فصل - قال طائفة من المتكلمين ان الامكان علة الحاجة الي العلة المفيدة [ص 509] لا الحدوث فانه منشأ الحاجة الي العلة المعدّة و هي العلة بالعرض لا بالذات و قال بعض ان الحدوث هو العلة و ذهب الآخوند (ره) الي ان العلة لا الامكان و لا الحدوث و لانحتاج الي نقل ادلتهم و ذكر نتايجها بعد ما ظهر الحق في المقام ببركة محمد و آله صلي الله عليهم فاعلم ان اصل وجه الاشكال عدم اطلاعهم علي وجه الخلق و لو عرفوا لمااختلفوا فمن قال ان العلة هي الامكان زعم قبل الاكوان امكانا عدميا ثابتا كالتراب مثلا بالنسبة الي الكيزان و لو كان شيئا قائما لماكان عدميا و لماسمّي لاشيئا و من زعم ان العلة هي الحدوث زعمه صفة ثابتة للشئ قبل وجوده و الا لمااثبت له العلية لموجود مع عدمه و لا معني لثبوت حدوث الشئ قبل الشئ و بطلان القولين ظاهر و الحق ان العلة ليست من الاشياء اذ هي من انفسها معدومة و المعدوم لايقتضي الايجاد كما لايقتضي الوجود من نفسه بل الله تعالي اوجدهم بفعله و هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه يؤتي الملك من يشاء و يمنعه ممن يشاء و يعزّ من يشاء و يذلّ من يشاء و منه القضاء و الاقتضاء يعني انه يوجد خلقه ابتداءا و يأمره بالاقتضاء و الاقتضاء فرع القضاء و هو بعده رتبة قال عليه السلام اللهم اني ادعوك كما امرتني فاستجب لي كما وعدتني ، و قوله ادعوني استجب لكم لايدل علي سبق الدعاء وجودا بل محض الاعلان و الاذن فافهم فانه دقيق فالله تعالي هو خالق الاحتياج و الغني و مثبت الوجود و معدم العدم و قد اراك آية ذلك في نور الشمس فانه قبل صدوره منها لم‌يكن حتي يكون علة حاجته الي الصدور حدوثه بل بعد ما صدر صار حادثا و حدوثه صدوره و هو من الشمس لا غير و قيامه بالشمس فرع وجوده فالشمس علة جميع ما منه و ما اليه و لايضرّ ذلك و لا نقص للشمس في ذلك ابدا و كذلك الامر هنا فالله هو جاعل افتقار الحادث الي المحدث و احوجه الي نفسه دايما و ما اجهل من قال ان العلة هي الحدوث و بعد ما خلق الشئ يرتفع حاجته نعوذ بالله و ليس ذلك الا لقلة [ص 510] معرفتهم و لانحتاج الي ردّ قولهم فان الباطل يموت بترك ذكره .

فصل - ما افحش قول من زعم ان الحدوث و القدم امران اعتباريان ينقطعان بقطع الاعتبار و مرادهم انه ليس لهما وجود في الخارج الا بالعقل و استدلوا بادلة يضحك منها الثكلي منها ان القدم لو كان في الخارج موجودا فهو حادث او قديم اذ لايخلو الشئ من احدهما فان قلت انه حادث لزم من ذلك الخلف ان يكون القدم حادثا و ان يكون الشئ المتصف بالحدوث قديما و ان كان قديما لا بد ان يكون قديما بالقدم و القدم ايضا موجود آخر يوصف بقدم غيره و يلزم من ذلك التسلسل و كذلك قالوا في الحدوث و انا اقول لهم ان الامر الاعتباري هل يكون انتزاعيا من وصف ثابت او لا فان قلت نعم ثبت انهما موجودان و ان قلت ( لا ظ ) لزمك الاقرار ببطلان ما عرفت لعدم موافقته للواقع و الامر العقلي ان لم‌يكن مطابقا لكان جهلا و فرية ثمّ انا نقول لمَ تتعقل دايما من القديم القدم و من الحدوث الحدث هل يكون ذلك لمعني او لغير معني فان كان لمعني فليكن هذا المعني هو نفس القدم و الحدوث المثبتين و ان كان لغير معني فلمَ لاتتعقل للخلق قدما و للقديم حدوثا هذا و ان كان الامر علي ما قلتم للزم ان يكون الخلق لولا المعتبر لا حادثا و لا قديما و كذلك الرب و معني ذلك ان لايكون الرب سرمدا دايما و لا الخلق فانيا و كذلك يلزم عدم حاجة الخلق الي الله في حدّ ذاتهم ثمّ ان لنا كلاما في اصل الاعتباريات انه لا اعتبار الا من الخارج و العقل بنفسه لايدرك من نفسه شيئا فانه لا لون له من نفسه و لا اقتضاء و لا خصوصية و ليس هو الا كالعين فكل ما قابله شئ يدركه و لو لم‌يقابله شئ لايكاد يدركه و الاشباح تنعكس في مرايا المشاعر الظاهرة من الخارج و هي تؤدي الي الحسّ و الحسّ يؤدي الي الفكر فيأخذ منها نصيبه و هو يؤدي الي الخيال فيأخذ منها نصيبه ثمّ يؤدي الخيال الي الوهم و هو يؤدي الي العالمة و هي تؤدي الي العاقلة و هي تؤدي الي النفس و كل مرتبة تأخذ نصيبها و نصيب [ص 511] النفس الصورة المجردة الكلية و النفس تؤدي الي العقل و هو يأخذ المعني الكلي و لو لم‌يدرك الحواس شيئا من الخارج لاتلقي الي الحس المشترك فلايؤدي الي ساير المشاعر ابدا و ما تري من انك قد تدرك ما لم‌تجده فذلك ايضا ليس من نفس العقل بل ربما تستنتج شيئا من المقدمات او تنظر الي الاشباح الثابتة في الملكوت فتدرك ما تدرك من الاشباح الظاهرة في الدنيا و ليس هنا محل بسط المسألة و سيأتي البيان في مبحث العاقل و المعقول ان شاء الله فالعقل لايدرك الا ما استنبطه من الخارج نعم الامور الخارجية مقاماتها مختلفة فمنها ما يكون في الدنيا كالاجسام و منها ما يكون في عالم المثال كالاشباح الجزئية و منها ما يكون في اسافل الدهر كالطبايع و منها ما يكون في اواسط الدهر كالنفوس المجردة و منها ما يكون في الاعالي كالمعاني الكلية و كلها في هذا المعني كالقشر و اللب و الروح و الجسد و الانسان انموزج كل العالم فيدرك ما من كل عالم بمشعره الخاص به فافهم فكل ما تراه انك تدركه و ليس في ظاهر عالم الاجسام لاتزعم انه ليس في الخارج بل هو خارج الا ان مراتب الخوارج مختلفة فافهم فليس في ملك الله امر اعتباري و جميع المعقولات مستنبطات و منها القدم و الحدوث فانهما صفتان ثابتتان في الخارج الا انهما لايدركان بالعين و لا بالحس بل و لا بالخيال الا بالنفس و العقل و لايرد علي ذلك ما اوردوه اذ ليس القدم صفة زايدة علي القديم و لا الحدوث صفة زايدة علي الحادث فان الحادث حادث بنفسه اذ معني حدوثه امكانه و افتقاره و قيامه بغيره لغيره و القديم قديم بذاته اذ معني قدمه احديته و قيامه بنفسه لنفسه فافهم ذلك و اتقنه و لاتغترّ بكلمات القوم فانهم بعد ما انقطعوا من آل‌محمد عليهم السلام معدن العلم احتاجوا الي القول بالرأي و العمل بالادلة العقلية فضلّوا و اضلّوا و صار امرهم اسوأ من امر الاصوليين العاملين بالظن و التخمين لانهم عملوا بالرأي في البعض و اخذوا بالاخبار و عملوا بالآثار في البعض و فيما [ص 512] عملوا برأيهم ايضا قلّ ما خالفوا السنة في العمل الا انهم استدلوا من سبيل العقل و لكن هؤلاء خالفوا السنة مطلقا و عملوا باهوائهم و آرائهم في جميع الحكمة نعوذ بالله و ليس ذلك الا من سوء حظّهم و قصر نظرهم اذ زعموا اقوالهم و آراءهم علوما و الاخبار رُسوما فهلكوا و اهلكوا و وقعوا في وادٍ سحيق عصمنا الله من الزلل بجاه محمد و آله الطاهرين .

فصل - اذا عرفت ما شرحناه و بيّناه سابقا في تعريف الزمان و الدهر و السرمد و هنا في مقامات الحدوث فاعلم انه لايتعقل الحدوث الزماني في مجموع الملك و قد اخطأ من زعم ان كل الملك حوادث زمانية فانك عرفت سابقا ان الزمان مدة بقاء النسب بين الصفات فلايعقل الا بعد نسبة صفة الي صفة او صورة عرضية بالنسبة الي مادة عرضية كأن تلاحظ مدة مقارنة رجل مع رجل او سبق وجود شئ علي شئ او بقاء صورة زيد علي مادته و لو جاوزت معترك الصفات و مزدحم الاختلافات لاتكاد تجد زمانا و لذا قلنا انه وقت الاجسام الجزئية حتي ان العرش لكونه من عالم الاجسام زماني الا انه لاطلسيته و لطافته يكون زمانه الطف بل هو من اعلي الزمان و لا زمان فوقه و دونه ازمنة الافلاك و ازمنة العناصر اغلظ من ازمنة الافلاك فاختلافها اكثر و لذلك يكون عمر الافلاك يضاهي المثاليات بخلاف المركبات الدنياوية فان اعمارها سريعة الزوال و موادها دايمة الانتقال متقلبة الاحوال و بالجملة فالزمان وقت هذه الاجسام الجزئية و من اعراضها و لايلحق العوالم العالية حتي ان مطلق عالم الاجسام ايضا فوق الزمان و لايتصور له حدوث زماني اذ عرفت ان الزمان الاصطلاحي هو مدّة بقاء نسبة صفة الي صفة و ليس في عرض الجسم المطلق شئ ينسب اليه حتي يتحصل منه الوقت و مادته ايضا ذاتية لايمكن خلعها صورة الجسمية و لم‌تكن ثابتة قبل التصور حتي تنسب الصورة الي المادة و يوقت مدة بقائها عليها فانك قد عرفت سابقا ان المواد الذاتية ليست جواهر ثابتة بالمادية قبل التصور بل هي جزء الشئ في الحقيقة و هما معا [ص 513] في الوجود فلا معني لتوقيت الجسم بالزمان بل هو اما ينسب الي نفسه او الي اعلاه و اسفله فنسبته الي نفسه سرمدية و الي طرفيه دهرية فاذا لم‌يجر علي الجسم فكيف في مجموع الملك بل لايجري علي المجموع الدهر لانه مدة بقاء نسبة الصفات الي الموصوف و الافراد الي المطلق و انت اذا لاحظت مجموع الملك بقضّه و قضيضه و علته و معلوله و اثره و مؤثره لايتعقل له سابق يجوز نسبته اليه و لا نسبة بين المخلوق و الخالق و لو نسب اليه اذا لتغيرت ذاته و تفاوتت حقيقته كما لايخفي علي المتأمل فلا نسبة للمجموع الا الي نفسه و هو السرمد اي الازلية الثانوية و قد مرّ شواهد صدق كلامنا من الاخبار ما فيه كفاية فراجع و ان ابيت الا الدليل الجدلي القشري فاقول ان فرضت الحدوث الزماني فمعناه انه خلق الله الملك في زمان فهل خلق زمانه معه او قبله فان قلت بالاول اقول فلايكون حادثا زمانيا فانه لم‌يخلق في زمان فهو سرمدي الا ان زمانه معه في السرمد ثمّ انه لايجري عليه الزمان اذ هو نسبة شئ الي غيره مما في عرضه و لا ملك آخر غيره و ان قلت ان الزمان وقت اجزائه فالمطلوب ثابت في البعض فيما يصح النسبة الزمانية فيه منكور في غيره بعين ما مرّ و ان قلت بالثاني اقول اولا ان فرضك علي خلاف المفروض اذ الكلام في مجموع الملك و انت اثبتت زمانا و هو منه فننقل الكلام السابق و ان قلت انه خارج من الملك فهو غير حادث و قدم الزمان قول زور كماء الشعير القمحي و اقول ثانيا انه يلزم علي قولك حيلولة الزمان بين الله و بين خلقه و يلزم من ذلك انتهاء الازل الي الزمان و يشعر بذلك بعض اقوالهم اذ يقولون بانه ليس فوق الزمان سوي الله و كل محدود متنقص و كل متنقص متناه و هو غير الاحد جل شأنه و ثالثا انه يلزم من ذلك ان يمضي علي الله اوقات زمانية و لا خلق له فيكون فاقدا لكماله و كل فاقد لكمال ناقص ثمّ يلزم من خلقه بعد العدم تغيّر حالتيه و كل متغير الاحوال حادث تعالي ربنا عن ذلك ، هذا و نقول ان الزمان المفروض جوهر [ص 514] ثابت او عرض فان قلت بالاول اقول فهو ايضا شئ مخلوق و هو موقت لا محالة و وقته ان كان زمانا يلزم التسلسل او الدور علي فرضين و كلاهما محال علي قولكم و ان كان دهرا او سرمدا لزم اتصافه بما يباينه و هذا محال و له مفاسد اخر تظهر بادني تأمل و ان قلت بالثاني اقول ان العرض لايقوم بغير جوهر فما الموقت به و لا ملك و بالجملة لانطيل الكلام بما لا طائل تحته و بعد ما ظهر الحق فالاحري الاعراض عن الباطل و لاتزعم من قولي و ترديدي و تكريري اني اقول بقدم الملك كالله تعالي حاشا و كلا بل القدم اللايق بالله تعالي هو قيامه بنفسه لنفسه و اما قدم الملك فهو بمعني دوامه بادامة الله و قيامه باقامة الله كالانوار بالنسبة الي الشمس فان الشمس ما دام بقاؤها لها انوار و لم‌يمض عليها وقت لم‌يكن لها نور و مع ذلك الانوار قائمة بالشمس قيام صدور و لا بقاء لها بدونها بل لا معني ايضا لقول بعض ان الانوار قائمة بقيام الله فان ذلك ايضا باطل بل هي قائمة باقامته و اقامته دائمة ابدية سرمدية فافهم ذلك ان شاء الله .

فصل - من اعجب العجاب اختلافاتهم في وجه ارتباط الحادث بالقديم و قد مرّ بعض جهات المسألة في مبحث الحركة و السكون و اذكر هنا بعض جهاتها ان شاء الله قال بعض ان الحوادث المتجددة تتعلق بحركة دورية دايمة لاتتغير و هي ترتبط بالعلة القديمة و قال بعض ان ارتباطها بالطبيعة من حيث هي لا من حيث تجددها ثمّ لهم بيانات عجيبة ناشئة من الرأي الصرف و لانحتاج الي نقل اقوالهم بعد ما اثبتنا ان جميع ما يخالف مذهب آل‌محمد عليهم السلام مزخرف باطل فانا اقتصر علي بيان الحق و ابطال الباطل نوعا فاقول ان الله سبحانه احد بذاته و الاحد الحقيقي لايحدّ مطلقا فلاينتهي الي شئ و لاينتهي اليه شئ فان كل متناهٍ محدود و كل محدود قابل للتجزي و كل قابل للتجزي مركب و كل مركب يحتاج الي مركب بالفاعل و هو غير الاحد القديم جل شأنه [ص 515] فاذا لم‌ينته الي شئ فكيف يفرض نسبته الي شئ مع انه لا بدّ في النسبة من وجود منسوب و منسوب اليه و شهادة المنسوب انه غير المنسوب اليه و شهادة المنسوب اليه انه غير المنسوب و شهادتهما بالاقتران الثابت في الحدث الممتنع من الازل ، هذا و النسبة الحقيقية ليست الا باثبات المنسوب اليه للمنسوب و ذلك بحمله عليه و ان لم‌يكن بهذا الوجه فبالاضافات و ذلك لايكون ايضا الا بنحو ارتباط و هو ايضا لايحصل الا بمناسبة فكيف يتصور هذه المناسبة بين الحادث و القديم ، هذا و نقول كيف يفرض هذا الارتباط هل يكون بصدور الحادث منه فيلزم من ذلك تغير حاله و كل ما تغيرت حالتاه فهو حادث مع انا قد اثبتنا في هذا الكتاب كرارا انه لايصدر شئ من الاحد بوجه من الوجوه او يكون بغير هذا الوجه فما هو و علي اي حال نقتصر علي ما هو الحق فنقول ان الحادث لايكاد يرتبط بالقديم بوجه من الوجوه و لاينتسب اليه فانه تعالي حيث هو لا ذكر لشئ غيره معه و الحوادث ثابتة في مقام الحدوث لاتتجاوزها و تدور علي نفسها دايما و لاتخرج منها فعلّتها منها و معلولها منها كما قال عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك الطريق مسدود و الطلب مردود ، و علة الكل هي المشية و ان شئت فسمّها بالحركة الاولي الدايرة علي نفسها اذ خلقها الله تعالي بنفسها كما في الخبر و لاترتبط بالله كما زعموا و قول من قال انها ترتبط بواسطة الطبيعة من حيث هي فساده اظهر من الشمس و لايحتاج الي البيان قال الله عز و جل يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فكيف يرتبط بالله بما يخالف كينونته نعم يبقي الاشكال في معرفة مخلوقية المشية بنفسها و سيجيء بيانها في محله و مرّ سابقا ايضا ما فيه كفاية و بلاغ و انا اتبرك في المقام بذكر بعض الاخبار لتعلم الحق من لسان الائمة الاطهار ، اروي في كتاب المبين عن مولانا الرضا عليه السلام قال خلقة الله الخلق حجاب بينه و بينهم و مباينته اياهم مفارقته اينيتهم [ص 516] و ابتداؤه اياهم دليل علي ان لا ابتداء له لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره و ادوه اياهم دليلهم علي ان لا اداة فيه لشهادة الادوات بفاقة المادين فاسماؤه تعبير و افعاله تفهيم و ذاته حقيقة و كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه فقد جهل الله من استوصفه و قد تعدّاه من اشتمله و قد اخطأه من اكتنهه و من قال كيف فقد شبّهه و من قال لمَ فقد علله و من قال متي فقد وقّته و من قال فيم فقد ضمنه و من قال الي‌م فقد نهّاه و من قال حتي‌م فقد غيّاه و من غيّاه فقد غاياه و من غاياه فقد جزّأه و من جزّأه فقد وصفه و من وصفه فقد الحد فيه لايتغير الله بانغيار المخلوق كما لايتغير المخلوق كما لاينحد بتحديد المحدود و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال ان الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه و كل ما وقع عليه اسم شئ ماخلا الله عز و جل فهو مخلوق و الله تعالي خالق كل شئ و قد روي شيخنا الاستاد اعلي الله مقامه عن سيدنا اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين خطبة طويلة في التوحيد تكفي العارف عن كل بيان و علم في توحيد الله اقتصر علي رواية بعض الفقرات منها مما يتعلق بالمقام قال (ع) له معني الربوبية اذلامربوب و حقيقة الالهية اذلامألوه و معني العالم و لا معلوم و معني الخالق و لا مخلوق لا من حيث احدث استفاد معني المحدث لاتثنيه مذ و لاتدنيه قد و لاتحجبه لعل و لاتوقته متي و لايشمله حتي و لايقارنه مع انما تحدّ الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها الاشياء توجد و معالمها منعها القدم و حمتها الازلية عن توهّم حقيقة الربوبية ، الي ان قال عليه السلام : كل ما في العالم غير موجود في صانعه و كل ما امكن فيه مستحيل في خالقه لو حدّ له وراء لحدّ له اَمام و لو التمس له التمام لزمه النقصان كيف يستحق الازل من لايمتنع عن الحدث ام كيف ينشئ الاشياء من لايمتنع من الانشاء و لاتجري عليه الحركة و السكون و كيف يجري عليه ما هو اجراه و يعود فيه ما هو ابداه اذا لتفاوتت ذاته و لامتنع من الازل معناه [ص 517] الخطبة ، الي غير ذلك من الاخبار و يكفي بعضها للمؤمن فلاادري اين الارتباط و النسبة بين الخالق و المخلوق و قد نفي الله كل نسبة عن نفسه في سورة النسبة و الآيات من الحديد و فيها عبرة للمعتبر .

المقام السادس

في بعض المسائل الجزئية التي لا بدّ من معرفتها كالوحدة و الكثرة و لواحقها من الهوهوية و التقارب و التباعد و الغيرية و التقابل و فيه مطالب :

المطلب الاول

في الوحدة و فيه فصول :

فصل - اعلم ان من شأن القوم تعريف كل شئ من جوهر او صفة بحدّه او رسمه و ان كان في نفسه اجلي من ان يحدّ و اوضح من ان يرسم و ان لم‌يمكنهم ذلك تكلفوا بانواع التكلفات و اختلفوا في التعريفات و صرفوا عمرهم بايراد الاعتراضات و اتعبوا انفسهم في اصلاح العبارات و اذا عجزوا عن تعريف شئ اعتذروا بما يمكنهم و اقول في المقام ان الوحدة ان كانت وحدة حقية فهي عين الاحدية الذاتية فلاتحدّ و لاترسم اذ ليس لها جنس و لا فصل و لا خاصة و حكمها حكم الذات كالوجود الحقي و من عرفها فقد قال ما لم‌يدرك و حكم بما لم‌يعرف بل اقول تعريف الذات يجرّ الي الشرك بالله تعالي الا ان يعرّفها بتعبير آخر او بصفة من صفاتها كأن يقول الاحد ما لايحدّ او لايجزأ او لاينقسم و ذلك مثل ان يقول الخالق هو الصانع مثلا و ذلك لايكون تعريفا فافهم و قد فسّره اميرالمؤمنين عليه السلام بانه لاينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم و سيأتي الحديث و ان كانت وحدة خلقية فهي امر نسبي و الوحدة النسبية عين الكثرة الا انها وحدة من حيث و هي يمكن تعريفها فيجوز ان يقال كما قيل في تعريفها انها ما لاينقسم من حيث الوحدة و تقييده بالحيثية من باب جواز تقسّمها من حيث آخر و ان قيل ان الوحدة صفة لايلاحظ معها الانقسام كان اولي لان كل ما هو غير الاحد القديم يكون متكثرا في وحدته فهو قابل [ص 518] للتقسيم و لو لم‌يكن مقسوما بالفعل او غير ملحوظ معه القسمة .

فصل - في اقسام الوحدات ، اعلم ان الوحدة اقسام فوحدة حقية و وحدة حقيقية و وحدة جنسية و نوعية و سنخية و شخصية و قد بيّن مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام معني الوحدات في حديث اتبرك بذكر خلاصته : قام اعرابي يوم الجمل الي اميرالمؤمنين عليه السلام فقال يا اميرالمؤمنين اتقول ان الله واحد قال الراوي فحمل الناس عليه و قالوا يا اعرابي اماتري ما فيه اميرالمؤمنين من تقسم القلب فقال اميرالمؤمنين عليه السلام دعوه فان الذي يريده الاعرابي هو الذي نريده من القوم ثمّ قال يا اعرابي ان القول في ان الله واحد علي اربعة اقسام فوجهان منها لايجوزان علي الله عز و جل و وجهان يثبتان فيه فاما اللذان لايجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الاعداد فهذا ما لايجوز لان ما لا ثاني له لايدخل في باب الاعداد اماتري انه كفر من قال انه ثالث ثلثة و قول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لايجوز لانه تشبيه و جل ربنا و تعالي عن ذلك و اما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الاشياء شبه كذلك ربنا و قول القائل انه عز و جل احدي المعني يعني به انه لاينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم كذلك ربنا ، فظهر لك من هذا الحديث الشريف وجوه معني الاحدية و كذلك روي عن النبي صلي الله عليه و آله قيل له اخبرني عن قولك انه واحد لا شبيه له اليس الله واحد و الانسان واحد فوحدانيته اشبهت وحدانية الانسان فقال عليه السلام الله واحد واحدي المعني و الانسان واحد ثنوي المعني جسم و عرض و بدن و روح فانما التشبيه في المعاني لا غير الحديث ، فظهر من هذا الحديث الشريف الفرق بين الوحدة الحقيقية و النسبية فالواحد الخلقي يسمّي واحدا و هو و ان شارك ربه في الاسم و لكنه في المعني ثنوي كما قال رسول الله (ص) لانه يقبل التقسيم و قد اكتفي صلي الله عليه و آله بذكر بعض المراتب و الاجزاء [ص 519] الظاهرة محض فهم الناس و لكن مولاي اميرالمؤمنين عليه السلام قد كشف النقاب عن وجه المسألة و قال في معني وحدة الله عز و جل انه لاينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم فعلي ذلك كل ما يجوز تقسيمه باحد المشاعر لايصدق عليه اسم الواحد الحقيقي و كذلك كل ما يشبهه شئ لايكون واحدا حقيقيا لانه يجامعه في معني واحد يجري فيهما و يفارقه فيما به امتيازهما فهو مركب من جزئين و تعالي ربنا عن ذلك فوجه صدق اسم الواحد عليهما محض النسبة فالانسان الواحد واحد بالنسبة الي اثنين يعني هو مجموع مركب واحد و الاثنان صورتان مجتمعتان مركبتان و مثلهما كشجرتين و تلّين من رمل او حفنتين من الحنطة مثلا فان الواحد اسم للصورة المجتمعة من افراد و وحدات و هذا معني الواحد النسبي فهو منقسم في الوجود و العقل و الوهم و لكنه لاينقسم من حيث يسمّي بالواحد يعني ان الحفنة الواحدة لاتكون حفنتين و ان كانت صالحة في التحليل الذهني علي ان تنقسم الي حفنتين فافهم .

فصل - قال السيد الاوحد الامجد اعلي الله مقامه في تقسيم الوحدة كلاما شريفا اتبرك بنقله قال : الواحد حقي و حقيقي و انبساطي شمولي و جنسي و نوعي و شخصي بل ليس الا الحقيقي و الحقي هو الاحد و الاول هو السرمد ، انتهي من كلامه ما يليق بالمقام و اقول انه كلام حكيم و وجه اختياره لفظ الواحد لان الوحدة ان كانت ذاتية فهي عين الواحد و لاتكون عرضا و ان كانت وصفية فهي عرض لايقوم وحده و لايلاحظ الا في جوهر فالتقسيم في الواقع واقع علي الواقع و اما قوله بل ليس الا الحقيقي ، يريد منه ان وحدة الحق هي احدية و هي غير الواحد و الواحد صفته و اما في عرصة الخلق فالواحد الحقيقي الذي يصدق عليه الاسم هو السرمد فانه و ان كان مركبا الا ان تركيبه في غاية البساطة الجايزة في الخلق و هو وصف الله بالواحدية و اول الاسماء و غاية حظّ الخلق من التوحيد و معرفة سرّ التفريد و مبدأ النسب و الربوبية [ص 520] اذمربوب فالواحد هو هو و لا شريك له في الخلق اذ لايقوم في عرضه و اما ساير الوحدات كالانبساطية و الجنسية و النوعية و الشخصية فكلها نسبية فان الجنس واحد بالنسبة الي الانواع متكثر بالنسبة الي الجنس الاعلي و النوع واحد بالنسبة الي الاسناخ متكثر بالنسبة الي الاجناس التي فوقه و هكذا بل لايسمّي شئ منها بالواحد الا بقدر حكايته عن الحقيقة فكل شئ واحد من حيث حقيقته متكثر من حيث الظهور و العلم نقطة كثرها الجاهلون و بهذا النظر اذا نظرت الي مجموع الملك تري شيئا واحدا سماءا و ارضا و انسا و جنا و ملكا و غيرها و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما امرنا الا واحدة و هذا نظر دقيق لايعرفه الا اهل التحقيق و من شرب من الشراب الرحيق المختوم بخاتم وليّ العصر و صاحب الامر عليه صلوات الله ما طلع الفجر و قال الآخوند (ره) فالواحد اذن قد يكون عين الوحدة و هو الواحد بما هو واحد علي قياس الموجود بما هو موجود و ذلك احق الاشياء بالوحدة و قد يكون غيرها و هذا علي ضربين حقيقي و غير حقيقي و هو ما يكون اشياء متعددة مشتركة في امر واحد هو جهة وحدتها و هي اما مقومة لتلك الاشياء او عارضة لها او لا مقومة و لا عارضة لها بل اضافة محضة فيها كما يقال حال النفس عند البدن كحال الملك عند المدينة و الاول قد يكون جنسا لها و هو الواحد بالجنس كالانسان و الفرس المتحدين في الحيوان و قد يكون نوعا لها و هو الواحد بالنوع و يساوقه الاتحاد في الفصل ايضا كزيد و عمرو المتحدين في الانسانية و الناطقية و الثاني قد يكون محمولا لها و هو الواحد بالمحمول كالقطن و الثلج المتحدين في الابيض المحمول عليهما و قد يكون موضوعا لها و هو الواحد بالموضوع كالكاتب و الضاحك المتحدين في الانسان المحمولين عليه و هو الواحد بالاضافة ثمّ ان الاتحاد في الاوصاف العرضية و الذاتية يتغاير اسماؤه بتغاير ما نسب اليه فالمشاركة في المحمول اذا كانت في النوع يسمّي مماثلة و في [ص 521] الجنس مجانسة و في الكيف مشابهة و في الكمّ مساواة و في الوضع مطابقة و في الاضافة مناسبة ، الي آخر كلامه و قد ذكرت جميع كلامه لمعرفة الاصطلاح و لا مشاحة فيه .

فصل - قال الآخوند (ره) ان الوحدة مساوقة للوجود و هي رفيقة تدور معه حيث ما دار اذ هما متساويان في الصدق علي الاشياء فكل ما يصدق عليه اسم الموجود يصدق عليه اسم الواحد و يوافقه ايضا في القوة و الضعف و قال ان للوحدة اسوة بالوجود في اكثر الاحكام فمنها انه لايمكن تعريفها كساير الامور المساوقة للوجود في العموم الا مع الدور او تعريف الشئ بنفسه و منها افادة الواحد بتكراره العدد مثالا لايجاد الحق الخلق بظهوره في صور الاشياء و تفصيل العدد مراتب الواحد مثال لاظهار الموجودات وجود الحق و نعوته الجمالية و صفاته الكمالية و كون الواحد نصف الاثنين و ثلث الثلثة مثال للنسب و الاضافات اللازمة للواجب بالقياس الي الممكنات و ظهور العدد بالمعدود مثال لظهور الوجودات الامكانية بالماهيات و هي بعضها حسية و بعضها عقلية كما ان بعض المعدود في الحس و بعضها في العقل ، الي آخر كلامه و الحق في المقام يظهر ببيان حقيقة المسألة و ذكرها يقتضي رسم فصل خاص .

فصل - اعلم ان حق الوحدة ثابت لله تعالي و لايشركه فيها احد من خلقه و وحدته تعالي وحدة احدية و احديته عين ذاته لاتفارقها في صفة و لا في جهة فهي علي صفة الذات بمعني انها هي هي لا انها غيرها و تتصف بصفتها فافهم و لايرد علينا ايرادات القشريين انها لو كانت عين الذات للزم من استشعارها استشعار الوحدة اذ اقول ان الذات التي هي حقيقة الوجود و حقه لاتدرك و لاتشعر و الوحدة ايضا لاتشعر و لاتدرك و كل ما ميّزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و من زعم انه تعالي يدرك او يعرف فقد كذب علي الله و كذب بالصدق اذ جاءه فالذي قال ان الوحدة عين الوجود ان [ص 522] اراد من الوحدة الاحدية الذاتية و من الوجود وجود الحق فقد اصاب و للوحدة الاحدية خواص مرّ شطر منها في التوحيد و اشير الي بعضها في المقام منها انها لاتقوم في عرض الاعداد بل هي فوقها و نسبتها الي الجميع بالسواء بخلاف الوحدة الوصفية فانها في عرض الاعداد و منها انها تصدق علي جميع الاعداد و بنفيها ينفي الجميع و باثباتها يثبت الجميع فتقول في الدار احد مع انه فيه الف او اقل او اكثر و ليس في الدار احد اي لا واحد و لا ازيد و ليس للواحد هذه الصفة فان باثباته يثبت نفسه لا غير و بنفيه ينفي نفسه لا غير فان قلت في الدار واحد يثبت وجوده و ينفي الاثنين و الثلٰثة و غيرهما و ان قلت ليس في الدار واحد ينفي وجود واحد و يحتمل وجود الاثنين و الثلٰث و غيرهما و كذلك تقول احد واحد ، احد اثنين ، احد ثلث ، احد الف و لايجوز استعمال الواحد في المقامات الا بملاحظة صورة وحدة فيها و كذلك الاحد لايصدق الا علي الواحد من كل حيث بحيث لايجري فيه الكثرة من وجه من الوجوه بخلاف الوحدة الوصفية فانها تجري بمحض ظهور صورة وحدة مّا و ان كان متكثرا من كل حيث كما تقول للانسان انه واحد مع كثرته من كل حيث و ذلك وحدة اضافية و بملاحظة صورة الاجتماع و كذلك الاحد لانه احد من كل حيث لاينتهي الي شئ غيره فلايعدّ معه شئ غيره بخلاف الواحد فانه ينتهي الي الاثنين و الثلثة فيعدّ معه غيره و كذلك الاحد يحيط بجميع ما دونه احاطة الطي و الامتناع كما فصّلناه في غير المقام بخلاف الواحد و بالجملة فحق الوحدة هو عين الاحدية و هي عين الوجود بمعني ان مفهومه عين مفهوم الوجود و ان لم‌تدركه حين استماع اسم الوجود و لم‌تتصور معناه كساير الصفات الذاتية للوجود فانك لاتتصورها حين تصورك لنفس الوجود و مع ذلك كله يكون جميعها عينه و ذلك كأن يكون واحد مسمّي باسماء عديدة كأن تسمّي رجلا بزيد و عمرو و بكر و خالد كل ذلك بملاحظة نفسه من دون ملاحظة نسبة و كذلك [ص 523] تسمّي الذات بالعليم و الحي و القادر و ساير الاسماء الذاتية و كلها عينها و قد اخطأ من زعم انها تجري عليها بالنسبة و لم‌يعرفها و اخرجها من قدسها و وصفها بصفة خلقها و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و من تلك الصفات الاحدية و ان لم‌يعدّوها لقصر نظرهم فافهم و اغتنم و يأتي بيان حقيقة المسألة هنا .

فصل - في الوحدة الحقيقية ، و هي بملاحظة عين الوحدة الحقية بل لا واحد في الواقع سوي الحق الا انه يختلف الاسماء بحسب الحكاية للنور في قمص الظهور و في هذا المقام نقول ان اول السبحات و اشرف الظهورات مقام الحقيقة و آية الله في الخلق و هي احدية و احديتها وصف لله تعالي بمعني انه تعالي يوصف بالاحدية كما قال في سورة النسبة قل هو الله احد و الصفة غير الذات و هي معناها و ظهورها كما يشهد بذلك العقل السليم فانه لو لم‌تكن غيرها للزم توصيفه بنفسه و لايلزم علي ذلك زيادة اللفظ و زيادة المباني تدل علي زيادة المعاني فاذا قال الله احد يكون معناه الله موصوف بالاحدية بخلاف الاحدية الحقية فان معناها عين الذات و لاتفيد شيئا غيرها و لذلك نقول ان الصفات الذاتية لاتكون صفة بل هي معناها عين الذات و سمّيناها بها من باب معرفة الخلق الجاهلين صونا لنفوسهم من الشرك فانا وجدنا انا لو قلنا انه تعالي لايكون بصيرا يزعم انه اعمي نعوذ بالله فقلنا انه بصير لئلايزعم انه اعمي و الا فذاته تعالي منزهة عن البصر و العمي فاسمه البصير لايدل علي معني زايد غير الذات بل لم‌يوضع عليها و قد استعير من الخلق لفهم الخلايق و اما في محل يستعمل و يراد منه معني فله معني ثابت كما تقول زيد بصير و معني البصر غير زيد فان بينهما عموم من وجه و كذلك الامر في الوحدة فمرّة نقول ان ذاته احد و نريد محض معرفة الناس العوام ان الذات لاتكون متعددة و لانريد اثبات معني آخر لذاته تعالي فالاحد بهذا المعني عين الذات البحت البات [ص 524] لا مفهوم له غير مفهوم الذات تعالي و مرة نصف الله بالاحدية و نريد منها معني غير معني الذات و هو الانبساط و النفوذ و الطي لما دونه و لا شك ان هذا المعني غير الذات بل هو من صفات القدس و التنزه و هي اخصّ من الذات البحت فانها خارجة من الحدّين حدّ التعطيل و حدّ التشبيه فافهم فالاحدية غير الذات و كل ما هو غيرها خلق فانه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فان لم‌تكن حقا فخلق و هي ثالث الظهورات للذات الظاهرة كما قال الله تعالي قل هو الله احد و قال عليه السلام في معني قُلْ اَظْهِرْ و الاظهار بالنفس اول الاظهار و اشرفه فهو صلي الله عليه و آله بذاته ظهور الذات ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي ثمّ من بعدها اول ظهوراتها مقام الهوية ، الهاء تثبيت للثابت و الواو اشارة الي الغايب عن درك الحواس ثم من بعدها مقام الالوهية ثم من بعدها مقام الاحدية و هي الاحدية الحقيقية لله الحق جل شأنه اعني وصفه تعالي و هو مقام ظهوره بالكثرات و الدليل علي انه صفة لله و لاتكون من الاسماء المختصة به تعالي انك تصف غيره بالاحد الاتري انك تقول رأيت احدا و مارأيت احدا و لو كان اسما للذات كالله و الرحمن لماكان يجوز ان يسمّي به غيره و معني الاحد ما قال الباقر عليه السلام في الخبر الاحد الفرد المتفرد و الاحد و الواحد بمعني واحد و هو المنفرد الذي لا نظير له و التوحيد الاقرار بالوحدة و هو الانفراد و الواحد المتباين الذي لاينبعث من شئ و لايتحد بشئ و لذلك قالوا ان بناء العدد من الواحد و ليس الواحد من العدد لان العدد لايقع علي الواحد بل يقع علي الاثنين فمعني قوله الله احد اي المعبود الذي يأله الخلق عن ادراكه و الاحاطة بكيفيته فرد بالهيته متعالٍ عن صفات خلقه انتهي ، اقول قد ظهر لللبيب من هذا الكلام المتقن جميع معاني الاحد فقوله عليه السلام ان الاحد بمعني الواحد و هو المنفرد الخ ، شاهد ما ذكرناه انه غير الذات بل هو ظهورها بالوحدة اذ لايفهم من الذات سوي الحق و كذلك قوله [ص 525] اي المعبود فان الذات تجلّ عن ان تعبد اذ لاتعبد اذ المعبود لايكون الا مع العابد فهما متضايفان و جلّت الذات عن التضايف و التقارن فالمعبود صفته بعد ظهوره لخلقه ثمّ التأله هو التحيّر و لايكون الا بعد الاطلاع علي شئ من دون الاحاطة بكيفيته و ادراك ماهيته و اما المجهول الصرف فلايحير فيه و لذلك قال صلي الله عليه و آله رب زدني فيك تحيرا ، مع قول وليه بك عرفتك و انت دللتني عليك ، فهو المجهول بالذات المعروف بالآيات و من آيات تعريفه سبحانه ظهوره بالاحدية ، ثمّ بقوله المتباين الخ ، ظهر لنا ان الاحد هو المحيط بجميع الكثرات الطاوي لها فانه الذي يباينها بالصفة من دون العزلة و لاينبعث من شئ فوقه و لايتصل بشئ دونه و هو المنزّه عن الصفات المتعالي عن الكثرات الظاهر في جميعها فانك اذ نظرت الي جميع الموجودات قاطعا نظرك عن جميع الخصوصيات تري وجودا مهيمنا علي الجميع مستويا علي عرش الكل متسلطا علي القل و الجل و هو الاحد الحقيقي و ما سواه مما يصدق عليه اسم الاحد احد اضافي فانك تصف النفس الكلية بالاحدية و لكنها المحيط بالمقادير خاصة و تصف الجسم المطلق بالاحدية و لكنه المحيط بالاجسام لا غير و لكن الوجود يحيط بكل موجود و هو ظهوره المعبود و الشاهد و المشهود و حقيقة الموجود و هو الحقيقة التي سأل عنها كميل بن زياد مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام و قد مرّ الحديث الشريف في التوحيد فراجع و يكفي هذا القدر من البيان لمن له عينان .

فصل - في بيان ساير اقسام الوحدات اجمالا ، لعلك قد عرفت ان ما سوي الوحدة الحقية و الحقيقية جميعها اضافية و الوحدة الاضافية هي وحدة من حيث و كل ما هو واحد من حيث متكثر من حيث بل هو متكثر من حيث وحدته ايضا اذ لو كان واحدا حقيقيا لماتكثّر و لكن ربما يحصل له وحدة نسبية فيختلف مراتبها و اسماؤها بتلك النسبة فالمتوحد بالجنس هو كثرات [ص 526] مختلفة يجمعها مادة جنسية كلية كالاجسام فانك اذا نظرت اليها من حيث التشخصات المحدّدة المعيّنة تراها متعددة فسماء و ارض و بر و بحر و نبات و جماد و حيوان و غيرها فانها اجسام مركبة من جسمية و خصوصية بها يحصل الاختلاف و يجمعها الجسم المطلق المستوي عليها و نسبته اليها نسبة الاحد الي الافراد فانه خارج من حدودها منزّه عن صفاتها و خصوصياتها مقدّس عن جميع تعيناتها فهو الواحِدُ المطلق بالنسبة اليها و ان كان في حدّ نفسه مركبا الاتري انك تقول في تعريف الجسم انه جوهر قابل للابعاد او قابل مطلق فهو مركب من جوهر و صورة قابلية و لكنه مع ذلك واحد بالنسبة لكلية صورته و كذلك الامر في الوحدة النوعية و وحدة المحمول فان الامر في جميعها بهذا المنوال و كذلك في الوحدة الشخصية فانها في الخلق ايضا نسبية فان الواحد الشخصي يسمّي بالواحد من حيث اتصال الاجزاء و تركيبها فان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه ، فكل شئ في حدّ نفسه مركب و لا اقل من جزئين و لكن يسمّي واحدا من حيث الصورة الواحدة الراكبة علي الاجزاء كالانسان فانه مركب من اجزاء مختلفة و اخلاط متفاوتة و ارواح متعددة و قد جمعها طبيعة واحدة فوقها و قس عليه ساير المركبات ثمّ اعلم ان مجموع الملك و ان كان متكثرا في المنظر الا انه يجمعها واحد منبسط لا تعدد فيه و هو قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة و قال ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير ، و قال عليه السلام العلم نقطة كثّرها الجاهلون ، و قال السيد الاوحد اعلي الله مقامه في كلامه في حال السالك انه في آخر امره يري شيئا واحدا سماءا و ارضا و انسانا و حيوانا و نباتا و جمادا ، و هذا الواحد الذي اشار اليه اعلي الله مقامه هو الامر الواحد المنبسط المحيط بالكل و هو نور الله سبحانه و تعالي و آيته و هو في غاية الوحدة و البساطة الممكنة [ص 527] في الخلق و قد ظهر صفته مما بيّناه سابقا في صفة المشية و يأتي ان شاء الله في مقامه .

فصل - من انواع الوحدة التي يتكلمون فيها الهوهوية و لا بدّ لنا اولا من شرحها و بيان كلامهم فاعلم ان الحمل علي قسمين حمل المواطاة و حمل الاشتقاق فاما حمل المواطاة فهو علي ما قيل ان يكون الشئ محمولا علي الموضوع بالحقيقة بلا واسطة كقولنا الانسان حيوان و اما حمل الاشتقاق فهو ان لايكون الشئ محمولا علي الحقيقة بل ينسب الي الموضوع كالبياض بالنسبة الي الانسان فانه لايكون محمولا عليه بالحقيقة فلايقال الانسان بياض و لكن بواسطة ذو او الاشتقاق مثل انه ذو بياض او ابيض و فسّروا المحمول بالحقيقة بما يعطي موضوعه اسمه و حدّه و ربما يفسّر حمل المواطاة بحمل هو هو و حمل الاشتقاق بحمل هو ذو هو و عن ابي‌البركات ان المحمول بالاشتقاق ايضا حمل حقيقي اذ لفظة ذو لمحض النسبة و هي خارجة من الطرفين و المحمول في الواقع هو البياض و لعله استشم شيئا من الحقيقة و لكنه لم‌يعرف المخرج و قصّر في البيان و اجيب عنه بانه ان اراد ان كل نسبة تربط المحمول بالموضوع خارجة عن الطرفين فمسلم لكن ذو ليس كذلك و ان اراد به ان كل نسبة مطلقا خارجة عن الطرفين فهو ممتنع فرب نسبة تكون نفس المحمول كالابوّة و البنوّة في قولك زيد ابو عمرو او ابن عمرو و قيل المحمول اما يكون ذاتا او صفة فان كان ذاتا فهو حمل المواطاة لان المواطاة الموافقة و الموضوع هو الذات فان كان المحمول ايضا ذاتا فقد تواطئا كقولنا الكاتب انسان و ان كان صفة غاير الموضوع فلا حمل بالمواطاة بل بالاشتقاق لكون حملها باعتبار مفهومها و هي مشتقة كقولنا الانسان كاتب و الاصطلاح المتعارف علي المعني الاول اقول هذا الرأي ايضا فيه من الخطاء ما لايخفي فاذا عرفت في اصطلاحهم معني هو هو فاعلم ان الآخوند (ره) قال في الوحدة بين المحمول و الموضوع انه لا بدّ [ص 528] من جهة اتحاد و جهة امتياز و سيجيء حق القول فيه و لا بدّ لنا اولا من بيان اصل المسألة علي الحق الذي ينطق به الكتاب و السنة فاعلم ان الذات من حيث هي منزهة عن كل صفة و نسبة و اضافة كما هو ثابت في محله فحيث هي لاتكون شئ غيرها فانت اذا رأيت غيرها لم‌تجدها فحيث زيد لايكون قيام و لا قعود و لايتلبس زيد في ذاته بالقيام و القعود ابدا اذ هو آية الله تعالي التي عرّف خلقه نفسه بها كما قال في كتابه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في انفسكم افلاتبصرون و لو كان ذاته متصفة بالصفات محدودة بالسمات لدلّت علي ان الله عز و جل موصوف و تعالي عن ذلك علوا كبيرا فجعل الله الذات ذات الخلق منزهة لتدل علي ذات الله تعالي و علي نحو آخر من الحكمة نقول ان الصفات آثار الذات و الآثار مطلقا ممتنعة في ذات المؤثر و هي سابقة عليها طولا حتي ان ذات المؤثر تجلّ عن المؤثرية فان التأثير فعلها و الفعل من كمالها و كمالها دونها و هي في نفسها فوق الكمال و لذلك نقول ان المؤثرية ايضا من اعلي درجات الاثر فانهما متضايفان كالابوّة و البنوّة و الذات تجلّ عن التضايف ايضا فهي في نفسها لاتكون مؤثرة و لا موصوفة و الانسان اذا نظر الي نفسه بعينها و عرفها هكذا يقدر علي تسبيح ربّه و تقديسه بالحقيقة و الا فلا فالذات بنفسها لاتصير موضوعة و لا محمولة فان الموضوعية هي صفة من الصفات في الواقع و ان كانت موصوفة لما دونها الا انها اشرف الصفات و المحمولية ايضا هكذا و هما المنسوب و المنسوب اليه و لا بدّ بينهما من نسبة و لايحصل النسبة بين الذات و الصفة لان الذات جوهر و الصفة عرض فكيف يرتبط العرض بالذات مع قيامه بها و كونه فرعها فتدبر حتي تقف علي حق المراد و ان ابيت الا الجدل اقول انك اذا قلت زيد قائم لا شك ان الحمل حمل حقيقي فالقائم زيد فان كان ذات زيد هي القائم فكيف توصف بالقعود و غيره مع تضادّها و القائم لايكون قاعدا و القاعد [ص 529] لايكون نائما بلا شك و زيد قائم و قاعد و نائم بلا شك فذاته منزّهة عن جميعها و الا لماظهرت بجميعها فنفس ظهور زيد في الاضداد دليل ارتفاعه عنها ثمّ اني اقول ان المحمول صفة او ذات فان كان صفة فكيف تصير نفس الذات و ذلك من المحال تدبر تجد و ان كان ذاتا فهل هو ذات اخري غير الموضوع او هي هو فان كان غيره فيلزم حمل غيره عليه بالمواطاة فقولك زيد قائم كقولك زيد عمرو فيلزم اتحادهما مع التباين و ذلك ممنوع و ان كان هو هو فيلزم عدم محمولية المحمول في الواقع مع كونه ذات الموضوع فان الحمل ان كان بمحض اللفظ كان خطاءا و لا بدّ من ثبوت النسبة في المعني و لايحمل الذات علي نفسها من جهة ذاتها فافهم و كذلك للزم عدم افادة اسم المحمول معني غير زيد فقولك زيد قائم يعني زيد زيد و لا شك ان ذلك باطل و لا شك انا نريد من حمل قائم عليه افادة معني زايد علي الزيدية و بذلك نفهم المعاني و نركب القضايا و نرتب القياسات لا غير فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الذات خارجة من النسب و الاضافات و الصفات و هي هي و لا غير معها و لما شاءت التجلي الي الصفات تجلّت اول ما تجلّت الي فعل مطلق به و سطع منه نور متألق مبهما لا علي التعين و هو اول كمالها الظاهر بعد الفعل و فيضها ثمّ تشعب منه كمالات و افعال و صفات فقيام و قعود و نوم و يقظة و غيرها و جميع تلك الصفات شئون هذا الفعل المطلق و انواره و اشعته ثمّ كلها انوار ذاتك و اشعتها و آثارها و نسبة الكل اليها بالسواء و لكن بينها تفاوت و تفاضل بحسب كليتها و جزئيتها و يختلف دلالاتها ايضا بحسب مقاماتها فمنها ما يدلّ علي الذات و منها ما يدلّ علي الصفات و منها ما يدلّ علي الافعال و هكذا و الجميع شئون الذات و هو كل يوم في شأن اي تدبير فعل او تقدير امر او اظهار كمال ثمّ انه لا بدّ من معرفة وجه صدور الافعال المختلفة من الفعل المطلق فاعلم ان الفعل يصدر من فاعله علي الاطلاق و الابهام بحسب اطلاقه و يسطع منه نور اذ هو كامل [ص 530] في نفسه و الكامل ما له فضل نور و شعاع و مثله كمثل السراج فانه بعد ما اضاء يفشو منه نور يستضاء به كل ما يواجهه و كذلك الامر في مشية الله تعالي لو عرفت و كذلك في فعلك فانه يلمع و يفشو منه نور ساطع و يظهر علي قابلية البدن فيتغير الوانه و اشكاله في الاعضاء و الجوارح و المشاعر و كلها واحد من حيث الصدور لااقول ان الوجود واحد نعوذ بالله بل الاصل هو المشية و الباقي مشاءاته و ان شئت ان تعرف حقيقة هذه المسألة فترقب ان شاء الله و مرادنا هنا محض بيان مسألة الهوهوية و ذكرنا ما ذكرنا محض المقدمة ، فهذه الصفات المختلفة الظاهرة علي الاعضاء و الجوارح لها حيثان حيث الي الفعل و حيث الي العضو الخاص فحيثها الي الفعل يسمّي بالفعل و هو رأس من رؤسه يعني جلوة من جلواته و حيثها الي العضو يسمّي باسمه فسمع و بصر و غيرهما فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الحمل الواقعي لايقع الا بين الصفة الخاصة و رأس من رؤس الفعل الواقع فيها فانه الموصوف بها و المسمّي بسمتها لا الذات لقول اميرالمؤمنين عليه السلام في التوحيد كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران الممتنع من الازل الثابت في الحدث ، انتهي موضع الحاجة من كلامه و انت تعلم ان الذات من حيث هي امتناع الصفات للاحدية الذاتية التي لاتجمع الكثرة فكيف يتصور تحليها بالصفات و تلبسها بها مع انه لايعقل بغير الاقتران الملازم للاثنينية فمن وصفه سبحانه فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه و ماوحّده و من اثبت له صفات ذاتية ان اراد مغايرتها مع الذات و لو بادقّ النظر فقد اشرك بالله و ان اراد اتحادها بها من كل حيث فهي هي ذات و لا صفات فالذات لاتوصف و في الخلق ايضا الامر هكذا بالنسبة الي صفاتهم فزيد بذاته لاتكون قائمة و لا قاعدة و حملها عليها كذب و فرية و لكن الموضوع هو آيته و ظهوره و هو رأس من رؤس فعله المتحلي بحلية الصفة المتعين بهذه الخصوصية [ص 531] فقولك زيدٌ قائمٌ يعني زيد الظاهر في القيام قائم لا ذاته و زيدٌ قاعدٌ يعني زيد الظاهر بالقعود قاعد و لم‌يظهر الا بفعله و منه فموضوع القائم اعلي درجة نفس القائم لا غير و ان قلت لمَ يسمّون الموضوع ذاتا اقول انك لو تعمقت النظر عرفت ان اسم الذات ايضا يليق بهذا المقام لا بالحقيقة فان الذات بمعني الصاحبة و هي من الاسماء المتضايفة و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الذات انا الذات في الذوات للذات و قد اشار عليه السلام بقوله للذات الي الحقيقة و نسب الذات الاولي الي نفسه الشريفة و بالجملة طال بنا المقال مع انه فوق ما يقتضيه الحال فالحقيقة لاتسمّي و لاتوصف بوجه و لا تعبير عنها الا كما بيّنها مولانا اميرالمؤمنين في حديث كميل بن زياد فحيث هي لا محمول و لا حمل و لا موضوع و اسماؤها تعبير و افعالها تفهيم ، فالنسبة الحملية و الوضعية واقعة بين الظهورات كساير النسب فمنها محمول و منها موضوع و منها فاعل و منها مفعول و كذلك ساير النسب فافهم فانه دقيق فاذا عرفت ذلك فاعرف باليقين ان الحمل الواقعي لايكون الا بين صفة و ظهور الذات فيها و ان قلت لمَ نسمّي الموضوع باسم الذات اقول اما اولا فلأنه اسمه و صفته و اما ثانيا فلان الذات ظاهرة فيه و هي اظهر فيها منها و اولي بها منها ، هذا و في الواقع تظهر الذات في الموضوع و المحمول كليهما فزيد هو هي و قائم هو هي و الا لكان الحمل خطاء الا ان لكل اسم معني و ان قلت يلزم من ذلك ان لايكون موضوع القيام موضوع القعود مع انهما يسميان بزيد اقول هما من حيث الصدور واحد و من حيث الظهور متعدد و تعدد الظهور لايورث تعدد الظاهر من حيث نفسه كما تري في السراج و اشعته الظاهرة في المرايا المتلونة بالوان مختلفة فتقول نور احمر و اصفر و اخضر و الموصوف بها هو النور الظاهر في كل مرآة بحسبها لا النور الصادر من السراج مع انه واحد فافهم فعلي ذلك ان قلت ان زيدا القائم قاعد صدقت و ان قلت هو غير قاعد صدقت و ان قلت القائم قاعد [ص 532] صدقت بهذا المعني و ان قلت ليس بقاعد صدقت فهذا الحمل في الواقع حقيقي و ان قلت لزم من ذلك حمل الشئ علي نفسه فقولك زيد قايم يأول الي ان قايم قايم او زيد زيد اقول ليس الامر هكذا اذ قلنا ان الموضوع اعلي درجة المحمول و المحمول اسفله فهما متّحدان من حيث كونهما شيئا واحدا مختلفان من حيث العلو و السفل كاختلاف المادة و الصورة و ليس قولكم في المواطاة غير ذلك فان المحمول و الموضوع ان كانا متوافقين من كل جهة فكان هو هو و يصير الحمل من قبيل حمل نفسه عليه و لا فائدة فيه و ان كانا متباينين من كل جهة للزم كون الشئ غيره فزيد قائم يأول معناه الي ان زيدا غيره و ذلك خطاء محض و لايكون شئ غيره ببداهة العقول السليمة فلا بدّ و ان يكون بينهما موافقة من جهة مغايرة من جهة فان كانا متباينين بالعزلة لايكاد يحصل بينهما التوافق بالبداهة و ان كان يمكن التماثل في الجملة فلا محيص من الاقرار بانه يكون الامر علي ما ذكرناه لا غير فتدبر تجد ثمّ اعلم ان مآل الحمل الاشتقاقي ايضا الي الهوهو فانا نقول ان قولك زيد بياض صدق او كذب فان كان كذبا فلا كلام فيه و لانحتاج الي اصلاحه و ان كان صدقا اقول فبايّ معني تحمل البياض علي زيد هل يكون من باب المجاز او الحقيقة فان قلت انه من باب المجاز اقول فهو من باب تشبيه كقولك زيد اسد او كناية او استعارة و بايّ وجه كان يكون الحمل من هذا الحيث هو هو مجازا و ان قلت انه حقيقة بالحذاف او الاشتقاق اقول ان العاقل المتكلم الفصيح لم‌يفعل هكذا من غير باعث مع ان قولك زيد ابيض افصح و ابلغ و ذو بياض اسهل و اقرب الي الفهم فما الباعث الصارف له من هذا التعبير ، لااراك تقول نطق هكذا بلا جهة فلا بدّ و ان يكون لجهة لا محالة فتلك الجهة هي المجوزة لحمل البياض علي زيد حقيقة فتدبر و انصف فحمله عليه من قبيل زيد عدل و ذلك صادق فيما اذا اتصف زيد بالعَدل حتي صار ملكة راسخة له بحيث لاتفارقه حينا مّا فيصير كأن ذاته [ص 533] صارت ذات العدل و كذلك الامر في البياض فانك لاتقول زيد بياض الا اذا افرط في البياض حتي كأنه صار حقيقة البياض و لايلزم من ذلك كون الجوهر عرضا لما بيّنا سابقا ان الحقيقة لاتتصف مطلقا بصفة و لايحمل عليها شئ مطلقا و لكن الحمل علي ظهور الذات و هو اول الصفات و لا مانع من كون الصفة فاعلا او مفعولا او اسما او مصدرا فابيض صفة و البياض صفة و زيد لايوصف بالابيضية الا بعد ظهوره في البياض فافهم و اغتنم هذا البيان الشريف .