي ينقش عليه ما كان و ما يكون و لايقبل النقوش الا ما كان صالحا للتصور و لايصلح للتصور الا ما كان رطبا سايلا مطاوعا فيعبّر عنه باسماء فمرّة يقال انه لوح يكتب عليه ما كان و ما يكون بملاحظة انه ارض العلم و ينقش عليه حروف علم العالي بواسطة القلم من العلم الارض و مرّة يقال انه الجزيرة الخضراء و الزمردة و لكل وجه و بالجملة عالم النفس منتهي عالم الغيب و الشهادة تركب عليه السلام الا ان لها مراتب و مراتب الشهادة ايضا تقع علي تلك المراتب و اولها الطبع و سمّاه الامام (ع) بالنار و هي ظاهر النور ثمّ من بعده المادة المثالية و سمّاها الامام بالظلمات و سمّاها في الخبر الماضي بالظلال و ذلك قوله تعالي او كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب الآية ، و العرش المذكور هو عالم الاجسام فان العرش في احد تصاريفه بمعني الملك و الملك من فلك الافلاك الي الارض و جميع العوالم الغيبية و مراتبها و اطرافها ان عرفت فعرش الله هو هذا الملك و لميعدّ الذر اي الامثلة في العداد لانها حدود الاظلة و لذلك جمع بينها و بين الاظلة في الحديث الماضي و عدّ جميعها كونا واحدا و هنا ذكر الاظلة بصفة الظلمة و يعدّ منها الذرّ ايضا و سمّيت بالظلمات لتراكمها و تكثّرها المبعد لها عن المبدأ فافهم و اما قوله عليه السلام في خلق السماوات و الارض فسلّط العقيم [ص 124] علي الماء اي سلّط الروحانية علي النفس و ضرب بعضها ببعض و حدث من الحركة النار فثار الدخان و حصل الزبد و هما الظلمة المذكورة قد تشققت و تشخصت هنا فصار الدخان مادة شخصية للسماوات و الزبد مادة شخصية للارض و الامواج مادة للجبال او هي امثلة تصوّرت بها مادة الجبال و بالجملة لااريد التفصيل و مرادي الاشارة الي بعض معاني الخبر ليفتح لك باب من ابواب تأويل الاخبار .
بقي شئ و هو انه عليه السلام قال ان تمام الستة من الهواء و ربما يزعم الزاعم انه عليه السلام يؤيّد القول بوحدة الموجود و لكن المتدرب في الآثار المتفقه في الاخبار يعرف انه (ع) لميرد مثل ذلك بل اراد ان الاصل و المبدأ الهواء و لكن المراتب الستة لميخلق جميعها من الهواء بل تعلم بحكم العقل ان الهواء لايتصور بصورة النارية و لا الظلمة و لا غيرهما و لكنه يصلح لها مترتبة بعضها علي بعض فيركب القلم علي الهواء بعد ان يجمد و يصير قابلا للقيام بصورة القلمية و ذلك يمكن بعد ان يستحيل في الارض و يركب معها فيحصل منه الحب فيفلق منه القلم فمادة الحب الهواء المختلط بالارض اي الماء و مادة القلم الحب و هذا الهواء بنفسه لايصير ريحا بل الريح يحدث بعد تنزله و ورد ان الريح من الهواء اذا تحرك يسمّي ريحا و اذا سكن يسمّي هواء و لا شك انه لايتحرك بصرافته بل بسبب عروض حرارة مهيجة و بها يتغير عن صرافته فيتصور بصورة اخري و الا لكان علي حاله الاول فالهواء بصرافته ليس مادة الريح و بعد التحرك يكون ريحا و حركته ميله الي الاسفل فذلك بنزوله و نزوله لايكون بلا سبب كما اثبتنا ذلك في ما مضي و سببه القلم و ذلك ما ورد ان الله يوحي الي القلم ان يكتب و اخباره عديدة ثمّ لا شك ان القلم بنفسه لايكتب نفسه فان ذلك مما لا معني له و لايصير بنفسه لوحا و لا مدادا فالروح الذي هو بمنزلة المداد النازل من رأس القلم غير نفس القلم و ورد في مادة الريح انها من نفَس الرحمن و الرحمن هو الاسم المستوي علي عرش العقل و نفَسه فيضه و نوره و باللسان الاول نقول ان [ص 125] اصل المداد هو النون المخلوق اولا و يأخذ القلم منه اذ هو في غيب القلم و يجري علي لسانه من غيبه شيئا فشيئا و ما يجري علي لسانه هو فضل طينته و الروح مخلوقة منها فافهم و كذلك الماء ليس من نفس الهواء و لا القلم و لا الريح و لكنه مخلوق من تنزلها علي ما بينت سابقا و لكن اصله فضل الحياة و لذلك قال عليه السلام ان طعمه طعم الحياة و ريحه ريح الحيوة و قس علي ذلك ساير المراتب فلكل شئ مبدؤ و الهواء هو المبدؤ الاول و لذلك نسب الامام عليه السلام الجميع الي الهواء بل اقول ان ذلك نصّ القرآن لمن كان عارفا بسياق البيان الاتري الي قوله تعالي يرسل الرياح و المراد منها الهواء اذا تحرّك بشرا بين يدي رحمته و الرحمة نفس الهواء و هي من نفس الرحمن اي المشية حتي اذا اقلّت سحابا ثقالا فهي بنفسه لاتكون سحابا و لاتتحول اليه و لكنه مثير الرياح سقناه لبلد ميت و هو الارض الجرز و هي انية الامكان فانزلنا به الماء فنفس السحاب لايستحيل الي المطر كما يزعمه الجهال و لكنه غربال المطر و المطر من ذرات البخار و السحاب باعث تقطرها فاخرجنا به من كل الثمرات فنفس الماء لايصير ثمره و لكنه باعثه فافهم فان الله تعالي بيّن في كتابه كل العلوم و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و المراد في التأويل من الرياح شعاع شمس المشية المشرقة علي ارض الامكان و الرحمة هي المشية او نفس الشعاع قبل الظهور و البلد الميت عرصة الجواز و السحاب هو مادة العقل الحاصل من تركيب الاجزاء اليابسة و الرطبة بحرارة شمس المشية و الماء هو العقل اول ما خلق الله الماء و الثمرات ساير الخلق او نقول البلد الميت النفس و الماء الروح و السحاب العقل و الريح الفؤاد و الثمرات المواليد الحاصلة و ترك ذكر الشهاديات لانها . . . ● و لا غيب الا بشهادة فبذكرها كانه ذكر خلق عالم الشهادة ايضا و بالجملة نحن لانتكلم و الحمد لله في الاصول و الفروع بما يخالف الكتاب و السنة الا انّا محض مراعات الاصطلاح لتفهيم الناس قد نتكلم باصطلاح الناس [ص 126] و لو خلينا و طبايعنا لانكاد نخالف ساداتنا في القل و الجل و الحمد لله .
فصل - اعلم ان المراتب المذكورة في انفسها مطلقات و لذا نعبّر عنها بالاكوان فان المراد من الكون الاطلاق و الابهام و المراد من العين عرصة التشخص و التعين فلا عين لها في النزول قبل الظهور في الاشخاص و لكنها مع اطلاقها كاملة بحسبها اذ هي ظواهر كينونة الله تعالي فانها بعد ما تجلّت في مراتب الامكان صارت مكوّنة و كل مرتبة حكي الكون منها بحسبه فالامكان الاسفل حكي بحسبه و الاعلي بحسبه غاية الامر ان الكون ظهر في الامكان الاشرف الاعلي اولا و بالذات و في الثاني بالتبع و هكذا كما ان امكانه تابع لامكان الاعلي و لكن القوم يزعمون ان الامكانات من نوع واحد الا ان بعض اجزائها اشرف و الاشرف اولي بالتقدم و بذلك يثبتون ان العقل اول موجود و لكنا اثبتنا بطلان هذا الكلام و قلنا انها ليست من نوع واحد و الا لكان السافل متمكنا من الترقي الي الاعلي بخلع العرض العائق له عن درجته مع ان الامر بخلاف ذلك بالكتاب و السنة و صريح الاخبار و شهادة الاعتبار و الحق الثابت باليقين لمن كان له عين ان الامكان السافل سافل بالذات و وجوده مترتب علي العالي فشرف العالي شرف بالذات لا بالعرض و حاصل رأيهم العليل ان الشرف و الخسّة بينها بالعرض بالجملة خرجنا مما نحن في صدده و كان مرادنا بيان كمال تلك الاكوان فهي كاملة لانها اشعة الكينونة و هي كمال الله و اشعتها العلم الواقع علي المعلوم بعد الوجود الذي صرّح به الامام عليه السلام فلها فضل وجود البتة فلكل منها اشعة و هي آثارها و هي قايمة بها قيام صدور و بالمواليد قيام ظهور و تعيّن علي ما سيظهر انشاء الله فللعقل المطلق آثار و هي العقول و للروح آثار و هي الارواح و للنفس آثار و هي النفوس و هكذا كما تري في عالم الاجسام ان للجسم المطلق آثارا و هي الاجسام الجزئية و لكن تعدد الآثار و تكثّرها و قلّتها بحسب الشرافة و الخسّة فكلما كان المطلق اخسّ درجة يكون آثاره اكثر و كل ما كان اشرف يكون آثاره اقل بحسب العدد لان ظهور نور المنير في [ص 127] المرآت علي حسب استعداد المرآت فان كان المنير ناقصا يكون المرآت القابلة لحكايته نوره سريعة الحصول كثيرتها و ان كان كاملا يصعب حصول المرآت فيقلّ افراده و ليس ذلك لضعف المنير بل لغاية شرفه و لذلك يكون افراد الجماد اكثر من كل شئ و افراد الانسان اقل بمراتب و افراد النبي اقل بمراتب الي ان الخاتم ينحصر في فرد فافهم ، و بالجملة فالعقل المطلق مؤثر و لكن آثاره العقول و لايكون الارواح اثر العقل كما زعمه الجاهلون الاتري انه لايصدق علي الارواح اسم العقل و لو كانت آثاره لصدق علي كل واحد انه عقل و لكن يصدق علي كل واحد انه روح و يصدق علي افراد العقل ايضا اسم العقل و كذلك يصدق علي كل اثر اسم مؤثره و يري منه فعله و صفته نعم يصحّ ان ينسب افراد الداني الي العالي بوجه و هو ان الداني تنزل العالي فيقال ان للعالي آثارا و اشعة في عالمه بصرافته و له اثرا بعد النزول في الداني فالارواح آثار العقل بعد تنزله بعد الروح و النفوس آثاره بعد التنزل في الروح تارة و في النفس اخري فبهذا الوجه يصحّ ان يقال ان جميع النباتات و الجمادات آثار العقل اعني ان العقل نزل في مراتب الي الجسم و هي آثار الجسم و لذا يصدق عليها اسم تنزل العقل و لايصدق عليها اسم العقل بصرافته و كما ان هذه المراتب لمتنزل بالاثرية و المؤثرية و لايكون السافل اثر العالي كذلك ليس بين آثارها ايضا اثرية و مؤثرية فروح زيد ليس اثر عقله بل هو اثر الروح المطلق علي ما عرفت بل لايكون تنزله ايضا بمعني ان عقل تنزل الي روحه و الا لكان اللازم وجود العقل اولا و الروح ثانيا مع ان الامر بخلاف ذلك نعم في العالم الاعلي هما بالتنزل يعني ان الروح المطلق تنزل العقل المطلق و بهذا المعني لو قيل ان فرد الروح ايضا تنزّل فرد العقل كان صادقا لا بغير ذلك و هكذا نفسه لاتكون تنزّل روحه و لا اثره و هكذا فقول الشيخ الاوحد (اع) ان الروح الحيواني اثر النفس الانسانية لايحمل علي ظاهره مع انه اعلي الله مقامه [ص 128] صرّح في مقام آخر بعدم الاثرية و المؤثرية بينهما بل النفس اثر للنفس المطلقة و الحيوانية اثر للمثال المطلق نعم بملاحظة ان المثال تنزل النفس بعد مراتب يصحّ ان يقال ان الحيوانية اثر النفس المطلقة و كما ان افراد السافل لاتكون آثار العالي و لا آثار افراده كذلك بين نفس الافراد ايضا لاتكون اثرية و مؤثرية فان روح زيد لايكون اثر روح عمرو بل هما اخوان و ان كان بينها تفاوت بحسب اللطافة و الكثافة حتي انه ربما يكون روح واحد منهما في حدّ الفلك من اللطافة و الآخر في حدّ الفرش من الكثافة و لكن مع ذلك ليس بينها اثرية و مؤثرية و لا ترتب اما الاثرية و المؤثرية فلايعقل هنا لان الاثر هو فعل المؤثر لا من شئ فانك عرفت فيما مضي ان التأثير هو الخلق لا من شئ فان الارواح الجزئية التي نقول هي آثار الروح المطلق لميأخذها الروح من امكان سابق بل هي فعلها و شعاعها صدر منها بلا كيف و لما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا و ليس الامر هكذا بين روح زيد و عمرو بالبداهة و كذلك ليس الامر بينهما بالترتب لانك قد عرفت ان المترتبين لايجمعهما جامع و ليس بينهما ما به الاشتراك و الا لكانا من نوع واحد و تري ان روح زيد و عمرو يجمعهما الروح المطلق و ان قلت ان جميع الاكوان الستة ممكنة فيجمعها الامكان اقول قد بينّا سابقا انها ليست من امكان واحد و من الامكان الاول لميخلق الا العقل و للباقي مواد اخري من تنزلاته و صدق اسم الامكان علي الجميع من باب صدق اسم الوجود علي الجميع حتي المشية مع ان بعضها ذوات و بعضها صفات ، هذا و نفس الامكان صفة و ليس الماء الاول نفس انه يمكن فان ذلك غير معقول بل قال بعض الحكماء انه وصف اعتباري و هو باحد الوجوه حق و ان كان باحد الوجوه باطلا كما بينّا سابقا الحاصل المادة الاولي هي الماء الاول و يوصف بالامكان بالنسبة الي الاكوان و ليس هذا الماء مادة للاكوان السافلة بل لها مواد و هي امكانها و اشتراكها في صفة الامكان لاينافي الترتب و ذلك كاشتراكها في الحدوث و بهذا البيان [ص 129] يرتفع الاشكال عن اغلب المسايل حتي انك تقول للآثار انها ممكنة و للمؤثرات انها ممكنة و ذلك مسلّم لا شك فيه مع انه ثبت في الحكمة ان الاثر لايجمع مع مؤثره ابدا و ان لمتعرف ما اوضحناه ببركة ساداتنا بقي لك الاشكال ابدا و لكن بهذا المطلب المذكور يسهل لك المشكل و ينحلّ المقفل .
فصل - ربما يشتبه الامر علي المبتدي فيزعم ان الاكوان المذكورة ثابتة فوق هذا العالم و هي مخلوقة بعضها قبل بعض زمانا مع ان الامر بخلاف ذلك و اغلب الاشكال لانهم يحملون كلام الحكيم علي المعني المتعارف بينهم المتبادر في اذهانهم و هم مستأنسون بالزمانيات و الوقت عندهم محمول علي الليالي و الايام و القبلية و البعدية محمولة علي السبق و اللحوق او الجسماني المكاني و لكني ارجو ان لايبقي اشكال في حل تلك المسايل بعد ما بينّا من المقدمات في الامور العامة و اعلم يا اخي الناظر في كتابي ان جميع المسايل المذكورة هنالك مقدمة لفهم ما ابيّنه هاهنا فاذا تنبهت في الجملة فاعلم ان الله سبحانه و تعالي احد في ذاته و الاحد بالذات كامل بالذات فلايتعقل لها نقصان و اذ كان الاحد منزّها عن الحيوث لايتصور له الكمال الا من كل حيث بمعني انه لا حيث لكماله كما لا حيث له فله حق الكمال و الكامل بحق الكمال لايفقد ايضا كمالا من الكمالات الوصفية في مقام وجودها و من زعم انه ينتظر حدوث كمال لنفسه فقد اخطأ السبيل و لميعرف الرب الجليل فكل ما يصدق عليه اسم كمال مطلق او مقيد ثابت له ازلا و ابدا و ما سمعت من الحدوث و الوجود بعد العدم و العدم بعد الوجود يثبت للخلق بنسبة بعضها الي بعض بل حدوثها من هذا الباب و امكانها كذلك نعم لنوعها حدوث بالذات و هو صرف كونها لربها قايما به كما مرّ سابقا فراجع فجميع الاكوان ثابتة قايمة ابدا ازلا الا ان بعضها فوق بعض بحسب الرتبة و جميعها مما به الملك ملك و ان اردت ان تعرف حق المسألة فازعم الملك برُمّته انسانا كاملا باشرف كمال منظما باحسن نظام و له تمام ما للانسان [ص 130] فله حق و مطلق و مقيد و حقه ذاته ان عرفت و اطلاقه فعلها و قيوده مراتبها فله عقل و عقله العقل الكلي و هو الجوهر النافذ في الكل و له روح و هو الروح الكلي و به حيوته و له نفس و هي صورته العلمية و طبع و هو انية النفس و له مادة شهادية و صورة مثالية و جسم و لجسمه مشاعر و اخلاط و هي السماوات و الارض و جميع هذه المراتب مخلوقة دفعة و الله خالقها بجميع ما له و به و منه و فيه و التقدم و التأخر في تلك المراتب محض الترتب و العلّية و الا فالكل موجود بامر الله اذ قال كن فيكون و جفّ القلم بما كان و ما يكون و الله لاينتظر حدوث جمال و بروز كمال لانك عرفت ان الكامل بالذات لايفقد الصفات و تحت هذا البيان اسرار لمن له عينان و ان قلت فما تقول في قوله تعالي كل يوم هو في شان و قوله قالت اليهود يد الله مغلولة غلّت ايديهم و لعنوا بما قالوا اقول ليس معني ذلك حدوث ما يفقده الله و ايجاد ما جهله الله نعوذ بالله بل المراد من ذلك الافاضة الابدية و الامداد السرمدية فان كل شئ في كل حال يستفيض من ربه و الله المفيض له و كل فيض في كل حال جديد و مثال ذلك و لله المثل الاعلي ان الشمس واجدة لجميع انوارها و هي تعلمها و تجدها في مقامها مع انها قايمة بفيضها و لو لميفض عليها لمحة لفنيت و كل وجودها في كل حال بافاضة جديدة منها بل هم في لبس من خلق جديد فالشمس كل يوم في شان و يداها مبسوطتان و مع ذلك كله لاتفقد شيئا من نورها طرفة عين و ذلك مثال تقريبي غير تحقيقي و اين ذلك من نور الله المتعال و فيضه النازل فوق الاحوال فان الشمس زمانية و اشراقها زماني و نورها زماني و اوقات الافاضة متفاوتة و الانوار متبادلة لا محالة و لكن محض تقريب الاذهان يجوز التمثيل لابناء الزمان كما هو سنّة القرآن و تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يعقلون ، فالله المفيض دايما و مع ذلك جفّ القلم بما كان و ما يكون و وجه آخر من وجوه التفسير ان الشؤن في ابراز القوي من الكمون الي البروز و الظهور و اعادة النوازل الي [ص 131] المراكز و ابداع البدايع و جميع ذلك في الملك و دام الملك في الملك و له معان اخر تركنا ذكرها لمحض طلب الايجاز فافهم ما بيّنته و اتقنه .
فصل - اعلم ان القوم في السلسلة اثبتوا عقولا عشرة و كأنها عندهم ارواح للافلاك التسعة و الارض و اصول لها و قالوا ان كل عقل اعلي علة للاسفل و لفلكه و سيجيء بعد بيانها ان شاء الله في مقام اليق بذكرها و قد يجملون الكلام في السلسلة و يقولون ان العوالم ثلثة عالم العقل و عالم النفس و عالم الطبع و مرادهم من عالم الطبايع هذا العالم و يعدّون النفس ايضا من مراتبه الا انها روحها و يقولون ليس فوق هذا العالم الا العقل و يقولون انه بسيط الحقيقة و بعضهم يقول انه مركب من وجود و مٰهية بل يعدّ له جهات ستة و سيجيء ان شاء الله بيان الجميع و المراد هنا محض ذكر انهم ايضا يعدّون سلسلة و لكن اقوالهم مختلطة و كلماتهم غير مرتبطة اذ ربما يظهر من بعض كلماتهم ان بين العقول المذكورة اثرية و مؤثرية و يظهر من بعض كلماتهم ان جميعها من مادة واحدة الا ان امكان العقل الاول اشرف و لست بصدد النقض و الابرام في كلماتهم و مرادي محض نقل مذهبهم لاطلاعك علي الحق و الباطل في كل مقام .
في بيان السلسلة الطولية الشرعية و قد بيّنها ابي اعلي الله مقامه مفصلا مشروحا في رسالة خاصة و ذكرها ايضا في ساير المقامات بحسبها و ذكرها الشيخ الاوحد (اع) و السيد الامجد اعلي الله مقامه علي الاجمال كما هو دأبهما في اكثر المسايل و انا بحول الله و قوته اشير الي بعض الاسرار مما اشاروا اليها و لميصرّحوا بها من حقيقة تلك المسألة في فصول :
فصل - اعلم ان الكون المذكور في المقام هو عرصة الاكوان و الاعيان من غير ملاحظة الكفر و الايمان و الشرع هو مقام الكفر و الايمان و السلسلة الطولية واقعة في هذا المقام لا في الكون و لا الامكان علي ما عرفت و المراد من [ص 132] الطول ان كل عال مؤثر للسافل و السافل اثره اي فعله و صنعه لا من شئ و لاينافي ذلك ما بني عليه الاسلام و اجمع عليه المسلمون ان الصانع هو الله تعالي و لايصنع الشئ لا من شئ الا الله فان مثال ذلك ان قيامك و قعودك اثرك و انت الفاعل لهما لا من مادة سابقة و مع ذلك فعلك مخلوق لله فان الله جعل لكل شئ سببا و ابي الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب و لا فرق في ذلك بين التكميل و التأثير اذ لكل واحد منهما سبب و الله الخالق الصانع لكل شئ بسببه و هو مسبب سبب الاسباب بلا سبب فالمؤثر موجد اثره و الله الخالق له به لا غير و هو يد الله في الصنع بالجملة فلاينافي هذا الكلام ما بني عليه الاسلام و دل عليه كل الادلة ان الله الفاعل الخالق و لايلزم من ذلك الشرك ابدا بل نقول ان الله الخالق للاثر من نور المؤثر في الواقع فاذا عرفت ذلك و اطمأن قلبك فاعلم انه ثبت في الحكمة بالادلة العقلية و النقلية ان الامكان الاول اي الامكان الفعلي هو اشرف الامكانات و شرفه باستعداده و قربه من الفعلية و ذلك بحسب قربه من المبدأ و قد وصفه الله في كتابه حيث قال في صفة الشجرة يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الامثال للناس و الله بكل شئ عليم و الشجرة بملاحظة هي العلة الاولي و الامكان الاول و وصفها بالاعتدال لانها لاتكون مايلة الي الشرق و لا الي الغرب بل هي واقفة في الوسط و نقطة الاعتدال اقرب من الوحدة و نور الله اظهر منه فوصفها بانها يكاد زيتها يضيء اي يتكمل بلا مكمل و هذا صفة الامكان الاشرف و لا شك ان امكانا هكذا اولي بكسوة حلّة الوجود من غيره فان وجه بقاء الفعلية في الامكان تساوي طرفي وجوده و عدمه فاذا اقترب الي الفعلية من نفسه صار اولي بالوجود و لذلك يوصف هذا الامكان بالرجحان و لذلك يكون سرمديا و لايفرض عدمه و يتنور بنور الله تعالي و هو الكون لا غير اذ ينحصر في الوجود و العدم و العدم الامكان لا غير فالنور الوجود لا غير فافهم فانك لاتسمع [ص 133] هذه المسائل بهذا الوضوح مع البرهان من غيري و الحمد لله و قد عرفت مما بينّا و اوضحنا سابقا ان الكينونة هي الوجود الشرعي و يكفي دليلا بهذه المسألة ان الشرع مقام الفعلية و الكون بمنزلة الامكان له و لذلك تقول ان زيدا صالح للايمان و الكفر و لو لميكن امكانا لهما لماصحّ هذا الكلام و لكن الايمان لايصلح للكفر و كذلك بالعكس و كذلك الامر هنا الكينونة مقام الفعلية فهي الشرع و الامكان مقام الصلوح فهو بمنزلة الكون فينقلب الاصطلاح في هذا العالم و في عرصة الاكوان و الاعيان يسمّي الكون امكانا و الصورة الشرعية صورة له و ذلك بالنسبة بالجملة فالكينونة هي اصل الشرع و منها كل خير و نور و كمال بل اقول ان جميع خيرات الملك وجودات كينونية و لميأمر الشارع المقدس صلي الله عليه و آله الا بما يزيد في الوجود و الانبساط و الكمال و لمينه الا عما يوجب الفقدان و التكثر و النقصان و قد بينّا في الامور العامة حق المسألة فراجع ان شئت و قد بيّنت سابقا في الكون و الشرع ان الشرع في الواقع اصل جميع الآثار و منبع الانوار و لكن مرادنا هنا محض بيان السلسلة الطولية لا غير فالكينونة العليا بعد ما ظهرت في امكان المشية تنوّر بنورها و صار موجودا بها و لكنه لميعيّنها و لميخصصها و بيان ذلك علي نحو الاجمال ان الكينونة في نفسها مظهر الاحدية بل هي في الواقع محل صدق اسم الاحد اذ الذات لاتسمّي علي ما عرفت و هي مسمّي الاسماء القدوسية و السبّوحية و منها الاحدية فلا حدّ لها في نفسها و لا نهاية و بعد ما اشتعل بنورها عرصة الامكان حيي بحيوتها اول الامكان لانك عرفت سابقا ان امكانه كلية الامكانات و جمعيتها و هو غير مخصص بكون و لا معيّن بعين فلايلوّن الكينونة بلون الا صرف الامكان الفعلي فلذلك يخمد نورها و يختفي كمالها فلذلك لاتكاد تجد في المشية المطلقة كمالا و مع ذلك لاتقوم في محل خارج من الاكوان لانها مطلقة مبهمة و لا بدّ للمطلق من محل يظهر في ضمنه و قد عرفت انه العقل و ذلك لان ساير الاكوان بعيدة عنها بسبب بعد [ص 134] امكاناتها اذ عرفت ترتّب مراتب الامكان و اختلاف اجزائها فان جميع الاكوان ممكنات الا انهم في الامكان الاول مذكورون بالنفي و هم موجودون في مقامهم مختلفين مع انك عرفت سابقا ان موادهم امكاناتهم الخاصة و هي متفاوتة في النوع و الشخص فكلهم لايكونون قابلين لحكاية نور الكينونة بلا واسطة كما انهم في الخلق الاول لمينوجدوا بها بلا واسطة و لكن الجوهر الاول البسيط المعنوي صالح للتنور بهذا النور المتألق و الكون المطلق فلذلك اشتعل بنورها كما يشتعل الدخان بالنار الغيبية و بذلك ينزل الكينونة من العلم الاعلي الي مقام الاكوان و لكن لاينقص من كمالها و ازليتها شئ ابدا كما ان النار بظهورها لاينقص من مثاليتها ابدا و اذا تفتّت الدخان ترجع الي حالها علي ما كانت و بالجملة اذا اشتعل الجوهر الاول المعنوي بنور الكون الاول العلمي يصير كاملا محبوبا لله و بعد ذلك سمّي عقلا فان العقل اسم شرعي و قبل ذلك كان مادة منفعلة او جوهرا درّاكا و لكن اذا انفعل بكمال الله و تنوّر بنوره صار عقلا و يصير فعّالا ايضا لانه مظهر المشية و لذلك قد يسمّي بالمشية و لذلك نقول ان العلة المادية هي الفاعلة اي ظهورها و مرّ بيان ذلك في العلل فراجع و اما الجوهر الدرّاك الذي لميتنور بنور الله يعني حكاه بحسب طبعه معوجا فلايسمّي عقلا و هو جوهر مخلوق من ظل هذا الجوهر و هو ظلمة شبيهة بالنور هذا اذا قلنا بان للعقل قرينا من الجهل و اما اذا قلنا انه لايقارنه شئ فنقول ان الجهل من عرصة النفس و لذلك يقال ان الكفار لا عقل لهم بل لايكونون اناسي و بالجملة فالعقل هو اول مولود شرعي و لان مادته في غاية الصلوح و ليس معها عائقة عن امر الله و لا مغيّر عن فطرة الله لايقصر في حكاية النور فيكون معصوما و لذلك يكون حجة الله في عالم الاكوان يدعو من نفسه الي نفسه كما يدعو الشعلة من نفسها الي نفسها و لايروي عن شعلة غيرها نعم تروي عن النار بمعني انها لسانها لا عن لسان غيرها فافهم و اغتنم و ان شئت فقل :
[ص 135]قد يطرب القمري اسماعنا و نحن لانعرف الحانه
و هو الشارع و قبل العقل و ان كان الكينونة اصل الشرع و لكن لميصدق الاسم عليها لانها لاتحدّ بحدّ فلاتوصف بوصف و مثلها مثل النار فانها بذاتها منزّهة عن كل اسم و صفة و لكنها اذا ظهرت في الدخان يظهر منها آثارها و يسطع انوارها و يسمّي كل منها باسمه هنا و ان كان المعني بكلها النار و لكن النار بذاتها تتنزه عن جميع الصفات المختلفة و كذلك الامر في الكينونة هي كاملة مطلقة و لكنها في نفسها و بنفسها لاتكون محلا للآثار و الانوار فلاتسمّي بالاسماء و لاتوصف بالصفات و لكنها تظهر في العقل اول المخلوقات و هو لها بمنزلة الدخان للنار و هنا تسمّي باسماء فظهور اسم الشارع هو العقل و لذلك خاطبه الله حين خلقه اولا و قال له اياك آمر و اياك انهي و اياك اثيب و اياك اعاقب ، و صار مناط التكليف و الاحكام العقل ،
ثم اعلم ان العقل من حيث نفسه و انيته مخلوق كوني من الامكان و لكنه تنوّر بنور الكينونة و هو الحقيقة التي سأل عنها كميل اميرالمؤمنين عليه السلام و النور الذي قال الله في كتابه و النور الذي انزلنا و هو كامل مكمل و بعد ما تعلق بالعقل و ظهر فيه سطع منه نور شعشعاني ملأ عرصة الامكان لعدم كونه متناهيا في ذاته و لكن جميع المواد الامكانية لاتتأثر منه فلاتحكيه مثل النار التي مثّلنا بها فانها بعد ما ظهرت في الدخان يشتعل بها و يسطع من الدخان المشتعل نور و لكنه لايظهر في جميع المواد الا ما كان منها صالحا للحكاية و كل جسم يحكي عنها بقدر استعداده و كذلك الامر هنا فان العقل بنفسه جوهر معنوي و بعد ما ظهر فيه الكينونة حكاها بالمعنوية و فشا منه النور بصفته و لونه فالمواد البعيدة عن جوهره القائمة في مراتب الامكان لاتكاد تستنير بنوره لبعدها بالمحدودية و حرمانها عنه بالجزئية و لكن الروح لقربه من مادة العقل قابل لاستضاءة و مثله من العقل في العالم كالهواء من دخان الشعلة فان بينهما مناسبة في الجملة و ان [ص 136] كان الدخان اصفي و الطف و لكن المثال تقريبي اذ عرفت آنفا ان الروح و العقل ليسا من مادة واحدة بل الروح تنزل العقل و ليس الامر بين الهواء و الدخان هكذا بل هما جسمان عنصريان و اختلافهما بالكم و الكيف لا بالذات فافهم و لا شكّ ان الروح الذي هو اول تنزل العقل كونا اقرب مما نزل عنه بمرحلتين فهو اولي بقبول اثره من غيره فيستنير بنوره لقرب النور من التنزل الاول ان عرفت فالروح يحكي نور العقل و يصير بمنزلة دخان منوّر بنور النار و لكمال مادته الكونية لايحجب الانوار فيصير منشأ الآثار و ينتشر منه الانوار و يبلغ عددهم اربعة و عشرونالف و مأةالف نبيا او ما شاء الله فالذي هو من اثر العقل الاول هو النبوة المطلقة لا خصوص الافراد و هي قد ظهرت في القوابل علي حسبها اذ ثبت في الحكمة ان النور علي صفة المنير و الاثر علي صفة المؤثر و العقل الاول مطلق مبهم كلي معنوي و هو الحقيقة الخاتمية المؤثرة فوجه انتساب الافراد اليها صدور المطلق منها فلميصدر منها خصوص موسي بالموسوية و عيسي بالعيسوية بل صدر منها روح النبوة و لما كان موسي حاكيا لذلك الروح يقال انه اثره فافهم فانه دقيق ثمّ انه سطع من ذلك الروح الشريف و الطين اللطيف نور شعشعاني و كمال صمداني و لميحكه في العالم الا النفس القدسية الكلية لعدم وجود الغير في المقام فان الطبايع من عالم الشهادة و لاتكاد ترتبط بالروح الملكوتي لانه ايضا معنوي فلا بدّ من نفس كلية تتصل به و هي هي النفس القدسية الانسانية بحكم الحصر العقلي اذ ليس دون المعني الا الصورة و لاينزل من الكلية اول مرحلة الي الجزئية فيتعلق النور بالصورة الكلية و هي مجموع صور العالمين لا غير فافهم فقد بيّنت لك برهانا كشفيا ان كنت من اهل الآثار و الا فاسأل الله الجبّار ان يعلّمك حقايق الاسرار ، و بالجملة فالنفس تشتعل بهذا النور و تتأثر بذلك الاثر فتكون شيعيا كليا للانبياء و لها افراد في الملك بقدر ما شاء الله و هم مؤمنوا الانس و ما ورد في [ص 137] الخبر ان الشيعة و الانبياء من طينة واحدة الا ان الانبياء من صفوتها لايكون معناه انهم من عرض واحد بل الصفوة و الخلاصة في اصطلاح الاخبار بمعني المؤثر لا الطافي من المادة ان عرفت و بذلك يجمع بين الاخبار فليس ان الانبياء و الشيعة من نور واحد بل الانبياء من النور و هم من نور النور و الي هنا ينتهي سلسلة الغيب ثمّ من بعد ذلك عرصة الحيوان و النبات و الجماد و اما الجن و الملئكة فقد يترك ذكرهم بملاحظة انهم من اطراف الوجود و قد يذكرون فبملاحظة ذكرهم في السلسلة نقول ان النور بعد ما تعلق بالطبع خلق من اثره مؤمنوا الجن و بعد ما تعلق من الطبع بالمادة خلق من نورها الملئكة و بعد ما ظهر في المثال المطلق خلق منه الحيوانات الطيبة و بعد ما ظهر في عالم الاجسام فتنور بنوره ظواهر الافلاك خلق من نورها النباتات الطيبة و بعد ما ظهر في الطبايع خلق منها الجمادات الطيبة و الحاصل ان اول ما خلق الله في الشرع نور محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم ثمّ خلق من نورهم كل خير الا ان الخيرات في درجات و هذا النور المقدس ملأ جميع العرصات و من كل مقام سطع انوار و ترتب عليها آثار و في كل عالم و عرصة مطلق و افراد و كما ان في الكون يكون الاجناس مترتبة و كل جنس سافل تنزل عاليه و بعد تنزله يظهر في افراد هي متمماته و تعيناته كذلك في الشرع كل مطلق يتنور بنور عاليه و يسطع منه انواره في افراده و لا بدّ لمعرفة حقيقة هذه المسألة من بيان كيفية تكوّن الافراد في كل عالم حتي يظهر لك حقيقة المسألة بحول الله فلنعنون لذلك فصلا و ما لمتعرف هذه المسألة لاتقف علي اكثر المسائل و ان بعض الحكماء غفلوا عن حق تلك المسألة .
فصل - اعلم ان قوس النزول قوس الاطلاق و الكلية و لذا نقول ان بنزول العقل في ادباره لميحصل الا صرف كون الاشياء و في الصعود تعيّنوا فمن العقل الي الجسم جميع المراتب كلية مع ان كلها مجتمعة في الجسم اعني ان جميعها اركان وجود الجسم كما مرّ سابقا و الي هنا لميحصل لها تعيّن بوجه اذ ليس قبل الجسم [ص 138] تعين مطلقا و بعد ما خلق الله تعالي الجسم و اتمّ خلقه بخلق السماوات و الارض ظهرت المراتب العالية في السماوات و الارض بحسبها اذ هي ظهورات الجسم بل هي معانيه و محالّ وجوده و ظهوره و لولاها لماكان جسم في العالم اذ ليس له وجود خارج هذه الاجسام و قد خلقه الله بخلقها فوقها و مثله منها مثل المعني من اللفظ و الدلالة من الكلمة و ما سمعتنا نقول ان له وجود خارجي نريد منه انه لاينحصر وجوده بمحض الاعتبار بمعني ان وجوده ينحصر بالذهن و لا وجود له في الخارج بل له وجود في الخارج و معني وجوده وجودها فافهم فانه دقيق و لما ظهر الجسم بهذه السماوات و الارضين ظهر بجميع ما له الاتري انه يري في كل شئ انه جوهر قابل الابعاد و الجوهرية مادة الجسم و القابلية صورته و اذا رأيت الجوهر الصرف تري عقله و اذا رأيت القابل الصرف تري نفسه اللوح المحفوظ و هكذا و قد مرّ سابقا شطر من البيان يغنيك عن التفصيل فجميع ما للجسم موجود في السماوات و الارض حتي ان الله تعالي قال و في السماء رزقكم و ما توعدون و عموم ما يشمل كل ما يصدق عليه اسم الشئ فافهم و لكن لا شكّ في ان مواد السماوات و الارض مختلفة بحسب اللطافة و الكثافة و الكلية و الجزئية و المعنوية و الصورية فيختلف حكايتها لكمالات الجسم فالمواد الدخانية الفلكية صارت حاكية للغيوب و المواد الزبدية صارت حاكية للجسمية البدنية و لذلك صارت معرض الحوادث و محل العوارض فالمادة العرشية صارت حاكية لعقل الجسم للطافتها و اطلسيتها و كليتها لا بمعني انها فاقدة لساير الكمالات بل بمعني غلبة العقلية و صارت المادة الكرسية حاكية للنفس بل الكرسي صار محل الروح و فلك البروج صار محل النفس لتفصيله و الشمس صارت حاكية للطبيعة الغيبية و القمر حاكيا للمادة و ساير الافلاك حاكية للمثال و الامثلة هي شؤن النفس و العناصر صارت حاكية للجسم ثمّ ان الفؤاد ظهر في المجموع من حيث المجموع فهذا العالم برُمّته هو اللوح المحفوظ و الكتاب الذي مافرّط فيه من [ص 139] شئ و لكن ظهور الكليات في المواد بحسبها البتة و تري ان هذه السماوات و الارضين كلها مبهمات لا خصوصية فيها الا في الجملة و بحسب تلك الخصوصية ظهرت المراتب فتعيّن العقل في العرش بقدر امتيازه من النفس و تعينت النفس بقدر امتيازها و لكن ليس في العرش تعين العقول الجزئية و كذا ليس في الكرسي تعين النفوس الجزئية فالافراد منقطعة دون هذه المقامات فلا فرد للعقل و لا للروح و لا للنفس قبل الولادة الدنيوية ابدا و كل ما تسمعه من مشايخنا اعلي الله مقامهم انهم يثبتون الارواح و النفوس و العقول قبل المركبات كل ذلك علي اصطلاح خاص غير ما يعرفه الناس و بعد ما ادار الله السماوات علي الارضين و ركّب المواليد ظهر فيها المقامات و المراتب العالية بحسبها كما تري في الجسمانية الظاهرية فان الله تعالي بعد ما ركّب من هذه العناصر بميزان معيّن علي هيئة مخصوصة تعيّن فيه الجسمانية بالاعراض الخاصة و ليس التعين من نفس الجسم و لكنه من الاعراض المتممة و لذا يتغير التعين بتغيرها و ينقلب الصورة و الهيأة و الاسم و الوصف و الجسم بحاله و لو كان التفاوت من نفس الجسم لتفاوت في كل شئ عن جوهره فتدبر و لذا تري مركبا علي هيئة خاصة و تسمّيه حجرا و هو جسم متحجر و اذا تغيّر عن صورته بالتكليس يصير جيرا و هو جسم مكلّس و اذا حللته في الماء يصير ماءا حادا و هو جسم فافهم فباختلاف الاوزان في العناصر و الهيآت و الاعراض يكثر الاجسام الجزئية و يظهر من جميعها الجسم بجميع ما له الا انها لاتكون صالحة لحكاية ساير المراتب فتحكي الجسمانية و تسمّي بافراد الجسم فمعني فرد الجسم ذلك لا غير و الا فالجسم بنفسه لا فرد له و وجه ظهوره فيها ان له تجليا مطلقا بحسبه الي جميع هذه العناصر و ظهر جلوته فيها بابهامها فاذا قسمت و ركبت و حددت باشكال و اوضاع ظهر التجلي فيها بحسبها فالمادة من ذلك التجلي و الصورة من تلك الهيأة فاذا اخذت مركبات علي هيأة واحدة نوعا يظهر فيها تجلّ واحد فيسمّي بالنوع كما اذا اخذت مواليد بميزان [ص 140] الحجرية مثلا يظهر فيها الجسم و يأخذ من مجموعها صورة كلية تسمّي بالنوع و يظهر من هذا النوع شعاع في الاحجار الخاصة فيسمّي بالشخص ثمّ اخذ من تلك العناصر بميزان عدل صارت صالحة لظهور الطبع الخامس فوقها يسمّي نباتا و الطبع الخامس صورة ظاهر الافلاك الا ان درجات النباتات مختلفة من النجوم التي هي اسفلها الي نباتية الخاتم و لكن نوعها واحد و بعد ما ولد النبات من العناصر تعلّق بها الجسم علي ما ذكرنا و تصير افرادا نباتية باختلاف انواعها و اصنافها و اشخاصها و لو ماتولد هذه النباتات الخاصة لماكان نبات خاص في العالم ابدا و ليس في الجسم المطلق نبات و لا في الافلاك و كذلك اذا اخذت مواليد نباتية و صفيت و لطفت حتي بلغت مقام الدخانية الفلكية تحكي ما حكاه الافلاك و اسفلها القمرية و هي الروح الحيوة الظاهرة في الحيوانات و اعاليها ارواح ساير الافلاك و جميعها امثلة النفس الغيبية الملقاة في المواد الفلكية و هي في الافلاك مبهمة و في المواليد الفلكية متعددة متعينة و خلاصة الكلام ان المواليد السماوية ايضا تتعدد في القوابل المركبة العنصرية و تختلف انواعها و اصنافها و اشخاصها هنا و المثال المطلق شعاع مطلق من النفس و لا اختصاص له باحد دون احد و لا فرد له في نفسه و لا شؤن هنا و لا تعدد و مثاله فعلك فانه من حيث صدوره منك واحد و لا اختلاف فيه و بعد ما تعلّق بمشاعرك الباطنة نشأ من زحليتك انواع التعقلات و من مشتريتك انواع التعلمات و هكذا و بعد ما تعلق بحواسك الظاهرة تفصل بالرؤية و السمع و غيرهما و بعد ما تعلق بساير اعضائك تشعب بانواع الحركات و السكنات و جميعها افراد فعلك و شؤنه و اذا رجعت الي دهرها تخلص فعلا مطلقا بل هو بنفسه لمينزل حتي يصعد و معني رجوعه عدم ظهوره فيها فافهم و اعقل هذه الامثلة حتي تعرف حق المسألة ، و بالجملة اذا خلص من بين المواليد مواليد بلغ صوافيه حدّ الكرسية اعني انه خرج من قوته جميع الافلاك السبعة و الاخلاط الاربعة و دارت في الدماغ [ص 141] حتي صفيت و خلصت يظهر في مجموعها الكرسية علي حسبها اي بحسب كليتها و جزئيتها و هنا يتولد نفس زيد و عمرو و بكر لا قبل و لا بعد و اشخاص الاناسي يصيرون افرادا للنفس القدسية و اما ساير الخلق من الآباء و الامهات و المواليد لايحكون حق النفس القدسية نعم ليس شئ الا و له نفسانية و جميع الانفس اشعة النفس المطلقة حتي ان نفس الجماد من شعاعها و لذلك نقول ان لكل شئ دهرية ثابتة و جميع الخلق يعودون الي المحشر و لكن نفوس غير الاناسي ضعيفة و تشخصاتها من الزمان و المثال علي ما سيجيء و لذلك لاترجع بخصوصياتها المرتبطة الي عرصة النفس و ان كانت في اماكن وجوداتها ثابتة لله تعالي و هو يعلمها و لاينساها و لكن الانسان بشخصيته دهري اذ عرفت ان النفس الانسانية هي الكرسية المحيطة بجميع الملك بخلاف نفوس ساير المواليد فانها جزئية نسبية فدهريتها نسبية و دهرية الانسان حقيقية فالاناسي عودهم مجاورة اي يجاورون ربهم او يجاور بعضهم بعضا حق الجوار اي كل احد مجاور غيره لا ان زيدا يجاور عمرا و عمرا يجاور بكرا كما في الجوار الدنيوي بل بان زيدا جار عمرو و بكر و عمرا جار زيد و بكر و بكرا جار زيد و عمرو فافهم و اما ساير المواليد فهم يمازجون و لو بعد حين اي يرجعون الي المواد و قد يأوّل المجاورة بان الارواح تجاور الابدان اي يرجع روح كل احد الي بدنه الاصلي و الممازجة بان الارواح تختلط بالابدان و فهم ذلك عسير و لعلك تعرف حق القول من بعد ان شاء الله و بالجملة افراد الاناسي هم المواليد المكوّنة من الاجسام البالغة درجة الكرسية و كذلك اذا صفيت من افراد الاناسي جماعة و لطفت حتي خرج من كمونها المعنوية اي العرشية يتعلق بها العقل فيكونون حجج الله و انبياءه و بملاحظة نقول ان مقام الكرسي مقام الانبياء و حدّ الاناسي الي فلك زحل او فلك المنازل و لكل وجه فافراد الانبياء يحصلون من تولد المركبات و اما قبل الولادة الدنيوية [ص 142] فلاتكاد تجد خصوص موسي و عيسي و غيرهما و لكن بعد الولادة يحصل المتعددون و اما ما سمعت مشايخنا من سبق الارواح علي الاجساد لايريدون منه السبق بالمعني المتعارف و قد مرّ سابقا في الامور العامة بيان التقدمات و التأخرات و سيأتي بعد ان شاء الله حق القول في ذلك فبعد ما خلق الله الاشخاص في الدنيا يخلق ارواحهم فوقهم في الاعلي فالنفوس الكلية الالهية الشخصية حاصلون من هذه الدنيا فهم دنياويوا الحدوث سرمديوا البقاء فافهم و تدبر و لااريد من قولي ذلك معني ما اراده الآخوند رحمه الله من خلق النفس الانسانية من الاخلاط ان كان مراده ما يظهر من كلامه فان حاصل كلامه ان نفس النباتية تصعد درجة بعد درجة حتي تبلغ منتهي الغاية و لكن مرادنا ان النفوس الطبيعية تصير حاملة للنفوس الغيبية و الانسانية تصير حاملة للكلية الالهية و بينهما فرق و سيجيء الكلام في ذلك ان شاء الله فترقب ثمّ ان من بين افراد الانبياء بعضهم يترقي و يبلغ مقام الانقطاع الصرف و ذلك بنفي التعين وجدانا و الخلوص في التوحيد و الاعراض عن جميع ما سوي الله و لا شك ان ذلك مما يمكن للخلق اذ العبودية جوهرة كنهها الربوبية و قد عرفت العلة الغائية فيما مضي فيمكن للاجسام الاعراض عن الخصوصيات بوجداناتهم سيّما اذا كانوا شاعرين فحينئذ يبلغون حد الكلية فيظهر فيهم الجسم المطلق الذي هو ظاهر الفؤاد و يصيرون حملة امر الله و محالّ مشية الله و هذا مقام الولاية الكلية و الخلافة الامرية و بعد كمال هذا المقام يظهر المشية و هي مقام النبوة الخاتمية ثم يبلغون ما لا تعبير عنه عندنا و كل ما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لايصل احد الي الذات تدلج بين ( يدي ظ ) المدلج من خلقك فافهم فمعني الافراد في كل مرتبة و مقام تولد مواليد قابلة لحكاية روح و مقام فقولنا ان للعقل افرادا هم آثاره ، نعني ان من المواليد من بلغ العرشية يظهر فيهم نور العقل الصرف فيصلح للتسمية باسمه لا غير و من لميبلغ هذا المقام لايظهر فيه صرف العقل بل يظهر فيه العقل الظاهر في مقام آخر [ص 143] فعقله ظلي و هكذا الي آخر المراتب فتدبر فانك لاتكاد تجد هذه المطالب العالية بهذا الوضوح في رسايل مشايخي اعلي الله مقامهم فاعرف قدرها و اغل مهرها فانها حسناء .
فصل - لايذهبن بك المذاهب فتزعم ان الافراد لكونها من الدنيا تنقطع دون الآخرة فليس بعد الدنيا للاشخاص دار فاني بيّنت في الفصل السابق علي نحو الاجمال ان الاناسي دهرياتهم ثابتة و لكني احبّ ان اؤكد كلامي لئلايبقي اشتباه لطلبة العلم فاعلم ان وضع التركيب و التوليد في الدنيا ليس الا لاستخلاص النفوس الغيبية فانك قد عرفت سابقا مما ذكرنا و شرحنا ان العقل هو الاصل و المنشأ و المقصد و المقصود و المراد و المريد و هو المحبوب و قد نزل الي الاسفل حتي مات في الارض و لميبق له اثر و لا منه خبر الا بقدر استمساك وجودها و انفعالها من امر الله فانها و ان جهلت بكل شئ لاتكاد تجهل بربها و لاتترك الانفعال بامره تعالي و لكنها جاهلة بكل شئ غير ذلك و قد اراد الله تعالي خلق العقل الاول منها فاخذها و ركّبها و لطّفها و صعّدها بالتحليل و التعقيد في كرّات و مرّات الي ان بلغ منتهي الغاية و كما انه في نزوله ليس في كل عالم صورة و لزمها اعراضه كذلك في صعوده كل ما صعد عالما خلع صورته و فارق اعراضها فافهم فانه دقيق و يعرف حق المسألة من استخراج المولود الهرمسي من هذه الاتربة فان الكبريت مثلا مخلوط بهذه الاتربة و الكثافات و الغلايظ و انت اذا اردت الصنعة تأخذ من كبريت المعدن ما شئت و هو مخلوط بالحجر و التراب و لذلك يكون فاسدا و حكمه حكم ساير اتربة المعدن فتأخذه و تصفيه مرّة كما يصنعه اهل المعادن فتجعله اقراصا و يصدق عليها اسم الكبريت في الجملة و لكنها كبريت فاسد غير خالص فلا بدّ من تصفيته مرّة اخري كما يصفونه لصنع الباروط فيخرج لك كبريت خالص عن الحجر و التراب و لكن له اعراض عرضها في التركيب اذ تركبت اجزاؤه في هذه المعادن و فيها غرايب كثيرة فعرض جميعها [ص 144] الغرايب فلا بدّ من تفصيلها و قبل التفصيل له لون اصفر و دهن فاسد و احتراق و دخان و عفونة و جرجرة و يفسد كل تركيب فاذا اراد الحكيم ان يجعله ركنا يحلّه حلا طبيعيا اولا لتجزية اجزائه الشخصية و تطهيره و ذلك لايمكن الا بغسل و تكليس جزئي حتي يقبل الانحلال و ما انحل اجزاؤه يفصل روحه من جسده و يفرق بينهما و يفصل صبغه من روحه و جسده و يطهر جميعها من الاعراض و يبطل صورته الاولي بالكلية ثمّ يجمع بينها بميزان عدل فيحصل كبريت خالص كأنه ليس الكبريت الاول بلا احتراق و لا سواد و لا دهانة فاسدة فيقوم كبريتا ياقوتيا خالصا سائغا للشاربين و ان اراد البياض لايرد اليه صبغه فيخلص كبريت ابيض من الثلج لايكاد يعرفه الناظر و مثله كالمؤمن في الدنيا و الآخرة فربما يكون مؤمن في الدنيا في اقبح صورة باقبح حال من شدة بلائه و كثرة امراضه و غيرها و يرجع في القيامة في حسن يوسف و سن عيسي و صوت داود فاذا نظر اليه احد لايكاد يعرفه فكأنه هو و كأنه غيره ، و بالجملة بعد ما كمل خلق الكبريت و صار صالحا للنفسية اذا اراد ان يجعله ركن المولود يحلّه ثانيا فيكون دهنا لايحترق و هو النفس الخالص حلّال الاجساد و مقيم الارواح و مصلح كل شئ فاسد في العالم و كل ما صعد الكبريت عرصة خلي صورة و فارق عرضا من الاعراض حتي يصل حقيقة النفسية علي ما خلق الله و كذلك الامر في كل مقام ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و كذلك خلق الانسان من التركيب الدنيوي فانك تري ان تراب المعدن بلغ مبلغ الاكسيرية و الخلود فكيف للانسان ان يبلغ هذا المقام فاذا اخذ الله من هذه المركبات و ركّبها يحصل من تركيبها صورة و يلزمها احكام شرعية و كونية و اذا حلّها ثانيا و عقدها ثانيا يخلع الصورة الاولي و يلبس صورة اخري وهبها له خالق الصور و يلزمها ايضا احكام و اعراض و اذا لطفت مرّة اخري و صفيت كرّة بعد اولي تخلع الصورة الاولي و تفارق اعراضها و هكذا فما تري من التغير و التبدل و الانحراف و الانحناء [ص 145] و البوار و الزوال جميعها من اعراض الطبايع و كذلك هذه الصور ايضا جميعها من لوازمها فاذا صعد المركب من هذا المقام يفارق جميعها فان الصفرة مثلا من الصفراء و الكدرة من السوداء و الحمرة من الدم و البياض من البلغم فمن وقف فوقها لايعرضه شئ منها و كذلك المكان الجسماني و الزمان الجسماني من عرصة الاجسام بل من ادون درجتها و الا فمجموع عالم الاجسام لا مكان له و لا زمان فكيف بما هو خارج من عرصة الزمان بالكلية فاذا اخذ الله مولودا و اخلصه من المركبات حتي صار دهريا لايكاد يعرضه عوارض الزمان و ان كان من اوله معرضا لها و لاتزعم من كلامنا ان الدهري يستخرج من الزماني بالانقلاب و الاستحالة فان ذلك من المحال بل بوجه آخر باطني سيظهر لك ان شاء الله في تلو المسايل الآتية فالنفس الدهرية اذا خلصت من الدنياويات تقوم فوقها خالصة من شوائب الاكدار و قد ارانا الله آية ذلك في كل انظر الي الشعلة فانها مثل لكل ما تريد من امر الدنيا و الآخرة تأخذ دهنا غليظا كثيفا بميزان خاص من العناصر و هو جسم غليظ كثيف درن يشمئز عنه النفس السليم ثمّ تصفيه درجة بالتكليس يصير دخانا فيبعد عنه اغلب اعراض الدهنية و لكنه مع ذلك جسم غليظ اسود مقيم في مكان لايتجاوزه الا انه يطلب الصعود الي درجة فتسخنه بالنار حتي يصير نارا بالفعل فيحكم عليه بالنارية شرعا و عرفا و يظهر منه آثارها حتي انه يصير نافذا لامعا سايرا في اقل من طرفة عين فراسخ و ليس ذلك الا بدهرية النار الا انها لما ظهرت في الدنيا ينقلب احاطتها الدهرية بسرعة السير كما ان نفوس الكاملين في عالمهم محيطة و اذا تعلقت بالابدان يقدرون علي طي الارض فحالة الاحاطة الدهرية تظهر بطي الارض و من هذا الباب سرعة سير الافلاك و العرش فان انفسها محيطة و بعد ما تعلقت بالادخنة الجسمانية و هي معتدلة صارت سريعة في سيرها منتهي الغاية و لو خلصت من هذا الدخان ايضا صارت محيطة و تتصل بعضها ببعض و كذلك حال النار [ص 146] فان الشعلة و ان كانت دنيوية الا انها تنفذ و تسري نعم دخانها لايجاوز مقامه لغلظته و لضعف نفس النار في كمالها فانها و ان كانت بجوهرها دهرية الا انها عنصر ضعيف و اين هو من انفس الافلاك فافهم فيمكن ان يستخرج من الدنياويات جوهر برزخي و جوهر اخروي و لايمنعها الدنيا بعد الاستخلاص ابدا و يكفي هذا القدر من البيان في المقام فان المسايل غامضة لايمكن كشفها في مقام و لذلك افرّقها في المقامات .