قد طاشت النقطة في الدايرة فلم‌تزل في نفسها حايرة

محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة

فمنهم العلة و المعلول و السبب و المسبب و الفاعل و الفعل و المفعول و وجه ذلك ظاهر لاولي العقول و الاشارة اليه يمكنني بالتمثيل فانه وجه دليل كما قال [ص 25] الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم ، انظر الي الجسم المطلق و الاجسام الجايزة المقيدة الخاصة لا شك ان هذه المواليد كلها مخلوقة و هي لم‌تكن ثمّ كانت و لا شك ان الجسم المطلق هو يد الله في صنعها و الباعث لوجودها اذ هو الاصل و المبدء و اول موجود من عالم الاجسام و لكنك تعلم ان الجسم المطلق يتنزه عن ذكر جميعها فانه ليس فيها ذكر لها الا بالامتناع اذ الجسم المطلق هو الجوهر القابل و ليس فيه خصوصية شئ بالفعل و جميع القيود في قوته لانه قابلية صرفة بالنسبة اليها و ان كان بالفعل بالنسبة الي جوهره و لو لم‌يكن قوة لكان فعلية و كونه فعلية الجميع مما لايعقل فلا بدّ و ان يكون فعلية بعض دون بعض و وجه عدم الجواز في الاول وجود الاضداد المتعادية و النقايض غير المؤتلفة في عرصة الافراد فانها لاتجتمع علي مادة واحدة بالفعل كالسواد و البياض و القيام و القعود و امثالها من الاضداد و كالسواد و اللاسواد و البياض و اللابياض فان مادة واحدة من حيث واحد لاتتصور بصور مختلفة فلا بدّ و ان يكون صاحب فعليات محصورة يمكن اجتماعها و ذلك ايضا محال في مثل الجوهر القابل من جهات : منها انها لاتجتمع الا فيما يتركب من حيوث متعددة فان ما تراه من الصور تجتمع علي مادة واحدة لاتكاد تجتمع الا من حيوث عديدة كالسواد و الطول و الرزانة و العلو و الشرقية و الاولية و هكذا فانها لم‌تجمع علي مادة الحجر مثلا الا من حيث الكيف و الكمّ و الجهة و الرتبة و الوقت و لو لم‌يكن في الحجر الا جهة واحدة و حيث واحد لماوصف بها الاتري انه من حيث اللون لايقبل الا لونا واحدا و من حيث الكمّ الا كمّا واحدا و هكذا و الجسم المطلق لايكون ذا حيوث متعددة متعينة بالفعل اذ هو قوة الكل و منها انه لو كان مركبا علي صور محدودة للزم بروزها في كل جسم و نري ان الجوهر الساري لم‌يتصف بغير قبول مطلق و لو كان طويلا مثلا لكان كل جسم طويلا و لو كان احمر لكان كل جسم احمر فافهم فهو منزّه عن جميع قيودها و لاتذكر فيها فكيف تنسب اليه و النسبة فرع ثبوت الوجود لان وجود النسبة [ص 26] صفة وجود ذواتهم فان لم‌تثبت الذوات عند الجسم فنسبها اولي بالانفصام و الانقطاع فاذا كان هكذا فجميع النسب و الصفات منقطعة عند الجسم فكما انه ليس لكون الافراد مع الجسم كيف و لا لِمَ و لا وضع و ليست منه باَيْنَ و لا متي كذلك لا تضايف بينها و العلية و المعلولية من الاضافات اذ ليست من الذات بالبداهة و هي خارجة من ساير الاعراض ايضا اذ ليست من شؤنها فهي من الاضافة من قبيل المؤثرية و الابوّة و الاخوّة و غيرها و ان انحصرت العلية في الفاعل فهو من الفعل و هو عرض خارج من الذات و بالجملة فالجسم لايكون علة بذاتها لا تامّة و لا ناقصة اذ لا نسبة لها بالمقيدات و لكن علتها منها و قد ثبت بالادلة القطعية ان السماوات علة لوجود المواليد و قد ورد الحديث بهذا المعني ايضا ان الله اذا اراد شيئا القاه الي الروح و القاه الروح الي النجوم فيجري النجوم بما اراد الله نقلته بالمعني و الاخبار الناصة علي ذلك عديدة لسنا بصدد نقلها في المقام فبالافلاك يجري امر الجسم في العناصر و منها يتولد المواليد شيئا فشيئا علي ما شاء الله و اراد فالمواليد مخلوقة بعلل من سنخها و نسبتها مع عللها الي الجسم بالسواء يعني انه محيط بكلها و لاينسب شئ منها اليه و مع ذلك هو اولي بالجميع منها و اوجد في مكانها منها لأنه اولي بالوجود في كل مكان فافهم ان كنت تفهم فهو الفاعل من الفواعل و ذلك صريح القرآن و حكم البرهان و كذلك الامر في الله و فعله لا بمعني انه المادة النوعية كالجسم و لكن الجسم آيته و اذا كان الامر في الآية مع قيودها الذاتية هكذا فما ظنك بمن هو فوق جميع القيود و ارفع من كل الحدود و ان قلت فعلي ذلك يجوز ان ينسب اليه القبول فان الادلة العقلية لاتخصص اقول بلي و الامر هكذا الاتري الي قوله تعالي الم‌تعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده و ياخذ الصدقات و ان الله هو التوّاب الرحيم و قوله تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء و في الخبر في ثواب من زار اخاه المؤمن انه يقول [ص 27] له الرب تعالي اياي زرت و ثوابك عليَّ فهو المزور و ما ورد ان الله يسائل عبدا و ينتقم منه اني اظمأت فلم‌تسقني و جُعت فلم‌تشبعني و مرضت و لم‌تعودني فيقول انت اجل من ذلك فيقول ان فلانا المؤمن جاع و ظمأ و مرض فلم‌تسقه و لم‌تطعمه و لم‌تعوده ، انتهي حاصل معني الخبر و ليس ذلك الا لاحاطته و اولويته و الا فهو اجل من جميع ذلك و لاتزعم ان مرادنا من كلامنا مراد القائلين بوحدة الوجود فان حاصل رأيهم العليل ان الوجود هو الله و هو كل الموجود و الاختلافات اعراض من الماهيات و هي معدومة و سيرجع كل الخلق الي الله و لكنا نقول ان الخلق خلق و الحق حق و حيث الحق يمتنع الخلق و حيث الخلق يمتنع الحق و بين كلامنا و كلامهم فرق عظيم فافهم ذلك فاذا عرفت هذه الامثال و الآيات فاعلم ان الله تعالي بذاته يجلّ عن ان يفعل يعني لايصدر منه الفعل ابدا فان الفعل هو الحركة و الحركة هي الانتقال و هو يقتضي تغيّر الاحوال و لايجري ذلك علي الله المتعال و قد مرّ بيان ذلك في علم الحركات فراجع و لكنه تعالي اوجد الحركة بنفسها فهي من خلقه تعالي و تنسب اليه لان وجودها له و هي من كماله و سمّيت بالحركة لاوليته فانما ذكرنا سابقا انها الكمال الاول و هذا مجمل القول في المسألة و ان قلت انه تعالي قادر و قدرته بالفعل لا بالقوة و القادر بالفعل مريد و لاينفصل عنه الارادة اقول جميع هذه الآراء ناشئة من قياس الذات بالخلق فانّا لما رأينا القادر في الخلق اذا كان قدرته بالفعل مريدا نقيس الله به و لكن اذا عرفنا ربنا و عرفنا قدرته لانشكّ بعد في المسألة و لا بدّ لتوضيحها من ذكر فصل خاص .

فصل - مرّ سابقا بيان في القدرة و القوة و لانعيده هنا الا انا نذكر هيٰهنا ما يتعلق بالمسألة فاعلم ان القدرة في الخلق اذا استعملت يراد منها القوة او الطاقة و هي فوق الاستطاعة و الاستطاعة هي القوة القريبة و لذلك جعل التكليف بقدر الاستطاعة لا الطاقة و قد عرفت سابقا انه لايراد من القدرة غالبا القوة الصرفة من كل جهة فان في كل شئ قوة كل شئ و مع ذلك لايقال انه قادر علي كل شئ و لكنها [ص 28] تستعمل في مقام يتمكن الانسان علي امر او صنع بحسب جمعية الاسباب الا انه لم‌يخرجه من قوته الي البروز و الظهور كالذي من شأنه ان يكتب و ان اخذ القلم يكتب الا انه في الحال لم‌يكتب فيقال في مثل المقام انه يقدر علي الكتابة و قد تستعمل في القوة البعيدة مثل قولك ان الانسان يقدر علي الكتب بحسب خلقته و لكن في مقام الفعلية لايستعمل لفظ القدرة فلايقال للكاتب بالفعل انه قادر علي ذلك الا بملاحظة ذاته التي هي فوق الفعل فيلاحظ قدرتها علي الاظهار في مقام الفعل فتدبر و اما ذات الله تعالي فقدرتها ليست بمعني القوة ابدا لا بالاضافة و لا بالذات بل قدرته تعالي عين الذات و قد سمّيت بالقدير لانها ذات احدية محيطة بجميع اطراف الوجود و لايري نور غير نوره في الغيب و الشهود و ليس لغيره من الظهور ما ليس له بوجه و من وجه فله الظهور من كل وجه و من هو هكذا لايكون عاجزا و قدرة الله تعالي ليست بالاضافة بمعني انه لايجوز ان يقال في الذات انها قادرة علي فلان و فلان فان فلانا و فلانا لاينسبان الي الذات حتي يقال انها تقدر عليهما فلاتنسب قدرة الله تعالي الي الارادة حتي يقال انه يقدر ان يريد او لايريد و لذا ورد في الخبر النهي عن قول ان الله خلق بقدرته لانها عين الذات فلاتصير علة لشيء و مرّ سابقا في التوحيد ايضا بعض المعاني ثمّ له سبحانه قدرة متعلقة بالخلق و هي من شؤن فعله و محل مشيته و الخلق خلقوا بهذه القدرة و بها يرجح احد طرفي الامكان و مع ذلك لاتحدّ و لاتسلب عن الطرف الآخر فيقال يقدر علي ان يفعل و ان لايفعل و من ذلك البداء ان عرفت و ذلك قوله عليه السلام الهي بدت قدرتك و لم‌تبد هيئتها ، فان القدرة الظاهرة هي آثار القدرة في الخلق و لم‌تبد هيئتها اي نفسها اذ هي الغايبة تحت الثري و قد اشار (ع) الي القدرة الفعلية بقوله اللهم اني اسألك من قدرتك بالقدرة التي استطلت بها علي كل شئ و كل قدرتك مستطيلة اللهم اني اسألك بقدرتك كلها و قال عليه السلام في صفة الائمة عليهم السلام انهم قدرة الرب [ص 29] و مشيته و في الخبر ان نور علي (ع) كان محيطا بالقدرة و المراد منها القدرة الخلقية فافهم الفرق فاذا عرفت ذلك فاعلم ان القدرة الذاتية هي عين الذات و هي امتناع الخلق فلاتكون علتهم و باعثهم قال مولانا الرضا عليه السلام لايجوز ان يكون خلق الاشياء بالقدرة لانك اذا قلت خلق الاشياء بالقدرة فكأنك قد جعلت القدرة شيئا غيره و جعلتها آلة له بها خلق الاشياء و هذا شرك الحديث ، و من هذا الباب ما ورد من النهي من ان تقول ان الله قادر بالقدرة كما قال الرضا عليه السلام لم‌يزل الله تبارك و تعالي عالما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا فقيل له يا ابن رسول الله ان قوما يقولون انه عز و جل لم‌يزل عالما بعلم و قادرا بقدرة و حيّا بحياة و قديما بقدم و سميعا بسمع و بصيرا ببصر فقال عليه السلام من قال بذلك و دان به فقد اتّخذ مع الله آلهة اخري و ليس من ولايتنا علي شئ ثمّ قال لم‌يزل الله عز و جل عالما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا لذاته الحديث ، و قد مرّ شرح الصفات الذاتية في التوحيد فراجع فالقدرة الذاتية لاتكون غير الذات فلاتكون سببا و علة و لو كانت سببا للزم وجود المقدور معها اذ لايفارقها و لا مقدور في الذات و لايقال انها قادرة علي نفسها لكن الله تعالي خلق ما خلق بالقدرة المستطيلة و هي محل المشية و لاتزعم ان ذلك من عجزه تعالي بل لجلالة ذاته كما ورد في الخبر عن مولانا الصادق (ع) ان الله عز و جل خلق خلقا و خلق روحا ثمّ امر ملكا فنفخ فيه فليست بالتي نقصت من قدرة الله شيئا هي من قدرته انتهي ، و تلك القدرة المستطيلة هي غيب الثري و هي التي تحمل كل شئ كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الم‌تعلم ان لله ما في السموات و ما في الارض و ما بينهما و ما تحت الثري فكل شئ علي الثري و الثري علي القدرة و القدرة تحمل كل شئ الخبر ، و القدرة الحاملة التي دون الثري اعني فوقها خلق البتة فافهم فاذا عرفت هذا البيان الشريف فاعلم ان القدرة الذاتية لاتكون موجبة و لا مرجحة مطلقا و القدرة الخلقية ظهور المشية و الارادة و بهذه القدرة [ص 30] خلق كل شئ بمشية الله تعالي .

بقي شئ اذا كانت القدرة محل المشية و الارادة فكيف يسوغ نفي الارادة مع ثبوت القدرة الاتري انك تقول لم‌يرد الله كذا و هو قادر علي ان يريد فان كانت القدرة الفعلية دون الارادة كيف تكون اوسع من الارادة اقول طريق الخلاص من هذا الاشكال علي وجهين : احدهما و هو الظاهر ان يقال ان القدرة الواسعة المحيطة بالارادة هي القدرة الذاتية و اما القدرة الخلقية فهي تابعة للمشية و الارادة دايرة مدارها و الله قادر علي ما يشاء و يريد لا بمعني انه لايقدر علي ما لم‌يرد فان هذا كفر صراح بل بمعني انه اذا شاء يقدر و اذا لم‌يشأ ان يفعل يقدر علي ان لايفعل و الثاني ان الارادة في نفسها مبهمة مطلقة و لاتخصّ بشيء دون شئ و هي مشية ثابتة قايمة و النفي و الاثبات بحسب المتعلق و تظهر في القدرة ايضا مطلقة مبهمة و القدرة ترجح القوابل كما ورد انها تحمل كل شئ و تخصيصها بحسب استعداد القوابل فكل قابل استعدّ للقبول يترجح فينوجد فتتعلق به الارادة فيقال اراد الله ان يكون و كل قابلية لم‌تستعد للقبول تبقي علي امكانها فيقال لم‌يرد الله ان يكون فان الفعل لايظهر الا بالانفعال افهم ذلك و ليس ذلك من عدم قدرة الله تعالي او ضعفها فان القادر المختار لايجري فعله في الامكان الا بالاختيار مع انه قادر سئل الصادق عليه السلام هل يقدر الله ان يجعل السماء في البيضة من غير ان يكبر البيضة و يصغر السماء قال (ع) ما معناه هو قادر و هذا مما لايكون ، فسعة القدرة بالنسبة الي الارادة المتعلقة بالمراد لا بالنسبة الي الارادة الاولي لانها من شؤنها و اطوارها و مع ذلك لايلزم نفي القدرة عما لم‌يرد الله ابدا اذ لاينفي الارادة في نفسها الاتري انك لاتقول لا ارادة او لايريد و لكن بحسب المراد تنفيها و تثبتها و يكفي هذا القدر من البيان و نرجع الي تعريف القدرة الفعلية . فاعلم ان الله المتعال بالقهّارية و السلطنة و التطوّل بالنعم ظهر في اول خلقه من الاكوان من حيث كونه محل ارادة الله تعالي و هو القلم و العقل و نور [ص 31] النبي صلي الله عليه و آله فان نوره هو قدرة الله الاتري الي قوله في صفة الائمة عليهم السلام انهم قدرة الرب و مشيته فان الوَلاية هي صفة النبي صلي الله عليه و آله و في الخبر عن رسول الله صلي الله عليه و آله كان نوري محيطا بالعظمة و نور علي محيطا بالقدرة ، يعني انه كان يطوف حول النبي و يستمد منه فان باطن الولي يستمد من باطن النبي كما ان ظاهره يستمد من ظاهره فيطوف حول النبي للاستمداد كما ان نور النبي يستمد من عظمة الله و بالجملة فالقدرة مقام الكبرياء و السلطنة و القهّارية كما قال (ع) في الدعاء بقدرتك التي قهرت بها كل شئ ، و بهذه القدرة يفعل ما يشاء و هي اليد فان يد الله بمعني قدرته لا الجارحة كما في الانسان سبحان الله عن ذلك و تلك القدرة آية الذات الاحدية و هي القدرة مع المقدور اي القدرة التي تتعلق به علي ما مرّ في الخبر و يكفي هذا القدر من البيان في شرح القدرة اذ مرّ شرحها مفصّلا في الامور العامة .

فصل - رجعنا الي بيان خلق المشية اذ هو العمدة في المقام اذا عرفت ما قدّمناه في خلق المشية فاعلم انها اول مخلوق لله من الاشياء و ذلك ان الله سبحانه كان و لم‌يكن معه شئ مما كان ثمّ خلق اول ما خلق مشيته لا بمعني انه كان فيما مضي واحدا فردا ثمّ خلق المشية فثبتت معه بل المراد من الكون محض الثبوت و هو الآن علي ما كان و هو هكذا في كل حين و آن و لايمضي عليه الزمان لأنه خالق الاوان فبخلقه المشية لم‌تثبت معه فعل كما ان قبل خلقها لم‌يكن فاقدها و لااريد من قولي قبل خلقها حينا من الاحيان الخلقية و الاوقات الزمانية و الدهرية و السرمدية بل المراد من قبل الازلية الاولية و التعبير عنها بذلك لمحض التفهيم لا للتوقيت و الحاصل ان المشية معدومة في الازل بمعني الامتناع ثابتة في مقامها ابدا سرمدا اذ مرّ سابقا انها مخلوقة بنفسها فلا علة لها غيرها و قد اثبتنا سابقا ان المعلول يثبت مع العلة التامة باثبات الله بل يجب بايجابه سيما اذا كانت العلة نفس المعلول فلايفرض عدمه حينئذ اذ لو صار معدوما حينا لماوجد ابدا اذ لايفرض علة [ص 32] سواها فهو ثابت ابدا سرمديا و ان عرفت ما بيّناه سابقا كرارا تعرف حقيقة المسألة و بذلك يرتفع الاشكال في خلقها بنفسها فان المبتدي يزعم ان المشية لم‌تكن موجودة و بعد مدة خلقت فيستبعد خلقها بنفسها و لكن اذا عرفت حقيقة ما بيّنّاه لايشتبه عليك الامر فانها في مقامها مخلوقة ابدا سرمدا و لايتصور للسرمد بداية و نهاية لا طولا و لا عرضا فان المتناهي في العرض زمان و المتناهي في الطول دهر و اما السرمد فهو نقطة واحدة لا بداية لها و لا نهاية و لايكون غير الموقت به فلايتصور وقت دهري و زماني و سرمدي لم‌يكن المشية موجودة فان قلت فكيف تكون مخلوقة حادثة اقول حدوثها ليس بمعني الحدوث الزماني كما زعمه بعض من الحكماء بل هي حادثة سرمدية و الحدوث السرمدي هو بمعني اطلاقها و ابهامها و فاقتها فانك اذا نظرت الي ماهيتها و وجدتها قوة عرفت انها ممكنة و كل ممكن مخلوق مستحدث محتاج الي خالقه الا ان امكانها سرمدي و وجوده راجح و ما دام السرمد افاض عليه الحق بالوجود و فيضه دايم فهو ابدا متكوّن بفيض جديد و الفيض الآتي عين الذاهب علي ما مرّ سابقا و قد بينا انواع الحدوث فيما مضي فراجع و قد مرّ سابقا ايضا وجه ممكنيتها و لانعيد فراجع و بالجملة فالمشية في مقامها باقية دايمة و ان قلت يستلزم بقاؤها و دوامها دوام الموجودات لانها العلة الكاملة اقول بلي هي ايضا في مقامها دايمة و قد قال عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه و مرّ سابقا بيان ذلك في حدوث مجموع الملك و مع ذلك لانقول بقدم الملك بالقدم الذاتي المخصوص بالله تعالي كما قال جماعة بل الملك مع ابديته و خلوده حادث و ان قلت يستلزم دوام المشية بكمالها وجود المركبات ايضا لكمالها اقول هي واقفة في موقف الاذن و لايؤمن به الا الخصيصون و سيجيء وصفه بعد فكل ما اذن الله تعالي بتعلق المشية بالمشاء يتشيأ بامر الله تعالي و لاينافي ذلك الدوام ابدا بل اقول ان كل شئ دايم مستمرّ في حضرة علم الله علي ما هو عليه و ماينزّله الا بالقدر علي ما شاء فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

[ص 33] فصل - اذا عرفت كون المشية مخلوقة بنفسها فاعلم انها مركبة فانك قد عرفت مما بيّناه سابقا ان لها كونا هو جهتها الي الله تعالي اذ هو كماله و علمه كما قال (ع) العلم من كماله كيدك منك ، و التشبيه اما يكون بملاحظة حضور المعلوم عنده مكشوفا كيدك لك فانك اذا نظرت في كفك لايخفي عليك شئ منه و يظهر لك باطنه و ظاهره او يكون المراد ان يدك كمالك فان الانسان اذا لم‌يكن له يد لايظهر له صنعة من الصنايع و لايقدر علي رفع حوائجه فهي من كماله مع ان لليد معاني عديدة و منها القدرة كقوله و السماء بنيناها بايدٍ فيحتمل ان يكون المراد من اليد القدرة فكما ان قدرتك من كمالك كذلك العلم من الله تعالي و علي المعني الظاهر وجه التخصيص باليد بين ساير الجوارح و المشاعر مع ان كلها من كمالات الانسان ان اليد سبب الفعل و مباشر الصنع و كذلك الامر في علمه تعالي فانه علة فعله و فعله علة مفعوله و وجه كون الفعل بالعلم انه لم‌يكن فعل قبله يكون به فهو بمحض العلم كما في الخبر بالعلم خلقت المشية و في خبر ما معناه بالعلم كانت المشية و بالمشية كانت الارادة الحديث ، فللمشية جهة علمية هي جهة وجودها و لها حيث مٰهية و انية و هي امكانها و جهة مخلوقيتها و بالعلم صار الامكان موجودا معلوما و العلم الاعلي واقع عليه افهم فهي مركبة من جهة عليا و جهة سفلي و قد تسمّيان بالمادة و الصورة فنقول ان المشية مركبة من جزئين و هما ركنان و كل منهما بعض المشية و لايوجدان بانفرادهما بل لايتعقل انفكاكهما و ان قلت فكيف حللتهما اذ لم‌تعقل انفكاكهما اقول كل ذلك يتميز بالفؤاد بالملاحظة في الآثار فانّا لما وجدنا آثارها مركبة و بناء الملك علي التركيب عرفنا انها مركبة و لو كانت بسيطة لكانت آثارها بسيطة اذ الاثر علي صفة مؤثره الاتري ان النور يتبع منيره في كل حال و الفرد يشبه مطلقه فان كل جسم مركب و كل نفس مركبة و هكذا و لما رأينا في كل شئ جهة علمية [ص 34] و معلومية عرفنا ان المشية ايضا مركبة من علمية و معلومية ، هذا و لنا بيان آخر لا بدّ من شرحه و هو ان الجهة العليا من المشية في غاية الوحدة و البساطة اذ هي صرف الكون و الجهة الدنيا هي بالنسبة اليها متكثرة اذ هي مقام الامكان و العليا فعلية صرفة و الدنيا قوة صرفة و هي نور و تلك ظلمة بحسبها بالقياس الي النور و ان كانت نورا بالنسبة الي ما دونها و العليا لقربها من الله حارة و السفلي لبعدها بامكانيتها باردة فلاتكادان تلتئمان للمنافرة كما هو مسلّم و بلسان الفلسفة نقول ان الجهة العليا يابسة لانها الاسم الذي استقرّ في ظل الله فلايخرج الي غيره و قد يبس في حكاية النور و لايميل الي غير الله ابدا و الجهة السافلة يابسة في عبوديتها و انيتها اذ هي امكان صرف و لاتخرج بنفسها من ليسية الامكان و ان كان راجح الوجود كما قال الله تعالي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الامثال للناس و هي الزيتونة اي القابلية لنار الله الموقدة و هي نار الوجود التي تحرق ما سواها و قد وصف الله الزيتونة بانها مستعدة بحيث تكاد تضيء من دون مسّ النار و لكن لم‌يقل انها تضيء فافهم اشارة كلامه جل شأنه فالامكان من نفسه معدوم و بالعلم موجود فهو بنفسه يابس علي العدم فجهة الامكان باردة يابسة و جهة الوجود و الكون حارّة يابسة و بين الحرارة و البرودة منافرة تامّة و اليبوستان لاتتركبان و مثالهما كالروح و الجسد في المولود الفلسفي فانهما بنفسهما لايتركبان و لايمتزجان ابدا فلا بدّ من رطوبة بينهما و هي الصابون و النفس و البرزخ و هي رطوبة مركبة اذ اعلاها مرتبط بالكون و اشتعل بحرارته بقربه و اسفلها مرتبط بالامكان فتبرد ببرودته فالنفس ايضا مركبة من جهتين و لذا تري ان النفس يفرّ بعضها من النار و يصبر و يقوم بعضها بخلاف الروح فانه فرّار بكله و الجسد فانه ثابت بكله فما يفرّ من النفس روحاني و ما يقوم جسداني و الاعلي و الاسفل كلاهما رطبان الا ان الاعلي حار رطب و الاسفل بارد رطب و بسببهما [ص 35] يحصل الارتباط بين الركنين فافهم فان هذا سرّ شريف من علم الضم و الاستنتاج و هذا السرّ سارٍ من الدرّة الي الذرّة و فوق الدرة الي المشية فللمشية اربعة اركان و بها يقوم كل مولود و بغيرها لايحصل شئ و نعبّر عنها في مقام المشية بالمشية و الارادة و القدر و القضاء و في عالم الامر بالباطن و الباطن من حيث البطون و الظاهر و الظاهر من حيث الظهور و علي تلك الاربعة بنيت الموجودات برُمّتها قال الله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين و الزوجان اربعة و المفسرون يفسرونها بالاثنين و لكن لايخفي علي العارف باللحن ان الاثنين زوج و لو اراد الله ذلك لقال زوجا و هو لفظ مفرد تثنيته زوجان و جمعه ازواج فكل ما اراد الله تثنية الزوج قال زوجان و كل ما اراد فردين قال اثنين و بالجملة فالزوجان اربعة و في التأويل تأول الآية الي اجزاء الخلق فالمشية في نفسها مركبة من اجزاء اربعة تعبّر عنها بمراتب الفعل و نعرف ذلك من آثارها و علاماتها فافهم و لكنها في المشية في غاية الوحدة و البساطة الممكنة في الخلق و وحدتها في مقامها بحيث لايدرك منها سوي انها فعل مطلق حتي انه لايتميز فيها مراتب الفعل ايضا و لكنها تتميز في المظاهر و المجالي .

فصل - قالوا الواحد الحق الصرف و الواحد بما هو واحد لايصدر منه من تلك الحيث الا الواحد و قد مرّ سابقا في مبحث العلل شطر من البيان و اقول في المقام انهم بنوا مذهبهم علي ان الخلق صادرون من ذات الله و هي الفاعلة بذاتها بمقتضي ان الارادة ذاتية و الذات لاتكون علة لمعلولات مختلفة فوقع اختيارهم علي ان يكون الصادر الاول واحدا و لذا قالوا ان العقل بسيط الحقيقة مع انه صدر منهم خلاف ذلك ايضا لان الكاذب لايكون حافظا و استدلوا علي قولهم بادلة سخيفة و يكفي في بطلانها قول الآخوند صدر المسألة ان هذه الاصول مما يستقل به العقل النظري فان ما استقل به العقل من دون الرجوع الي الكتاب و السنة لايعرفه احسن من ذلك البتة و من ادلتهم العقلية التي رتّبوها علي القواعد [ص 36] الميزانية التي زعموها مزكية لنفوسهم و حافظة لها عن الخطاء ان الواحد من حيث هو واحد لو صدر منه ا و ب و الالف ليس باءا فقد صدر منه من جهة واحدة ب و ما ليس ب و ذلك يتضمن اجتماع النقيضين ، بيان وجه التضمن ان التناقض الواقعي ليس بين الباء و ما ليس باءا فان نقيض الباء لاباء و ما ليس باءا شئ ثابت آخر و لكن اختار رئيسهم هذا اللفظ في ما كتب الي تلميذه بهمنيار بملاحظة ان العلة الواحدة لاتكون علة الا من حيث ذاتها و الذات الواحدة اذا كانت علة لشيئين يلزم التناقض لانه اذا كانت الذات مصدرا لا و ما ليس ا كان مصدريتها لما ليس ا غير مصدريتها لا التي هي نفسها فتكون ذاته غير ذاته و حاصل مراده علي ما قيل ان اتّصاف الذات بصفتين يستلزم التناقض لان اتصافها بامر خاص يكون علي ذلك لا اتصافها بغيرها فاذا صارت موصوفة بشيء آخر يستلزم اتصافها بالاتصاف و عدمها .

و منها ما اختاره الآخوند و هو ان صدور ما ليس ا بعينه في قوة عدم صدور ب من حيثية صدور ما ليس ب و الا لكان ما ليس ب هو بعينه ب و ان لم‌يكن هو في قوة عدم صدور ب في الواقع فان ما ليس برايحة في الجسم و ان لم‌يكن بمنزلة ما ليست برايحة في مطلق التحقق فيمكن اجتماع ما ليس برائحة مع ما هو رايحة في جسم واحد لكن لايمكن وجود ما هو رايحة فيه من الحيثية التي وجد فيه ما ليس برائحة و الا لكان ما هو رايحة و ما ليس هو برائحة شيئا واحدا اقول مراده ان حيثية صدور ب مثلا غير حيثية صدور ا فاذا كان الشئ ذا حيوث فيمكن ان يصدر منه من كل حيث شئ فمن حيث ا و من حيث لاالف مثلا و اما اذا كان الحيوث واحدة لايجوز ان يصدر منه الشئ و نقيضه و ما ليس الف لا محالة في قوة لاالف فيلزم من ذلك ان يصدر من حيث واحد الف و لاالف .

و منها ما ينسب الي ابن‌سينا ان الشئ لايصدر من البسيط الا بعد وجوبه فان صدر [ص 37] عن ا ج من حيث صدور ب فلايكون صدور ب واجبا فان صدر عنه ج من هذا كان من حيث وجب صدور ب عنه يصدر عنه ما ليس ب فاذن لايكون صدور ب عنه واجبا .

و منها له ايضا ان مفهوم كذا في حد ذاته بحيث يصدر منه ا غير مفهوم ان كذا في ذاته بحيث ما يصدر عنه ب فالمفهومان المختلفان اما ان يكونا مقوّمين لتلك العلة كانت العلة مركبة لا واحدة من كل جهة و ان كانا لازمين فاللازم معلول فيعود التقسيم من الرأس في ان مفهوم انه صدر عنه احد اللازمين مغاير لمفهوم انه صدر عنه اللازم الآخر فان كان لاينتهي الي كثرة في المقوّم لزم ان يكون كل لازم لازما بواسطة لازم آخر و هذا الكلام مع انه يلزم منه اثبات لوازم مترتبة غير متناهية و فيه قول باثبات علل و معلولات غير متناهية يلزم منه نفي اللوازم اصلا لان تلك الماهية اما ان يقتضي لما هي هي ان يكون لازم او لايقتضي فان اقتضت كان ذلك اللازم لازما لما هي هي فيكون بغير وسط و هذا خلف و ان كانت الماهية لاتقتضي شيئا اصلا فهذا اعتراف بانه ليس لهما شئ من اللوازم فقد ظهر ان القول باثبات اللوازم الغير المتناهية يوجب فساد القول بها و اما ان جعل احدهما مقوّما للعلة و الآخر لازما لها فلايكون المفهومان معا في درجة واحدة و يرجع الكلام الي ان اللازم معلول فيكون المعلول واحدا هذه غاية حظّهم من العلم و العجب من اصحابنا انهم تركوا الكتاب و السنة و نبذوهما وراء ظهورهم و اخذوا قول ابن‌سينا الزيدي و امثاله و اقرانه و زيّنوا كتبهم بادلتهم ثمّ قالوا انها من عند الله فويل لهم مما كتبت ايديهم و ويل لهم مما يكسبون و يكفي في بيان بطلان قولهم و دليلهم ما مرّ سابقا في مبحث العلة الفاعلية و لكن محض احقاق الحق و ابطال الباطل قربة الي الله اقول في المقام ان القوم غفلوا عن الحقايق و لم‌يلتفتوا الي الدقايق و ارادوا معرفة التوحيد و سرّ التفريد بعلم المنطق فجعلوا القضايا المجازية سُلّما الي الغيوب الحقيقية المستعلية عن التصور و التصديق و القياسات المنطقية و حبلا الي السموات الرفيعة [ص 38] المنيعة عن ان تطير اليها الاوهام و هيهات ان يصلوا الي هذا المقام هذا مع انهم تخلفوا عن قواعدهم ايضا فان بناء القياس الصادق علي ان يتركب من مقدمات صحيحة يقينية معقولة حتي تنتج نتيجة حقة و الا فلاتعدّ برهانا بل تكون هذيانا فاقول لهم ثبّتوا العرش ثم انقشوا هل يكون واحد حقيقي بسيط يصدر منه شئ ام لا فان لم‌يكن واحد بسيط مصدرا ففيما تتكلمون و هل يمكن ان يصدر من شئ ذي حيوث شئ من حيث من غير مشاركة الباقي ام لا و انت اذا تدبرت و لم‌تكتف بصرف التقليد تعرف المراد علي الحق فلاتنظر الي من قال حتي يضعف نفسك و تسلّم القول طوعا او كرها و لكن انظر الي ما قال فانك ان عرفت في منطقهم ان البرهان ما كان منتجا لليقين و لاينتج اليقين الا ما كان مؤلفا من اليقينيات تعرف ان هذه القياسات محض السفسطة و اين هذا من البرهان الحق فاقول لهم من ذا تريدون من الواحد البسيط هل هو الله جل شانه او غيره فان كان المراد هو الله فكيف ظهر لكم انه يصدر منه خلق و هو تعالي لايكون مصدرا و علة للصوادر لما مرّ مفصلا و ان كان مرادكم غير الله فمن هو و هم يزعمون ان العقل بسيط و لكنهم يعدّونه معلولا لله و علة لما دونه و علي فرض ثبوت كلامهم اقول فمن اين هذه الاختلافات و التراكيب فان العقل اذا كان بسيطا و يلزم عندكم ان يصدر من البسيط بسيط و لايصدر منه مركب فهذا الحكم يجري في الكل فمن اين يحصل الاختلاف و التركيب مع انه امر مشهود فالقضية كاذبة وهمية بطرفيها فقولك ان العقل بسيط كذب و البسيط لايصدر منه الا البسيط كذب و كذلك القضية الاخري مركبة من كذب و صدق فقولك ان الله بسيط حق و قولك لايصدر منه الا البسيط كذب فانه لايصدر منه شئ مطلقا ثمّ انّا نقول علي برهان الآخوند (ره) انه يقول ان الله تعالي علة للمعلول الاول و يصلح قوله بان حيث عليته عين ذاته فذاته انه علة و قال ان عليته ليست كعلية ساير العلل حتي يلزم التضايف فليس عنده المعلول غير العلة و العلة غير الذات و بالجملة جميع بياناته يرجع الي [ص 39] ان الوجود الحق تعالي هو وجود الخلق و الوجود كله واحد و الاختلاف بالماهية و صرّح في كلامه ان الماهية عين الوجود و قال ان التعين ايضا بنفس الوجود و الاختلاف عنده بالشدّة و الضعف و بالجملة حاصل كلامه انه لا معلول غير الذات فلاادري لمَ يلوي لسانه و يكتم مرامه و يستر برهانه فيتكلم بهذه الكلمات و مع ظهور مرامه و عقيدته لايفيد التكلم معه بالنقض و الردّ علي برهانه و الواجب احقاق الحق في اصل المسألة فدليله لايحتاج الي الرد لان مراده محض التكلم بسيرة الباقين و حق القول ان الذات لاتكون علة مطلقا فان العلية من صفات الفعل فان الشئ في ذاته لايكون فاعلا و فعل الله تعالي خلقه كما مرّ مفصلا كما في الخبر ان الارادة محدثة و الفعل مخلوق بنفسه و لايكون صادرا من الذات فانها لاتلد و لاتولد و الصدور بمعني الخروج توليد و ان كان بمعني الانفصال كانفصال نور الشمس من الشمس يلزم تحديد الذات فانه لو لم‌يكن الشئ محدودا ذا شبح متصل لايتصور انفصال نور و شبح منه و تعالي ربنا عن ذلك فبأيّ معني كان لايكون الفعل صادرا من الله تعالي و لايتصور فعل غيره فهو مخلوق بنفسه و لكنهم لايقولون بمخلوقية الفعل مطلقا اذ هم قائلون بقدمه و لكنهم يعدّون العقل اول مخلوق و سيجيء القول فيه ان شاء الله و لكنا نقول هنا ان اول المخلوق ايّا كان لايكون بسيطا مطلقا اما الفعل فلايكون صادرا من الذات بل هو مخلوق بنفسه و كل مخلوق بنفسه مركب اذ له جهة فعل و جهة انفعال علي ما مرّ و اما غيره فهو صادر من الفعل و الفعل لايكون بسيطا في ذاته مع انه يختلف باختلاف الاوقات و الاماكن و الاوضاع و الاقتضاءات فيختلف مفعوله البتة فكيف يلزم ان يصدر من البسيط بسيط هذا و نقول ان الله تعالي فاعل مختار لا بالطبع و الفاعل المختار يفعل ما يريد فان شاء يريد و ان شاء لايريد ، يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر و اذا كان الامر هكذا فهو يفعل ما يريد و لايتغير ذاته ابدا و لكن القوم زعموا ان ذات الله لها ميل و هوي ذاتي و علموا ان بتغير الذاتي يتغير [ص 40] الذات و ذلك مما لايجوز فيها فقالوا انها لاتكون الا علة معلول واحد ثمّ راي جماعة ان اختلاف المعلولات امر مشهود لاينكر فقالوا ان الاختلاف بسبب الاعراض و هي غير مجعولة و كأنهم لاصلاح الدين فرّوا الي الكفر نعوذ بالله و لو كانوا يقتصرون علي الظواهر و لم‌يكونوا متعرضين للحقايق لمافسد دينهم البتة و نقول ايضا في ردهم ان التناقض الممنوع لايجري في ذات الله لانها فوق الحدود و الاضداد كما تري في اخبار آل‌محمد عليهم السلام انهم يصفون ربهم بالنقايض حيث ورد انه داخل في الاشياء لا كدخول شئ في شئ خارج عن الاشياء لا كخروج شئ عن شئ مع كل شئ لا بمقارنة غير كل شئ لا بمزايلة بعيد لا بمناءات قريب لا بمداناة و امثال ذلك في الاخبار كثيرة و ليس ذلك الا بارتفاعه تعالي من جميع الاضداد و النواقض و منها الصدور و لاصدور و العلة و لاعلة و صدور ا و لاا فان جميع ذلك ممنوع من المخلوق الذي يكون محدودا فاذا صار علة الالف لايمكن في شأنه ان يكون علة لاالف و لكن من يكون منزّها عن جميع الحدود يجوز ان يوصف بجميع ذلك بالمعني المسوغ له و هو انه يكون علة بفعله و لايكون محدودا فيكون علة كل شئ افهم ذلك عني حتي تفوز مع الفايزين و نقول لابن‌سينا ما تريد من ان الشئ ما لم‌يجب لايصدر هل تريد ان يجب في الذات فيكون معه غيره و هذا شرك او تقول انه يجب في الامكان و ذلك قول زور فان الواجب الامكاني كماء الشعير القمحي فان الممكن ما يكون ممكنا في ذاته و الممكن ما يكون طرفا وجوده و عدمه بالسواء فكيف يصير واجبا لايمكن عدمه و كل عاقل يعلم ان زيدا بعد الوجود يمكن عدمه و ما يمكن عدمه لايجب البتة فخلق زيد ممكن و خلق لازيد ايضا ممكن ، هذا و لازيد ما تريد منه هل تريد نفيه الذي هو نقيضه فهو الامكان فهو موجود قبل كونه و بعد كونه ايضا يكون باقيا علي امكانه اذ هو الهيولي الثابتة في الكون و ان كنت تريد من النفي كون آخر فهو ثابت مع كون زيد في مقامه فمن ذا يجب و بلسان آخر [ص 41] نقول ان الواجب ما يكون نفيه ممتنعا فهل يكون عدم العقل ممتنعا مع انه اول ما خلق الله لايقول بذلك مسلم مع ان الله يقول لنبيه و لو شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك مع انه موجود فلو كان واجبا كيف كان يجوز ذلك مع ان المشية لاتتعلق بالممتنعات ، هذا و الايمان بالبداء من شرط الايمان و البداء لايتعلق الا بما تعلق به المشية و بالجملة بطلان هذا الرأي العليل اوضح من الشمس و لانحتاج الي بسط المقال فيه فالخلق الاول مركب ايا كان اما الفعل فدليل تركيبه قوله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين و يدل عليه من الاخبار قوله (ع) خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فثَمَّ نفس و جهة انية و قال الحكماء كل ممكن زوج تركيبي و هذا قول حق صدق سمعوه من الانبياء البتة مطابق للكتاب و قال الرضا عليه السلام في احتجاجه علي عمران و اعلم ان الواحد الذي هو قايم بغير تقدير و لا تحديد خلق خلقا مقدّرا بتحديد و تقدير و كان الذي خلق خلقين اثنين التقدير و المقدر و ليس في واحد منهما لون و لا وزن و لا ذوق فجعل احدهما يدرك بالآخر و جعلهما مدركين بنفسهما و لم‌يخلق شيئا فردا قايما بنفسه دون غيره للذي اراد من الدلالة علي نفسه و اثبات وجوده فالله تبارك و تعالي فرد واحد لا ثاني معه يقيمه و لايعضده و لايكنه و الخلق يمسك بعضه بعضا باذن الله و مشيته الحديث ، افهم هذا الحديث حتي تقف علي تمام المطلب .

و اما قولهم ان الواحد ذا حيوث لايصدر منه من حيث واحد الا واحد ، اقول ان هذا قول فاسد لانّا نقول ان الحيث الواحد في الخارج لاينفصل عن ساير الحيوث وجودا و هو معها و الفعل الصادر منه ايضا علي حسبه الا انه قد يغلب حكم حيث علي حيوث و الحكم في كل حال علي الغالب ، مثال ذلك ان زيدا له حيوث عديدة من حيث اعراضه التسعة و هي مركبة عليه مجتمعة عنده في الخارج فاذا صدر منه اثر من حيث كيفية بالفرض يشاركه ساير الحيوث ايضا في التأثير و ان كان الباعث فعله لان فعله لاينفصل من ظهور ذاته فان ظهورها يظهر في الفعل و هو آيتها [ص 42] فيه فالفعل مركب من حيثين البتة و ظهوره في الجسم لا محالة و لولاه لماتعيّن و كلما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه فهو متكيّف متحيّز في مكان و موقّت بوقت و هكذا و بحسبها يتغير الافعال البتة فالاثر الصادر منه ايضا علي صفته انظر الي الشعلة و شبحها الظاهر في المرآة فان النور لايصدر الا من ناريتها و لكن نار الشعلة مركبة في الخارج من اعراض فيظهر عكوسها ايضا في المرآة مع ان النور هو الظاهر لا غير و ذلك لانه يتركب من هذه الاعراض و لها آثار و هذا الحكم يجري في كل شئ فاصل هذا القول قول مجتث و هو محض فرض ، نعم يمكن ان يكون الغالب حكم حيث واحد و ذلك امر محسوس ظاهر .

فصل - بعد ما عرفت ما بيّنّاه فاعلم ان المشية مع كونها مركبة في غاية الوحدة و البساطة الممكنة في الخلق لانها فوق جميع الكثرات و المبدأ لايتصور فيه الكثرة و التعدد لانه كلما اجتمع اثنان يكون فوقهما ثالث يجمعهما و هو واحد بيان ذلك ان الشيئين لو كانا من مرتبتين يقوم احدهما اعلي البتة و لايعدّ من الاسفل و معه و لذلك لايصحّ بناء التثنية منهما كما اقرّ بذلك النحويون فلايصح ان يقال ان الاثر و المؤثر اثنان و الله و انا اثنان و لكن التثنية تبني من فردين يجمعهما واحد فوقهما فالواقف في المرتبة العليا واحد و هو المطلوب و ان كانا في مرتبة واحدة فهما اثنان لا محالة و الاثنينية لاتثبت الا بالتركيب مما به الاشتراك و ما به الامتياز فانهما لو لم‌يشتركا في حكاية واحدة لماقاما في مرتبة واحدة و لو لم‌يتميّزا لماكانا اثنين فافهم و الواحد الجامع هو واحد فوقهما و هو الاول و هذا الامر يجري في كل متعدد فانه يجمعها خلق ثابت فوقها و ان لم‌تتصور في مقام خلقا جامعا لاتكاد تنكر الشيئية فانهما شيئان و لايكونان لاشيئا و يكفي في ثبوت الجامع وجود الشئ و هو فوق كل شئ و هو واحد البتة و هو غير الله تعالي اذ لايكون الله وجودا جامعا لخلقه اذ الجامع هو المبدأ و العلة و الاحد المحيط بالافراد و تعالي ربّنا عن هذه الصفات علي ما عرفت هنا و في التوحيد [ص 43] و يظهر لك باقل تدبّر ان القيت سمعك و انت شهيد و لكن الناس غمضوا عيونهم و اعموا قلوبهم و فتحوا اسماعهم و يقنعون بما قاله اشياعهم و يقلدون في كل علم اسلافهم مع انهم يقولون ان اصول الدين عقلية و التقليد مجوز في المسائل الفرعية و لكنهم نسوا قولهم و تركوا حكمهم و اتبعوا الفلاسفة و الكلاميين و ليتهم كانوا يقنعون بتقليد الاماميين و لم‌يكونوا يأخذون بحكمة المشّائين و الاشراقيين الذين اخذوا دينهم عن كتب اليونانيين و قبلوا رأيهم تعبّدا و قنعوا بافكارهم من دون روية و ان انكرت عليهم يستوحشون و من العجب ان بعضهم يأوّل الكتاب و السنة الي زخارف اهل الفلسفة و اضاليل الصوفية و يفرح بتطبيق دين الاسلام مع بدع النصاري و المجوس و بالجملة لنا ديننا و لهم دينهم و لايضرّنا من ضلّ اذا اهتدينا فنرجع الي ما كنا بصدده فالله تعالي لايكون ما به الاجتماع لخلقه اذ هو الجنس الاعلي و قد قال الامام عليه السلام في صفة الله ليس بجنس فتعادله الاجناس و قال الله تعالي لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلثة و الجامع هو ثالث الثلثة و اختار لنفسه قوله عز و جل مايكون من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا هو معهم اينما كانوا ثمّ ينبئهم بما عملوا يوم القيمة ان الله بكل شئ عليم و بيان الفرق في الجملة ان ثالث الثلثة هو من عرضهم و كل واحد من الثلثة في العدّ ثالثهم و اما رابع الثلثة فهو خارج منهم الاتري ان احدهم لايكون رابعا بل كل واحد منهم ثالث الثلثة اذا قدمت عدّ الاثنين فاختار الله لنفسه اسم رابع الثلثة و سادس الخمسة لخروجه من عرضهم و لايكون معدودا معهم بحيث يصلح ان تقول انا و زيد اثنان و الله ثالثنا اذ لايكون من عرضك و زيد و لكن معني الثالث انه خارج من عرضك و زيد و هو المستوي علي عرشكما و بالجملة الله تعالي خارج من خلقه مع انه داخل في خروجه و لكن الجامع منهم الا انه اجمع فيعدّ معهم و لذلك يصحّ ان تقول الخلّ و الدبس اثنان و هما مع السكنجبين ثلثة و كذلك الامر في الجامع فانه مجموع [ص 44] العوالم و الوجود بشرط لا و وجه معدوديته مع الخلق انه يجمعهم اسم المخلوقية الا انه فوقهم فتدبر فاذا عرفت ذلك فاعلم انه ليس بعد الله شئ يصلح للجامعية سوي مشيته تعالي فانها فعله و اول خلقه فهي الواحد فوق الخلق لا واحد سواه و الواحد بسيط بالنسبة الي الكثرات و ان كان في نفسه مركبا اذ لم‌يخلق الله شيئا فردا قايما بنفسه دون غيره و ان قلت ان الواحد هو الفرد و نفس هذا الخبر ينفي وجود الفرد اقول اولا ان مراده عليه السلام من الفرد الفرد الحقيقي و هو الاحد لا الواحد و ثانيا انه عليه السلام علق الفردية الممتنعة بقوله قائما بذاته دون غيره فلايمتنع الفرد القائم بغيره فالمشية فرد اقامها الله بنفسها فهي قائمة بالله لله و معني ذلك ايضا تركيب لاينافي الفردية اذ هي مخلوقة من تقدير و مقدّر اي جهة فعل و امكان بل هي مركبة من اربع قبضات علي ما بيّنت و ازيد فصلا آخر لتوضيح المسألة .

فصل - اعلم ان المشية مع وحدتها و بساطتها لها اربعة اركان من حيث المتعلق حصلت منها و هي المادة النوعية و الصورة النوعية و المادة الشخصية و الصورة الشخصية و هي مما لا بدّ منه في خلق كل مخلوق و لايتبين حقيقة تلك المسألة الا لمن كان عالما بالصناعة الفلسفية و قد مرّ سابقا في القسم الثاني ما يغنيك ان عرفت و اذكر في المقام ما نحتاج اليه لظهور المرام ، فاعلم انه لايتم شئ في العالم الا في صوغين : صوغ اوّلي طبيعي و صوغ ثانوي هبائي و بهما يكمل خلق كل مولود اما الصوغ الاول فبحلّ و عقد طبيعي نوعي بالنسبة ثمّ من بعد انعقاده بالنوعية يؤخذ حصة من النوع و تكسر و تعقد بالشخصية و ذلك في كل شئ بحسبه بيان ذلك بالبرهان ان الله تعالي يقول ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزّله الا بقدر معلوم فجميع ما تراه في ملك الله له اصل في خزائنه العالية و اول الخزائن الكونية للشئ مقام الحقيقة و هي فوق جميع الكثرات و اعلي من كل السبحات و قد وصفها مولانا اميرالمؤمنين في حديث كميل بن زياد و قد مرّ سابقا و سيجيء بيانها في هذا القسم ايضا ان شاء الله ، فالحقيقة [ص 45] بالنسبة الي صفاتها و متمماتها كلية و تتعين و تتشخص في بطونها كما تري في النار مثلا انها في نفسها منزهة عن جميع خصوصيات الشعلة و لاتحدّ بحدودها و بعد ما ظهرت في الشعلة تتعين فيها بحدودها و كذلك الامر في كل شئ حتي الاشخاص فان زيدا مثلا له حقيقة سابقة ثابتة في اعلي الدهر و هي نفسه التي هو بها هو لاتزيد و لاتنقص و قد خلقها الله قبل جميع المتممات مطلقة بالنسبة اليها و هي السبحات اي الصفات و الاسماء و هي بالنسبة اليها نوعية و ان كانت في نفسها شخصية و لذلك تكون محشورة في الدهر الذي هو عرصة الكليات احفظ ذلك حتي لاتزلّ قدمك ثمّ انها تظهر في المتممات بالتشخص فتري زيدا قائما بوضع خاص قاعدا بصورة مخصوصة او عالما حكيما فقيها متخيلا متفكرا و هكذا فان جميعها من متممات زيد الاتري ان زيدا قد يكون و لا عالم و لا حكيم و لا متخيل نعم لا بدّ له من متممة مّا للتشخص و لاتفارقه فاذا عرفت تلك الامثال فاعلم ان زيدا له كونان كون اولي في المقام الاعلي و كون ثانوي في المقام الاسفل الادني و الكون الاول لايتمّ وجوده الا بكسر و صوغ اذ هو مركب لا محالة و الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره فهو قايم بغيره البتة و هو ركنا وجوده فان له جهة الي مؤثره لانه اثر فعل الله و هي جهة التقدير و جهة الي نفسه و هي المقدَّر بفتح الدال و قد يعبّر عنهما بالفعل و الانفعال و النور و الظلمة و الروح و الطبيعة ، اما الجهة الاولي فهي اثر العالي و هو من حيث صدوره محلول مذاب و لايخصّ شيئا دون شئ و شخصا دون شخص كما ان المؤثر في نفسه هكذا و ضرب الله لك مثال ذلك في كل منير بحسبه و لانحتاج الي تفصيل القول فيه ثمّ يتعين تلك الجهة في قابليتها و هي انيتها و طبيعتها و هي تمام ما به الشئ الشئ و التعيّن في كل مقام بحسبه و هو مقام الصوغ و العقد و لما كان المادة الاولي اي النور نوعية لاتقبل الا الصورة النوعية و قد اثبتنا تلك المسألة سابقا و بهما يتمّ الحقيقة و لكنها نوعية بالنسبة و بعد ما اراد الله ظهورها و بروزها [ص 46] اخذ منها حصة و هي النور الصادر منها لا انها تتحصص في نفسها لانها لاتقبل التقسيم و كسرها باخذها و صوغها بالصورة الشخصية فالنور في خزينة المادة و الصورة في خزينة المثال و كلتاهما مثاليتان الا ان المادة من الاعلي و الصورة من الاسفل و بهما يتشخص المولود و يتعين و لولاهما لماكان ممثّلا فلايكون موجودا كما في الخبر لم‌يمثل فيكون موجودا ، فالموجود هو الممثل و الممثل ما دخل عرصة المثال فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و بقاء الشئ اي تشخّصه به و قد قال ان الله يمسك الاشياء باظلتها و سئل عليه السلام ما معناه ما كنتم قبل ان يخلق الله الخلق قال كنا اظلة خضراء حول العرش الحديث ، فتمام خلق كل شئ بكسرين و صوغين يعبر عنهما بحلين و عقدين الحل الاول الحل الطبيعي و العقد الاول الطبيعي و الحل الثاني الحل الهبائي و العقد الثاني الهبائي و قد يعبّر عنها بالمادة و الصورة النوعيتين و المادة و الصورة الشخصيتين ثمّ اعلم ان المولود بعد ما كمل شخصيته يضعف بنيته لبعده من المبدء الكلي فانه كل ما يبعد الشئ من المبدء يزيد برودته و كل ما ازداد برودته يقلّ حرارته الغريزية فيضعف قدرته و يقلّ قوته عن دفع الاعراض و الامراض فيلحقه اعراض كثيرة و هي ايضا مركبة من مادة و صورة فيخلق للشئ بعد كمال خلقته و تمام دورته بدن عرضي مركب من مادة و صورة عرضيتين بل له ايضا مادتان و صورتان بحسبه و سيجيء شرح الجميع في محله علي ما يناسب المقام و قد مرّ في القسم الثاني ما يناسبه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان هذا السرّ سارٍ في جميع الخلق من المشية فما دون و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية وجد في العبودية و ما فقد في العبودية اصيب في الربوبية قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فجميع ما وجدناه في السماوات و الارض و الانفس موجودة في المشية [ص 47] فلما رأينا ان جميع الآفاق و الانفس مركبة من هذه الاربعة يتمّ خلقها بها عرفنا ان المشية ايضا تكون مركبة من هذه الاربعة فلها مادة نوعية و صورة نوعية و مادة شخصية و صورة شخصية الا انها في المشية في غاية الوحدة و النوعية فيها بحسب مراتب الفعل بل المراتب تثبت لها بحسب المتعلق اي الامكان اذ الكون من حيث صدوره واحدة و هي المقامات الاربعة التي ذكرناها آنفا و قد عبّر شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه عن هذه المقامات بالفاظ عجيبة ارويها بعينها لتفوز ان عرفتها .