فسمّي الآن بين العدمين لسرعة سيره و هو القدر المشترك علي ما قالوا ثم اعلم انهم قالوا ان الزمان كمّ متصل و يريدون من ذلك اتصال الماضي بالاستقبال و الآن هو القدر المشترك بينهما و انا اقول ان كانوا يريدون من اتصاله في لوح الارتسام فهو حق و لكنه ليس هنا ماضٍ و غابر و حال بل جميعها موجودة في الحال فاجزاؤها متصلة غاية الاتصال و لكنهم ان ارادوا اتصال اجزاء الزمان في الدنيا كما هو الظاهر من كلماتهم فهذا خطاء فانك عرفت ان الماضي و المستقبل معدومان و الموجود هو الآن و الآن الموجود لايتصل بالمعدومات فان معني الاتصال كون طرفه الي المعدوم بمعني انتهائه اليه و هذا محال فان المعدوم هو القوة الصرف كالالف الموجود مثلا بالنسبة الي الالفات التي في قوة المداد فانه لايكون طرفها و لايتصل بها ابدا و كذلك الآنات فهي لاتتصل ابدا بل الموجود هو ما بالفعل و هو ينتهي الي نفسه كما يبتدأ بنفسه و ساير الآنات كلها وراء هذه المادة الموقتة فلايكون الآن طرف الزمان و عمدة الاشتباه لهم من باب انهم يتصورون اوقات الليالي و الايام و يزعمون الآنات الدقايق او الثواني و الثوالث و يتكلمون فيها بما يتكلمون و ان ارادوا من الاتصال ان دايما يخرج من القوة آن و لايمضي علي الزمانيات حال بلا وقت فلا انقطاع لامدها نوعا فهو حق لا مرية فيه فتدبر و لانحتاج الي ازيد من ذلك [ص 435] البيان في مسألة الآن .

فصل - في بيان حدوث الزمان و اثبات بداية و نهاية له ، اعلم ان القوم اختلفوا في بداية الزمان فمنهم من اثبت لها بداية و منهم من نفوها و نحن نقول و لا قوة الا بالله في بيان الحق ان الله سبحانه ذات قديمة ازلية و جميع ما سواه حوادث مفتقرة اليه تعالي و لا قديم سواه و من زعم غير ذلك فقد اخطأ الطريق و لم‌يعرف ربه تعالي الا ان حدوث كل مرتبة من مراتب الخلق بوجه خاص و سيجيء ان شاء الله بيان مراتب الحدوث و من الحوادث الزمان فانه مخلوق لله تعالي و لا شك في حدوثه و قام به الضرورة و ورد به الاخبار و يدل علي ذلك العقل السليم و نقول لمن قال بقدمه اخبرنا لو كان حادثا كيف كان يكون الاتري تجدده و تقلبه و مضي ما مضي منه و استقبال ما لم‌يأت منه و لا شك انه كمّ غير قارّ و هم يقرّون بذلك و الكمّ عرض قائم بغيره و هذا بنفسه ايضا علامة الحدوث فان القديم لايقوم بغيره و عدم القرار شاهد آخر فان معني عدم القرار زوال جزء و لحوق جزء و قيامه مقامه و كل زايل او قابل للزوال حادث و كذلك الجائي غير الزايل الذاهب بالبداهة فهو مركب و كل مركب حادث و بالجملة لا شكّ في حدوث الزمان و معني الحادث انه لم‌يكن ثمّ كان و الاشكال في معرفة حدوثه و معني عدمه قبل وجوده و في ذلك تحيّر الاحلام فاقول اما حدوث اجزائه فظاهر فان كل آن من الآنات لم‌يكن ثمّ كان و لاازعم عاقلا يقول ان هذا الآن كان ثابتا في الآنات الماضية و يكون ثابتا في الآنات الآتية بل جميعهم يعرفون عدمه في الاستقبال و الماضي و خروج بعض لايقدح اجماع المسلمين لكونهم اتباع الاقدمين و الحاصل ان كل آن متجدد و قد عرفت ان الموجود من الزمان هو الآن و طرفاه معدومان و هو حادث اذ لم‌يكن ثمّ كان فكل آن حادث زماني كما ان جميع المواليد المركبة في الزمان حوادث زمانية اذ لم‌تكن ثمّ كانت و لا اشكال في معرفة حدوث [ص 436] الاجزاء و لكن الكلام في مجموع الزمان و معني حدوثه فاعلم ان مجموع الزمان لايكون حادثا زمانيا بمعني انه لم‌يكن في زمان ثم وجد في زمان اذ لايسبق الزمان زمانا كما نقول في مجموع عالم الاجسام انه لايكون حادثا زمانيا لان الزمان وقت الجسم و لايتصور قبله وقت له لايكون فيه فتدبر فمجموع الزمان ايضا هكذا لايسبقه زمان يقال انه معدوم فيه و لذا نقول ان مجموعه ثابت ابدا زمانيا و لكنه مع ذلك حادث و بيان حقيقته ان الله سبحانه بعد ما خلق الخلق جعل لاهل كل عالم وقتا خاصا بهم و هذا الوقت لايكون قبلهم و لا بعدهم كما جعل لاهل كل عالم مكانا خاصا بهم لم‌يجعل لهذا المكان ذكرا قبلهم و لا بعدهم فالسرمد وقت للمشية و الامكان و هو لازم لهما لايفارقهما و لا ذكر للسرمد في الازل الا بالامتناع فالسرمد مع كونه سرمديا حادث لانه لايكون ازليا مع ان الازل محيط به و كذلك الدهر وقت للعقل و النفس و الطبع بملاحظة و هو لازمها لايجاوزها و لا ذكر له في السرمد كما لا ذكر للعقل و النفس و الطبع فيه الا بالاجمال السرمدي فالدهر في مقامه ثابت ابدا دهريا لايزول و لكنه مسبوق بالسرمد و هو معدوم فيه كما ان الدهريات ايضا هكذا ثمّ لها درجات و كل منها ثابت في الدهر الخاص به لايتجاوزه فالنفس لها وقت خاص بها و ليس وقتها في العقل و ان النفس معدومة في العقل فانه مادة لها و كذلك وقتها الخاص بها معدوم في وقته فوقت النفس حادث دهري يعني لايكون فوقه و كذا لايكون دونه و كذلك وقت المثال برزخ بين الدهر و الزمان و هو ثابت في مقامه معدوم في اعلاه و اسفله و كذلك امر الزمان فانه وقت الجسم ثابت بثبوته و لايكون في النفس و العقل و المشية كما ان الجسم لايكون في هذه العوالم و بعد ما خلق الله الجسم بسط الزمان فصار وقته فيكون حادثا مسبوقا بالعدم يعني لم‌يكن قبل في ساير العوالم و كان هنا و لاينافي ذلك ما قلنا سابقا ان الزمان مجموعه دهري لما عرفت من تدرج الدهر [ص 437] و مجموع الجسم ايضا دهري الا انه من اسافل الدهر و اسافل الدهر لاتكون مذكورة في اعالي الدهر الا بالاجمال و بالجملة فاجزاء الزمان حادثة و مجموعها ايضا حادث و لكن لكل وجه حدوث و له مبدأ و مبدؤه حين خلق الجسم و منتهاه آخر اجل الجسم لايتجاوزه و ان عرفت هذا البيان الشريف يرتفع لك الاشكالات التي استشكلوها و زبروها و يظهر لك حق القول و الحمد لله .

فصل - و لما ذكرنا مبدأ الزمان ناسب ان نذكر مبدأ الليالي و الايام و قد تحيّر فيها العقول ايضا و لم‌يعرفوا الحقيقة و لا شك ان لها مبدأ كما في الحديث النبوي قال صلي الله عليه و آله اتقولون ما قبلكم من الليل و النهار متناه ام غير متناه فان قلتم غير متناه فقد وصل اليكم آخر بلا نهاية لاوله و ان قلتم انه متناه فقد كان و لا شئ منهما الخبر ، و هذا الحديث الشريف صريح في التناهي مع انه استدل فيه بالدليل العقلي فانه لا شك في ان ما يكون له نهاية له بداية فانه غير معقول ان تدرك نهاية شئ و لايكون لبدايته نهاية فانّا نقول اذا كان عندك حبل ممدود الي السماء لم‌تدرك طرفه الآخر و لكن طرفه من قبلك في يدك هل يجوّز عقلك ان تقطع منه جزءا ام لا ، لا شك ان العقل يحكم بالجواز فاذا قطعت جزءا هل تقول انه صار اقصر مما كان او لا ، لايشك عاقل في انه اقصر من الاول و الا فنفرض حبلا مثله و نقطع من واحد و نذر الآخر بحاله و نقول هل هما متساويان بعد القطع او متفاوتان ، فان قلت انهما متفاوتان ثبت المطلوب و الا لزمك ان تقول كلما قطعنا من هذا الحبل و لو آلاف ذراع لايتفاوت مقداره مع غير المقطوع و هذا كلام لايتفوه به عاقل و بالجملة لا شك في انك اذا قطعت من الحبل مقدارا يصير اقصر من الاول و لو لم‌يكن له نهاية لماصار اقصر فان كل غير متناه لايتفاوت حاله ابدا ، هذا و يجوز العقل قطع مقدار آخر ثانيا و ثالثا و هكذا حتي يتقطع جميع الحبل و يبلغ منتهاه و كذلك نقول في حدوث المواليد فنقول ان المواليد المركبة [ص 438] في الدنيا من يومنا هذا الي اول الدنيا اكثر من زمان نوح البتة و الا للزم ان لايزيد فيها كل ما زيد و لا شك في انك اذا زدت علي النباتات شجرة واحدة تزيد واحدة و كذلك و كل قابل للزيادة قابل للنقصان فاذا نقصت منها واحدة تتنقص و كل قابل للزيادة و النقصان من المعدودات معدود و له بداية البتة فلكل المواليد بداية و تنتهي الي اول لم‌تكن قبله كما ان بني آدم ينتهون الي آدم عليه السلام و كذلك الامر في الايام و الليالي فانها ليست الا دورات الفلك و حركاتها و ان يومك الذي يقارنك يفرض انه نهايتها التي في يدك فان ما لم‌تأت معدومة و علي الوجه الذي بيّن النبي (ص) لها بداية لان نهايتها مشهودة و نقول علي الوجه المقرّر ان دورات الفلك يومنا هذا ازيد من زمان نوح عليه السلام و في زمانه كانت اقل بلا شك و الا للزم ان لايزيد علي المعدودات بالزيادة عليها و كل قابل للزيادة قابل للنقص فيمكن ان ينقص من الايام حتي تفني فلها بدأ و الا لماكانت تفني فافهم فلا شك ان للايام و الليالي نهاية و بداية و لكن الاشكال و الداء العضال في معرفة ذلك و وجه الاشكال انك تزعم يوما مثل هذه الايام تنتهي اليه الايام مع ان السماوات و الارض بحالها و الشمس جارية و النجوم سابحة و الافلاك دايرة فيستنكف العقل السليم من عدم وجود يوم آخر قبله مع عدم وجود مانع من ذلك و لكن الامر بخلاف المفروض و ان اردت درك حقيقة المسألة فاَصغِ لما اقول حتي تفوز بالمأمول فاعلم ان الدُور ثلثة الدنيا و البرزخ و الآخرة اما الدنيا فهي هذه العرصة التي تشاهدها ارضها هذه و سماواتها هذه و عرشها هذا العرش و كرسيها هذا الكرسي و مواليدها الجماد و النبات و الحيوان و الاناسي بابدانهم الحيوانية و النباتية و الجمادية لا غير و هي عالم الاعراض فان جميع بسائطها و مواليدها حاصلة من الاعراض و ليس شئ منها علي العباطة و الصرافة فكأنها جميعها مواليد تولدت من تركيب العبايط و هي محدودة بحدّها لاتتجاوزه مكانا و زمانا اعلاها [ص 439] العرش و اسفلها التراب و وقتها الزمان و من ورائها البرزخ كما قال الله تعالي و من ورائهم برزخ الي يوم يبعثون و هو عالم بين عالمين و امر بين امرين اعني ان اعلاه اخروي و اسفله دنيوي و هو في غيب هذا العالم كما قال الله تعالي و من ورائهم برزخ و المراد من الوراء الغيب و لااعني من الغيب الا ان سماءه في سمائه و ارضه في ارضه و مواليده في مواليده كما ان الحس المشترك الذي هو مولود برزخي في غيب بدنك و هو اسفله الذي يرتبط بالدنيا متصل بها و شبيه بها فله بكرة و عشي و نهار و ليل و منه الاشباح في المرآة و الصور التي تراها في النوم و فيه الجنتان المدهامّتان و جنة آدم و جابلقا في مشرقه و جابرصا في مغربه و ارواح الموتي في هذا العالم و هو بسايط هذا العالم و درك هذه المسألة صعب و بيانها علي التفصيل يليق بعلم المبدأ و المعاد و من باب الاشارة لشرح العبارة اقول ان هذه العناصر التي تراها هي في الواقع مواليد جمادية فان ترابها لايكون ترابا صرفا بل هو تراب مركب من العناصر الاربعة و لذا تري انه يستخرج منه الماء و الهواء و النار بادني تدبير و كذلك اخواته كلها مركبة الا انها ركبت بميزان غير معتدل و غلب في كل واحد منها عنصر مخصوص و سمّي باسم الغالب و لو لم‌تكن مركبة لماامكنت الاستحالة فيها و كذلك سماواتها فانها سماوات ثانوية لان كل سماء تحرّك و استدار و القي شعلته علي الباقي فاثر فيها و هي جميعها مخلوقة من الجسم الذي هو امكان الكل ففي قوة كل منها صور لاتحصي و بحركة كل واحد علي الآخر يستخرج ما في قوته مما يشابهه و لذلك تري ان الكرسي و السماوات مع اختلاف طبايعها تتحرك بحركة العرش و ليس ذلك الا باستخراج طبع العرش منها فان القسر الصرف محال ممنوع لانه فعل بلا انفعال و هذا مما لايكون و لا جبر في ملك الله و قد مرّ بيان ذلك سابقا فراجع فالمقسور لا بدّ من ان يتطبع بطبع القاسر حتي يتحرك بتحريكه فانه نوع تكميل الا ان التكمل نوعان منه جوّاني [ص 440] و منه برّاني اما الجوّاني فهو ان يستخرج من المتكمل روح مثل روح المكمل فيعمل بعمله بطبعه و يستغني عن المكمل بعد التكمل كالضوء من الضوء و اما البرّاني فهو ان يتطبع ظاهره بطبعه من دون خروج روحه منه فما دام اتصاله بالمكمل يستخرج منه وصفه و من بعده يرجع الي حاله الاول كالحديدة المحماة و كذلك حال الكرسي و الافلاك بالنسبة الي العرش فالعرش بقوته و سلطنته يشرق عليها فينوّرها بنوره في الظاهر فتتحرك بحركته و لكنها بعد علي طبعها و لذلك تسير ايضا بطبعها علي التوالي نعم يحتمل ان تصير ابطأ في الجملة و بالجملة مرادي انها بطبعها لاتميل الي الحركة من الشرق الي الغرب و لكن العرش هو المحرّك لها بتكميله و هذا طبع عرضي لها و كذلك الامر في اشراقات الكوكب و حركاتها المختلفة فان لكل منها اثرا لاينكر و يؤثر في الباقي فالنحس يقلّ نحوسته بالسعد و تزيد بالنحس و السعد يقلّ سعادته بالنحس و تزيد بالسعد و الحارّ يبرد بالبارد و البارد يتسخّن بالحارّ فيحصل من هذه الحركات و الاشراقات افلاك ثانية لا محالة فان زحل لو لم‌يكن اشراقات ساير الكواكب و حركات افلاكها كان علي غير هذا اللون و هذا الطبع لا محالة و كذلك الباقي فالسموات و الارضون الاولي تسمّي بالبرزخ و هي اصلية خالصة بالنسبة و السموات الحاصلة من الاعراض و العناصر الحاصلة من التركيب و الاعراض تسمّي دنيا لانها بعد ما تغيّرت عن عباطتها نزلت فصارت دنيا فافهم و اغتنم فسماوات البرزخ في هذه السموات يعني انها اصولها و موادها و ارض البرزخ في هذه الارض يعني انها اصولها و كذلك المواليد منها حاصلة من تركيب العناصر العرضية و السماوات العرضية يعني ان اصولها نفس الاعراض فهي من الدنيا و الي الدنيا كالجمادات و المعادن و منها ما هي مركبة من البسايط اي عناصر البرزخ و افلاكه فهي حكمها حكم هذه العناصر كالنباتات بملاحظة و الحيوانات و منها ما هو من المواد الدهرية العالية فهي من الاعلي فافهم فعالم [ص 441] البرزخ وراء هذا العالم و هذا العالم ظاهره كالقشر و اللُبّ و وراء عالم البرزخ عالم الآخرة سماؤها في سمائه و ارضها في ارضه و هو عالم الحقيقة و هي خالية من الاعراض الدنياوية و البرزخية ايضا فان للبرزخ ايضا اعراضا كما اشرنا اليه ان اسفل البرزخ مرتبط بالدنيا فله يوم و ليل و بكرة و عشي فله اعراض لا محالة الا ان اعراض البرزخ برزخية و منها اختلاف الالوان و الاوضاع و اختلاف الطبايع و الحدود المقيدة العرضية الخارجة من الحقيقة كالمتممات و نحوها و هي حاصلة من تركيب البسايط الدهرية فان للعناصر الاصلية جواهر و هي مركبة من جواهرها و كذلك للافلاك الاصلية جواهر هي مركبة منها و لكن جواهرها خالصة من جميع الاعراض و لذلك تكون في غاية التشاكل و الامتزاج و الاتحاد فسماؤها متصلة بارضها و مواليدها متصلة بهما و يقلّ بينها الاختلاف و لذا يكون تراكيبها باقية دايمة لاتزول نعم لاتكون مذكورة في السرمد و هذا معني سبق عدمها علي وجودها اذ ليس عدم الدهريات في عرضها بخلاف الزمانيات فان عدمها ايضا في عرضها كالمداد و الحروف و الحروف و الكلمات و التراب و ما يصنع منه فانها سابقة علي الصور الملبوسة عليها في الزمان و لكن مثل الدهريات كسبق الجسم الدهري علي الافلاك و العناصر المثالية البسيطة فان الجسم مادتها و المادة عدم الصور و هي سابقة عليها طولا و كذلك حال الدهريات بالنسبة الي الامكان السرمدي فانه سابق عليها سرمدا فعدم الدهريات سابق عليها سرمديا لا دهريا و بالجملة فعرصة الآخرة هي الدهر و هو سابق علي المثال و الدنيا و هو ايضا من وراء البرزخ فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الآخرة بعد ما تركبت سماواتها خلقت منها سماوات المثال و تركبت من عناصرها عناصر المثال و بعض مواليده كالدنيا فعمر ديار البرزخ بتركيب الدهريات و هي في سموات و ارض البرزخ كالمادة في الصورة و الغيب في الشهادة لا انها خارجة من عالم البرزخ و ان عالم البرزخ بسمائه و ارضه يعود [ص 442] الي القيمة و الدهر بعد خراب تركيبها فاذا عرفت ذلك فاعلم ان عالم المثال بعد ما عمر سماؤه و ارضه و كانتا رتقا امر الله تعالي بحركة الافلاك علي الارض فدارت و من دورانها حدثت سماوات عرضية و ارض عرضية و هذا مقام الفتق ببروز المواليد من بينهما و لا شك ان لهذه الحركة اول لا اول له و هو اول يوم من الدنيا لم‌يكن قبله دنيا اذ عرفت ان الدنيا هي عالم السموات العرضية و الارض العرضية و العرض لايحصل الا بحركة السماوات و تأثير بعضها في بعض و القاء شعلاتها علي الارض حتي يتغيّر كل شئ عن فطرته الاولية المثالية فان السماء العبيط و الارض العبيطة مثال و بعد الاختلاط و الامتزاج يحصل دنيا فاول يوم الحركة اول يوم الدنيا و لنا ان نقول انه يوم هبوط آدم بملاحظة و جميع ايام الدنيا تنتهي الي هذا اليوم و قبله مثال و لايكون دنيا و يوم اول الدنيا تحت المثال لا في عرضه فليس لك ان تقول امس لم‌يكن دنيا و كان مثالا و اليوم دنيا اذ نسبته منها نسبة الطول فافهم فايام الدنيا من البدأ منتهية الي هذا اليوم و لعل من المثال الي الدنيا ايضا برازخ و لايلزم ان ينزل العالم من المثال الصرف الي الدنيا الصرف مرّة بل ربما ينزل بالتدريج و لذا نقول اسفل المثال متصل بالدنيا و اعلاه في غاية التجرد فالاعراض تشوب المثال شيئا فشيئا و كذلك تزول منها شيئا فشيئا حتي ترجع الدنيا ثانية الي المثال و ذلك في آخر يوم من الدنيا و اول يوم من الرجعة في زمن القايم عليه السلام و لذلك يرجع حالات الخلق الي المثالية فيظهر لهم الجن و يرونهم قبلا و يجلسون معهم و يأكلون و يشربون معهم و يرون الملائكة و يرجع الموتي باذن الله تعالي بل قبل ظهوره يخرجون الموتي من قبورهم و يمشون في الاسواق باكفانهم و سيوفهم علي عواتقهم و يدعون الناس جهارا الي امامهم و ليس ذلك بنزولهم الي الدنيا بل بصعود الدنيا اليهم و لو كان بنزولهم لماكان يترقي الملك الي الرجعة و الاخبار نادية بها فافهم فيوم ظهوره عليه السلام آخر يوم من الدنيا الا انها [ص 443] كما نزلت متدرجة تصعد متدرجة ففي يوم الظهور لهم مثالية و دنيوية و يوم رجعة مولانا الحسين عليه السلام يصير مثالا صرفا ثمّ ان للمثال ايضا وقتا الا ان اسفله شبيه بالدنيا و اعلاه الطف و اصفي ففي اسفله ليل و نهار كالدنيا الا ان كل يوم من ايامه كعشرة ايام من ايام الدنيا و كل سنة كعشر سنين و في اعلاه يتحد الليل بالنهار و يمتزجان و يطول الايام و الليالي كثيرا و لكن لايام المثال ايضا اول و آخر اولها يوم تركيب السماوات و الارض و آخرها يوم نفخ الصور نفخة الصعق فيموت جميع اهل عالم المثال و يفني كل شئ و يبقي وجه الله الباقي بعد فناء كل شئ و ينادي اين الجبّارون اين الذين كانوا يأكلون رزقي و يعبدون غيري و ينادي لمن الملك اليوم و لا مجيب من الخلق فيجيب بنفسه لله الواحد القهّار ثمّ ينفخ في الصور نفخة الدفع فيقوم القيمة عرصة الدهر و عالم النفس و هذا اليوم هو اول يوم القيمة و قد ذكرنا ان في عرصة القيمة يقلّ الاختلاف و يظهر الايتلاف و ينفد النسب و القرانات و يفني الاضافات و لايبقي نسبة الا نسبة المؤثر و لايظهر حكم الا حكم الواحد القهّار فايامها مستوية و لياليها متعادلة اولها عين آخرها و آخرها عين اولها و لذتها كل حال في مبدئها و المها هكذا فاول يومها كآخر يومها و هو محيط بتمام ايام الدنيا و البرزخ لدهريته و من ذلك اعرف البقاء .

فصل - ما افحش قول من زعم انه ليس فوق الزمان الا الباري و امره و قد يعبّرون عن امره بعلمه و قد يعبّرون عنه بالملائكة و بطلان كلامهم ظاهر اما اولا فالله تعالي لايقوم فوق شئ فانه تعالي احد و قد احاط باحديته بجميع الخلق من الملك و الملكوت و الجبروت و الامر و المشية فلايكون قبل شئ و لا بعد شئ بل هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم فهو تعالي خارج عن جميع الاوقات لا كخروج شئ عن شئ داخل فيها لا كدخول شئ في شئ بعيد منها لا بمناءاة قريب منها لا بمداناة معها لا بمقارنة [ص 444] و غيرها لا بمزايلة و بالجملة حق القول انه لايصدق علي الاحد القديم معني السبق علي الخلق الا بمعني الاحدية و القدم الذي هو غير الوقت فلايكون تعالي قبل الزمان و لا فيه و لا بعده بل كل الخلق باوقاتها معدومة معه و اما علمه فان ارادوا منه علمه الذاتي فهو هو بلا فرق و ان ارادوا منه الامر كما قلنا فهو قبل الزمان بالسرمدية و بينه و بين الزمان عالم الدهر و البرزخ علي ما ذكرنا و يجيء بعد ذلك بيانه و براهينهم كلها براهين قشرية لاتسمن و لاتغني من جوع و لا حاجة الي تسويد الكتاب بها و يكفيك عن كل دليل اخبار آل‌محمد عليهم السلام امراء الكلام فانهم صلي الله عليهم اثبتوا فوق هذا العالم عوالم و فوق هذا الآدم اوادم و لا ريب ان العوالم التي اثبتوها فوق هذا العالم الجسماني لايوقّت بوقتها فان وقت الجسم مخصوص به لايتجاوزه و لها اوقات خاصة بها و جميعها مخلوقة بمشية الله او تكون نفس المشية و ما تكون مخلوقة بالمشية تكون دونها فان المعلول بعد العلة فهي فاصلة بين الاجسام و بين المشية و لاينافي تعدد العوالم انحصار الاوقات في الثلثة فان الاوقات درجاتها متعددة فلا كل دهري في مقام واحد بل من اعلي الدهر الي اسفله درجات و منازل لايعلمها الا الله و من اول البرزخ الي آخره درجات و كذلك الزمان من اعلاه الي اسفله مراتب فان ازمنة الافلاك الطف و اطول و ازمنة الارضيات اغلظ و اكثف و بالجملة ففوق زماننا اوقات و فوق مواليدنا مواليد و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و الله من ورائهم محيط .

المطلب الثاني

في الدهر و لكشف النقاب عن وجهه ايضا نحتاج الي عنوان فصول :

فصل - قد عرفت ان الدهر هو الامتداد المنتزع من ترتب الصفات و الفعليات علي الذوات فمدة ثبوتها لدي الذوات و امتداد بقائها لديها و ترتب الامداد النازلة منها اليها لابقائها و حفظها هي الدهر و قد يعبّر عنه بانه نسبة الصفة [ص 445] الي الموصوف و قد يعبّر عنه بانه نسبة الصور الي المادة و في اصطلاح الحكماء يعبّر عنه بنسبة المتغير الي الثابت و في اللغة قال في المعيار انه يطلق علي الابد و قيل هو الزمان قلّ او كثر و عن بعضهم الدهر عند العرب يطلق علي الزمان و علي الفصل من فصول السنة و اقلّ من ذلك و يقع علي مدة الدنيا كلها قال و سمعت غير واحد من العرب يقول اقمنا علي كذا دهرا و هذا المرعي يكفينا دهرا و لكن لايقال الدهر اربعة ازمنة و الاربعة فصول لان اطلاقه علي الزمن القليل مجاز و اتساع و عن آخر الدهر الزمان الطويل و الابد الممدود و الف سنة اقول يظهر من اللغة نوعا ان معناه اللغوي الوقت الطويل و في الاخبار ايضا استعملوه في غير الزمان كما ورد في سبق خلق الخاتم عليه السلام و بيان مدته عن ابي‌جعفر الثاني عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي لم‌يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة فمكثوا الف‌الف دهر ثمّ خلق جميع الاشياء الحديث ، و قد افصح اميرالمؤمنين عليه السلام عن ان المدة غير محدودة في حديث سبق العرش قام اليه رجل فسأله عن مسائل ، الي ان قال : فكم مقدار ما لبث العرش علي الماء قبل خلق الارض و السماء فقال اتحسن ان تحسب فقال نعم فقال اميرالمؤمنين افرأيت لو صبّ علي الارض خردل حتي سدّ الهواء و ملأ ما بين الارض و السماء ثمّ اذن لك علي ضعفك ان تنقله من المشرق الي المغرب ثمّ مدّ لك في العمر حتي تنقله و احصيته لكان ذلك ايسر من احصاء ما لبث العرش علي الماء قبل خلق الارض و السماء ان ما وصفته عشر عشير من ماة‌الف جزء و استغفر الله من القليل في التحديد ، و آل‌محمد سلام الله عليهم كانوا قبل خلق العرش باكثر معانيه فمدة سبقهم خارج من الاوقات الزمانية و لعل الدهر هنا بمعني السرمد و الابد و يشعر بذلك قول اميرالمؤمنين عليه السلام في الخطبة المعروفة في صفة النبي صلي الله عليه و آله انتجبه في القدم و قوله كنا بكينونته كائنين غير مكونين موجودين ازليين ، و الحاصل ان الدهر [ص 446] في اصطلاح الائمة مخالف لللغة المعروفة و ورد عن النبي (ص) لاتسبّوا الدهر فان الله هو الدهر ، و ذلك ان العرب كانوا يسبون الدهر و يلومونه في اشعارهم في المصائب و المحن كما هو عادة العجم ايضا فنهي النبي عن ذلك و قال انه الله اي اسمه و ذلك اما بملاحظة ان جماعة من الناس صاروا دهرية و نزّهوا الدهر بما ينزّه به الله و نسبوا اليه جميع افعال الله و قالوا لايهلكنا الا الدهر فاشعر صلي الله عليه و آله بان ما يصفونه بهذه المثابة و ينزهونه هذا التنزيه هو الله لا الازمنة فنهي ان يسبّوه لتعظيم الله فان الجهّال سمّوه به و للعاقل ان يلاحظ الادب فلايذكره بسوء و يمكن ان يكون اسما من اسمائه كما في دعاء مروي في شهر صفر يا دهر يا ديهور يا ديهار و هو في مثل المقام بمعني القديم و الابد و ان طائفة من القائلين بوحدة الوجود تفريعا علي مذهبهم الفاسد قالوا ان الدهر حقيقة الباري و يريدون منه حقيقة الازمنة نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و بالجملة فالدهر في الاصطلاح هو فوق الزمان و الزمان دونه و نسبته من الزمان نسبة الطول كما ان الذوات في الطول اذ عرفت انه امتداد ظهور الذوات في الصفات كجوهر الماء الظاهر في جميع المياه من اول الزمان الي الآن الي آخره فانه فوق جميعها بنسبة واحدة الاتري انه يظهر من هذا الماء الموجود كما يظهر من ماء امس بلا تفاوت فليس من واحد منهما اقرب البتة و لو كان نسبته بالعرض لكان اقرب من واحد و ابعد من الآخر كالماء الذي خرج الي الفعل قبل امس فانه الي الخارج امس اقرب من اليوم لا محالة و لكن الماء المطلق لايتفاوت حاله بالنسبة الي جميع المياه فان ماء زمن آدم ظهوره و ماء اليوم ايضا ظهوره بلا تفاوت و هذا شان الدهريات برُمّتها فهي محيطة بالدنياويات الزمانية و كذلك السرمد محيط بالدهر و الزمان كاحاطة الدهر بالزمان .

فصل - اعلم ان هذه النسبة لاتخصّ بشئ دون شئ بل لكل شئ يثبت دهرية [ص 447] و زمانية بل سرمدية ايضا و ذلك انك اذا لاحظت الافراد المقيدة تجد لكل منها ذاتا و صفات و الذات هي مقومة الشئ و جوهره و الصفات متممتها و هي في كل شئ بحسبه و امثّل لك بالسراج فان له جوهرا و هو النار الخاصة اي الحرارة و اليبوسة المستخرجة من كمون الدهن و هي تظهر في صور مختلفة هي متمماتها كالخراطة و الحمرة و الصفرة و الهيئات المختلفة و الاوقات المتعددة و الامكنة المتفاوتة و النار ظاهرة من جميعها فاذا نظرت الي المتممات المختلفة و نسبت بعضها الي بعض يكون مدة نسبها زمانا و اذا نظرت اليها و نسبتها الي النار الظاهرة فيها يكون امتداد النسبة دهرا و هذا هو دهرية الشعلة و بهذا النظر لايمضي عليها الاوقات الزمانية لانها خاصة بنسب الصفات بعضها الي بعض الا ان دهر الشعلة سافل لعدم كليتها و تعلقها بالمواد و لذا نقول انها برزخية اذ تكون دنياوية التعلق دهرية الصدور و قد نسمّيها بالمثال لانها مثال النار الدهرية الكلية و هذا معني المثال لا ما زعمه الجاهلون انه العكوس الظاهرة في الهواء مثلا و بالجملة و هذه النسبة المذكورة ثابتة لكل شئ فعلي ذلك كل الخلق ثابتون في ملأ اعلي من الزمان الا ان بعضهم يذكرون بالجزئية و بعضهم بالكلية و مجمل القول ان الجوهر الملحوظ في الافراد بملاحظة كليته و نفوذه فيها دهري الا ان دهرية بعض الاشياء من المثال اي مثال الدهر الكلي و بعضها من نفس الدهر و ان كان هو بنفسه ايضا مثالا للعالي و حقايق جميع الملك امثلة ملقاة في ماهيات الاشياء و لا شئ الا المنير الواحد الفرد المتفرد الذي هو نور الله الاعظم و تجليه الاجل الاكرم الابدي الازلي فافهم ذلك فانه دقيق و لما ان ذكرنا تدرج مراتب الدهر ناسب ان نذكر تفصيلها في الجملة بقدر ما يليق بالمقام .

فصل - اعلم ان اول الدهر متصل بالسرمد و هو اول مخلوق من الاكوان لان السرمد هو وقت المشية و الامكان بل بملاحظة يعدّ الامكان المقيد [ص 448] الذي هو الفؤاد من الدهر و يصير المشية مخصوصة بالسرمد و لكن بملاحظة اخري يعدّ الامكان الذي هو الفؤاد ايضا من السرمد اذ هو مقام الحقيقة و لا ذكر للاعيان و الصفات فيها الا بالعدم فلايلاحظ معها شئ منها و سيجيء بعد بيان ذلك ان شاء الله و اسفله اي الدهر مرتبط بالزمان و هو الفعليات المستخرجة من المواد الدنيوية و هي الامثلة علي ما ذكرنا اي صور الاشياء فانها كلها في الواقع دهرية و تثبت فيه كما سنبينه في فصل آخر ان شاء الله و فوق الصور المواد فانها ايضا دهرية الا ان مقامها ارفع من الصور و لذا يكون نفوذها و احاطتها اكثر و فوقها الطبايع و هي نفس المواد قبل التعلق بالصور و هي اعلي عالم المثال بملاحظة و هي تمام مراتب عالم الشهادة و قد يقال انها برزخ بين الدهر الصرف و الزمان لانها من اجزاء الاجسام الزمانية فانه قد ثبت ان اجزاءها سابقة عليها و كل مركب بعد تفكيك اجزائها ترجع الي المثال و هو في الواقع دهر علي ما عرفت الا انه مثال بالنسبة الي العالي و دهريته تظهر لك اذا لاحظت درك الخيال فانه من المواليد الصورية المثالية و يدرك الامثلة المجردة و يحضر لديه ما مضي و ما حضر الاتري انك تتصور امسك و يومك في خيالك و كذلك تتصور ما غاب عنك و ان كان بينك و بينه مراحل و ليس ذلك الا بسبب دهريته و لو كان زمانيا لماكان يقدر علي تصور ما مضي و ما غاب كما ان العين لاتري ما غاب عنها او مضي وقته و لكن الخيال مع دهريته لايقدر علي تصور جميع الامثلة حينا واحدا الا بسرعة التعاقب و ذلك لتعلقه بالمادة الجسمانية فان مادته دخان متخذ من بخار الدم و اما النفس فلعدم تعلقها بالمادة و كليتها تدرك جميع الصور بالاحاطة و ليس فيها تعاقب فتدبر و بالجملة فمن الطبع الي المثال مراتب اسفل الدهر و قد يعدّ الطبع من الاعلي و يقال اول عالم المثال المادة و لكل وجه ثمّ فوق الطبع عالم النفس و هو منتهي الخلق الاول و الشخص الحقيقي الذاتي و فعلية العالم الباقي و عالم التجرد [ص 449] الواقعي كما قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام في العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها خالقها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و فوقها عالم الارواح و هي الفعليات النفسية بقضّها و قضيضها و هي في الخلق الاول كالمثال في الخلق الثاني و فوقها عالم العقول و هي مواد الخلق الاول تخرج منها تلك الفعليات و هي فيها بالقوة و المعنوية الكلية بلا تمايز صوري شخصي و بلسان آخر لتقريب الاذهان مجموع الصور الكلية من دون ملاحظة الصورية و فوقها عالم الفؤاد و هو عالم الامكان الجايز و غيب الطبيعة و لكن بملاحظة اخري يعدّ الفؤاد من السرمد فمنتهي عالم الدهر العقل و قد ظهر لك مما مضي ان الدهر وقت و امتداد ينتزع من نسبة الصفات الي الذات فاذا لاحظت انحفاظ الصفات لدي الذوات و امدادها لها و استمدادها منها تري الدهر فسِرّ تسمية مدة هذه المراتب بالدهر انها لاتلحظ الا في الصور المتممة و الاعيان الخاصة فانك اذا نظرت الي الاشخاص بملاحظة حكايتها لهذه المراتب و قطعت نظرك عن دنيويتها تجد هذه المراتب و العوالم فلذلك تسمّيها بالدهر و لكن اذا نظرت الي انفسها من حيث الموجودية ليست الا السرمد فتدبر و قد اشار الي هذا المطلب الغامض ابي اعلي الله مقامه قال : فنسبة تلك المادة الي تلك الصور نسبة دهرية و علي ذلك يختلف الدهريات و لها مراتب كالجسم المطلق الساري في الاجسام الظاهرة و كالحيوة السارية في الحيوانات و الناطقة السارية في الاناسي و روح القدس السارية في الحجج سلام الله عليهم و جميع ذلك دهري فوق الزمان و نسبتها متساوية الي اول الزمان و آخره ، انتهي كلامه اعلي الله مقامه فاعرف اشاراته حتي تقف علي مرامه بالجملة فمبدأ العالم الاول من الدهر الفؤاد او العقل و آخره النفس و في الواقع ليست الا النفس و الباقي اجزاؤها و مبدؤ العالم الثاني الطبع و آخره المثال و جميعها مراتب الجسم و العالم الثاني يسمّي بالمثال و البرزخ .

[ص 450] فصل - ذكرنا سابقا ان الصور جميعها حاضرة في الدهر و لم‌نبين حقيقة حضورها و نريد ان نكشف عن هذه المسألة هنا فاعلم ان المواد درجاتها مختلفة فمنها قريبة من المشية المطلقة فسعتها كثيرة و قويٰها متزايدة و صلوحها في الغاية و منها بعيدة عن المشية و صارت ميتة بعيدة من الحيوة ناقصة في القوي ضيّقة في حالها و كل ما كان منها اقرب يكون اقرب من الفعلية لغلبة نور الفعل عليها و ما يكون ابعد يكون ابعد لغلبة الظلمة عليها حتي انتهي في البعد الي عالم الاجسام التي هي آخر العوالم و غلب عليها الظلمات حتي صارت مصداق الآية الكريمة او كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم‌يكد يراها و من لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور و الظلمات هي ظلمات الانيّات و الطبايع الغالبة علي التراب و لغلبة ظلمة البعد عليها صارت محدودة بالحدود و القيود كما قال الله تعالي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب و هي حدود بعضها فوق بعض و لذلك لاتقبل صورا كثيرة في حال واحد الا ان ترد عليها متتابعة ، مثال ذلك الشمعة فانها مادة غليظة كثيفة و بسبب غلظتها صارت محدودة مقيدة فلاتصلح بسبب قيودها و حدودها للتلبس بالاضداد المتعادية و النواقض في آن واحد فلاتصير مثلثة حين التربيع مربعة حين التخميس و لكن لكونها مادة خارجة من الصور تصلح للتصور بكلها حينا بعد حين و حالا بعد حال و لذلك لايحضرها في حال واحد الا صورة واحدة و الباقي في قوتها و لكن المادة الدهرية لاطلاقها لاتحدّ بالحدود الدنيوية و لايرد عليها القيود المختلفة الكثيرة و رتبتها فوق الصور و الصور دونها فيمكنها ان يظهر فيها في آن واحد كالجسم فانه يظهر في العرشية و الكرسية و الفلكية و العنصرية و صور المواليد في حال واحد و آن واحد و لايمنعه مانع و لايعوقه عايق و لكنه بذاته لايحدّ بشئ منها اذ لو تصوّر به لعاقه ذلك عن ساير الصور و لكنه يتجلي من مقامه الي جميعها و كلها يحضر عندها و لكنها بتفاصيلها و حدودها [ص 451] يذكر في مقاماتها و لايتجاوز شئ منها مقامه و بالاجمال تذكر في الجسم المادي فعلم الجسم بها في نفسه اجمالي صلوحي و فيها تفصيلي في مقامها و حدودها اذ كل منها في مقامه جسم قد تلبس بلباس خاص و صورة مخصوصة و لايمضي علي الجسم زمان حتي تقول انه اليوم صار بدن زيد و امس كان بدن عمرو بل الزمان ثابت للصور الخاصة و اما الجسم فهو ظاهر في جميعها كل حال و درك ذلك عسير و قد بيّناه سابقا في العلم و سيجيء بعد ذلك ان شاء الله .

فصل - كثيرا ما يقال ان الدهريات محيطة بالزمانيات و لكن درك ذلك عسير جدا جدا فاعلم ان احاطة الدهر بالزمان ليس كاحاطة الكرسي مثلا بالافلاك بمعني انه اخذ اطرافها من كل جانب و لا بالنفوذ فيها كنفوذ جسم في جسم كالماء في الورق مثلا او كالروح في البدن فان جميع هذه الاحاطة و النفوذ دنياوية و يلزمها حدود الزمان الاتري ان الكرسي محدود بنهاياته و السموات محدودة بنهاياتها الا ان الكرسي لسعته و لطافته طلب حيّزا اعلي و احاط بما دونه كما ان الهواء لسعته و لطافته لولا المانع لايحتقن تحت الماء لانه يطلب حيّزا اوسع و مكانا ارفع فيخرج من تحت الماء و يحيط باطرافه و مع ذلك الهواء غير الماء و الماء غير الهواء و كذلك الامر في الكرسي و الافلاك و كذلك الدهن او الماء في الورق مثلا فانه غير الورق و الورق غير الماء الاتري انك تقطّره و تستخرج منه الماء و كذلك الدهن فيقومان مع الارضية في الزمان و تنتزع منها النسب الزمانية و كذلك الروح في الجسد فانه جسم لطيف البس قالبا كثيفا ، فاحاطة الدهر ليست مثل احاطتها و طيّه لها ليس علي سبيل النفوذ فيها اذ ليس غيرها و لا محدودا بها فان حقيقة الماء الدهري ليست غير هذه المياه اذ لو كان غيرها لقام معها و لايكون عينها و لو كان عينها لتحصص مثلها و هو باين عنها لا بينونة عزلة بل بينونة صفة فلايكون فوقها و لا تحتها و لا معها و لا فيها و مع ذلك هو عينها و فيها و معها و بيان ذلك ان المياه الجزئية كلها [ص 452] تمثّلات الماء و ظهوراته اعني معانيه و آياته و علاماته فموجودية الماء ليس الا بها يعني ان وجودها معني كون الماء موجودا و هي عين الماء و تشخّصه و ان لم‌يثبت لها كليته و احاطته فليست هي كلية الماء و لا الماء يكون سواها فان فهمت مع هذا التكرير فانت انت و يكفي هذا القدر من البيان في الدهر ايضا .

المطلب الثالث

في السرمد و فيه ايضا فصول :

فصل - السرمد هو نسبة الثابت الي نفسه عند الحكماء و قد نعبّر عنه بان نسبة الذات الي نفسها هي السرمد و في اللغة السرمد كفرقد : الدايم المستمر الذي لاينقطع و ليل سرمد اي طويل قال الله تعالي قل ارأيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا الي يوم القيمة الآية ، يعني طويلا و قد سمّي امتداد الحقايق بالسرمد لطولها و بقائها و لا بدّ لنا من بيان حقيقة ذلك ايضا فاعلم انك اذا نظرت الي جميع الاشياء و لاحظت في الكل امرا واحدا ثابتا غير متغير و لا متبدل يعني وجدت الموجود من كلها فرأيت العرش موجودا و الكرسي موجودا و الافلاك موجودة و الارض موجودة و المواليد كلها موجودة وقفت علي حقيقة الموجودات و جوهرة جميع الاعراض و لظهور هذه الحقيقة الثابتة و ثبوتها امتداد و هذا الامتداد يسمّي في الاصطلاح بالسرمد و لكن امتداده كله دفعي و ليس له آنات و اوقات مختلفة كالزمان و الدهر لانه الفعلية الصرفة و لا قوة له حتي يخرج فعليته من القوة و يحصل لخروج قويها امتداد كما في الدهر بالنسبة و الزمان بل جميع كمالاته بالفعل و هو المستمد من الله دايما بامداد متشابهة متحدة غير مختلفة و ما امرنا الا واحدة ، فكل حالاته حال واحد و كل آناته آن واحد و مع ذلك كلِهٖ نثبت له امتدادا ما وحدانيا بحسب تركيبه في بساطته و لكن امتداده ايضا بسيط و لايخالف وقته ذاته اذ لاتري مع ذاته غيرها الاتري ان الوجود المطلق لا غير له معه حتي يشاهد و يري و لا شئ سواه يدرك بل غيره المعدوم و لايوقّت بالمعدوم فوقته من نفسه و كذا مكانه ايضا من نفسه [ص 453] اذ ليس هنا فراغ غير الوجود يقوم فيه بعين هذا الدليل فهو هو و لا غير له و هو الظاهر في جميع الاشياء اشدّ ظهور بل اظهر في الاشياء من الدهر و الزمان الاتري انك اذا نظرت الي شجر تجد وجوده قبل جسميته ثم تري جسميته ثم تري انه نبات فالجسمية فيه اخفي من الوجود و النباتية اخفي من الجسمية بل و هو شجر فلان اخفي من النباتية و كذلك خصوصياته اخفي من مطلقاته حتي ربما تخفي عن بعض و تظهر لبعض دون بعض و لكن موجوديته لاتخفي علي احد حتي ان البهائم ما بهمت لاتبهم عن معرفتها بسرمدية الاشياء و شواهد ذلك ظاهرة ان شاهدت و اعلم ان هذا الوجود هو حقيقة الاشياء و جميع ما سواها اعراض زايلة و لو بعد حين و هي ثابتة في كل الاحوال لاتتغير ابدا ابدا .

فصل - اعلم ان هذا الوجود الذي عرفت ثابت في كل الاحوال و لايعرضه تغيّر و زوال و ان تجلّي بالصور المختلفة في الزمان او الدهر و التغيرات كلها في قمص النور و مرايا الظهور و هي السبحات و الآيات و العلامات و جملتها موهومات لاتعتري الحقيقة شئ من اعراضها و لايضيق فضاء سعتها كثرات حدودها لجذب الاحدية لصفة التوحيد و هتك الستر لغلبة السر الفريد و ان اردت مثال ما قلنا فانظر في تقلبات الانسان في الاطوار نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم كسوة لحم ثم حيوانا ثم وليدا ثم رضيعا ثم فطيما ثم دارجا ثم خماسيا ثم مثغورا ثم متغرا ثم مترعرعا و ناشئا ثم يافعا و مراهقا ثم حَزَوَّرا ثم باقل الوجه ثم فتيا و شارخا ثم مجتمعا ثم شابّا ثم شمطا و كبيرا و هرما و دلفا و خرفا ثم هترا ● و هذه الحالات تعرض البدن و الانسان في كلها هو هو و لايعرضه عرض منها [ص 454] ابدا ابدا و هو الذي يظهر من كلها في حالاتها فاذا عرفت حقيقة ذلك فاجل بصرك و انظر بعين القلب الي الوجود الظاهر فيها فانه ظاهر في جميع هذه الحالات و قبلها و بعدها و لايتغير فالتراب موجود و النبات موجود و الغذاء موجود و الكيلوس و الكيموس موجودان و الدم موجود و المني موجود و النطفة الامشاج موجودة و ساير الاطوار و الاسنان موجودة و الميت موجود و العظام البالية موجودة و الارواح الراجعة الي مباديها موجودة و لايتغير الوجود عما به هو هو و ان تغيّر اعراضه و ظهوراته و علم الله بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها ، افهم الرمز المبهم و السرّ المنمنم فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ، فالوجود في كل حالاته ثابت لايمرّ عليه الاوقات الزمانية اذ هي اوقات الصفات الزمانية و من شرط ثبوتها الاختلاف و التعدد في العرض و لايمرّ عليه الدهور اذ هي اوقات طولية و من شرط ثبوتها اختلاف الدرجات و الصفات المعنوية و هو واحد احدي المعني لا اختلاف فيه بوجه اوله عين آخره و آخره عين اوله و ماضيه عين غابره و ساجيه عين مائره و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون و لايحدّ بالحركة و لايعرضه عارض مطلق فلايبيد و لايهلك فهو الحي الثابت القايم الدائم اذ هو الوجه الباقي بعد فناء كل شئ فافهم .

فصل - افهم الفرق بين قولنا و قول اصحاب وحدة الوجود فانهم اشركوا بالمعبود و لم‌يعرفوا الاحد من المحدود و لم‌يميّزوا بين الحق و القيود فزعموا [ص 455] ان الوجود الحق هو المتجلي في الكثرات و المتلبس بالماهيات و معروض الصفات فيظهر كل يوم بلباس و اوّلوا بذلك قوله كل يوم هو في شأن و زعموا ان بدأ الخلق من ذاته و عودهم اليها و اوّلوا بذلك قوله الا الي الله تصير الامور و كل الينا راجعون و هيهات هيهات ما ابعدهم عن الحق و اقربهم من السحق و قد اتّبعوا المتشابهات و اوّلوها بعقولهم الناقصات و تركوا المحكمات فوقعوا في الهلكات و رطموا في الوحول اذ استبدّوا بالعقول و تركوا المنقول عن آل الرسول و اما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و مايذكر الا اولوا الالباب ، فنؤمن بمحكمه و متشابهه و لانعمل الا بالمحكم و نردّ المتشابه اليه و المحكم هو ما ثبت بالضرورة او الاخبار الصحيحة عن الائمة عليهم السلام و المتشابه ما اشتبه علينا بسبب مخالفته المحكمات و المحكم الثابت بالضرورة ان الله عز و جل خلو من خلقه و خلقه خلو منه لا الحق يصير خلقا و لا الخلق يصير حقا و الله هو الاحد الصمد لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد فلايتصل بشئ و لاينفصل عنه شئ و لايرتبط بشئ و لاينتسب اليه شئ تفسخت دونه النعوت و الصفات و ضلّت عن صفته تحبير اللغات و هو كما قال و فوق ما نقول سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و قد نسب تعالي نفسه لنبيه اذ سأله المشركون عن نسب ربه كما لآلهتهم انساب فانزل الله سورة التوحيد و الآيات من سورة الحديد هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم فكيف يسوغ مع ذلك تحديده بخلقه فيزعم انه عرضه شئ او زال عنه شئ او ظهر بشئ او غاب عن شئ او تخلّي عن شئ سبحانه سبحانه لا غير له حتي يظهر به او له او فيه بل غيوره تحديد لما سواه و هو القاهر فوق عباده و هو بكل شئ محيط و بالجملة اسلفنا في التوحيد في ابطال هذا الرأي العليل ما فيه [ص 456] كفاية و بلاغ لقوم يؤمنون و لايذكر الا العاقلون ، فالحق الصدق ان المتجلي بالخلق هو الآية و النور و هو الوجود الخلقي الذي هو الحقيقة فانت اذا نظرت اليها و قطعت نظرك عن الحدود تري الآية و هي النفس التي من عرفها عرف ربه و اما الاحد فلايكون في الخلق و لا من الخلق و لا مقاما لهم و لايصلون اليه و لو كان يمكنهم الوصول لكان يمكنهم الاحدية يوما و هذا محال و ان خاتم الانبياء مع علوّ مرتبته لم‌يصل هذه المرتبة بل هو دائما يسير باقدام سلوكه الي الله تعالي طمعا في زيادة المعرفة و يدعو ربه بلسان حاله و قوله رب زدني فيك تحيرا و قد امره ربه في كتابه بطلب الزيادة و قال و قل رب زدني علما و عجب من جماعة يزعمون انهم اذا تجرّدوا عن العبودية يصيرون اربابا و هيهات هيهات انّٰي يؤفكون و هو المدلج بين يدي خلقه و لايكادون يصلون اليه ابدا ابدا .

المطلب الرابع

في الازل و فيه فصول :

فصل - في الازل ، الازل كسبب القدم و النسبة ازليّ علي لفظه و ذكر بعضهم ان اصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم‌يزل ثم نسب الي هذا فلم‌يستقم الا بالاختصار فقالوا يزلي ثم ابدلت الياء الفا لانها اخفّ فقالوا ازلي و هو بعيد و الاول انسب و علي ايّ حال الازل هو القديم جل شأنه و هو عين ذاته تعالي و لايكون وقتا للذات كما ان القدم عين الذات فانه لو كان معني زايدا علي الذات للزم تحديده تعالي بغيره و هو محال و ليس في محال القول حجة و لا في المسألة عنه جواب و ايضا نقول لو كان الذات غير الازل و الازل غير الذات هل يكون الذات بغير ملاحظة الازلية قديمة ام لا فان قلت انها قديمة نقول فهي قديمة بالذات و ان قلت انها غير قديمة للزمك الاقرار بالحدوث للحصر العقلي فانه لا واسطة بين القدم و الحدوث ثمّ ننقل الكلام الي الازل الفرد هل هو ذات او عرض فان كان ذاتا مستقلة فكيف تحدّ بها الذات و ان كان عرضا غير مستقل فكيف [ص 457] يكون ازلا مع ان معناه الحدوث و بالجملة فلا شك و لا ريب ان الازلية عين الذات كساير الصفات الذاتية و لايكون للذات وقتا سواها كما لا مكان لها غير نفسها و هو اي الازل عين الابد و لا معني له سواه و قد زلّ قدم من قال انه غير الازل و قد فسّرهما بخلاف الآخر فقال الازل ما لا بدأ له و الابد ما لا نهاية له فان اختلاف المعني لايتصور في شأن ذات الله تبارك و تعالي فانه لا بداية له و لا نهاية فان البداية و النهاية تتصوران في المخلوق الحادث لا القديم و اذ لا بدأ له و لا نهاية فليس لاوله معني غير آخره حتي يسلب عنه الاول بغير لفظ الآخر فبدؤه و حاله و بعده كلها واحد و الكل عين ذاته فازله عين ابده و ابده عين ازله و الكل عين قدمه الا ان نجوّز هذا المعني بنحو من المسامحة ان نقول ان المراد محض تفهيم الخلق انه لا بدأ له و لا نهاية و افحش من ذلك قول من قال ان الازل ما مضي من عمر الله نعوذ بالله و الابد ما بقي و ذلك انهم لايتبعون سادتهم و يحذون حذو اصحاب الكلام و يتكلمون بآرائهم الفاسدة و يروّجون اقوالهم الكاسدة في كتبهم و قد قال عليه السلام لعن الله اصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد و هذا لاينقاد و هذا نسلّمه و هذا لانسلّمه و بالجملة لانحتاج يومنا هذا الي نقض هذه الاقوال فان الباطل يموت بترك ذكره و الحمد لله و الحق الحقيق بالتحقيق ان الازل هو القدم الذاتي و هو عين الذات تعالي شأنه و لا مفهوم له غير مفهومه فان قيل ان مفهوم القدم غير مفهوم الوجود فانا اذا عرفنا الوجود لانعرف بقاءه ابدا و اذا عرفنا بقاءه لانلتفت الي الوجود و ذلك يستلزم كون الازل غير الذات البحت اقول ليس الامر كما زعمت و بهذا البرهان القشري الجدلي لايجوز الشرك بالله فان معني الازل في الحقيقة هو الوجود الثابت القائم و ان لم‌تعرف انت ذلك و ان عبّرت عنه باسماء و ليس هناك معني غير الوجود الثابت بل نقول ذلك ايضا في ساير الصفات الذاتية كالحي مثلا فان الله لايكون بحيوة غير ذاته تعالي بل حيوته عين [ص 458] وجوده مع انك ربما لاتعرف من لفظ الوجود معني الحيوة و كذلك العلم و القدرة و بالجملة فعدم معرفتك المعني من لفظ لايدل علي ان معني الصفات الذاتية غير الذات بل اقول علك لم‌تعرف معانيها المسوغة للذات و زعمت ان حقايقها عين ما يجوز في الخلق فقلت ان مفاهيمها غير مفهوم الذات فتدبر ثم اعلم انه قد يوصف الازل بالازلية الاولي و الثانية في الاخبار كما في كلام اميرالمؤمنين عليه السلام و وجه ذلك ان ازلية الذات علي ما عرفت هي عين الذات و لاتفيد معني غيرها و لكنها ظهرت في الكينونة العلمية التي هي حقيقة المشية و وجودها و هي آية الذات و ظهورها و لذا قد تسمّي بالذات الظاهرة و الاحد الوصفي و هي صاحب الازلية الثانوية بالنسبة الي الذات اذ هي فوق السرمد بل قد نقول ان مصداق اسم الازل هذا المقام بل اسم الاحد و الذات ايضا له و اما حق الذات فهو منزّه عن الكل فعلي ذلك هي الازلية الاولية و الازلية الثانوية علي ذلك السرمد و كل ذلك محض اصطلاح و سيجيء بعد ان شاء الله في مبحث القدم و الحدوث بيان ذلك مفصلا .