المبحث الثاني

في السكون و فيه فصول :

فصل - قد ظهر مما بيّناه سابقا تعريف السكون و من باب توضيح البيان نقول ان السكون عند قوم ضدّ الحركة و عند آخرين يقابلها تقابل العدم و القنية و عرفه كل طائفة بكلام و بعض من قال بوجوده ايضا عرفه بعدم الحركة و قد قلنا في تعريفه انه الصفة الاولي الثابتة غير المتغيرة في الآن الثاني و لايضرّنا اخذ الآن في تعريفه لان الآن و الزمان عندنا هو الوقت المطلق و حركته صفة زايدة عليه و هي غير نفسه و جزئه فما اوردوه في المقام علي التعريفات التي اخذ فيها الزمان لايرد علينا و لانحتاج الي نقلها و بسط كلام فيها فان كتب القوم بها مشحونة و مجمل القول فيه انه اذا انتقل الشئ من حال الي حال و وصف الي وصف يقال انه تحرك من هذا الحيث و حركته توجهه نحو الغير و الكمال الاول و الصفة الاولي هو التوجه و الاقبال فانه اول الصفات و مبدؤ الجلوات للذات و اما السكون فهو عدم الاقبال الي نحو فعلية اخري و البقاء علي الحال الاول و هو ايضا فعل من الافعال و عرض من الاعراض علي ما سأبيّنه ان شاء الله .

فصل - اعلم ان القوم اختلفوا في حقيقة السكون فزعم بعضهم انه عدم الحركة و لذا قالوا ان تقابله معها تقابل العدم و الملكة و ذلك خطاء صرف يخالف العقل [ص 411] و النقل فان اميرالمؤمنين عليه السلام قد صرّح في حديث طويل في بيان حدوث الجسم بان الحركة و السكون عرضان يعرضان الجسم و لا بدّ للجسم من الاتصاف باحدهما و لو كان السكون عدما لماقال انهما عرضان للجسم بل لم‌يكن الا عرض واحد و عدم العرض لايكون عرضا بل هو خلو عنه ثمّ انا نقول بالعقل ما تريد من العدم هل تريد القوة فالسكون علي ذلك قوة الحركة اي امكانها فكيف تقابلها مع ان القوة عدم و العدم لايقابل الوجود و لايضادّه فان المضادة تحصل بين شيئين فعليين يمكن تركيبهما واحدا بعد واحد علي المادة كالسواد و البياض و العدم نفس المادة و لو كان السكون نفسها لكان صالحا للتصور بها فكيف يكون ضدّها و ان قلت انه لايكون مادة اقول فهو صورة و هي فعلية فلمَ تقول انها عدم و ايضا نقول انا نري بالعيان ان الجسم اذا ثبت في مقام و لم‌ينتقل منه يقال انه ساكن و لا شك انه يدرك منه صفة فانصف من نفسك ان ما تدركه منه صرف عدم وجوده في مقام آخر او تدرك تثبته في هذا المقام لااظن عاقلا يقول اني اري عدم تحوّله الي مقام آخر او عدم كونه هنا فاعرف انه ساكن فاني اري عيانا اني لاالتفت الي غير وقوفه في هذا المقام و لااتذكر مقاما آخر ابدا و مع ذلك احكم بسكونه فهل رأيت شيئا سمّيته بالسكون او لاشئ لا شك انه شئ و هو الوقوف و هكذا الامر في جميع انواع الحركات و السكنات فليس السكون الا عرض مثل الحركة و هو ايضا كمال مثل السواد و البياض لايقال انه نقص فاني اقول ان الكمال و النقص امران نسبيان فرب حركة هي نقص و رب سكون هو كمال مع ان كمال الكامل قدرته علي التقلب في كل الاضداد فمن لم‌يقدر علي ذلك فهو ناقص .

فصل - بعد ما عرفت وجود السكون فلنبين الآن موضوعه فاقول ان موضوعه في الظهور الاجسام كالحركة فان ما هو بالفعل من كل جهة لايعرضه السكون و كذا ما هو بالقوة من كل حيث اما الفعلية الصرفة فلاتليق الا بالله [ص 412] عز و جل لانه الموجود من كل حيث فلايكون فاقدا لشئ من الكمالات فهو الكامل المطلق و الوجود الحق و الكامل المطلق لايتصور في حقه التثبت علي شئ كما لايتصور في شأنه الانقلاب و التقلب في الاحوال و ببرهان آخر نقول انه خالق السكون و الحركة و المتحركات و السواكن و موجد الشئ من العدم لايوصف به فانه لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه الاتري الي قول الامام عليه السلام بتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له ، فكذلك نقول بتحريكه المتحركات عرف ان لا حركة له و بتسكينه السواكن علم ان لا سكون له اما عدم كون المحرك متحركا فلأنه لا باعث لحركته غير نفسه فلو كان نفسه باعث ظهور الكمالات فلايتصور في شأنه فقد شئ منها و لا معني للحركة الا التوجه نحو ما يفقده من قواه و كذلك نقول انه لايكون ساكنا اذ السكون هو الوقوف و التثبت علي الصفة الاولي في الآن الثاني و لو كان موصوفا بذلك كيف يقدر علي تحريك المتحرك ، هذا و نقول ان السكون المفروض في الاحد عين ذاته او غيره فان قلت بالاول اقول ان السكون بنفسه لايكون جوهرا اذ عرفت انه الفعل فهو عارض يلزمه موضوع غيره فكيف يفرض ان يكون ذات الاحد التي هي مجهّرة كل جوهر و كل شئ سواها يقوم بامرها عرضا قائما بغيره فلا بدّ و ان يكون سكونها غيرها و هو عرضها و الاحد لايعرضه سواه اذ لو عرضه شئ لخرج عن الاحدية الي التكثر كما هو ظاهر فالسكون مما لايعرض الاحد كساير الاعراض و اما القوة الصرفة فهي الامكان و الهيولي العليا و لدي المسامحة في بادي النظر ربما يزعم انها ساكنة و لكن بعد التعمق تعرف انها خارجة عن السكون و ادلة ذلك كثيرة منها انا نقول ان الامكان من حيث نفسه صلوح صرف و هو قوة الذوات و الصفات كلها فهو صالح علي التهيأ بجميعها فلو كان ذاته ساكنة لماكانت صالحة للحركة اذ السكون الذاتي لايصير حركة و اذ لم‌تصلح للحركة فلايكاد يخلق منه شئ [ص 413] ابدا و منها ان السكون اِما يكون ذات الامكان او صفته فان كان ذاته فيلزم من ذلك عدم تقلّبه في الصور اذ ذاته السكون و عدم قبوله للحركة لانه ذات القوة و ان كان صفته فهي غيره و عارضه فهي موجودة مكوّنة و يلزم من ذلك اتصاف القوة الصرف بالوجود و الكون و هذا محال و ايضا نقول ان الامكان خالٍ عن جميع الفعليات و لا وجود له الا من حيث انه قوة فما معني سكونه هل هو عين كونه قوة فلا سكون او غيره فالمفروض انه قوة من كل حيث و ان قلت انه ساكن علي القوة اقول السكون حيث غير ذاته او عين ذاته فان كان غير ذاته فمعه غيره و هو فعلية فلايكون قوة من كل حيث و ان كان عينها فلا سكون الا القوة فتدبر حتي تقف علي جميع جهات المسألة فانحصر الامر في ان يكون السكون ثابتا فيما هو بالقوة من جهة و بالفعل من جهة كالحركة .

فصل - اعلم ان الله عز و جل خلق ما خلق من مادة و صورة اما المادة فهي مقام الصلوح و القوة و اما الصورة فهي مقام الفعلية و هي من قوي المادة لانها تصلح للتصور بها و بغيرها و قد مرّ شرح ذلك سابقا و ما نحن بصدده الآن ان المادة مادتان و الصورة صورتان ذاتية و عرضية كما مرّ شرحهما اما الذاتيتان فهما معا لاتتفرقان و الشئ قائم بهما قيام ركن و مادته قائمة بصورته قيام ظهور و تكون صورته بمادته قيام تحقق فان مادته وجوده و صورته نهاياته و اذا كان الامر فيهما هكذا فلايفرض فيهما حركة زايدة عن نفس ذاتهما و هي حركة استمدادية من المبدء اي القبول و الدعاء و الذات يمدّهما بالكسر و الصوغ و بذلك يحصل لهما الترقي علي خلاف ما زعم بعض ان الصورة تتحلل و يأتي بدلها فان الذات لاتتغير ابدا و كذلك الكلام في السكون في المقام فلايعرضهما سكون زايد علي نفسهما اذ الفعل لايذكر مع الذات و هي دونها و لكن سكونها ذاتي فلاتنافي الحركة الذاتية فان السكون المضادّ مع الحركة فيما اذا كانا وصفين [ص 414] و من جهة و اما سكون الجوهر فهو عين ذاته و هو بملاحظة استقراره تحت ظل مبدئه و عدم خروجه الي غيره كما قال عليه السلام في صفة الابداع خلق ساكن لايدرك بالسكون و قال باسمك الذي استقرّ في ظلّك فلايخرج منك الي غيرك ، و هذا السكون لايضاد الحركة الجوهرية فانه مستقر تحت ظل المبدء و يستفيد منه مع ذلك دايما و هو مع ذلك هو فتدبر و اما العرضيتان فهما من متممات حقيقة الشئ و عوارضه و هما من الجسم و لايقوم الجوهر بهما الا قيام ظهور عرضي فاذا اخذ له بدن جسماني عرضي يظهر فيه ما دام بقائه و اذا فسد تركيبه يرجع الي عالمه علي ما ينبغي له و كان عليه بمادته و صورته و لا شك ان ما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه فيعترضه الاعراض و هو المعروض لها في ضمن الجسم و الجسم بنفسه قوة صرف اذ هي ظاهر الامكان الجايز الاعلي و جميع الصور العرضية في قوته و ما من ذاته القابلية لجميع الصور و لذا نقول ان جميع الصور الواردة عليه متمماته و ليست مما به هو هو و لذا يجوز استحالة كل جسم خاص الي جسم آخر كما سيأتي في محله ان شاء الله و لو كان شئ منها من ذاتياته لماتغيّر و لمااستحال فان الذاتيات لاتتغير فالجسم يمكنه التقلب في المتممات و الانتقال فيها و عدمه فان كليهما من قواه و ليس شئ منهما من ذاتياته فاذا انتقل في عرض من اعراضه يقال انه تحرك و اذا ثبت علي حال من الاحوال يقال سكن و هذا سرّ حركة الجسم و سكونه فافهم و اعرف قدر هذه البيانات الكلية الحقة المأخوذة من البراهين اليقينية و اهجر مزخرفات الناس و انا قد عزمت علي بيان هذه المسائل لان مشايخنا اعلي الله مقامهم لم‌يتعرضوا لبيانها الا مجملا في بعض المقامات و تركوا ذكر مسائل كثيرة من هذه العلوم لاشتغالهم بالاهمّ و انا قد ابتليت ببيانها لكشف الحق عن كل مسألة ان شاء الله تعالي بالجملة فالجسم هو المتحرك و الساكن بالعرض في المتممات فعلي ما بيّنا للجسم حركتان و سكونان حركة ذاتية و سكون [ص 415] ذاتي و حركة عرضية و سكون عرضي اما الذاتي منهما فجوهري علي الوجه المقرر سابقا و اما العرضي فالحركة و السكون في المقولات التي هي عوارض المتممات .

فصل - لما عرفت ان الجسم بنفسه قوة لجميع الاعراض و ان السكون ايضا مثل الحركة امر وجودي و هو صفة موجودة مشهودة فاعلم ان الجسم بنفسه لايقدر علي تكميل نفسه بالحركة او السكون اذ هو قوة عدمية علي ما مرّ و القوة بنفسها لاتحصل لنفسها شيئا لاتملكه فان العادم لايصير موجدا فان الموجد و المكمّل من كان له فضل وجود يفيض علي غيره من فضل وجوده و الفاضل في الوجود هو الفعلية الكاملة لا القوة التي هي صلوح الفعلية فتدبر فلا بدّ من وجود مكمّل له بالفعل حتي يخرج قواه كما قلنا سابقا في الحركة فكما ان المتحرك لايتحرك الا بمحرّك كذلك الساكن لايسكن الا بمسكّن بل اقول لا فرق بين الحركة و السكون و السواد و البياض و الكمّ و الوضع مثلا فان الجسم بنفسه لايقدر علي ان يسود وجهه و يطيل قامته مثلا الا بمغيّر آخر كذلك لايقدر علي الحركة و السكون فهما ايضا بسبب غير الجسم و هو الله تعالي فانه الفاعل لكل شئ و يجري ما يشاء بما يشاء فيحرّك ما يشاء بما يشاء و يسكّن ما يشاء بما يشاء قال الله تعالي ان الله يمسك السموات و الارض ان تزولا و لان زالتا ان امسكهما من احد من بعده انه كان حليما غفورا و قد اجري فعله في ملكه بالقلم الذي هو اول ما خلق و حقيقة النبوة و لذا تنسب الي آل‌محمد الفعل في الزيارة و تقول بكم تحرّكت المتحركات و سكنت السواكن ، و قد جري فعل القلم علي النفس المخلوقة من شعاع العقل و ظهر منها فالنفس هي المحركة المسكنة لا غير و هي الفعلية الكاملة و احدي يدي الرب في اجراء ما شاء كما قال في كتابه ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ام كنت من العالين فافهم فالنفس يد الله في اجراء ما يشاء في عالم [ص 416] الاجسام و منها السكون و الحركة فاذا حرّك الجسم يتحرك و اذا سكّنه يتسكن نعم لا بدّ من ثبوت احدهما له لمضادتهما كساير الاضداد كالحرّ و البرد و غيرهما و لايلزم من ذلك كون احدهما من طبعه فجميع الفعل في الملك اي عالم الاجسام من النفس و افعالها ارادية الا ان بعض القوابل تحكي الفعل و الارادة جميعا و بعضها لايحكي الارادة كاملة و قد نفاها الناس عن بعض لعدم كمالها فيهم فتدبر و لما اتينا علي ما قدّر الله من بيان القوة و الفعل و الحركة و السكون ناسب ان نذكر حقيقة الاوقات فانها مسألة كلية يتفرع عليها مسائل كثيرة و ليس لذكرها مقام انسب من هنا لانها ايضا من الامور العامة .

المقام الرابع

في بيان الاوعية الثلثة و هي الزمان و الدهر و السرمد و نتبعها ببيان الازل و الابد ان شاء الله و لا بدّ لتكميل البيان من ذكر مطالب :

المطلب الاول

في الزمان و قد قدّمناه علي الباقي مع تأخّره عنها لقربه الي الاذهان و سهولة معرفته لابناء الزمان و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الزَّمان في اللغة مدّة قابلة للقسمة يطلق علي قليل الوقت و كثيره كذا في المعيار نقلا من المصباح و في القاموس الزَّمَن محركة و كسحاب العصر و اسمان لقليل الوقت و كثيره ج ازمان و اما في الاصطلاح فقال الآخوند رحمه الله في رسالة القدم و الحدوث ان في كلام اساطين الحكمة نسبة الثابت الي الثابت سرمد و نسبة الثابت الي المتغير دهر و نسبة المتغير الي المتغير زمان و قال ارادوا بالاول نسبة الباري الي صفاته و اسمائه و علومه و بالثاني نسبة علومه الثابتة الي معلوماته المتجددة التي هي موجودات هذا العالم بالمعية الوجودية و بالثالث نسبة معلوماته المتجددة بعضها الي بعض بالمعيّة الزمانية التي هي عين التقدم و التأخر الزمانيين تأمل فيه اقول بعد التأمل التامّ عرفنا ان هذا المراد باطل مخالف للكتاب و السنّة نعم ان لم‌يريدوا من تعريفهم هذا المعني [ص 417] الظاهر منه لكان حقا الا ان نقول ان مراد الآخوند من امره بالتأمل محض الخدشة في كلام الاساطين و ذلك لان الله سبحانه لاينسب الي اسمائه و صفاته فانه منزّه عن جميعها لانه تعالي احد و الاحد في ذاته لايسمّي و لايوصف و الصفات الذاتية علي فرض ثبوتها هي عين ذاته المقدسة و غيرها خلقه و انما سمّي باسمائه لمحض التعبير و وصف لمحض التعريف كما قال تعالي سبحان ربك ربّ العزّة عما يصفون و قال سبحان الله عما يصفون ، و قال الامام عليه السلام اسماؤه تعبير و افعاله تفهيم ، فكيف ينسب تعالي الي خلقه و كنهه تفريق بينه و بين خلقه و قد ابطلنا اصول هذا المذهب في التوحيد فهو تعالي لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ و كذلك قوله نسبة علومه الي آخر ، باطل آخر فان علمه تعالي عين ذاته و لاينسب الي المعلومات الخلقية و لايكون معها بالمعيّة الوجودية فانه يلزم من ذلك كون علمه عين المعلوم فيلزم من ذلك كون الذات القديمة الاحدية عين الحوادث المتكثرة كما هو لازمة القول بوحدة الوجود و قد فرغنا من ابطال هذا المذهب و الحمد لله و يكفي في بطلان هذا المذهب ان الله لم‌يسدّد قائليه و ابطل قولهم علي السنة اوليائه و ردّ عليهم في صريح كتابه و قد اشبعنا القول في ذلك سابقا و ابطلنا مذهبهم في دروسنا و ساير رسائلنا و بالجملة العلم الذاتي عين الذات و حكمه حكمها و معلومه نفس الذات فلاينسب الي الخلق و العلم الحادث نفس المعلوم الحادث و مراتبه مختلفة كمراتب الحادث ففي السرمد سرمدي و في الدهر دهري و في الزمان زماني و كذلك قوله الثالث في الزمان خطاء فان معلوم الله تعالي لايتجدد بالنسبة اليه سيما علي مذهبه ان المعلوم عين ذاته فانه تعالي عالم بالشئ قبل وجوده و بعد وجوده و لايتغير علمه و علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها فلايحدث له تعالي علم بشئ جديد لم‌يكن يعلمه سبحانه و تعالي عما يصفون و بالجملة قوله (ره) في المقام فاسد مخالف للكتاب و السنّة [ص 418] و اما نفس التعريف لو لم‌يريدوا منه ما قال حسن و ان كان ناقصا في التعبير و قال شيخنا القمقام اعلي الله له المقام في بيان ماهية الزمان انه امتداد مدة انتقال الجسم الي الامكنة الظاهرة او مكنته فيها و الدهر باطنه و روحه و هو امتداد معنوي لمدد انتقال النطف المجردة ، الي آخر كلامه الذي يأتي تمامه بعد ذلك ان شاء الله و قد قال انه امتداد مدة انتقال الجسم الي الاماكن الظاهرة لان المكان الحقيقي للجسم لايفارقه لانه من مشخصاته و هو البعد المخلوق الذي شغله الجسم بالحصول فيه و لايدرك كونه مخلوقا الا بنظر الفؤاد و ذلك لان تصوره يحصل لو فرض عدم الجسم كان موضع حجمه فارغا و حينئذ يتوهم كثير انه اعتباري كما سيجيء ان شاء الله في الفصل الآتي و قال ابي اعلي الله مقامه في بيان ماهيته بيانا كاملا شريفا طويلا حاصله ان لكل صفة حدّا غير صفة اخري و الصفات المختلفة المتضادة متغايرة لايمكن اجتماعها في محل واحد فلكل واحدة منها مكان ذاتي في عرصة الوجود غير مكان الاخري فاذا نسبت صفة الي صفة وجدت حضور احديٰها عندك غير حضور الاخري و اخريٰها غير حاضرة لديك بحضور الاخري فنسبة ترتب هذه الحضورات عندك زمان اذا نظرت اليها بعين الوصفية فان الصفات مترتبة بعضها علي بعض و بعضها سبب بعض و بعضها معدّ بعض و بعضها شرط بعض و قد نضدت في عالم الفعليات علي النظم الطبيعي و تخرج في عالم القوة و الاستعداد من القوة الي الفعلية كذلك اي يخرج السبب اولا و المسبّب ثانيا و هكذا فينتزع من ترتب خروجها امتداد و هذا الامتداد هو الزمان و يكال و يمسح و يقدّر بالايام و الاسابيع و الشهور و السنين و القرون فتقول من ظهور تلك الصفة الي ظهور هذه الصفة يوم او اسبوع او شهر و هكذا و لما كانت الصفات متغايرة و لاتجتمع في مكان واحد و لا علي مادة واحدة يحصل من حصولها فيها مدّة و هي الزمان هذا خلاصة كلامه علا مقامه و قال في رسالة كتبها في اواخر عمره اعلي الله درجته و انار ضريحه [ص 419] في شرح اللوح المحفوظ ما هو عين لفظه : اعلم ان فهم الاوعية الثلٰث و الازل من المشكلات و كثر الناطق فيها و قلّ المدرك لها و رسم التعليم يقتضي ان اقدّم توصيف الزمان فانه اقرب الي فهم ابنائه ، اعلم ان الزمان هو نسبة بين صور تظهر علي مواد الاجسام الظاهرة التي هي العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر و ما يتولد منها مثلا اذا اخذت حفنة تراب و القيت عليها صورة لبنة ثم كسرتها و القيت عليها صورة كأس ثم كسرتها و القيت عليها صورة كوز فهذه الصور الفعلية كل واحدة غير الاخري و ليس ظهور كل واحدة في ظهور الاخري و لا بد في ظهور الثانية من محو الاولي عن لوح المادة و رسم الثانية ثمّ كذلك لا بدّ في رسم الثالثة من محو الثانية و هكذا فاذا نظرت الي الثانية في نفسها ثم نسبتها الي الاولي و انها محيت حتي رسمت الثانية و انها في رسمها تمنع الثالثة من الارتسام علي المادة فالثانية في نفسها حال و نسبة الاولي اليها نسبة المضي لان الاولٰي قد دخلت عرصة الفعلية و امضيت ثم محيت و مضت و نسبة الثالثة نسبة الاستقبال لانها لمّاتخرج الي عرصة الشهود و الفعلية و الحال تستقبلها استقبالا و هي بعد في عرصة القوة و لمّاتطأ عرصة الفعلية فهذه النسبة هي القبلية و البعدية و هي امتداد ما بين مبدأ شئ و منتهاه و هي الاجل و العمر و ليس من الزمان شئ بموجود الا الحال و الماضي و المستقبل منهما معدومان اما الماضي فممحو من لوح مادة الجسم و اما المستقبل فغير مثبت و لذا قال عليه السلام :

ما فات مضي و ما سيأتيك فاين قم فاغتنم الفرصة بين العدمين

فهما معدومان من عرصة الزمان و عرصة الزمان دائما هي عرصة الحال و هي دايمة السيلان غير واقفة كنهر جارٍ انت واقف عليه و تحاذي جزءا منه فمنه ما وصل اليك و مضي و جاوز و منه ما لم‌يصل اليك بعد و ما يحاذيك منه ايضا غير واقف ، الي ان قال اعلي الله مقامه : فانت اذا نظرت الي هذا العالم و نظرت [ص 420] الي نسبة فعلية الي اخري و هي ما كان يقال نسبة متغير الي متغير فهي الزمان ، اقول كلامه اعلي الله مقامه تفصيل اجمال كلام الشيخ اعلي الله مقامه و يكفي عن جميع البيانات و لكن لما كان بناؤنا علي بيان بعض جزئيات المسألة و توضيحها اردفه بفصول اخر ابيّن في كل فصل ما يناسبه ثمّ لايخفي ان مراده اعلي الله مقامه من قوله نظرت الي نسبة فعلية الي اخري الخ ، نسبة خاصة و هي النسبة الامتدادية ككون هذه الصورة مقدمة مثلا و هذه متأخرة و هذه دوامها اكثر و عمرها اطول و هذه اقصر عمرا و اقل دواما لا كل نسبة فان النسب حاصلة بين جميع الاعراض و اكثرها خارج من الزمان كنسبة الاين مثلا و ان مكان هذه ارفع و مكان هذه انزل و هذا اوسع و هذا اضيق و كمِّ هذا اثقل و هذا اخف و هذا الطف و هذا اكثف و هكذا فان في كل عرصة نسبة و ليس شئ منها من الزمان و لكن النسبة الزمانية هي الامتداد و ما يتعلق به لا غير فلاتغفل و سيظهر لك شرح المسألة ان شاء الله .

فصل - ذكر في الشفاء ان من الناس من نفي ان يكون للزمان وجود البتة و منهم من جعل له وجودا و القائلون بموجوديته اختلفوا في نحو وجوده فمنهم من زعم ان له وجودا في الوهم لا في الاعيان و منهم من جعل له وجودا لا علي انه امر واحد في نفسه بل علي انه نسبةٌ مّا علي جهة مّا لامور ايها كانت الي امور ايها كانت فقال ان الزمان مجموع اوقات و الوقت عرض حادث يفرض وجود عرض آخر مع وجوده كحضور زيد مع طلوع الشمس فهو وقت للآخر ايّ عرض كان و منهم من جعل للزمان وجودا و حقيقة قائمة فمنهم من جعله جوهرا قائما بذاته مفارقا للجسمانيات و منهم من جعله جوهرا جسمانيا هو نفس الفلك الاقصي و منهم من عدّه عرضا فجعله نفس الحركة و منهم من جعله حركة الفلك دون ساير الحركات و منهم من جعل عودة الفلك زمانا اي دورة واحدة و حكي الآخوند من ابي‌البركات البغدادي ان الزمان مقدار الوجود [ص 421] و منهم من يخيّل ان للزمان وجودا مفارقا علي انه واجب الوجود لذاته و اليه ذهب جمع من متقدمة الفلاسفة و منهم من يضع ادراجه في الطبايع الامكانية لكن لا علي ان يعتبر له تعلق بالمادة بل علي انه جوهر مستقل منفصل الذات عن المادة و هذا الرأي منسوب الي افلاطون الالهي و بعض اشياعه و مَشرع الفريقين استحالة ان يقع تغيّر في ذات الزمان و المدة اصلا ما لم‌يعتبر نسبة ذاته الي المتغيرات فليس ذاته ان لم‌يقع فيها الحركات و التغيرات متغيرة و لايكون لها الا الدوام و السرمدية و ان حصلت لها قبليات و بعديات فليس من جهة تغير ذاته بل من قبل تلك المتغيرات ثمّ ان اعتبرت نسبته الي الذوات الدائمة الوجود المقدسة عن التغير سمّي من تلك الجهة بالسرمد و ان اعتبرت الي ما فيه الحركات و التغيرات من حيث حصولها فيه فذلك هو الدهر الداهر و ان اعتبرت نسبته الي المتغيرات المقارنة اياه فذلك هو المسمّي بالزمان بالجملة هذه مجمل اقوالهم و بعضها باطل مخالف للكتاب و السنة و بعضها ناقص و لست بصدد ابطال الباطل و تكميل الناقص منها و سيظهر لك ضعفها و نقصها من بياناتنا ان شاء الله و انا افرد لكل بيان فصلا ان شاء الله .

فصل - لا شك ان الزمان ثابت موجود و ذلك امر مشهود يعرفه كل من له ادني مسكة و ان ابيت الا الدليل العقلي فاقول من باب الطبيعي انا نشاهد حركات مختلفة في المقطوع من المسافة مع اتفاقها في الاخذ و الترك تارة ثمّ اتفاقها في المقطوع من المسافة و اختلافها فيهما او في احدهما تارة اخري و لا شكّ ان هذه النسب ليست من باب نفس المسافة و لا نفوس الاجسام فنعرف ان في الوجود كونا مقداريا غيرها و يشهد بالفرق بينه و بينها كونه غير قارّ بخلاف المسافات و ساير الاعراض القارّة و هو مقدار لامر غير قارّ و هو الحركة و لايرد عليه ما اوردوا انه يلزم من ذلك اجتماع ازمنة في زمان واحد و آن واحد بملاحظة ان لكل حركة زمانا خاصا فان الزمان ليس جوهرا خارجا عن [ص 422] الجسم قائما بنفسه حتي يجتمع فيه اشياء او يفترق كالمكان العرضي للشئ اذ هو خارج عن ذوات الاجسام الحالّة فيه و يحلّ فيه اجسام متمكنة و لكن مدة بقاء النسبة و نفس المدة من حيث هي هي لاتقوم بلا وجود ذي النسبة و هي من المعاني التي يعرفها الوهم من الاشياء بعد ملاحظة النسب و لذا نقول انك لو لم‌تنسب الصفات لم‌تر الزمان و لكل صفة نسبة بحسبها الي صفة اخري و ربما تجتمع النسب باجتماع المنسوبات و المنسوب اليها و لايلزم من ذلك اجتماعها مع اختلافها في نسبة واحدة ابدا بل ليست الا ككيوف اجتمعت علي مواد فانه لايلزم من ذلك اجتماعها في كيف واحد فتدبر نعم يجمعها نسبة كلية مطلقة و هي دهرية فوقها و القائل زعم ان الزمان بنفسه جوهر خارج و لكل حركة ايضا حصة من الزمان و يلزم من اجتماعها اجتماع ازمنة متعددة في زمان و تحديدها بآن فافهم الفرق و ايضا نقول انك اذا نظرت الي الصور المقترنة بالمواد المتتابعة تري بعضها قبل بعض و بعضها بعد بعض بل يحصل تلك النسبة بين الصور الطارية علي مادة كالشمعة مثلا فانك تثلّثها مرّة و تربّعها اخري و تخمّسها اخري علي الترتيب ففي حال التثليث يكون غيره معدوما عليها و من بعد ما ربّعته ينتفي التثليث و يثبت التربيع و من بعد ما خمّسته يثبت التخميس و ينتفي التربيع و الصورة الثابتة دايما حال و سابقها المنتفي ماضٍ و اللاحق المعدوم مستقبل و لايشك عاقل في حصول هذه النسبة و ليست هي نفس الجسم و لا مادته و لا نفس صورته و لا مكانه بل هو امر متحصل موجود غيرها و هو المسمّي بالزمان و لو كان معدوما بالمرة لماكان يعقل و عدم وجود الماضي و المستقبل في الآن لايكون سبب نفي الزمان بالكلية فانه لا شكّ ان الماضي كان ثابتا في حال الا انه مضي و كأنه مات من الدنيا و رجع الي القوة و المستقبل سيوجد و يمضي فاجزاء الزمان موجودة كلها في اوقاتها و اوقاتها انفسها معدومة في غير وقتها و ذلك لايكون سبب نفيها بالكلية [ص 423] و النافي لوجود الزمان ايضا لايقدر علي نفي الآن فانه لا شك في وجوده فان العقل حاكم بوجوده ان لم‌يتمكن الخيال من تحديده و غاية جهده في نفي الماضي و المستقبل عن الآن و ان لم‌يعرف حقيقة مراده و لو لزم من ذلك نفي الزمان بالكلية للزم نفي اغلب الفعليات لانه في الواقع جميعها سائلة اذ كلها نازلة من عند الله دائما و كل فعلية في الحقيقة جديدة و ما مضي منها رجع الي ما منه بدئ و ما سيأتي منها في عرصة القوة مع ان جميعها حاضر في علم الله تعالي و لايعزب عنه مثقال ذرة في السماوات و لا في الارض و لا اصغر من ذلك و لا اكبر الا في كتاب و بالجملة الزمان بحر سيّال يجري دايما يذهب بعض منه و يلحق بعض و ذلك لايكون سبب نفيه بل هو ثابت في مقامه و انت تدركه و لاتعقله .

فصل - بعد ما عرفت وجود الزمان و ثبوته نتكلم في حقيقته حتي تعرفه فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية و الاحد لايتناهي بوجه فلا حدّ له و لا نهاية يحدّ بها و ينتهي اليها بوجه من الوجوه في حيث من الحيوث فلايكيّف بكيف معلوم و لايقدّر بكم معيّن و لايخصص بوضع مخصوص و لايأيّن بأين و لايوقّت بوقت و لا و لا ، بل سبق الاوقات كنهه و ملأ جميع الامكنة عظمته و طوي جميع الكيوف كيفه و قهر جميع المقادير قدرته و ظهر في جميع الاوضاع نوره فلايري فيها نور الا نوره و لايسمع منها صوت الا صوته و لايكون لغيره من الظهور ما ليس له و لم‌يقسم لما سواه من الوجود ما عَدِمه و هو هو وحده وحده و لا احد سواه فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فلا وقت لله تعالي يوقت به فلا نهاية له و لا بداية و قد خلق ما خلق بمشيته تعالي من الامكان فاخذ لكل شئ حصّة من الامكان و صوّرها بايّ صورة شاء من الاعيان و ذلك قوله تعالي خلقك فسويٰك فعدلك في ايّ صورة ما شاء ركّبك و جعل لكل مقاما و حدّا و بذلك عمرت الديار و اختلفت العوالم فمنها جبروت و منها ملكوت و منها ملك [ص 424] و ذلك بحسب اختلاف حصص الامكان و اختلاف مراتب الاكوان و تدرج صور الاعيان و لست هنا بصدد تفصيل مراتب العوالم و اختلافها و شؤنها و سيجيء ان شاء الله ذكرها و مرادي هنا الاشارة محض المقدمة و بالجملة باختلاف مراتب الاكوان و الاعيان اختلفت امكنتهم و اوقاتهم فان مكان كل شئ مقامه الخاص به من عرصة الامكان الذي هو شاغله و لايشغله غيره و وقته مدة تركب صورته علي مادته من بدئها الي ختمها فيختلف الزمان و المكان بحسب اختلاف الشئ لطافة و كثافة و مرتبة و مقاما و كلامنا الآن في الزمانيات و هي هي عالم الاجسام لا غير لا مطلق الجسم ايضا بل الاجسام الجزئية من العرش الي الفرش و المواليد المتولدة فيها منها و قد خلقها الله تعالي و حدّدها بامكنة و اوقات اما امكنتها فهي الفراغ الذي تشغله فان كل شئ واقف في مكانه الخاص به لايتجاوزه بوجه من الوجوه و اما اوقاتها فهي نهايات صورها اي من بدأ خروجها من القوة الي فنائها و كذلك مدة بقاء نسبها بعضها الي بعض ايضا من الزمان و هذه المدة امر معلوم مشهود و لاينكرها العقل السليم و هي مخصوصة بالدنيا لايتجاوزها كما في الخبر عن اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة له و انه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت و لا مكان و لا حين و لا زمان عدمت عند ذلك الآجال و الاوقات و زالت السنون و الساعات فلا شئ الا الواحد القهّار اليه مصير جميع الامور الخطبة ، و هي صريحة في ان الزمان مخصوص بالدنيا و عن الصادق عليه السلام في حديث مفضل فبالسنة و اخواتها يكال الزمان من لدن خلق الله تعالي العالم الي كل وقت و عصر من غابر الايام الحديث ، و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث في صفة عالم الذر ثمّ اخفي الله الخليقة في غيبه و غيبها في مكنون علمه ثم نصب العوالم و بسط الزمان و مزج الماء الحديث ، فظهر من هذه الاخبار ان الزمان وقت للدنيا و الدنيا هي هذا العالم لا غير سمّي بها لانه [ص 425] ادني من جميع العوالم و اذا عرفت مدة بقاء الصور علي المواد و النسب فاعلم ان هذه المدة بنفسها لاتكون جوهرا قائما بنفسه خارجا من الاجسام و ذلك امر مشهود بل هي من المعاني النسبية التي يستنبطها الوهم لااقول انه لا وجود لها في الخارج كما زعمه جماعة فانه لو كان وجودها وهميا صرفا للزم عدم زمان لولا متوهم و لكن لها وجود كوجود ساير المعاني النسبية مع الاشياء و لو كانت جوهرة خارجة لما كان يحدّ بها الاشياء الخارجة فان ما يكون خارجا من الشئ لايكون نهايته ثمّ نقول ماذا هو هل يكون جسما او غير جسم فان كان جسما كالفلك الاقصي كما ظنّ جماعة او مجموع الافلاك فهي بنفسها ايضا اجسام لها ازمنة فماذا يكون زمانها مع انك تشاهد علانية انك توقت كل شئ مع عدم ملاحظة الفلك الاقصي ثمّ ما معني هذا الكلام ان الفلك الاقصي زمان الاجسام فانك تقول ان زيدا مثلا قبل عمرو هل تريد من ذلك ان الحصة السابقة من الفلك لزيد و الحصة اللاحقة لعمرو لا شك ان العاقل لايقول مثل ذلك مع ما تري ان الامام عليه السلام قال ثمّ نصب العوالم و بسط الزمان ، و من العوالم الافلاك و الامام فرّق بينها و بين الزمان فقال بعد ذكر نصب العوالم و بَسَطَ الزمان ، فالزمان غيرها و هو وقتها و كذلك نقول ان قال انه غير جسم بل هو جوهر اقول اما اوّلا فالجواهر لا بدّ من ظهورها و تمثّلها و الا فلاتكون موجودة كما قال مولانا علي بن الحسين عليهما السلام لم‌تمثّل فتكون موجودا و لا شك ان التمثّل لايكون الا في عالم الاجسام فلا بدّ ان يكون الجوهر مجسّما و قال عليه السلام كل ما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، فيكون مجسّما مثل ساير الاجسام فكيف يوقّت به غيرها و ان قيل انه عرض اقول هل يكون عرضا داخلا فهو المراد و ان كان خارجا فلا بدّ ان يكون قائما بغيره كدوران الفلك مثلا علي ما قيل فنقول انه في خروجه كالجوهر بلا تفاوت و لايصير نهاية لغيره مع انه ايضا زماني و له زمان خاص به ، هذا و القائلون بذلك قالوا [ص 426] انه دورة الفلك حول العالم و لو ارادوا حركته دورة واحدة للزم ان لايكون تحديد الشئ ببعض الدورة زمانا مع انه من الزمان و يحدّد به الازمنة بلا شك و ان كان مراده محض الدوران و الايام و الليالي فهي ليست بالزمان بلا شك لقول الصادق عليه السلام فبالسنة و اخواتها يكال الزمان من لدن خلق الله تعالي العالم و العقل ايضا يحكم بذلك فان الايام و الليالي حادثة من دوران الفَلَك و دوران الفلك حركته و نفس الحركة لاتكون زمانا بلا شك فان الزمان وقت الحركة ايضا الاتري انك توقت الحركات بالزمان فانه اذا تحرّك متحركان في مسافة بالاختلاف تقول هذا اخذ اولا و ترك آخرا و هذا اخذ ثانيا و ترك اولا مثلا و لا شك ان نفس الحركة غير الاولية و الآخرية فانك اذا نظرت الي الحركة من دون ملاحظة المدة لاتلتفت الي الزمان ابدا و لو كان نفسها نفس الزمان لكان التفاتك اليها نفس التفاتك الي الزمان ، هذا و لو قال ان حركة العرش هي الزمان اقول انا نري انه يمكن تحديد حركة العرش ايضا بحركة الكرسي و ساير الكواكب بل بحركة كل متحرك فما وجه التخصيص بالعرش ثمّ حركة العرش او الافلاك عرض مخصوص بها فكيف توقت بها ساير الاجسام مع انها عرض مخصوص بالفلك و لايلحق عرض شئ غيره و زمان كل شئ معه و لا يفارقه الاتري انك تحدّ وقت الاشياء من دون ملاحظة حركة الفلك بل ربما تعيّنها بمقادير الساعات او شئ آخر و ساُبيّن لك ان شاء الله وجه الكيل بها و بالجملة فلا شئ منها نفس الزمان و لكن الزمان نفس مدة الشئ الزماني فقط و من قال انه مقدار الوجود ان اراد منه مطلق المقدار و الوجود و اراد من الوجود الموجود او المادة فخطاء لان من الوجودات دهرية و منها سرمدية و كذلك المقادير بعضها من الكموم و ان اراد من المقدار صرف الوقت و من الوجود الموجودات الزمانية او الوجود المصدري و مراده وجود الزمانيات فهو حق .

[ص 427] فصل - اعلم ان الزمان بنفسه وقت للزمانيات و لكنه بنفسه لايوقت بالزمان بل هو خارج من الزمان و هو من الدهر اذ عرفت ان الزمان نسبة صفة الي صفة او صورة الي صورة و اذا نظرت الي حقيقة الزمان مع الغضّ عن النسب الجزئية لايمكن لك تحديده بتلك النسبة فهو من الدهر و لكن هنا دقيقة و هي ان نفس المدة من حيث هي لاتقوم الا في ضمن الموقتات اذ هي ليست جوهرة قائمة بنفسها علي ما عرفت فلا بدّ و ان تكون ثابتة في ضمن الجواهر مع انها بنسبها زمانيات فكيف يمكن ادراك كون الزمان من الدهر اقول انك عرفت سابقا ان الزمان نسبة الصفات الجزئية فانت اذا لاحظت الصفات من دون ملاحظة نسبها بعضها الي بعض بل نسبتها الي المادة السارية في جميعها تكون جميعها دهرية فوقتها حينئذ دهري و زمانها دهري اذ الوقت الدهري ايضا هو مدة بقاء النسبة كما ان الوقت الزماني مدة بقاء النسبة و الفرق ان نسبة الزمانيات عرضية جزئية و نسبة الدهريات طولية و حقيقة المدة واحدة من حيث هي و الاختلاف في محل الظهور و الكلية و الجزئية فان الوقت الزماني كالمولود الزماني جزئي و الوقت الدهري كالمولود الدهري كلي فالدهر مجموع الازمنة كما ان الدهري مجموع الزمانيات فالزمان حاضر في الدهر بلا شك و هو يوم و يومه يوم الجمعة و ليلته ليلة الجمعة و كذلك نقول في السرمد فانه مدة الحقيقة فانت اذا نظرت الي حقايق الزمانيات و الدهريات و نسبتها الي نفسها من دون ملاحظة شئ آخر تري السرمد فمدة الحقيقة سرمد و هو حقيقة جميع المدد فعلي ذلك مجموع الزمان و مجموع الدهر سرمد و لذا نقول ان مجموع ملك الله مخلد ابدي سرمدي و في دعاء الصحيفة اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود ، فافهم فقول افلاطون و اشياعه قريب الي الحق في الجملة الا انا لانعرف مرادهم من انه جوهر مستقل فان كان المراد انه جوهر قائم بنفسه خارج عن الاشياء فهو خطاء و ان كان مراده ان حقيقته ليست نفس الزمان العرضي فهو [ص 428] حق و اما قول من قال ان الزمان واجب الوجود فهو خطاء بل كفر فان الواجب هو الله تعالي لا شريك له في وجوبه كما انه لا شريك له في وجوده تعالي و لعلهم ارادوا بيان هذا المطلب و لم‌يعرفوا المخرج و لم‌يفرّقوا بين السرمد و الازل و الحاصل ان الله جعل لخلقه وقتا كما جعل لهم مكانا و هذا الوقت هو حدّ بقاء الشئ و وجوده و حقيقة الملك اعني مجموعه دايمة فوقتها سرمدي و المجردات بين السرمد و الزمان فوقتها دهري و هي ظهور السرمد و الماديات زمانية فوقتها زماني و هي ظهور الدهر و السرمد فالزمان تمثّل السرمد كما ان عالم الاجسام تمثّل الوجود الجايز فافهم و اعرف قدر هذا البيان الشريف في الزمان فاني كشفت لك عن حق المسألة و اوضحتها .

فصل - لما ذكرنا اسم المكائيل ناسب ان نذكر حقيقة المكيال ، فاعلم ان حقيقة الزمان غير محدودة بحدّ و نهاية و لا مقيدة بقيد خاص فلاتكون سريعة و لا بطيئة و لا ماضية و لا مستقبلة بل هي بنفسها نفس الامتداد المطلق و ظهورها في المواد الجسمانية بحسبها من اللطافة و الكثافة و الصفاء و الغلظة فكل مادة تكون الطف و اصفي و اعدل يكون زمانها الطف و اعدل فيصير اطول و كل مادة تكون اكثر انحرافا و غلظة و كثافة يكون زمانها ايضا هكذا فيصير مختلفا قصيرا و لذلك يختلف آجال الخلايق و مدة بقاء حالاتهم و نسبهم و انا امثّل لك مثالا حتي تعرف حقيقة ذلك اذا كان ماءان جاريان علي نسبة خاصة يكون لهذه النسبة مدة و هي زمانها و تلك المدة بحسب حال الماء فان الماء جسم رطب سايل و لايكاد يقوم بطبعه علي حال في مقام بل هو دايما في حال الجريان و السيلان فان اتفق بين مائين نسبة حينا مّا تبطل النسبة باقل من طرفة العين لانهما لايقومان علي هذه النسبة و اما اذا اتفق نسبة بين حجرين يقومان علي حالهما ما لم‌يحركهما قاسر عن وضعهما فيطول مدة بقاء النسبة البتة فطول زمانهما و قصر زمان الماء ليس من جهة نفس الزمان فانها واحدة و لكن الفرق [ص 429] بحسب المادة و ربما يتفاوت الزمان بحسب اختلاف حالة شخص واحد باختلاف اعراضه ففي يوم يكون قصيرا و في يوم طويلا و بذلك يختلف آجال المركبات فان كل مولود تولد من اخلاط غير معتدلة بميزان غير معتدل و تألفت بالعرض بلا انتضاج كامل يكون مدة بقاء نسبة اجتماع الاجزاء و تركب الصورة علي المادة قليلة و كل مولود تألف من اجزاء معتدلة بميزان فلسفي معتدل و نضجت بالاعتدال حتي اتحدت الاجزاء و لزبت حتي اتصلت و اتحدت يكون ادوم و ابقي ، و اعرف مثال ذلك في المواليد في الحيوانات الصغيرة التي تتولد و تفني بعد ايام قليلة و حيوانات كبيرة معتدلة تبقي اكثر و في المعادن النحاس مولود ناقص لعدم اعتداله و انتضاجه و كونه نيّا و فساده في معدنه و عمره قليل فانه اذا طرح في التراب يفسد بعد ايام و يزنجر و اما الذهب فهو مولود كامل معتدل في كل جهة فلايكاد يفسد لا في الماء و لا في النار و لا في التراب و كذلك الامر في جميع العوالم و المواليد و من ذلك اعرف حقيقة هذه المسألة ان من روّض نفسه بتوحيد الله تعالي و ربّاها بالولاية و جانب الاضداد و تبرأ من الانداد يصير باقيا ابديا لا فناء له ابدا فلايموت و ان مات جسده العرضي و ذلك قوله تعالي كل شئ هالك الا وجهه و قوله و لاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون ، و قال في القدسي كل شئ هالك الا وجهي و انتم وجهي لاتبيدون و لاتهلكون و لايبيد و لايهلك من تولاكم ، فان بالتوحيد الكامل يعتدل مزاج الانسان و يخلص من جميع الغرايب و الاعراض المفنية المعدمة فافهم و تدبر فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الافلاك موادها لطيفة معتدلة خالصة و هي بعيدة من الاعراض شبيهة في صفائها بالمثاليات و لذا صار زمانها بحسبها معتدلا خالصا صافيا و لا شك ان المادة كل ما كانت اصفي يكون زمانها اصفي فيصير اخفي من الوهم يعني ان آناته تصير اشبه و تجددها اقل فيتوهم النفس ان آناته غير متجددة مع انها متجددة في الواقع [ص 430] الاتري انك اذا كنت في جنب الشطوط العميقة الممتلية من الماء مع سرعتها في الجري و نظرت في وسط الماء تزعم انه بطيء في الجري مع انه في الغاية من السرعة و لكن اذا كانت المادة غليظة تكون بعكس ذلك فيصير زمانها ظاهرا لاختلاف آناته و تجددها اذ هي في كل آن متقلبة بوضع خاص كما انه اذا طرحت في الشط المذكور جسما غليظا بحيث يطفو علي الماء و يجري معه تري حركته و سرعته علانية و ذلك لظهوره و حكايته للحركة بحيث تدرك كما ان المادة تدرك و يختلف ايضا آناته اذ تتحرك في كل آن بهيئة خاصة و وضع مخصوص و من بين هذه المواد يكون الافلاك في غاية اللطافة و الصفاء و لذا صار زمانها طويلا و عمرها كثيرا و آناتها متشابهة و حركاتها منتظمة بخلاف العناصر فانها لغلظتها صارت محل الاختلافات فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الله سبحانه بعد ما ابتدع العوالم و بسط الزمان علم ان عباده يحتاجون لكيل الزمان و مسحه الي مكيال و ميزان و بغير ذلك لايستقيم امرهم لانه لا بدّ لهم من معرفة الازمنة لحوائجهم و عباداتهم و معاملاتهم و هي بانفسها لاتكون معلومة مدركة فلا بدّ لهم من علامة بها يعرفونها و لا بدّ و ان يكون مكائيلها من الزمانيات لتكون مدركة لابنائها و الاجسام الزمانية منها ساكنة و منها متحركة و السواكن لاتصلح للكيل لان الزمان بحر جارٍ سيّال و الحكيم يريد معرفة حدّ الجريان و لايكال ذلك بالسواكن الا بالاستعانة بالمتحركات كأن تعيّن مدة مقام فلان بمدة قيام جبل ثم تعينه بالايام و الليالي و الا فلايكشف لك عن مدته ابدا فلا بدّ و ان يكون المكيال متحركا و المتحركات علي قسمين منها معتدلة صافية فيكون حركاتها منتظمة و منها منحرفة غليظة فيكون حركاتها غير منتظمة بل مختلطة و تقدير الاوقات لمحض حصول العلم و لايكاد يحصل العلم بالتقدير بالمختلطات البتة فقدّر الرب الحكيم كيل الازمنة بحركات الافلاك ثمّ ان حركات النجوم ايضا كانت مختلطة لتعدد حركاتها [ص 431] و اختلافها لسرعتها و بطئها مع انها بطيئة في سيرها و يبعد حفظ مدة حركاتها مع انها خفية عن الاكثرين لايكادون يعرفونها و يضبطونها و لكن العرش كان حركته مضبوطة معينة معتدلة و كان يدل الناس علي حركته الشمس و القمر و النجوم لمن عرفها فتعيّن كيل الايام و الليالي و السنون بحركة العرش و كذلك القمر و الشمس كان حركتهما و تغيّر اوضاعهما ظاهرة معتدلة غير مختلفة و لذا قدّر تعيين الشهور و الاعوام القمرية و الشمسية بحركتيهما الخاصة فصارا آيتين يهتدي الخلق بهما الي ما يحتاجون اليه من تعيين الاوقات مع انهما ايضا من الزمانيات و لهما زمان خاص بها فافهم ، فالليل و النهار مكائيل الزمان و يمكن الكيل بغيرهما ايضا فانك اذا دبّرت جسما متحركا بالاعتدال منتظما منتسقا تقدر علي تقدير الزمان كمقادير الساعات الافرنجية او غيرها من الآلات التي تدبّر لمعرفة الاوقات فانه يمكن ان يعدّ الاوقات بها فتقول اني جئت منذ دورتين من عقربة الساعة او شوكتها او زجاجتين خلتا من الزجاجة الرملية المعدّة لمعرفة الساعات او تعينها بآلات اخر كأن تقدّر شمعات متساوية معتدلة متشابهة في مدة الاحتراق و تسرجها واحدة بعد واحدة و تقول اشتغلت بهذا الامر في مدة شمعتين احترقتا و هكذا و بعد ما عرفت حقيقة الزمان يسهل لك الامر في جميع ذلك ان شاء الله فافهم فقد سهّلت لك الطريق و فصّلت لك ما اجملوه مشايخنا و فرّقوه في كتبهم و اعرف قدر هذا الكتاب اذ هو مجمع المتفرقات و مبيّن المجهولات و الحمد لله رب العالمين .

فصل - في معرفة حقيقة الآن و منها يعلم ان الزمان قارّ الذات او غيره و هي ايضا مسألة مشكلة قد تحيّرت فيها الافهام و تاه فيها الاحلام و زلّ الاقلام و انا اسأل الله تعالي ان يوفقني علي معرفة حقيقته و بيانها علي ما يحب و يرضي و لا حول و لا قوة الا بالله و اعلم ان بعد معرفة حقيقة الزمان لايبقي اشكال في معرفة الآن و لكن القوم لما عجزوا عن معرفته تحيّروا فمنهم من زعم الزمان [ص 432] كخط و الآن كنقطة فقال انها طرف الخط و منهم من جعله اصل الزمان و قال ان الآن يسيل و يجري فيصير زمانا ثم علي كونه طرف الخط تحيّروا في وجوده و عدمه و لانحتاج الي بيان تحقيقاتهم و ذكر تقريراتهم فان كتبهم بها مشحونة و انا اذكر الحق ان شاء الله فاعلم ان الزمان علي ما عرفت هو الامتداد الحاصل للشئ الزماني و هو الصور الزمانية المركبة علي المواد الزمانية فطول بقاء الصورة علي المادة بالفعل يسمّي زمانها كالتثليث المركب علي الشمعة فان الشمعة مادة زمانية اذ هي في الواقع صورة زمانية تصير حاملة لصورة اخري و التثليث صورة كصورة الشمعة الا انها اخصّ منها في الجملة و هي من قوي الشمعة تخرج من قوتها الي الفعل فتخرج حينا مّا و تفني حينا مّا و من اول خروجها الي غايتها مدة و لا شك ان تلك المدة زمان ذو اجزاء متعددة و جميعها لاتكون بالفعل في وقت واحد و الا للزم كون جميع مدة بقاء الشئ بدءا و ختما في آن واحد و يكون بدؤه عين ختمه و ختمه عين بدئه و هما عين اوساطه و هذا خلف بالبداهة عند جميع العقلاء فان الابتداء غير الانتهاء و الاوساط غيرهما و لاتجتمع الاوقات في وقت فان مادة واحدة زمانية لاتسع جميعها بخلاف المواد الدهرية فانها تسعها و لذا يقال ان الاوقات الماضية و المستقبلة جميعها حاضرة في الدهر و ليست الاوقات الا كالامكنة و الكيفيات فان المواد الزمانية في حين واحد لاتسع كيفيات متضادة فلاتكون حمراء و صفراء معا و لا المتناقضات و لا الامكنة العديدة فلاتكون في وقت واحد عليا و سفلي و يمني و يسري و لكن المادة الدهرية نسبتها الي جميعها بالسواء نعم لاتسع الصفات و الحالات المختلفة الدهرية فمادة النفس لاتسع الروح و مادة الروح لاتسع العقل و هكذا و بالجملة الامر في الازمنة ايضا هكذا فان الطين المأخوذ للكوز المتصور به يكون ثابتا فيه في مدة و تلك المدة تمرّ عليه بالتدريج سواءا كان خروج الصورة منه متدرجا او دفعيا اذا كان باقيا مدة و لايصلح هذا الطين [ص 433] لحكاية جميع المدة في آن واحد و لكنه دايما يحكي آنا واحدا من آنات الزمان و يمضي من مقابلته و يحكي آنا آخر و المواد و الصور الزمانية بمنزلة السفن الجارية في البحر و الزمان هو البحر و السفينة دايما تجري و هي في كل حال في جزء من اجزاء البحر و اما نفس الزمان ففي الواقع و الحقيقة لاتجري و لكنها ساكنة في محضر علم الله تعالي و ما نقول احيانا ان الزمان سايل نريد سيلانه بالنسبة الي انفسنا فان راكب السفينة يزعم ان البحر يجري مع ان البحر ثابت و هي تجري و ان عرفت حقيقة ما بيّنا سابقا في بيان الاوقات تقف علي حقيقة المسألة و كلمات الحكمة لاتبين الا متفرقة فافهم المراد حتي تقف علي حق الكلام و بالجملة فالقوابل الزمانية اي هذه السماوات و الارض و المواليد جميعها بمنزلة المرايا في مقابلة الوقت الذي قدّره الله لها و في كل آن تحكي آنا من هذا الوقت و تمضي كحكايتها لساير الفعليات بلا فرق فكل مدة حكتها قبل ذلك فقد فاتت منها و هي بعد في قوتها و تسمّي بالماضي و كل مدة بقيت في علم الله لم‌تحكها فهي في القوة و لم‌تخرج الي الفعلية و تسمّي بالمستقبل لان المادة تستقبلها و ما هو بالفعل منها هو الحال و ما من الزمان في الدنيا موجود هو هذا و لكون المادة دايم الجريان و لاتقوم ابدا دايما يكون بعض وقتها في المُضي و بعضها في الاستقبال و الموجود منه نقطة و هي الآن الذي تحيّر في معرفته ابناء الزمان و هو موجود في وقته و وقته نفسه لا غير فهو موجود في نفسه معدوم في الماضي و المستقبل يعني انه في قوة المادة لا انه معدوم في نفسه فانه في نفسه موجود و الله يعلمه بذلك و لايضلّ ربي و لاينسي و لذلك تتذكر الآن الماضي كل ما اردته فانه بعد ما محي الآن من لوح الزمان يثبت في لوح الارتسام مع الشبح المقارن له فتتصور الآن ظهر يوم الجمعة وقت الصلوة الامام الذي يصلي في حال ركوعه فانت لاتتصور الاعدام الصرف البتة فهي موجودة في عالم الاشباح و انت تتوجه الي شبحك الذي رأي اشباحها هذا [ص 434] الآن و تدركها مع ان جميعها ممحوّة عن لوح الزمان مثبتة في الدهر فافهم فالآن ينعدم من الازمنة الآتية و يكون في قوة الزمانيات و لكنه موجود في علم الله و لايضلّ ربي و لاينسي و اذا عرفت معني عدمية الآن و وجوده علي ما بيّنا تعرف حق القول فيه و لاتحتاج بعد الي تحقيقات القوم و بياناتهم ثمّ ان الموجود من الزمان في عرصة الزمانيات دايما هو الآن و هو من سرعة سيره لايدرك و يشتبه علي اهله و لذا قيل و ينسب الي اميرالمؤمنين عليه السلام :

ما فات مضي و ما سيأتيك فاين قم فاغتنم الفرصة بين العدمين