تنبيه - قال الآخوند ان الوحدة الاتصالية من انحاء الوحدة الحقيقية و مراده منها ما ينقسم بالقوة الي اجزاء متحدة انقساما لذاته كالمقدار او لغيره كالجسم الواحد البسيط من الماء و الهواء فان قبوله الانقسام بواسطة المقدار ثمّ اورد علي نفسه لزوم جواز الحمل بين الاجزاء و بينها و بين الكل مواطاة لحصول الوحدة الحقيقية و مجرّد ثبوت الاتحاد في الموضوع مجوّز لحمل المواطاة فيصح علي ذلك قولك نصف الذراع ذراع او ربع كرة الهواء تمامه ثم اتعب نفسه في الجواب و بما ذكرناه يظهر لك حق المسألة ان الحمل لايصدق الا بين الموضوع و محموله و الموضوع هو الموصوف و ابعاض الشئ اجزاء نفسه فنصف الذراع جزء الذراع فهو بعض الموضوع او بعض المحمول و مثلهما كمادة زيد او صورته و مادته لاتكون زيدا و لا قائمة بل مادته بعضه و بعد ما تركبت مع صورته تكونان شخصا صالحا للموصوفية بالقيام فافهم و وحدة الابعاض بمعني ان تمام الحقيقة لايظهر الا في مجموع الابعاض لا انها تظهر في كل جزء جزء فالذراع هو مجموع النصفين لا كل نصف نصف فافهم و لانحتاج الي تطويل المقال في هذه المسائل الجزئية فان الاشتغال بالكليات اهمّ و اولي .

فصل - من ملحقات مسألة الوحدة الكلام في ان الواحد هل يكون من العدد ام لا و قد اختلفوا فيه عميانا فقيل انه ليس من العدد و قيل انه من العدد ، قال الآخوند (ره) ان الوحدة ليست بعدد و ان تألف منها لان العدد كمّ يقبل [ص 534] الانقسام و الوحدة لاتقبله و من جعل الوحدة من العدد اراد بالعدد ما يدخل تحت العدّ و لا نزاع معه لانه راجع الي اللفظ بل هي مبدء للعدد لان العدد لايمكن تقومه الا بالوحدة لا بما دون ذلك العدد من الاعداد فان العشرة لو تقوّمت بغير الوحدات لزم الترجيح من غير مرجّح فان تقوّمها بخمسة و خمسة ليس اولي من تقوّمها بستة و اربعة و تقومها بسبعة و ثلثة و التقوم بالجميع غير ممكن و الا لزم تكرر اجزاء الماهية المستلزم لاستغناء الشئ عما هو ذاتي له لان كلا منها كافٍ في تقوّمها فيستغني به عما عداه و ان اخذ تقويمها بما هو القدر المشترك بين جميعها لا باعتراف الخصوصيات كان اعترافا بما هو المقصود اذ القدر المشترك بينها هو الوحدات و من الشواهد انه يمكن تصور كل عدد بكنهه مع الغفلة عما دونه من الاعداد فلايكون شئ منها داخلا في حقيقته فالمقوّم لكل مرتبة من العدد ليس الا الوحدة المتكررة و قيل في تعريف العدد انه الكمية المتألفة من الوحدات فالوحدة هي المقومة للعدد و الواحد ليس من العدد و لا مقوم له و ردّ علي من قال انه من العدد بان الواحد ما لاينقسم و الكمّ ما ينقسم و من قال انه من العدد نظر الي صدق اسم العدد عليه و قال في تعريف العدد انه كمية تطلق علي الواحد و علي ما يتألف منه و نحن لانحتاج الي نقل اقوالهم فانهم اختلفوا و لايعرفون وجه خلافهم و وجهه ان الواحد قد يطلق و يراد منه الاحد الفرد الذي لم‌يحصل من اجزاء صحيحة و غير صحيحة و قد يطلق و يراد منه الواحد الحاصل من كسور غير صحيحة و الاحد هو الخارج من الاعداد بالكلية اذ ليس من عرضها و لذلك يصدق اسمه علي كلها و يثبت جميعها باثباته و ينفي بنفيه كما فصّلت و بيّنت سابقا في التوحيد فهو في الواقع اصل الاعداد و لايعدّ منها و لايصدق عليه حدّها اذ لم‌يحصل من وحدات و لاينقسم ابدا و اما الواحد العددي فهو مركب في الواقع الا ان ساير الاعداد يكون لها بعض الكسور الصحيحة و هو لا كسر له صحيحا و لكن له نصف [ص 535] و ثلث و ربع الي ما لاتتناهي علي الحق فهو كمّ منقسم فيكون من الاعداد و لو لم‌يكن منها لماحصلت منها و انت تري ان مجموع الوحدات عدد و لو لم‌يكن الواحد عددا لماكان ما فوقه عددا اذ كلها وحدات فالاثنان واحد و واحد و الثلثة واحد و واحد و واحد و لو لم‌يكن الواحد عددا لماكان احدها عددا و يلزم من ذلك عدم كون الثلثة عددا و هذا خلف و كذلك نقول لا شك ان عشرة عدد و يقلّ بنفي واحد و يزيد بزيادة واحد و لو لم‌يكن عددا لمانقص و مازيد بنقصانه و زيادته و لذلك عدّوا ساداتنا و موالينا الواحد من العدد كما قال مولانا اميرالمؤمنين واحد لا بتأويل عدد و قال مولاي سيد الساجدين لك يا الهي وحدانية العدد و بيّن الباقر عليه السلام في خبر وجه الترديد في ذلك فقال و الواحد المتباين الذي لاينبعث من شئ و لايتحد بشئ و من ثَمّ قالوا ان بناء العدد من الواحد و ليس الواحد من العدد لان العدد لايقع علي الواحد بل يقع علي الاثنين و بيّن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي في وجوه معني الواحد قال فاما اللذان لايجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الاعداد فهذا ما لايجوز لان ما لا ثاني له لايدخل باب الاعداد الحديث ، فظهر من هذين الحديثين الشريفين ان ما يخرج من باب الاعداد هو الواحد الذي ليس في عرضها فلا ثاني له و اما الواحد الذي يكون من عرضها فهو مبدء الاعداد و بابها و مفتاحها و ظهر لك من حديث الباقر عليه السلام ان الاثنين من العدد فقول من قال بانه ايضا ليس من العدد خطاء و دليلهم ايضا خطاء فانهم استدلوا لذلك بانه زوج و اول الاعداد فرد فهو ثلثة و اقول في ردّهم اولا ان الامام عليه السلام قال انه من العدد و ثانيا انه يصدق عليه حدّ العدد و خواصه الثابتة في الارثماطيقي انه نصف مجموع حاشيتيه و غيرها مما هو ظاهر لاهل الفن و ثالثا نقول فيه عين ما قلنا في الواحد و لانكرّر القول ، هذا و مع ذلك نقول ان اصل المسألة حق ان الواحد الحقيقي [ص 536] ليس من العدد اذ لا ثاني له اذ ليس من عرض الثاني فليس في عرض المكوّن مطلقا غاية الامر ان الامر في الاعداد بحسبها و في الملك بحسبه و لذلك نقول انه لايكون جوهر فرد مطلقا بل كذلك الاثنان ايضا لايكون مبدءا لعدم حصوله فانه ما ثنّي يثلّث و قد ثبت في الحكمة ان المخلوق لايكون الا في ثلث كيان و ذلك ظاهر لمن اطلع علي الفلسفة الالهية و الطبيعية و هذا احد معاني ما نسب الي مولاي اميرالمؤمنين ماثنّي شئ الا و قد ثلّث ، فاول الافراد اول الاعداد و هو ثلٰث و اول الازواج اربعة و هذا الثلٰث ثلث في المخبر واحد في المنظر فانه واحد بالوحدة الاتصالية التركيبية فان كل واحد له روح و نفس و جسد و لايقوم بغيرها و بعد ما تركبت حصلت وحدة ابتدائية فتدبر فجميع الاقوال صحيحة الا انهم لم‌يعرفوا الحقيقة و لم‌يطلعوا علي الدقيقة و اغلب الاختلافات الواقعة في الملك من هذا الباب فانه لو علم الناس كيف خلق الله الخلق لم‌يختلف اثنان في الحقايق و يكفي هذا القدر من البيان في الوحدة .

المطلب الثاني

في الكثرة و فيه فصول :

فصل - اعلم ان مبحث الكثرة طويل ذيله بعيد نيله و لايطلع علي عمقه الا الله و رسوله و لايمكن استقصاء جميع مسائلها بل جميع ما نقوله في الخلق من مقامات الكثرة و نذكر هنا بعض الكليات بقدر الحاجة فاعلم ان الكثرة في مقابلة الوحدة فيختلف انواعها باختلاف انواع فكما قلنا في الوحدة انها وحدة ذاتية و حقيقية و جنسية و نوعية و فصلية و شخصية و اتصالية كذلك يقابلها الكثرة في كل مقام و كما ان الوحدة سبب الايتلاف كذلك الكثرة سبب الاختلاف و ربما يكون شئ واحدا من جهة متكثرا من جهة كما اشرنا اليه سابقا كأن يكون شيئان واحدا في الجنس متعددا في النوع كنوعين من الحيوانات او واحدا في الجنس و النوع متكثرا في الشخصية كافراد تحت نوع [ص 537] من جنس و ذلك امر ظاهر لا غبرة عليه .

فصل - اذا دققت النظر و عمقت الفكر في آيات الله التي اراكها و نظرت بعينه التي اعارك تري ان جميع الخلق آيات و علامات و ظهورات و مقامات تجلّي الله سبحانه بنوره لخلقه بها فيها و لايري فيها نور الا نوره و لايسمع منها صوت الا صوته و لايشهد منها عين الا عينه فليس الا واحد يري في كل مكان و يشاهد في كل آن بعين العيان و قد بيّن مولاي سيدالشهداء روحي له الفداء هذا المطلب الشريف بطرز منيف في دعائه لخالقه اللطيف علي ما رواه في الاقبال اذكر عين كلامه هنا اذ لا كلام فوقه قال عليه آلاف السلام في ضمن دعائه الهي علمت باختلاف الآثار و تنقلات الاطوار ان مرادك مني ان تتعرف اليَّ في كل شئ حتي لااجهلك في شئ الهي كل ما اخرسني لؤمي انطقني كرمك ، الي ان قال : الهي ترددي في الآثار يوجب بُعد المزار فاجمعني اليك بخدمة توصلني اليك و كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهرَ لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدلّ عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم‌تجعل له من حبّك نصيبا الهي امرتَ بالرجوع الي الآثار فارجعني اليك بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شئ قدير الهي هذا ذُلّي ظاهر بين يديك و هذا حالي لايخفي عليك منك اطلب الوصول اليك و بك استدل عليك فاهدني بنورك اليك ، الي ان قال بعد كلام طويل : انت الذي لا اله غيرك تعرّفت لكل شئ فماجهلك شئ و انت الذي تعرّفت اليَّ في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ و انت الظاهر لكل شئ يا من استوٰي برحمانيته علي العرش فصار العرش غيبا في ذاته محقت الآثار بالآثار و محوت الاغيار بمحيطات افلاك [ص 538] الانوار يا من احتجب في سرادقات عرشه من ان تدركه الابصار يا من تجلّي بكمال بهائه فتحققت عظمته في الاسرار كيف تخفي و انت الظاهر ام كيف تغيب و انت الرقيب الحاضر انك علي كل شئ قدير و الحمد لله وحده ، و يكفي هذا البيان الكامل عن كل بيان و ليس فوقه الا العيان فان نظرت بهذا العين تري نوره سبحانه ظاهرا في كل شئ و هو الواحد الفرد و هو حقيقة الحقايق و آية الله الخالق و النور الشارق و ان ظهرت لنا في الآيات بانواع الكثرات فان عين الخلق تري التفصيل و عين العارف تري واحدا ظاهرا في الكل من غير تعطيل و ما سواه اوهاما ناشئة من اظلّتها و لا بدّ لنا من بيان فصل خاص لشرح نشو الكثرات و بدو التفاصيل بفنون الاختلافات زايدا علي ما مرّ سابقا .

فصل - قال الامام عليه السلام الحق يعرف بالمثل و الباطل يعرف بالجدل ، فاضرب لك مثلا تعرف الحق ان شاء الله و افضل الامثال مثل الانسان قال الله تعالي و في انفسكم افلاتبصرون و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فاعلم ان حقيقة زيد في نفسها فوق جميع صفاتها و اعلي من جلّ سماتها فهي بنفسها تتنزه عن كل سمة و تتعالي عن كل صفة و هي ما تشاهد منه في كل حال مع كل صفة غفلة عن جميع ما سواها و هي الواحد الفرد في ملك زيد و آية الله التي اراها و عينه التي اعارها و نفسه التي عرف ربه ان عرفها و انت اذا نظرت اليها بعين حقيقتك تري انها منزهة عن جميع ما دونها فلايعدّ معها غيرها حتي بعنوان المغايرة حتي انك حين مشاهدتك نفس زيد لاتعرف مغايرته معك اذ لو فهمت ذلك و التفتت الي مغايرته معك لاتكاد تعاين آية ربك فيه فانه تعالي لايحدّ و لايعدّ فتدبر في مطاوي كلامي حتي تعرف مرامي فمقام الحقيقة مقام الوحدة ثمّ دونها محل الكثرة اي الصفات المتممة و الآيات المكملة التي لا بدّ منها لظهور الحقيقة و لولاها لبقيت معدومة في القوة فهي معاني الحقيقة الواحدة و ان كانت متعددة و تعددها [ص 539] لحكاية شؤنها المنسبطة التي لاتظهر الا بالكثرة لضيق المواد عن حكاية تمام الوحدة و هي اي الحقيقة كل يوم اي في كل مقام في شأن من الشئون و جميعها صفاتها و ظواهرها و بالجملة نقبض العنان فللحيطان آذان و لايجوز اظهار الحقيقة لانها مستورة بحجب العزّة فنرجع الي ما كنا بصدده مما يمكن التعبير عنه فنقول ان اول الصفات الثابتة في محالّ وجودها باثبات الحقيقة الظاهرة في اماكن شهودها باظهارها الفعل اذ هو الحركة الايجادية و ان كان ساكنا في ظل الحقيقة يعني انه ظلها و لكنه خلق ساكن لايدرك بالسكون قال الله تعالي ألم‌تر الي ربّك كيف مدّ الظل و لو شاء لجعله ساكنا و الحركة هي الكمال الاول نحو الكمال الثاني كما مرّ سابقا و هو صرف الاقبال الي الصفات و الآيات لاظهارها و نفس الاقبال لاتكاد تقوم بلا مُقبَل اليه بفتح الباء بل لا معني للاقبال بدونه و بعبارة اخري نقول ان الفعل لايقوم بلا انفعال فان الانفعال هو مما به وجود الشئ فان الشئ لايتشيأ الا بايجاد من الموجد هو فعله و انوجاد من نفسه و هو قبوله و الانوجاد انفعال و الانفعال هو مقام الصلوح و الامكان و به يتعين الفعل بالتعين الامكاني و لولاه لماتعيّن الفعل بالفعلية ففعلية الفعل بالامكان و انت تعلم ان الامكان عدم و ان كان موجودا بالوجود الامكاني و الوجود الامكاني لايقوم بافراده في الاكوان علي خلاف ما يزعمه المبتدي فان الامكان لايكون الا مكوّنا و نقول بالجدل حتي تعرفه عيانا انه كاين ام لا فان قلت لا فلا كلام في المعدوم و ان قلت نعم اقول انه يكون بالكون او بالامكان فان قلت بالثاني اقول فهو امكان الكون فكونه معدوم منفي و ان قلت بالاول فالمطلوب ثابت موافق للكتاب و السنة قال الله عز و جل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فكل ما اراد شيئا يقول له كن اي كن مكوّنا بل اذا دققت النظر و عمقت الفكر تري فاعل الامر المفعول المستتر فاعد النظر حتي تعرف الخبر و قال الامام [ص 540] عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه ، فلا بدّ و ان يكون الفعل الامكاني في ضمن الكون الا ان نفس الامكان الاول الذي هو حقيقة الصفات و منشأ الآيات لاتتكون بالاكوان الجزئية لعدم صلاحيته لذلك بالصلوح الاستعدادي و ان كانت في قوتها البعيدة و الله لايفعل بعباده الا الاصلح ، فالامكان الاول لايتعين الا بكون معنوي و هو اول الاطوار الكونية و هو في الواقع انفعال ثانٍ للانفعال الاول و قد يقال ان الانفعال الاول هو الامكان الراجح و الامكان الثاني هو الامكان الجايز و هو العقل الاول و الماء الذي منه كل شئ حي و لذا ورد في مقام ان اول ما خلق الله العقل و في مقام ان اول ما خلق الله الماء و الفؤاد بهذا اللحاظ ملحق بالاعلي ان عرفت و حقيقة العقل انفعال في الواقع و لكنه انفعال خاص بالنسبة الي الانفعال الاول و بالجملة ففعل النفس يتعين في العقل بالمعنوية فبعد ما خصص الفعل بالعقل سطع منه نور معنوي و حقيقة النور من الفعل الاول كما ان نوره من الحقيقة و لكنه تلوّن في بطن العقل بالمعنوية و مثلهما مثل النار الظاهرة علي دخان الشعلة فالنور من النار و اللون من الدخان و كذلك الامر هنا فاصل النور من الحقيقة و لكن خصوصية المعنوية من العقل و هذا النور هو فعل العقل و فعله ادراكه و استشعاره و عمله و لكنه منه درك مطلق لايخصّ بشئ دون شئ لا معني و صورة و بعد ما تعلّق بالنفس تعيّن في مقامها بالصورية الكلية كما ان نفس العقل تتعين في بطن النفس بخصوصيتها الصورية فيصير ادراكه علميا كليا ثمّ ان النفس تتعلق بالمشاعر الباطنة كما تتعلق النار بالدخان و هي من نفسها صرف علم لايخصّ بشئ دون شئ و هي ظل النفس الغيبية الانسانية و فعلها المتعلق بالشهادة اي الطبيعة فبعد ما تعلقت بالمشاعر في بطون الدماغ ينصبغ فعلها و نورها فيها و يظهر من كل مشعر بصبغ خاص فهنا يظهر تعقل و توهم و تعلم و تفكر و تخيل و قبلها لم‌يكن تعيّن لها و لكن اصولها كانت ثابتة هنا [ص 541] اذ اصولها نفس الادراك و الفعل ثمّ من هذه الادراكات يتشعب شئون كثيرة و اعمال كثيرة تحصل للانسان من مفرداتها و مركباتها و الله اعلم بها ثمّ ينعكس منها فعل النفس في الحواس الظاهرة فتتخصص بالبصر و السمع و الذوق و الشم و اللمس و يتشعب منها اعمال كثيرة و يظهر في الجوارح و في كل جارحة يتعين بنوع عمل مخصوص و اصل الجميع هذا النور الوحداني و قد ظهر في هذه المقامات بهذه الالوان و عمل كل جارحة مركب من نفسانية و خصوصية من المحل و ما من المحل منه و اليه و ما من النفس منها و اليها فجميع الكثرات و الصفات اصولها من فعل النفس و هو حركة المسمّي الكمال الاول و صورها من المواقع و ان قلت لو كان الامر هكذا فكيف يقال بردّ الاعمال الي النفس و قال النبي (ص) انما هي اعمالكم تردّ اليكم ، اقول ان كمال زيد الاول بظهوره في البدن و تشعب شؤنه يكثر انبساطه و تنوره و بذلك يزيد ملكه هذا و الاعمال ايضا في مقاماتها ثابتة كما مرّ سابقا فان كل شئ زماني اذا نسب الي ما في عرضه و لكنه اذا نسب الي الاعلي يكون دهريا ثابتا و لايمرّ عليه الاوقات و لايعتريه تجدد الحالات و لايفني بفناء الزمان و لايبليه الحدثان فجميع الاعمال في محالّها ثابتة لزيد ابدا دهريا و ان بليت الاعضاء في الزمان يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تود لو ان بينها و بينه امدا بعيدا و ان سعيه سوف يري ، فجميعها قائمة بدهريتها في مقامها فافهم و بالجملة نرجع الي ما كنا في صدده ففي ملك بدن زيد الذي هو انموزج العالم الكبير ذاته واحدة و فعلها واحد و قد تشعب فعله في المظاهر و لايظهر منها الا فعله و لذلك لايري فيها فعل غير فعله و لا كمال سوي كماله و لذلك ينسب الكل اليه مع ان الالوان جميعها من الاعضاء فالابصار في العين لا غير و لكن مع ذلك يقال انه بصير و السمع من الاذن و مع ذلك يقال السميع زيد و كذلك الامر في البواقي فلاتري في سماوات [ص 542] وجود زيد و ارضه غير واحد هو فعل زيد و لايظهر من فعل زيد غير زيد فليس الا زيد و فعله و نوره فافهم و لكن اذا نظرت الي شئون الفعل تريها متكثرة متعددة و اعرف من ذلك معني الهوهوية و الغيرية المقابلة لها فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الامر في الملك هكذا فان الله تعالي احد فرد صمد و فعله تعالي واحد لا اختلاف فيه كما قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة ، و قال الامام عليه السلام ليس الا الله و فعله و نوره ، و لايلزم من ذلك قول ضرار ان المشية تأكل و تشرب ان عرفت و سيجيء بيانه ان شاء الله و تعرف المسألة ايضا ان تدبرت في مطاوي كلامي فجميع ما تراه في الملك ليس غير فعله تعالي و الانفعال ايضا فعل ظاهر من القابل ان فهمت فانك ان حرّكت بيدك يد زيد تتحرك و التحريك فعلك اذا صدر من يدك و بعد ما اتصلت يدك بيد زيد تكمّلها فتشتعل بالحركة الصادرة منك فانت الفاعل و هو المنفعل بفعلك فالانفعال فعلك لا غير الا انه معك يسمّي بالفعل و بعد ما تجاوز منك و تعلّق بالمفعول به يسمّي بالانفعال و اذا رفعت يدك لايكاد يبقي فعلك و لا انفعال فالفعل منك و القبول منك و كذلك الامر في فعل الله و انفعال الامكان به و كذلك نقول ان ظهور الفعل ايضا بالانفعال علي ما سيأتي ان شاء الله تعالي في مقامه و جميع الملك قائم بالفعل و الانفعال و لذلك قال الامام عليه السلام ليس الا الله و فعله و نوره و قال الحكماء ليس الا الله و صفاته و اسماؤه ، ثمّ اعلم ان الفعل من حيث صدوره واحد و من حيث تعلقه يتشعب في مراتب الامكان بحسب القرب من المبدأ و البعد عنه ثم تنشعب مراتب الامكان بحسب تركيب بعضها مع بعض و يخصص الفعل بحسب قبولها فيتكثر الخلق بذلك و مرّ سابقا شرح ذلك في الجملة و ان شئت فراجع و يكفي في المقام هذا القدر من البيان فان نظرت الي الخلق بعين الحقيقة لاتري الا نورا واحدا زاهرا باهرا و ان نظرت بعين التفصيل تري خلقا متكثرا لايحصي عددهم الا الله و تبارك الله احسن الخالقين .

فصل - و لما كان التقابل من اعراض الكثرة لا علينا ان نصفه هنا بقدر الاطلاع [ص 543] علي الاصطلاح و لانزيد لعدم الحاجة الي بيان امثاله كثيرا فاعلم ان مقابل الهوهوية علي الاطلاق الغيرية و التغاير منه في الجنس و منه في النوع و منه غير بالعرض و هكذا علي قياس الاتحاد في هذه المعاني و لكن الغير بصفة غير الذات اختص باسم المخالف و الغير في التشخص و العدد اختص باسم الآخر في اصطلاح مّا كما ان الهوهو يريدون منه الاتحاد في الوجود المادية و التقابل اخص من الغيرية اذ التغاير بين الاشياء و المماثلة ايضا من اقسام الغيرية بوجه ● و كذا المجانسة و المشاكلة و نظايرها لانها بالحقيقة من عوارض الكثرة اذ لولا الكثرة ماصحّت شئ منها فعدّهما من عوارضها اولي كذا قيل و فيه تأمل ثمّ ان الآخوند (ره) عرّف التقابل بانه امتناع شيئين متخالفين في موضوع واحد في زمان واحد من جهة واحدة فخرج بقيد التخالف التماثل و بقيد امتناع الاجتماع في محل التغاير الذي بين البياض و الحرارة مما يمكن اجتماعهما في محل واحد و دخل بقيد وحدة المحل مثل التقابل الذي بين السواد و البياض مما يمكن اجتماعهما في الوجود كسواد الحبشي و بياض الرومي و بقيد وحدة الجهة مثل التقابل الذي بين الابوّة و البنوّة مما يمكن اجتماعهما في محل باعتبار جهتين قيل و بقيد وحدة الزمان نقابل المتضادين المتعاقبين علي موضوع واحد المجتمعين في الواقع و الدهر لعدم التنافي بينهما و قيل ان التقييد به مستدرك ثمّ ان التقابل اربعة اقسام تقابل السلب و الايجاب و الملكة و الضدّين و المتضايفين قال الآخوند (ره) في وجه التربيع اما ان يكون احدهما عدما للآخر او لا و الاول ان اعتبر فيه نسبتها الي قابل لما اضيف [ص 544] اليه العدم فعدم و ملكة و ان لم‌يعتبر فيه تلك النسبة فسلب و ايجاب و الثاني ان لم‌يعقل كل منهما الا بالقياس الي الآخر فهما المتضايفان و الا فهما المتضادان و قد يقال في وجه الحصر لانهما اما وجوديان او لا و علي الاول اما ان يكون لاتعقل كل منهما الا بالقياس الي الآخر فهما المتضايفان او لا فهما متضادان و علي الثاني يكون احدهما وجوديا و الآخر عدميا فاِما ان يعتبر في العدمي محل قابل للوجودي فهما العدم و الملكة او لا فهما السلب و الايجاب و انا انقل عين عبارة الطوسي لايجازه و جامعيته قال و يعرض له ما يستحيل عروضه لها من التقابل المتنوع الي انواعه الاربعة اعني تقابل السلب و الايجاب و هو راجع الي القول و العقد و الملكة و العدم و هو الاول مأخوذا باعتبار خصوصية مّا و تقابل الضدين و هما وجوديان و يتعاكس هو و ما قبله في التحقيق و المشهورية و تقابل التضايف و يندرج تحته الجنس باعتبار عارض و مقوليته عليها بالتشكيك و يقال للاول التناقض و يتحقق في القضايا بشرايط ثمان هذا في القضايا الشخصية اما المحصورة فبشرايط تسع ( فبشرط تاسع خ‌ل ) و هو الاختلاف فيه فان الكلية ضد الكلية و الجزئيتان صادقتان و في الموجهات بشرط عاشر و هو الاختلاف في الجهة بحيث لايمكن اجتماعهما صدقا و كذبا و اذا قيد العدم بالملكة في القضايا سمّيت معدولة و هي تقابل الوجودية صدقا لا كذبا لامكان عدم الموضوع و اذا كذبتا فيصدق مقابلاهما بالضرورة و قد يستلزم الموضوع احد الضدين بعينه او لا بعينه او لايستلزم شيئا منهما او عند الاتصاف بالوسط و لايعقل للواحد ضدّان و هي منفي عن الاجناس و مشروط في الانواع باتحاد الجنس و جعل الجنس و الفصل واحد ، انتهي كلامه و ان كان مغلقا لايجازه الا ان مطلبه سهل يظهر بادني تأمل و انا اشير الي حقيقة المسألة في الجملة [ص 545] فان الناس يعرفون ظاهرها و نحن نعرف ظاهرها و باطنها و الحمد لله فاعلم ان الله احد حقي منزه عن كل الكثرات و لايعتريه الصفات و لايحده السمات و هو مع ذلك منزه عن النفي و الاثبات فلايكون موصوفا اذ كل موصوف محدود و لايكون عاريا معطلا اذ كل معطل فاقد ناقص و كل ناقص محدود و كل محدود حادث بلا شك فنقول انه كامل مطلق بالفعل نخرجه عن حدّ التعطيل و لايكون كماله مثل كمال خلقه ليس كمثله شئ نخرجه عن حدّ التشبيه فلايكون معطلا كالامكان و لا محدودا كالاعيان بل هو حق الكمال و اصل الجمال و هو عين الوجود و سرّ المعبود و فوق الحدّ و المحدود و كل كمال كمال بقدر وجوده و وجوده محدود فان السمع كمال من حيث وجوده السمعي و البصر كمال بقدر وجوده البصري و كل منهما عدم لما يفقده فيقابله تقابل العدم و الملكة بملاحظة و السلب و الايجاب بملاحظة و لكن الموجود من كل حيث لايعدم شيئا فهو كامل من كل حيث و كماله وجوده و وجوده ذاته فكماله ذاتي يعني هو عين ذاته و هو كل كمال قال عليه السلام اعوذ بجمع الله قيل ما جمع الله قال كل الله ، و توصيفها ببعض الكمالات و تسميتها ببعض الاسماء من باب اثبات نفس الكمال لها لا تخصصها به او تعيّنه فيها فبقولك انه عليم بذاته لاتريد ان علمه غير حيوته و هو في ذاته متعين بالعلم بل المراد انه كامل يعبّر عن كماله بالعلم و هو حق كأن تصف السراج مرّة بالنير و مرّة بالحار فانه حارّ بكله نيّر بكله و ذلك مثل تقريبي و لايشبهه الذات لان الحرارة في الواقع غير النور و ليس العلم غير الحيوة و مثال اقرب في الجملة النفس الانسانية فانها دراكة و دراكيتها نفسها و يعبر عنها بالعاقلة و العالمة و المتوهمة و المتخيلة و المتفكرة فانها لاتمتاز في النفس بعضها من بعض و لا من النفس بل ليست الا النفس و لكنها تمتاز في المشاعر البرزخية و من عرف نفسه فقد عرف ربه و لكن الله بذاته منزه عن صفات انفس خلقه و اكمل القول [ص 546] انه ليس كمثله شئ و هو شئ لا كالاشياء و بالجملة هو كامل بذاته و لايفقد كمالا مع انه لا تعيّن لكمال دون كمال في ذاته و قد ظهر كمالاته اللانهاية في خلقه بلا كيف فصارت كمالات وصفية خلقية ملأت اركان كل شئ فلايري سوي كماله و لايشاهد غير جماله و لست في المقام بصدد التفصيل و ما اريد بيانه ان للكمالات الخلقية درجات مختلفة و منازل متفاوتة كما قال الله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و قال هم درجات عند الله و اختلاف الدرجات بحسب اختلاف الامكانات التي هي المواد للاكوان و الاعيان فكل مادة كانت اقرب من المبدأ تكون اوحد و ابسط و بحسب بساطتها تكون اجمع و كل مادة كانت ابعد من المبدأ تصير اشد تكثرا و التكثر سبب الغلظة فان تكثر الاجزاء مبدأ اختلاف الجهات و الاختلاف هو الغلظة فانه لايراد من اللطافة الا تشاكل الاجزاء و لا من الغلظة الا الاختلاف و كل ما يتشاكل الاجزاء يصير المركب منها اوحد و كل ما تختلف تتكثر فالبعيد المتكثر غليظ و بسبب غلظته لايمكنه حكاية الكمالات بقدر اللطيف لا محالة و يبلغ درجات اللطافة الي الجامعية الكبري و درجات الكثافة الي ان لاتحكي الا كمالا واحدا جزئيا و النهاية الامكان الصرف فافهم فالسرمد الذي هو في مبدأ الملك يكون في غاية اللطافة فيصير جامعا لكل كمال لبساطته و وحدته و لذا صار آية الله و دليل تعريفه و تعرّفه و الدهر دونه و بقدر تنزّله يزيد تكثّره و لذلك يختلف درجاته فبعضها في الاعلي و بعضها في الاسفل و الاعالي بسيطة بحسبها فتكون اجمع و الاسافل بساطتها قليلة و جامعيتها اقل و دون الدهريات المواد الزمانية و درجاتها في غاية الاختلاف و حكايتها للكمالات هكذا فافهم فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان السرمد يجمع جميع الكمالات الدهرية و الزمانية و لاتنافي شيئا منها لاحديتها النسبية و كلها فيه نقطة واحدة بلا اختلاف و لا تضادّ و مثاله ذات زيد انها [ص 547] جامعة في حدّها فهي عقل بكلها نفس بكلها طبع بكلها خيال بكلها فكر بكلها عين بكلها سمع بكلها و يد بكلها رجل بكلها لان المادة التي هي وجوده جامع حاوٍ بلا تمانع فيجمع كلها بل مع اضدادها و لذلك يظهر في حال واحد بحالات و له شئون و كمالات و لذلك يجزيٰه الجزاء الاوفي و هو التنعم بجميع نعم الجنة في آن واحد بقدر جميع عمله مع انه عملها في آنات ثمّ دون درجة السرمد الدهر عالم العقل و النفس و الطبع فالعقل الذي هو دهر الدهور يجمع كمالاتها و كمالات الزمان فهو جامع لجميعها في كل آن بلا تمانع للطافة مادته و دونه النفس و دونها الطبع فالنفس مثلا تجمع جميع العلوم و تلتذ منها و لكن الامثلة لاتحكيها مرّة واحدة بل تظهر فيها حينا بعد حين و تعرف مثل ذلك اذا نظرت الي المسائل العلمية انك تعرفها في نفسك مرّة واحدة و لكن اذا اردت التفكر فيها ترد علي خيالك حينا بعد حين و شيئا بعد شئ و محال ان تجمع في الخيال في آن واحد لاختلافها و عدم صلاحية الخيال لذلك فالتقابل الحاصل فيها في الخيال لا في النفس ثمّ دون المشاعر في الضيق المواد العنصرية فانها ضيّقة غليظة لاتحكي الكمالات التي بينها تضاد و تعاد فاحش حينا مّا نعم اذا كانت جهاتها مختلفة ربما تحكيها فلاتصير مادة واحدة حينا مّا طويلا قصيرا من جهة واحدة ابيضا اسودا لا بمعني عدم امكان ذلك فيها مطلقا بل بمعني الوسع اي الامكان القريب و كذلك لا بمعني عدم اجتماعهما مطلقا فانه ربما يمكن اجتماع الاضداد في مادة و لكنها لقربها تتركب و يحصل من بينهما ثالث من عرضهما غيرهما و لكن المراد من نفي الاجتماع اجتماعهما بعباطتهما و لكنها تحكي صورا مختلفة الجهات البتة و قد يبلغ ضيق المادة مرتبة لاتحكي غير صورة واحدة كالمواد الشخصية للاشياء فانها لغاية محدوديتها لاتسع غير صورها فمادة البياض لاتكون الا بيضاء و مادة الطول لاتكون الا طويلة و تلك مسألة عويصة لايعرفها الا الخصيصون ففي عرصة الذاتيات نقول [ص 548] ان المواد النوعية تسع الظهور في صور عديدة بحسب سعتها و المواد الشخصية لاتسع غير صورها و لاتزعم من كلامي ان الصور ترد علي نفس المادة النوعية بل المراد ظهورها بها في مراتبها و كذلك لايشتبهن عليك الامر مما ذكرنا فتزعم ان الصفات نازلة من الذات و راجعة اليها بل الذات تتنزه عن الكل و لكل صفة موقع لاتتجاوزه فافهم الاشارات حتي تقف علي المرادات و بالجملة فحاصل الكلام ان في عرصة المواد المتكثرة يحصل التقابل فان نسبت الصورة الفعلية الي صورة وجودية لاتجامعها في جهة واحدة و مادة واحدة و زمان واحد تقابلها بالتضاد كالسواد و البياض و اذا نسبتها الي صفة عدمية من حيث نفسها تقابلها بالسلب و الايجاب و اذا نسبت اليها من حيث القابل يقابلها بالعدم و الملكة و كلها في الواقع تضايف الا انهم ذكروه قسيما لهما بمعني اخص و هو ان تكونا بحيث لاتعقل احدهما بغير الآخر كالابوّة و البنوّة فانهما لاتجتمعان من جهة واحدة البتة فانه لايكون ابا من حيث ابنيته فتدبر و بالجملة بعد ما بيّناه لاتحتاج الي بيان و تقف علي اصل المسألة و تعرف ان شاء الله ان التقابل من اعراض الكثرة و الوحدة لا تقابل فيها و هاتان الصفتان ثابتتان لكل شئ في حدّه بحسبه و في مجموع الملك بحسبه قال الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال و ما امرنا الا واحدة و قال ان الي ربك المنتهي هذا من جهة الوحدة و قال كل يوم هو في شأن و قال الم‌تر الي ربّك كيف مدّ الظل و لو شاء لجعله ساكنا و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا انّ اكرمكم عند الله اتقيٰكم و قال سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض و من انفسهم و مما لايعلمون و قال في بيان النشأتين انزل من السماء ماءً فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا و مما يوقدون عليه و قال ان كل من في السماوات و الارض الا آتي الرحمن عبدا لقد احصيٰهم و عدّهم عدا و كلهم آتيه يوم القيمة [ص 549] فردا و بالجملة الامر يجري هكذا في كل الملك و امر الله واحد لا اختلاف فيه و يكفي هذا القدر من البيان ان شاء الله و اما ساير فروع المسألة فالانسب بها علم المنطق و لانحتاج في المقام الي بسط القول فيها .

تنبيه - قد تحيّرت حلوم الرجال في معرفة تقابل الوحدة و الكثرة و قالوا ما لايزيد ذكره الا تحيّرا و انا اقول ان كنتم تريدون صرف الاسم اي اسم الواحد و الكثير فهما عرضان زايلان و لا تقوّم لهما حتي يتقابلا و ان كنتم تريدون ما له موضوع فلنتكلم فيه فنقول اما الواحد العددي و المتكثر العددي فبحسب نفس العدد بينهما تضاد و ان كان الواحد جزء الاثنين فانه بالنسبة الي الصورة التركيبية تضادها اذ يصدق عليهما حدّ الضدّين و اما في غير المقام فنقول ان الواحد قد يوصف به المبدء الماء الاول الذي خلق منه كل شئ و المتكثر هو الاكوان الفعلية و النسبة بينهما عدم و ملكة اذ الماء قوة جميع الكثرات و قد يوصف به الله تعالي خالق الكثرات فلا نسبة بينه و بينها و كلها يمتنع في الذات و مرّ بيان ذلك في غير مقام .

المطلب الثالث

في التقارب و التباعد و هو علم شريف قلّ من التفت اليه مع كثرة فائدته و يبتني عليه معرفة اكثر المسائل و العلوم و معرفة حقيقته ايضا تبتني علي معرفة الطبيعي و علم البدأ و لكن من نظر في هذا الكتاب المستطاب بعين البصيرة علّه يلتفت الي حقيقته لبيان اكثر مقدماته و لانه علم كلي شريف و لم‌يعتنوا اليه كثيرا ابيّن في المقام فصولا :

فصل - في تعريف علمه و فائدته و موضوعه ، قال ابي اعلي الله مقامه : انه علم يبحث فيه عن احوال مقاربة الاشياء بعضها من بعض و مباعدة بعضها عن بعض و عن اسبابها و عللها و ما يترتب عليها من الآثار و فائدته تقريب البعيد و تبعيد القريب باحداث عللهما و ازالة موانعهما و تزكية النفس بمعرفة تقارب الاشياء لما تقاربت و متي تقاربت و كيف تقاربت و معرفة تباعد الاشياء لما تباعدت و متي [ص 550] تباعدت و كيف تباعدت و اما موضوعه ففي الملك الاجسام و في الملكوت النفوس و في الجبروت العقول .

فصل - اعلم ان القرب و البعد يثبتان في كل عالم و مقام بحسبه و لاينحصران بعالم الاجسام فقط و ذلك ظاهر لمن جاس خلال الاخبار بعين الاعتبار و معني القرب في نفسه اظهر من ان يبين و لكن من باب توضيح المسألة اقول ان معناه في كل مقولة بحسبها فان القرب في الاين قلة المسافة بين شيئين او حيّزين ان لوحظ في الحيّز كقرب حيّز الماء من التراب بالنسبة الي الهواء مثلا و البعد بخلافه و ان كان في الكيف فالمراد منه قلة التنافر و المشابهة فان الحرارة في الدرجة الاولي اقرب الي الثانية من البرد مثلا و ذلك ظاهر لمن عرف الاصطلاح و البعد بخلافه و كذلك في كل مقولة و هي تثبت في العوالم الغيبية ايضا بحسبها فان لكل عالم مكانا ذاتيا له و كيفا و كمّا و هكذا الا انها في الاجسام بحسبها الاتري ان الله تعالي وصف في كتابه الجنة و النار و القيمة بمثل الصفات المشهودة في عالم الاجسام و لايثبت لهما الا حقايقها فان حرارة النار الاخروية ليست مثل حرارة النار الدنيوية و كذلك برد انهار الجنة ليس مثل برد مياه الدنيا و مع ذلك توصفان بهما و كذلك توصفان بغيرهما من الصفات و كلها حق و صدق و لكن مع ذلك امر الآخرة لايقاس بالدنيا و كذلك الامر في القرب و البعد فانه يقال ان مقام فلان يقرب من مقام فلان و يبعد من فلان و ليس قربه و بعده كالقرب الدنيوي و بعدها و لكنه بحسبها و كذلك يثبت القرب و البعد بالنسبة الي مشية الله تعالي و ليس المراد من القرب هنا قرب يثبت بين مشاءات فان المشاءات و ان كانت من عوالم مختلفة يجمعها الامكان المطلق فانه اول ما خلق الله ثم خلق منها كل شئ و لكن المشية ليست من امكان المشاءات بل هي علتها و فعل الله الذي خلقها به و ان كان يجمعها المخلوقية الا انها علة مخلوقة بنفسها و المشاءات معلولة و العلة اعلي [ص 551] درجة المعلول كما اثبتناه سابقا فيمكن ملاحظة القرب و البعد هناك ايضا لثبوت النسبة و لكنهما بحيث يجوز في المقام و لكن بالنسبة الي الله تعالي فلا قرب و لا بعد ابدا لامتناع الكل معه و عدم ذكر شئ معه مطلقا و هو هو و ان قيل ان فلانا قريب من الله او بعيد فذلك بمعني يجوز هنا كالقرب من المشية الكونية او الشرعية و ذلك ايضا بمعني غير ما يجوز في الاجسام و سيجيء بيانه في الجملة ان شاء الله .

فصل - قال ابي اعلي الله مقامه : من مسائل هذا العلم معرفة تقارب كل جنس مع ما يجانسه و تباعد كل شئ عما ينافره و منها معرفة اسباب تجنيس المنافر حتي يتقارب و اسباب تنفير المجانس حتي يتباعد و منها تقريب الداني بالتلطيف الي العالي و تبعيد العالي بالتكثيف عن العالي و تقريبه الي الداني و منها معرفة معراج الرسول الي السماء بجسمه العنصري و لباسه و مداسه و نزوله مع لطافته التي هي الطف من العرش الي العالم العنصري و تباعده من الارض و تقاربه من السماء و منها معرفة ان جسد الامام لايبقي في قبره الا ثلثة ايام ثمّ يصعد الي العرش و منها معرفة صعود سيدالشهداء و صعود علي عليه السلام الي السماء و صعود ادريس و عيسي عليهما و علي نبينا و آله السلام و منها معرفة دخول اهل الجنة الجنة مع ان الجنة في السماء و الابدان عنصرية و المعاد جسماني كيف يصعد البدن العنصري الغالب عليه التراب في الهواء ثمّ في النار و لايحترق ثمّ في الافلاك و لايحترق مع انها احرّ من كرة النار و منها معرفة طي الارض كيف تطوي و يتباعد بعضها عن بعض و يتقارب بعضها من بعض و كيف يسير الساير فيها في طرفة عين حولها و علي سطحها و منها سرّ نزول الكثيف و صعود اللطيف و نزول الماء و التراب و صعود الهواء و النار و كيفية تنزيل الهواء و النار و تصعيد التراب و الماء و منها معرفة ان مدفن كل امام من ارض كربلاء و مقتل كل شهيد من ارض كربلا كيف تباعدت هذه الاجزاء و كيف تتقارب يوم القيمة [ص 552] و منها معرفة ان وقت حلول كل مصيبة من يوم عاشوراء و وقت شهادة كل شهيد من يوم عاشوراء كيف تتقارب اجزاؤها و كيف تتباعد و كيف تكون من يوم عاشوراء لرجل دون رجل و في مكان دون مكان و منها معرفة نزول جبرئيل للنبي مع انه في مكانه و حدّه لم‌يخل ركنه المخصوص به من العرش و هو الركن الايسر من الركنين الاسفلين و منها معرفة ما روي في روايات مختلفة من نزول الله سبحانه الي السماء الدنيا كل ليلة جمعة و نزوله في بيت فاطمة مع انه سبحانه لايزول و لايتغير و لاينزل و لايصعد و منها انضياف علي عليه السلام في ليلة في اربعين دارا و كان يري في كل دار بنفسه و كان في كل دار اماما معصوما عالما بما كان و ما يكون الي يوم القيمة و كان ابن ابي‌طالب و كذا يحارب في سبع‌عشر كتيبة بسبع‌عشر صورة و من وراء كل كتيبة هو هو امام معصوم ابن ابي‌طالب الي غير ذلك من المسائل الكثيرة العجيبة الغريبة التي قد ضلّ فيها الافهام و حار فيها الاعلام فما لم‌يعلم الانسان هذا العلم الشريف بحقيقته لايعلم هذه المسائل و لهذا العلم كغيره باطن و باطن باطن و تأويل فتجري مسائله اذا حللتها في الامثلة و المواد و الطبايع و النفوس و الرقايق و العقول كما قدّمنا ، اقول ان المسائل المذكورة من حيث القرب و البعد يبتني فهمها علي هذا العلم و لم‌يرد اعلي الله مقامه ان من عرف هذا العلم يعرف حقايقها فان معرفة حقايقها تبتني علي علوم كثيرة من باب المقدمة فعلي ذلك كل امر في الملك من هذا الحيث يبتني معرفته علي معرفة هذا العلم حتي معرفة تقريب العلم مثلا من الذهن .

فصل - اعلم ان حقيقة القرب قلة التباين بين شيئين حتي انه اذا ارتفع التباين بين شئ و شئ بالكلية يكون اقرب اليه من كل شئ فالقريب الحقيقي من كل شئ نفسه و هي شبحه المتصل به ثمّ شبحه المنفصل منه فانه من حيث صدوره منه لاينافره و لايباينه بينونة عزلة و ان كان مباينا معه بالصفة من حيث [ص 553] انه موصوف و هو صفة ثمّ من بعده ما يشارك الشئ في السنخ ثم النوع ثم الجنس هذا في نسبة الجواهر بعضها الي بعض و نسبة الصفات اليها ثمّ في الاشخاص يلاحظ القرب و البعد بحسب اعراضها علي ما ذكرناه سابقا و لا حاجة الي تطويل المقال فيها و الامر الذاتي كائنا ما كان اولي بالملاحظة من الامور العرضية فاذا قرب شئ من شئ بالذات يكون قريبا و ان بعد بالعرض الاتري الي قوله عليه السلام اقرب ما يكون العبد من الله و هو ساجد ، نقلته بالمعني فهو و ان كان في حاله بحسب المكان اقرب الي الارض و مكارم بدنه ملتصقة بالتراب و هو مكبّ علي وجهه و هو في غير هذا الوضع اقرب من السماء الذي هو مظهر النور و محل مقاساة القرب و البعد كمّا و كيفا و لكنه في حاله هذه يكون ساجدا خاضعا خاشعا و بخضوعه يقرب ماهيته من الفناء و يقوي وجوده الذي هو نور الله فيه فيكون قريبا من الله بالنورانية فانه خلق من نور مشية الله و النور شبح منفصل من شبح متصل قال الله تعالي لآدم علي نبينا و آله و عليه السلام روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فاذا قربت الطبيعة من الفناء بالسجدة الي التراب الذي هو اصلها يقوي الروح الذي هو من الله و قوته قربه من الله فهو في الخلق ظاهرا و في جوار قرب الله تعالي معني و كذلك كل من روّض نفسه بالفناء يكون قريبا في بعده و من تقرّب منه يتقرب الي الله و كذلك يغلب حكم الجواهر الاعراض دائما فرب رجل كان في الارض يمشي و هو في السماء مع الملائكة يعرج و في ظلّ عرش الله يناجي و كذلك من كان من جنس قوم يكون قريبا منهم و ان كان بعيدا عنهم في الوقت و المكان و الكيف و الكمّ و غيرها فرب رجل في هذا الزمان و هو قريب من اصحاب اميرالمؤمنين عليه السلام كما قال رجل له في بعض غزواته ما معناه وددت ان اخي فلانا كان معنا قال عليه السلام أهوي اخيك معنا قال بلي قال عليه السلام لقد شاهدنا و لقد شاهدنا في عسكرنا من في اصلاب الرجال [ص 554] و ارحام النساء و ذلك بالمجانسة مع اصحابه الشاهدين و بالنسبة اليه بالنورية فانهم انواره و الانوار ثابتة للمنير و هي معه في عالم الحقيقة و ان لم‌تظهر بعد في الدنيا و سوف تظهر و قس علي ذلك ساير المسائل اذا عرفت القاعدة و في عرصة الاعراض ايضا بعضها اولي من بعض و انه اذا ثبت حكم القرب و البعد في الاعراض العالية يقدم حكمها علي الاعراض الدانية فانه اذا قارب احد غيره بالصفة يحكم بقربه و ان باعده بالمكان و الزمان ايضا و بذلك يجري الاحكام الشرعية فان من تشبّه بقوم فهو منهم و ان كان بعيدا في النسب و الوقت و المكان فان من اتصف يومنا هذا بالعباسيين يلحق بهم و ان لم‌يكن منهم و معهم في الظاهر فافهم و بعض فروع المسألة من الاسرار المكتومة و لايمكن الافصاح بها الا ما اشرنا اليه ان عرفت و يكفي هذا القدر من البيان في المسألة ان شاء الله ثم اعلم ان الآخوند (ره) قد ذكر مبحث العاقل و المعقول ايضا في هذا السفر من كتابه و لكني رأيت ان ذكره في المبدأ و المعاد اولي و لذلك تركته و ان كان بعض مسائله ايضا متعلقة بهذا المبحث ايضا فلنختم هذه المقالة من ينابيع الحكمة ايضا الي هنا حامدا مصليا مستغفرا و قد تمّ علي يد مصنفه العبد محمد بن كريم في يوم الثلثاء قبيل الظهر ثاني شهر محرم الحرام سنة ثمان و ثلثمائة بعد الالف في قرية لنجر و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و ناصبي شيعتهم اجمعين .