فصل - اعلم ان الله سبحانه كان قبل الكون و الامكان و لم‌يكن معه شئ مما كان فتجلي اول ما تجلّي لمشيته بنفسها لا بتجلٍّ سواها بل هي نفس تجلي اذ هو فعله و لا فعل له تعالي غير مشيته و هي فعل مخلوق و ليس فعله كفعل خلقه اذ فعلهم صرف حركتهم و الحركة هي صرف الالتفات و الانتقال و هو وصف عارض لاتقوم له بدون جوهر خارج هو المتحرك و لو لم‌يكن متحرك لايقوم الحركة و ارادة الله و فعله لاتكون هكذا و لاتكون حركة بهذا المعني بل هي خلق ثابت جوهري نسمّيه بالمشية لان الله جعله علة خلقه و ذلك قول الامام عليه السلام الارادة من الخلق هي الضمير و ما يبدو لهم و من الله خلقه نقلته بالمعني فالمشية الاولي هي ذات ثابتة قائمة بنفسها لا بجوهر غيرها الا ان قيامها بنفسها لربها و الله سبحانه قائم بنفسه لنفسه و معني ذلك ان الله يحيط بمشيته و مشيته لاتحيط به و لكنها محيطة بما دونها و لذلك لاتكون لما دونها فافهم فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المشية علي ما عرفت هي المبدأ و الذكر الاول لساير الكاينات و هي بنفسها كائنة موجودة و ليس ذاتها امكانا بمعني امكان الوجود بمعني النفي اذ لو كانت نفي الوجود لكانت بالقوة و القوة هي العدم و يلزم من ذلك كون المشية معدومة و تعالي الله عن ذلك و لايتصور العدم في المخلوق لا من شئ فانه ليس للمشية مادة سابقة يتصور عدم وجودها فيها و لكن مادتها فيها و صورتها منها فهي بالفعل ابدا و لكن يقال انها امكان للمشاءات و بلسان القشر نقول بالقياس التمثيلي ان فعلك هو اول صادر منك و هو في نفسه موجود بالفعل و لايكون معدوما و لو كان معدوما لكان منفيا غير مثبت و المعدوم لايسمّي فعلا و لا انفعالا فهو في نفسه بالفعل و لكنه بالنسبة الي الافعال الخاصة قوة يعني يمكن ان يحدث به غيرها فيتجلي [ص 73] بالضرب و النصر و غيرها فهذا معني ان المشية امكان لا ما زعمه المبتدي ثمّ اعلم ان المشية بنفسها لاتتطور بالاطوار كما مرّ سابقا في مقامات متعددة و لو كان هكذا للزم قول ضرار لعنه الله و برهان ذلك ايضا ظهر مما مضي فان الذي يتطور بالاطوار و يتصور بالصور هو الماء النازل من المشية و هو نورها و نسمّيه بالماء من باب صلوح تطوره و سرعة تصوره و قبوله و قد نسمّيه بالوجود تبعا لاصطلاح الناس و لكن حق القول فيه ان المشية بنفسها هي صورة الكلية اعني اذا نظرت الي جميع الحق و لاحظت فيهم الكلية اي الكلي الذي يصدق علي الجميع و يصلح للتجلي بالكل لا الصورة الجامعة فان بينهما فرق رأيت المشية و هي هي فعبّر عنها بما شئت و هي الوجود و نوصفه بالاطلاق لان وجوده لايشترط بشرط و لايحتاج الي غيره و لايقيّد بفعل سابق بخلاف الوجود المقيد فان وجوده مقيّد بسبق الفعل عليه و نراه صالحا ايضا للتجلي مع انه بنفسه لايتجلي و نري ذلك ايضا عيانا اذ نري وجود كل شئ غيره مقترنا بشرط شئ او اشياء و لو كان وجوده نفس هذا المقيد لكان مطلقا و ماكان مقيدا فنفس المشية لاتكون مادة للمقيدات و لها مادة خاصة غير المشية و هي شعاع المشية و نورها الظاهر في القوابل و هي الارض الجرز و هذا النور امكان الاشياء و لكنه في نفسه ايضا جوهر ثابت قائم بنفسه في حدّه فان كل شئ في حدّ نفسه مخلوق بنفسه الا انه جوهر ممكن يعني وجوده في نفسه لايكون واجبا لا بمعني انه امكان نفسه و ذلك امر غير معقول و لذلك ربما يتفق لك انك تنظر الي الشئ في نفسه و لاتلتفت الي امكانيته و لو كان نفسه امكانا لكنت تجده و مع ذلك لايكون امكانيته اعتبارية بل هي موجودة كساير الكليات و قد مرّ بيان ذلك سابقا فالنور الساطع من المشية الذي هو اصل الاشياء و الامر و الحقيقة المحمدية هو جوهر ثابت الا انه علة مادية للاشياء فهو امكان بالنسبة كون ممكن في نفسه فافهم هذه المسألة التي قلّ من التفت اليها فالناس ربما يسمعون الامكان الاول و يزعمون [ص 74] ان نفسه امكان و لايتعقلون ان الامكان لايكون ثابتا قائما بل هو منفي مع انك عرفت انه وصف يحتاج الي جوهر ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المشية هي الفعل و الماء هو المادة فهو مقام الانفعال و كلاهما امكانان للاشياء فالفعل امكان فعلي و الماء امكان انفعالي و لكن كلاهما راجحان بملاحظة برزخيتهما (ظ) بين الوجوب و الجواز فان الحكماء بعد ما عرفوا ان الله قديم واجب و الاكوان مقيدة جايزة اذ كلها مخلوقة من الامكان و الامكان هو تساوي طرفي الوجود و التساوي هو الجواز و رأوا ان المشية لاتكون من ماء سابق حتي يصدق عليها صفة الجواز و لاتكون مستقلة تثبت لها صفة الوجوب وصفوها بالرجحان و اقول بنفس هذا البرهان يثبت للماء الاول ايضا هذه الصفة لما ورد عن الائمة عليهم السلام ان نسب كل شئ ينتهي الي الماء و لا نسب للماء فالماء لا من شئ و ان كان بالمشية بنفسه فلذلك وصفناه ايضا بالرجحان و بملاحظة اخري نقول انه جايز اذ هو مخلوق بالمشية و هو مادة الجايزات و لكن قال شيخنا اعلي الله مقامه ان وصفه بالرجحان اولي و اذا كان مكانه الامكان الراجح فوقته الوقت الراجح و هو السرمد فالماء ايضا ملحق بالسرمديات و كيف كان هذا الماء و النور هو الفؤاد الذي قال الله تعالي ماكذب الفؤاد ما راي فعلي ذلك لايكون هو الوجود المقيد اذ لا قيد له ابدا و هو مطلق و الوجود المقيّد من العقل فما دونه و هذا القول عندي ارجح و اوفق بالقواعد .

فصل - اعلم ان البيانات تتلي و تسطر بالفصل لان العرصة عرصة الانفصال و المبتدي ايضا لايتصور غير ما سمعه مثلا اذا قلت له ان الشعلة ظهور النار و النار فوقها يزعم ان النار قائمة ارفع منها في هواء و هي دونها و تسمّي بالظهور لخفائها و القائل لا بدّ له من البيان الفصلي و لكن ليس للمستمع تصور الفصل فان الكلام ينزل من العقل الي اللسان و في كل مشعر من المشاعر يتصور بما يلايمه حتي يظهر في الحروف المقطعة باللغات العربية و غيرها و علي المستمع ان [ص 75] يصغي الي الناطق و يسمع كلامه و يفهم مرامه بان يقشّره لحا عن لحا و يلقي كل قشر في عالمه و يرقيه الي اعلي سموات وجوده الي حيث نزل منه حتي يظفر باللُبّ و يعرف الحقيقة و يطلع علي الدقيقة فلاتكن يا من يعرف مرامي و ينظر الي كلامي كابناء الجنس فتأخذ الكلام المعنوي و تفسره بالعرف اللغوي و تصرف بالصروف الصرفية و تركّبه بالقواعد النحوية و تصوّره بالنقوش الخيالية و تزعم انها تمام المرام و المبدأ و الختام و هيهات هيهات و اين الثريا من يد المتناول ، فان جميع ما يقال امثال و آيات لقوم يعقلون و بالجملة قد ذكّرتك ان تذكرت و نبّهتك ان تنبهت فلاتزعم من هذه البيانات ان المشية قايمة خارج الملك و الملكوت سابقة علي الناسوت و الجبروت و دونها ماء متلاطم تيّاره متراكم زخّاره علي ما يبيّن بل مثال الملك هذا الكتاب المكتوب و مثال الماء هذه الحبرة المنقوشة و مثال المشية يد الكاتب و حركته و لا مداد في الخارج غير ما في بطن الحروف و لا حركة سوي الكتابة بالفرض و لا كتابة الا حين الكتب فلاتغفل او نقول ان المشية كالنار و الماء الاول هو بمنزلة الدهن المشتعل بها و لاتنفصل عن الدهن و لاينفصل الدهن عنها و جميع هذا الماء او المداد علي القلم و القلم اول الاكوان و جميع ما علي لسان القلم مكتوب علي اللوح فالمشية في اللوح و الامر في اللوح و المداد في اللوح و القلم في اللوح و اللوح هو النفس الغيبية و الظهور تمام البطون و الشهادة عنوان الغيب فاللوح ظاهر في الشهادة فافهم و استغفر الله من طغيان القلم .

فصل - في صفة الامكان بقدر ما يقتضيه المقام ، قد عرفت مما بيّناه سابقا ان الامكان هو قوة لجميع الاكوان و صلوح صرف لها و ان كان في نفسه شيئا و معني الصلوح و القوة العدم بالفعل و الصلاحية و الاستعداد للتصور فلا ذكر لشيء فيه بالخصوص و التعيّن كالحروف بالنسبة الي المداد فانه لا ذكر لها فيه الا بانه يصلح للتصور بجميعها اعني يمكن ان يتكوّن و يتعيّن بالالفية و البائية [ص 76] و الجيمية و غيرها فهو في نفسه لا الف و لا باء و لا جيم و مع ذلك لايضادّها اذ المضادّة تحصل بين عينين لا بين نفي و اثبات بل لا نسبة بينهما في الواقع اذ النسب تحصل بين اشياء تقاوم بعضها بعضا بالوجود لا ما يكون وجوده منتفيا في شئ فمنتهي ذكر الحروف بالوجود و التعين دون المداد و بالجملة فالامكان عدم الاكوان بالمرّة و اذا عرفت ذلك فاعلم ان الامكان في نفسه في غاية الوحدة و البساطة الممكنة له لعدم فرض التفصيل فيه مع اطلاقه و قد نعبّر عنه من غاية وحدته و بساطته بالنقطة لانها اثر المشية و المشية واحدة بسيطة و اثر الواحد واحد فان الاثر يشابه صفة مؤثره كما هو مسلّم فلايفرض تبعّض الامكان و تجزّيه ، هذا و التبعض عرض يعرض الكموم و هي من الفعليات او يعرض ساير الاعراض ايضا بحسبها و الامكان لا عرض له بوجه و كذلك التبعض يفرض في شئ محدود له بداية و نهاية و ما لا حدّ له لا بعض له فلذا قلنا انه نقطة لاتقبل التقسيم ابدا فعلي ذلك كله عين بعضه و بعضه عين كله و لذا قال شيخنا اعلي الله مقامه ان كله يصلح لما يصلح له بعضه و بعضه يصلح لما يصلح بعضه و لكن هنا دقيقة يجب التنبيه عليه ( عليها ظ ) و هو ان نفس الامكان صالحة لكل شئ و يمكن ان تتصور بكل صورة و لكن الصور بعضها مترتبة علي بعض فلايمكن ان يعرض الصورة التي تترتب وجودها علي صورة اخري نفس الامكان الاول ، مثال ذلك الماء و الجمد و التثليث فان الماء من حيث هو يصلح لكليهما و لو لم‌يكن صالحا لهما لماتصوّر بالتثليث مطلقا و لكنا نري ان التثليث يترتب علي الجمد لان سيلان الماء يمنعه من قبول الاشكال و لكن اذا غلب عليه البرد و انجمد يمكن ان يتثلث و يتربع و هكذا و كذلك الامر في الماء الاول فانه و ان كان صالحا لكل الاكوان و لكن لاطلاقه و لطافته لايكاد يتجسم الا بعد التنزل في مراتب عديدة فافهم ذلك و من هذا الباب نردّ علي القايلين بوحدة الموجود مع ان كل الخلق خلقوا من الماء الاول و من لم‌يعرف هذا السرّ الشريف لايكاد يتيقن [ص 77] بالسلسلة الطولية و لكن من وقف علي هذا السرّ يطلع علي روح المسألة فلا بدّ من نزول الامكان في منازل الي ان يتصور بالصور الكثيرة و لاتزعم ان ذلك بسبب نقص في المشية نعوذ بالله او ضيق في الامكان بل ذلك من نقص الصور كما قال الامام عليه السلام في جواب من سأله عن قدرة الله هل يقدر ان يجعل السماء في البيضة من غير ان يصغّره و يكبّرها قال هو قادر و هذا مما لايكون ، و معني ذلك ان فعله غير ناقص و الامكان ايضا صالح لكل شئ الا ان صورة البيضة منعت امكانها عن ان يصير محلا للسماء و لكن ذلك يمكن بردّ البيضة الي الامكان ثمّ تصويره بصورة مناسبة لذلك فافهم فالامكان صالح لكل شئ و مع ذلك الامر علي ما ذكرت و لكن هنا دقيقة يجب التنبيه عليها و هي ان الامكان الاول بنفسه تتصور بصور الاكوان او بظهوره .

فصل - مرّ سابقا في بيان المادة النوعية من شرح هذه المسألة ما يغني الطالب و يقضي المآرب و يظهر المطالب و لكن في المقام اجمل الكلام لتقريب الافهام و ارتباط المبدأ و الختام ، فاعلم ان الامكان الجايز الراجح هو الماء الذي قال الله تعالي خلق كل دابة من ماء و قال و جعلنا من الماء كل شئ حي و في الواقع كل عباد الله دوابّ اذ هم اليه سايرون و جميعهم احياء اذ كلهم من العقل نازلون و هو مصدر الحيات اذ هو اول الآيات و قد قال الله تعالي ان الدار الآخرة لهي الحيوان فافهم فجميع الخلق مخلوقون من الماء و قال الامام عليه السلام ان نسب كل شئ ينتهي الي الماء ، و الاخبار الدالة علي المطلب كثيرة فهذا الماء هو امكان جميع الاكوان علي ما عرفت و هذا احد وجهي تسميته بالامكان و ليس فيه ذكر فعلي لشيء من الاشياء اذ هو قوة الجميع فهو في غاية الوحدة الامكانية مع انه اول شعاع من اشعة المشية بل هو شعاعها الاصلي و ساير الخلق صدروا منها بواسطته و هو المادة النوعية بصورتها للاكوان و لاتتصور بنفسها بالاكوان و لا الاعيان لان جميع الاشياء المتضادّة و المتؤالفة و المخالفة و الموافقة [ص 78] كلها مخلوقة منه و لو تصورت بنفسها بصورة منها لماتصورت بغيرها فانها لو صارت حمراء لماصارت صفراء لان الصفرة لاترد علي الحمرة و لو فرضت ذهاب الحمرة الي القوة و خروج الصفرة كما تري في الاجسام المقيدة للزم فناء الذاهب من الملك و تري وجوده و ان قلت ان نفسها تتجزأ اقول ان التجزي يتصور في المحدود و الامكان غير محدود فكيف يقبل التقسيم فافهم فلايتصور بعضه بصورة و بعضه بصورة اخري و وجه آخر في ابطال هذا الاحتمال انك تفرض ان بعضه قد تعيّن بالصور و بعضه الآخر باقٍ علي الامكانية لخلق غير المتعينات او جميعه قد تصوّر فان قلت بالاول اقول يلزم التحديد فان ما فرضت من الامكان انه باقٍ علي الامكانية يكون محدودا بالمكوّنات و يلزم من ذلك ان يكون مكوّنا لما مرّ سابقا ان نفس الامكان لايحدّ بالكون و ان قلت انه غير محدود بالاكوان اقول فمن اين تعرف ان جزءا منه باقٍ علي الامكانية هذا و يلزم من ذلك ايضا فناء الامكان يوما لانه يخلق منه اشياء يوما فيوما حتي يفني و ذلك ايضا غير معقول و ان قلت انه غير محدود و لايفني اقول فهو لايتجزأ و لايتحصص اذ غير المتناهي لايقبل التحصص ان قلت بالثاني اقول لزم عدم خلق شئ بعد لفناء المادة و ان قلت بالتبادل اقول ذاك مخالف للقدرة و عموم الرحمة و سعة الارادة و احدية الذات مع انا نري بالعيان ان الله يلحق دايما بالخلق الاول خلايق من غير تبديلهم فافهم فلايفرض مع ذلك كله تصوّر المادة الاولي بالصورة لا بصورة واحدة و لا بصور عديدة ، هذا و نقول بوجه الكشف حتي تقف علي الحقيقة ان كنت من اهلها ان الامكان الاول الذي هو الماء النازل من سحاب المشية هو الوجود الساطع من وجه المشية و هذا الوجود هو ما تراه في كل شئ و تصفه به فتقول زيد موجود و عمرو موجود و السماء موجود و هكذا و الناس يزعمون ان هذا الوجود هو الوجود الاول الاعلي اي الكينونة العليا و حاشا ان تصير محمولة علي الخلق كما لاتكون حاملة لما مرّ سابقا في التوحيد [ص 79] و في القسم الثاني في مبحث الوجود و الماهية و كذلك لايكون هو المشية لانها الوجود الكلي و الكلي بكليته لايحمل علي الجزئي و الا لكان جايزا ان تقول زيد وجود مطلق مع ان المشية هي الفعل و هؤلاء مفاعيل و المفعول مخلوق بالفعل و اما ما روي انه ليس الا الله و فعله و نوره ، فلايريد منه ان الخلق كلهم مشيته و الا للزم قول ضرار بل المراد انه هو و فعله مشيته و نوره المفاعيل اذ هم آثار فعله او يريد من الفعل المفعول كما يقال ان هذا العمل فعل فلان اي مفعوله او صنعه او مصنوعه فتدبر حتي تقف علي الحق و لاتكن من الغافلين فالوجود الذي يحمل علي الشئ هو المادة فتقول هذا موجود اي موجود بالوجود الذي هو المادة و تجعل الماهية اصلا موضوعا و تحمل عليه الوجود كما تقول الخاتم فضّة و السيف حديد و يؤتي بصيغة المفعول للدلالة علي المخلوقية فتدبر و بالجملة تري ان الوجود المادي يحمل علي كل مكوّن و معيّن فتقول انها موجودة و بوجودها ذلك تدل علي المشية اذ هو شعاعها و بالجملة فهذا الوجود المحمول علي كل شئ لو تصوّر بصورة شئ خاص للزم عدم حمله علي ساير الاشياء فانه لو كان بصورة السماء مثلا للزم عدم حمله علي الارض و الا لجاز ان يحمل السماء علي الارض و هذا غير معقول ، فظهر بذلك انه بنفسه علي ما كان و كان كما هو الآن كالمشية فانها علي ما هي عليه و لم‌تتغير عن حالها بخلق الخلق و لم‌تتعين و ان قلت ان كان الامر هكذا فكيف خلق بها الخلق و ان خلق بها الخلق فكيف لم‌تتعين و ان لم‌تتعين كيف صارت علة العين مع لزوم المناسبة اقول ان هذا هو الداء العضال و مبدأ الاشكال و سيجيء بيانه ان شاء الله و كلامنا الآن في الامكان الانفعالي فهو بنفسه ثابت علي ما هو عليه و لم‌يتصور بصورة سوي الحقيقة الامرية التي هي عين ذاته و قد خلق يوم خلق عليها و لكن لها انوار و اشعة بعدد ما خلق الله و هي مستطيلة من لدنها الي منتهي العوالم و بعضها فوق بعض و بعضها اثر لبعض و بعضها مترتّب علي بعض و هو المطلق [ص 80] فوقها و بلسان التأويل لانه اقرب الي الافهام نقول ان الامكانات هي بمنزلة الافراد للامكان المطلق كما ان الاجسام الجزئية افراد للجسم المطلق و الامثلة الجزئية افراد للمثال المطلق و المواد افراد للمادة المطلقة و هكذا و الامكان الانفعالي المطلق هو فوقها و محيط بها و الذي يحصص و يجزّأ و يقسم هو الافراد كالماء المطلق مثلا فانه جسم بارد رطب سيّال و هو منزّه عن التقسم و التجزي و التحصص لانه مجرّد بالنسبة و هذه الاعراض لاترد علي المجردات و لكن له افراد و هي ماء البحر و ماء النهر و ماء الاواني و الصور المختلفة ترد عليها و الامواج تعرض البحر لا الماء المطلق فانه فوق الجميع و اذا خلق آلاف من المياه الجزئية لاتنقص من الماء المطلق و لاتزيد عليه و لايتغيّر عما هو عليه ابدا و هو في كل حال هو هو و مع ذلك جميعها ماء فان قلت ان كل هذه الصور المختلفة من الماء لصدقت و مع ذلك لم‌يتصور نفس الماء بها و كذلك الامر في الآفاق فان جميع الاجسام مخلوقة من الجسم الامكاني و هو اثر للجسم المطلق بشرط لا و هو صورة مجموع الجسم من حيث المجموع و لكنه بنفسه لايتصور اذ المجموع لايصير جزءا و لكن خلق الله من شعاعها اجساما مترتبة بعضها علي بعض و صوّرها بصور السموات و الارض و غيرها فالسماء جسم سماوي و الارض جسم ارضي و النبات جسم نباتي و الجماد جسم جمادي و هكذا و هذه الاجسام الجزئية هي التي تتغير و تتبدل و تزيد و تنقص و اما الجسم الذي هو الامكان لها هو ثابت علي حالها في ضمنها و لم‌ينزل من مقامها و لم‌يتعين و كذلك الامر في الملك فامكان الاشياء هو حصة من الامكان اي فرد لا قطعة منه فانه لايتقطع و هذا الجزء يسمّي بالمادة الشخصية و الوجود المقيّد فالوجود الذي تصوّر بصور العقل الي التراب يسمّي بالوجود المقيّد و لها مطلق و هو الامكان الانفعالي فافهم حتي تعرف مراد مشايخنا و لاتزلّ قدم بعد ثبوتها و لما بلغ الكلام الي هنا ناسب ان نذكر كيفية تخصص المشية في بطون الاشياء [ص 81] و حقيقة رؤس المشية و بذلك يعرف مخلوقية الاشياء بانفسها .

فصل - قال شيخنا و عمادنا الشيخ الاوحد الامجد اعلي الله مقامه في فوايده بعد بيان مراتب الفعل و التمثيل بالحروف و الكلمة : ثم اعلم ان هذه الحروف التي هذه الحروف اللفظية مظاهرها قسمان احدها المرتبة الثالثة من مراتب الفعل و هو السحاب المزجي و الثاني افراد الفعل في فعل الشئ و ذلك لان فعل الله سبحانه لجميع الاشياء فعل واحد يجمعها علي كثرتها في وحدته قال تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر ، ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و له باعتبار تعلّقه بكل افراد الموجودات ذات او صفة رأس يختص به هو مشية الله الخاصة به فهذه الرؤس حروف باضافة كل رأس الي فرد من الخلق اذا نسبت الي الفعل المطلق و الخلق من جهة الافراد حروف بالنسبة الي المجموع و كل فرد منها باعتبار اسبابه و شروطه و مقوماته المذكورة من الوجود و الماهية و الستة المذكورة و الوضع و الاجل و الكتاب و الاذن و غير ذلك و نهايات تلك الاشياء المذكورة و اعراضها و اشعتها الي انقطاع وجوداته كل واحد متعلق بوجه مختص به من ذلك الرأس المختص بذلك الفرد من الفعل الكلي نسبة كل وجه الي ذلك الرأس كنسبة ذلك الرأس الي الفعل الكلي فهذه حروف لهذه الكلمة و الكلمات الجزئية حروف للكلمة الكلية فالفعل بالنسبة الي من دونه ذات واحدة استفادت الذوات من ذاتها تذوتاتها و الصفات من هيأتها تذوتاتها و من صفاتها توصفاتها و رؤس تلك الذات الشريفة المقدسة كثيرة و كل رأس فله وجوه كثيرة ، انتهي موضع الحاجة من كلامه علا مقامه و شرحه ظاهر لمريده و كلامه سند لمن استند اليه و لكن لا بدّ لنا من شرح المسألة بقدر ما يقتضيه المقام ،

فاعلم ان الله سبحانه كان في قدس ذاته و لم‌يكن معه شئ غيره اذ هو هو و قد خلق اول ما خلق مشيته بنفسها علي ما عرفت سابقا و لانعيد فالمشية هي بنفسها العلة و المعلولة و لايرد من ذلك نقص علي الله و لايلزم منه الدور لانك [ص 82] عرفت ان حيث العلية هو وجودها و حيث المعلولية هو ماهيتها فالمعلول غير العلة و لا ضير و المثال التقريبي لتشحيذ الذهن ان تضرب بيدك رجلك مثلا فأنت الضارب و المضروب من حيثين و كذلك الامر في المقام فالله الخالق للمشية بنفسها و نفسها العلة الفاعلية و لايلزم من ذلك كون الوجود بلا ماهية لسبق العلة علي المعلول لان المشية سرمدية بكلها و لايمضي عليها الوقت بل سبق العلة علي المعلول سبق علي و المعلول دونها ثابت دايما اذ هو مقام الانفعال الصرف الذي هو نفس المٰهية و لايتصور وجود الفعل بدونه ابدا فهما معا ثابتان مخلوقان هكذا الا ان العلة فوق المعلول ثمّ ان الله تعالي بعد ما اكمل خلق المشية اراد بها خلق الشئ فتجلي بفعله الذي هو تلك المشية الي الاكوان لها بها لا بغيرها اذ نورها الصادر من وجهها هو بنفسه حقيقة الاكوان اذ عرفت سابقا ان نوره ذلك عين الامكان و هو اصل الاكوان و به خلق ما خلق و هو العلة الا انه علة مادية و الفعل علة فاعلية و نفس الامكان بشعاعه قد تصوّر بصور الاكوان و صيغ كل كون من قسم من شعاع الامكان و هو نور المشية الاولية من حيث نفسه و ان كان من حيث انيته مصوّرا بصورة الماء و قد عرفت سابقا ان الماء النازل من سماء المشية نورها و هو من حيث الصدور علي صفتها و من حيث الظهور حدّ بالامكانية و اعلاه نفسه و وجوده و اسفله ماهيته و انيته و هو البرزخ بين المشية و المشاء و هو مخلوق بنفسه و كذلك بعد ما تعلّق بالاكوان تعيّن في كل شئ بحسبه ففي العقل بالعقلانية و في النفس بالنفسانية و في الروح بالروحانية و في الطبع بالطبعانية و في المادة بالمادية و في المثال بالمثالية و في الجسم بالجسمية و كل منها في حدّ نفسه مخلوق بنفسه و نفسه هي حقيقته و هي سهم من الوجود في كل شئ و كل الوجود من الماء الاول و هو من مشية الله علي ما عرفت و تلك الحقيقة هي الرأس من المشية في كل شئ اذ المراد من رأسها شعاعها و نورها و كل شئ خلق بنور المشية الذي جعله الله في كل شئ [ص 83] و انا امثّل لك مثالا حتي تقف علي الحقيقة فاعلم ان فعلك الصادر منك هو مطلق بالنسبة الي الافعال الجزئية و ليس له خصوصية بشيء دون شئ و انت قد تجليت له به و اوجدته بنفسه لا بغيره و هذا الفعل المخلوق بنفسه قد توجه الي الاسفل لاظهار شؤنه و شعبه فتجلّي الي الافعال الجزئية في محالّ بروزها و ظهر في كل منها بصورة تخصّه ففي محل الضرب بضرب و في محل النصر بنصر و هكذا و جميع هذه الافعال شؤن فعلك و انت كل يوم في شأن اي امر و فعل و تدبير و تقدير و لكنك توجد كل فعل من هذه الافعال بالشعاع الخاص به من اشعة الفعل لا الفعل المطلق فانه علة مطلقة و المعلول علي صفة علته و لايمكن ايجاد المعلول الجزئي بالعلة الكلية و لكن يصدر منه شعاع مطلق و هو يظهر في كل مرآة بحسبها فيظهر الالوان و الهيئات بحسبها افهم ذلك فكل لون من تلك الانوار موجود بالنور الخاص به قايم به قال الصادق عليه السلام هو يمسك الاشياء باظلتها ، و قد يأوّل الظل الي نور العالي في الشئ و قال عليه السلام صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلّي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و قال النبي (ص) من عرف نفسه فقد عرف ربه ، اي مربيه اي يد الله في تربيته و تنميته فافهم و ان قلت ان كانت الآثار كلها قايمة بانفسها فما معني القيام بالامر اقول ان الامر هو الاذن و لايكون شئ الا باذنه و قد امر الله الاشياء بالكون بقوله كن فتكونوا بانفسهم الاتري الي قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و كل عرب يعرف ان فاعل كُن هو فاعل يكون و الله هو الآمر و مثال ذلك و لله المثل الاعلي انك تقول لزيد اقعد فيقعد و المخاطب هو القاعد و فاعل القعود هو الا انه بامرك و كذلك الامر هنا فان الله امر العباد الذين علمهم بالعلم الازلي معيّنا و بالعلم الامكاني ممكنا بالكون فتكونوا بامر الله و لاتزعم انهم مخلوقون لغيره بل هم مخلوقون له بفعله المتعلق بهم بواسطة المشية و ان قلنا ان الفعل الذي صار علة [ص 84] وجودك هو رأس من رؤس المشية المتعلق بك لايلزم من ذلك ان لاتكون خلق الله بل خلقك بمشيته المتعلقة بك و ان قلت ان الخلق ان كانوا كائنين بانفسهم فلمَ لايكونون ثابتين قائمين دائما اقول كل شئ ثابت في مقامه دايما و يعلمه الله في حدّه و مقامه الا ان ظهوره في دار الدنيا بحسب الاستعداد و جمع الاسباب باذن الله تعالي و يكفي هذا القدر من البيان في المقام و سيجيء انشاء الله في بيان خلق الاكوان و الاعيان زيادة توضيح لذلك .

فصل - في ذكر القاب الوجود المقيّد الاول اذكرها لمحض الاطلاع علي الاصطلاح قال السيد السند الملاذ المعتمد اعلي الله مقامه في شرح قول اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين اول ما خلق الله الخلق خلق نورا ابتدعه من غير شئ الحديث ، هذا النور هو مبدأ المقيدات و هو في حدّ ذاته لا اسم له و لا رسم الا انه بحسب الاضافات و الاعتبار له اسامي كثيرة كالنور و الفؤاد و المادة و الاصل و العنصر و الاسطقس و الركن و العضد و الحقيقة من المبدأ و الموضوع و المحل و الهيولي و الاب فمن جهة صلوحه للاشكال و الظهورات سمّي هيولي و من جهة انه حامل للصور سمّي موضوعا و من حيث انه يخصص بالصورة سمّي مادة و من حيث انه آخر ما ينتهي اليه التحليل سمّي اسطقسا و من حيث انه اول ما يبتدأ عنه التركيب سمّي عنصرا و من حيث انه الجزء المقوم للشئ سمّي ركنا و من حيث ان الصورة متقومة به و متحققة بعده سمّي عضدا و من حيث انه مبدأ الاشتراك في المختلفين سمّي جنسا و من حيث انه مبدأ النشو و التخليق سمّي ابا و من حيث ان الشئ يتكون منه سمّي اصلا و من حيث وحدته و بساطته و قربه الي المبدأ سمّي نورا و من حيث تشبهه بالحدود و الصور سمّي شجرة و من حيث ذوبانه و عدم تمايز اجزائه سمّي بحرا و من جهة التمايز المعنوي و الحدود الغيبية سمّي هباءا و من جهة تساوي نسبتها مع كل الصور و كونه اول ما تعلّق به الجعل اولا و بالذات سمّي الحقيقة من المبدأ [ص 85] و من حيث ان به قوام الموجودات سمّي وجودا و من حيث ان به حياة الاشياء كلها سمّي ماءا و من حيث انه تأكيد للفعل الامر التكويني سمّي امرا و من حيث ان به يجري قلم الابداع و منه يستمد العقل و يمدّ الاشياء سمّي مدادا و من حيث ان به يتجلي الله للخلق و به يخاطبهم سمّي خطابا و من حيث ان الفيض الوحداني الاجمالي ببساطته يقع عليه و منه يصل الي الكائنات سمّي عرشا و من حيث ان بالقلب تتكون الحقايق و هو اصل للقلب و اعلي منه سمّي فؤادا و من حيث ان نسبة الممكنات المكوّنة في استمدادها من الله سبحانه به اليه متساوية سمّي قطبا و من حيث ان الحروف الكونية المستأصلة من الالف الكوني انما تحققت و تأصلت به سمّي نقطة و من حيث ان ظهور الحقايق به سمّي علما و من حيث ان معرفة الله سبحانه تحصل به سمّي اسما و امثال ما ذكرنا من الاسماء و الصفات باعتبار الملاحظات .

المقام الثالث

في السلسلة الطولية و العرضية و فيه مقدمة و مطلبان :

المقدمة

في ذكر بعض الكليات التي يجب التنبيه عليها و فيها فصول :

فصل - ان طائفة من الحكماء زعموا ان جميع الخلق من المبدأ الي المنتهي خلقوا من مادة واحدة و كما يجمعهم اسم المخلوقية بمشية الله تعالي يجمعهم المادة الاولي و هي هيولي الكل و اصل الموجود و هي الماء الاول و يقويهم علي الظاهر بعض الآيات و الاخبار كقوله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و قوله خلق كل دابة من ماء و قوله خلقكم من نفس واحدة و كذلك من الاخبار ما ورد ان اصل كل شئ الماء دلّت علي ان جميع الخلق ينتهي الي الماء و لكنك اذا امعنت النظر و اثبتت الفكر و دققت في الاخبار و الآثار و تفكرت في الآيات تعرف باليقين ان مراتب الخلق مختلفة و درجاتهم متفاوتة و ما منّا الا له مقام معلوم و انّا لنحن الصافون و لكل درجات مما عملوا و الاعالي لاتتصور بالصور الدانية و الاداني لاتتصف [ص 86] بالصور العالية و المؤمن طيّب نوراني بمادته و صورته و الخبيث خبيث ظلماني بمادته و صورته كما سيجيء بيانه ان شاء الله و لا تعارض بين الاخبار و الآيات لدي الحكيم و قد ظهر مما بيّنا هنا و في الامور العامة حق المطلب و ازيد هنا بعض الادلة لظهور المطلب كما هو حقه فاعلم ان الله سبحانه احد و الاحد لايقتضي بنفسه شيئا و فعله ايضا مطلق و لايقتضي امرا خاصا و قد اثبتنا ذلك مرّات و ان احببت فراجع حتي تقف علي ذلك و ان لم‌يكن له من نفسه اقتضاء فهو لايخصص شيئا بشيء باقتضاء نفسه و لايعطي احدا شيئا بحبه و قد كذب علي الله من قال ان له حبا ذاتيا بالخلق و اثبتوا العشق الالهي و قد ردّ عليهم في كتابه و قال عزّ من قايل اما الانسان اذا ما ابتلاه ربه فاكرمه و نعّمه فيقول ربي اكرمن و اما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي اهانن كلا بل لاتكرمون اليتيم و لاتحاضون علي طعام المسكين الآيات ، فظهر منها ان الله بميله الذاتي لايكرم احدا و لايهين و لكنهم يجزون باعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و العمل هو لسان الدعاء و الطلب و هو الاقتضاء و الجزاء هو الاجابة و العطاء و هو القضاء و هذا السرّ سارٍ في كل شئ قال الله عز و جل ادعوني استجب لكم و قال قل مايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان تخصيص المواد بالصور لايكون باقتضاء من الله اذ لايقتضي شيئا و لا بالمشية اذ عرفت سابقا انها فعل مطلق فذلك من قبل القوابل و هي المواد و لا شك ان المادة الواحدة لاتقتضي الا صورة واحدة لعدم اختلافها و الله سبحانه لايصوّرها الا بما اقتضت و محال في الحكمة ان يلبس عليها غير صورة واحدة و تري ان الخلق متفاوتون في الدرجات و الحالات و الصفات فليس الاختلاف الا من قبل المادة فكل مادة لطيفة تقتضي صورة لطيفة و كل مادة كثيفة تقتضي صورة كثيفة و كل مادة طيّبة تقتضي صورة طيّبة و كل مادة خبيثة تقتضي صورة خبيثة و كل مادة روحانية تقتضي صورة روحانية و هكذا [ص 87] و ذلك امر ظاهر و من مقتضي العدل الربوبي و من قال بغير ذلك فقد نسب اليه الظلم و وجه آخر في ابطال هذا الرأي السخيف ان المختلفين المخلوقين من مادة واحدة يتمكن كل واحد منهم من الوصول الي مقام غيره مثال ذلك المعادن مثلا فانها خلقت من البخار و الدخان الا انهما قد اختلفا فيها كمّا و كيفا و لذلك حصل الاختلاف في صورها و لكنه اختلاف عرضي اذ حصل باختلاف الاعراض و لذلك يمكن احالة كل معدني الي غيره بالتدبير فالنحاس يمكن تدبيره بالاكسير حتي يتحول فضّة او ذهبا و كذلك يمكن تنزيل الفضة الي النحاس و لو كان جميع الخلق هكذا من مادة واحدة و كان الاختلاف بالنقص و التمام كما زعم الآخوند او ساير الاعراض لكان يتمكن كل دانٍ من الترفع و كل خسيس من الشرف و كان يجوز للرعية ان يصلوا مقام النبوة و الامامة و هكذا اذ معني هذا الرأي العليل ان في قوة كل احد كل مقام و منزلة و قد انزله عن ذلك قيده فاذا دبّر نفسه و اصلحها يترقي من مقامه و يصل الي العالي فالاثر يصير مؤثرا و النور منيرا و المعلول علة و هكذا و هذا كفر صراح و ان قلت فما تقول في الآيات و الاخبار الدالة علي ذلك اقول لكلام الله و كلامهم محكما و متشابها و مجملا و مبيّنا و لا بدّ من ردّ المتشابه الي المحكم و المجمل الي المبين و ساتلو عليك بعض المحكمات في المطالب الآتية ان شاء الله و ان قلت ان السيد السند اعلي الله مقامه قال ان شيئا واحدا سماء و ارض و برّ و بحر و غيرها و الشيخ الامجد اعلي الله مقامه قال ما رويناه آنفا في صفة الامكان اقول ان شرح كلامهما يظهر لنا من ساير كلماتهما و مرّ سابقا بعضها و يأتي ان شاء الله و كيف يتصور في شأن حكيم مثلهما ان يقولا ان مادة النبي و الشيطان و الكافر و المؤمن واحدة حاشا و كلا بل صرّحا في مقامات بان النوريين من طينة عليين باختلاف درجاتهم و الظلمانيين من طينة سجّين هكذا و بينهما كاَبعد مما بين السماء و الارض مع ان الكل عباد لله و يصدق علي الجميع اسم الامكان كما يصدق علي الجميع [ص 88] المشائية و المقدريّة فافهم فانه دقيق فالحاصل ان قول القائلين بوحدة الموجود خطاء صرف و الحق ان درجات الخلق متفاوتة و اما قوله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي فالمراد منه الامكان الاول الذي هو اصل الجميع و هو مطلق و يصدق اسمه علي كل مادة فكل مادة ماء للصورة الواردة عليها و كذلك قوله خلقكم من نفس واحدة فان المراد منها في الظاهر ابونا آدم عليه السلام و خلق منها زوجها اي حوّاء خلقت من ظلع آدم و في المعني يريد منها الفؤاد الماء الاول و خلق منها زوجها و هي ماهيتها فلاتدل الآيتان علي اتحاد المادة و لكل احد مادة هي فرد من افراد الماء الاول و هو الحقيقة و الفؤاد و حقيقة كل شئ في رتبة خاصة و سيظهر لك تمام المسألة في تلو البيانات الآتية انشاء الله .

فصل - من المسايل المعضلة الكلية التي يجب معرفتها لابتناء اكثر مسائلنا عليها سيّما السلسلة الطولية و العرضية مسألة الكون و الشرع و بيان حقيقتهما من خواص مشايخنا و قد انفردوا اعلي الله مقامهم به بين الحكماء و شرحوها بانواع بيانات و قلّ من عثر علي حقيقتها بين تلامذتهم و انا اسأل الله ان يلهمني مرادهم و يوقفني علي الحق فيها و لا بدّ من ذكر عنوانات لتفريق البيانات فيها و لكونها اصلا من اصول الحكمة اعنون لكل بيان اصلا ان شاء الله .

اصل - اعلم ان بعض المبتدئين بعد ما سمعوا اسم الكون و الشرع و اثبات حكم لكل منهما زعموا انهما عالمان ينفرد كل واحد عن الآخر فالكون عالم براسه بلا شرع و له حكم وجودي و الشرع عالم منفرد براسه و له حكم شرعي حتي ان جماعة زعموا ان المعاد امر شرعي و في الكون لايثبت المعاد غفلة منهم عن حقيقة الحال و لكن الحق ان الشرع متصل مرتبط بالكون و الكون متصل بالشرع و الشرع بلا كون غير موجود ، الكون بلا شرع غير موجود فان الكون بمعني الوجود و الشرع لايثبت الا بالوجود فانه موجود و الشرع بمعني الصورة و الحدّ و الوجود لايثبت بلا ماهية و صورة و ذلك امر مشهود و قد زلّ فيه الاقدام لانهم لم‌يعرفوا الحقيقة [ص 89] المرادة و لذلك قد تحيّر بعضهم في امر المعاد انه لو كان شرعيا للزم قيام صورة الايمان و الكفر و ما بينهما بلا مادة فآل امرهم الي انكار معاد الاموات و تأويله الي معاني ركيكة و وجوه بعيدة يشمئز منها النفوس مثل قولهم ان المعاد امر نسبي فالانسان حين كونه حيا في الدنيا هو محشور لله تعالي و يجزيه وصفه فصدقه مثلا جنته و كذبه ناره و امثال ذلك من التأويلات التي يضحك منها الثكلي و اوّلوا الي مرادهم اخبار الاطهار نعوذ بالله من غضب الجبّار و ليس ذلك الا نتيجة زعمهم ان المعاد شرعي و ان روح الايمان روح شرعي بلا كون و قول اصحاب التناسخ في الواقع احسن من قولهم اذ هم يثبتون بعد الموت ثوابا و عقابا في الدنيا بحسب حلول الارواح في الابدان الا انهم انكروا المعاد و زعموه في الدنيا و لو فهموا مراد المشايخ من الكون و الشرع لمازلّ اقدامهم و ماسفه احلامهم و انا اريد و لا حول و لا قوة الا بالله ان ابيّن الاصطلاح في هذه الرسالة حتي يقف طالبوا الحق علي المراد .

اصل - اعلم ان الكون بمعني الوجود ، و الشرع بمعني الدين و قال في المصباح انه مأخوذ من الشريعة و هي مورد الناس للاستسقاء سمّيت بذلك لوضوحها و قال ايضا طريق شارع يسلكه الناس عامة و قال في القاموس الشريعة ما شرع الله تعالي لعباده و الظاهر المستقيم من المذاهب كالشِرعة بالكسر فيهما و قال في الشرع انه مثل الشئ كالشِرع بالكسر و شَرَعَ لهم كمنع : سَنَّ الي ان قال الناس شرع واحد و يحرّك اي بأج واحد و الناس في هذا شرع و يحرّك اي سواء ، اقول البأج مهموز العين اي الضرب و اللون يعني الناس لون واحد و قال في المجمع في قوله تعالي علي شريعة من الامر اي سنة و طريقة هذا في المعني اللغوي و اما في الاصطلاح فالشرع يستعمل بمعني الصورة و لعلهم اخذوه من الطريقة او المورد و بايّ وجه كان لايخلو من مناسبة و الكون يستعمل في مقام المادة و قد قسّم ابي اعلي الله مقامه الكون الي كونين و الشرع الي شرعين [ص 90] فكون وجودي و وجود كوني و شرع وجودي و وجود شرعي بملاحظة الكون الاول الثابت القائم الاولي و الكون المقيّد و الصورة الاولي الثابتة لكل شئ و الصورة الشرعية الثانوية ، بيان ذلك في الجملة ان الله سبحانه قد تجلّي اول ما تجلّي لكون ثابت قايم و هو الوجود الاول الوحداني الذي يعبّر عنه لدي التعبير بالكينونة الظاهرة في المشية و العلم و نفس المشية و هو الظاهر من كل شئ و اوجد من كل شئ في مقام وجوده و نسبته الي جميع الخلق بالسواء لاحديته بالنسبة فالخلق متساوون في الدلالة عليه و حكايته كما قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في انفسكم أفلاتبصرون ، و قال مولانا ابوعبدالله الحسين عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و في دعاء ليلة الخميس لايري فيه نور الا نورك و لايسمع منه صوت الا صوتك ، فبهذا النظر لايري في الملك سوي نور الله اذ لاتري الكينونة الا بعد كشف سبحات الجلال من غير اشارة و محو الموهومات بلا عبارة و قطع النظر عن كل الآيات حتي لاتبقي لها امارة فحينئذ لاتري الا كونا ابديا ازليا و جميع الخلق شركاء في حكاية هذا النور الاعظم مشتعلون بهذا السراج الوهّاج دالّون اليه و هذا هو الكون الاول الساري الجاري ثمّ انك اذا رددت النظر الي الآيات و العلامات و شاهدت المقامات وجدت خلقا مختلفين في المقام مترتبين في الصور و الاحكام فذوات و صفات و اسماء و مسميات و علل و معلولات و معانٍ و صور و غيوب و شهاديات و هكذا و هذا المقام هو وصف الكون الاول البتة و المقام الاول هو الاصل الثابت القايم و المقام الثاني مظهره و مجلاه و في هذا النظر يختلف الاحكام بحسب الصور و ان كانوا متفقين في الكون و العبودية لله تعالي ، مثال ذلك السراج و نوره او زيد [ص 91] و صفاته فانك مرّة تنظر اليها بانها اكوان ثابتة و لاتري في نظرك هذا الا كونا واحدا و السراج كائن و النور كائن و زيد كاين و صفاته كائنة فجميع الاشياء مشاركون في الكون و لكن بعض الاكوان في الخارج علة بعض و بعضها وصف لبعض و بعضها مترتب علي بعض و هذا المقام بالنسبة الي المقام الاول كالصورة و المقام الاول مادة لها و مقام الصورة شرع في الواقع الا انه شرع وجودي و الخلق في هذا المقام ايضا عباد لله و كل اتوه طائعين و سجد له سواد الليل و بياض النهار و ان كانوا في الصور مختلفين ثمّ انك اذا نظرت الي الاشياء من حيث اكوانها المقيدة تري كونا ثانيا هو ظهور الكون الاول و آيته و هو مقام تشخصهم و تعيّنهم فان زيدا في نفسه كون مقيد بالزيدية و عمرا كون مقيد و هذا غير النظر الثاني اذ هو كان في الاكوان الكلية من حيث الذاتية و الوصفية و العلية و المعلولية و هذا في الاعيان الجزئية الا انها من حيث اكوانها المقيدة فزيد كون مقيد بالزيدية و اذا قطعت نظرك عن قيده تري كونا مطلقا و هو المقام الثاني و اذا قطعت نظرك عن اطلاقه تري الكون الصرف نور الله الاجل الاعلي و ظهوره الاكرم الاسني الابهي و الكون المقيّد هو آيته و علامته في عرصة الاشخاص و بعبارة اخري نقول انه المادة الشخصية و الكينونة العليا بملاحظة ظهورها في عرصة الاطلاق مادة نوعية و مقام الاطلاق صورة نوعية و لكن الكينونة من حيث الآئية لله لاتكون مادة نوعية و لكنها النور الطالع علي المادة و اما المادة فهي الوجود الظاهر في الاطلاق فافهم و بالجملة هذا الكون المقيّد في الاصطلاح يسمّي بالكون الوجودي كما ان الكون الاول يسمّي بالوجود الكوني ثمّ لا شك ان الخلق في هذه الانظار الثلثة كلهم شرع سواء و لايكونون مؤمنين و لا كافرين بل كلهم مؤمنون بملاحظة كما سيجيء بيان ذلك في الجملة ان شاء الله و الايمان و الكفر وصفان عارضان كما في الخبر ان الكفر صفة فعل و ذلك بعد الوجود كما قال الله تعالي كان الناس امة واحدة فبعث الله [ص 92] النبيين مبشرين و منذرين و قال تعالي و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقيٰكم فبعد ما عمر الديار بخلق الجبّار و اراد الله تعالي تكميل القوابل بعث الرسل و انزل الكتب و اقام الاولياء و نصب الاصفياء اعلاما للهداية و حججا للدلالة فقاموا مبشرين و منذرين و هدوا الخلايق الي رب العالمين فآمن من آمن و كفر من كفر فتصوّروا بصورة اخري و صعدوا الي مقام اعلي و نفخ فيهم روح اخري و هي غير الزيدية و العمروية و الحيوانية و الانسانية الكونية بلا شك و لا شك انها تظهر في القوابل بالوصفية كما انها عادة المراتب العلوية في قوس الصعود الي المقامات العلية فانه ثبت في الحكمة ان كل ما هو مقدم في الوجود مؤخر في الشهود فالمقام الاول يثبت كالجوهر و المقام الثاني يعرضه كالوصف كالنطق بالنسبة الي الحيوان فان الحيوانية تخرج من قوة النبات اولا فيقوم النبات حيا ثم يعرضه النطق الذي هو صورة الانسانية فيمتاز بها عن ساير الانواع و بين الناطقين من يؤمن بالله فيتعلق به روح الايمان و منهم من يكفر فيتعلق به روح الكفر فيمتازون بهما و لذلك يقال ان هذه الروح صورة شرعية اي وصفية تعرض الاشخاص الكونية و لا شك انها ايضا طور آخر من الوجود فلذلك يقال انه وجود شرعي و قد نقول لدي المسامحة انه صورة شخصية كما نقول ان الوجود المقيد مادة شخصية و لكن المولود الشرعي في الواقع له مادة ذاتية و صورة ذاتية و الوجود المقيد ايضا له مادة و صورة ذاتيتان الا انه مادة عرضية لروح الايمان و روح الكفر فافهم و مرادي في هذا المقام محض معرفة الاصطلاح و سيجيء من البيان ما يكفيك ان شاء الله .

اصل - اعلم ان الكون و الشرع سرّان ساريان في جميع عرصة الوجود و لا قوام لشيء الا بهما و لايقوم موجود الا بهما و ذلك لما عرفت ان الشرع صورة للكون و لايقوم شئ في ملك الله الا بالصورة كما عرفت سابقا مكررا ان كل شئ مركب من مادة و صورة و ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قايما بنفسه [ص 93] دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه و ذلك تأويل قوله عز و جل جعلنا لكل منكم شرعة و منهاجا و قال الحكماء كل ممكن زوج تركيبي و قد اشبعنا القول في هذه المسألة و لانعيد فكل ما رأيته او سمعته مما سوي الله جميعها مركب من مادة و صورة مادتها اصلها و مبدأ وجودها و جهة ربها بملاحظة و صورتها حدّ المادة و نهايتها و ما به تشخصها و فعليتها و هما في كل شئ بحسبه ففي المشية الاولي التي هي الوجود المطلق نقول انها مركبة من مادة و صورة كما عرفت سابقا مفصلا و ما يقال انها مخلوقة لا من شئ يراد منه شئ سابق اذ كل شئ مخلوق بالمشية و لا شئ قبلها و لكن لها مادة ركنية من نفسها و هي جهة اثريتها لله تعالي و هي نفسها و علم الله المتعلق بها و لها صورة و هي مقام انيتها و حدّها و جهة اطلاقها و ينبئك عن المقامين اسمها اذ تقول انها وجود مطلق فالوجود اسم لمادتها و الاطلاق اسم لصورتها كما تقول في الانسان انه حيوان ناطق و في العقل انه جوهر درّاك فالحيوان و الجوهر اسمان لمادتهما و الناطق و الدرّاك اسمان لصورتهما و كذلك الامر في المشية و لكن هذا قول متعارف علي الرسم يجري علي الالسنة و الاقلام لبعد الحقيقة عن الافهام و لايضرّني الاشارة اليها في المقام ،

فاعلم ان المقام الاول للمشية الذي هو نفس التجلي هو الشرع في الواقع و ان سمّي بالكون و هو الصورة في الحقيقة لان الصورة هي الفعلية و المادة هي القوة و لا شك ان كينونة المشية هي فعليتها و جهة الاطلاق مقام الامكان كما صرحنا بذلك في هذا الكتاب و لااظن عاقلا يقول ان الكينونة التي هي العلم و العلة الغائية و النفس لاتكون صورة و الامكان و الاطلاق الذي وجوده بغيره صورة فافهم فالحق في المقام الانقلاب بان نقول ان الكينونة هي مقام الصورة و الشرع اذ قيام كل شئ بها و الاشياء لاتقوم بالقوة بل هي قايمة بالفعلية و لكنها كما تكون مقدمة وجودا تكون مؤخرة في الظهور و اما الامكان الذي هو مقام التجلي لها و به تظهر هو المادة و ان شئت ان تقول ان الامكان اي الامكان [ص 94] الفعلي الذي يسمّي بالمشية مركب من مادة و صورة فمادته مادة امكانية و صورته صورة امكانية و قد تجلّي لها الكينونة فلك و من هذا الباب قد يقال باربعية اجزاء المشية و لكن جميعها في غاية الاتحاد و الاتصال و قد مرّ شرح ذلك فراجع و بالجملة فالمشية مركّبة من مادة و صورة فمادتها تسمّي بالكون و صورتها تسمّي بالشرع و قد تسمّي الاولي بالمشية الكونية و الثانية بالشرعية و لكنهما في الواقع واحد الا ان التسمية بذلك من باب التفهيم و التعليم و هذا السر الذي ذكرنا سارٍ في جميع الكاينات فان جميعها مخلوقة بمشية الله تعالي فهي من المشية كشعاع الشمس من الشمس و شعاع كل ذي شعاع مثله في الصفة كما لايخفي و بهذا البرهان النيّر نقول باليقين ان خلق الله في غاية الحسن و الجمال و البهاء و الكمال و لا نقص في الخلق مع انا لم‌نشاهد الجميع و نحكم عليهم بذلك بالبتّ و اليقين لا الظن و التخمين و ذلك لانّا عرفنا باليقين ان جميع الخلق آثار المشية و المشية كاملة فهي كاملة و كذلك نقول ان المشية مركبة فهي مركبة فان آثار المركب مركب و نقول لها مادة و صورة فللآثار مادة و صورة فموادها اكوانها و صورها شرايعها من العقل و قد اخطأ ظن من ذهب الي بساطة العقل و النفس فانهما خلقان من خلق الله و قد علمت ان الله تعالي لم‌يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره و ربما يستدلون علي مرادهم بما ورد عن علي عليه السلام في صفة العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت ، و قد اشتبه عليهم معني الحديث اذ مراده عليه السلام انها عالية عن المواد الجسمانية و عارية عن قويٰها اذ هي فعلية و لايريد انها بسيطة فان نفس قوله (ع) صور تدل علي تركيبها اذ التعدد ينافي البساطة فاذ كانت عديدة فهي مركبة و لا اقل من ان تكون مركبة مما يجمعها علي النفسانية و صور تميز بين الافراد هذا و قد اشار عليه السلام الي موادها بقوله تجلّي لها و الي صورها بقوله فاشرقت او بالعكس علي المعني الثاني الذي ذكرنا في المشية فلاتغفل [ص 95] و يكفي في المقام تصريحه عليه السلام في حديث النفس بقوله موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية و في حديث العقل في صفته جوهر دراك الخ ، فالجوهر مادته و الدراكية صورته فافهم و تبصر و ليس المقام محل بسط هذه المسألة فللعقل مادة و صورة مادته كونه و صورته شرعه و صورته اثر الكينونة المتجلية للمشية و صورته اثر الامكان المطلق و كذلك للنفس مادة و صورة مادتها اثر الامكان الظاهر في العقل و صورتها اثر الكون الظاهر فيه و هكذا يجري الامر في جميع الخلق فلكل موجودة كون و شرع و لايخلو شئ منهما فانصف من نفسك كيف يفرض اختلاف الشرع من الكون و الكون من الشرع نعم الكون الوجودي و الشرع الوجودي ثابتان مع الوجود اذ لايثبت كون الشئ بدونهما و الوجود الشرعي يتعلق بعد الخلق و له مادة و صورة مادته تسمّي بالوجود الشرعي و صورته تسمّي بالشرع الشرعي و قد يسمّي الاولان بالكون الوجودي و الوجود الكوني و الآخران بالشرع الوجودي و الوجود الشرعي و المطلب واحد و لا بدّ لذكر الآخرين في عنوان خاص و لما كان معرفتهما منوطة بمعرفة الشارع نقدّم وصفه ثمّ نبيّن ما اردنا بيانه ان شاء الله .