اصل - اعلم ان الشارع صفة الله تعالي كالمكوِّن فانه ثبت بالادلة القطعية من النقلية و العقلية انه لايغيّر الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لايكوّن الشئ لا من شئ الا الله و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و لانحتاج الي التطويل الممل في المقام بعد ما اشبعنا فيه الكلام في القسم الاول في بيان توحيد الافعال و الحمد لله المتعال و ان احببت فراجع و لا شكّ انهما من صفات الافعال لصحّة نفيهما احيانا و لاضافتهما الي المفعول لعدم صحّة اثبات معناهما بنفيه فلايصحّ اطلاق الشارع بلا شرع و المكوِّن بلا مكوَّن كما لايصحّ اطلاق الفاعل بلا فعل و لما بيّنا سابقا ان الصفة الذاتية ثابتة بثبوت الذات بل هي عين الذات و لاتسلب عنها للزوم نفي الذات بنفيها فتقول ان الله حيّ قدير عليم و لاتنفيها عنها ابدا و لكن [ص 96] الصفات الفعلية قد تنفي فتقول شاء و لميشأ و اراد و لميرد و خلق و لميخلق و كذلك حكم التكوين و التشريع فانك تقول ان الله كوّن فلانا و لميكوّن فلانا و شرع كذا و لميشرع كذا و اذ هما من الصفات الفعلية فهما صفة مشيته تعالي اذ قال عز و جل في كتابه انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و قال الامام عليه السلام ما معناه لا كاف و لا نون و لكن اراد فكان و قال عز و جل له الخلق و الامر و لايصدق كون التكوين و التشريع من الخلق لابتناء امر الخلق عليهما و قيامه بهما فهما من عالم الامر فالله تعالي هو المكوِّن بالتكوين و الشارع بالتشريع كما انه يشاء بمشيته و يفعل بفعله فانه ثبت في التوحيد الحق ان الذات تتنزه عن الصفات و تتعالي عن الحدود و السمات فانها بنفسها ذات بحت بات و لا غير معها فلاتسمّي باسم و لاتوصف بوصف و قد سمّت نفسها باسماء لفاقة الخلق اليها لا لحاجتها و لكنها تجلّت لمشيتها بنفسها علي ما عرفت و وصفت بصفتها بذلك التجلّي و منه و فيه فنقول انها ارادت فهي المريدة في الارادة و شاءت فهي الشائية في المشية كما تري ان زيدا بذاته لايكون فاعلا و لا مدركا و لكنه بعد ما تجلي لمشاعره و حواسه وصف باوصافها فيها و منها فهو عالم بالنفس عاقل بالعقل متوهم بالوهم متفكر بالفكر متخيل بالخيال بصير بالعين سميع بالسمع و هكذا فمصدر جميع هذه الصفات هذه المحال و نعم ما قال ابنازري :
مصدر العلم ليس الا لديه خبر الكاينات من مبتداها
فهذه المشاعر في انفسها كالمرايا المتلوّنة المختلفة في الهيئات و السراج يشرق عليها و يظهر فيها بالالوان المختلفة و يرد منها اللحك في ما يواجهها بالوانها و هيئاتها و اصل النور من السراج و الالوان و الهيئات من المرايا فلو كسرت لمابقيت ثابتة ابدا و يرجع السراج الي حاله الاول كما بدأنا اول خلق نعيده و مع ذلك تصف النور الساطع منها باوصافها فتقول نور احمر و اصفر [ص 97] و غيرهما و كذلك الامر في صفات زيد بالنسبة اليه و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هاهنا بل اقول ان الامر صار في الاشخاص و في الآفاق هكذا لانها آيات الذات فما ظنك بها فالذات القديمة تجلّ عن كل صفة و لكنها بعد ما تجلت لمشيتها توصف بالصفات المطلقة و بعد ما تجلت للمقيدات توصف بالصفات المقيدة لا بمعني انها تحدّ بها نعوذ بالله او تتجلي فيها بالذات فان ذلك رأي صوفي و بطلانه جلي و لكن المراد انها في مقامات وجودها جلوة الرب كما قال مولانا عليه السلام في العالم العلوي تجلي لها بها و بها امتنع منها ، و هي في انفسها مواقع الصفات و مصادر النعوت و قبلها لا اسم لها و لا لآثارها و نور الذات هو هو بصرافته و احديته فافهم و تبصر ،
فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان مصدر صفة التشريع الكينونة العليا علي ما عرفت اذ قبلها لا اسم و لا وصف مطلقا و هي الدين القيّم و الفطرة و حق الاسلام و السلام و العاقل يكفيه الاشارة و الجاهل لايكتفي بالف عبارة و مصدر صفة التكوين هو الكينونة بعد ظهورها بالمشية فان بها يقوم الكون و كما ان الشرع في نفسه مقدم علي الكون الشارع ايضا مقدم علي المكوِّن و ان لمتعرف اصل المطلب بهذا الوجه من البيان فاعرفه بما اذكره ايضا انه ثبت في الحكمة ان الله عز و جل لميخلق ما خلق الا لغاية و لاينكرها عاقل و جماعة من الصوفية و الحكماء يزعمون ان الغاية هي الذات و قد ذكرنا بطلان هذا الرأي سابقا في القسم الثاني في مبحث العلل فراجع فالغاية غير الذات مع انه ثبت في الحكمة انها سابقة علي جميع العلل اذ هي المهيجة للفاعل و الفاعل هو امر الله و فعله و ان كان في نفسه صفة الله و لكن عرفت ان الذات لاتوصف بالفاعلية الا في العلة الاولي و هي مخلوقة كما قال عليه السلام كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، و هي المشية لا محالة لانها اول مخلوق كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها و لا علة لها غير نفسها و اذ كان نفسها هي العلة لها فهي [ص 98] الغاية لا غير فافهم و ان قلت ان الغاية هي المعرفة و العبادة كما في الآية و القدسي اقول نفس الفعل لاتكون غاية لانه عرض و العرض لايكون غاية الجواهر و ذلك ظاهر و لكن الغاية الاولي جوهر يوصل اليها بالعبادات و لما كانت موصلة اليها سمّيت باسم الغاية ، هذا و حقيقة المعرفة هي ظهور النور و الوصول الي دار السرور لا نفس المعرفة الفعلية المتبادرة الي الاذهان و قد اثبتنا في غير المقام ان حقيقة المعرفة لاتحصل الا بالمَدرك و المدرك الخاص بها هي الحقيقة و هي ظهور الكينونة فيك قال صلي الله عليه و آله من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و تلك النفس هي هي الغاية المرادة من الخلق لا غير و هي آية الكينونة في كل احد و لكل درجات مما عملوا و هي ظهورها بالوصفية مع انها جوهر كل شئ فتدبر و انصف و لعلّنا نبيّن حقيقة ظهور الاعالي في الاسافل بعد ذلك ،
فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المشية هي ظهور الله تعالي بالفاعلية شرعا و كونا فهي المشية الشرعية و الكونية الا ان الصفتين في نفسها في غاية الوحدة لما عرفت ان مادتها و صورتها في غاية الوحدة و لكثرة بساطة اجزائها لاتصير بنفسها مصدر شئ كما تري في النار انها لغاية وحدتها و بساطتها الدهرية لاتصير مصدر الانوار الا بعد الظهور في الشعلة و كذلك الامر في المشية لاتصير بنفسها علة شئ شرعا و كونا بل هي قوة كل فعل خاص و لذا قال عليه السلام انها الذكر الاول و لكنها ظهرت في العقل و هو اول شجرة نبتت في جنان الصاقورة و هو قلم الابداع و يد الله للاختراع و قد تجلت المشية له بنفسه فصار مركّبا من جهتين جهة عليا و هي النفس و الفؤاد و النور الاول و الماء الاول و العقل المرتفع و جهة سفلي و هي المعنوية فهو بظاهره يدعو الي ظاهر المشية و بباطنه يدعو الي غيبها و هو الكينونة و منه ينشر جميع الاوامر الكونية و الشرعية و قد اشار الي المقامين بقوله عز و جل ن و القلم و ما يسطرون فالنون اشارة الي غيبه و لذا قال عليه السلام انه نهر في الجنة و عبّر عنه بالنون لاسرار ظاهرة [ص 99] و باطنة اما الظاهر بحسب الشكل فلان ن دايرة علي نفسها و وقع في قلبها النقطة التي هي اصل العلم و قد نزلت من العلم الازلي بالمشية السرمدية و هي نفس النون و هي النقطة الواقعة تحت باء بسم الله الرحمن الرحيم و لذا قال عليه السلام ان بسملة اقرب الي الاسم الاعظم من سواد العين الي بياضها ، و قد دار عليها الفؤاد بعد ما نزل في القلم فتكثر و توحّد بالاستدارة علي نفسه و بحسب القوة فلان قواه خمسون و هي تكسر الهاء فانه خمسة و هي المراتب التوحيدية و بعد ما نزلت الي عرصة الخلق صارت خمسين اذ كل عالٍ ينزل الي الدرجة التي تليه تنزل مرتبة فمن الآحاد الي العشرات و من العشرات الي المآت و هكذا لان كل مرتبة تجمع مراتب عشرة هي مما به كمال الشئ و ما لمينزل الشئ النازل الي آخر مراتبه لايتعين بتعينه فلذلك اذا نزل الالف مرتبة يصير ياءا و الياء قافا و القاف غينا فافهم هذا السرّ المنمنم و الرمز المبهم فقد والله اسقيتك من مكنون العلم الذي يشير اليه كل مشير و يرمز بالف تعبير و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده و اما في الباطن فاعلم ان الله سبحانه قال انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فعبّر عن اصل الوجود و منشأ كل موجود بقوله كُن فالكاف هو المشية الاولي كما اثبتناه في محله و هي كاف مستديرة علي نفسها و النون هو الامكان الذي يكون للمشية كالزيت للنار فالكاف امر فعلي و نون امر مفعولي و مجموعهما علة الوجود و ثمرة الموجود و بالجملة قال عز و جل ن و القلم و المراد من القلم هو العقل و ما يسطرون اشارة الي حروف الكاينات الشرعية و الكونية لقوله عليه السلام في صفة القلم الي ان قال : قال الله تعالي له اكتب قال ما اكتب قال ما كان و ما يكون ، و لا شك ان مما كان و يكون الشرع و صرّح عز و جل بذلك في قوله اقرأ و ربّك الاكرم الذي علّم بالقلم علّم الانسان ما لميعلم و لا شكّ ان التعليم هو التشريع و الحاصل ان المشية تجلت للعقل بركنيها فصار العقل مظهر المشية و محل الارادة و من [ص 100] ذلك قد اشتبه الامر علي جماعة زعموا ان العقل هو المشية لانهم عرفوا منه الاثر فزعموا انه بنفسه الفعل و لكن العالم بعلم الاخبار و المطلع علي الآثار يعرف ان الاصل هو المشية و العقل مرآتها فتدبر فالعقل هو لسان الله و يده في عرصة الاكوان و به يفعل الله ما يفعل و هو المبلّغ عنه و المؤدّي عنه و اليه و بعد ما اكمل الله خلقه خاطبه و عرّفه حبه له علي ما رأيت في الخبر و سيجيء بيانه ان شاء الله بعد ان شاء الله ،
ثمّ اعلم ان الله تعالي اجري الاكوان بسبب العقل و اكمل الخلق العقلاني في الذرّ الاول ثمّ دعاهم الي سبيله بنورانية العقل و امته في هذا العالم الاقطاب الذين يدور عليهم رحي الايمان بل الاعيان و الاكوان و هم ائمة الانس و الجان و ذلك قول الله مخاطبا لهم و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا و في الخبر ان نزوله ائمة وسطا ثمّ نزل العقل لاسرار سيجيء ذكرها الي عالم الارواح و خلق الله به الارواح الملكوتية اذ كان علة تامة لهم لانه بنفسه غايتهم اذ صار حاكيا لهم عن الكينونة لعدم البينونة و فاعلهم لانه يد الله لصنعهم و منه مادتهم و صورتهم و بعد ما اكمل خلقهم قام فيهم و دعاهم الي الغاية و بلغ عدد الامة في هذا العالم الذي هو الذر الثاني الي اربعة و عشرينالف و مأةالف نفس و كلهم اجابوا دعوته و اطاعوا امره ثمّ نزل الي عرصة النفس الذر الثالث و اتمّ كونهم و دعاهم الي ربهم فمنهم من آمن و منهم من كفر و اعلم انه في كل منزل زاد في دعوته كلمة فانه دعا نفسه الي الله فقط قال الله تعالي قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون و دعا الامة الاولي الي الله و الي النبي (ص) ثمّ دعا الامة الثانية الي الله و الي الرسول و الي الامام ثمّ دعا الامة الثالثة الي الله و الرسول و الامام و الاركان اي الانبياء ثمّ دعا الامة الرابعة و هم الاتباع الي الله و اليهم و الي الركن الرابع فافهم و نزل نازلا هكذا الي ان نزل الي عالم الاجسام فظهر في العرش و هو فلك الافلاك فصار [ص 101] العرش في الملك مظهر العقل فهو محل المشية و به يظهر امر الله في الملك ثمّ لما اراد الله تعالي خلق الخلق ادار العرش بنفسه اذ هي العقل الاول علي الافلاك فدارت بتدوير العرش و اثّرت في الارض التي هي مظهر الامكان الاعلي و قد انفصلت من الافلاك بسبب غلبة الكثرة الحاصلة من برد البُعد من المبدأ كما سيجيء في محله ان شاء الله فقبض الله باسمه القابض الظاهر من اشراقات النجوم قبضات و صوّرها باعدل صور علي ما شاء و كان اشراق هذه الكواكب معني قوله كُن و كان المراد من الخلق وصول هذه المواليد الي العرش لانه العلة الغائية بل كل العلل في الواقع علي ما عرفت مما بيّناه و ذكرناه و لكن هذه الايادي ناقصة في حدّها لابهامها و قبضات التراب انقص منها فلايمكن اصلاحها و تكميلها الا بايادي شرعية شخصية فاختار الله من بين المواليد ابدانا خاصة و القي فيها مثال العرش الذي هو الفاعل كونا و شرعا فدعاهم من هذه الابدان الي نفسه بحول الله و قوته من تلك الابدان و لسان دعوته هنا الاوامر الشرعية و الكونية و ان عرفت الحقايق و انفتح عين قلبك بمشاهدة الدقايق تعرف باليقين انه لا فرق في الواقع بين صدور الاشعة من الكواكب و صدور الكلام من المتكلم الا في الصورة الظاهر و لو ردّ كل شئ الي اصله لآل الامر الي كيفية واحدة و ما امرنا الا واحدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، و بعد ما تركّبت الابدان الشرعية و القي العرش فيها الامثلة المعنوية العقلية قامت بالامر من الله تعالي لان العرش بنفسه بمنزلة البدن للارواح العالية و شعلاته ايضا جامعة لجميعها فبعد ظهورها في البدن يتعلّق جميع به جميع ما كان ظاهرا فيها و يدلّ علي ذلك اخبار تدل علي ان انوارهم و ارواحهم كانت حول عرش الله و نقلت من العرش في صلب آدم و قد تركنا نقلها في المقام للايجاز و ان شئت فاطلبها من كتاب المبين فهذا البدن المشهود بالحواس الملموس بالاخماس ظاهر اسم الله الاعظم الاجل و لذلك يقول انا شارع الدين و اول المسلمين و الداعي [ص 102] الي رب العالمين و هو يلقي نوره في بطن اوامره و نواهيه في ساير القوابل الكونية و هي لروح الايمان بمنزلة الامكان للكون و الشارع لها بمنزلة المشية و الاوامر و النواهي هي الماء النازل و امر الشرع و الكون بالسواء اذ التكوين هو خلق الصور من الامكان و التشريع ايضا خلق الايمان و الكفر من القوابل الكونية فبحرارة تلك الاوامر و النواهي يصلح القوابل و يخرج من بطونها ما فيها من العرشية اي العقل و هو الروح الايمان المذكور في الصحف الاولي صحف ابرهيم و موسي و المذكور في القرآن و اخبار سادات الانس و الجان فايمان كل احد بقدر عقله لا غير و هو المولود الكريم و الشيخ الفخيم و اذا عرفت الشارع فاعلم ان عرصة الخلق عرصة الاضداد و الذي لا ضدّ له هو الاحد لان نسبته الي الجميع بالسواء و لكن الخلق من الدُرّة الي الذرّة لهم اضداد حتي ان المشية ايضا لها ضدّ الا ان عرصتها عرصة البساطة و الوحدة فلايمتاز فيها بين الضدّين و ضدّها طبعها و انيتها لا غير و اما العقل الذي هو اول التفصيل يضاده الجهل و كما ان العقل كامل في خيره هو ايضا تمام في جهله و اعانه الله بجنود كما اعان العقل بجنود و العقل يدعو الي الله و هو يدعو الي نفسه و بذلك دار الامر ما دار الي ان نزل الدعاة و المدعوين الي عالم الاجسام فظهر العقل في العرش و ظهر الجهل في الطبايع و هي الارض و تشخص الروح العرشي في القالب البشري و كذلك تشخص الروح الطبعي في قالب يضادّه في صفته و دعا مظهر العقل الي الله و هداهم الي سبيله و دعا مظهر الجهل الي الشيطان و اضلهم عن سبيل الله و اطاعهما من اطاع و كفر بهما من كفر و روح الكفر هو الجهل و هو النفس الامارة و النكراء و يسمّي بغير ذلك من الاسماء و الداعيان هما رئيسان و من بينهما ممن لميخلص في صفة و لميكمل حق التكمّل امة اصحاب اليمين الي اليمين و اصحاب الشمال الي الشمال و الرسالة لاتسع تفصيل المسألة اكثر من ذلك و يكفي ما بيّناه ان شاء الله في معرفة الشارع لمن [ص 103] كان من اهل العلم و المعرفة ،
اصل - في بيان كيفية تولد المولود الشرعي و معرفتهما علي الحقيقة صعبة مستصعبة و ذلك لان اصل هذه المسألة مما خصّ الله مشايخنا بمعرفته من الاخبار و ساير الحكماء لميعرفوا حقيقتها و الشيخ الاجل و السيد الامجد اعلي الله مقامهما اجملوا القول فيها لمصالح كثيرة هم اعلم بها منّا و ابي العلامة اعلي الله مقامه شرحها بقدر اقتضاء زمانه في بعض رسايله و لكنه ايضا فرّق الكلام في مباحث و فصول و رسايل متفرقة لئلايسهل الحصول الا لمن كان من اهل الوصول و شرب من كاسهم الاوفي و فاز بالقدح الاعلي و انا و ان لماكن من فرسان هذا الميدان الا اني اسأل الله ببركة ابي اعلي الله مقامه و وجهه ان يلهمني الحق و لكن لايقتضي الزمان كشف تمام المسألة فلذلك اقتصر علي بيان اطراف ما ذكره اعلي الله مقامه فاعلم ان اشكال هذه المسألة من جهات احديٰها صدور النور من الشارع المقدس صلي الله عليه و آله و تصوّره و احديٰها تشخصه في بطون القوابل بصور مختلفة و احديٰها بقاء الاشخاص بعد فناء القوابل فان جميعها مسايل صعبة و سبب صعوبتها انهم لميعرفوا حقيقة الانسانية الشريعة (كذا) و يزعمونها صرف صفات عرضية و لذلك يتحيّرون في حقيقتها و تشخصها و بقائها و لكن اذا عرفوا حقيقتها و تصوّروها علي ما هي عليه لمااشتبه عليهم الامر و ذلك وجه الاشكال في كل مسألة من المسايل فانهم لو عرفوا حق المسألة علي ما جعلها الله لمااشتبه امر و مابقي للشبهات و الخصومات و المجادلات مجال فاجمع لبّك و افتح عين قلبك لدرك ما منّ الله به علي عبده المسكين و اياك التبادر بالانكار قبل الوقوف علي الحقيقة فاعلم ان الشارع علي ما بيّنت هو اسم الله العلي و موقعه و مظهره الكينونة العليا علي ما عرفت و متعلق الكينونة هي العقل علي ما بيّنت و لااعيد و قد تجلّي العقل و ظهر للمراتب الدانية و في كل عالم صار عرشا لاهل ذلك العالم اذ عرشه الله الي ان ظهر في عالم الاجسام [ص 104] بالجسم المطلق بشرط الاطلاق اذ هو آية المشية و مظهرها في العالم بل مصداقها و مسمّي اسمها و موصوف صفتها و قد ظهر الجسم الكلي بما جمعه من المراتب في العرش فهذا العرش هو بمنزلة البدن للشارع اي العقل اي الكينونة و هو لها بمنزلة الدخان للنار فبعد ما اشتعل بها صار منشأ الاثر لان الكينونة العليا اصل كل كمال و لها النور كله بل كل الكاينات من فضل نوره و بعد ما تعلقت بهذه الوسايط بالعرش لايبطل اثرها و لاتفقد كمالها و ان صارت مقيدة بالعرش بحسبه كما ان النار الغيبية لاتبطل حرّها و لاتخمد نورها بسبب التعلق بالدخان و ان صار مقيدة به بحسبه بل اقول ان جميع اثر الشعلة من النار لا الدخان و لولاها لمابقي له اثر و كذلك الامر في العرش له فضل و نور و كل نوره من العقل و يلقي شعلته الي الملك و لكن القوابل كلها لاتقبل نوره و لاتحكيه الا ما كان صالحا للحكاية و مثال ذلك النار فان جوهرها ثابت في كل الملك و لكن جميع المواد لاتكون صالحة لحكايتها و لذلك صارت غيبا فيها و لكن الدخان صار مستعدا للحكاية عنها فظهرت فيه من غير بخل و كذلك في جميع الارواح الغيبية فان روح فلك القمر مثلا حيوان مطلق و شعلته منبثّة في جميع الارض و لكن بعض قبضاتها لاتكاد تنفعل ابدا و بعضها تنفعل بظاهرها كصبغ يبقي علي اللباس من الالوان مثلا و باطنها عارٍ عن النور و لذلك يكون بقاء الوانها بطلوع القمر و غروبه و بعضها تستعد للقبول و معني الاستعداد الكامل ان تنقلب القبضة الارضية الي الفلكية بان يصير الدم العنصري دخانا فلكيا فيشتعل بروح القمر و يصير حيّا لا فرق بينه و بينه الا بان الفلك لكونه غير مقيّد بقيد يكون روحه مطلقا و لكن هذا الدخان لانه متخذ من القبضات الخاصة في قالب مخصوص يكون خاصا فيكون حيوانا خاصا و كذلك الامر في الروح العرشي يكون نوره منبثّا في جميع الملك و لكن ما لميوجد قابلية صالحة للحكاية عنه لايظهر في الملك و القابلية التي تصلح للحكاية عن الروح العرشي ما يكون [ص 105] جامعا لجميع القبضات الارضية و السماوية لانك عرفت انه روحه الجسم الكلي الذي هو بدن للعقل الكلي و العقل هو هيئة المجموع ان عرفته فلايحكي عنه علي الحقيقة الا قابلية هكذا و ينحصر مثلها في الخاتميين فهم شعلات حاكية عن العقل الكلي الحاكي عن الكينونة العليا و القابلية الشخصية ليست الا مثل بدن العرش و لذا نقول ان جسم الخاتم في لطافة جسم العرش فالخاتم الشخصي البشري يكون روحا علينيا شخصيا و لما صار بالفعل في كماله يصير مكملا لساير القوابل و ذلك شأن كل قابلية كاملة في فعليتها و وجه تأثيرها ما ذكرنا في النار فان نفس الجسم من حيث هو لايكون الا كساير الاجسام و لكن النور الظاهر منه فعّال لما يريد لانه علة الكون و الشرع في مبدأ وجوده نعم يخصص فعله بالارادات الخاصة و من هذا الباب تري شخص الخاتم ذا جنبتين فمرّة ينفعل من ساير الاجسام بقابليته و مرّة يفعل بفعليته ما يريد و من باب تشخّص قوته تراه يفعل بالعنايات الخاصة في طرفة عين ما يحدث في الملك في مدة طويلة فان بالتربية الكلية ربما يصير الحجر ذهبا في سنوات و بعنايته الخاصة ينقلب ذهبا اذا اراد في اقل من طرفة عين فافهم سرّ المعجزات حتي تقف علي اسرار جمة و بالجملة فشخص الخاتم مؤثر في الملك و بتأثيره يكمل القوابل و مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار لغلبة استعداده و اذا اثر فيمن دونه و القي شعلته باوامره و نواهيه يقبل اليه كل من خلقه الله لذلك فان قوابل الخلق مختلفة و لو خلق الله الخلق علي صورة واحدة و هيأة واحدة و ركّبهم بميزان مخصوص لمااختلف اثنان و لكن خلقهم بتفاوت و ركّب بعضهم بالاعتدال و بعضهم بالانحراف و بعضهم بوجه صالح للترقية و بعضهم غير قابل للصعود و ذلك ما قال عليه السلام السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه ، فافهم معني الخبر و لاتزعم انه [ص 106] يلزم من ذلك جبر نعوذ بالله فان الله قد علم كل احد ان لو كان كيف كان يكون و انزله في الامكان و اخرجه بعلمه فمن علمه سعيدا ركّبه قابلا للسعادة و من علمه شقيا ركّبه قابلا للشقاوة و بهذا البيان الشريف ينحل مشكلات الاخبار و يفتح مغلقات الآثار فافهم ان كنت من اهل الديار و الحاصل ان الخاتم صلي الله عليه و آله لانه مظهر الكينونة لمينفصل عنها بالبينونة و لكنه حكي عنها النور و اضاء له كل من صار مستعدا للقبول فمن القوابل من اقبل اليه بكله و اطاعه بظاهره و باطنه و انجذب الي حيث ما جذبه فصار منه و له و به قال الله عز و جل من تبعني فانه مني فحكي عن العرش الكلي مثل حكايته فصار منه كالضوء من الضوء و ذلك مثل مولانا اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين و ساير الائمة الغرّ الميامين و حجج الله علي اهل السماوات و الارضين فانهم شربوا من كاس شربه النبي و ان كان صلي الله عليه و آله سبب وجودهم في العالم كما ان السراج سبب اشتعال دخان آخر و لكن لوصوله مقام الشعلة السابقة لايكون بعد اشتعاله محتاجا الي شخصه لان الدخان هو الذي يذهب و يجيء و هو لايكون مؤثرا و لكن النار الظاهرة فيها مؤثرة و هي هي التي ظهرت في الشعلة اللاحقة و لذلك قال عليه السلام اولنا محمد اوسطنا محمد آخرنا محمد كلنا محمد ، و من القوابل من اقبل اليه ببعضه و صعد الي دوين درجته فظهر فيه من نور ضيائه فيعدّ من شيعته و هم درجات عند الله و سيجيء شرح مقاماتهم و هم و ان كانوا ملحقين به الا انهم لايحكون عن ذاته بل يكون ذواتهم من صفاته و ذلك كالعرشية الظاهرة من الكرسي و الزحل و المشتري و ساير الافلاك فان ما ظهر لهم من العرش نوره و نور نوره و نور نور نوره و هكذا و لذلك يختلف درجات المؤمنين و ليسوا في مقام واحد و كذلك قد يحصل بينهم فرق آخر و هو ان القوابل في ايّ درجة كانوا اما يخرج النور من كمونهم فيشتعلون كما يشتعل الدخان بالنار او يتنور ظاهرهم كالجدار المنوّر بنور السراج فالاوّلون يكون تكملهم جوّانيا [ص 107] و هم الذي يسمّون مؤمنين و ينفعهم ايمانهم و الآخرون يكون تكمّلهم برّانيا و لايسمّون مؤمنين و قد يكونون مسلمين ، فاذا عرفت هذا المطلب فاعلم ان الشارع بتربيته الشخصية يكمّل القوابل الناقصة و اوامره و نواهيه سبب التكمل و ربما نقول انها انواره و امثلته الملقاة في هويات القوابل الكونية و لكن لانريد من ذلك ان نفس صَلِّ و صُمْ نوره الصادر منه و هو الذي يصير مادة الانسان الشرعي فان ذلك غير معقول و لكن نوره هو اثره صلي الله عليه و آله و تأييده و هو نفس الشعاع العقلاني الساطع من حجاب العرش و شخص الشارع البشري ينبّه القوي الراقدة في القوابل و يعدّ القوابل للقبول فيأمرهم و ينهاهم بما هو سبب الاستعداد كما ان الفلسفي يربي المولود بالمياه الحلّالة و الادهان المشمّعة و النيران المكلّسة و غيرها و ليس شئ منها مادة للاكسير بل مادته مثال المعدن المطلق و صورته الاكسيرية و تلك العقاقير و المياه اسباب الوصول و كذلك الامر في الاعمال الشرعية ليست هي بنفسها مادة الانسان بل الانسانية نفس عليّنية ( عليينية ظ ) مادتها تأييد العقل فعلها المعرفة و الاعمال مكملات المادة الكونية فليست الاوامر و النواهي الا محض التنبيه و الدلالة و لكن المادة هي نور الشارح الصادر منه و المؤثر هو حقيقته و هذا البدن الشريف يسمّي باسم المؤثر لاجل حكايته عنها كما يسمّي بالخاتم فافهم فانه دقيق و النور الصادر منه له مادة و صورة مادته اعلاه المتصل بالشارع و هو نفس فعله و صورته النورية و هي مقام المصدرية و كلتاهما نوعيتان و بعد ما تعلّق بالاشخاص الكونية يتخصص في بطونها بحسبها و يتهيأ بهياتها فيصير مولودا شخصيا شرعيا له مادة شخصية و هي حصة من هذا النوع و صورة شخصية مقتبسة من المرآة الكونية فان ايمان كل احد بحسبه و بذلك يميّزون في القيامة و ما يقال ان المادة النوعية و صورتها الشخص الكوني كلام قشري و التحقيق الحقيق ان للانسان الكوني مادتين و صورتين بحسبه و للشرعي ايضا هكذا و الانسان الكوني مادة عرضية [ص 108] للانسان الشرعي فافهم و لاتستوحش عما تسمعه مخالفا لما استأنست به من الكلمات فان روح العلم مكتوم عند اهله و يبيّنونه للناس بحسب صلاح الزمان و اهله و انا اتبرك بكلمات من ابي اعلي الله مقامه في المقام كي تقرّ به عينا و تعلم اني لااقول ما قلته الا عنه و هو لايقول الا عن مشايخه اعلي الله مقامهم و هم لايقولون الا عن ساداتهم صلوات الله عليهم .
قال اعلي الله مقامه : اعلم ان حقيقة الشارع هي العلة الغائية و الشرع ظهوراتها و كمالاتها كما ان حقيقة المكوِّن هي العلة الفاعلية و الكون ظهوراتها و العلة الغائية هي المؤثرة للعلة الفاعلية فلولا الغاية لميتحرك الفاعل نحو الفعل فالغاية هي الباعثة المهيجة له علي الفعل و لاجل ذلك صار الشرع روح الكون الاتدري ان العلة الغائية المقدمة وجودا هي الكينونة العليا التي اشرنا اليها و هي المؤخرة ظهورا اذ الخلق بعد استكماله و صعوده يصل الي مقام يظهر له الكينونة خلقت الخلق لكي اعرف اعرفوا الله بالله و هي المؤثرة للفعل الذي به الكون و تلك الكينونة هي نفس الفعل التي خلق بها و الفعل و ان كان في غاية البساطة الامكانية الا ان له درجات تظهر في تمثلاته و تجلياته من العقل و الروح و النفس و غيرها من المراتب فما كان من هذه المراتب حاكيا لتلك الكينونة كان شارعا في رتبة هذه المراتب فاذا العقل المرتفع هو الشارع في ساير المراتب الخلقية و جري ذلك السرّ في كل مرتبة حتي صار عرش كل مرتبة رتبة الشارع في تلك المرتبة الي ان من غلب عليه القبضة العرشية و خلق منها هو الشارع في رتبة المواليد الي ان عقل كل شخص هو الشارع في ذلك الشخص و هو الحجة الباطنة فالشارع في كل مقام هو اعلي درجات ذلك المقام الحاكي تلك الكينونة التي هي حقيقة الشارع و هي قد القت في هويته مثالها و اظهرت منه افعالها فالمخلوق من العرش هو الشارع و هو الفعّال بقوة تلك الكينونة اي مظهر افعال تلك الكينونة كما يظهر نور الشمس من المرايا و الزجاجات و الفعل فعل الشمس كما ان [ص 109] الحركة لك مظهر في يدك و بيدك و يتبع ظهورها استقامة يدك و اعوجاجها فالعرش و ما خلق منه هو الشارع في كل مقام و منه يسطع نور هو الشرع و ينبثّ علي القوابل و في كل قابلية بحسب مقامه عرش اذا وقع عليه النور و كمله اخرج عرشه من القوة الي الفعلية فصار في رتبته عاقلا و ذلك النور هو الاستقامة علي الطريقة ، لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماءا غدقا و ذلك النور هو امر كوني وجودي يعبّر عنه عند التعبير بصَلِّ و صُمْ و هو غير هذه الالفاظ بل حقيقتها و مصداقها و انما احتيج الي هذه الالفاظ عند عدم تنبّه المكلفين لكثرة الغواشي علي عقولهم و اذا زالت الغواشي لايحتاجون الي التنبيهات الظاهرية و يغن الله كلا من سعته فيضع يده علي رأس كل مؤمن و يصير عالما بما له و ما عليه حتي ان العجوز تقضي في بيتها و لاتحتاج الي المسألة و هو الذي في الانجيل ان في آخر الزمان يصير كل احد من الرجال و النساء نبيّا فيكتفون بالنور الكوني المنبثّ من الشارع و يتكملون به و يهتدون بهداه و ذلك النور منبثّ من الشارع في الدنيا و الآخرة الي ان قال اعلي الله مقامه : و كما ان اشراق الروح الحيواني بلا قول يصير سبب ابصار العين و سمع الاذن و شمّ الانف و ذوق اللسان و لمس اليد و رونق جميع البدن بالحيوة و يأمر و ينهي بلا لفظ كذلك نور الشارع يربي الكون و يحييه بلا قول ، استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و ذلك ان الحيوة حصة قمرية و الشارع حصة شرعية و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الكلي اثره كلي و الجزئي اثره جزئي فتكميل الشارع المكلفين باخراج ما في كمونهم من الحصة الشرعية بحسب رتبتهم لا بما يساوي الشارع فما دام نور الشارع مشرقا عليهم يكون حصتهم العرشية الحاكية للعلة الغائية بالفعل الي ان قال : و بالجملة نور الشارع هو امر وجودي كوني متأصل و ليس المراد منه امر عرضي كنور الشمس فنور الشارع امر كوني نوعي سارٍ في جميع المكلفين جوّاني لا برّاني و ذلك الامر هو عرشية جميع المتشرعين من حيث الصدور من [ص 110] الشارع و له من هذا الحيث مادة و صورة نوعيتان و هو من حيث الظهور من المكلفين يتخصص و يتشخص فيهم كما ان الجسم الظاهر من حيث كونه ظهور الجسم المطلق له نوعية و من حيث ظهوره في صورة كل جسم خاص يتخصص و يتشخص فالوجود الشرعي في عرصة الظهور هو وجود وصفي صوري فالصور هي الوجود الشرعي و هي من حيث الصدور عن مؤثرها الذي هو الشارع نوعي و من حيث الظهور في الشخص الخاص شخصي و الوجود الكوني في عرصة الوجود هو وجود كوني فالمادة الكونية هي الوجود الكوني و هي من حيث الصدور نوعية و من حيث الصورة شخصية فالحاصل ان الوجود الكوني له مادتان و صورتان كونيات فاذا تحقق الكون تحقق مرآت الشرع فاشرق عليها نور الشرع و له مادتان و صورتان شرعيات علي ما شرحنا و بيّنّا انتهي ، و يكفي هذا البيان الشريف عن كل بيان ان كنت من اهل العيان .
اصل - اذا وقفت علي ما تلونا عليك من حكم الكون و الشرع فاعلم ان في سلسلة الكون ينحصر الاثرية و المؤثرية في مجموع الخلق بالنسبة الي الكينونة الاولي بواسطة المشية كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثمّ خلق الاشياء بالمشية ، و هو الخلق لا من شئ و بيان ذلك في الجملة زايدا علي ما مرّ قبل ذلك في الامور العامة ان الله سبحانه كان قبل كل شئ و لميكن معه شئ و اول ما تجلي تجلي بالشئ الذي هو حقيقة كل شئ و هو الكينونة علي ما وصفت سابقا و لااعيد و ظهرت الكينونة بالمشية فالمشية هي الموجود الاول و نسبتها من الكينونة نسبة الدخان من النار و كما ان الدخان في نفسه لايكون مؤثرا و جميع الاثر للنار الغيبية و يفشو منه كذلك صورة المشية من نفسها لاتكون مؤثرة بل هي صرف الاطلاق و هو الابهام و القوة و لا شك ان القوة لاتكون مؤثرة و فعليتها بنار الكينونة الظاهرة منها و هي الوجود و قد عرفت سابقا ان المشية تسمّي بالوجود المطلق لذلك فان الوجود كونها و الاطلاق صورتها [ص 111] و بعد ما اشتعلت بنار الكينونة فشا نورها من هذا المنبع فالاطلاق بنفسه لازم محله و مقامه و لايتجاوزه كما ان الدخان لايتجاوز مقامه ابدا و لذا يكون جميع اثرها موجودا و لايكون مطلقا و لو كان صورة المشية مؤثرة للزم كون جميع الملك مطلقا فانه ثبت في الحكمة ان الاثر يشابه صفة مؤثره بل يسمّي باسمه و يوصف بصفته و تري ان الآثار الثابتة تكون موجودة و يصدق عليها اسم الوجود و لايسمّي بالاطلاق و لايوصف به و ذلك كما تري في شبحك في المرآت ان شبح وجهك ينفصل من مادتك و يظهر في المرآت و الذي يظهر في المرآة هو ما ينفصل من وجهك و هو نور ملوّن بلونك متهيّأ بهيأتك و لكن مادتك قايمة في محلها لاتتجاوزه و لاتدخل المرآة ابدا و ان كان من شرط ظهور الشبح وجود المادة اذ لولاها لماقام شبحك المتصل في الدنيا و كذلك الامر في السراج و نوره فان الدخان مادة يقوم بها النار الظاهرة و لولاه لماقامت ابدا فانه قد ثبت في الحكمة ان الصورة قائمة بالمادة قيام تحقق و قد اشبعنا القول في ذلك فيما مضي و بعد ما ظهرت النار بالدخان في الدنيا ينتشر نورها منه و هو ساكن في محله و لايسري في غيره و لكن النور يلمع و يظهر في ساير المواد فتتنور بنور النار و جميع الانوار من نار الشعلة فافهم ذلك ان شاء الله و كذلك الامر في المشية فالكينونة هي منشأ التأثير و منبع التدبير و المادة محل الظهور و لولاها لماظهرت الكينونة و مانشأ منها الآثار كما في النار حرفا بحرف ثمّ انه قد ثبت في الحكمة ان النور علي صفة منيره بل النور في الحقيقة صفة منيره فان الصفة هي الشبح المنفصل من الشبح المتصل و النور هو هو ايضا و كذلك الاثر هو هو ،
الفاظنا شتّٰي و حسنك واحد و كل الي ذاك الجمال يشير
فان كان الشبح المتصل علي كيفية خاصة يكون الشبح المنفصل ايضا هكذا الاتري الي نور السراج انه بلونه و هيئته و لايخالفه ابدا و ما تري من الاختلاف الواقع بينهما فذلك من اختلاف المواد المختلفة و لو لمتكن المواد متصفة [ص 112] بالصفات المخالفة مع صفة السراج لكان النور مطابقا معه في كل صفة فعلي ذلك الكينونة العليا لكونها منزهة عن الصفات المختلفة و الهيآت المتكثرة مما يخالف الاحدية يكون صفتها ايضا واحدة لا فرق بينها و بينها الا انها عبدها و خلقها فبالعبودية صارت محتاجة فقيرة و الكينونة علي خلافها في هذه الصفة و هذا النور المقدس هو الحقيقة و الفؤاد و هي علة ساير الموجودات و هي بنفسها معلولة للمشية ثمّ ان جميع ما خلق الله تعالي منها كلها بالتكميل و التكمّل فالحقيقة الاولي هي المخلوقة لا من شئ و ساير الاشياء مخلوقة من شئ و ذلك قوله عليه السلام ان نسب كل شئ ينتهي الي الماء و الماء لا نسب له ، اي لميخلق من شئ و لذا قال الله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و قال خلق كل دابة من ماء و قال خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و المراد من هذه النفس الماء فان الماء هو النفس اذ هو الفؤاد و اما كيفية اتخاذ الخلق المتكثر فتظهر لك من بعد ان شاء الله و اروي لك حديثا اتبرك به و فيه منافع جليلة جاء رجل الي ابيجعفر عليه السلام فقال يا اباجعفر جئت اسألك عن مسألة قد اعيت علي ان اجد احدا يفسّرها و قد سألت عنها ثلثة اصناف من الناس فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر فقال له ابوجعفر عليه السلام ما ذاك قال فاني اسألك عن اول ما خلق الله من خلقه فان بعض من سألته قال القدر و قال بعضهم القلم و قال بعضهم الروح فقال عليه السلام ماقالوا شيئا اخبرك ان الله تبارك و تعالي كان و لا شئ غيره و كان عزيزا و لا احد كان قبل عزه و ذلك قوله سبحان ربك رب العزة عما يصفون و كان الخالق قبل المخلوق و لو كان اول ما خلق من خلقه الشئ الذي من الشئ اذا لميكن له انقطاع ابدا و لميزل الله اذا و معه شئ و ليس هو يتقدمه و لكنه كان اذ لا شئ غيره و خلق الشئ الذي جميع الاشياء منه و هو الماء الذي خلق الاشياء منه فجعل نسب كل شئ الي الماء و لميجعل للماء نسبا يضاف اليه الحديث ، فظهر لك من [ص 113] هذا الحديث الشريف ان الماء لا نسب له بل هو مخلوق لا من شئ و لايعارضه ما ورد عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال ان الله تعالي اول ما خلق الخلق خلق نورا ابتدعه من غير شئ ثمّ خلق منه ظلمة و كان قديرا ان يخلق الظلمة لا من شئ كما خلق النور من غير شئ ثمّ خلق من الظلمة نورا و خلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات و سبع ارضين ثمّ زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءا مرتعدا الحديث ، اذ المراد من الماء في الخبر الاول هو الامكان الاول الذي هو قبل الاشياء و الماء في الخبر الثاني هو المادة الاولي المخلوقة في عالم الشهادة الاتري انه عليه السلام قال انه مخلوق من الياقوتة و هي الطبيعة الاولي و سيأتي بعد انشاء الله بيان المراتب و مرادي هنا محض ذكر التأثير و التكميل فمجموع الملك مخلوق لا من شئ بتأثير المؤثر الاول و لكن اجزاء الملك كلها مخلوقة بالتكميل فان الله سبحانه بيده العالية يأخذ ما يشاء من الماء علي ما اذكره نعم يثبت الاثرية و المؤثرية في الكون في المطلقات بالنسبة الي افرادها كالماء المطلق بالنسبة الي افرادها و النار بالنسبة الي افرادها و كذلك كل ماهية مطلقة بالنسبة الي افرادها و ذلك غير ما نحن بصدده مع انه في الشرع الكوني لا الكون الصرف فافهم و اما في سلسلة الشرع فجميع النزول بالاثرية و المؤثرية فان الله عز و جل خلق اول ما خلق نبيه (ص) و الائمة و فاطمة الصديقة عليهم السلام علي ما سيجيء و خلق من نورهم الانبياء و من نورهم المؤمنين الي آخر السلسلة و يشهد بذلك الاخبار و الآثار و صحيح الاعتبار .
اصل - اعلم ان مشايخنا اعلي الله مقامهم قد يستعملون لفظ الاثر و المؤثر في العرض المترتب بمحض ملاحظة ان السافل لايكون مخلوقا من نفس مادة العالي و لايريدون منه الاثرية و المؤثرية الواقعية فان الاثرية الواقعية تثبت بان يكون السافل من فعل العالي يعني يكون مادة السافل شعاعه و صورته ايضا من هيئة فعله كالقيام بالنسبة الي زيد و لا شك ان اثرية هكذا لاتثبت في العرض [ص 114] المترتب فان النفس لاتكون فعل العقل لا مادة و لا صورة و لكنها خلقت من غليظ مادة العقل و صورتها غير صورة العقل ايضا و لو كانت اثره لكانت علي صفته و هيئته كنور الشمس من الشمس و ذلك ظاهر لمن كان عارفا بالاصطلاح و لكنهم عبّروا في المقام بلفظ التأثير بمحض الاشعار بان السافل لايكون من نفس مادة العالي و لكن جماعة لعدم الاطلاع علي مرادهم ربما يأوّلون كلامهم علي المعني المعروف فلايظهر لهم مرامهم و لذلك يخطأون في فهم اكثر مسائلهم و العجب منهم حيث يرون من صريح كلام الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في فوايده الشريفة ان كل شئ مخلوق من الامكان و كل جزء من اجزاء الامكان صالح لكل الاكوان و الاعيان حتي انه يصرّح في تلو البيان بان كل قطرة من الامكان ليصلح لخلق النبي و الشيطان و مع ذلك يقولون انه قائل بثبوت الطول في الكون علي انه مخالف لصريح القرآن حيث قال الله تعالي خلق كل دابة من ماء و قال و جعلنا من الماء كل شئ حي و قال خلقكم من نفس واحدة و مرّ في صريح الخبر ما يغنيك عن كل بيان و بالجملة لايريد شيخنا اعلي الله مقامه من كلامه في السلسلة الطولية ما زعموا و يكفي في ذلك تصريح السيد السند (اع) في الرسالة البهبهانية بثبوت السلاسل و هي الطولية و العرضية المترتبة و غير المترتبة و بيانات ابي اعلي الله مقامه في تلك المسألة مغنية عن كل بيان و لانحتاج بعدها الي تفصيل المسألة كثيرا بعد الا انه لا بدّ لنا في تلك الرسالة من بيان علي وجه الاختصار و الاجمال و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
في السلسلة العرْضية المترتبة و فيه فصول :
فصل - اعلم ان في الكون الصرف لايثبت اختلاف في الخلق مطلقا اذ جميعهم من الاعلي الي الاسفل مظاهر الكينونة العليا و نسبتها الي الجميع بالسواء كما بيّنّاه سابقا و بهذا النظر كل شئ كائن ثابت و له نصيب من الكون بل لايري [ص 115] غير الكون فان امكان الاشياء من جهة الامكانية و هي لاتثبت الا بملاحظة ظهور الكينونة العلمية في الامكان و الا فهي بنفسها ازلية ثابتة لاتزول و لاتحول و اعيانها من عرصة القيود و هي حاصلة من الامكان مرئية بعد ملاحظة النسب و القرانات و بالنظر الاول لايري فيه نور الا نوره و لايسمع فيه صوت الا صوته و لا ظهور لغيره تعالي و لا وجود لسواه و يستوي جميع الخلق في حكاية الكون عللها و معلولاتها و اسبابها و مسبباتها و آثارها و مؤثراتها و نورها و ظلماتها الاتري انك تقول ان الشمس كائنة و انوارها كائنة و ليست الشمس باَكون من نورها و ان كان النور في وجوده قائما بالشمس فافهم و تدبر ثمّ ان لهذا الكون المطلق محل ظهور و بروز و الا لماقام و ان كان قائما بنفسه لربه في ذاته و لايحتاج في وجوده الي غيره و لكن لا بدّ للظهور من حامل و ذلك من تمام حكمة الحكيم كما في خبر الامام العليم و حقيقة تلك المسألة من الاسرار المحجوبة بالاستار و نكتم عن الاغيار و ان فرقتها في البيانات للاخيار و حامل هذا الكون المطلق و الوجود الحق للحق هو الامكان و وجوده في الاكوان اذ لايعقل قيام النفي بلا اثبات و الصلوح بلا فعل و تشخص الاكوان بالاعيان و البيانات الفصيلة حرمت الخلق عن الحقايق الوصلية و لكنا بينّا سابقا ان مثل الامكان كمثقال من مداد كتب به تمام الكتاب فكل المداد موجود في حروف الكتاب و كل حروف الكتاب علي المداد و كلها معلومة للكاتب فافهم ذلك ان شاء الله فاذا نظرت انت الي الكتاب من حيث حروفه و كلماته تري اعيانا مقيدة ثابتة و اذا نظرت الي المداد و ذلك بعد الغضّ عن الحروف و الكلمات تري مدادا غير متعين بشيء وجدانا و اذا قطعت نظرك عن صلوح المداد و قيد الحروف تري جميعها كائنة ففي الكون لا ترتب بينها و لا اثرية و لا مؤثرية لا بملاحظة نفسه و لا بملاحظة كونه في الاعيان فانهما جهتان مختلفتان في الظهور فانك مرّة تنظر الي الحروف و المداد و لاتري الا كونا صرفا و هو واحد لا اختلاف و مرّة تنظر و تري حروفا [ص 116] كائنة و هذا بنظرك الي الكون من حيث الظهور و بهذا النظر ايضا لا تفاوت بينها و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، الرحمن علي العرش استوي و كذلك في نفس المداد وجدانا لا تفاوت بينها اذ هي معدومة في المداد لا ذكر لها هنا الا بالصلوح و قد ثبت في الحكمة انه لا ترتّب في الامكان نفسه و لا اختلاف فيه ابدا و لكن الاختلاف في الحروف و الكلمات فمنها مقدمة و منها مؤخرة فان الحروف مخلوقة اولا و حصل من تركيبها الكلمات و حصل من تركيبها الكلام و من تركيبها الكتاب و كذلك الامر في الملك و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فانت اذا نظرت الي العالم بنظر الكون لاتري اختلافا بالنظرين المذكورين و اذا نظرت اليه بالامكان المطلق لاتري اختلافا و ذلك مفاد قول شيخنا اعلي الله مقامه ان كل قطرة من الامكان تصلح لكل شئ و مرّ الاشارة اليه و ليس مرادي التفصيل و ان فصّلت المطلب يطول الكلام ففي الامكان ايضا لا ترتّب و لا اثرية و لا مؤثرية و لا تنزّل و لا ترفّع مطلقا و اما في عرصة الاكوان فيحصل التفاوت فمنها ما هو اعلي و منها ما هو اسفل و منها ما هو لطيف و منها ما هو كثيف و لا بدّ لبيان كيفية النزول من عنوان فصل مخصوص .
فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق اول ما خلق المشية علي ما عرفت سابقا و خلق بالمشية الماء الاول و هو منها بمنزلة المصدر من الفعل و المصدر هو المفعول المطلق و لا فرق بينه و بين الفعل الا في الصفة و الا ففي الواقع و الحقيقة صورة المصدر في الثلاثي المجرد الذي هو علي الفطرة علي صورة الفعل الا ان قلبه ساكن و قلب (كذا) متحرك و حركته حركة ايجادية و سكون المصدر لاستقراره تحت الفعل و عدم خروجه الي خروجه و الا ففي الواقع هو ايضا متحرك بالاستمداد بالجملة فالمصدر هو المفعول الاول و الماء الاول الذي اشتق منه كل شئ و هو الامر المفعولي و هو في نفسه في غاية اللطافة و للطافته لايكاد يحدّ بنفسه بحدّ معنوي او صوري و قد ثبت في الحكمة ان الصورة نهاية المادة فاذا كانت [ص 117] المادة بسيطة بحسبها فكيف تحدّ بحد فنفس الماء الاول لايصوّر بصورة مطلقا و دليل ذلك انه يصدق علي جميع الاعيان اسم الماء المطلق فان الماء هو الامكان الجايز و هو الحقيقة و الوجود و يصدق علي كل شئ انه وجود جايز او وجود مقيّد او ممكن و يثبت لكل منهم حقيقة و فؤاد و لو كان متصوّرا بصورة لماظهر في غيرها و ان قلت انه يتصور بصورة و تلك الصورة تتصور بصورة اخري و هكذا و لما كان هو الاصل يثبت اسمه علي الكل اقول لو كان هكذا للزم صدق اسم الصور السابقة ايضا علي الصورة العارضة و لزم صحة ان يقال للجسم انه مثال و مادة و طبع و نفس و عقل كما يصح ان يقال انه امكان جايز و هذا خلف ، هذا و لا شك ان المادة لاتكون تمام الشئ المركب بل هي ركنه فان الفضّة لاتكون كل الخاتم بل هي ركنه و تقول الخاتم من فضة و كذلك لو كان الماء الاول مادة الاشياء لماصدق عليها اسمه و تري ان كل شئ يسمّي بالموجود المقيد و الوجود الجايز بل اقول نفس صدق اسم الامكان علي الاشياء لظهور الامكان الاول فيها و ادلة ذلك كثيرة و قد مرّ سابقا في القسم الثاني في بيان المادة النوعية ما يغنيك عن كل بيان فراجع فنفس الامكان و ان كانت مادة للكل الا انها المادة النوعية فهي مطلقة عن كل قيد و لاتقبل صورة الا النوعية و هي نفس الاطلاع و لكنها تتنزل و تتميز و اول نزولها يتصور بصورة العقل الاول المعنوي و معني تنزل الماء الاول ان مادة العقل في مقامها تنزل الماء الاول و لانقول انها اثره لما مرّ سابقا في بيان الاثر و المؤثر و قد يقال انها اثره بمقتضي نزولها منه و عدم ثبوتها في مقامه او وجودها بسببه و ان شئت ان تعرف حقيقة المسألة فاعرفها من الاجسام فان الجسم المطلق بشرط لا مادة نوعية للاشياء الجسمية و هو بنفسه لميتصور لتنافي الاطلاق التقييد بل هو صورته نفي ما سواه و لكن له رؤس بعدد الاشياء و هي جسمانية كل شئ و كلها تنزلات هذا الاطلاق و هو لايكون مؤثرها ابدا اذ هو صلوح و الصلوح لايكون مؤثر الفعليات و وجه آخر من البرهان ان المؤثر يعطي ما دونه اسمه [ص 118] و حدّه و انت تقول لجميع المقيدات انها جسم و لاتقول انها جسم مطلق نعم الجسم اللابشرط هو مؤثر الكل من جببين (كذا) المطلق بشرط لا فجسمانيته مؤثرة لا اطلاقه و مرّ بيان ذلك ايضا و لانعيد و كذلك الامر في مجموع الملك فمادة العقل ليست نفس الفؤاد الاعلي و الا لمابقي حقيقة ثابتة و لكن مادته تنزلها اي امكان غليظ قابل للتهيأ بهيأة العقل و تلك المادة مناسبة للعقل و لاتصلح لغيره و لو كانت صالحة لغيره لماخصّت بها و محال في الحكمة ان تتصور تلك المادة بنفسها بصورة الروح و لكنها بعد ما تصورت بصورة العقل و تغلظت صلحت للتصور بصورة الروح و مثال ذلك الماء و الجمد فان الماء بصرافته لا ينجمد و لكنه يتصور باللطافة و السيلان و لكن اذا عرضه برد شديد يتغلظ و الجمد يعرض الماء البارد ثمّ صورة التثليث و التربيع يعرض الجمد و الماء بصرافته لايكاد يتصور بصورة التثليث و التربيع ابدا و كذلك الامر هنا فان مادة العقل لاتصلح الا للتصور بالمعنوية و الكلية و هي لاتتكاد تتصور الا بصورة العقل و بعد ما تصوّر بصورة العقل تصير مكوّنة غليظة صالحة للتصور بصورة الروح و لكن بنفسه ايضا لاينزل و لايخلي مكانه فانه اذا نزل من مقامه للزم الطفرة لان الروح لايقوم في مقام العقل و لايقرب من المشية مثل العقل فلا بدّ من بقاء مقام العقل خاليا فينقطع الواسطة بين الروح و المشية و ان قال قايل ان المشية ايضا نزلت الي الروح بعد نزولها الي العقل و الفؤاد اقول يلزم من ذلك انقلاب العلة معلولا و يبقي الروح قايما بلا مشية اذ هو غير المشية فان المشية اذا انقلبت عن الفعلية لمابقي لها اثر ابدا و لماقام بها شئ و بالجملة ادلة المطلب كثيرة تظهر للعاقل المتدبر في الجملة ، فالعقل يقوم في مقامه و لكن شعاعه ينزل الي الروح و هو الذي يتصور بصورة الروح و الروح عقل غليظ و لذا مرّة يقال ان الانبياء من عالم الروح و مرّة يقال انهم من عالم العقول و هو ايضا ملحق بالجبروت و مرادي من هذا الشعاع غير الاثر بل المراد منه العكس و الشبح و مثله شعاع السراج فانه في الواقع ليس [ص 119] اثر السراج فانه ثبت في الحكمة ان الاثر لايقوم في مقام المؤثر و لايدرك بالمشعر الذي يدرك به المؤثر و تري علانية ان شعاع السراج يقوم في عرضه كشعاع الشمس و يدركان بالعين الجسماني و من ذلك عرفنا ان الشعاع ليس اثر السراج بل هو اخوه في الواقع قد ظهر بسببه علي المادة الهوائية و الجدار و لكن الشعاع مخلوق باثر الشعلة و اثرها اشراقها علي المواد و هو فعلها و بذلك يرتفع الاشكال فيما ذكره شيخنا (اع) في فوايده ان الروح اثر العقل و مثّل ذلك بشعاع الشمس و السراج و بالجملة فمادة الروح غير مادة العقل و غير نفسه و لكنها في مقامها و حدّها تنزل المادة العقلية و كذلك الحال في النفس قال عليه السلام في صفة النفس مواده التأييدات العقلية فعله المعارف الربانية ، و لميقل ان مادتها العقل و التأييد هو التقوية و هي بالاشراق و الافاضة و الحاصل ان مادة النفس ايضا تنزل الروح و هو بنفسه لمينزل ابدا و كذلك خلقت الطبع من تنزل النفس و المادة من تنزل الطبع و المثال من مادة الجسم ثمّ بعد ما نزل العوالم العالية هكذا الي الجسم نزل الجسم الي العرش بمعني ان فرده صار مادة العرش و منه نزل الي الكرسي و هكذا الا ان هذه المراتب ليست بالترتب بل هي بالتشكيك لان في المراتب الترتبية لايمكن استحالة السافل بالعالي فان النفس لاتصير عقلا ابدا و ان تلطفت الف سنة كما ان العالي لايتسفل و لكن المراتب التشكيكية يمكن انقلابها و مثل ذلك يظهر لك في الانسان فان البخار الصاعد من دم القلب يتلطف حتي يصير بلطافة العرش و في كل مرتبة يحكي نور فلك و كذلك الامر في الملك فلو كان وجود السافل مترتبا علي وجود العالي لكان ادون منه بذاته و ماامكن استحالته ابدا فالفرق بين المواد المختلفة في العرصة بالغلظة و اللطافة فما كان منها لطيفا صار مادة الافلاك و ما كان كثيفا صار مادة الارض و ذلك قوله عليه السلام في بدء الافلاك و الارض ان الافلاك مخلوقة من دخان الماء و الارض من زبده و لا شك انهما من سنخ واحد و كلاهما مادة و لذلك [ص 120] سمّينا تلك العرصة بالتشكيك اي المواد العالية متمادية الي السافل و السافلة متمادية الي الاعلي بلا خلاء و لا طفرة و وجه آخر في وجه التسمية ان لكل مرتبة من تلك المراتب عرشية و كرسية و فلكية و عنصرية فالعرش متمادٍ الي الارض و الارض متمادية الي العرش و بالجملة فموادها كلها جسمانية و التفاوت في الغلظة و الرقة و الكثافة و اللطافة نعم صورها لايستحيل بعضها الي بعض فالعرش لايصير كرسيا و الكرسي لايصير عرشا و الافلاك لاتصير عرشا و كرسيا و هكذا لانها صور خالية عن القوة و الذي يصلح للتحول هو المادة من حيث المادة فافهم فهذه سلسلة العرض المترتب ان عرفت و هذا معني ما ورد في الخبر ان الله سبحانه لما خلق العقل قال له اقبل فاقبل ثمّ قال له ادبر فادبر ثمّ قال له اقبل فاقبل ، اما الاقبال الاول فهو بتكمله و خروجه من قوة الامكان و قبوله الانوار الالهية و التجليات الربوبية حتي يصير قابلا للافاضة و الانارة و بعد ما اكمل خلقه امره بالادبار لبناء النشأة الاولي فادبر بالاشراق علي الامكانات النازلة فاطاع امر الله و ادبر الي ان نزل الي البعد الابعد و هو التراب ثمّ امره بالاقبال و هو الصعود لبناء النشأة الاخري اولها الصعود من الجمادية الي المعدنية و آخرها الغاية القصوي و ان الي ربك المنتهي و جميع ذلك نشآت العود و عرصات الوقوف فافهم و تدبر .