قال اعلي الله مقامه و رفع اعلامه في فوائده التي هي جواهر عليّنية ( عليينية ظ ) و حِكَم ربانية في صفة بدأ المشية و صفة بدأها بنفسها ان الله سبحانه قبض من رطوبة الرحمة بتلك الرطوبة نفسها بها اربعة اجزاء بها و من هبائها جزءا به فقدّرهما بهما في تعفين هاضمتهما فانحلا بهما و انعقدا بهما و تراكما بهما و هذا هو المشية و هو المسمّي بتلك الاسماء المتقدمة و لهذا المقام في تزييل الفؤاد اربع مراتب : فالاولي الرحمة و النقطة و السرّ المستسر و السرّ المجلل بالسرّ و الثانية الرياح و النفَس الرحماني الاولي المشار اليه بالانحلال الاول و الثالثة الحروف المشار اليها بالانعقاد الاول و هو السحاب المزجي المثار من شجر البحر و الرابعة السحاب المتراكم و الكلمة التامّة و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و الكاف المستديرة علي نفسها و هذه المراتب انما تعددت باعتبار التفصيل الفؤادي في كشفه ، الي آخر كلامه علا مقامه و لعمري هو كافٍ عن كل بيان الا انه اعلي الله مقامه قال صدر كتابه اني كتبت هذا الكتاب للترويع فلميرد التوضيح و لكني اذكر لك في المقام ما يفسّر لك المطلب و ينكشف لك المسألة ان كنت من اهل الطلب الا ان الناس فرحهم دائما بما لايعرفون و ان كشف لهم عن مسألة لايعتنون و لكني اكتب لاهله فاعلم ان هذه المقامات ثابتة للمشية و انت ان لمتر المشية بعينك [ص 48] تري آثارها و جميعها تشهد لمؤثرها بها كما ان الكتابة تشهد لحركة يد الكاتب و انت كل ما رأيته في الخط من الاعوجاج و الاستقامة و النقوش تستدل بها علي حركة يد الكاتب و تعلم باليقين ان الخط بنفسه لاينوجد و ان المداد لايحدث الخط و لا القرطاس فجميع ما في الخط من يدك خيرا او شرا حسنا او قبحا و لذا يرجع الي الكاتب جميع ما فيه و به و لذلك قال الله تعالي ويل لهم مما كتبت ايديهم فبسبب ما كتبوا ثبت لهم الويل و كذلك الامر في الملك جميع ما تراه في الملك و الملكوت موجود بسبب المشية اذ انفسها لمتكن بنفسها و الامكان الذي هو مادتها لاتوجدها فجميعها موجودة بالمشية و هي لاتحدث الا ما تجده فكل ما تراه في الملك يكون في المشية غاية الامر انها بسيطة و اجزاؤها متصلة متحدة اذ باعث الاختلاف فيها غير موجود لاسرار كثيرة ليس هنا محل ذكرها و مرّ الاشارة الي بعضها فاذا عرفت هذه المسألة الشريفة فاعلم انا نري عيانا في الملك ان لكل شئ كائنا ما كان يثبت مقامات اربعة بل بناء الملك من جميع الحيوث و الجهات يدور علي الاربعة فكلمات التوحيد اربعة و اركان العرش اربعة و اصول الالوان اربعة و الجهات اربع و العناصر اربعة و اركان البيت اربعة و كلمات بسملة اربع و اصول الدين اربعة و قس علي ذلك ما سواها بالجملة جميع الملك بناؤها علي اربعة و من ذلك عرفنا ان المشية ايضا قائمة باربعة اركان لا من حيث نفسها بل من حيث المتعلق فانك قد عرفت سابقا ان المشية متعلقة بالامكان و ظهورها به و الامكان لها بمنزلة الانفعال و القابلية اي انفعال نفس الفعل بالفعلية فمن حيث تعلق الجهة العلياء بالسفلي يحصل لها صورة تركيب ثمّ لا شكّ ان الكون من حيث نفسه مطلق غير مقيّد بقيد مطلقا فلا اختصاص له بالمشية و غيرها من المشاءات الاتري انك تصف الجميع بالكون فتقول المشية كائنة و غيرها كائنة و كذلك الامكان ايضا من حيث الامكانية اعمّ من امكان الفعل و الانفعال فلايخصّ واحدا منهما و انت اذا نظرت الي المشاءات [ص 49] تجد هذا الكون و الامكان المطلقين في الملك سارية ثمّ الكون المطلق من حيث ظهوره في جهتي الامكان يتخصص بهما فان الامكان له اعلي و اسفل اما اعلاه ففعلي فقط و اما اسفله فانفعالي فقط فالكون المتعين بالامكانية اذا ظهر في الامكان الفعلي يتعين بالفعلية و في الانفعالي بالانفعالية فالمشية حينئذ مركبة من كونين كون مطلق و امكان مطلق و كون فعلي و امكان فعلي و الاكوان مركبة من كونين كون مطلق و امكان مطلق و كون انفعالي و امكان انفعالي فللمشية اربعة اركان بها هي هي و هي الاربعة الاجزاء الرطوبية التي ذكرها شيخنا اعلي الله مقامه و اما اليبوسة فهي في الواقع قوامها بسبب جمودها و لاتفارقها و لذلك قد لاتعدّ و قد تعدّ بمقتضي انها الصورة الخامسة لها و لكن تلك الاركان في غاية الاتحاد و الاتصال فكونها عين امكانها و امكانها عين امكانها و فعليتها نفس امكانها و كونها و ليس ثَمَّ الا المشية الواحدة و لكنا عرفنا من الآثار فانّا بعد ما رأينا في جميعها هذه المقامات اثبتناها فيها و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، ثمّ انّا ربما نلاحظ اربعية جهات الفعل في المتعلقات اي المفاعيل فانا نري ان كل شئ في الملك مركب من مادتين و صورتين فانها ثابتة في كل شئ من الاشياء بحسبه و جميعها مخلوقة لله تعالي علي خلاف ما زعمه الزاعمون و قد مرّ سابقا بيان بطلان قولهم و فساد رأيهم حيث قالوا ان الماهيات غير مجعولة و لانعيد و قد خلق الله جميع ما خلق بفعله و مشيته و ما لميتعلق الفعل بالمفعول لايوجد و لذا نقول ان للمشية رؤسا بعدد جميع ما خلق الله و هي آثاره و ظهوراته فالفعل المتعلق بالمادة النوعية يسمّي بالمشية و الفعل المتعلق بالصورة النوعية يسمّي بالارادة و الفعل المتعلق بالمادة الشخصية يسمّي بالقدر و الفعل المتعلق بالصورة الشخصية يسمّي بالقضاء و الامضاء في مقام تركيب الصورة علي المادة و اتمام العمل فهي من حيث نفسها واحدة و من حيث الآثار متعددة و ان قلت فوصف نفس المشية من حيث هي بها غير مسوغ لوحدتها اقول ان بناء الملك [ص 50] علي ذلك فان كل ذات مطلقة عن الاوصاف و لايعرضها الاختلاف و لكنها تظهر في الصفات و تتعين بالسبحات و توصف بها فتقول مثلا زيد قائم قاعد راكب نائم و القائم و اخواته كلها زيد مع انه ذات واحدة و لكنها تتعين فيها و تتشخص بها و لولاها لماوجد زيد مشخّص لا في المثال و لا في الدنيا و كذلك الامر في الفعل فانه مطلق من حيث نفسه و لكن بعد ما ظهر في المادتين و الصورتين تعيّن بها و وصف فيها فسمّي باسماء بحسبها فاذا نظرت اليها من حيث الفعل تقول كلها فعل و لكن من حيث المجالي و المظاهر تقول انها متعددة و كل فعل تعلق بالمفعول الخاص ايضا نقول انه مركب علي حذو ما ذكرنا في الاشخاص فان الفعل المتعلق بالمادة مركب من مادة اولية مطلقة هي الاثر المطلق الصادر من مشية الله و صورة مطلقة نوعية من انيته و ظهرت حصة منه في المادة النوعية للمفعول و تخصصت بها فصارت مشية لها و ظهرت حصة في الصورة النوعية فصارت ارادة و كذلك في القضاء و القدر مادة و صورة شخصيتين فكل منها مركب من مادة نوعية و صورة نوعية و مادة شخصية و صورة شخصية و لما وصل الكلام الي هنا ناسب ان نذكر ما ورد في تعدد مقامات الفعل و نشرحه علي ما شاء الله .
فصل - عن ابيالحسن عليه السلام قال لايكون شئ في السموات و الارض الا بسبعة بقضاء و قدر و ارادة و مشية و كتاب و اجل و اذن فمن قال غير هذا فقد كذب علي الله او ردّ علي الله ، فظهر من هذا الخبر ان الشئ لايوجد الا بهذه السبعة و عن الرضا عليه السلام في حديث عمران قال و اعلم ان الابداع و المشية و الارادة معناها واحدة و اسماؤها ثلثة ، فظهر من هذا الحديث ان المعني بجميعها واحد و ان كان اسماؤها عديدة و يظهر من اخبار اخر ان التعدد بحسب المتعلق علي ما شرحناه فعن العالم عليه السلام في حديث و بالعلم علم الاشياء قبل كونها و بالمشية عرف صفاتها و حدودها و انشأها قبل اظهارها و بالارادة ميّز [ص 51] انفسها في الوانها و صفاتها و حدودها و بالتقدير قدّر اقواتها و عرف اولها و آخرها و بالقضاء ابان للناس اماكنها و دلّهم عليها و بالامضاء شرح عللها و ابان امرها ذلك تقدير العزيز العليم و شرحها مولانا الرضا (ع) في حديث آخر بوجه آخر ليونس قال يونس لايكون الا ما شاء الله و قضي و قدّر فقال قال عليه السلام ليس هكذا يا يونس و لكن لايكون الا ما شاء الله و قدّر و قضي تدري ما المشية يا يونس قال لا قال هي الذكر الاول تدري ما الارادة قال لا قال العزيمة علي ما شاء تدري ما التقدير قال لا قال هو وضع الحدود من الآجال و الارزاق و البقاء و الفناء تدري ما القضاء قلت لا قال هو اقامة العين و لايكون الا ما شاء الله في الذكر الاول و سئل العالم عليه السلام كيف علم الله قال علم و شاء و اراد و قدّر و قضي و امضي فامضي ما قضي و قضي ما قدّر و قدر ما اراد فبعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقديره كان القضاء و بقضائه كان الامضاء فالعلم متقدم المشية و المشية ثانيه و الارادة ثالثه و التقدير واقع علي القضاء بالامضاء و بهذه الاخبار يرتفع الاشكال في شرح مراتب الفعل و سبب التعدد و كذلك يظهر لك ايضا ترتيبها و معانيها و لا بدّ من شرح الاخبار في الجملة لزيادة التوضيح .
قال شيخنا الامجد اعلي الله مقامه و رفع في جنان الخلد اعلامه : اعلم ان الفعل باعتبار مراتبه عند تعلقه بالمفعولات ينقسم الي اقسام : فالاول مرتبة المشية و هي الذكر الاول كما قال الرضا عليه السلام ليونس و المراد ان الشئ قبل المشية لميكن له ذكر في جميع مراتب الامكان فأول ذكره معلوميته في كونه و مثاله فيما يبدو لك ان تفعله فانه لميكن شيئا قبل ان تذكره فاذا ذكرته كان ذكرك له اول مراتب وجوده و هو كونه و الثاني الارادة و هي العزيمة علي ما يشاء و هي ثاني ذكره و معلوميته في عينه و لميكن له وجود قبله الا الذكر الاول الذي هو كونه و هو صدور الوجود قبل لزوم الماهية له و بها تلزم الماهية و بالمشية كانت الارادة لترتبها عليها و الثالث القدر و هو الهندسة الايجادية [ص 52] و فيه ايجاد الحدود من الارزاق و الآجال و البقاء و الفناء و ضبط المقادير و الهيئات الدهرية و الزمانية من الوقت و المحل و الكمّ و الكيف و الرتبة و الجهة و الوضع و الكتاب و الاذن و الاعراض و مقادير الاشعة و جميع النهايات الي انقطاع وجوداته و في هذا اول الخلق الثاني و بدأ السعادة و الشقاوة و بالارادة كان القدر لترتبه عليها و هذه الاشياء المذكورة تجري في الخلق الاول علي نحو اشرف و انما ذكرت هنا لانه محل الهندسة و هناك محل بساطة و الرابع القضاء و هو اتمام ما قدّر و تركيبه علي النظم الطبيعي فالقدر كتقدير آلات السرير للطول و العرض و التهيئة و القضاء تركيبها سريرا و الخامس الامضاء و هو لازم للقضاء و هو اظهاره مبيّن العلل مشروح الاسباب لاجتماع مراتب التعريف لآثار الصفات الالهية فيه فالاربع المراتب الاول هي الاركان للفعل و الخامس بيانها و بالقدر كان القضاء و بالقضاء كان الامضاء فهذه الاربعة هي صبح الازل و النور الذي اشرق من صبح الازل اربعة انوار هي العرش الذي استوي عليه الرحمن برحمانيته التي هي هذه الاربع المراتب من الفعل فالنور المشرق عن المرتبة الاولي هو ركن العرش الايمن الاعلي و هو النور الابيض و النور المشرق عن المرتبة الثانية هو ركن العرش الايمن الاسفل و هو النور الاصفر و النور المشرق عن المرتبة الثالثة هو ركن العرش الايسر الاعلي و هو النور الاخضر و النور المشرق عن المرتبة الرابعة و هو ركن العرش الايسر الاسفل و هو النور الاحمر فالبياض من المشية لكمال البساطة و الصفرة من الارادة لزيادة الحرارة في البياض و الخضرة من القدر لاختلاط سواد الكثرة من اثر القدر بصفرة اثر الارادة و الحمرة من القضاء لاجتماع بياض المشية بصفرة الارادة في حرارة حكم القضاء بالامضاء ، انتهي من كلامه علا مقامه ما يتعلق بالمقام و لكنه كلام مشكل صعب مستصعب و قد شرحه بنفسه و اوضحه في الجملة علي نهج الاختصار و لكني ابيّن المسئلة هنا بوجه آخر يتبين به حقها فاعلم بعد ما [ص 53] عرفت مما بيّناه و اوضحناه سابقا في وصف المشية انها واحدة بسيطة في غاية البساطة و تعددها بحسب المتعلق ان المشية في نفسها مثلها مثل النار ان عرفت الحقيقة و لاتقوم وحدها و لا بدّ لها من دهن تتعلق به و هو المفعول الحقيقي و بلسان آخر نقول ان المشية في نفسها هي الفعل و الفعل حركة المسمّي و هي قائمة بالمحرّك صدورا و بالمصدر الذي هو المفعول الحقيقي ظهورا و قد قيل ان الفعل فعل حين الصدور مع الصدور و لكنه بعد الصدور مصدر و تعرف حقيقة ذلك في المثال ان فعلك حين الضرب هو الحركة الصادرة منك حين الضرب مع الضرب و لكن ما يتجاوز منك و يتعلق بغيرك هو الضرب المصدري و ما يشاهد منك ايضا هو المفعول لا الفعل بل الفعل يري و يلاحظ في المصدر لا غير و لا وجود له ايضا في غيره فالمصدر ظهور الفعل و بروزه و آيته و مرآته و بالنسبة الي المشية ايضا يكون الامر هكذا فان المشية هي فعل الله و هي الوجود المطلق بشرط لا و الوجود المطلق لايقوم الا بمظهر و هو مفعوله اذ كل شئ موجود به و الانسب به و الاقرب هو الامكان الاول الذي قد يعبّر عنه بالفؤاد و الحقيقة المحمدية صلوات الله عليها و قد يقال انه حقيقة الملك و الماء الذي منه كل شئ حي و هو اول مفعول للمشية و هو مرآة للمشية و هي بقدرها اعني ان المشية صالحة لكل فعل و هو صالح لكل انفعال و قد تعلق به المشية كتعلق النار بالدخان المشتعل بها و لايتفارقان ابدا و الدخان ايضا حاصل بالنار من غير مادة سابقة و هذا الدخان الامكاني ايضا من نفسه لا صبغ له و لا لون و لا هيئة اذ هو قوة صرفة و لكونه قوة لاتقوم الا في بطن الاكوان فلا بدّ له من بدن كوني قد خلقه الله له بتلك المشية من الامكان معهما و هو مركب من مادتين و صورتين اما المادة الاولي فهي نفس الامكان و صورته العقل فانه معنوي كلي و هو قد جمع كل الامكان في نفسه اذ هو صورة كلية تحويه الاتري انه يقال ان العقل معني مجموع الملك و يجيء شرحه ان شاء الله و هو عرش الملك ثم قبض الله تعالي منه نورا جعله مادة للخلق [ص 54] الثاني و هي شخصية بالنسبة الي الفؤاد الاول و قد كساها حُلّة النفس فتم بها خلق الغيب و هي الصورة الشخصية بالنسبة الي العقل فالمولود الغيبي صار صاحب مقامات اربعة و هي في الواقع مراتب الامكان اذ ظهر فيها فانه ظهر في العقل و العقل تجلّي بالروح و الروح تجلي بالنفس فالنفس مولود كامل مركب من مادة نوعية و صورة نوعية و مادة شخصية و صورة شخصية و قد تعلق به مشية الله تعالي فصار للمشية بمنزلة الدهن و ليس الدهن الا رواسب الدخان و ليس الدخان الا طافي الدهن ان عرفت و الدخان هو نار ظاهر و النار الغيبية هي الكينونة المتجلية بها فالنفس هي الشجرة الزيتونة و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و هي ظهور مشية الله العليا و جميع ما تفعل المشية تفعل من النفس و لذلك نقول ان النفس هي آية الله في العالم و يده و يجري الله تعالي ما يشاء في ملكه بالنفس و قد مرّ شرح ظهور الافعال بواسطة النفس في الجملة و ربما يأتي في تلو البيانات في هذا القسم ايضا و لما عرفت سابقا ان المشية تتكثر بحسب المتعلق نقول انها بعد ما ظهرت في النفس تفصّلت فالفعل المتعلق بالفؤاد سمّي مشية و المتعلق بالعقل سمّي ارادة لانه مقام العزيمة و المتعلق بالروح قدرا و المتعلق بالنفس قضاءا ثمّ انك قد عرفت من بيانات شيخنا اعلي الله مقامه ان القضاء بالامضاء و به يتم المولود كاملا و ما لميمض الشئ يحتمل فيه البداء فلا بدّ من ظهور الامضاء و هو مقام اتمام الشئ و اكماله و لايمكن ذلك الا ببروز الشئ من الغيب الي الشهادة فانه ما لميخرج الي الشهادة يحتمل عدم تكوّنه فان الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، فلذلك انزل النفس الي عالم الشهادة و لا بدّ من ظهورها بتمام مراتبها و هي مجتمعة في الغيب غير متفصلة كما يزعمه المبتدي و تتفصل في الشهادة في الجملة فيظهر الفؤاد الاول في الطبع و لذلك ورد ان اول ما خلق الله ياقوتة فان الياقوتة هي الطبيعة الحاصلة من تركيب العقل الابيض و الروح [ص 55] الاصفر بحرارة النفس الغيبية فانهما قد تركبا في النفس و اثرت فيهما حرارة النفس فحصلت الطبيعة من النور الاحمر الحاصل منها فتدبر ثمّ يظهر العقل في المادة و هي الماء الذي حصل من ذوبان الياقوتة بسبب نظر الله اليها بالهيبة علي ما في الخبر ثمّ يظهر الروح في المثال البرزخ بين الجسم و المادة ثمّ يظهر النفس في الجسم و بهذه الاربعة تتم مقامات الشهادة و هي ايضا بعضها في بعض الا ان تفصيلها اكثر من الغيب و بها يمضي الملك الكلي و هي مظاهر المشية فعل الله تعالي فبملاحظة ظهور الفعل فيها يقال انه اربعة بل خمسة و بملاحظة نفس الفعل يقال انها واحدة و قد نقول ان العقل هو مظهر المشية و الطبع مظهر القضاء لان به تمام الشئ و هو مقام الابرام و الامضاء في مقام الجسم و لكل وجه .
فصل - اذا عرفت ما قدّمناه مع ما شرحنا في هذا الفصل فاعلم ان المشية هي الذكر الاول فانها ان كانت في الفؤاد نقول انه اول ذكر الخلق فان اول ذكر الشئ مادته الاولي و ان كانت في العقل نقول انه الذكر الاول اذ هو اول الكون و علي ذلك نقول ان المشية المتعلقة بالامكان هو العلم كما قال الشيخ الاوحد الامجد اعلي الله مقامه المشية اذا تعلقت بالامكانات سمّيت علما و بالاكوان سمّيت مشية و بالاعيان ارادة و بالهندسة و وضع الحدود من البقاء و الفناء سمّيت قدرا و اذا تعلق بالاتمام سمّيت قضاءا و بالوجه الاول الذي قلنا المشية مقام عدم ترجح الطرفين اي جهتي الامكان فان الامكان طرفاه متساويان و الفعل اذا تعلق بالامكان يسمّي مشية و اما الارادة فهي مقام العزيمة و العزم هو مقام ترجيح احد الطرفين و ظهورها علي الاول في العقل اذ هو مقام التعين في الجملة و هو مقام ترجّح الكون و علي الثاني ظهورها في الروح فان العقل بالنسبة الي الروح مادة و لا تعيّن لها اذ هي معني غير مصوّر و علي ايّ معني مثلهما فيك انك تشاء في نفسك اولا فعلا و لكنك مردّد في فعله و تركه و لمتعزم علي احدهما ثمّ تختار وجها منهما فالاول يسمّي مشية و الثاني ارادة و اما القدر فهو مقام [ص 56] الهندسة الايجادية و هي تقدير اجزاء الشئ المراد و ظهوره في عالم الروح علي الاول و في النفس علي الثاني و لكل وجه و مثله فيك حين جمعك اسباب ما تريد صنعه و تهيئة مادته الشخصية كالالواح و المسامير و الاركان و العضادات مثلا للسرير و اما القضاء فهو مقام الابرام و هو تركيب القطعات و لكنه قضاء حين العمل و بعد ما خرج من تحت النجر بالتمام و حصل السرير المراد المقدّر يمضي و ظهور القضاء علي الاول في النفس و علي الثاني في الطبع و الامضاء علي ايّ حال في الاسفل فافهم و اعرف مراتب تفصيل الفعل فعلي ذلك المشية للخلق هي محض ذكر اي ذكر العالي لهم ليس لهم ذكر تفصيل في المشية ابدا اذ عرفت مما بيّنا انها امكان فعل و كذلك الارادة و هي و ان كانت اقرب الي التعين الا انها محض التعين النوعي كأنك تعزم علي صنع سرير و لكن محض العزم مطلق بالنسبة الي السرير و لذا نقول انها الصورة النوعية و في عرصة التقدير تتشخص موادهم دون صورهم و في عرصة القضاء بالامضاء تتصور و تتعين فمقام ذكر الاشياء علي التعين و التخصص في مقام القضاء لا قبل و لذا يحتمل البداء في كل مرتبة و مقام الي ان تبلغ حدّ الامضاء و بعد الامضاء يمكن محوها و لكن لايمحي الا ما اثبت فافهم هذا البيان و قد مرّ في القسم الاول شرح البداء بقدر الحاجة .
فصل - في بيان الاذن و الاجل و الكتاب ، اعلم ان الشئ لايكون الا بفاعل و قابل و ما من الفاعل الفعل و ما من القابل القبول و الفعل بظهوره في القابل يتصور باربع صور فعلية علي ما بيننا و القبول صفة الامكان و هي من حيث نفس الامكان واحدة و من حيث القبول و التمكن يتفصل الي ثلثة و هي الاذن و الاجل و الكتاب .
اما الاجل فهو يتعين في الشئ المقدّر حين التقدير باشراق الفعل و يدلّ علي ذلك الحديث السابق في شرح التقدير و بيانه في الجملة ان الصانع اذا اراد صنع شئ يأخذ له حصة من المادة و يصوّرها علي ما علم ثمّ شاء فاذا كانت المادة مادة ساذجة [ص 57] معتدلة و اخذها الصانع و دبّرها و احكمها يكثر دوامها و بقاؤها و اذا كانت علي خلاف ذلك يسرع فناؤها فتعيين الاجل في عرصة التقدير بحسب القابلية ، مثال ذلك الخشبة فانك ان اخذت خشبة صلبة جافّة و نحتتها بحسن التدبير و صنعتها علي صورة السرير تبقي مدة مديدة و ان اخذت خشبة رخوة مدودة رطبة و صنعتها سريرا لايبقي الا اياما يسيرة و سيفني فتعيين المدة في المقام بحسن التدبير في التقدير و كذلك للشئ في كل مقام من المقامات الاربعة اجل و هو مدة بقائه علي حال فله اول و آخر و لما كان جميع ما من القابل ايضا من الفعل الا انه انفعالي ينسب الي الفعل فيقال انه ايضا من مراتب الفعل و اما الكتاب فهو ايضا من شؤن القابلية بحسب التقدير و القضاء فانه ما كتب علي الشئ مما يرد عليه من الواردات و هي بحسب القابلية و يعيّن جميعها في مقام المادة الشخصية و صورتها و اما في المقامين الاولين فلا ذكر لشيء مما يرد علي الشئ كما لا ذكر له بنفسه الا بالقوة و الواردات و العوارض كلها بحسب المواد و الصور الشخصية فانها جواذب لها .
و اما الاذن و قد اخّرت ذكره لتفصيله في الجملة بالنسبة ، فاعلم ان كل شئ لايوجد في الملك الا باذن الله و ان جمع جميع الاسباب و رفع الموانع و ذلك لان الكل من الله تعالي و منه البدأ و اليه العود كما في الخبر فلاينوجد شئ الا باقباله تعالي فلايحصل شئ في الملك الا بعد توجهه تعالي و بذله و جوده و المشية و الارادة و القدر و القضاء هي اعالي وجود اركان الشئ و هي بانفسها لاتكون الا بالله فضلا من جمعها و تركيبها و هو تعالي لايكاد يقبل الي عبده الا بدعائه قال الله تعالي ادعوني استجب لكم فالفعل المتعلق باجابة الداعي يسمّي في الشرع بالاذن و مثال ذلك فيك انك تأخذ الخشب و تنشره و تقطعه و تنحته الواحا و مسامير و ان شئت تركبها و ان شئت تتركها و لايحتم عليك الاتمام لسرّ الاختيار فيك فكيف بالنسبة و قد قال الله تعالي الا ان [ص 58] يأذن الله لمن يشاء و يرضي و قال من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الاذن لا بدّ منه في كل مقام فالارادة تكون بالمشية باذن الله و ان لميأذن لاينزل الشئ من المشية بل لاينزل الشئ من العلم الي المشية الا بالاذن الاتري ان الله يقول في شأن نبيه و لو تقوّل علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين و قال في اهل النار و لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه و لايكون شئ من ذلك و لميشأ الله مع انه علمه فهو ثابت في علمه و لميأذنه بالنزول الي المشية ابدا و كذلك اذا لميصلح الشئ للعزيمة عليه ربما يشاؤه و لايعزم عليه ابدا و لايعزم الا علي ما اذن يتصوره بالنوعية من الاجناس و كذلك ربما يريد شيئا و لكنه لايصلح للنزول الي عرصة التقدير كما قال الله تعالي يريد الله ليحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين فان هذا الامر مما علمه الله و شاءه و اراده و لكنه لميقدّره بعد فان تقدير هذا الامر بظهور الامام عليه السلام و لمايأذن الله في ذلك فاذا ظهر الامام يخرج ذلك الي عرصة التقدير ثمّ يأذن في القضاء يوما فيوما الي يوم رجعة النبي (ص) فيقطع دابر الكافرين يومئذ كما في الخبر و اما في الدنيا فلميحصل ذلك و كذلك النزول من القدر الي القضاء و من القضاء الي الامضاء و به ينقطع الرجاء و لايؤثر بعد الدعاء الا بالمحو و قطع الاجل فافهم ذلك فالمادة النوعية لاتوجد الا بالاذن و الصورة النوعية ايضا لاتوجد الا بالاذن فربما يخلق المادة و لاتتصور فيقال بدا لله و ربما تتصور و لكن لاتتحصص الا بالاذن فان لميأذن الله يقال بدا لله و كذلك ما لميمض يحتمل البداء و اذا امضي فلا بداء و لما كان الاجابة بحسب استعداد الداعي ينسب الاذن ايضا الي مراتب القابلية فافهم .
و قال ابي اعلي الله مقامه كلاما موجزا في المقام و معناه كثير اذكره في المقام محض التيمن ، قال بعد كلام له في الخلق : فالمادة النوعية مخلوقة بفعل يسمّي في اصطلاح الائمة الاطهار صلوات الله عليهم بالمشية و الصورة النوعية مخلوقة [ص 59] بفعل يسمّي بالارادة و المادة الشخصية مخلوقة بفعل يسمّي بالقدر و الصورة الشخصية مخلوقة بفعل يسمّي بالقضاء فاذا وقع الشخص مشروح العلل مبين الاسباب في الخارج يسمّي الفعل الموقع له كذلك بالامضاء و لما وقع في مكان حدوده و زمان شهوده يسمّي الفعل المثبت له كذلك بالكتاب و لما كان في كل رتبة واقفا بباب الاذن و ان كان مقتضيه موجودا و مانعه مفقودا يسمّي الفعل المتعلق باجابة دعوته بالاذن و لما كان في جميع هذه المراتب لوجوده اول و آخر يسمّي ذلك الامتداد بالاجل انتهي ، و لاينافي قوله اعلي الله مقامه ما قلناه في الكتاب فانه مراده محض التمثيل و كذلك نقول في الكتاب معني آخر و هو ان الشئ في كل مقام بعد تصوره بالصورة اللازمة له من المادية و الصورية يقال كتبت عليه كما قال الله اولئك كتب في قلوبهم الايمان اي تصوّروا بصورة الايمان فصار لازما لهم و لي كلام من السرّ المكنون اشير اليه في الجملة في معني الاذن و هو ان جميع ما يجري في ملك الله تعالي جميعها بواسطة القطب و القلب ان عرفته و هو الذي يربط الاعلي بالاسفل و الاسفل بالاعلي و قد تحيّر القوم في وجه ارتباط القديم بالحادث لعدم معرفتهم به و لو عرفوه لمااشتبه الامر عليهم و مثله كمثل قلب الانسان فانه السفير و الواسطة بين الروح الملكوتي و البدن فيأخذ من الاعلي و يؤدّيه الي الاسفل و يأخذ من الاسفل و يؤدّيه الي الاعلي فالمشية اذا تعلقت بخلق يلقيها الله الي القلب و ما اقتضاه و دعاه هذا الشئ ايضا يؤدّيه اليه فاذا شاء ان يقرن دعاءه بالاجابة و يؤلّف بين القضاء و الاقتضاء فعل و الا فلا و لايخالف مشية الله في شئ ابدا اذ هو من المشية و بها و فعله ايضا بها فالاذن الخاص في القلب و اما بغير هذا الوجه و التأويل فلايؤمن احد به اذ الناس يرون ان بالقدر يثبت المقدّر و لا اقتضاء ايضا فاذا وجد المقتضي و رفع المانع يحتمون الشئ علي الله تعالي و لذا قالوا ان الشئ ما لميجب لايوجد و لكنا نقول ان الذات لاتقتضي شيئا و مع ذلك لايجب عليها شئ و الامور [ص 60] باذنه و اذنه رخصته و رخصته بميله و ميله في قلبه و هو المرجّح و بهذا المعني ان قلت ان الاذن هو الترجيح لطرف الامكان ايضا لايضرّك و الامكان ثابت في كل مقام فلا بدّ من مرجح في كل مقام فان المادة النوعية امكان للصورة النوعية و الصورة النوعية امكان للمادة الشخصية و المادة الشخصية امكان للصورة الشخصية و لاتخرج صورة من الامكان الا باذن جديد و الأاذن هو القلب و ذلك باطن قوله تعالي و اذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا و علي كل ضامر يأتين من كل فجّ عميق ليشهدوا منافع لهم ان عرفت الباطن و وقفت علي سرّ الحقيقة .
فصل - في حقيقة الامر ، قال الله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و ورد اخبار عديدة في ان امر الله تعالي مشيته و ارادته و يظهر منها ان الامر المعلق بالارادة في الآية المعبّر عنه بكُن ايضا نفس المشية و هم سلام الله عليهم اعرف بالقرآن من غيرهم و لايجوز لاحد ان يأوّل القرآن برأيه ،
قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في شرح قول الآخوند (ره) الكتاب من عالم الخلق و الكلام من عالم الامر يريد بعالم الخلق و عالم الامر المقتبسين من قوله تعالي الا له الخلق و الامر ان عالم الخلق عالم المواد فكل الاشياء المادية و صفاتها عنده من عالم الخلق و عالم الامر عنده هو الاشياء المجردة كالعقول و النفوس و الطبايع بل و جوهر الهباء من عالم الامر لان المجردات هي الفعّالة و الماديات هي المنفعلات و عندنا عالم الامر هو عالم الفعل بجميع اصنافه كالمشية و الاختراع و الارادة و الابداع و الجعل و التقدير و القضاء و الامضاء و الاذن و عالم الخلق ساير المفعولات من جميع الاشياء و قد يطلق عالم الامر علي ما كان محلا لفعل الله من ساير الاشياء و هي في انفسها مختلفة باعتبار قربها من المبدء و عظمها فما كان لايتحقق بالفعل الا به صدق عليه الامر و يقال انه من عالم الامر لكونه محلا للامر كالحقيقة المحمديّة لانها محل مشية الله و لاتتقوم المشية الا بها و ان كانت بالمشية كانت تتحقق فيهما التساوق و التضايف كالكسر و الانكسار فالفعل [ص 61] عالم الامر الذي قام به كل شئ من الممكنات قيام صدور و النور المحمدي (ص) كالمداد قامت به ساير الكتابة قيام تحقق فالفعل كحركة يد الكاتب قامت به ساير الكتابة قيام صدور و النور المحمدي (ص) كالمداد قامت به ساير الكتابة قيام تحقق لكن لتعلم ان الذي قامت به الاشياء كلها من الحقيقة المحمدية هو شعاعها لا ذاتها هذا ما نذهب اليه تبعا لائمتنا (ع) و اما المصنف و اتباعه و الاكثر يذهبون علي ان الاشياء حصص من ذاتها و ما كان وجها لها كالعقل الكلي اعني العقل فهو بها اي بواسطتها يكون محلا للفعل و قول اميرالمؤمنين (ع) في شأن الملأ الاعلي و القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، صريح في ان الله سبحانه لما كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و حيث كان لاتقدر الاشياء علي التلقي منه تعالي جعل بعضها اسبابا لبعض ففعل بها ما شاء من مسبباتها ، انتهي كلامه علا مقامه ،
و نقول في مقام الاستدلال علي كون الامر هو فعله تعالي ان الذات منزهة عن لسان مثل اَلسنة الخلق و لو كان لها لسان لكانت ذات اعضاء و جوارح و كل من له اعضاء مركب حادث و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و كذلك الفكر و الخيال و الوهم و غيرها من المشاعر فانها مدارك خلقية ركبت علي وضع مخصوص و النفس في العلم بالصور الجزئية و معانيها و نسبها تحتاج اليها بحيث لو فقدتها جهلتها و الله اجل من ذلك فان الذات في ذاتها عالمة بها لا بغيرها و تعلم خلقها بهم لا باداة غيرهم و قد كذب من قاس الله بخلقه في صفته و بالجملة فالله ذات احدية و هي هي و ليس لها لسان يتصور تكلّمها به و لايتصور لها الكلام في الخيال و الفكر فانها منزّهة عن جميع ذلك و ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و لايتصور لها كلام في ذاته علي ما زعمه الاشاعرة اذ لا غير لها معها في مقامها و لا معني لجعل الكلام عين الذات من كل جهة فان الكلام صفة حادثة قائمة بالمتكلم بل المتكلم جاعل للكلام فهل تزعم ان الذات كلام غيرها فمن هو او تكون متكلمة فالكلام غيرها و ان اخذوا الكلام بمعني التكلم [ص 62] كما هو الظاهر من بعض كلمات الآخوند اذ قال في اغلب كتبه في تعريف الكلام انه انشاء حروف و كلمات فالكلام فعل و الفعل غير الذات و قد مرّ سابقا في التوحيد في ابطال قول القائلين بانه صفة ذاتية ما يغنيك عن التفصيل و بالجملة فالكلام غير الذات و الآخوند (ره) قال في مقامات انه غير الذات و لكن يظهر من بعض ترديداته بل تصريحاته ان رأيه انه عين الذات و بعد ما صرّح الامام (ع) بحدوثه في اخبار عديدة لايبقي مجال الانكار فليس الذات عين الكلام و لا متكلمة بلسان فلا بدّ و ان يقرّ الانسان بان كلام الله غيره كما هو صريح الكتاب و السنّة و لكنه لايعقل ان يكون كما قاله المعتزلة ايضا انه صرف حروف و كلمات فان الله قد تكلّم قبل حدوث الحروف و الكلمات الدنياوية و المثالية و لميكن حروف و كلمات مثل هذه الحروف و الكلمات الملفوظة و المتصورة و ليس فوق الدنيا و المثال حروف هكذا و ما تري في قول مولانا الرضا عليه السلام ان الله خلق الحروف قبل جميع الخلق ، لايريد منها الحروف المقطعة بل مثّل بها للتفهيم و مراده منها المادة الامكانية كما لايخفي علي الحكيم العارف بسياق البيان و قد جعل الحروف مثالا للامكان و الكلمات مثالا للخلق و كذلك نري ان الله سمّي بعض عباده بالكلمات و هم غير مركبين من الحروف المنطوقة فقول المعتزلة ايضا بظاهره خطاء الا ان يكون مرادهم من قولهم محض الردّ علي الاشاعرة و بيان المطلب بالتمثيل فكلامه تعالي في بدأ الخلق ليس بالتكلم و التنطق فقوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون لايدلّ علي ان الله يقول مثل خلقه او يتكلم بحروف و قد صرّح الامام عليه السلام في الخبر انه امر بلا لفظ قال مولانا ابوابرهيم عليه السلام في حديث فارادة الله هي الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همة و لا تفكر و لا كيف لذلك كما انه بلا كيف انتهي ، فكلامه تعالي من خلقه و لكنه ليس جميع خلقه اذ قال الله تعالي له الخلق و الامر فهو اول خلقه الذي قام به الخلق لا محالة اذ ثبت انه حق و خلق لا ثالث بينهما [ص 63] و لا ثالث غيرهما و اذ كان من الخلق فهو علتهم اذ قامت السموات و الارض و ما بينهما بامره و لما نظرت في مراتب الخلق لاتري الا فعلا و مفعولا و علة و معلولا و الفعل و العلة اولي بالامرية فهو نفس مشية الله .
و بوجه آخر نقول ان الامر ايضا فعل اذ ينحصر الموجود في الكتاب التدويني و التكويني في ثلثة اسم و فعل و حرف و لايكون الامر اسما و لا حرفا بداهة لعدم صدق تعريفهما عليه فهو فعل غاية الامر ان الفعل الدال علي السابق ماضٍ و علي اللاحق مضارع و ما يدل علي الطلب امر ففرق الامر مع الماضي و المضارع في الاخبار و الانشاء لا الفعلية فاذا عرفت ذلك فانصف ان مشية الله فعل اخباري او انشائي لا شك ان فعله في نفسه انشاء و لذا قال انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و لكنا ربما نعبّر عنه بالماضي و المضارع بالنسبة الي المشاءات او محض اظهار سبق المشية نعبّر عنها بالماضي فتدبر فنفس المشية امر الله الفعلي كما قال اميرالمؤمنين (ع) في خطبة له يقول لما اراد كونه كن فيكون لا بصوت يقرع و لا نداء يسمع و انما كلامه سبحانه فعل منه انشأه و مثله لميكن قبل ذلك كائنا و لو كان قديما لكان الها ثانيا و عن السجاد عليه السلام في الدعاء جري لقدرتك القضاء و مضت علي ارادتك الاشياء فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و قال الصادق عليه السلام لا كاف و لا نون و انما اراد فكان او كما قال انتهي ، فامره سبحانه نفس ارادته و لكنه امر فعلي اذ هي فعل كما قال عليه السلام ارادته فعله ، و بنفس تلك الارادة تقوم السموات و الارض من غير حاجة الي قول و كلام و عبّر الله عن فعله بكُن لان المباني تدل علي المعاني فبالكاف المستديرة علي نفسها يشير الي الكون و به يقوم الاكوان و بالنون الدايرة يشير الي العين و قد يقال ان بالكاف يشير الي الكينونة و بالنون الي الانية و هي الامكان ن و القلم و ما يسطرون و كلاهما حق و لهما وجه و بالجملة فوجه التعبير عن الفعل و الامر بكُن ذلك لا ما زعمه الزاعمون .
[ص 64] فصل - اعلم ان مشايخنا اعلي الله مقامهم قسّموا الامر الي فعلي و مفعولي و اليه يأوّل قوله تعالي و كان امر الله مفعولا في ظاهر الظاهر و بيانه لمعرفة الاصطلاح ان الآخوند (ره) قال فعله تعالي امر و خلق امره مع الله و خلقه حادث زماني و في الحديث انه قال رسول الله اول ما خلق الله العقل ، الي آخر كلامه و يستشم من بعض بياناته انه يقول ان العقل هو الامر و ردّ عليه شيخنا اعلي الله مقامه و بيّن حق المسألة علي ما عليه بناء المذهب فاثبت ان الامر لايكون مع الله بل هو ممتنع معه تعالي و لكنه قايم دايم باقامة الله و ادامته و انه فعله تعالي كما اثبتنا في الفصل السابق ثمّ ان فعله علة ما سواه و منيره و هو نور الله تعالي الذي اضاء به كل شئ و اول ما صدر منه الحقيقة المحمديّة صلوات الله عليها و هي المفعول الحقيقي له و الوجود الجايز و النون الذي يوحي الله تعالي بواسطته الي القلم و هي اي تلك الحقيقة بالنسبة الي المشية كالشعلة من النار الغيبية فان النار ظهرت بها و تجلّت لها بها فهي من المشية بمنزلة المصدر من الفعل و قد عرفت سابقا ان الفعل فعل حين الصدور مع الصدور و بعد الصدور مصدر و البعدية رتبية و الا فلايتصور هنالك زمان و قد مرّ سابقا معاني القبلية و البعدية في القسم الثاني فراجع ، فظهور مشية الله في مرآة الحقيقة و جميع ما يظهر منها من الآثار جميعها يظهر بها كما تري في الشعلة و لذلك اختارها الله مثلا لنوره في كتابه و لست هنا بصدد التفصيل و بامر الله الظاهر من تلك الحقيقة يقوم السموات و الارض و لذلك قال عليه السلام نحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا ، و بملاحظة انية تلك الحقيقة يقال انها العلة المادية و الخلق يقومون بالمشية قيام صدور و بالحقيقة قيام تحقق و قد عرفت ايضا في مبحث العلل ان ظهور الفاعل ايضا في المادة كما ان ظهور الغاية في الصورة و بالجملة فالمشية بنفسها امر الله و لكنها امر فعلي و الحقيقة المحمديّة مفعولها الحقيقي و قد اشتعلت بامر الله فظهر فيها فصار الامر فيها محدودا بالمفعولية فهي الامر المفعولي لله [ص 65] و منه خلق الروح كما قال الله تعالي يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي و المراد من الروح العقل بملاحظة و كذلك يظهر من بعض الاخبار و هو الروح القدس و هو مخلوق من الامر المفعولي بالامر الفعلي و قد يقال ان الروح من امر هو الروح الملكوتي و هو ظهور العقل و هو من الامر الظاهر علي لسان القلم و هو العقل فاذا رأيت في كلمات مشايخنا اعلي الله مقامهم الامر المفعولي يريدون منه الحقيقة المحمدية في مقام العبودية و هم الامر الفعلي في مقام المعاني كما قال عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد انتهي ، فهم في مقام المعاني امر الله و حكمه و مشيته كما في خبر آخر ما حاصله هم قدرة الرب و مشيته و يكفي هذا القدر من البيان ايضا في الامر .
فصل - لما عرفت تقسيم الفعل احبّ ان اذكر موارد استعمال الفاظها ، فاعلم ان خَلَقَ قد يطلق في جميع مراتب الفعل بمقتضي المعني اللغوي فيراد منه معني بَرَأَ و صَوَّرَ و ذلك جايز بحسب اللغة الظاهرة و قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه كثيرا ما يخاطب اهل الشرع عليهم السلام المكلفين بهذا لانهم لايعرفون الا ما هو لغتهم و مصطلحهم و قد قالوا عليهم السلام انا لانخاطب الناس الا بما يعرفون و لكن ذلك في مقام الافتراق و اما اذا اجتمعت الفاظ الافعال فلكل معني فاذا قيل خَلَقَ و بَرَأَ و صَوَّرَ فخَلَقَ بمعني شاءَ الكون اي اوجده اي الوجود و بَرَأَ بمعني اراد اي اوجد العين اي الماهية فانها مجعولة ايضا الا انها مجعولة بواسطة الوجود كما بيّنا ذلك سابقا و صَوَّرَ بمعني قدر اي اوجد الحدود قال الله سبحانه هو الله الخالق البارئ المصوّر و لا شك ان الله سبحانه لايكرر القول بلا ارادة معني و لو كان مراده تعالي من البارئ المصوّر الخالق لماكرّره فالتكرير لافادة معاني متعددة البتة و الترتيب يدلّ علي تقدّم المقدم علي المؤخر و قال تعالي الذي خلق فسوّي و الذي قدّر فهدي ، قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه اي خلق كونه اي [ص 66] وجوده فسوّي يعني سوي ماهيته بوجوده اي جعل فيه ما اذا سئل اجاب و بين بذلك ان الخلق في عالم الذر يتمّ بالخلق و التسوية فافهم ان كنت تفهم و قال في معني و الذي قدّر فهدي اي وضع حدوده المتقدم ذكرها و هو الخلق الثاني فهدي اي دلّ علي سبيل الهدي و عطف بالفاء لان القدر به السعادة و الشقاوة و مراده اعلي الله مقامه ان الهداية من متعلقات التقدير لان التقدير هو تعيين الحدود و التصوير و لايهتدي من اهتدي الا بحسب قابليته و حدود ماهيته فمن الخلق من يخلق للهداية و منهم من يخلق للشقاوة و كل ذلك بتقديره سبحانه و لذلك قال عليه السلام السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه مع انه قال يصوّركم في الارحام فالسعادة و الشقاوة من شؤن الهندسة و لكن لا بدّ من دلالة العبد شرعا بعد ولادته في الدنيا ليتذكر ما جري له في التقدير فلذلك اخّر الهداية عن التقدير و عطف هَدٰي علي قوله قَدَّرَ بالفاء الدالّ علي الترتب و بالجملة فالخلق مقدم علي التسوية و متعلقه المادة النوعية و التسوية التي بمعني التعديل مؤخرة عنه و متعلقها الصورة النوعية و التقدير متأخر عنهما و هو في مقام المادة الشخصية و يجوز ان يقال انه قوله هَدٰي في مقام القضاء و قد تمّ خلقه بهدايته الكونية كما يتمّ الخلق الشرعي بالهداية الشرعية و الهداية الشرعية هي القضاء الشرعي و الشارع هو القاضي و الهداية الكونية هي القضاء الكوني قال الله تعالي و هديناه النجدين و ورد اخبار في متشابه الخلق ارويها في المقام لظهور المرام عن الصادق عليه السلام قال سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن متشابه الخلق فقال هو علي ثلثة اوجه و رابع فمنه خلق الاختراع كقوله سبحانه خلق السموات و الارض في ستة ايام ، و اما خلق الاستحالة قوله تعالي يخلقكم في بطون امهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلث ، و قوله هو الذي خلقكم من تراب ثمّ من نطفة الآية ، و اما خلق التقدير فقوله لعيسي و اذ تخلق من الطين الآية ، و اما خلق التغيير فقوله تعالي فلآمرنّهم فليغيّرن خلق الله ، و عن ابيجعفر عليه السلام قوله [ص 67] و لقد خلقناكم ثم صوّرناكم قال اما خلقناكم فنطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم لحما و اما صوّرناكم فالعين و الانف و الاذنين و الفم و اليدين و الرجلين صوّر هذا و نحوه ثمّ جعل الذميم و الوسيم و الجسيم و الطويل و القصير و اشباه هذا و من تفسير علي بن ابرهيم في قوله و لقد خلقناكم ثمّ صوّرناكم اي خلقناكم في الاصلاب و صوّرناكم في ارحام النساء ثمّ قال و صوّر ابن مريم في الرحم دون الصلب و ان كان مخلوقا في اصلاب الانبياء و رفع و عليه مدرعة من صوف انتهي ، فظهر من هذه الاخبار ان الخلق يستعمل بجميع هذه المعاني و ظهر من الحديثين الآخرين ان الخلق في مقام المادة فان اللحم و العظم بالنسبة الي الاعضاء و الجوارح بمنزلة المادة فخصّ عليه السلام الخلق بتكوين المادة و التصوير بايجاد الصورة و كذلك في الحديث الآخر خصّ الخلق بايجاد النطفة في اصلاب الآباء و النطفة مادة للمولود و التصوير ايضا في الرحم كما هو ظاهر و اما الابداع و الاختراع فهما لفظان يدلان علي الايجاد و يظهر من الحديث ان الاختراع هو الخلق لا من شئ و الابتداع هو الخلق لا لشيء كما قال مولانا الرضا عليه السلام الحمد لله فاطر الاشياء انشاءا و مبتدعها ابتداءا بقدرته و حكمته لا من شئ فيبطل الاختراع و لا لعلة فلايصح الابتداع الحديث ، و قيل معناهما واحد و هو ايجاد المفعول لا من شئ قبله ليس بمحدث و ورد بهذا المعني ايضا حديث و قيل الاختراع للكون و الابتداع للعين فمعني الاول شاء و معني الثاني اراد و قيل ان الابتداع هو الخلق لا من شئ و الاختراع هو الخلق لا علي احتذاء شئ اي مثال شئ سابق و كيف كان لا شك ان حين الافتراق يستعمل كل واحد في مقام الآخر الا ان يقوم قرينة صارفة عن معني و اما حين الاجتماع فكل واحد منهما يخصّ بالمعني الخاص به و اما الجعل فقد مرّ شرحه في القسم الثاني و الكلام فيه طويل الذيل و لانعيد .
في الوجود الجايز و الماء الاول بقدر ما يقتضيه المقام و فيه فصول :
فصل - اعلم ان مشايخنا شكر الله مساعيهم الجميلة قد يطلقون الامكان الراجح علي المشية و قد يصفونه بالاطلاق فيقولون الراجح المطلق و العمق الاكبر المطلق بملاحظة انهم قد يسمّون الارض الجرز ايضا بالعمق الاكبر بالنسبة الي ما دونها و قد يسمّونها بالوجود المطلق بمعني انها في وجودها و ايجادها لميتوقف علي شئ غير نفسها كما يفهمونه العوام من معني وجوب الوجود الذي يصفون به ربهم تعالي عما يشركون و الماء الاول يطلق في اصطلاحهم علي اثر المشية و متعلقها و هو الحقيقة المحمديّة و عالم الامر اي المفعولي و النفس الرحماني و هو الماء الذي نزل من المشية علي الارض الجرز و هي تطلق في اصطلاحهم علي ارض القوابل و ذلك قوله تعالي اولميروا انّا نسوق الماء الي الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم و انفسهم افلايبصرون و كذلك قال سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات و الوجود المقيد قد يطلق في اصطلاحهم علي ما دون الحقيقة المحمديّة صلوات الله عليها من الدرّة الي الذرّة فهما ملحقان بالسرمد او يكون الحقيقة من السرمد و الارض من الدهر فهما معا برزخ بينهما و قد يطلق الوجود المقيّد علي الجميع و الاول اولي عندهم فاذا عرفت الاصطلاح في الجملة فاعلم ان مرادهم من الماء الاول و الحقيقة المحمديّة الوجود النازل من المشية فانك قد عرفت سابقا ان المشية مركبة من وجود و ماهية و لذا يقال انها وجود مطلق فان الوجود اسم لمادته و الاطلاق صورتها و الصورة لازمة لمحلها و لاتنزل و لكن الوجود نافذ و يتقطر من المشية و به يحيي جميع الاشياء و كل حي يحيي بهذا الماء اي الروح الذي به يقوم كل شئ و هو من المشية كالمصدر من الفعل و اما الارض الجرز فهي مقام [ص 69] المٰهية و الصورة اذ هي القابلية و الماء يساق الي الصورة لاحيائها فانها لاتحقق الا بالمادة فالارض التي هي مقام اليبوسة و القابلية تحدد الماء و تحويه و تعقده فتصير قيدا له فيجوز ان يقال ان هذا الماء و الارض معا وجود مقيّد اي محدود مشروط بوجود المشية فافهم و هما معا يسمّيان بالفؤاد ثمّ ان لكل شئ ارضا بحسبه و ماءا بحسبه و بهما يتمّ خلق كل شئ فكما ان لكل شئ رأسا من رؤس المشية له رأس من الفؤاد ايضا فلا تعارض في الكلمات و الكل حق و اما ما تري في كتب مشايخي ان الخلق كلهم خلقوا من هذه الارض كما يخلق النبات من الارض لايريدون من ذلك ان كلهم مخلوقون من نفس هذه الارض فان اليقين من مذهبهم ان درجات الخلق متفاوتة و موادهم مختلفة و لكنهم قد يتركون التفصيل و يقتصرون علي الاجمال من باب المسامحة في البيان فافهم المراد في كل مقام حتي تكون من الناجين و اعلم ان هذا الوجود قد يسمّي ايضا بالامكان الجايز او الجايز الراجح بملاحظتين .
فصل - اعلم ان الامكان هو صفة الكون فان كان الكون مطلقا يكون امكانه مطلقا و ان كان مقيّدا يكون مقيدا و ذلك امر ثابت و قد بيّنّا شطرا من ذلك في القسم الثاني و هو بنفسه لايقوم الا مع الكون لانه ليس و عدم و الليس لايقوم بنفسه في الخارج الا مع كون ثابت و بوجه اظهر نقول ان الامكان هو الحدوث و عدم الوجوب و الحدوث بنفسه لايكون قائما الا بموصوف و ليس الامر في الوجوب هكذا لانّا نقول ان الوجوب هو عين الذات و لكن الامكان لايكون عين الكون بلا شك لان الكون بمعني الثبوت و الامكان بمعني عدم وجوب الثبوت او تساوي طرفي الوجود و العدم فكيف يتصور ثبوته بلا كون فلا بدّ من كون له و لذلك تصف الكون بالامكان في مقام البيان و ان قلت يلزم علي ذلك عدم كون الذات في نفسها ممكنة بلا صفة كما ان القيام صفة زيد و هو في نفسه غير القيام فاذا نظرنا الي الذات مع قطع النظر عن القيام لانصفه به البتة و لكن اذا [ص 70] التفتنا الي ظهورها بالصفة نصفها به اقول في الكون المطلق ليس اتصاف الكون بالامكان كاتصاف زيد بالقيام فان ذات زيد ثابتة بنفسها و لاتحتاج الي القيام الاتري انها موجودة و لا قائمة و تقوم احيانا و يسلب عنها القيام احيانا و هي هي فمن ذلك عرفنا ان القيام عرض يطرؤها و سيزول و هي باقية و لكن الامكان الذي يوصف به الكون المطلق يكون معه و لايفارقه و هو جزؤ وجوده فكأنه صورته و انيته او مادته بلحاظ و قد حوي الكون الي اعلي درجاته و الكون حاوٍ له الي اسفل درجته فليس جزؤ من الكون المطلق الا ممكنا و لا جزؤ من الامكان الا كائنا افهم ذلك فانه دقيق و ان عرفت سرّ الوحدة في المشية و بساطتها علي ما شرحنا لاتكاد تستشكل هذه المسألة فان المشية و ان كانت مركبة الا انها مركبة من اجزاء ركنية لايتصور انفكاكها بوجه و قد مرّ بيان ذلك فلايتعقل كون للمشية من غير امكان مع ان الامكان وصفه و هذه قاعدة كلية في المطلق الاول ان وصفه و جوهره لاينفكان ابدا و في المطلق الاضافي ايضا يثبت الامر بالاضافة ، هذا في الكون المطلق و اما في الاكوان المقيدة فاعلم انها خلقت بموادها و صورها من الامكان المطلق فان الصورة ممكنة ايضا كما ان المادة ممكنة و المبتدي ربما يزعم ان امكانها بمادتها فقط و ذلك خطاء و يلزم من ذلك وجوب الصور من حيث نفسها و كل عاقل يعرف ان الصور جايزة اذ لاتكون ممتنعة بالبداهة و لا قديمة و يكشف لك عن هذه المسألة هذا البرهان الشريف انك تقول المادة ممكنة بملاحظة مخلوقيتها بالمشية و عدم وجوبها و الصورة ايضا هكذا فانها مخلوقة بالمشية فهي ممكنة و ان قلت انها غير مخلوقة لزمك القول بوجوبها لعدم الامتناع فيلزم القول بتعدد القدماء و القول بتحلي المادة الحادثة بالقدم و هذا محال و ليس في محال القول حجة و لا في المسألة عنه جواب اذ نفس الاقتران صفة الحدوث الممتنعة من الازل فافهم و ان قلت ان المادة لها امكان آخر و هو امكان تحلّيها بحُلية الصور و الصور ليست هكذا اقول ان هذا الامكان ايضا ثابت للصور فان هذا الامكان هو [ص 71] امكان الاقتران و التكمل و هو غير الامكان الذاتي و كما ان المادة يمكن ان تتصور بصورة خاصة ، الصورة ايضا يمكن ان تلبّس علي تلك المادة الاتري الي الخشب انه يمكن ان يتصور بصورة السرير و السرير ايضا يمكن ان يرد علي الخشب اذ لايجب و لايمتنع و يمكن غير ذلك ايضا و لذلك يكون بينهما عموم و خصوص من وجه و ان قلت ان هذا الحكم ثابت بين المادة العرضية و صورتها لا الذاتيتين اقول انه يثبت فيهما ايضا وجدانا بالنسبة الاتري انك تقول ان مادة السرير شعاع النفس و صورته من قبوله و لا شك ان شعاع النفس بنفسه غير متعيّن فيمكن تعيّنه بكل صورة و قبول القابل ايضا صفة امكان و يمكن ان يقبل من كل فاعل فافهم فكلاهما ممكنان و لاتزعم ان مرادي من الوجدان في المقام كون الامكان اعتباريا محضا بل مرادي ان التفكيك بين المادة و الصورة الذاتيتين وجداني و الامكان وجودي ذاتي . ثم اعلم ان للمقيدات وجهين من الامكان امكانا ذاتيا و امكانا وصفيا اما الامكان الذاتي فهو من ذواتها لانها اثر المشية الممكنة و اما الامكان الوصفي فهو بالنسبة الي القيود الزايدة عن الذات مثال ذلك في الشعلة المرئية انها من حيث النارية حادثة بالحدوث الذاتي لان النار حادثة و الاثر طبق صفة مؤثره البتة و حدوثها نفس امكانها و هو عين ذاتها و لها حدوث من حيث الدخان و الدهن و هو امكانها و ذلك انها يمكن ان تظهر في هذا الدخان و غيره و كذلك بالنسبة الي الدهن و بينهما عموم و خصوص من وجه و هذا الامكان بالنسبة اليها وصفي كما ان وجود الشعلة المرئية وصفي للنار الظاهرة فيها و ليست تلك الصورة العرضية ذاتية لها و لا امكانها و كذلك الامر في كل الحقايق بالنسبة الي الصور العرضية و لذلك تتمكن الحقايق من الاِعراض عنها وجدانا و عدم الالتفات اليها البتة و ذلك بكشف السبحات و محو الموهومات و الامكان الذاتي بالنسبة الي العرضي قدم و هو آية الله و بذلك يعرف الحادث الوصفي ربه و بغيره لايمكنه لان [ص 72] مبدأ وجوده الامكان و كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و لايكلف فوق ذلك و لذلك قال اميرالمؤمنين و سلطان الموحدين عليه صلوات المصلين كل ما ميّزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، فافهم فانه دقيق .