كتاب ينابيع الحكمة المجلد الثالث
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم و الفاني الرميم محمد بن محمدكريم بن ابرهيم ان هذا هو القسم الثالث من ينابيع الحكمة في علم المبدأ و المعاد و ما يتعلق بهما من المسايل الالهية و الطبيعية شرعت فيه بعد ما حصل لي الفراغ من القسم الاول و الثاني في الالهيات بالمعني الاخصّ و اصول الدين و الامور العامة و خرجا و الحمد لله في مجلدين و اسال الله ان يوفّقني علي اتمام هذا القسم في علم المبدأ و المعاد و القسم الرابع في ما لانذكره من الطبيعيات في هذا القسم و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
في علم البدأ و العود و فيه مقالتان :
المقالة الاولي في البدء و الثانية في العود و انا اسال الله ان يوفقني علي فهم الحق و يلهمني الصواب فيهما فان حقيقة علم البدأ و العود من الاسرار المكتومة و قد اخفاها الائمة الطاهرون (ع) عن الخلق و غَطَوا عليها لئلايطلع عليها الاغيار و لذلك اختلف الناس في علمهما اذ [ص 3] لميعرفوا الحقيقة في الاصل فعجزوا عن معرفة الفرع و علمهما من الحديث الصعب المستصعب قال مولاي ابوجعفر عليه السلام لجابر بن يزيد يا جابر حديثنا صعب مستصعب امرد ذكوان وعر اجرد و لايحتمله والله الا نبي مرسل او ملك مقرّب او مؤمن ممتحن فاذا ورد عليك يا جابر شئ من امرنا فلانَ له قلبك فاحمد الله و ان انكرته فرُدّه الينا اهل البيت و لاتقل كيف جاء هذا او كيف كان او كيف هو فان هذا والله الشرك بالله العلي العظيم انتهي ، فلاينبغي الكشف عن حقيقة المسألة و هتك الستر لمن عرفها فان الله لايرضي بذلك و الحجج نهوا عنه قال عليه السلام من اذاع سرّنا كمن قتلنا قتل عمد لا قتل خطاء ، و انا اسأل الله بحقهم ان يرزقني فهم سرّهم و تحمله و يجعلني متحملا له من غير تثاقل و له المنة عليَّ بما عرّفني فانه المنّان الكريم و بالجملة هذا العلم صعب مستصعب و قد تحيّر فيه الاحلام و ضلّ في فهمه الاعلام و زلّ في رسمه الاقلام فمنهم من مشي في غير طريق فتاه في وادٍ سحيق و منهم من قنع بصرف اللفظ الظاهر و لميفز بمشاهدة النور الزاهر و لميملك المآثر و المفاخر و منهم من عرف شيئا و غابت عنه اشياء و بالجملة لميصلوا الي حدّ المعرفة و وقفوا في مقام الحيرة نعم مشايخي اعلي الله مقامهم وصلوا الي المقام الاعلي و شربوا من الكاس الاوفي و فازوا بالقدح المعلي و لكنهم كتموا من اصداف علومهم لؤلؤتها و ستروا من اثمار حكمهم لبابها و زبروا في دفاترهم قشورها و بيّنوا في دروسهم ظواهرها و مع ذلك صار بيانهم اعلي من جميع البيانات و ارفع مما فصّله الحكماء في الرسالات و قد كتموا تحت القشور لبابا لاهلها و انا اقتدي بهم و احذو حذوهم فلااذكر لُبّ ما عرفته ببركة تعليمهم و نظرهم في الظاهر و لكني مع ذلك لاابخل عن الاشارة الي الحقايق بقدر الميسور لئلاامنع الحكمة اهلها و لاابذلها لغيره فيا ايها الناظر في كتابي هذا لاتقنع بنظرة و نظرتين و لاتقصر نظرك علي مقام و مقامين فاني ابيّن المسألة منتشرة في تلو الفصول كما هو عادة مشايخي اذا ارادوا تسهيل الوصول و علي [ص 4] الله توكلي في جميع الامور و ها هو ابّان الشروع في المقصود .
في علم البدأ و رتّبتُه علي مقامات :
في ما يلزم معرفته من الاصول و المسايل الكلية اذكرها في فصول :
فصل - قد عرفت مما مرّ في مقالة التوحيد ان الله تعالي ذات احدية منزهة عن جميع الكثرات مقدسة عن كل النعوت و الصفات مبرّاة عن جميع الحدود و السمات و ان تدبرت فيما مضي لاتحتاج الي تكرار الكلام و لكن من باب عدم حاجة الناظر الي رجع النظر الي ما مضي او وقوع هذا القسم في يد احد و لميجد سابقه لا بدّ لي من بيان المطلب هنا ايضا علي وجه الاختصار و لعلّ الله يجري علي قلمي في المقام مطالب اخري لمابيّنها في ذي قبل فاعلم اني سمّيتُه تعالي ذاتا مع تنزيهي له بما وصفت لتنزهه تعالي عن كونه عرَضا فانه لايليق بشانه فان العرض محتاج الي غيره قايم بسواه و هو سبحانه يتعالي عن ذلك و الا ففي الحقيقة لايسمّي بالذات ايضا فان الذات في المعني الاصلي بمعني صاحبة الصفات و هي ايضا من الصفات الا انها اعلي منها موصوفة بها و الموصوف يشهد بنفسه بأنه غير الصفة كما ان الصفة تشهد بانها غير الموصوف و اتّصافه بها يشهد بالاقتران كما ان تعلّقها و ارتباطها به يشهد بذلك و جميع ذلك من الصفات الثابتة في الحدث الممتنعة من الازل فهو تعالي لايكون ذاتا كما لايكون عرضا بل هو الحق و لاتقولوا علي الله غير الحق و سبحان الله عما يصفون و تصف السنتهم الكذب فيقولون علي الله ما لايعلمون فهو سبحانه جاعل الصفة كما انه خالق العلم و العلة و الجاعل غير الموصوف فهو غير الذات و لكنه مذوِّت الذات قال عليه السلام بتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له ، فهو فوق الجواهر و الاعراض بلا نهاية الا انه لا بدّ لنا من تعبير للتفهيم فنسمّيه باسماء كما فعله ساداتنا قال عليه السلام اسماؤه تعبير و [ص 5] افعاله تفهيم و لما امر الله انبياءه و حججه بالتسمية لدلالة العباد و لميكن اسم في غير عرصة الخلق اختير له احسن الاسماء كما قال الله في كتابه العزيز قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايّا ما تدعوا فله الاسماء الحسني و في التورية ما معناه ان موسي علي نبينا و آله و عليه السلام سأله عز و جل بعد ما ارسله الي بنياسرائيل عن كيفية التعبير عنه قال قل لهم هو خالقكم و خالق آبائكم قال كذا و كذا انتهي حاصل الكلام ، فالتعبير للدلالة لا غير و كذلك وصفي اياه تعالي بالاحدية ناقص لان الاحد اسم اطلاق و اجمال مع انه يلاحظ فيه الوحدات التي دونه و لولاها لماكان احدا الا انا اخترنا هذا الاسم من باب انه ادلّ علي بساطته الحقيّة من اسم الواحد و نتدارك ذلك بان الاحدية الذاتية عين الذات من كل جهة و لايلاحظ معها غيرها و هي امتناع ما سواها نعم الاحدية الوصفية من صفاته كما قال الله تعالي قل هو الله احد و هو مقام دون اسم الله و قد مرّ بيانه سابقا في التوحيد فراجع و ان شئت ان تعرف حقيقة كلامي و يسهل لك الاقرار به فاعرف ذلك من ان الاحد في كل مقام يكون اولي بافراده منها و تسمّي كل فرد باسم الاحد فتقول : احد واحد ، احد اثنين ، احد ثلثة فهل يجوز عقلك ان تقول ان لله افرادا هم آلهة يسمّون باسمه فكلهم الله او افرادا حادثين و الاحد فوقهم قديم فيصدق اسمه عليهم فتقول زيد الله عمرو الله و هذا قول باطل اذ نقول ان الخلق صاروا بظهور الاحد القديم فيهم قدماء و بطل حدوثهم بظهوره او حدوثا و لميظهر الاحد فيهم بقدمه مع انه عين احديته بحكم العقل و النقل و كلاهما خلف فانظر ماذا تري فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله و يفترون علي الله الكذب فلايكون احدا بالمعني المعروف و لكنه احد بمعني امتناع جميع خلقه معه و كذلك احاطته فانه لايكون محيطا بالمعني المعروف فان المحيط اسم فاعل من احاط و هو فعل و له محاط و الذات خالق الفعل و لايكون فعلا و لا فعل له معه في رتبته و فعله مشيته و هي خلقه فلايوصف بالمحيط [ص 6] الا بعد ظهوره في فعله و كذلك المحيط له محاط يحيط به و لايذكر معه تعالي غيره حتي يحيط به و ان قلت ان الله قال احاط بكل شئ علما اقول وصف علمه بذلك و هذا العلم غير ذاته فان العلم الذاتي عين الذات و معلومها الذات و عالميتها ايضا نفس الذات فلا شئ تحيط به و لكن المراد من هذا العلم العلم الخلقي و هو كرسيه الذي قال وسع كرسيه السماوات و الارض فافهم و سيجيء بعد بيانه و قد مرّ سابقا فنفس الذات لاتحيط بشيء و لا شئ اذ هي و لكن اذا وصفناها بالاحاطة نريد منها طيّها جميع الجواهر و الاعراض و اعراض الاعراض و الخوافي و الظواهر و الكليات و الجزئيات و الاعالي و الاسافل و العلل و المعلولات و الاسباب و المسببات و كل ما يصدق عليه اسم شئ كائنا ما كان بالغا ما بلغ بحيث اعدمتها من وجودها فصارت موجودة بنفسها قبل كل شئ و مع كل شئ و بعد كل شئ قال عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك ، فمعني احاطة الله تعالي طيّه لما سواه طي الامتناع ، شهد الله انه لا اله الا هو و الملئكة و اولوا العلم قائما بالقسط فافهم فاذا عرفت ذلك و قرب ذهنك فاعلم ان التنزيه ايضا لاينبغي له تعالي فان التنزيه هو النفي و النفي ايضا شئ بل هو اخس شئ و الذي هو حق الوجود و كله و عينه اجل من التنزيه مع انه اصل التشخص و عين التعين و لا شخص حقيقة سواه و كذا قال عليه السلام هو الشئ بحقيقة الشيئية ، فان ساير الاشياء لاشئ من حيث و شئ من حيث سواه تعالي فلايسوغ له التنزيه و لكن التنزّه صفة الله الذي هو اسمه و صفة الهوية الغايبة عن درك الحواس الثابتة في نفسها و صفة الاحد الذي وقف فوق الاضداد فان الله من تحيّر فيه خلقه لمنافاتهم له في صفاتهم او عبدوه حق عبادته اذ الله بمعني المعبود كما في الخبر و هو قول مركب من الهاء و الواو و الهاء تثبيت للثابت المبهم و الواو اشارة الي الغايب عن درك الحواس يعني يكون و لايدرك فافهم فانه دقيق و بالجملة فالتنزيه يليق بهذه المقامات بل يليق حقيقته بالواحد لان [ص 7] الهوية لاتدرك مع ان هو معكم اينما كنتم و هو الذي في السماء اله و في الارض اله و الله من وراء الخلق محيط فهو نافذ في كل الخلق ، الله نور السماوات و الارض و الاحد ايضا محيط بجميع ما سواه نافذ فيها متجلٍّ لها فكيف يجري عليها التنزيه و لكن التنزيه حقه في الواحد فأنه الذي يتنزه عن الاثنينية و عوارضها و الثلثية و عوارضها و هكذا فتدبر لعلك ماسمعت مثل ما هذه المقالة و ماادركت معني التنزيه اللايق بحضرة الاحدية فمعني تنزيهنا لله بذاته نفي المثل و الشبه فقولي سبحان الله يعني هم وصفوه بصفات خلقه و حدّدوه بها و ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته و السماوات مطويات بيمينه و بالجملة فالله تعالي احد في ذاته بمعني امتناع جميع ما سواه معه و لا ذكر لشيء معه سواه بنفي و لا اثبات فحيث هو ليس الا هو و هو هو وحده بل ان عرفت الله حق معرفته تعرف ان الخلق حيث هم اعدام معه اذ هو احد و لايتمكن في مكان و لايتعين بعين فلايحدّ بحد و هو كما قال هو معكم اينما كنتم و قال نحن اقرب اليه من حبل الوريد فبوحدته المنيعة يعدم كل موجود و ذلك هو التوحيد الحق و هذا معني التنزيه و اين هذا من وصفهم ربهم بصفات في ذاته و قولهم بتحديده في ماهيات خلقه نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل .
فصل - اعلم ان الذات لاتوصف بصفة مغايرة لها و قد اثبتنا ذلك في المقالة الاولي و لكن المراد محض الاشارة الي بعض جهات المسألة بقدر الحاجة في المقام فاقول ان من وصف الله في ذاته لميعرفه حق المعرفة و قرنه بالكثرات ، بيان ذلك علي نحو المجادلة اني اقول اخبرني ان الصفة عين الذات من كل حيث و جهة او غيرها فان قلت بالاول اقول فهي هي و لا غير و ان قلت بالثاني اقول ان ذلك باطل من جهات : الاولي انه يلزم من ذلك عدم اتصاف الذات بصفتها لان الصفة كائنة ما كانت فرع الذات قائمة بها فمقامها دون الذات اذ لايتصور ان يكون الفرع في مرتبة الاصل لانه اثر و الاثر لايقارن مؤثره و لايتصور المؤثر به لأنه بمادته و صورته [ص 8] صادر من مؤثره كما هو ثابت في محله كما تري في قيامك بالنسبة اليك فانه صادر منك بفعلك مادته شعاع مادة فعلك و صورته شعاع صورته فهو بكله اثر فعلك و لذلك يسمّي باسم الفعل مطلقا و هو لايتجاوز مبدأه فلايصل اليك ابدا و لايقوم معك فانت بذاتك لاتوصف بقيامك فما يقوم معك هو لايكون اثرك بل هو من سنخك و كذلك الامر في المقام و لله المثل الاعلي اذا قلت ان الصفة غير الذات و هي معها يلزمك الاقرار بانها ذات غير الذات و هي مثلها بائنة منها بينونة العزلة و ليس كمثله شئ بالضرورة و من مثّله بغيره فغيره عرف و من شبّهه فغيره وصف و كفر به من حيث لايعلم مع انه اقرّ علي نفسه بان الذات وصفت بما لميصدر منها و لميرتبط بها و محال ان تتلبس ذات بما هو باين منه بينونة العزلة و ليس ذلك الا كأن تقول باتصاف زيد بعمرو و عمرو بزيد مع ان زيدا محدود بحدود الزيدية و عمرا محدود بحدود العمرية و هذا محال و ليس في محال القول حجة و لا في المسألة عنه جواب و بالجملة لااظن عاقلا يرضي بهذا القول المجتث الباطل بعد معرفة لوازمه فانه لايقول بلوازمه قايل و ان قال به عميانا ، الثانية نقول هل الصفة قديمة او حادثة فان قلت بحدوثها اقول فلاتتصف الذات القديمة بصفة الحدوث و ان قلت انها قديمة اقول يلزم من ذلك تعدد القدماء و هو محال اذ لا اقل من ان كل واحدة منهما تحد بالاخري فلها نهاية تنتهي اليها و كل ما له نهاية له بداية و يلزم من ذلك التركيب المستلزم للحدوث و كذلك يلزم من مغايرتهما تركيبهما مما به الامتياز و ما به الاشتراك كما يظهر لك ذلك باقل تفكر و لانطيل الكلام و المركَّب لايكون قديما بل هو حادث و له مركِّب ركّبه البتة افهم ذلك ، الثالثة نقول اذا كانت الصفة غير الذات فهما شيئان يجمعهما وجود غيرهما اذ لو كانت الصفة موجودة بعين وجود الذات للزم اتحادهما و هو فوقهما و هو اولي بالربوبية و ان قلت ان وجودهما متحد و ماهيتهما مختلفة اقول فهما خلقان مركّبان كما مرّ مع انه يلزم ان يكون لهما مادة شخصية ايضا فان شاركا في الوجود النوعي لايشاركان في المادة الشخصية البتة [ص 9] و بالجملة جهات فساد هذا الفرض عديدة فينحصر الامر في ان يقال ان الصفات الذاتية هي عين الذات من كل جهة و اصلح الفساد بعض بان تكون في قوة الذات و ضعف هذا الرأي ظاهر فان القوة هي العدم و الصلوح و لايفرض ذلك الا في الامكان و الله لايكون امكانا فان الذات الاحدية لاتكون امكانا فان وجود كل خلقه منه و الامكان عدم و المعدم لايصير موجدا للموجودات ، هذا و لو كانت عدمية لماخرجت من القوة لعدم الباعث و ما تري انه يكون في قوتك صفات و تخرجها انت من قوتك فذلك لان ذاتك سابقة علي قوتك فتخرج من قوتك بفعليتها و لكن الناس لايعقلون ، هذا و نقص الامكان ظاهر و الحوادث نقايصهم من امكانهم فكيف ترضون لله ما لاترضونه لانفسكم هيهات ألكم الذكر و له الانثي تلك اذا قسمة ضيزي و بعض اصلح رايه الفاسد بان اختلاف صفات الذات بالنسبة الي المتعلق و ذلك ايضا مثل الرأي الاول اذ نقول اولا هل يكون النسب وجودية او محض الوجدان فان كانت وجودية يلزم التكثر في الذات و ان كانت خيالية فليست الا محض فرض غير مطابق للواقع و ثانيا نقول انه لاتثبت النسبة الا بالاضافة و هي من صفات الخلق و يلزمها التركيب و الحدوث الممتنع من الازل و لانحتاج هنا الي بسط المقال في هذه المسألة فانحصر الامر في ان نقول ان الصفات هي عين الذات من جميع الحيوث و الجهات فالعلم الذاتي هو الذات و الحيوة الذاتية هي هي و القدرة هي هي و اما الارادة و الكلام فقد مرّ سابقا انهما خلقان و ليسا من الصفات الذاتية و بالجملة فالصفات الذاتية هي عين ذاته و معناها معني الذات فالقادر يعني الله و الحي يعني الله و هكذا و ان قلت فلمَ سمّوها بهذه الاسماء مع عدم وجود معانيها فيها اقول اما اولا فلئلايزعم الجهال ان الذات ناقصة و اما ثانيا فلها معاني و معني العلم عدم الجهل و معني البصر عدم العمي و هكذا فان قلت انه لايتبادر هذه المعاني الي الاذهان اقول عدم التبادر ليس دليل العدم و تبادر غيرها ايضا ليس دليل الحقيقة فيه فان هذه ادلة لفظية لاتجري في عالم الحقيقة و ربما لايتبادر معني الي ذهن لجهله و ربما [ص 10] يتبادر غيره لانسه و اكثر ما يعرفه العوام و يتبادر الي اذهانهم غلط نشأ من جهلهم و لايجوز للحكيم ترك الحق لرأيهم فان عرفت من هذه الاسماء معانيها المعروفة في الخلق و اجريتها علي الخالق لحددته و اشركت و لذا تري الامام عليه السلام لما تكلم معهم تكلم بلسانهم صونا لهم ان يقعوا في التقصير و لكنه اشار في كلامه بما يظهر للعارف الخبير ان وصفه الذات بالصفات ليس بالمعاني المسوغة في المخلوقين كما تري في قول مولانا ابيعبدالله عليه السلام لميزل الله جل و عز ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ، انظر الي قوله عليه السلام كيف وصف ربه فانه عليه السلام لما راي ضعف الناس و جهلهم لمينف العلم و السمع و البصر و القدرة عن الذات اذ لو نفاها لزعم الجهال تعطّل الذات نعوذ بالله و لكنه (ع) اثبت هذه الصفات ثمّ صرّح بان لا معلوم معها و لا مسموع و لا مبصر و لا مقدور و انت تعلم ان العلم الخلقي مقترن بالمعلوم فانه ليس الا حضور المعلوم باصله او بشبحه عند العالم و كذلك السمع و البصر فانه اذا لميكن مسموع و مبصر لاتقول فلان سمع و بصر و ذلك مما لايجوز و كذلك القدرة في الخلق فعل و هي القوة علي المقدور و نفاها الامام عن الذات و قال انها نفس ذاتها و لا مقدور معها فعرفنا من ذلك ان هذه الصفات تثبت لها بوجه مسوغ هنا و هو كونها نفس الذات و اشار ايضا في قوله و لما احدث الاشياء الي آخر ، الي ان العلم المتعلق بالمعلوم ايضا غير الذات لانه (ع) قال بعد خلق الاشياء و ثبوت المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و لا شك ان الذات لاتقع علي شئ فيظهر من ذلك ان علمه الواقع علي المعلوم غير الذات و غيرها خلق و كذلك صرّح (ع) في حديث آخر بوجه علمه تعالي سئل فقيل لميزل الله يعلم قال انّٰي يكون يعلم و لا معلوم قيل قلت فلميزل الله يسمع قال انٰي يكون ذلك و لا مسموع قيل قلت فلميزل يبصر قال اني يكون ذلك و لا مبصر [ص 11] قيل ثم قال لميزل الله عليما سميعا بصيرا ذات علّامة سميعة بصيرة ، فعلم من هذا الحديث الشريف انه تعالي لايكون عليما بعلم فعلي و كذلك ساير الصفات و لكنها ذات علّامة سميعة بصيرة بغير صفة زايدة كما في حديث آخر قيل للرضا عليه السلام يا ابن رسول الله ان قوما يقولون انه عز و جل لميزل عالما بعلم و قادرا بقدرة و حيا بحيوة و قديما بقدم و سميعا بسمع و بصيرا ببصر فقال عليه السلام من دان بذلك فقد اتخذ مع الله آلهة اخري و ليس من ولايتنا علي شئ ثم قال لميزل الله عالما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا لذاته الحديث ، فظهر من هذا الخبر الشريف انه تعالي لايوصف بوصف غير ذاته فمعاني هذه الصفات عين ذاته و وصفه (ع) بها لحفظ الضعفاء و لكنه (ع) اتبعها ببيانات يظهر بها الامر للخبير و في مقام آخر قال (ع) للعارفين كمال التوحيد نفي الصفات عنه ، فذاته تعالي منزهة عن كل صفة و هي هي وحدها وحدها و لا غير لها معها بوجه .
فصل - اذا عرفت ما بيّنّاه فاعلم ان الله سبحانه عالم في ذاته و لا معلوم مطلقا و علمه بذاته ايضا عين ذاته و معلومه عين علمه و اذا كان الامر هكذا فذاته هي هي و معني علمه بذاته انها هي هي لا غير و ربما يقال انه علم نفسه بهذا المعني و ربما يقال انه كلام خالٍ من التحقيق لان المعلمة لنفي الخلاف و لا خلاف هنا و الحاصل انه لا ذكر لغير الذات معها فلايجوز ان يقال انه تعالي علم في ذاته خلقه اذ يلزم من ذلك ذكر خلقه في ذاته و ذلك خطاء لانه لايخلو من ذلك فرضين فاِما تفرض ان الاعيان تثبت في الذات علي ما هي عليه او علي ما الذات عليه فان قلت ان الاعيان فيها علي الخلقية و الحدوث كما هي عليه فيلزم من ذلك ان يكون الذات محل الحوادث فتنزل بذلك من قدمها البتة و ان قلت انها مذكورة في الذات بالقدم يلزم من ذلك محالات عديدة تعدد القدماء و ذلك محال و انقلاب القدماء الي الحدوث و ذلك ايضا محال و مخالفة علم الله مع معلومه اذ علم الحادث بالقدم و ذلك ايضا محال او عدم علمه بالحوادث الثابتة في عرصة الحدوث اذ علمها [ص 12] في القدم و لميعلمها في الحدوث فكيف يتصور علم الذات بها في ذاتها و ان قلت يلزم من نفي العلم الذاتي جهل الرب تعالي و هو نقص اقول العلم علم اذا كان موافقا للواقع و اما اذا كان مخالفا له فهو جهل فانك اذا علمت زيدا بأنه زيد تكون عالما به و اما اذا علمته بأنه عمرو لايقال انك عالم به اذ جهلته و كذلك اذا علمت زيدا الحادث قديما جهلته و لمتعلمه و كذلك الامر هنا فان الخلق ممتنعون في الذات فاذا علمتهم ممتنعين فيها كان علمها صادقا و هم موجودون في مقامهم فاذا علمتهم في مقامهم بالحدوث كان علمها صادقا و الا لكان جهلا و تعالي ربنا عن ذلك بالجملة فعلم القديم بالحادث في ذاته كذب باي معني كان اذ لا ذكر له في الذات فان علمه فيها يكون خطاءا غير موافق للواقع اذ جميع الخلق باعيانهم و اشباحهم ممتنعون في الذات فان علمها فيها بالثبوت كان كذبا و معرفة حقيقة علمه تعالي بها صعبة مستصعبة قد بيّنتها سابقا فراجع و اما العلم الكينوني فيشترط معرفته بمعرفة الكينونة فنبيّن لشرحها فصلا خاصا .
فصل - اعلم ان مشايخنا اعلي الله مقامهم كثيرا ما يستعملون لفظ الكينونة و لا بدّ لنا من معرفة الاصطلاح حتي تقف علي المراد فاعلم ان الكينونة في الاصطلاح بمعني الثبوت و الحصول لا الحدوث كقولك كان الله فان معناه ثبوته و وجوده لا غير و لفظها مصدر بمعني الكون فاذا عرفت ذلك فاعلم انها ربما تستعمل و يراد منها محض الكون فان قيل كينونة الذات يراد منها صرف كونها و ثبوتها و هي عين الذات لانها لاتكون كائنة بكون غيرها و لكنها كائنة بذاتها و تلك الكينونة لاتوصف و لاتحدّ بل هي فوق الحدود و لا كلام لنا عنها و اذا انتهي الكلام الي الله فامسكوا و ان قيل كينونة المشية فالمراد كونها و وجودها و ان قيل كينونة المشاءات فالمراد كونها و لكن يومنا هذا جري اصطلاح مشايخنا (اع) علي انهم يطلقون الكينونة علي كينونة المشية فاذا قالوا مقام الكينونة يريدون هذا المقام و ليست مقاما فوق مشية الله لاتكون حقا و لا خلقا فانه حق و خلق لا ثالث بينهما [ص 13] و لا ثالث غيرهما افهم ذلك حتي لاتغلط و لا بدّ لنا من شرح هذا المقام فاعلم ان الله سبحانه كان قبل الكان و الامكان بكينونته الذاتية الثابتة و لميكن في وجوده محتاجا الي غيره بوجه و لا غير معه ثمّ تجلي اول ما تجلي بالكون الثابت لا بفعل سابق بل بنفسه لا بنفس غيرها و لو بوجه بل هو نفسه و هو عين تجلي يعني جعله تجليه و هو نفس الجعل فافهم فانه دقيق و تجليه ذلك ليس بشيء و لا لشيء و لا في شئ و لا من شئ و لا علي شئ اذ جميع ذلك جهات الاعراض و هذا التجلي ذات ثابتة للذات قبل كل الاعراض و ليس معها غيرها و لا حيث لها سوي نفسها و كذلك ذات الله هي هي ذات احدية و هي بنفسها لاتصير علة و لا سببا و لا فاعلة و لا عاملة اذ جميع ذلك يورث المغايرة و لا تغاير فيها و لا تغيّر بل اقول معني ان هذا النور تجليها انها جعلته بنفسها هكذا لا انها ظهرت بها و ان قلت لو كان هكذا فبمَ عرفت انه تجليها و نورها و صدر منها اقول لما استضاءت قلنا اضاءت لا انها كانت اضاءة غير نفس ذلك التجلي و بها استضاء و مثال ذلك يظهر لك من الشعلة فانها ليست من النار بحركة و لا اشراق و لا تجلي غير نفس الشعلة قد تجلت لها بها و بها امتنع منها ، و بالجملة المسألة غامضة لانه لايمكن التعبير عن الحقيقة فلا بدّ لنا من هذه التكريرات لعلك تقف علي المراد و لاتزعم من جهات كلامنا ان هذا التجلي يكون عرضا قايما بغيره حاشا و كلا بل هو ذات قايمة بنفسها الا انها لغيرها و لذلك تكون ابدية ازلية دايمة بل اقول انها ذات الله العليا الظاهرة و نسبتها الي الله لانها ظهوره و نوره و مثاله و لله المثل الاعلي النار الظاهرة علي الدخان فانها جلوة النار الغيبية و نورها و دليلها و آيتها و بيانها و جميع ما ينسب الي النار لاينسب الا الي الشعلة و الا فالنار عالية عن النسب و لاتري و لاتوصف و لاتسمّي و لاتحدّ و لاتظهر و لكن جميع ما يري و يوصف و يقال كلها من النار الظاهرة في الشعلة و هي صاحبة الصفات و محل الاشارات و مصداق السمات و موصوفة الصفات فان [ص 14] قلت ان النار حارة يابسة محرقة ظاهرة مظهرة شفافة براقة لاتري شيئا منها من غير نار الشعلة و لاتصف سواها و الا فالنار الغيبية جوهرة واحدة لا اختلاف فيها ابدا و كذلك الامر في المقام و لله المثل الاعلي فان ذات الله تعالي فوق الكل و لكن التجلي الاول صاحب الصفات و معدن الاشارات و مسمّي الاسماء و لكونه ثابتا باثبات الله يسمّي كونا و كينونة و لكونه لله لا لنفسه يسمّي بكينونة الله كما يسمّي بذات الله و لكونه معدن جميع الاسماء و الصفات يقال انه معني الاسماء و لكونه مظهر الاحدية يقال انه علم الله الذي احاط بكل شئ و لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها ، ثم اعلم ان هذه الكينونة تظهر في الامكان المطلق و هو لها بمنزلة الدهن للسراج و بعد ما ظهرت به تكون الامكان فصار فِعلا بها و حيي بها كما تعلق النار بالدهن فاشتعل بها فصار موجودا بالنارية فتركب الشعلة من نارية و دهنية فالنارية لكونها فعليتها و وجودها تسمّي نفسا فان النفس بمعني الصورة و ان وصفت بالمادية تارة فبملاحظة وحدتها من نفسها و عدم تعيّنها فافهم و حيث الامكان و الاطلاق اي الدخان يسمّي بالانية و العبودية و لما كان تكوّن الامكان بل وجوده بسبب هذا الوجود الناري يقال ان الشعلة مخلوقة بنفسها لا بالنار الغيبية و لا بانوارها و كذلك الامر في المشية فان زيت قابلية المشية امكانها و هو و ان كان قريبا من الفعلية الا انه لايخرج الي الفعلية من غير كون و بعد ما اشتعل بالكون تكوّن و ذلك قول الله تعالي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار فافهم فلذلك يقال ان المشية مخلوقة بنفسها و قد يقال انها مخلوقة بالعلم كما ورد بالعلم خلقت المشية و المراد من العلم الكينونة و هي العلم الازلي الذي احاط بكل شئ فاذا قالوا العلم الازلي و ان الله علم المعلومات بالعلم الازلي يراد منه هذا العلم لا غير فاذا عرفت الكينونة و العلم الكينوني فلا بدّ لنا من شرح كيفية العلم بالمعلومات و لا كيف له فان ذلك [ص 15] اصل علم البدأ و العود و من لميعرفه لايعرف ما يقال .
فصل - قد ثبت بالكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل ان الله سبحانه عالم بجميع خلقه بالعلم الازلي و غير ذلك باطل بالضرورة و من زعم خلافه فقد صغّر الكبير و كفر بالعزيز الخبير و كذلك ثبت بجميع الادلة انه تعالي يعلمهم بعلمه الازلي بالتفصيل فان جماعة من الطلبة زعموا انه تعالي لايعلمهم بعلمه هذا الا بالوحدة و علم التفصيل حين وجودهم في مقام الخلقية و لازمة هذا الرأي ان يقال ان الله لميكن يعلم خلقه قبل خلقهم و ذرأهم عميانا نعوذ بالله كيف اختاروا ذلك لله عز و جل مع انه لايرضي العاقل ان ينسب نفسه الي الجهل فضلا من ربه و قد قال الباقر عليه السلام كان الله و لا شئ غيره و لميزل عالما بما كوّن فعلمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها و قال الله تعالي الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و قال عليه السلام ما معناه علم و شاء و اراد و قدر و قضي ، فعلمه بالشئ قبل مشيته فكيف يفرض جهله نعم معرفة حقيقة علمه الازلي التفصيلي بحيث لاينافي الاحدية صعبة مستصعبة و لميؤذن لنا في كشف المسألة و قد مرّ اشارات في مبحث العلم و اقول هنا ان الكينونة هي وصف الله تعالي بالاحدية و قد احاطت بجميع ما كان و ما يكون من الامكان و الاكوان و معني الاحاطة النفوذ و السريان لا احاطته باطراف الاشياء كمحيط الدايرة او كالفلك فاحاطة الكينونة بمعني انها نفذت في جميع اقطار الخلق حتي بلغت اقصاها بحيث صارت اظهر منها فيها و اولي بها منها بل تكون اوجد في مكانها منها بل هي اول ما يري من كل شئ و اول ما يعرف ، و ما تسمع مما يقال في صعوبة معرفتها و عدم مشاهدتها الا بشروط كشف سبحات الجلال من غير اشارة و محو الموهوم و هتك الستر و امثالها لايراد منها انها تمنع ظهور الحقيقة في العالم او تكون اوجد و اظهر منها بل المراد عدم اشتغال نفسك بها فانك انت تحرم نفسك عن العيان بالاشتغال باللعب كالصبيان و الا فلايري في الملك غير الكيان افهم ذلك ان كنت من فرسان هذا الميدان فهو الذي في السماء اله و في الارض اله قال [ص 16] مولاك عليه السلام الهي امرتني بالرجوع الي الآثار و كسوة الانوار فارجعني اليك منها كما دخلت اليك فيها مصون السرّ عن النظر اليها الدعاء ، فافهم و اتقن فاول ما يري من كل شئ نور ربك القديم و لكن الناس اكثرهم لايعرفون فهو معكم اين ما كنتم فهو عالم السرّ و اخفي و هذا النور المقدس هو الرحمن المستوي علي العرش اي عرش المشية او عرش الملك فالعلم سابق علي المشية و قد خلق كل ما خلق بعلمه تعالي به و لما خلق تعالي المعلوم في الاسفل وقع العلم اي النور علي المعلوم فانه مظهر نوره و آيته فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و ان عرفت من قولي ان الكينونة محل الحوادث فقد اخطأت و لمتعرف مرامي و ان عرفت ان الحادث كان قديما فقد اخطأت و لمتعرف مرامي و ان زعمت ان القديم صار حادثا فقد اخطأت ايضا و لكني اقول انه علم كل شئ علي ما هو عليه ابدا ازلا و لايتغير علمه سئل الصادق عليه السلام هل يكون اليوم شئ لميكن في علم الله عز و جل قال لا بل كان في علمه قبل ان ينشئ السماوات و الارض و سئل عن الله تبارك و تعالي أكان يعلم المكان قبل ان يخلق المكان ام علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه فقال تعالي الله بل لميزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كوّنه و كذلك علمه بجميع الاشياء كعلمه بالمكان انتهي ، و الاخبار الواردة في الباب عديدة و لايلزم مما قلناه اختلاف علمه مع المعلوم بل علم المعلوم به كما قال مولاي اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة له في صفة الله فارق الاشياء لا علي اختلاف الاماكن و يكون فيها لا علي وجه الممازجة و علمها لا باداة لايكون العلم الا بها و ليس بينه و بين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه ، و يكفي هذا الحديث الشريف عن كل بيان و ليس بعده الا العيان .
فصل - ما افحش خطاء من زعم ان بدأ الاشياء من ذات الاحد جل شانه و من عرف ما قدّمناه في القسم الاول يعرف حق المسألة و من باب توضيح البيان نقول ان الله جل و عز احد و الاحد لايصير مبدأ شئ لان الاحد لايصير جزء شئ [ص 17] و لايستحيل عن كيانه و لايتغيّر و لايعدّ مع شئ و لايعدّ معه شئ و لايقترن بشيء و لايقترن به شئ و لايتحد بشيء و لايتحد به شئ اذ الاحد الحقيقي يمتنع معه ذكر ما سواه بالنفي و الاثبات فكيف يصدق عليه شئ مما ذكر و لايجري عليه في قدمه ما هو اجراه في الحدث فلايعود فيه شئ مما ابداه و من وصفه بغير ذلك فقد وصفه بغير صفته فانزله من احديته و اشرك به من حيث لايعلم و ان انكرت الا العيان اقول لمن له عينان ان الاحد امتناع جميع الاكوان و الامكان و الفعل و المفعول و العلة و المعلول فانه حق الوجود و حقيقة الشئ و ما سواه ممتنع بحت و لاشئ صرف فهل صدر من الشئ لاشئ او خرج من الموجود الممتنع و هذا خلف فالاحد جل شانه ليس له غير حتي يخرج من وجوده غيره و لايجوز في شانه ان يقال انه تجلي الي خلقه فانه يلزم وجود المتجلي و التجلي و محل الجلوة و جميع ذلك صفة الكثرة و الله تعالي منزّه عن ذلك و قد مرّ في القسم الثاني في اقسام الفاعلية شرح ذلك فراجع و ان لمتكن من اهل العيان فاصغ الي البرهان فاقول ماذا تريد من مبدئية الحق و ما تقول فان قلت انه المصدر و الحوادث مشتقة منه فذلك خطاء صرف لان الاشتقاق بمعني اخذ شق الشئ او اقتطاع فرع من اصل و كل ما اشتق من شئ يكون شقيقه و الحادث لايقتطع من القديم و لايكون شقيقه كما هو مبرهن ظاهر و ان لمتعرفه فراجع فيما مضي حتي تعرف و ايضا نقول يستلزم ذلك تغيّر القديم عن قدمه مع ان القديم ما لايتغير فان كل متغير حادث و كذلك جهات فساد هذا القول ظاهرة و ان قلت بانها منه تعالي بمعني انه تصور بها فيستلزم ذلك ايضا القول بانه مادة الكل و لا شك ان المادة قوة الاكوان و القوة هي الصلوح و العدم و يستلزم ذلك القول بانه تعالي قوة الحوادث و قبح هذا القول ظاهر و يكفي كلام مختصر في ابطاله انه ان كان قوة فمن ذا اخرج القوي و القوي بنفسها لاتكون علة وجودها و الفرض انه لا علة سواها و كذلك نقول ان المادة جزء الشئ و ركنه و لاتكون مادة الا بعد الاقتران بالصورة و الصورة غيرها و هي حدّها [ص 18] فيلزم علي القائل ان يقرّ باقتران القديم بالحادث و تركيب الحوادث من قدم و حدوث و تحديد القديم و فساد جميع هذه الاقوال ظاهر و لانحتاج الي بسط المقال و ان قلت ان الحوادث منه بالتجلي بمعني ان جميع الخلق ظهوراته كما قال الصوفية لعنهم الله ففساد ذلك ايضا ظاهر فان معني ذلك انه تعالي كان ثابتا في غيبه بذاته و لكنه القي مثاله في هويات الاشياء فان ارادوا من المثال مثالا مخلوقا فلايكون رجوعه اليه و ان ارادوا مثالا قديما كما هو المعهود منهم فمرجع قولهم الي انه تعالي تهيّأ بهيئة زيد و عمرو و ذلك ظاهر كلماتهم لعنهم الله فالخلق مختلفون في الظهور متكثرون في الابدان متحدون في الحقيقة فيرجع الكل الي الرب القديم و استَشهدوا بقوله انا لله و انا اليه راجعون مع انه ورد في معناه انا الي امره راجعون او الي وليّه راجعون و ذلك قول بوحدة الوجود الذي ثبت بطلانه بالضرورة و بالجملة لا شك ان الله بذاته لايكون مبدأ خلقه و لكنه ابدأهم بلا كيف و المبدأ غير المبدئ و لكن المبدأ فعله و آيته و لا مبدأ لفعله عز و جل غير نفس فعله التي هي عِلْمُه تعالي فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
فصل - اعلم ان المشية هي فعل الله تبارك و تعالي خلقها بنفسها و نفسها هي مثال العالي فيها و هو الوجود و الآية و جهة الرب و المربوب هو جهة انية المشية و عبوديتها و هي مقام الاطلاق و الابهام فهوية المشية الامكان و مثال العالي فيه الكينونة و ذلك قوله عليه السلام في صفة العالم العلوي القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و قال في صفة درك الاوهام تجلي لها بها و بها امتنع منها ، و حكم الخبرين يجريان في كل الخلق لان امره واحد لا اختلاف فيه و معني قوله (ع) انه تجلي بنفسها التي هي الآية كما قال سنريهم آياتنا الآية ، لها اي لهويتها و بها امتنع منها اي بتلك الهوية التي هي علي خلاف الكينونة امتنع منها فان التجلي هو الازل الثانوي و الكينونة و الهوية هي الانية و الطبيعة الخلقية و هي الامكان و النفي و لاتستوحش من قولي انها الامكان الاتري انك توصف المشية بالامكان فتقول [ص 19] انها ممكنة فانها ان لمتكن ممكنة تكون قديمة او ممتنعة و كلاهما خلف فانها لاتكون قديمة لانها مخلوقة محدثة و لاتكون ممتنعة لانها موجودة فهي ممكنة نعم امكانها فوق ساير الامكانات فان له درجات و هي بالنسبة الي التجلي الاول امكان انوجاد و بالنسبة الي ساير الاشياء امكان ايجاد و فعل و اروي لك في المقام بعض العبارات من ابي الاستاذ العلامة اعلي الله مقامه فان كلامه فوق كلام الناس و دون كلام ساداته و لايقول الا ما اخذه منهم ،
قال اعلي الله مقامه في بعض رسايله انّا نطلق الامكان علي معنيين امكان فعل و امكان انفعال اما امكان الفعل فهو الامكان الراجح و هو امكان يعني يمكن ان يظهر بهذا و بهذا و بهذا لا انه يمكن ان يصير هذا و هذا بخلاف امكان الانفعال فانه يمكن ان يصير هكذا و هكذا و مثلهما كحرة ( كحركة ظ ) يدك و المداد فحركة يدك يمكن ان يكتب بها الالف و الباء و الجيم و المداد يمكن ان يصير الفا و باءا و جيما و هذا الامكان هو الامكان الجايز فالمداد امكان الحروف و الحروف فيه بالقوة و اذا صارت بالفعل صارت مكوّنة و ليست الحروف في الحركة بالقوة و لاتصلح الحركة للحروف و لاتخرج الحروف من قوتها الي الفعلية نعم يمكن ان تتعلق باحداث كل حرف الي آخر كلامه علا مقامه ، و قال في مقام آخر بعد ذكر الكينونة و المشية : فاقول ان ذلك التجلي المشار اليه هو المسمّي بالمشية التي خلقت بنفسها اولا ثمّ خلقت الاشياء بها و نفسها هي تلك الكينونة اذ المراد بهذه النفس التي بها يعرف الله و وصف بها نفسه و هي علم الله الكينوني الازلي المراد في قوله بالعلم خلقت المشية و هي الكائنة غير المكوّنة الموجودة الازلية و ظهر لهذا التجلي حيّز و وقت لما بدا فيه التكثر اما حيّزه فهو الامكان و اما وقته فهو السرمد و معني قولنا ان حيّزه الامكان فانه هنا بدا صلوحه لاظهار الكينونة اياها بها و في الكينونة لايلحظ حيث و حيث و هنا يلحظ و مع ذلك ما اقرب قوته من الفعلية و امكانه من العين بحيث [ص 20] لايميزه كل ناظر و لكن يرون ذلك في آثاره و المراد بهذا الامكان امكان انفعال هذا التجلي و هذا معني حيّزه الامكان و الكينونة ليست من الامكان و انما هي ازلية وصفية علي ما عرفت نعم امكانها يظهر في عرصة التجلي كما ان ازلية التجلي تظهر في الكينونة لا غير و ما اصعب هذه المطالب علي النفوس الي آخر كلامه . و ما ابينه في المراد فافهمه و تدبر في مطاويه حتي تقف عليه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان صورة المشية هي امكانها بملاحظة انه الماهية و هي في مقام الصورة و اما ان لاحظت كونه قوة فهو اولي بالمادية و حيث الكينونة لكونها فعلا اولي بكونه صورة مع ان الصورة عند اهل التحقيق اشرف و اقدم و اسبق من المادة و حيث الكينونة اقدم و اسبق و بالجملة و قوله علا مقامه ان حيّزها امكانه و ازليتها مقام كينونته مربوط بهذا النظر ان الكينونة صورتها و الامكان مادتها و القول بالعكس بملاحظة ان مادة الشئ اصله و مبدؤه و اصل كل شئ من وجوده و الكينونة حيث الوجود فهو المادة و الامكان .
فصل - ما اقبح قول من زعم ان ارادة الله ذاتية و اشدّ منه قباحة رأي من جعل المشية غير الارادة و قال انها مخلوقة و العجب منهم انهم مع ادعاء التشيع تغافلوا عن الاخبار و تركوا صريح الآثار و عابوا علي الادلة العقلية الصحيحة التي استدل بها جماعة و انكروا عليهم اشدّ الانكار و انا لست في هذا القسم بصدد نقل الاقوال كثيرا و لكني اشير الي وجه بطلان ادلتهم احيانا و اروي لك في المقام احتجاج مولانا الرضا عليه السلام علي سليمان المروزي قال سليمان يا سيدي ما تقول فيمن جعل الارادة اسما و صفة مثل حي و سميع و بصير و قدير قال عليه السلام انما قلتم حدثت الاشياء و اختلفت لانه شاء و اراد و لمتقولوا حدثت و اختلفت لانه سميع بصير فهذا دليل علي انها ليست مثل سميع و لا بصير و لا قدير قال سليمان فانه لميزل مريدا قال يا سليمان فارادته غيره قال نعم قال قد اثبتت معه شيئا غيره لميزل قال سليمان مااثبتُ قال الرضا عليه السلام أهي محدثة [ص 21] قال سليمان لا ما هي بمحدثة فاعاد عليه المسألة فقال هي محدثة يا سليمان فان الشئ اذا لميكن ازليا كان محدثا و اذا لميكن محدثا كان ازليا قال سليمان ارادته منه كما ان سمعه و بصره و علمه منه قال الرضا (ع) فارادته نفسه قال لا قال فليس المريد مثل السميع و البصير قال سليمان انما اراد نفسه كما سمع نفسه و ابصر نفسه و علم نفسه قال الرضا عليه السلام ما معني اراد نفسه اراد ان يكون شيئا او اراد ان يكون حيا او سميعا او بصيرا او قديرا قال نعم قال الرضا عليه السلام افبارادته كان ذلك قال سليمان لا قال الرضا عليه السلام فليس لقولك اراد ان يكون حيا سميعا بصيرا معني اذا لميكن ذلك بارادته قال سليمان بلي قد كان ذلك بارادته الي ان قال عليه السلام : اخبرني عنك و عن اصحابك تكلمون الناس بما يفقهون و يعرفون او بما لايفقهون و لايعرفون قال بما يفقهون و يعلمون قال عليه السلام فالذي يعلم الناس ان المريد غير الارادة و ان المريد قبل الارادة و ان الفاعل قبل المفعول و هذا يبطل قولكم ان الارادة و المريد شئ واحد قال جعلت فداك ليس ذلك منه علي ما يعرف الناس و لا علي ما يفقهون قال عليه السلام فاراكم ادعيتم علم ذلك بلا معرفة و قلتم الارادة كالسمع و البصر اذا كان ذلك عندكم علي ما لايعرف و لايعقل فلميحر جوابا الي ان قال (ع) : يا سليمان الاتخبرني عن الارادة أفعل هي ام غير فعل قال بل هي فعل قال فهي محدثة لان الفعل كله محدث قال ليست بفعل قال فمعه غيره لميزل قال سليمان ان الارادة هي الاشياء قال يا سليمان هذا الذي عبتموه علي ضرار و اصحابه من قولهم ان كل ما خلق الله تعالي في سماء او ارض او بحر او بر من كلب او خنزير او قرد او انسان او دابة ارادة الله و ان ارادة الله تحيي و تموت و تذهب و تاكل و تشرب و تنكح و تلد و تظلم و تفعل الفواحش و تكفر و تشرك فتبرأ منها و تعاديها و هذا حدّها قل سليمان انها كالسمع و البصر و العلم قال عليه السلام قد رجعت الي هذا ثانية قال انما ذلك كقولنا مرّة علم و مرّة لميعلم قال الرضا عليه السلام ليس ذلك سواءا لان نفي المعلوم ليس بنفي [ص 22] العلم و نفي المراد نفي الارادة ان تكون لان الشئ اذا لميرد لميكن ارادة و قد يكون العلم ثابتا و ان لميكن المعلوم بمنزلة البصر فقد يكون الانسان بصيرا و ان لميكن المبصر الي ان قال سليمان الارادة هي القدرة قال (ع) و هو عز و جل يقدر علي ان لايريد ابدا و لا بدّ من ذلك لانه قال و لو شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك فلو كانت الارادة هي القدرة كان قد اراد ان يذهب به لقدرته فانقطع سليمان انتهي ، انظر الي هذا الحديث الشريف هل يبقي لذي شبهة شبهة و هل يمكن تأويل مثل هذا الحديث الي معني يجوز اثبات الارادة الذاتية ثمّ اني اقول لهم نري انا نثبت الارادة و ننفيها كما في القضية الشرطية ان اراد فعل و ان لميرد لميفعل فبأيّ وجه تصلح ذلك و من العجب قول الآخوند في الاولي انه لاينافي وجوب المقدم و ضرورة العقد الحملي له ضرورة ازلية دائمة و كذا في الثانية لاينافي استحالة المقدم امتناعا ذاتيا و ضرورة نقيضه ضرورة ازلية كيف يقول الموحّد مثل هذا الكلام و كيف يرضي النفس بان تقول ان ما فعله تعالي واجب و لايجوز نفيه و ما لميفعل ممتنع لايجوز فعله و قد قال تعالي و لو شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك ، هذا و لانحتاج الي بسط القول في رده و الحمد لله و كذلك نقول ان الارادة هي القدرة او غيرها فان قلت بالمغايرة لزم تعدد الذات و ان قلت انها هي اقول انه يقدر علي ما لميرد قال الله تعالي اولئك الذين لميرد الله ان يطهر قلوبهم للتقوي مع انه قال يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و قال تبارك الذي بيده الملك و هو علي كل شئ قدير و كذلك اقول انها عين العلم او غيره فان قلت بالمغايرة نعيد البحث الاول و ان قلت بالعينية انه علم ما لميرد الاتري انه قال لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه فهو علم ما لميفعل و لميرد و قال لو تقوّل علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين فعلم ما لميرد سببه و لا مسببه فتدبر و انصف و لو كان الارادة نفس العلم للزم وجود كل ما علم و القول به كفر صراح و من العجب قول الآخوند غفر الله [ص 23] له ان المعني في كونه مريدا انه سبحانه و تعالي يعقل ذاته و يعقل نظام الخير الموجود في الكل من ذاته و انه كيف يكون و ذلك النظام يكون لا محالة كائنا و مستفيضا و هو غير منافٍ لذات المبدأ الاول جل اسمه لان ذاته كل الخيرات الوجودية ، الي آخر كلامه الذي حاصله لمن عرف لحنه ان ارادة الله عين ذاته و هي المريدة بها و معناها انه عقل ذاته و ذاته كل الموجودات فخلقه الخلق بمعني علمه بذاته لذاته و هذا قول تلميذه الملا محسن فصح انه لميخلق الا نفسه و من ذلك يظهر وجه عدم تفصيله القول في المسألة فانه كتم مراده و عبّر عنه بهذه التعبيرات و قد اشرت الي بعض كلامه لتعلم انه لايوجه تصحيح القول بالارادة الذاتية الا بالقول بوحدة الوجود و لذلك يصرّ الآخوند علي ان ارادته فعلية و هي نفس القدرة و هي واجبة و المراد معها و كل ارادته حاصلة و ليس عنده معني لقول لميرد الله الا الامتناع و لذا يقول ان قضية انه لو شاء ان لايفعل فانه لايفعل كاذبة و قال ان القدرة لاتتعلق باللامشية نعوذ بالله و بالجملة قالوا ما قالوا و بعد ما اتبعنا سادتنا لايضرنا كلامهم قال الله تعالي لايضرّكم من ضلّ اذا اهتديتم و انا اقول ما قال آلمحمد قلنا مادان آلمحمد دنّا تعالي الذات عن ان تكون ارادة او مريدا و لكنها تنسب اليه بوجه لايعلمه الا الخصيصون و بيان ذلك بقدر يمكن التعبير عنه يقتضي فصلا خاصا .
فصل - اعلم ان الله سبحانه احد و قد شرحت و بيّنت معني الاحدية في هذا الكتاب المبارك بما لا مزيد عليه و ان عرفته تقف علي حق كل بيان فاعلم ان الاحد تعالي يجلّ عن كل اسم و صفة فلايوصف و الوصف تحديد و كل محدود متناهٍ و كل متناهٍ متنقص و كل متنقص قابل للزيادة و كل قابل للزيادة و النقصان حادث و هو تعالي قديم ازلي فوصفه بالصفات ليس الا بمعني احديته تعالي و عدم محدوديته فقولنا انه سميع ليس بمعني انه تعالي محدود بالسمع بل بمعني انه فوق السمع و العمي و انه خالقهما و قس علي هذا ساير الصفات و من ذلك الباب وصفه بالمشية و الارادة فليس معني ذلك ان له مشية في ذاته و ارادة فيها فانه لو كان ذاته محلا لهما او [ص 24] نفسهما للزم النقص فان حقيقتهما الفعل و الفعل اثر و ثبوتهما بمعني غير ذلك ايضا يجري هذا المجري و ثبوتهما بصرف معني الذات لايُجدي فان الذات بنفسها تجلّ عن العلية فلا بدّ من علة غيرها لقيام المعلول فاحفظه فانه اصل من الاصول ، هذا و الارادة فعل و الفعل غير الفاعل و المفعول و لو كان الذات فعلا لماكانت فاعلة و ماتجلّت بالمفعول فان ضَرَبَ لايكون ضاربا و لا ضَرْبا و المتجلي فيهما هو زيد و هو المتجلي في الفعل ايضا فافهم ان كنت من العارفين و الفعل ما انبأ عن حركة المسمي و الفاعل هو المسمّي المتجلي في الفعل و المفعول هو المصدر المشتق من الفعل فما لكم كيف تحكمون ام علي الله تفترون و بالجملة طال بنا المقال مع اهل القيل و القال فالذات تجلّ عن الصفات و هي فوق المحدودات و تتعالي عن المخلوقات سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و لاينسب اليه شئ من خلقه و لاينسب الي الخلق و لايقال انه فوقهم و لا معهم و لا دونهم و قوله هو معكم ليس بمعني معية الاضافة بل بمعني علمه و احاطته و وجوده الحق جل شأنه و لو كان مع خلقه ككون شئ مع شئ لصار محدودا بهم و هذا محال و غير معقول لان خلقه معدومون ممتنعون معه تعالي و هو هو وحده تعالي فجميع النسب منقطعة في الخلق و الاضافات مقصورة عليهم و هو فوق الكل و لا كل و ان عرفت ما بيّناه و شرحناه في مبحث العلل و المعلولات لوقفت علي الحق و لذلك يكون مرجع الخلق في جميع حالاتهم اليهم و معاملاتهم معهم ، رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك الطريق مسدود و الطلب مردود ، فالخلق دايرون علي نفسهم مستمدون من الله بهم و يمدهم بسببهم ،