فصل - و لما ان وصل الكلام الي هنا ناسب ان نبيّن معني التقدم و التأخر علي وجه الاختصار ، قال الآخوند (ره) : ان من احوال الموجود بما هو موجود التقدم و التأخر و قد قيّد الحكم بما هو موجود بناءا علي قاعدته ان الوجود هو الاصل في الموجودية و التحقق و الماهية موجودة به بالعرض و عندنا ان الوجود موجود بالاصالة و الماهية بالتبع بايجاد الله تعالي اذ هي مخلوقة و وجودها وصفي و علي ايّ حال التقدم و التأخر ليسا من عوارض الوجود عندنا اذ هما من الاحوال العارضة الخارجة من الوجود فان الوجود هو المادة و المادة مقام السيلان و ليس فيه تعيّن و حدّ و التعين من الماهية و هي الصورة فالاحسن ان يقال انهما من احوال الماهية و اعراضها و ليسا ذاتيين لها ايضا اذ هما من عوارض بعض ساير الاعراض كالزمان و المكان و الوضع و غيرها مما يوصف بالتقدم و التأخر [ص 483] و اذا لم‌تكن الاعراض جزء ذاتها فعرضها بطريق اولي و هما في الواقع من الاضافات كالاولية و الثانوية مثلا و لو كانا جزء ماهية الشئ او وجوده للزم عدم انقلابه و نري انه ينقلب احيانا و لزم الالتفات اليهما حين الالتفات الي الشئ مع انك تري عيانا انك تري السماء و لاتلتفت الي تقدمه بل ربما تري العلة و لاتري تقدمها علي المعلول و لاتلتفت اليه الا بعد نسبة محلها او وقتها او شرفها الي معلولها فهو خارج من ذاتها بل ربما نقول انهما ليسا من الاعراض اللازمة البينة اذ نحتاج الي الالتفات اليهما و تبينهما بالنظر و لايلزم من تصور اليوم معرفة تقدمه علي غد بل لايلزم ذلك من تصورهما ايضا و اللازم البيّن ما يلتفت اليه بمحض الالتفات الي الملزوم او كليهما و قد احسن و اجاد الطوسي في التجريد و شارحه حيث قالا و التقدم دايما بعارض زماني او مكاني او غيرهما يعني اذا نظر الي الماهية من حيث هي هي لم‌تكن متقدمة علي غيرها و لا متأخرة و انما يعرض لها التقدم باعتبار امر خارج عنها اما زمان كما في التقدم الزماني او مكان كما في التقدم المكاني او غيرهما من كمال كما في التقدم بالشرف او حاجة كما في التقدم بالعلية او بالطبع هذا كله ظاهر و انما الاشكال في القسم السادس اعني التقدم بالذات فان عروض التقدم لبعض اجزاء الزمان المفروضة انما هو لذاته لا لامر خارج آخر ، هذا آخر كلامه و سيأتي القول في قوله الاخير في تقدّم اجزاء الزمان ، ثمّ انهم قسّموا التقدم و التأخر الي اقسام التقدم بالرتبة و الطبع و الشرف و الزمان و التقدم بالذات و العِلّيّة و اَلْحَقَ الآخوند قسمين آخرين احدهما التقدم بالحقيقة كتقدم الوجود علي الماهية الموجودة به لان الوجود هو الاصل عنده و الماهية موجودة به بالعرض و القصد الثاني و كذا الحال بين كل شيئين اتصفا بشئ كالحركة او الوضع او الكمّ و كان احدهما متصفا به بالذات و الآخر بالعرض فلاحدهما تقدم علي الآخر و ثانيهما هو التقدم بالحق و التأخر به و هذا ضرب غامض من انحاء التقدم [ص 484] و التأخر عنده و يريد منه تقدم وجود الحق جل شأنه و سيأتي الكلام فيه في تلو بيانات لظهور المطلب .

الاول - التقدم بالمرتبة ، عرّفه الآخوند (ره) بانه كل ما كان اقرب من المبدأ الموجود او المفروض فهو مقدم كما يقال ان بغداد قبل الكوفة و هذا علي ضربين منه ما هو ترتيبه بالطبع و ان لم‌يكن تقدمه بالطبع و منه ما هو بالاعتبار و الوضع و هو الذي يوجد في الاحياز و الامكنة فالاول كتقدم الجسم علي الحيوان و الحيوان علي الانسان و الثاني كتقدم الذي يلي الامام علي الذي يليه اذا كان المحراب مبدأ و يصحّ في التقدم بالرتبة ان ينقلب المتقدم متأخرا و المتأخر متقدما و الطبيعي من هذا التقدم يوجد في كل ترتب في سلاسل بحسب طبايعها لا بحسب الاوضاع كالعلل و المعلولات و الصفات و الموصوفات فانت اذا اخذت من المعلول الادني انتهيت في الآخر الي العلة الاعلي و اذا اخذت في النزول وجدت الاعلي اول و هكذا حكم التعاكس في جنس الاجناس و نوع الانواع و غير ذلك و في التجريد و شرحه قالا في التقدم بالرتبة هو ان يكون الترتيب بين السابق و المسبوق معتبرا فيه و هي تنقسم الي الحسية كما بين الامام و المأموم و العقلية كما بين الاجناس و الانواع الاضافية المترتبة علي سبيل التصاعد و التنازل الي آخر كلامهما اقول ان جميع بياناتهم من صرف القشر الظاهر و قد استغنوا به عن اللباب لوقوفهم علي الجناب و لم‌يفتح لهم الباب و لم‌يدخلوا المدينة فحرموا من معرفة الحقيقة و الحق الحقيق بالتحقيق ان المرتبة بمعني المكانة و المنزلة و قد جعل الله سبحانه لكل شئ مقاما في الطول و العرض و قال ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و قال و لكل درجات مما عملوا و التقدم و التأخر و المعيّة من الصفات الاضافية التي تلحق المكان و غيره بالنسبة الي طرفي الشئ فكل شئ مقدم علي التالي و مؤخر عن المتلو و يقارن ما في عرضه فان كان النسبة [ص 485] في الطول يكون العالي مقدما و السافل مؤخرا و ان كان في العرض يكون المقدم و المؤخر في عرض واحد و اول منزل بالنسبة الي الساير او الاقرب الي المنسوب اليه يسمّي مقدما و ثانيه مؤخرا ثم انهما نسبتان في الطول و العرض فكل ما في قوس الصعود يكون مقدما في قوس النزول يكون مؤخرا و بالعكس لقول الله تعالي ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزّله الا بقدر معلوم و قال كما بدأكم تعودون و في العرض ايضا كل منزل قريب كان مقدما في السير الاول يكون مؤخرا في الرجوع فافهم هذا ما يشهد به العقل السليم و نزل به الكتاب و جري به السنة .

الثاني - في التقدم بالطبع ، قال الآخوند (ره) ما معني كلامه انه كتقدم الواحد علي الاثنين و الخطوط علي المثلث مما يرتفع برفعه المتأخر و لايرتفع هو برفع المتأخر و الاعتبار في هذا التقدم هو امكان الوجود لا في وجوبه و قال في شرح التجريد انه سبق ما سواه يعني الفاعل المستقل بالتأثير من العلل الناقصة سواءا كانت علة فاعلية او غيرها انتهي ، و قول الآخوند يشعر بان المادة سابقة علي الصورة بالطبع و الفاعل المختار ايضا مقدم بالطبع و اقول ان معرفة حقيقة المسألة يبتني علي بيان مقدمات مضي بعضها و يجيء بعضها و لكني اقول لهم ان نفس التقدم بالطبع من المسائل المجهولة و لا بدّ من كشفها فاعلم ان الطبيعة عندهم هي صورة الشئ و هي ماهيته و ما به هو هو فالتقدم الذي يقول انه بالطبع ماذا يريدون منه هل يريدون ان طبع الشئ هو التقدم فكيف يصير متأخرا احيانا و نري انه مقدم علي شئ و مؤخر عن شئ كالاثنين فانه مقدم علي الثلثة و مؤخر عن الواحد و التأخر الطبيعي ايضا يكون صورة الشئ فيلزم من ذلك ان يكون صورة الاثنين تقدما تأخرا و هذا خلف و ان ارادوا ان التأخر و التقدم وصفان زايدان علي الطبع عارضان لشئ الا انهما عرضاه بطبعه لا بسبب عرض آخر اقول فعلي ذلك ليسا طبيعيين و هما من احد المقولات كالمكان و الزمان و الكيف [ص 486] مثلا فلمَ نسبوهما في المقام بالطبع خاصة بل من اقسام التقدم بالمرتبة ايضا طبيعية و كذلك الشرف و غيرهما و بالجملة يعرفون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و الطبيعة عندنا هي الكلي الظاهر في الصور و المواد و هي المادة النوعية و هي بنفسها لاتقتضي امرا خاصا مع انها من جهة القابلية و الانية و لاتملك شيئا من عندها و الفعل كله لله و لا حول و لا قوة الا بالله قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء و تعزّ من تشاء و تذلّ من تشاء بيدك الخير انك علي كل شئ قدير ، و لايملك احد شيئا و لاينفع شيئا و لايضرّ شيئا كذب العادلون بالله و ضلّوا ضلالا و بهذا المعني نقول ان الماهيات في الواقع اعدام في جنب امر الله و ليست الا امكانات فاين الامور الطبيعية كذب العادلون بالله و ضلّوا ضلالا بعيدا و لو كانت الطبيعة مالكة لامر لماصارت النار باردة لابرهيم اذ قال الله تعالي يا نار كوني بردا و سلاما علي ابرهيم و لماصار البحر جمدا لموسي اذ قال فاوحينا الي موسي ان اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم و لماردّت الشمس لسليمان و اميرالمؤمنين عليه السلام و لماصار السمّ دواءا و ترياقا لامير المؤمنين روحي فداه فجميع ما قالوه في الطبيعيات كلها خرص و تخمين و الفعل كله لله فلا مقدم بالطبع و لا مؤخر و هو يقدم ما يشاء و يؤخر و يمحو ما يشاء و يثبت قال النبي الامين صلي الله عليه و آله الطاهرين مع تقدمه بالذات علي العالمين عند العارفين و بالشرف عند القشريين لو عصيت لهويت ، و قد بكي نبي من الانبياء حتي اوحي اليه ربه لمَ تبكي قال من خوف نارك فوعده النجاة منها ثم بكٰي فاوحي اليه لم تبكي مع ما وعدتك قال ان شئت ان لاتفي فمن‌ذا الذي يمنعك ، قال عليه السلام في قنوت الوتر اللهم ان رفعتني فمن‌ذا الذي يضعني و ان وضعتني فمن‌ذا الذي يرفعني و ان اهلكتني فمن‌ذا الذي يحول بينك و بيني او يتعرض لك في شئ من امري ، فافهم ذلك من مكنون العلم و اعلم ان الله [ص 487] تعالي بذاته لايكون علة شئ و لا مباشرا لامر و لكنه جعل لكل شئ سببا و الاسباب مترتبة و اقرب سبب الي كل شئ نفسه و هي آية الله الظاهرة في طبعه الخاص به و لذلك قال اعرف نفسك تعرف ربك ، اي سببك و لذلك قلنا ان كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه و كما ان النفس هي علة الوجود بتقدير العزيز الودود لانها وجه المعبود تكون علة لجميع ما لها و بها و منها من الآيات و الصفات و لذا نعرف بها ربنا و بفعلها فعله و بوصفها وصفه و من الصفات التقدم و التأخر و هما و ان كانا في الواقع من الاضافات و نفس الذات منزهة عنها الا انها مبدأ جميع الآثار و لذلك تجزي بجميعها فان الامام يوم القيمة يجزي بامامته و المأموم بمأموميته مع انهما من الصفات الاضافية و زيد في نفسه لايكون اماما و لا مأموما و لكن سيجزيهم وصفهم و انما هي اعمالكم تردّ اليكم ، فتقدم المتقدم بنفسه بامر الله و تأخر المتأخر بنفسه بامر الله ثمّ انهما يظهران في الاعراض بحسبها و ذلك كالشرف و الخسّة و العلوّ و الدناءة و غيرها من الصفات فان اصولها من النفس و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر فتقدم الفاعل بنفسه و تأخر المفعول بنفسه و تقدم المادة بنفسها و تأخر الصورة بنفسها و سيجيء زيادة البيان ان شاء الله في فصل خاص .

الثالث - في التقدم بالعلية ، قال شارح التجريد هو سبق الفاعل المستقل بالتأثير و قد يسمّي تلك علة تامة لاستجماعه لشرايط التأثير و ارتفاع الموانع و قال الآخوند هو ان يكون وجود المتقدم علة لوجود المتأخر فكما انه يتقدم عليه بالوجود فكذلك بالوجوب لانه سبب للمتأخر و قالوا في تقدم العلة التامة ما قالوا و لا حاجة الي نقل اقوالهم لعدم طائل تحتها و ساُشير الي بيان الحق فيها بعد ان شاء الله .

الرابع - في التقدم بالشرف ، قالوا الذي يقال بالشرف و الفضل فكما يقال ان محمدا صلي الله عليه و آله مقدّم علي ساير الانبياء و قال شارح التجريد هو [ص 488] ان يكون للسابق زيادة كمال ليس للمسبوق كتقدم العالم علي المتعلم اقول اما بيان شارح التجريد فهو حق و اما بيان السابقين فان كان مرادهم من سبق خلق محمد (ص) علي الخلق محض ذلك لا غير فذلك خطاء محض فانه صلي الله عليه و آله مقدم علي جميع الكاينات بالعلية و الذات علي اصطلاحنا و التقدم بالطبع ايضا علي اصطلاحهم فانه اول ما خلق الله و قد خلقه قبل الدنيا بالف‌الف دهر و تقدمه بالشرف صفة من صفاته و آية من آياته و ليس شرفه كشرف العالم علي المتعلم فان تقدمه بصفته مع تساوي ذاتهما و لكن شرفه بانه صعد من مقام ساير الخلق و حكي عن الله كما قال الله تعالي قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي انما الهكم اله واحد ، و في الزيارة طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شئ لكم انتهي ، فهم اهل الشرف شرّفهم الله علي العالمين بذاتهم و صفاتهم و يكفي في فضلهم انهم حووا كمالات الله و اتصفوا بصفاته و بالجملة ليس المقام محل ذكر هذه المسألة و قد مرّ .

الخامس - في التقدم بالزمان ، قال الآخوند و اما الذي بالزمان فهو معروف و لاينافي هذا كون الجزء المقدم من الزمان متقدما علي جزئه اللاحق بالطبع فان التقدم الزماني يقتضي ان لايجامع المتقدم المتأخر بخلاف ما بالطبع حيث لايأبي اجتماع المتقدم للمتأخر .

السادس - في التقدم بالذات ، اثبت المتكلمون قسما آخر من السبق مغايرا للوجوه الخمسة كما لاجزاء الزمان بعضها علي بعض و الفرق بين هذا القسم من التقدم مع القسم الخامس انه في الزمانيات كتقدم موسي علي عيسي مثلا و ذلك في نفس اجزاء الزمان كتقدم اليوم علي امس و خصّوه بهذا الاسم بملاحظة انه لايكون تقدمه بالعليّة و لا بالطبع لان اجزاء الزمان متساوية فلايكون جزء منها اولي بالعليّة من جزء بحسب الماهية و لا بحسب اجزائها لان الزمان متصل واحد عندهم فلايكون اجزاؤه الا مفروضة و قيل ان السابق و المسبوق [ص 489] في هذين النوعين يجوز اجتماعهما بل يجب و اجزاء الزمان مما يستحيل اجتماعهما و دفعه بعض بان ذلك غير لازم كما في سبق العلة المعدّة فانها غير الفاعل المستقل بالتأثير و قيل ان مثل ذلك سبق بالطبع و يجب عدم اجتماعها مع المعلول كذا قيل و سيظهر لك بيان الحق ان شاء الله و كذلك لايكون تقدم اجزاء الزمان بالشرف و لايكون بالزمان لان فرضهم انه نفس الزمان فانحصر الامر في ان يكون التقدم بالذات يعني بلا جهة من الجهات الخارجة .

السابع و الثامن - في قسمين آخرين الحقهما الآخوند (ره) ، قال و اما التقدمان اللذان اشرنا اليهما فاحدهما هو التقدم بالحقيقة كتقدم الوجود علي الماهية الموجودة به و كذا الحال بين كل شيئين اتصفا بشئ كالحركة او الوضع او الكمّ و كان احدهما متصفا به بالذات و الآخر بالعرض فلاحدهما تقدّم علي الآخر ، اقول ان هذا وجه وجيه و كلام حسن و قال هذا ضرب آخر من التقدم غير ما بالشرف لان المتأخر بالشرف و الفضل لا بدّ و ان يوجد فيه شئ من ذلك الفضل و غير ما بالطبع و العلية ايضا لان المتأخر في كل منهما يتصف بشئ مما يوصف به المتقدم عليه بخلاف هذا المتأخر و ظاهر انه غير ما بالزمان و ما بالرتبة و ان قلت ان ملاك التقدم و التأخر لا بدّ و ان يكون موجودا في جميع اقسامهما فما ملاكه هنا اقول مطلق الثبوت و الكون سواءا كان بالحقيقة او بالمجاز هذا معني كلامه و ثانيهما هو التقدم بالحق و التأخر به و هذا ضرب غامض لايعرفه الا العارفون فان للحق تعالي عنده مقامات في الالهية كما ان له شؤنا ذاتية لاينثلم بها احديته و قال ان وجود العلة الموجبة يتقدم علي وجود المعلول بهذا التقدم فان الحكماء عرفوا العلة الفاعلة بما يؤثر في شئ مغاير للفاعل فتقدم ذات الفاعل علي ذات المفعول تقدم بالعلية و اما تقدم الوجود علي الوجود فهو تقدم آخر غير ما بالعلية اذ ليس بينهما تأثير و تأثر و لا فاعلية و لا مفعولية بل حكمها حكم شئ واحد له [ص 490] شئون و اطوار و له تطور من طور الي طور و ملاك التقدم في هذا القسم هو الشأن الالهي انتهي ، و لايخفي مراده علي من اطلع علي مذهبه غفر الله له و قال ايضا من ذهب الي ان اثر الجاعل نفس ماهية الامر المجعول لا وجوده و كذا المؤثر هو ماهية الجاعل لا وجوده يلزمه ان يثبت قسما آخر من التقدم هو التقدم بالماهية و كذا من جعل ماهية الممكن مقدما علي وجوده باعتبار نفس الماهية لا باعتبار الوجود و جميع هذه البيانات ناشئة من قصر نظرهم و عدم اطلاعهم علي الحقيقة يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و انا ابيّن بحول الله و قوته فصلا خاصا لبيان التقدم و التأخر و يظهر لك بذلك ان شاء الله حقيقة المسألة .

فصل - اعلم ان الله تعالي احد فرد لايوصف بوصف و لايحدّ بحدّ و لايتناهي بنهاية لايضاف اليه شئ و لايضاف الي شئ و لايكيّفه كيف و لايأيّنه اين و لايوقّته متي و لايوزنه كمّ بتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له و بتأيينه الايون علم ان لا اين له و بتعيينه الاعيان ادرك ان لا عين له و بتمييزه الحدود عرف ان لا ميز له و مجمل القول انه تعالي منزّه عن جميع ما جري في خلقه و عليهم و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه ، فكيف يتصور في شأنه تعالي ان يقال انه مقدم علي شئ او مؤخر عن شئ فان التقدم و التأخر من الاضافات و هو تعالي يجلّ عن جميع الاضافات و قد قال اميرالمؤمنين في خطبته المسمّاة بالدُرّة اليتيمة في صفة الله فرّق بين قبل و بعد ليعلم ان لا قبل له و لا بعد ، و قال في مقام آخر منها : و ان قلت من فقد سبق الوقت كونه و ان قلت قبل فالقبل بعده و ان قلت اين فقد تقدم المكان وجوده ، و امثال ذلك من الاخبار عديدة و مرادنا في المقام الاختصار فمع ذلك كيف يجوز ان ينسب الي الله التقدم و التأخر سيّما علي المعني الذي ذكره الآخوند عفا الله عنه و مراده ان وجوده تعالي سابق علي وجود الخلق بمعني ان الوجود [ص 491] يصدق علي الله و علي خلقه بالتشكيك فصدقه علي الله اولي و اول او بمعني انه الذات و الخلق شؤنه و تطوراته كما يقول الصوفية فهو الاول و الآخر نعوذ بالله و ابطاله لايحتاج الي بسط و مرادنا محض الاشارة فالله سبحانه لايكون قبل خلقه بهذه المعاني مطلقا ، هذا و قد عرفت سابقا في الالهيات انه تعالي حق الذات و ما سواه ممتنع و لا احد الا الله بمعني انه تعالي حيث هو لا شئ الا هو و حيث الخلق لا شئ الا الخلق و ملاحظة القبلية لايمكن الا بعد ملاحظة الطرفين و ادراكهما و ذلك في شأن الحق و الخلق محالي لعدم تصورهما و ادراكهما معا و اما ما ورد في صفته سبق العدم وجوده ، فمعناه سبق الاستيلاء و القوة و القدرة لا سبق الاولية تبارك و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و اما بالنسبة الي الخلق فاعلم ان لهم حيثين حيث الجواهر و حيث الاعراض فاما في الجواهر فاذا لاحظتها و عرفتها لاتكاد تجد تقدما و لا تأخرا فان كل شئ هو هو في حدّ نفسه لا غير و اقرب الامثال للجواهر في هذا الملك الاعداد و الحروف لخلوّها عن الاعراض في الجملة فان الاثنين في حد نفسه هو هو و لايلاحظ معه غير الاثنينية ابدا فانت اذا وجدت الاثنين في نفسه لاتكاد تري تقدمه علي الثلثة و تأخره من الواحد و انه ثلث الستة و ربع الثمانية و عشر العشرين مثلا فان جميع هذه النسب اضافات حاصلة من نسبة عدد الي آخر فانت ما لم‌تر الواحد و الثلثة لاتعرف تقدم الاثنين و تأخره و كذلك ما لم‌تر ساير الاعداد و لم‌تلاحظ نسبها لاتعرف الثلثية و الربعية و الخمسية فان جميعها اضافات و نسب و ذات الاثنين في الواقع ليست ثلثا و لا ربعا من حيث الذات بل من حيث النسب و كذلك الامر في الحروف فان الباء من حيث ذاته باء و تقدمه علي الجيم و تأخره من الالف صفتان زايدتان علي الذات و كذلك الامر في جميع الجواهر فان نسبها فرعها و ليست من ذواتها فان زيد قايم مثلا لايكون زيد بذاته موضوعا و لا قائم محمولا فان الموضوعية و المحمولية صفتان نسبيتان [ص 492] لاتصدقان الا بعد ملاحظة النسبة و لذا صار من شرط القضية ملاحظة الرابطة التي هي النسبة و لولا الرابطة لماكان زيد موضوعا لقائم و لا القائم محمولا و كذلك الامر في التقدم و التأخر فان معني التقدم لايكون ثابتا لزيد من حيث ذاته و لكن اذا نسبتها الي القائم و وجدت سبق وجودها علي القيام و حدوث القيام بسببه تحكم بتقدمه كما ان زيدا من حيث ذاته و جوهره لايكون ابا و لا ابنا و لكن بعد ما ولد له ابن يصير ابا و كذلك عمرو لايكون ابنا من حيث ذاته و لذلك تراه و لاتلتفت ابدا الي ابنيته الا بعد ملاحظة تولده من ابيه و امه فافهم و لذلك نفي الله الانساب في عرصة القيمة التي هي مقام ذوات الخلق و قال يومئذ لا انساب بينهم و قال لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرّة فافهم ذلك فانه دقيق ففي عرصة الذوات من دون ملاحظة الاضافات لايكون شئ مقدما علي شئ و لا مؤخرا عنه و لكن بعد ما نسبت الخلق بعضهم الي بعض يحصلان بحسب النسبة من حيث النسبة فاذا نظرت الي الذات من حيث كونها فاعلة للصفات التي دونها كائنة ما كانت يكون مقدمة بالعلية و ان كانت علة تامة فان الشئ اما يكون علة تامة و ذلك فيما اذا كانت مؤثرة و اما يكون علة ناقصة و ذلك فيما اذا كانت مكملة و الاولي كالسراج بالنسبة الي انواره فانها خلقت به و مادتها من فضله و صورتها الذاتية ايضا منها نعم صورتها العرضية من القوابل و غايتها ايضا ظهور السراج نعم ذات السراج من حيث هي لاتكون علة و عليّتها بظهورها في الانوار كما اثبتناه في محل آخر و التقدم و التأخر ايضا بحسب العلية ثمّ اذا نسبت الجوهر الي غيره جوهرا كان او عرضا بحسب المقام في السلسلة لا شك انه اما يكون مقدما او مؤخرا و يسمّي بالرتبي و بحسب الكيفية فيسمّي بالكيفي او الشرافة و الخساسة علي ما قال السابقون و بحسب الزمان اذا كان النسبة في العرض فيسمّي بالزماني و هكذا و اما تقدم الايام بعضها علي بعض فذلك ايضا من الزمان و قد اشتبه الامر عليهم من حيث [ص 493] لايعلمون اذ زعموا ان الايام و الليالي هي الزمان و قد بيّنا سابقا انها مكائيل للزمان و هي بانفسها مواليد كالمركبات و الزمان بنفسه مدة حاصلة من نسبة صفة الي صفة و لكوننا محتاجين الي تحديدها بشئ محدود معتدل و لم‌يكن شئ في عالم الاجسام اعدل من الافلاك حددناها بحركات الافلاك و لما كان الشمس و القمر اكبر من جميع الكواكب و اسرع في الحركة من ساير الكواكب صارت التوزين بهما احكم و كذلك فلك الافلاك لما كان اسرع من الجميع و كان حركاته منظمة صار التوقيت بدورانه بهداية الشمس و القمر اعدل فوقتوا الازمنة بالايام و الشهور و السنوات و الا فنفس الفلك زماني و حركاته ايضا صفات زمانية و تقدم اليوم علي غد بالزمان فان اليوم بنفسه لباس يكسوه الافلاك و الليل لباس قال الله تعالي و آية لهم الليل نسلخ منه النهار و قال و جعلنا الليل لباسا و هو باحد المعاني يدل علي ما نحن فيه و مدة بقاء صورة الليل و النهار زمان و كذلك مدة بقاء صورة زيد علي مادته زمان بلا تفاوت و كما يكون زمان يوسف عليه السلام مقدما علي زمان نبينا (ص) كذلك ايامه مقدمة علي ايام نبينا صلي الله عليه و آله فتدبر و انصف فلانحتاج ان نطلب وجها لهذا التقدم و اعلم مجملا ان العوالم من المشية الي الاجسام واقعة في الطول او العرض المترتب فبعضها مقدم علي بعض و بعضها مؤخر و بعضها اول و بعض آخر في عالم الزمان اختلف خروج الصور الغيبية و النفوس الملكوتية و العقول الجبروتية الي الفعلية فبعضها ظهر اولا و بعضها آخرا بحسب التقدير فكل ما كان مقدما في الزمان يسمّي مقدما في العرض و ما كان مؤخرا يسمّي مؤخرا و قد يجمع المقدم الطولي مع المؤخر الزماني كتأخر الخاتم عن الانبياء و بالعكس كتقدم الامم و الانبياء الماضين علي الخاتم فافهم ثمّ ان لنا في العرض تقدما و تأخرا آخر لا بالزمان و لا بالرتبة بل بحسب الوضع بالنسبة الي شئ ثابت و ذلك محض النسبة فقط و ذلك كتقدم الامكنة مثلا و تأخرها للساير [ص 494] بالنسبة الي مبدأ سيره و منتهاه و ذلك امر نسبي و قد ينعكس الامر فيه و ذلك قد يلاحظ في قوس النزول و الصعود بالنسبة الي المبدأ و المعاد فان الخلق بالنسبة الي كل مرتبة دنيا قبل العليا في صعودهم و كذلك نقول كل ما يكون مقدما في الوجود مؤخر في الظهور شرعا و كونا فافهم فانه كلام سهل سماعه عويص معناه و ان عرفت التقدم الطولي و العرضي يفتح لك باب معرفة المسألة ثمّ انا قد نصفهما بالذاتي و العرضي لدي الاجمال و نريد من المتقدم الذاتي ما يكون مقامه في السلسلة فوق غيره كتقدم النفس علي الطبع و من المتقدم العرضي ما يكون تقدمه بسبب خارج زايل و لكن ذلك لدي المسامحة و اما مع التحقيق فالمطلب ما بيّناه و يدخل تقدم الدهريات علي الزمانيات و السرمديات علي جميعها في الطول و كلما عرفت المتقدم بايّ معني يكون مقابله المتأخر و محاذيه معه فافهم ، ثمّ ان للمعية ايضا اقسام ينبغي ان نفرد لها فصلا خاصا .

فصل - اعلم ان المعية ليست بجميع معانيها مقابلة التقدم و التأخر فيشترط ثبوتها مع فقدهما و فقدها مع ثبوتهما بل لها معاني لا بدّ من بيانها و نقتصر علي بيان مرّ الحق طلبا للايجاز فاعلم انه ربما يلاحظ المعية في الطول بالنسبة الي ما دونه او ما فوقه و قد يلاحظ في العرض و في العرض قد يكون في عالم الزمان و قد يكون فوقه فاما في عالم الزمان فقد يلاحظ المعية في الوقت و قد تلاحظ في المكان و غيره من العوارض و لكن يصادفها الزمان لا محالة و ان لم‌نلاحظه حين وجدان غير كما ان في الزماني ايضا يكون مكان و وضع و جهة و رتبة و غيرها الا انه لايلاحظ شئ غير الوقت فافهم و هذه المعية لاتجمع مع القبلية و البعدية من الوجه الذي تلاحظ فانك اذا قلت ان المشتري مثلا طلع مع الشعري تريد المعية بحسب الوقت و لكن الشعري مكانه في الكرسي و هو فوق المشتري و كذلك قد تنسب جمادا موجودا الي جماد سابق في الزمان و تقول انه معه اي في رتبته مع تقدمه في الزمان فافهم و كذلك الامر في [ص 495] ساير المعيّات العرضية و اما المعيّة الطولية فبيانها يحتاج الي تفصيل قليل فاعلم ان الدهر مقامه فوق عرصة الزمان علي ما بيّنا سابقا و لايحدّ بالازمنة و الاوقات و لايتمكن في الامكنة و الجهات و لايحيث بالحيوث و لايحدّ بالحدود و هو هو منزّه عن جميع ما يجري في الزمان فلايجوز ان يقال ان الدهر مع الزمان او قبله او بعده و لكن لدي التعبير نقول انه قبل بمعني احاطته بكله و بعد بمعني بقائه بعد مضيه و مع بمعني ثباته فوقه و نقول انه فوق بمقتضي كليته لا فوقية جسمانية فاذا عرفت ذلك و تبيّنت ما هنالك فاعلم ان لكل شئ دهرية ثابتة فوقه و هي مقام كليته بالنسبة الي صفاته الزمانية نسبتها اليها نسبة الاحد الي الاعداد التي دونه و هي قبلها لا بمعني انها كانت في زمان غير زمانها او مكان غير مكانها بل بمعني انها خارجة من حدودها و الا فمقامها فوقها بل فيها بل وجودها بوجودها فان الجسم المطلق مثلا دهري و لايوقّت بوقت الاجسام الجزئية و لايحويه مكانها و هو قبلها لا بمعني انه كان في زمان و مكان غير زمان الاجسام الجزئية و مكانها بل هو فيها بل وجوده وجودها فافهم ذلك و كذلك هو بعدها يعني انك اذا صعدت من الاجسام وجدانا و قطعت نظرك عنها تجده حيث لا هي و كذلك كل ما يفني جسم جزئي لايفني بفنائه فهو قبل الاجسام و بعد الاجسام فيكون مقدما و مؤخرا تراه بدءا و عودا و هو مع ذلك مع الاجسام اذ لا مظهر له غيرها و كذلك الامر في كل دهري و كذلك الامر في السرمد بالنسبة الي ما دونه فهو الاول و الآخر و المقدم و المؤخر و فوق هذا المقام مقامات و لله آيات و هو معكم اينما كنتم و نحن اقرب اليه من حبل الوريد و هذه المعية تجامع المعية العرضية و القبلية و البعدية و التقدم و التأخر بجميع معانيه في العرض فان الماء المطلق مع الماء الذي كان في زمن آدم عليه السلام و زماننا بلا تفاوت و كذلك بحسب ساير الاعراض فافهم و بهذا المعني يكون الارواح مع الابدان مع انها مقدمة باربعة‌آلاف عام [ص 496] و عالم الذر يقوم للشخص مع التكليف الشرعي مع سبقه و الساعة آتية لا ريب فيها و قد اقتربت و اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي و هي سابقة لاحقة مقدمة مؤخرة مع ان جهنم محيطة بالكافرين و ان الذين يأكلون اموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا ، نعم ما دام توجههم الي الدنيا الدنية ارواحهم راقدة و لايشعرون ايان يبعثون و اذا ماتوا ينتبهون فيعرفون انهم الي ربهم يحشرون و يقولون يا حسرتنا انا كنا عن هذا غافلين ، فافهم و اغتنم ما اجراها الله علي قلمي في المقام ، ثمّ انهم صرفوا اعمارهم في بيان كيفية اطلاق لفظ التقدم و التأخر علي المعاني انه من باب الاشتراك اللفظي او المعنوي او بالتواطؤ او التشكيك و ليس ذلك الا لجهلهم بمعني المعيّة التي ذكرناها و من عرف ان الله معه و ان الساعة قريب و الرب لبالمرصاد و هو رقيب و الخلق يسيرون و يأتي كل نفس معها سايق و شهيد لايصرف عمره في بيان هذه المسائل مع انهم تحيّروا في ملاحظة وجه صدق اللفظ من باب عدم اطلاعهم علي الحقيقة و بعد ما عرفت معني ما قلنا تعلم المطلب ان شاء الله و لانحتاج الي التفصيل فنرجع الي ما كنا بصدده من بيان الحدوث فانه مسألة مهمة .

فصل - في الحدوث الذاتي و قد اثبته كل فرقة بوجه و برهان و اراد كل منهم معني و كل حزب بما لديهم فرحون فقال بعض ان الماهية بذاتها تستحق العدم و بغيرها تستحق الوجود و ما بالذات يسبق ما بالغير و لم‌يرض به بعض لعدم قولهم بمجعولية الماهية و قال ان الحدوث الذاتي الافتقار الي غيره و اثبت الآخوند (ره) للذوات حدوثا زمانيا بمعني انها لم‌تكن ثمّ كانت اذ مراده ان ما فوق الزمان لايكون خلقا و يقول في الروح انه لم‌يخرج من كن و يريد من الحدوث الزماني في الذوات انها متجددة الحدوث لاحتياجها الي المدد و الجائي غير الذاهب فكل احد في كل آن غير ما كان قبله و مثّل [ص 497] لذلك في مقام بالنهر الجاري و الشمعة و لست في المقام بصدد نقل قوله الا اني لاحقاق الحق اقول لو كان الامر علي ذلك للزم عدم كون زيد زيدا في الآن الثاني و تسميته بزيد لمحض المجاز من باب الشباهة و يلزم من ذلك ابطال الثواب و العقاب فان زيدا المطيع يفني و يثاب غيره علي ما يظهر من عباراته و العاصي يفني و يعذّب غيره و هذا خطاء محض و لو اراد غير هذا المعني من بيانه فهو اعلم و ما يظهر من عبايره خطاء و قد استدل علي مراده بقوله تعالي كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها مع ان ظاهر الآية ظاهر في خلاف قوله فان قوله تعالي صريح في بقاء الاصل و انتضاج الجلد و الجلد هو الصورة فلايفني من اهل النار الا صورتهم و يبقي مادتهم و قد مثّل الامام عليه السلام في شرحها باللبنة التي تكسرها و تلبنها ثانيا فهي هي مادة و هي غيرها صورة و بين هذا المعني و قوله فرق بيّن فانه يمثّل بالماء الجاري في النهر فانك تشرب اليوم منه و غدا تشرب و تقول اني شربت امس من هذا الماء مع ان ماء امس قد ذهب و لا شك انه ذهب بمادته و صورته و دلالة الآية و الحديث غير ذلك بل جميع الاخبار و الآثار تنادي بثبوت الحقايق و عدم تبدّلها و الضرورة قائمة بذلك بل بداهة العقول تشهد بذلك و هو رحمه الله من عادته انه لايعتني ببداهة عام العقول مع انه اذا صار شئ بديهيا يقول به كل عاقل و لاينكره الشرع بل يؤيده لايجوز انكاره و مخالفته و ما تري منا انا قد ننكر بديهيات الناس فذلك فيما خالفت الاخبار و افهام الاخيار لا مطلقا فتنبه و اعرف الفرق حتي تقف علي الحق و بالجملة القول بالامداد بهذا الوجه خطاء و اثبات الحدوث بهذا المعني غير معقول و ان اردت الحق المنقول عن آل الرسول فاَصغِ لما اقول حتي تفوز بالمأمول فاعلم ان الله تعالي كان و لم‌يكن معه شئ مما كان بمعني العدم الذاتي اي الامتناع الصرف ثمّ خلق اول ما خلق مشيته بنفسها و معني مخلوقيتها لله تجليه سبحانه لها بها لا بمعني تجليه بذاته تعالي [ص 498] بل بمعني انه تجلي و نفس مشيته هي عين تجلي لا غير و فهم ذلك دقيق جدّا و لا شك ان التجلي هو كمال المتجلي و صفته و آيته و الآية محتاجة الي صاحبها في وجودها و بقائها فان ذات الآية فضل نوره فلاتكاد تبقي الا بفيضه و في كل حال يحتاج الي مدد منه اذ نفس ذاته من فيضه و هو يفيض عليها دايما فوجودها بايجاده و بقاؤها بابقائه فافهم ثمّ خلق الله بالمشية ساير الموجودات كما خلق المشية اولا فان كل شئ في حدّ ذاته عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه و نفسه شعاع مشية الله فيه و هو نورها قائم بها قيام صدور و لاتزعم انها صدرت من المشية حينا ثمّ صارت قائمة بانفسها كالبناء بالنسبة الي البنّاء بل نسبة الانوار الي المشية نسبة انوار الشمس اليها الاتري الي قوله عليه السلام يفصل نورنا من نور ربّنا كما يفصل نور الشمس من الشمس ، و نور الشمس في كل حال يصدر من الشمس بصدور جديد فهي كأنها في خلق جديد و الله سبحانه قال بل هم في لبس من خلق جديد فهي دايما تحتاج الي فيض الله بمشيته و سببه بوجوداتها و ماهياتها و الله يفيض الي كلها فيض الوجود و البقاء كلا نمدّ هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و ان عرفت ما القيناه اليك في الوجود و الماهية سابقا لاتستشكل هذه المسألة ابدا فجميع الخلق في كل حال يحتاجون الي الله و الله يمدّهم دايما و اوجدهم ايجادا اولا و هذا معني الحدوث لا غير بقي الكلام في ان المدد الجائي عين الذاهب او غيره ، اقول ان بيان هذه المسألة يحتاج الي مقدمة فلسفية فاعلم ان الاركان بعد ما نزلت من الخزاين العالية الي الدنيا الدنية طرأها اعراض كثيرة غيّرت فطرتها و بدّلت خلقتها و قبحت صورتها و لذا اختلفت حالاتها و تفاوتت امزجتها فبسبب ذلك هبطت من المحل الشريف و ارتبكت في التراب الكثيف فاذا اراد الحكيم تركيبها لا بدّ له من تطهيرها و ازالة الاقذار منها و تصعيدها من الارضين الي السموات و رجعتها الي ما نزل منها فلا بدّ من هدم هذا التركيب [ص 499] العرضي لاخراج ما دخل في اجزائها من الاعراض الاتري الي الشمعة الكثيفة اذا اردت تطهيرها لا بدّ لك من تذويبها و حلّها ليتفصل الاعراض من الدهن الخالص و كذلك الامر في اركان اكسيرنا فان الروح مثلا في عالمه كان مركبا من بخار و دخان خالص صافٍ في غاية الاعتدال الروحي و كان حيا ثابتا مؤثرا فعّالا و بعد ما نزل الي عرصة الطبايع و هبط في التراب فعرضه الاعراض من التراب و منعه عن الصعود الي ذلك الجناب و حجبه عن نور رب الارباب و كذلك النفس و الجسد فصارت ارواحا و نفوسا و اجسادا منحرفة كثيفة غليظة و نسيت ما اخذ الله عليها من العهود و كفرت بانعم الله و بدّلت فطرة الله فاذاقها الله لباس الجوع و الخوف و نقص من الاموال و الانفس و الثمرات و الله لايغيّر ما بقوم حتي يغيّروا ما بانفسهم ، فبعد ما وجد الحكيم ذلك و عرف حال الصحّة و المرض و الداء و الدواء و اطلع علي سبيل العلاج اخذها و كلّسها اول وهلة بنار موصدة تطلع علي الافئدة ليجعلها مطاوعة قابلة لما يورد عليها من التدبير فان بالتكليس يحترق اكثر الاتربة التي تخللتها و يطير اغلب الرطوبات الفاسدة التي عاقّها عن الانتضاج التام و تصير قابلة للحلّ فان بدون التكليس لايكاد ينحل شئ و ان الجهّال ربما يريدون الحلّ بلا تكليس و يصرفون المال و العمر و لايصلون الي بغيتهم و يتّهمون الحكماء في اقوالهم و قد يسهّلون التدبير و يكلّسون و يحلّلون اي يشمعون معا بتدبير واحد و ذلك سهل لاهله كما انهم قد يجمعون بين الاركان و يدبّرونها معا كما في الجوّانيات و بالجملة التكليس قبل التشميع و هو مقدمته كما قال ابن ارفع‌رأس الشذوري :

اول هذا العلم تكليس الحجر بحر نار دونه حرّ السقر

ثمّ بعد ما كلّسها و احرق اعراضها و ابطل صورتها الدنيوية كما يقال ان علامة التكليس الحق ان لايرجع المكلّس الي صورته الاولية يذيبها و يرخمها [ص 500] و يشمعها و هي كلها مقدمات الحل فيحلها فيندفع منها الغرايب و هي كلما هو خارج من ماهياتها اذ هي المرادة للحكيم كل ما يذكر واحدة منها و الناس الطامعون لحرصهم علي معرفة الصنعة مع انهم محرومون عن معرفة الحقيقة صرفوا الاسماء عن مدلولاتها الحقيقية الي غيرها فان الحكيم اذا قال خذ من الزيبق جزءا يريد ما يدل عليه الاسم بالمطابقة و لكن الجاهلون يأخذون ما يدل عليه بالتضمن و بينهما فرق عظيم و بذلك يفسد اعمالهم الاتري ان زيابق السوق اغلبها مغشوشة بالاسرب و الاتربة و الكثايف حتي انه ربما بطلت رجرجرتها من زيادة الاعراض بل ربما يأخذون هؤلاء المشاقّون اللاغون الزيابق و يفسدونها بتركيباتهم ثم يبيعونها في السوق و يأخذها آخر بحسن ظنه فيبطل عمله بالكلية مع انها ليس جميعها زيبق بل بعضها زيبق و بعضها غيره فتدبر و كذلك الامر في الكبريت فان هذه الكباريت لها اعراض ظاهرة خلطتها بعد التركيب كالاحجار و الاتربة و مزجتها اعراض حال التركيب في المعدن و عرض اركانها ايضا اعراض و كذلك الامر في الاجساد فلا بدّ للحكيم الماهر من تطهيرها و تصفيتها و تخليصها و ذلك لايمكن الا بالحلّ فلا بدّ اولا من حلّ الاجزاء و بهذا الحلّ تخلص من الاعراض الهبائية ثمّ يعقدها الحكيم و يحلّها ثانيا لتطهيرها من الاعراض الطبيعية و لذلك يقال ان المولود لايكمل الا في حلّين و عقدين فالحلّ الاول بمنزلة التخليص في القبر بالموت الدنيائي و عقده بمنزلة الرجعة في البرزخ و الحلّ الثاني بمنزلة تفكيك العناصر في الصور و العقد الثاني بمنزلة التركيب الاخروي و بالجملة ذلك مثل ضربناه لك لمعرفة الحقايق فبعد ما طهّر الحكيم اركان عمله بحيث صارت خالصة من جميع الاعراض يركّبها تركيب خلود فان قبل التطهير و الانحلال لم‌يكن يمكن تركيبها كذلك اذ كانت الاجزاء مخالفة متنافية و لم‌يكن يحصل بينها الوداد لبُعدها عن دار الاتحاد و بعد ما خلصت آبت الي ما منه نزلت فتذكرت [ص 501] بعد ما نسيت و توحّدت بعد ما تكثرت فلما قرب الروح النفس اتصل بها و بعد ما قربت النفس الجسد عانقته اذ كل منها يطلب اخته كما يطلب المغناطيس الحديد فتتركب تركيب الخلود و يؤثر في النواقص ثمّ من بعد ذلك لا بدّ للحكيم ان اراد الزيادة من التدبير بادامة الحلّ و العقد فكل ما يحلّ المولود يكثر لطافته و نماؤه و يقلّ اعراضه و يكثر عمله حتي انه قد يطرح القطرة منه علي القنطار و جميع هذه الزيادة من عمل المدبر الحكيم مع انه لايزيد في الاكسير شيئا من الخارج و لايغيّره بذاته و لايبدّله و مع ذلك يكمله بفيضه و يمدّه بفضله و لكن جميع ذلك منه اليه فيه لا غير و هذا مرآتك اعرف منه معاملة الله معك في ذاتك في الدنيا و الآخرة فان الله سبحانه يشرق اليك و يفيض و يمدّك بانواع المدد و انت محتاج الي نيله و لكن جميع ذلك منك اليك فان الذات الاحدية لايخرج منها شئ و لايدخل فيها شئ و المشية المطلقة التي هي يد التدبير و علة التقدير كلية و هي بنفسها صلوح و امكان الا انها امكان فعلي و الفعل الامكاني لايلحق بنفسه الاكوان و لاتدخله الاعيان اذ هو نفيها و الامواج مستغرقة في البحر و ان كان اصلها و منبعها و لكنها لاتعود اليه كما لم‌تخرج منه و لكن الله سبحانه خلق برؤسها المتعلقة بالخلق ما خلق و يمدّها بها كما خلقها بها و وجه امداده انه يحلّها بحرارة مشيته الكونية و الشرعية و يعقدها و بهذا الحلّ و العقد يدوم بقاؤها و يكثر تأثيرها حتي تبلغ مقاما لم‌يؤذن لنا في الافصاح عنه الا بما قال الله تعالي في كتابه لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير و قال لهم ما يشاؤن فيها و لدينا مزيد و قال الامام عليه السلام ان في الجنة يفوّض المشية الي المؤمن ، و ليس لهذا الاستمداد و الامداد نهاية كما قال عز و جل في القدسي ليس لمحبتي غاية ، فهي محتاجة الي الله دائما و الله يمدّهم دائما و في كل عقد يحسن صورتهم و يكثر نعامتهم و مع ذلك هم هم و هم مخلدون لايموتون فهذا معني المدد و وجه [ص 502] الحدوث لا ما زعموه و بهذا الوجه من الامداد يمدّ الله مشيته ايضا الا انها لايتغير صورتها لغاية الوحدة و البساطة بخلاف ساير الخلق و لذلك نقول ان المؤمنين يترقون في القيامة و الجنة و هم يعبدون ربهم و يجزون الا ان العبادة في الجنة بحسبها فافهم و هذا وجه من تأويل الآية الكريمة و بشّر الذين آمنوا و عملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اتوا به متشابها و لهم فيها ازواج مطهرة و هم فيها خالدون و ذلك لان الصورة اللاحقة تشبه السابقة نوعا اذ تكون من فسحة مقاماتهم الا انها الطف و كذلك اهل النار يستمدون و الله يمدّهم كلا نمدّ هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربّك و لايمدّهم الا بما يناسبهم و مددهم منهم اليهم فشرابهم من غسلين و طعامهم من الزقوم و بذلك يستمدون و كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ، فهذا هو معني الحدوث الذاتي و تغيّر حال الخلق و استزادتهم و جميع الخلق يحتاجون الي الاستزادة و ذلك معني حدوثهم و قد قال الامام عليه السلام لو لم‌نزدد لنفد ما عندنا ، و ذلك لايخصّ بعلمهم بل في جميع ما يتعلق بهم فلو كان الامر بالنسبة اليهم هكذا فما ظنك بغيرهم .

فصل - اذا عرفت الحدوث الذاتي و وجه الاستزادة في الحقايق فاعلم ان الاستمداد في غيرها من الاعراض حاصل بطريق اولي و الله سبحانه يمدّهم و بيان ذلك ان كل شئ مخلوق من الامكان و الامكان من نفسه لايقتضي الا عدم الاعيان و الاكوان و ان كان بنفسه موجودا بوجود امكاني و اذا كان بنفسه مايلة الي عدمها فلايكاد يوجد شيئا لنفسها فان الماء بذاته يقتضي تشاكل الاجزاء و عدم الامواج فبذاته لايكاد يصير علة موج و هذا امر ظاهر لا غبرة عليه فيحتاج الي فاعل مكمّل يكمّله و يخرج منه صور الامواج كالامكان فانه الماء الاول الذي قال الله و جعلنا من الماء كل شئ حي [ص 503] و بنفسه لايتصور بصور الا بواسطة مكمل خارجي و هو القلم الاول و العقل و القلب و القطب و سمِّهٖ ما شئت فبواسطته و سببه يتصور قطع الامكان بالصور المختلفة و ذلك بتصويره اياها بما يشاء الله من الصور فالمصوّر هو الامكان و الصورة ما جرت بالتقدير من العلم بواسطة القلم فالامكان بنفسه يقتضي السيلان و تصوره بواسطة المكمل و هو القاسر و كل ما رفع يده ينقلب الي المائية الاولي البتة و ما تري من ان الكاتب يرفع يده و الخط يبقي بعده دهرا فذلك لان الفاعل غيره قد اجري فعله علي يد غيره فبارتفاعها يرتفع يد واحدة و الفاعل يمسكه بيد غير الكاتب فالكاتب زيد في الظاهر لا في المعني و الماسك غيره و ان الله يمسك الاشياء باظلتها لا بالمباشرين فافهم فانه مطلب غامض و مرّ سابقا شرحه في التكميل و ان لم‌تفهم فراجع حتي تفهم فالفاعل الحقيقي هو الماسك و لو لم‌يمسك لرجع كل شئ الي الامكان لانه من اقتضاء ذات المادة و ان الله يمسك السموات و الارض ان تزولا و لئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده و امساكه تعالي باشراق جديد و فهم ذلك ايضا مشكل و من باب التوضيح نقول ان الفعليات جميعها كمالات الله و صفة كينونته و قد اشرق الله بها علي ماهية الامكان فاحيت بشروق نور الله فالنور ليس من ذات الامكان و ليست هي الا كجدار مظلم و كله من كينونة الله تعالي و هو يشرق عليها بمشيته دائما و الانوار دائما في حال الصدور الاول من الله اذ عرفت سابقا انه لايمضي علي المشية آنات فانها سرمدية و لانعيد الكلام فكل فعلية كائنة ما كانت ذاتا كانت او صفة تشرق من المشية في حال وجودها فانت اذا رأيت زيدا فاعرف انه مشرقة في هذا الآن و ان كان هو زيدا الماضي اذ لا فرق في هذا النظر بين الماضي و المضارع فالامساك عين الامداد و الامداد بعين ما به الايجاد ثمّ اعلم ان سرّ الامكان يجري في جميع الملك بالنسبة حتي ان ما تصوّر منه بصور مترتبة حاله بالنسبة الي الصور هكذا فان جميع صورها تحتاج الي ماسك [ص 504] يمسكها و كل ما رفع يده منها تذهب الي الفناء و لما كان الامساك بالامداد لما عرفت ان الاشراق بالانارة و الامكان بنفسه يقتضي العدم بالنسبة فالصور دائما ذاهبة و الله يمدّ بالتجديد الا ان في عرصة الحقايق يكون الامر علي ما ذكرنا لاتحادها و خلودها و في الاعراض يذهب الجائي دايما و مثال ذلك يظهر لك في المركبات الدنيوية و قس عليها الغيوب فان هذا البدن العنصري مخلوق من العناصر و هي بنفسها في المثل تقتضي البقاء علي صورة العنصرية و ان كانت في الواقع لاتقتضي الا الامكان و بقاؤها علي العنصرية بالمدد بل لنا في الامكان ايضا كلام سنذكره ان شاء الله و بالجملة ركّبها يد التقدير بصورة البدن قسرا و تلك الصورة شبح القيت علي العناصر من اللوح و خزائنها عند الله و العناصر بمنزلة الماء الذي يجري و يظهر العكس من الشاخص فيها و هي دائمة التجدد دايما كما تري عيانا ان البدن يتحلل دايما فكل ما يمدّك الله بغذاء يتحلل منك و ذلك اجماعي الاطباء و نطق به الشرع و يدل عليه العقل و كل ما يتجدد مادة يظهر فيها شبح و كل ما يرفع الشبح يثبت في اللوح فمثَل بدنك كنهر جار و ذاتك كالشخص الواقف فوق الماء و العكس يظهر فيه دايما و المدد الجائي غير الذاهب اذ العرصة عرصة الاعراض و لايلزم من تغيّرها تغيّر الذوات ابدا و ان قال احد بلحوقها التغير من قبلها يلزمه القول بتغير الذوات بعد الموت و ذلك مخالف لضرورة الاسلام فانه لا شك ان زيدا يحيي يوم القيمة بجسمه و هو غير الجسم العرضي بلا شبهة و بالجملة هذا البدن المحسوس في كل آن يلحقه موت و يحيي باحياء الله كل آن بل هم في لبس من خلق جديد و كذلك الامر في المشاعر البرزخية فان موادها العرضية ادخنة تحصل من بخار الدم المتولد في قلب الانسان و هي اجسام لطيفة دائمة التحلل و ذلك ايضا محسوس فانك تعرف بل تري ان الدم بعد ما تولد في الكبد يجري في القلب و بعد ما سخن بحرارته يتبخر فيصعد الي سماوات [ص 505] الدماغ و يتفرق في العروق و يتقطر بعضه و يصعد بعضه و يتفرق و لايبقي و ما دام بقاؤه في الدماغ يشتعل بحرارة الروح و يتعلق به النفس فيدرك ما يدرك في الدماغ لا غير فما دام بقاؤه يحكي النفس كالمرآة و بعد تفرقه يموت و يرجع الي عناصره كما بدأكم و الخيال و الفكر و الوهم و غيرها هي بمنزلة الاشتعال في الشعلة و الدخان بمنزلة دخانها و الدخان دائما يتولد منه جزء و يذهب منه جزء و الاشتعال باقٍ ببقاء النفس الا انه دايما يفاض منها فانه كحركة يدك مثلا فان اليد بنفسها فانية زايلة و الحركة من الروح و هي كماله صادر منه فكل ما اقبل اليها و حرّكها تحرّك و كل ما لم‌يحركها تسكن فاليد كالدخان و الحركة كالاشتعال و كلاهما حادثان زايلان و كذلك الامر في المشاعر فان الدخان حادث زايل و الاشتعال ايضا زايل اذ هو قايم باقبال النفس الاتري انك ربما لاتتخيل مطلقا و ربما تتخيل و ربما لاتتوهم و ربما تتوهم بلي تكون حيا لان الحيوة ثابتة بتعلق الروح الحيواني فمشاعرك البرزخية ايضا حادثة نعم الدخان حادث زماني و الاشتعال ايضا من حيث الظهور و التشخص زماني و من حيث الصدور حادث برزخي فان بعد الموت ايضا يبقي اصل الخيال و الفكر و الوهم و العلم و العقل بحقيقتها الواحدة و ان لم‌يبق الاشتعال ثم ان النفس الظلية ايضا امرها هكذا فانها فعل قائم بها قيام صدور فهي قبل الصدور لم‌تكن و بعده كانت و صدورها بعد الولادة الانسانية الدنيوية لا قبلها فهي ايضا حادثة قائمة بالغير الا ان حدوثها دهري لعدم جري الزمان عليها و اما النفس التي هي الذات فهي حدوثها دهري و لا تجدد لها الا بالوجه الذي ذكرنا و هي دهرية البقاء بل سرمدية و زمانية التعلق يعني انها في ذاتها سرمدية و ليست من المواد العنصرية و الفلكية و لكن بعد ما خلق لها بدن ظهرت فيه فظهورها في الابدان زماني لم‌يكن ثم كان ثم يموت و لكن بقاؤها ابدي سرمدي علي خلاف ما زعم الآخوند (ره) انها زمانية الوجود سرمدية [ص 506] البقاء بمعني ان اصلها من النباتات و الحيوانات الا انها تتصفي و تتلطف حتي تصير عقلا و سيجيء بيان هذه المسألة في محله ان شاء الله بقي شئ و هو ان الامكان ايضا في نفسه محتاج الي ايجاد الله تعالي فانه ايضا موجود الا ان وجوده امكاني و هو خلق خلق منه كل شئ الا انه خلق عدمي بالنسبة ثابت الوجود في الاكوان بمنزلة المداد في الحروف و هو ايضا موجود بايجاد الله تعالي فهو ايضا حادث الا ان حدوثه سرمدي .

فصل - اختلفوا في ان الحدوث امر زايد علي الوجود او هو نفسه فقال بعض ليس حدوث الحادث وجوده الحاصل و الا لكان كل موجود حادثا و لا العدم السابق من حيث هو عدم و الا لكان كل عدم حدوثا و رفع الاشكال في حدوث نفس الحدوث بانه حدوث بذاته كالوجود و لايلزم من ذلك التسلسل و قال الآخوند ان الحق ان يقال ان مفهوم الحدوث امر زايد بحسب المفهوم علي الوجود و هو عين الوجودات الحادثة التي للاشياء الجزئية الكائنة الفاسدة فانها بنفس هوياتها الشخصية حادثة و ليس حدوثها مستندا الي الفاعل بل وجودها بمعني ان الوجود هو المجعول بالذات لا وصف الحدوث لان كون الوجود مسبوقا بالعدم صفة ذاتية له و الذاتي ليس بعلة فالحدوث كالتشخص المطلق و الوجود مفهوم كلي يدخل تحته معاني جزئية بالتشكيك اقول جميع هذه الاختلافات لعدم الاطلاع علي الحقايق و ملاحظة الظواهر فان جماعة لم‌يعرفوا من الحدوث الا انه لم‌يكن ثم كان ثم نظروا ان هذه الصفة مثلا من متعلقات وقت وجود الشئ و هو خارج من ذاته فتحيّروا في ان حدوث ذات الشئ بذلك او بغيره و لكنهم لو عرفوا الحقيقة لماتحيّروا هكذا و لكني لما عزمت علي الاشارة الي ابطال الباطل لا بدّ لي من ذكر الاقوال في الجملة و الاشارة الي بطلان قولهم فاطير بطيرانهم و اصفّ بصفيفهم فاقول ان قول القائل بان الحدوث صفة زايدة باطل من جهات منها ان نفس الذات من حيث هي [ص 507] قديمة او حادثة فان قلت انها قديمة يلزمك ان تقول ان الحدوث يطرؤ القديم و هو خطاء محض و ان قلت انها حادثة اقول اذا كان الحدوث زايدا عليها فبايّ حدوث تكون حادثة و لا حدوث معها و ان قلت انه لازم لها لايفارقها اقول ان الاعراض اللازمة يجوز تحللها في العقل مع انها لاتصير جزء الذات و لو صارت جزءها لصارت ركنها و العرض لايكون ركن ذات البتة فهي زايدة و لو كانت لازمة فبينهما مغايرة ان لم‌تكن مباينة فافهم فانه دقيق فبايّ تأويل كان بناءا عليه الذات من حيث هي تكون عارية من الحدوث فلاتكون حادثة فاخبرني ايّ شئ هي هل يكون بين القديم و الحادث منزلة لا شك انه لايكون الامر هكذا فانه لا منزلة بينهما فان بالحصر العقلي الشئ اِما يكون حادثا او قديما فلا بدّ ان تقول انها قديمة او حادثة و منها ان الحدوث الزايد هل يكون بنفسه وجود ثابت قائم بنفسه فكيف يكون صفة غيره و هذا باطل فلا بدّ و ان نقول انه عرض و ان كان عرضا فانه من قبيل الكيف اذ لايصدق عليه تعريف ساير الاعراض فهو ماهية تندرج تحت الكيف و اذا كان خارجا من الذات فليس موجودا بوجود الذات فله وجود آخر فهو لايكون عرضا لشئ اذ العرض بنفسه قائم بالذات فان البياض ليس له وجود خاص غير وجود الابيض بل وجوده نفس وجود الابيض و لذلك لو سلب من المادة لايقوم خارجا فان الاعراض في الواقع صفات الا ان تكون اعراض ثابتة تصير محلا لشئ كالبدن العرضي للحيوان او الحيوانية للانسان فانها في الواقع جواهر لحقتها جواهر و اما الكيفيات و امثالها فهي صفات عارضة للجواهر فلا وجود لها قائما نعم وجودها وصفي فلايتعقل قيام الكيف بوجود زايد علي وجود الذات و منها انه لو وجد بوجود زايد لزمه حدوث آخر اذ هو وجود آخر و لو جاز ان يكون وجود حادث بنفسه لجاز ذلك في اصله و لو لم‌يجز لماجاز هنا ايضا فافهم و كذلك [ص 508] وجوه بطلان هذا القول ظاهرة فالحق ان يقال ان الشئ حادث بنفسه لا بحدوث زايد و حدوثه نفس افتقاره و قيامه بالغير فان الانوار قائمة بالسراج و معني قيامها ان وجودها منه لا من غيره و قد صدرت منه و ليس ذلك صفة زايدة علي ذات الانوار و المسبوقية بالغير او العدم صفات نسبية حاصلة من الحدوث و اما نفس الحدوث من حيث هو فهو محض الحاجة و الفناء و الاضمحلال و ليس هو ماهية كلية اذ الكلية جواز فرض الصدق علي كثيرين ثابتين و هو متفرع علي ثبات شئ و قوامه و لكن الحدوث محض القيام بالغير و هو بمعني الاثرية لمؤثر و نفس الاثرية لاتصير جنسا لشئ و ان كان الآثار بعضها جنسا لبعض و بعضها نوعا لبعض فافهم ذلك و ان قيل ان الحدوث ان كان نفس الذات يلزم من ذلك التفاتنا الي الحدوث حين الالتفات الي زيد و يلزم من ذلك ايضا كون كل مفتقر حادث زيدا اقول ان مفهوم الافتقار او القيام بالغير او الاثرية و ان كان غير مفهوم زيد و اما في الواقع مرجع الكل واحد فان زيدا اسم لشخص حادث بالذات يعني ان وجود زيد صادر من امر الله قائم به فوجوده لربه و هذا امر ذاتي فان نور الشمس قائم بالشمس و وجوده لها و ليس قيامه بها غير نفسه و لكنا نعبّر عنه بتعبيرات بحسب انظارنا نعم نحن في بادي النظر ربما نلتفت الي زيدية زيد و ربما نلتفت الي اثريته للعالي و ربما نلتفت الي غير ذلك و ان قلت ان كان الامر علي هذا كيف نعرف ربنا بنفسنا اقول لانعرف الذات القديمة بل غاية حظّنا معرفة النور الا انّا حين التوجه الي نوريتها نكون غافلا عن حدوثها وجدانا و هو في الخارج وجود حادث كما ان زيدا في الخارج وجود محدود بالذات و ربما تري وجوده و تغفل عن حدّه فافهم ذلك و كذلك ان زيدية زيد بتعيناته و حدوثه بصدوره من مبدئه و قيامه به فلايلزم من ذلك ان يكون كل حادث زيدا بل كل حادث اثر قائم بالمؤثر فافهم فانه دقيق .