فصل - اعلم ان الازل جل شأنه لايحدّ بشئ لانه الاحد و الاحد فوق جميع الحدود و لايعرضه شئ منها و لو نهي بحدّ منها لصار حادثا فان كل محدود متنقص كائنا من كان و كل متنقص قابل للزيادة اذ لو لميقبل الزيادة لميكن يقبل النقص و كل قابل للزيادة و النقصان حادث اذ الحادث هو الممكن المتغير و لو بالعقل فالله القديم لايحدّ بشئ مطلقا فلايسبقه شئ و لايلحقه شئ و لا اول له و لا آخر و هو الاول و الآخر يعني اول في آخريته و آخر في اوليته و هو الظاهر و الباطن و هو المحيط بكل شئ ، فليس الواحد اقرب اليه من الاثنين و لا الاثنان من الاربعة بل نسبته تعالي الي الجميع بالسوية اذ لا نسبة و هو المحيط بكلها بالاحاطة الحقيقية فهو الظاهر من الظهور و البطون و اولي بالعلانية و السرّ المكنون بل هو اولي بالخلق من انفسهم و اوجد منهم في امكنتهم [ص 459] كما في الدعاء يا من هو اوجد منّي في مكاني و قد قال الله تعالي و نحن اقرب اليه من حبل الوريد و قال الله هو الولي و انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا و قال ما من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا هو معهم و بالجملة فالاحدية معناها طي جميع ما سواها طي الامتناع و لا احد الا الله فهو الذي احاط بكل شئ و لميبق شيئا يخرج من تحت احاطته اينما تولوا فثم وجه الله ، فهو الذي ملأ اركان السرمد و الدهر و الزمان و تجلي بها لها منها فيها قال مولانا سيدالشهداء ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و قال مولانا اميرالمؤمنين و سيد الموحدين مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه او بعده ، و لعل الترديد من الراوي او منه بحسب اختلاف الحالات و قيل له ارأيت ربّك قال لماعبد ربا لماره و قال في صفة الرؤية لمتره العيون بمشاهدة العيان و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان ، و بالجملة هو تعالي اظهر من خلقه في انفسهم بل ذلك ايضا كلام محض تعبير و الا فلا ظهور لغيره حتي يقاس بظهوره تعالي و ان لابي اعلي الله مقامه كلاما في بيان الازل ارويه بلفظه في فصل خاص فان تغيير عين لفظه ظلم بشأنه فانه ليس فوقه كلام بعد كلم ساداته صلوات الله عليهم .
فصل - قال علا مقامه : و اما الازل جل شأنه العلي العظيم فلايعرف الا بكشف جميع السبحات و محو جميع الموهومات و هتك الاستار و نفي الاغيار و رفع الغبار و هو الاحد الصمد الذي لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد و هو الوجود بالذات الواجب الذي لايتغير و لايتبدل و لايزول و لايحول و هو الذات البحت البات التي لا ذات سواه و جميع ما سواه موجودات وصفية ماخلا الله جل و عز فانه الموجود بالذات البسيط الاحدي الحقيقي الذي ليس معه [ص 460] سواه ليس له مادة و لا صورة بوجه من الوجوه و لا ضدّ له و انما ضدّه ممتنع محض و ما سواه ضدّه ممكن و هو اذ هو يمتنع معه ذكر غيره فانه الوجود الحق و سواه ممتنع مطلق لا اله الا هو العزيز الجليل و كمال معرفته في توحيده و كمال توحيده في نفي الصفات عنه اذ الصفة لاتحلّ الا في موصوف و لا بدّ بينهما من الاقتران و الا لميكن الصفة صفة و لا الموصوف موصوفا و اذا جاء الاقتران جاء الحدوث لانه علامة التحديد و اذا جاء التحديد جاء الامكان لان المحدود قابل للزيادة و النقصان فاذا جاء الامكان ارتفع الوجوب و كان من عرصة الوجودات الوصفية و فوقه وجود ذاتي يقوم هذا بظهور فالوجود الذاتي ذات بسيطة بحتة باتة احدية ثابتة و هو اشدّ الاشياء ظهورا و اعظم الاشياء نورا و لكن خفي لشدة ظهوره و استتر لعظم نوره و لايفقده احد من خلقه حتي الجمادات و الجواهر و الاعراض و ان لمتقدر علي التعبير عنه و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم قال الصادق عليه السلام ما بهمت البهائم عن شئ لمتبهم عن اربع معرفتها بربها و عدّ البواقي و لسنا بصددها و ليس هو عين خلقه و ليس غير خلقه و ليس بفوق خلقه و لا تحت خلقه و لا قريبا و لا بعيدا و لا داخلا و لا خارجا و لا مناسبا و لا مباينا تعالي من هو هكذا و لا هكذا سواه و كل شئ ادركته في ادق وهمك فهو سواه مباين معه و هو اوجد في مكان وجود كل احد من كل احد و اولي بكل شئ من كل شئ و هو قول الامام عليه السلام في الدعاء انت اوجد مني في مكاني و قوله تعالي انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا ، و قول علي عليه السلام مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه و قول الحسين عليه السلام ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي يكون الآثار هي التي توصلني اليك ، الي ان قال : عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و قال تعالي اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد [ص 461] الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شئ محيط و قال قل ايّ شئ اكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم ، و قال ابوجعفر عليه السلام ان الله تبارك و تعالي كان و لا شئ غيره نورا لا ظلام فيه و صدقا لا كذب فيه و عالما لا جهل فيه و حيّا لا موت فيه و كذلك هو اليوم و كذلك لايزال ابدا و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي لايقدر قدرته و لايقدر العباد علي صفته و لايبلغون كنه علمه و لا مبلغ عظمته و ليس شئ غيره هو نور ليس فيه ظلمة و صدق ليس فيه كذب و عدل ليس فيه جور و حق ليس فيه باطل كذلك لميزل و لايزال ابد الآبدين الخبر ، فافهم هذا الرمز المبهم و السرّ المنمنم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و ان لمتكن من فرسان هذا الميدان فلاتخض في لجة دأماء هذا السرّ الاعمي و ليس درك ذلك شأن واحد من المدارك و لايصل غير الفؤاد هنالك .
فصل - اعلم ان الله سبحانه ركّب الانسان من شأن الدنيا و شأن الآخرة فظاهره العبودية و هي جوهرة كنهها الربوبية ففيه جميع ما في الملك من الغيب و الشهود و شاهد و مشهود و نور الله المعبود ففي درك هذه المقامات لاتحتاج الي السفر الي ما هو خارج منك و لكن
دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
فاذا نظرت الي جسمك العنصري و صفاتك و افعالك و صورك المختلفة و نسبت بعضها الي بعض تري زمانيتك فان الزمان ليس الا امتداد نسبها و ليس هذا الامتداد ذاتيتها بل هو صرف عرض يحصل من النسبة فهو في الواقع من مقولة الاضافة كما قيل فانت اذا نظرت الي الشئ قاطعا نظرك عن النسبة لاتري زمانا و ان كان في الخارج في عرصة الزمان كالابوة مثلا فانك اذا لاحظت زيدا قاطعا نظرك عن ابوتها لاتريٰها و لاتدرك غير زيد و ان كان في الخارج [ص 462] اباعمرو ثم اذا كررت النظر بعد اولي و نسبتها الي النفس تريها دهرية و لا شك انك لاتكاد تنسبها الا بعد ملاحظة النفس فيها و لاتريٰها الا بعد الغضّ عن خصوصيات الصفات و الا فلاتري النفس فلاتقدر علي نسبتها اليها و مثال ذلك الجسم المطلق و الاجسام الجزئية فانك اذا نظرت الي الاجسام المقيدة و قطعت النظر عن قيودها التي هي انيّاتها و ما به امتيازها و نسيت كلها و رأيت الجسم الظاهر فيها منها رأيت الجسم المطلق المتجلي فيها و هذا هو المسمّي بالدهر و كذلك الامر في نفسك و صفاتك التي هي ظهوراتها و قيودها ثمّ اذا رددت نظرة بعد نظرة و لاحظت وجود النفس و انها موجودة تري سرمديتها فان وجودها لايتغير عن الوجود اذ لاينقلب عدما ابدا ابدا ثمّ اذا نظرت الي نفسك و قطعت نظرك عن جميع القيود و الاعراض حتي عن نفسك و لمتلتفت اليها حتي انك لمتر بعينها من غاية اعراضك عنها فلمتر سوي حق الوجود الصرف البحت البات فهذا هو نور الله الظاهر لك و آيته فيك و هو وجدانا لايكون من حدودك و مقاماتك بل هو آية الله من دون ملاحظة الآئية و لذلك توحّد الله تعالي بها و ذلك غاية جهدك و منتهي حظّك من توحيدك و لميكلفك الله بغير ذلك و انت توحّده في الواقع بها و تعرف احديته و عدم شريك و نظير له و تنزهه حتي عن صفات الربوبية و لكن مع ذلك هو وجودا من مقاماتك و آية الله المتعلقة بك و نفسك التي قال من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في انفسكم افلاتبصرون و ليس المقام محل بسط هذه المسألة اكثر من ذلك و انت بعينك هذه تثبت الربوبية و صفات الرب و قدمه و احديته و لو وجدانا و ان كان في الوجود هذا الوجود في الواقع لك و الله تعالي منزّه عنه ايضا فتدبر فظهر لك و الحمد لله انك تجمع جميع المقامات في نفسك و كلها ثابتة لك و من ذلك تعرف ثبوت جميع اعمالك و افعالك لك في الآخرة و شهادة الايدي و الارجل يوم يقوم [ص 463] الاشهاد و وجدوا ما عملوا حاضرا و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
في بيان القدم و الحدوث و قد جري عادتهم علي ذكرهما في الامور العامة و قد جرينا مجريٰهم ايضا ففيه مطلبان :
في بيان القدم و فيه فصول :
فصل - قال في المعيار : قدم الشئ ككرم و المصدر كعنب و سحابة : خلاف حدث كتقادم علي تفاعل فهو قديم ، الي ان قال : و القديم ايضا هو الغني المطلق القائم بنفسه و عيب قديم ايضا اي سابق زمانه متقدم الوقوع علي وقته و قال في المجمع قدم الشئ قدما وزان عنب فهو قديم و تقادم مثله و عيب قديم اي سابق و زمانه متقدم الوقوع علي وقته و القديم من اسمائه تعالي و هو الموجود الذي لميزل و ان شئت فسّرته بالموجود الذي ليس لوجوده ابتداء و اصل القديم في اللسان السابق فيقال الله قديم بمعني انه سابق الموجودات كلها ، الي ان قال : و القِدم بالكسر خلاف الحدوث و قال ابوالبقاء القديم هو عبارة عما ليس قبله زمانا شئ و قد يقال علي ما مرّ عليه حول و لهذا قالوا من قال كل عبد قديم لي فهو حرّ ، يحمل علي من مضي عليه عنده سنة و قد يطلق علي الموجود الذي لايكون وجوده من الغير و قد يطلق ايضا علي الموجود الذي ليس مسبوقا بالعدم و الاول هو القديم بالذات و هو الله و يقابله الحادث بالذات و الثاني هو القديم بالزمان و يقابله المحدث بالزمان و الله سبحانه كان موجودا قبل خلق السموات قبلية بالزمان المقدّر عندنا و القديم الزماني لايحتاج الي المؤثر عندنا خلافا للفلاسفة و الاصحّ ان القِدم صفة سلبية اي ليست بمعني انها موجودة في نفسها كالعلم مثلا و انما هي عبارة عن سلب العدم السابق للوجود او عدم الاولية او عدم افتتاح الوجود او استمرار الوجود في الماضي و الكل بمعني واحد في حقه تعالي باعتبار ذاته و صفاته و في حديث ابيهريرة عدّ القديم في التسعة و التسعين [ص 464] انتهي ، هذا غاية حظ ابيالبقاء من علمه و لانحتاج الي نقض قوله و ابرامه و الحق سيظهر لك مما سيأتي ان شاء الله و هذه اقوال اهل اللغة و لكنها مشوبة بالاصطلاح و ما يظهر نوعا من اقوالهم و مواضع استعمال القديم في الكتاب و السنة و لغة العرب انهم يستعملونه بمعني السابق كما سيأتي ان شاء الله و قد فصّل الآخوند رحمه الله معناه و معني الحدوث و اروي كلامه هنا في فصل خاص .
فصل - قال الآخوند (ره) : الحدوث و كذا القدم يقالان علي وجهين احدهما بالقياس و الثاني لا بالقياس فالاول كما يقال في الحدوث ان ما مضي من زمان وجود زيد اقلّ مما مضي من زمان وجود عمرو و في القدم بعكس ذلك اي ما مضي من زمان وجود شئ اكثر مما مضي من زمان وجود شئ آخر و هما القدم و الحدوث العرفيان و اما الثاني فهو علي معنيين احدهما الحدوث و القدم الزمانيين و ثانيهما الذاتيين فمعني الحدوث الزماني حصول الشئ بعد ان لميكن بعدية لاتجامع القبلية اي بعد ان لميكن في زمان و بهذا التفسير لايعقل لاصل الزمان حدوث لان حدوثه لايعقل و لايتقرر الا اذا استمر زمان قارنه عدمه فيكون الزمان موجودا عند ما فرض معدوما هذا خلف و لذلك قال المعلم الاول للمشائين من قال بحدوث الزمان فقد قال بقدمه من حيث لايشعر لانك ستعلم في مباحث الزمان ان الموصوف بالقبلية و البعدية انما يكون نفس الزمان بمعني ان ذلك من الاوصاف الذاتية لماهية الزمان فضلا عن وجودها بل كل جزء من اجزاء الزمان نفس القبل و القبلية باعتبارين بالقياس الي ما سيأتي منه و نفس البعد و البعدية باعتبارين بالقياس الي ما مضي منه فلايعتريه حدوث بالقياس الي العدم و ان كان الحدوث و التجدد عين ذات الزمان و الحركة و الزمان ليس بامر زايد علي الحركة في الوجود بل بحسب الذهن فقط لانه من العوارض التحليلية لماهية الحركة و معني القدم الزماني هو كون الشئ بحيث لا اول لزمان وجوده و الزمان بهذا المعني ليس بقديم لان الزمان ليس له زمان [ص 465] آخر و كذا المفارقات عن المادة بالكلية ليس لوجودها زمان لكونها اعلي من الزمان فما قال صاحب المطارحات من انه لايخرج شئ من القدم و الحدوث علي الاصطلاحات كلها خطاء و ستعلم ان لا قديم بهذا المعني في الوجود و ثانيهما الغير الزمانيين و يسمّيان بالحدوث الذاتي و القدم فالحدوث الذاتي هو ان لايكون وجود الشئ مستندا الي ذاته بذاته بل الي غيره سواءا كان ذلك الاستناد مخصوصا بزمان معيّن او كان مستمرّا في كل الزمان او مرتفعا عن افق الزمان و الحركة و هذا هو الحدوث الذاتي ، انتهي كلامه اقول و قوله هذا بعضه مخدوش و بعضه صحيح و سيظهر لك مما سيأتي ان شاء الله الحق في المقام .
فصل - اعلم ان القديم علي ما عرفت سابقا قد يطلق في الزمان و يراد منه العتيق و يقابله الحديث و قد يراد منه ما مضي عليه ستة اشهر و بذلك نزل الكتاب و ورد السنة قال الله تعالي و القمر قدّرناه منازل حتي عاد كالعرجون القديم ، و عن الرضا عليه السلام قيل له ما تقول في رجل قال عند موته كل مملوك لي قديم فهو حرّ لوجه الله فقال ابوالحسن ما ملكه لستة اشهر فهو قديم و هو حرّ قال و كيف صار كذلك قال لان الله تعالي يقول و القمر قدرناه منازل حتي عاد كالعرجون القديم سمّاه الله قديما و يعود كذلك لستة اشهر الخبر ، فظهر من الآية الكريمة ان القديم يطلق بمعني العتيق و في الخبر انه ما مضي عليه ستة اشهر و ظهر من ذلك بطلان كلام ابيالبقاء انه ما مضي عليه سنة خاصة و من هذا الباب ما يقال ان هذا اقدم من هذا و هذا اقدم من هذا و هذا القديم في الواقع حادث زماني اذ يراد منه ما مضي عليه من الايام اكثر من غيره فهو حادث اذ يمضي عليه الايام فكل ما كان عمره اكثر فهو اقدم لا محالة فكأنه بمعني التقدم و يقابله التأخر و قد يطلق و يراد منه المخلّد الذي لا نفاد له و لايسبق بعدم اي امكان سابق عليه و ان كان قائما بغيره كما في مجموع الملك فانك اذا نظرت الي جميع ما سوي الله تري انه لميمض عليها [ص 466] وقت لمتكن بل هي في مقام الخلقية ابدية سرمدية و لاتسبق بعدم اذ عدمها الذي هو الامكان منها فمجموعها مخلوق لا من شئ كما في الخبر لا من شئ كان و لا من شئ كوّن ما قد كان و العدم هو شئ في الواقع كما في الخبر ان النفي شئ ، الا انه يسمّي باللاشيء و يراد منه اللاكون اي لايكون متعينا متكونا و لكنه شئ في الواقع و هو من الملك اذ هو مادة الاكوان و لكنك اذا نظرت الي مجموع الاكوان و الامكان فلاتري عدما بل تريٰها دائمة متأبدة بالخلود فيسمّي مجموع الملك بالقديم و بذلك وردت الاخبار كما في الدعاء لصاحبالزمان عجّل الله فرجه بنور وجهك المنير و ملكك القديم و في دعاء عقيب الوتر اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود ، و في بلد الامين في دعاء عقيب الافطار اسألك باسمك الكبير و بنور وجهك الكريم و ملكك القديم ، و بهذا اللفظ و المعني دعوات عديدة فملك الله ابدي و لا اول له و لا آخر و لا سابق له من الخلق و لا لاحق و هو مع ذلك حادث في ذاته و سيجيء بيانه ان شاء الله فمعني قدم الملك ثبوته دايما في مقامه فهو سرمدي و ذلك بالنسبة الي مجموع الملك و اما اجزاؤه فلاتكون قديمة بهذا المعني اذ بعضها حوادث دهرية و بعضها زمانية و بهذا المعني القدم يثبت لمجموع الملك لا غير قال السيد السند اعلي الله مقامه ما حاصل كلامه : القديم يطلق عند اهل البيت عليهم السلام علي امور منها السابق بستة اشهر و منها السابق علي الزمان و الزمانيات ، اللهم اني اسألك باسمك العظيم و ملكك القديم ، اذا اريد المطلق ليشمل الملكوت و الجبروت او يخصّ بالاجسام و لا شك ان مباديها من عالم الغيب لامتناع اتصاف الجزئيات به و منها السابق علي المقيدات في دعاء الثابت البات استخلصه في القدم علي ساير الامم و منها المستقل الثابت المتحقق المتأصل الغير المستند الي شئ و الغير المعتمد علي شئ و الغير المتقوم بشئ و الغير الصادر عن شئ و الغير الخارج من شئ و الغير المنتهي الي شئ و هو [ص 467] القديم الحق الثابت الازلي الابدي الي آخر كلامه ، اقول القدم الذي نريده في المقام هو هذا القدم و هو قدم الذات ذات الله تبارك و تعالي و هو بمعني غير المعني الجايز في الخلق فانه كل ما يجوز في الخلق لايجوز في الله تعالي بل يمتنع منه كما ان كل ما يجب في الله تعالي لايجري في الخلق ابدا و قدم الذات تعالي بانها قائمة بنفسها لنفسها و قدم مجموع الملك بانه ثابت قائم باقامة الله تعالي و الفرق بينهما كثير و ابيّن لك مثالا و لله المثل الاعلي فاعلم ان السراج له نور ثابت له بانارته و اشراقه و هو ما دام موجودا يشرق و يضيء لان نوره كماله و لايفقده ابدا و هو معه اينما كان و لكن السراج قائم بنفسه و في نوره و وجوده لايحتاج الي الانوار و بالنسبة اليها لا بدأ له يعني منها و لا عود له اليها و هي محتاجة في وجودها الي الشعلة و بقاؤها بها و بدؤها منها و عودها اليها كما في دعاء رجب و بآياتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك ، فالفرق بين الآية و ذي الآية ان وجود الآية قائم بوجود ذي الآية يعني ان تمام وجودها نورها و شعاعها و منها بدئت و اليها تعود و لكن لميمض علي المنير الذي هو ذو الآية حين لميكن له نور و شعاع بل ما دام وجوده له نور و لكن نوره في يده و يفعل به ما يشاء فتدبر فهذا هو الفرق بين النور و المنير فاذا عرفت ذلك فاعلم ان مجموع ملك الله تعالي نوره لا بمعني صدوره من وجهه كصدور نور الشمس و السراج منهما بل بمعني انه تعالي خلقه في مقامه لا من شئ و الخلق لا من شئ ثابت قايم لايزول و هو قائم بالله تعالي قيام النور بمنيره و ان ابيت الا البرهان الجدلي فاقول لو لميكن لله تعالي ملك حينا مّا للزم عدم وجوده ابدا ابدا لان الملك بنفسه غير موجود و المعدوم الصرف بنفسه لايقتضي الوجود اذ الاقتضاء صفة قبول و هي فرع وجود الشئ المقتضي و لو لميكن فلا اقتضاء و ذات الله تعالي [ص 468] ايضا من نفسها لاتقتضي شيئا ابدا اذ الاقتضاء قبول القضاء و لا قاضي للذات غيرها مع ان اقتضاء امر بعد عدم الاقتضاء يقتضي تغيّر الحال و يلزم من ذلك توارد الاعراض عليها و سبحان الله عما يصفون و يلزم ايضا سبق حال حالا و يلزم من ذلك توالي الاوقات المختلفة و هي لازمة الزمان و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فالله تعالي لايقتضي بذاته و لولا ملك لماوجد مقتضٍ لوجوده ابدا و الله لايوجد من نفسه شيئا ابدا و لذلك قال في محكم كتابه قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فيلزم من ذلك دوام الملك و ذلك قوله عليه السلام لايزول ملكك و لايبيد عزك و في دعاء الجوشن يا من لايدوم الا ملكه ، فملكه تعالي دايم لايبيد و لايزول و لا اول له بمعني انه لميكن وقت او مقام لميكن فيه ملك لله و لا آخر له بمعني انه لايأتي وقت لميكن لله تعالي ملك و ما تري من فناء الموجودات فهي لاتفني بمعني الانعدام او الامتناع بل تنتقل من دار الي دار فانك نزلت من الآخرة الي الدنيا و تصعد من الدنيا الي الآخرة و لاتكاد تفني و قد قال عليه السلام خلقتم للبقاء لا للفناء و انما تنتقلون من دار الي دار ، فتدبر فملك الله تعالي دائم لايزول و لكنه مع ذلك حادث يحتاج الي ربه تعالي .
فصل - اعلم ان القديم الحقيقي الذاتي هو الغني المطلق الذي لايحتاج في وجوده الي غيره و القائم بنفسه لنفسه الذي لايسبقه شئ غيره و الذي وجوده لايكون مقتبسا من غيره و هو الاحد جل شأنه و كذلك الله ربنا و لا شريك له من خلقه و بيان ذلك علي وجه الحكمة ان الله تعالي هو الاحد الحقيقي و الاحد لايحدّ بشئ مطلقا من جهة من الجهات و حيث من الحيوث اذ لو كان محدودا من حيث و جهة للزم تركيبه كما مرّ مفصلا في التوحيد و الاشارة اليه في المقام ان كل محدود له نهاية اذ ليس الحدّ الا النهاية و اذا انتهي الشئ الي شئ للزم عدم وجوده وراء حدّه و الا لماكان محدودا به و لوجد له آخر [ص 469] و كل ما يوجد له آخر يوجد له اول و الا للزم ثبوت آخر بلا اول و نهاية بلا بداية و هذا محال و كل ما يثبت له بداية و نهاية فهو مركب من اجزاء لا محالة اذ يثبت بينهما ايضا اوساط و كل ذي اجزاء مختلفة حادث لانها مركبة و المركَّب يحتاج الي مركِّب اذ الاجزاء من انفسها لاتقتضي الاتصال اذ لو كانت مقتضية لذلك لماانفصلت و علي فرض اقتضائها من جهة لاتقتضيه من ساير الجهات فلا بدّ من وجود جامع مركب لها و كلامنا في المركِّب علي صيغة الفاعل فان قلت انه ايضا مركب علي صيغة المفعول ننقل الكلام اليه حتي ينتهي الي من لا سابق له فهو لايكون مركبا البتة لبطلان التسلسل و الدور كما لايخفي فالله الذي هو خالق كل شئ و مُركِّبه لايكون مُركَّبا بالفتح فلايكون محدودا مطلقا فاذا اثبتت للاحد جل شأنه اول وقت ينتهي اليه لا محالة فيثبت له اول و يثبت له آخر لا محالة فيكون له وقت معدود ، هذا و نقول فوق الاول يثبت وقت ام لا فان قلت لا فاقول ان هذا محال ان يثبت اول بلا نهاية و الا فلايكون اولا ، بيان ذلك ان الاول ما يكون له ثان فيكون محدودا بالثاني من جنبه فله جنب آخر لا محالة فيكون الي شئ فهل يكون الشئ عدما او وجودا فان قلت انه عدم اقول ان الموجود لاينتهي الي المعدوم و ان قلت انه موجود فهو وقت آخر فهو وقت لايّ شئ هل يكون فوق الواجب تعالي شئ موقت ام لا فان قلت لا لزم ثبوت وقت بلا موقت و هذا خلف و ان قلت نعم اثبتت فوق الواجب تعالي شيئا و هذا خلف و بالجملة و نقول ايضا ان المحدود من حيث محدود من كل حيث فان ما يكون محدودا في زمانه يكون محدودا في مكانه لا محالة اذ المكان و الزمان حدّان متلازمان متشابهان و ما يكون محدودا فيهما يكون محدودا في الكيف لان الكيف صورة و الوقت ايضا من الصورة و ما لميكن الكيف متعينا لايكون الوقت محدودا و الوضع ايضا ملحق بالكيف و كذلك الكمّ و ساير الاعراض فيصير الشئ محدودا من كل جهة [ص 470] فان اثبتت لله وقتا معينا للزمك اثبات حدود مختلفة و نهايات عديدة فيصير الاحد محدودا و هذا محال من القول فالله تعالي لايصير محدودا مطلقا فهو القديم جل شأنه هذا بيان جدلي ظاهري و اقول بلسان الحكمة انه تعالي حق الوجود و الوجود الحق و ليس لحق الوجود نهاية و غاية فانها ان كانت موجودة فهي من صفات الوجود الحق و آياته و ان لمتكن موجودة فهي ممتنعة فلاتنتهي الي الممتنع و الموجود و بلسان ارفع و اعلي مع اهل المعرفة اقول ان ما سوي الله ممتنع و هو لاينتهي الي نفسه و لا الي غيره اذ لا غير له فهو القديم الذي لا اول له و لا آخر و هو الاول و الآخر و الباطن و الظاهر و هو بكل شئ عليم .
فصل - اذا عرفت معني القدم الحقيقي فاعلم ان قدمه تعالي ليس معني زايدا علي ذاته و لا موجودا عقليا اما بطلان الاول فظاهر و قد مرّ قليل من كثير في بيانه و لو كان القدم غير نفس الذات للزم عدم كون الذات قديمة في ذاتها ثمّ نقول يلزم من ذلك ان تكون موصوفة بغيرها و يكون الصفة الذاتية زايدة علي الذات و يلزم من ذلك تركيب الذات ثمّ نقول ايضا ان القدم ان كان غير الذات يلزم ان يكون محدودا بها متناهيا اليها و الذات ايضا ان كانت غير القدم يلزم انتهاؤها الي القدم و قد عرفت سابقا ان كل متناهٍ محدود و كل محدود مركّب و كل مركب حادث و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فيبطل بذلك القدم فيلزم ان يكون القدم عين الذات و قد مرّ سابقا في بيان الازل ايضا شطر من البيان فراجع و كذلك نقول في الاحتمال الثاني انه موجود عقلي ان العقل ينتزعه من الخارج او في نفسه يعرفه من دون الانتزاع فان قلت بالاول فاقول اما اولا يلزم من ذلك درك العقل للذات و هذا محال و اما ثانيا فيلزم من ذلك ثبوت الوجود الخارجي و ان قلت بالثاني اقول يلزم من ذلك عدم كون الذات قديمة في نفسها لولا عاقل و قد اشرنا سابقا الي اصل بطلان كون الشخص عاقلا [ص 471] ما لا وجود له في الخارج فان العقل لايدرك في نفسه غير نفسه و لايزيد عليها و كل ما يرد عليه من الخارج يدركه و سيجيء بيان ذلك مشروحا بعد ان شاء الله تعالي في محله و بالجملة فانحصر الكلام في ان يكون الذات بنفسها قديمة و ليس معني القدم في الواقع سوي الوجود القائم الدايم و هو عين ذات الله تعالي و ليس له معني زايد علي الذات حتي يرد عليه انا نعرف الذات و لانعرف القدم فتدبر و قال بعض في القدم انه صفة سلبية معناها عدم الحاجة و ذلك من قصر النظر و قلة الفكر فان عدم الحاجة ليس الا بالغني فانه ما لميستغن الشئ لاينعدم حاجته و لايتصور عدم وجود الحاجة مع عدم الغني و ان هو الا نفس الغني فانه ليس معني ثالث و ما سمعته منا انا نقول ان الله تعالي منزّه عن الضدين نريد من ذلك انه لايثبت له صفة كمال تقابل عدمها كسمع مقابل للصمم و بصر مقابل للعمي لانها من خواص المخلوقين و لكن نثبت له سمعا لايقابله الصمم و بصرا لايقابله العمي و علما لايقابله الجهل بمعني انه واجد لكمال ليس في قوته النقص بخلاف كمالات المخلوقين فانها في قوتها النقص و كذلك الامر في غناء الله فان غناءه لايقابله الفقر مطلقا بل هو غناء فوق غناء المخلوقين و فقرهم فان غناءهم في عين فقرهم و فقرهم من طبعهم و الله عز و جل غني بالذات واجد لكل الكمالات بالفعل في عين تنزهه عن الصفات و ارتفاع ذاته عن السمات و هذه مسألة شريفة لمانوه بحقيقتها في مقام و احببت الاشارة اليها في ضمن الكلام بقدر ما يقتضيه الزمان و يساعد افهام الاخوان و افرد لبيانها فصلا .
فصل - قال السيد الاستاد رفع الله مقامه في شرحه علي الخطبة عبارة عجيبة غريبة في مقام بيان السرّ ارويها بعينها ، قال في بيان الحديث الشريف ما معناه ان المؤمن لايكون كامل الايمان حتي يشهد الف صديق بانه زنديق ، انه لايظهر منه كلمات توجب ذلك حاشاه لانه من اهل السرّ و هو بنور التوسّم [ص 472] يعرف المتحمل من غيره فلايذيع سرّ اهل البيت عليهم السلام و ذلك من افسق الفسق و المؤمن اجل من ذلك قال ما عبارته : بل المراد ان عنده ما لو اظهره للناس لشهد الف صديق بانه زنديق حيث ينزّه الحق سبحانه عن كل اوصافهم و هم انما اثبتوا تلك الاوصاف زعما منهم بان الربوبية لاتكون بغيرها و الذات الكاملة يمتنع ان لايكون لها صفات كمالية فاذا وجدوا عنده مخالف معتقدهم و انه سبحانه منزه عما يقولون قدروا بانه كافر زنديق مع ان قوله هو الحق و الله عز و جل يقول سبحان ربك رب العزة عما يصفون فاذا اتي العارف الكامل البالغ و قال انه سبحانه منزّه عن التنزيه و ليس مقام التنزيه مقام التوحيد فيقدر اهل التنزيه بان ذلك كفر و زندقة و اذا ذكرت لاهل هذه المرتبة ما لاينطق به فمي و لايجري به قلمي يقدرون ان هذا تشبيه و كفر بل يحكمون علي السفاهة و الجنون ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه و روحي فداؤه ما اعظم كلامه و احلٰي بيانه و انا اشير ببركة تعليمه الي ما لمينطق به في المقام و لميجرِ قلمه علي المرام من تلويحاته في سائر عبائره ان التنزيه الصرف بان تقول انه تعالي مبرأ عن كل صفة بعيد عن كل اسم و وسم تعطيل و توصيفه بالصفات و تسميته بالسمات تحديد و تشبيه و التوحيد اخراجه عن الحدّين حدّ التعطيل و حدّ التشبيه لا بان تصفه بصفة بين التنزيه و التشبيه كما فعل الآخوند رحمه الله فانه تحديد بحدّ بين الحدين و ذلك حدّ و قد مرّ في التوحيد بيان بطلان تنزيه الآخوند (ره) و لكني اقول بنحو التعمية ان التسبيح و التقديس دون ذات الله و الله تعالي عن التنزيه كما صرّح به في كتابه الحكيم حيث قال سبحان الله عما يصفون و قال سبحان ربك رب العزة عما يصفون فانه قد قدّس نفسه تعالي عن جميع ما يعبّرون به عنه فان جميع ما قالوه كلها مما عبّروا به و هو تعالي بخلاف جميع ما عبرته الالسن اذ لا تعبّر الا عن المشاعر النفسانية و لاتدركه الاوهام و لاتحيط به الاحلام و قد عجز عن تكنيهه ثواقب الافهام فجميع [ص 473] تنزيهاتهم مما ادركوه بافهامهم و العقول لاتعني من التنزيه الا خلو الشئ عن الصفات و عريه عنها فقده لها و الفقدان هو صفة النقص و لذلك زعم واحد من المدققين في توصيفه انه تعالي قوة الكمالات فان العقل لاينزّه الا بسلب الصفات النفسية الصورية و اثبات التجردات المادية المعنوية بل الافئدة عاجزة عن التنزيه اذ تنزيهها سلب جميع الصفات المعنوية و الصورية و الكلية و الجزئية و اثباتها اثبات الحقيقة الجايزة بل الحقيقة التي هي قوة كل كمال و ذلك عين النقص لله تعالي فكيف يدرك احد كنه تنزهه تعالي فلذلك قال تعالي سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون مطلقا بل لو انصفت و اخلصت قلبك لرأيت انه نزّه ربّ محمد صلي الله عليه و آله اذ اضاف الرب الي كاف الخطاب ثمّ وصفه بالعزة و النبي هو حامل صفة عزته تعالي فاذا كان ربّ محمد صلي الله عليه و آله و هو نفسه منزها عما يصفون فكيف بالله تعالي فافهم فتنزهه تعالي ليس بالفقدان و لكنه بعين الوجدان و ذلك ظاهر لمن كان له عينان و قد بيّن ذلك في الآية و قال بعد التنزيه و سلام علي المرسلين اذ وصفوه بما وصف به نفسه و الحمد لله ربّ العالمين و الحمد هو اول كماله و آيته العليا و نعمته العظمٰي و صفته الخصي فاختاره لنفسه من بين كل التسبيحات و التنزيهات فالحمد اشرف و اعمّ من كلها و لذا صار آخر دعوي اهل الجنة فان تحيتهم فيها سلام و آخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين ، فليس لهم بعد هذه الدعوي دعوي اذ قال الله آخر دعويهم و هذا الحمد الذي هو لله هو آخر التسبيح و منتهي درجة التنزيه اذ رأيت انه تعالي سبّح نفسه عن كل تنزيه و تقديس و اختار الحمد و هو لله و هو غير ذاته فالمنزه بالتنزيه غير الذات و الذات عليّة عن التنزيه و التقديس و المنزّه هو قميص الظهور و مبدأ النور فالذات لاتكون موصوفة و لاتكون عارية و لاتكون معطلة و لاتكون محلاة بل الله تعالي كما وصف نفسه ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و نسب نفسه في سورة الحديد بسملة سبّح لله ما في السموات و ما في الارض [ص 474] و هو العزيز الحكيم له ملك السماوات و الارض يحيي و يميت و هو علي كل شئ قدير هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم هو الذي خلق السموات و الارض في ستة ايام ثم استوي علي العرش يعلم ما يلج في الارض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و هو معكم اينما كنتم و الله بما تعملون بصير له ملك السموات و الارض و الي الله ترجع الامور يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و هو عليم بذات الصدور و هذه آيات النسبة و قد علم الله انه يأتي قوم في آخر الزمان يتعمقون في التوحيد فانزلها الله و سورة النسبة لهدايتهم و دلالتهم و الحمد لله الذي هدانا لمعرفتها فانظر فيها و تدبر افلايتدبرون القرآن ام علي قلوب اقفالها و لعمري لميصنف كتاب بوضوح القرآن في بيان التوحيد ،
و لقد عجبت لهالك و نجاته موجودة و لقد عجبت لمن نجا
و من لميهده القرآن لايهتدي ببيان و من لميؤمن به لايؤمن بقول اهل العرفان و اسأل الله الهداية و الثبات علي التوحيد و تنوير قلوبنا بنور التفريد و ان يلهمنا الرأي السديد في كل مقام بحق الولي الرشيد و السيد العميد فافهم فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ، فجدد بهذه الرموز دين التوحيد حتي يظهر لك الامام الوحيد سلام الله عليه الشرع الجديد و الكتاب الجديد و هو علي العرب شديد .
في بيان الحدوث و فيه ايضا فصول :
فصل - في معني الحُدوث ، قال في المعيار : الحديث كامير ضدّ القديم كالحادث كفاعل نعتان من حَدَثَ كنصر و المصدر كسرور و سبب و سحابة و بشرٰي و فاعلة و خصيصي ، الي ان قال و الشئ : تجدد وجوده بعد ان لميكن و منه يقال حدث به عيب اذا تجدد و كان معدوما قبل ذلك ، و الامر : وقع و اما في الاصطلاح فقد ظهر مما مرّ و ازيدك هنا بحكاية قول شارح التجريد قال كل من القدم [ص 475] و الحدوث قد يؤخذ حقيقيا و قد يؤخذ اضافيا اما الحقيقي فقد يراد بالقدم عدم المسبوقية بالغير و بالحدوث المسبوقية به و يسمّي ذاتيا و قد يخصّ الغير بالعدم فيراد بالقدم عدم المسبوقية بالعدم و بالحدوث المسبوقية به و يسمّي زمانيا و هذا هو المتعارف عند الجمهور و اما الاضافي فيراد بالقدم كون ما مضي من زمان وجود الشئ اكثر مما مضي من زمان وجود شئ آخر فيقال للاول بالنسبة الي الثاني قديم و للثاني بالنسبة الي الاول حادث و القديم الذاتي اخصّ من الزماني و الزماني اخص من الاضافي فان كل ما ليس مسبوقا بالغير اصلا ليس مسبوقا بالعدم و لا عكس كما في صفات الواجب و كل ما ليس مسبوقا بالعدم فما مضي من زمان وجوده يكون اكثر بالنسبة الي ما حدث بعده و لا عكس كالاَب فانه قديم بالنسبة الي الابن و ليس قديما بالزمان و الحدوث الاضافي اخصّ من الزماني و الزماني من الذاتي فان كل ما يكون زمان وجوده الماضي اقل فهو مسبوق بالعدم و لا عكس فان الاب مقيسا الي ابنه فرد من افراد القديم الاضافي و ليس فردا من افراد الحادث الاضافي مع انه حادث زماني فوجدنا فردا من افراد الحادث الزماني لايصدق عليه الحدوث الاضافي فان الاب اذا صدق عليه الحدوث الاضافي فذلك انما يصدق اذا قيس الي ما قبله كابيه مثلا فهناك امران احدهما الاب مقيسا الي ما بعده و هو فرد من افراد القديم الاضافي و لايكون فردا من افراد الحادث الاضافي و الآخر الاب مقيسا الي ما قبله و هو فرد من افراد الحادث الاضافي و ليس فردا من افراد القديم الاضافي و الحاصل ان الاب من حيث انه اب لابنه قديم اضافي و ليس حادثا اضافيا فالاب المأخوذ بتلك الحيثية هو مادة افتراق الحادث الزماني من الحادث الاضافي و كل ما هو مسبوق بالعدم فهو مسبوق بالغير و لا عكس .
تنبيه - قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه : و تقسيم الحادث الي ذاتي و زماني و ان كان لا مشاحة في الاصطلاح و ان الامر قد كان بان الله سبحانه خلق [ص 476] خلقا قبل الزمان و خلقا مع الزمان الا انه ليس بشئ لاثارته شبهة القدم عند من ليس ثابت القدم لان العبارة الحق ان كل ما سوي الله سبحانه مخلوق فقولهم ذاتي و زماني لا اصطلاح فيه الا كما قال علي عليه السلام العلم نقطة كثّرها الجاهلون او الجهّال و اما انه علي الحقيقة ليس بصحيح فلأنه اراد حصر الحوادث في الكاينات في الزمان و ليس بصحيح و قال اعلي الله مقامه في القطيفية ما خلاصته : الحادث اقسام حادث زماني و هو ما حدث في الزمان و هو نسبة المتغير الي المتغير و يعرف بطول مدّة القديم بالنسبة الي الحادث كالاب و الابن فان الابن حادث لقصر زمان بقائه بالنسبة الي الاب و حادث دهري كالعالم الجسماني باسرِه و هو ما حدث في الدهر و هو نسبة المتغير الي الثابت و حادث ذاتي و هو قسمان حقي اي صفة للحق و حادث حقيقي و هو ما حدث في بعد الازل و السرمد اي تحت الازل و بعده و هو الحادث الحقي تحت السرمد و بعد و هو الحادث الحقيقي و هو نسبة الثابت الي الثابت و معني حدوثه لاسيما الحادث الحقي هو استناده الي الغير لا غير لانه لميسبقه عدم و انما سبقه الوجود ، انتهي خلاصة كلامه اعلي الله مقامه و ظهر منه انه جوّز اطلاق الحادث الذاتي علي السرمديات و في قوله الاوّل ايضا لمينكره بالمرّة الا انه انكر علي وجه بيان الآخوند (ره) و سيجيء ان شاء الله في الفصل الآتي زيادة البيان .
فصل - اعلم ان تعريف الحدوث بالمسبوقية بالعدم و الغير كلاهما ناقصان اما نقصان التعريف بالمسبوقية فبانه لاينعكس لخروج مجموع الملك من الامكان و الاكوان لانها لاتكون مسبوقة بالعدم اذ المراد من العدم نفس الامكان و هو لايسبق نفسه و كذلك المشية حادثة و لاتكون مسبوقة بالعدم اذ العدم مخلوق بها و كذلك التعريف بالمسبوقية بالغير ايضا ناقص لان المشية حادثة و لاتكون مسبوقة بالغير لانها مبدء الخلق و لا مخلوق فوقها يسبقها و ان قيل ان الله عز و جل يسبق المشية اقول بلي يسبقها بسبق يكون عين التأخر [ص 477] مع انه لايغايرها فانه احد و الاحد محيط بكل المشية و المشاءات و هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و غيوره تحديد لما سواه فلايكون غير المشية و لايسبقها بالمحدودية و لكنه سابق بالاحاطة و الاولوية و الخالقية فتدبر ، فالمشية لاتكون مسبوقة بالغير و لا ذكر فوقها لشئ و هي الذكر الاول نعم يجري تعريفهم في الحوادث الزمانية لان كل شئ يحدث بعد العدم و بعد غيره ايضا و في الدهريات بالمعني الذي سنبيّنه ان شاء الله فالاولي في تعريف الحدوث ان نقول انه الافتقار و العدم بالنسبة الي الله او نقول في الحوادث الزمانية و الدهرية انها قائمة بغيرها لغيرها و في المشية انها قائمة بنفسها لغيرها و اما الحدوث الاضافي فليس له معني اصطلاحي بل هو في الواقع يجري علي المعني اللغوي فان الحادث في اللغة بمعني الجديد علي ما عرفت و يقابله العتيق و هو القديم الاضافي و كلاهما حادثان مخلوقان و اما تعيين العموم و الخصوص و ملاحظة النسب في الالفاظ فهو حظّ غيرنا و لا فضل فيه و نحن نقتصر علي الاصول لنفوز بعون الله بالمحصول ببركة آل الرسول صلوات الله عليهم اجمعين .
فصل - اذا عرفت تعريف الحدوث فاعلم ان الحدوث اقسام يحصل العلم بها من النظر الي ملك الله تعالي بعين الحكمة فمرّة ننظر الي المركبات الحاصلة في الدنيا من الجمادات و النباتات و الحيوانات و الاناسي و غيرها من حركات الافلاك و نظرات النجوم و التغيّرات الحاصلة فيها و في العناصر فنري جميعها توجد في زمان و تنعدم في زمان كما تري علانية ان زيدا خلقه الله و لميكن شيئا مذكورا و عاش مدة من الزمان و بقي برهة من الاوان ثم مات و رجع كما كان و كذلك حال غيره من المركبات الدنيوية تراها ثابتة في وقت و فانية في وقت و كذلك تري نظرات و قرانات حادثة متجددة كل حين باذن ربها و هي مما لمتكن ثم كانت و مرّة تنظر في مجموع الدنيا من العرش الي الفرش و كذلك تري موادا كلية و صورا نوعية في ضمن الصور المتممة او ماهيات [ص 478] ثابتة في جميع الحالات و الاعراض و هي كلها خارجة من الوقت الاول و لايفرض لها فناء او عدم في زمان لعدم جريه عليها فان مجموع الافلاك و الارض لايفرض عدمها في زمان اذ الزمان عرض من اعراضها و طرف من اطرافها فلايصير ظرفا لها و ان لمتدرك حقيقة ذلك فاعرفها من حركة الافلاك التي هي آية الامتداد الزماني فانها لاتثبت قبل وجودها حتي تحدّ بها بل هي من اعراض الفلك القائمة به فمجموع الافلاك و الكرسي و العرش لاتكال ازمنتها بالليل و النهار فافهم و كذلك نري في الكليات الطبيعية و الماهيات الثابتة فوق المركبات انها لاتتحلل بتحلل المركبات و تثبت وجودها في جميع الآنات كالماء بالنسبة الي المياه فان المياه المركبة الدنيوية كلها متغيرة متبدلة بمرور الازمان فيحدث ماء تارة و يستحيل الي الهواء اخري و يقطر تارة و يصير زبدا جافّا و جوهر الماء محفوظ في كل الحالات و لايتغير و لايتبدل و نسبة جميع افراد المياه الي الماء المطلق ثابتة لاتخصّ وقتا دون وقت و ليست كنسبة المياه الخاصة مسبوقة بعدم زماني او شئ ثابت قبلها بل هي نسبة باقية في كل الازمنة و كلما حدث ماء شخصي يظهر فيه و كذلك الامر في جميع الاشباح و بعد ما رأيت ذلك و دققت النظر و امعنت الفكر عرفت ان فوق هذه المواليد ايضا مخلوقات حادثة و ليس حدوثها كحدوث المواليد و مرّة تنظر الي الحقيقة و تطلع علي الدقيقة و تقطع النظر عن الافراد المقيدة المتممة و نسبها الي الجواهر فتري انفسها ثابتة كأن تري ماءا ثابتا من دون ملاحظة المياه و نسبتها اليه او تري حقيقة زيد من دون ملاحظة ما سواها و نسبها من حيث فعليتها لله تعالي و تريها ثابتة في جميع الاوقات الزمانية و الدهرية فانك قد عرفت سابقا ان الزمان نسبة متغير الي متغير يعني صفة الي صفة و الدهر نسبة متغير الي ثابت يعني صفة الي موصوف كأن تلاحظ نسبة القيام الي زيد و الحقيقة مقامها فوق كلتيهما لانك تراها ثابتة في جميع الحالات المتغيرة و نسبها فمقامها فوق الدهر [ص 479] و الزمان مع انه ايضا حادث و هذه كليات عوالم الخلق فبعد اذا نظرت الي الخلايق الواقفين في هذه العوالم الثلث و رأيت ان كلهم حوادث مخلوقون مربوبون عرفت ان حدوثهم ليس بوضع واحد و صفة واحدة مع ان جميعهم مشاركون في معني الحدوث و لذلك قلنا ان الحدوث اقسام فحدوث زماني و حدوث دهري و حدوث سرمدي فالحدوث الزماني ان يوجد الشئ بعد عدمه في الزمان كما انه قبل عدمه ايضا فالمولود الزماني هو الموجود بين العدمين يعني عدم نفسه و اما الدهريات فلايفرض عدم وجودها في وقت زماني فان كل مولود دهري نسبته الي جميع الزمانيات بالسواء كالماء فان نسبته الي المياه التي كانت قبل آدم و بعده بالسواء فلايتصور عدمه في زمان من الازمنة و لكن من باب ان مقامات الدهريات بحسب احاطتها و كليتها و جزئيتها مختلفة و بعضها ابسط من بعض و كذلك بعضها اصل بعض و بعضها فرع بعض و بعضها مادة لبعض يقال ان كل دهري مسبوق بما هو فوقه فالعنصر المطلق سابق علي الماء و الجسم سابق علي العنصر و المثال سابق علي الجسم و هكذا مع ان كل واحد ثابت في مقامه ابدا زمانيا بل دهريا فنقول انها ليست حادثة بالحدوث الزماني و لكنها حادثة دهرية يعني كل واحد منها معدوم في اعلاه ثابت في مقامه فهو مسبوق بالعدم اي عدم وجوده و مسبوق بالغير بمعني ان فوقه موجود غيره و يثبت الحدوث للدهريات بمعني آخر ايضا و هو ان كل دهري في عرضه دهريات مخلوقة من مادة واحدة كالانواع حتي ينتهي الي دهر الدهور الذي ليس في عرضه شئ كالمطلقات الكلية الثابتة في السلسلة العرضية المترتبة او الطولية فان كل واحد منها فرد في مقامه كالطبيعة الكلية فانها منفردة في مقامها و ان كان دونها و فوقها خلق و الروح الكلي و النفس الكلية و العقل الكلي فانها منفردة في مقاماتها و ليس في عرضها شئ و لكن الامر في الدهريات النسبية ليس هكذا كالماء المطلق مثلا فانه دهري في حدّه و في عرضه اخواته [ص 480] فان النار ايضا دهرية و التراب و الماء ايضا دهريان و مع ان كلها في عرض واحد لاشتراكها في المادة مع اختلافها في الصورة فهي حادثة ايضا في مقامها بسبب محدوديتها في صورتها فالماء معدوم في التراب محدود بسيلانه و برده و التراب محدود بيبسه و برده و هكذا و لذلك يكون كل واحد منها موجودا في مقامه و حدّه معدوما في مقام اخواته و ذلك ايضا وجه من وجوه الحدوث فان القدم بمعني الوجود الثابت المطلق القايم بنفسه لنفسه فلايخلو منه مكان مع انه لايحويه مكان و ذلك مخصوص بالله فانه حيث ما يبتغي يوجد فافهم ذلك و بالجملة فمثل هذه الحوادث تسمّي حوادث دهرية يعني اوقاتها طويلة و الطويل الحقيقي في عرصة الطول فان في عرصة العرض كل طويل قصير و اما في عرصة الطول يكون كل شئ مخلّدا في مقامه و اما السرمد فهو مقام الحقايق و عرصة الفعل ففي عرصته و مقامه لايتصور الحدوث الدهري ايضا لان الحدوث الدهري ان يكون الشئ معدوما في مقام اعلي منه و في مجموع الملك الذي هو مقام الحقيقة و الفعل لايتصور ذلك اذ لايسبقه مقام يفرض ان السافل معدوم فيه الا الذات البحت تعالي شأنه العزيز و هو لايكون عدم خلقه بل هو الاحد المنيع الذي يمتنع معه ذكر الخلق ، هذا و العدم الذي نقول في مثل المقام هو الامكان فان كل دهري اعلي مادة للاسفل كالحيوان للانسان و الانسان لزيد و هكذا و المادة هي امكان الصورة و عدمها و الله سبحانه و تعالي لايكون مادة لخلقه بل هو خالق المادة و الصورة و المادة عدم لما دونها و الله لايكون عدم خلقه و لا وجودهم بل هو هو فلايجوز ان يقال ان المشية معدومة في ذات الله تعالي فلاتكون محدودة بالعدم و كذلك لايجوز ان يقال انها مسبوقة بالغير فان الله تعالي لايكون غير مشيته فان الغيرية تثبت بين متباينين و لا تباين بين الاحد و خلقه اذ التباين الحقيقي يثبت بين كليين ثابتين في عرض واحد يجمعهما جنس فوقهما يتباينان في الصورة كالانسان و الحجر او جزئيين [ص 481] هكذا كزيد و عمرو فان الانسان بمعزل من الحجر و زيد بمعزل من عمرو و لكن الله تعالي لايكون هكذا من خلقه و من زعم ان الله و خلقه يشاركان في الوجود يفارقان في الحقيّة و الخلقية فقد اخطأ السبيل و مشي في الوادي بغير دليل و من اهتدي بهدي الله تعالي و اتبع كتابه يقول ليس كمثله شئ و هو السميع البصير فلا تباين له مع خلقه ابدا و مع ذلك بينهما اشدّ بينونة اذ يمتنع الخلق مع الخالق و قد نقول ان الله باين مع خلقه بينونة صفة لا عزلة يعني ان ذاته تعالي ليست باينة من ذوات الخلق اذ هي ممتنعة معها و لكن صفته باينة عن الخلق فاين التراب و رب الارباب و الحق و الخلق ، فافهم هذا المعني البديع الذي لميتنبه به الاكثرون و بالجملة فلا مغايرة بين المشية و الله سبحانه و غيوره تحديد لما سواه فلايكون حدوث المشية بالمحدودية و كذلك لاتحدّ من الاسفل لاحاطتها بوجودها بجميع الحقايق و الدهريات و الزمانيات فان آنا من آنات السرمد يحيط بجميعها كما ان آنا من آنات الدهر يحيط بجميع الزمان فلايحدّ السرمد مطلقا لا من الاعلي و لا من الاسفل فليس معني حدوثه العدم قبل الوجود و بعده بل هو الثابت القايم و لذلك سمّاه امير الحكماء و سيد العلماء اميرالمؤمنين عليه السلام بالازلية الثانوية و الناس كانوا غافلين من هذا الاصطلاح و هي ظهور الازلية الاولية فانها لاتدرك الا فيها و لاتعرف الا بها و مثلهما كالنار الغيبية و الشعلة المرئية و لكن مع ذلك نقول ان السرمد حادث و قد خلقه الله سبحانه بعلمه و علمه به نفسه فلذلك يكون ابديا اذ لايخرج علته من نفسه و لايحتاج في وجودها الي سواها فلاينتظر ثبوت الوجود لنفسه من غيره و معني حدوثه تركيبه و افتقاره الي ربه فان قلت من اين عرفت ذلك مع انه لايسبقه شئ من الخلق تنسبه اليه و لاينسب الي الله تعالي فلا نسبة هنا و لايتصور عدمه قبل وجوده ايضا حتي تقف علي انوجاده اقول عرفنا تركيبه بالتزييل الفؤادي بعد ما نظرنا الي آثاره فوجدناها [ص 482] مركبة و الاثر علي صفة مؤثره فعرفنا ان المشية مركبة كما عرفنا احدية الرب تعالي بعدم اختلاف الخلق في الوجود و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و مرّ شرح ذلك في الالهيات فراجع و بعد ما عرفنا تركيبها نعرف افتقارها فانه قد ثبت لنا بالعقل ان كل مركَّب علي المفعول يحتاج في وجوده و قيامه الي مركِّب علي الفاعل و مرّ برهان ذلك ايضا هنالك فراجع و كذلك رأيناها محاطة بنور الله الاحد فانه و ان كان محتجبا بالحجب و الاستار عن درك الاغيار بذاته تعالي الا ان نوره خرق كل حجاب و ظهر لنا من كل وجه و خباب فبعد ما نظرنا الي المشية بنفسها رأينا انها ليست الاحد المحيط الاول الآخر الظاهر الباطن و لكنه احاط بها ما احاط بغيرها من المرادات و المشاءات فعرفنا من ذلك ان ربي و ربها الله لا اله الا هو فعرفنا باليقين بل الكشف ان المشية حادثة محتاجة مع انها ابدية و قد مرّ شطر من هذا الكلام مما يليق بالمقام قبل ذلك عند بيان الاوعية فراجع و يكفيك هذا القدر من البيان في هذا الفصل ايضا .