فصل - في تحقيق موضوع الحركة اعني ما يعرضه الحركة و قد قال جماعة [ص 385] ان موضوع الحركة الجسم المتقوم و غاية دليلهم اولا لثبوتها للاجسام ان الحركة تثبت لما يكون مركبا من قوة و فعلية لان القوة المحض عدم محض و لايعقل صيرورته معروضا للحركة و الفعلية المحض فعلية من كل جهة و ليس لها حالة سيّالة بين القوة و الفعل مع انها مفارقة لا مادة لها و كل ما لا مادة له لا قوة له و ايضا الحركة امر طار علي الشئ المتحرك و يجب ان يكون في الشئ الذي يطرؤ له شئ معني ما بالقوة فيجب فيما يفرض له الحركة معني ما بالقوة و المفارق بريء من ذلك فموضوع الحركة يلزمه ان يكون جوهرا مركب الهوية من القوة و الفعل و هو جسم ثمّ قالوا انه لايجوز ان يكون الحركة صورة لنوع من الجواهر الجسمية لان الحركة اضعف الاعراض لانها متحركية الشئ بالمعني النسبي لا ما به يتحرك الشئ فلايصحّ ان يكون صورة لموجود جوهري و لايتحصل الشئ بما هو انقص منه وجودا و لان موضوعها الجسم بالفعل و لايصح ان يوجد جسم عام مبهم الا في العقل بل الموجود من الجسم ما قد يحصل نوعا خاصا و لان الحركة لاتوجد انواعها بالفعل مستقرة و ما لايوجد بالفعل لاينوّع امرا بالفعل و لان الحركة لو كانت مقومة لنوع لعدم بالسكون و لعدم بعدم اجزاء تلك الحركة فيكون النوع بالقوة فاحتاج الي ثابت بالفعل فثبت ان الحركة تعرض للجسم بعد تقومه و اما بيان الحق في المقام فيقتضي ذكر مقدمة كرّرنا ذكرها سابقا و لكن نذكرها هنا مجملا تسهيلا للطالب فاعلم ان الله تعالي هو الموجود الثابت بالفعل من كل جهة و لايفرض له قوة بوجه فهو الواجد لجميع الكمالات في كل حال و لا حال له و لايعتريه تغيّر الاحوال و لاينتظر لنفسه حدوث كمال فلاينتقل من حاله لاكتساب كمال يفقده اذ لايفقد شيئا من كمالاته في حال من الاحوال و قد اراك آية ذلك في الجملة كما قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق انظر الي الجسم المطلق اللابشرط بالنسبة الي افراده التي هي كمالاته فانه احد محيط [ص 386] بجميعها واقف عليها في كل حين و لايخفي عليه خافية في الارض و لا في السماء فلايحتاج في وجدان العرشية و ملكتها الي نظر جديد او اكتساب حديث او انتقال من مكان الي مكان او من حال الي حال بل هو في كل حال يملك العرش و غيره و يعلمها و يحيط بها و لايمضي عليه وقت يفقدها و كذلك الامر في الله تعالي و له المثل الاعلي فانه تعالي لاحديته يملك كل كمالاته في كُلّ حين و لايفقد شيئا منها فلايعدمها حينا فلايعقل في ذاته تعالي حركة بعد سكون و قد خلق ما خلق و اول ما خلق مشيته علي ما عرفت سابقا و هي فعله تعالي و فعله حركة ايجادية و هي حركة جوهرية و ليست بعرضية كما يقال في الحركات الكيفية و الكمية و الوضعية و الاينية فلايكون لهذه الحركة معروض غير نفسها اذ ليست صفة زايدة علي ذاتها ، هذا و لا شئ من الخلق معها يفرض ان تعرضه اذ عرفت انها اول الخلق و لاتعرض ذات الله فنفسها نفس الحركة الايجادية و ليست الحركة الايجادية محض انتقال او تحول حال او معني من هذا القبيل ليفرض فيها ما يفرض في ساير الحركات بل هي اول كمالات الله سبحانه و قد اوجدها في عالم الخلق بعد ان لم‌تكن و اظهرها في عرصة الامكان فلما صدق عليها ما قلنا في تعريف الحركة قلنا انها حركة و قد ظهرت في الامكان كظهور النار في الدخان فقيام المشية بالامكان قيام ظهور و لو لم‌يكن الامكان لماظهرت كما ان وجود الامكان قائم بالمشية كما ان وجود الدخان قائم بالنار فانه لولاها لماكان يتكلس الدهن و ماصار قابلا لظهور النار عليه او مثلهما كالفعل و الانفعال و كلاهما حق و لكل وجه و قد خلق بتعلق المشية بالامكان جميع المواليد الكونية و العينية شرعية و وجودية و ذلك قوله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و قال خلق كل دابّة من ماء و قال أولم‌يروا انا نسوق الماء الي الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم و انفسهم أفلايبصرون فالامكان هو الارض [ص 387] الجرز فانها يابسة لا نبت فيها و انزل عليها الماء من سحاب المشية و الماء هو قطرات السحاب نزلت الي الارض فاخرجت منها نباتات شتي و جميع ذلك بالحركة و تري ان الله لم‌يضرب لصنعه مثلا الا بالفعل و الحركة فالمشية تحركت الي الامكان بالحركة الفعلية و الامكان تحرك لقبول المشية و المواليد تولدت من كمونه الي البروز و ذلك سرّ سارٍ في جميع ملك الله من الدرة الي الذرة فكلها متحرك مجردا كان او ماديا بل ليس شئ مجردا في ملك الله و مرادنا من التجرد التجرد عن المواد الجسمانية و الا فكل مخلوق مركب و ليس شئ بسيطا فالجواهر و الاعراض كلها مركبة من القوي الامكانية و اكوانها و اعيانها و الاعيان خارجة من الامكان و ذلك بالحركة ثم ان خروج الاعيان من الاكوان ليس دفعيا و لا سكون لها من بعده علي ما زعمه الزاعمون كما بيّنا سابقا في الحركة فان الخلق حادث و الحادث وجوده قائم بايجاد غيره و هو في كل حال يحتاج الي ربه تعالي و الله سبحانه المفيض دايما و مثال ذلك الشعلة المرئية فان النار تخرج من كمون الدخان و ليست ذاتية الدخان و لايستغني بعد اشتعاله عن فيض النار بل لا بدّ له من الاستفاضة و النار تفيض فتخرج نورها و حرّها من هذه الفوارة و ما يخرج من الفوارة ليس من نفسها بل كله من منبع النار فافهم ان كنت تفهم فصورة زيد بعد ما اخرجت من الامكان لاتستغني عن الله تعالي و لاتقوم بنفسها بل هي تحتاج الي الله في كل حين و الله المفيض لها من منبع مشيته و لو قطع الفيض لفني صورة زيد بالمرة قال الله تعالي كلا نمدّ هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا نعم ليس حال الصور المجردة كالاعراض و ليس حركاتها بذهاب حالة و مجيء حالة او التحلل و الاستبدال كما زعم بعض من العرفاء فيلزم من ذلك تبدل الذوات فيكون ذات زيد الآن غير ذاته قبل ذلك و يلزم من ذلك بطلان الثواب و العقاب بل يكون ذلك بسبيل الكسر و الصوغ و قد قال الله [ص 388] في اهل النار كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها و يظهر حال اصحاب الجنة ايضا بذلك و ان الامام عليه السلام ضرب مثالا لذلك و قال ما معناه ان اللبنة اذا كسرتها و صوغتها ثانيا هي هي و هي غيرها ، و الامر هكذا في تغيّر الجواهر و تقلبها و لايجوز القول بثبوتها و عدم تغيّرها قال الصادق عليه السلام في حديث ان هذا الخلق ينتقل بتغير و زوال و كل شئ اشبه التغير و الزوال فهو مثله و ليس المخلوق كالخالق انتهي ، و قوله عليه السلام ان هذا الخلق ، عامٌّ يعمّ الاجسام و غيرها فافهم ، بقي شئ و هو ان الحركة الجوهرية التي قلنا ليست شيئا غير الجواهر اذ لا عرض لها في ذاتها بل حركتها عينها كما نقول في ساير الكمالات الذاتية فان حركاتها باستمدادها و استمدادها نفس حدوثها و افتقارها و الحدوث الذاتي لايكون صفة زايدة علي الشئ بل هو نفس الشئ كما ان الوجوب لايكون معني زايدا علي الذات بل هو عين الذات لا كما زعمه الزاعمون انهما عقليان يستنبطهما العقل و لا وجود لهما بل لهما وجود و وجودهما عين الحادث و القديم و قد اثبتنا ذلك في محله فجميع الجواهر من الاعلي الي الاسفل دائما متحركة فالعقل الذي هو مبدء الاكوان و اول موجود و قطب الكل متحركٌ علي مشية الله دائما بالاستمداد و علي ما سواه بالامداد و الروح يتحرك دائما عليها بواسطة العقل فله حركة عرضية علي العقل و حركة ذاتية علي المشية و كذلك النفس لها حركات حركة علي الروح و حركة علي العقل و هما عرضيتان و حركة علي المشية ذاتية و كذلك للطبع حركات ثلث علي النفس و الروح و العقل عرضية و حركة علي المشية ذاتية و كلها حركاتها جوهرية و تستمد من الاعلي و تمدّ الاسفل ، هذا و الذي يمنع الحركة الجوهرية يمنعها عن حقيقة الجوهر من حيث الجوهرية لا مطلقا و نحن نقول لا جوهر في الملك سوي مشية الله تعالي و ساير الخلق اعراضها فايّ مانع من حركتها مع انه ليس لها في الواقع ايضا حركة بل الحركة من المشية و لها فيها و بها اي [ص 389] في الاعراض و بالاعراض كما انك تنتقل في مكانك و كمّك و كيفك فتدبر و انصف و لاتُصغِ الي اقوال الفلاسفة و المتكلمين و اعرف الرجال بالمقال و لاتعرف المقال بالرجال كما هو عادة كل بطّال .

فصل - في معرفة المحرّك ، اعلم ان طائفة قالوا ان المحرّك في غير الحركات الارادية هو الطبيعة و زعم بعض ان الطبيعة هي العلة القريبة حتي انه قال ان في الحركات الارادية و القسرية ايضا ربما يكون الطبيعة علة قريبة و لااحسن في المقام نقل قولهم و نقضه و ابرامه و اكتفي بمحض احقاق الحق و ادحاض الباطل بكلمات نوعا و اقول لك ناصحا لايدهشنك الشهرة بين الناس بعد مخالفتها كتاب الله و سنة نبيه و لا قول الجمهور فان اغلب الباطل ما ذهب اليه الجمهور و صار مشهورا بين الناس و رُبّ مشهور و لا اصل له سيّما في المسائل الفلسفية لان امام اغلبهم فيها كتب اليونانيين و اتباع الاشراقيين و المتّبع في كل مقام هو البرهان و قد قال الله تعالي قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين فاقول اولا في ابطال الباطل ان الطبيعة عندنا هي المادة النوعية بصورتها و عند القوم هي الصورة الفعلية الخاصة ففي الحجر المقيّد نحن نقول ان له صورة شخصية خاصة و مادة خاصة و طبيعة اما الصورة الخاصة فهي الصورة الحجرية المتعينة من حيث التعين كالحجر الفلاني بكيف و كمّ معلوم و مادته العناصر المتخذة لخلقه و طبعه العنصر المطلق فالحجر الخاص في طبعه سيّال غير مخصص بخصوصية و كذا في مادته فانها مقام السيلان الا ان المادة خصوصيتها و تعيّنها اكثر فانها قبضة متخذة من الطبع في ضمن الصورة و علي اصطلاح القوم الطبع هو نفس الحجر الخاص هذا غاية معني الطبع عندنا و عندهم فاذا عرفت ذلك عرفت ان تحريك الطبع لايصدق بالمعنيين كليهما اما علي ان يكون معني الطبع ما هو عندنا فلايستقيم ان يكون محرّكا لان فاعل الشئ لا بدّ و ان يكون واجدا له بالفعل فان لم‌يكن فيه بالفعل لكان بالقوة و القوة هي العدم [ص 390] و العدم لايصير علة الوجود البتة و ذلك ضروري لايحتاج الي البرهان و ان كان الشئ فيه بالفعل لكان واجدا له دايما لانه من مقومته لعلوّه عن درجة المتممات و المقومات لاتتغير و لو زال حينا للزم اولا فناء ذاته و ثانيا لرجع معدوما و نقول ما قلنا اولا فلزم ان يكون بالفعل دايما مع انه مما هو به هو فالطبع المطلق ان كان الحركة ماهيته او جزء ماهيته للزم ان تكون معه في جميع متمماته فلزم ان يكون كل ما يصاغ من العنصر متحركا اذ صورة العنصرية هي الحركة و هذا خلف اذ تري علانية ان منها سواكن ، هذا و لا شك ان الطبع مقام السيلان المطلق فجميع الصور المتممة و اوصافها فيه سايلة غير ممتازة و ذلك امر متفق عليه فان جميعهم يقولون ان الهيولي الاولي عدم صرف و صورتها بحسبها و قد قالوا في تعريف الجسم انه جوهر قابل للابعاد او قابل مطلق و ليس له حركة و لا سكون بالفعل و لذا يكون قابلا لهما و هما من متمماته بلا كلام كما ان ساير الصفات من متمماته فهو بنفسه عادم للحركة فكيف يكون باعثا لها و القوي لاتصير سبب الافعال و السبب فعلي لا محالة و ان كان معني الطبيعة هو الصورة الشخصية فعدم كونها محركة اظهر فانا نفرض صورة النبات اذ قالوا ان المحرك صورتها و المتحرك مادتها و حاصِلُ القول ان علة الحركة الصورة النباتية اقول ان الحركة المفروضة هي نفس صورة النبات او هي غيرها و عارضها فان قلت انها نفس النباتية فيلزم من ذلك امور غير معقولة منها ان يكون كل متحرك نباتا و هذا خطاء بالضرورة و منها ان يكون كل نبات متحركا و هذا ايضا خطاء اذ ربما لايتحرك النبات لا كمّا و لا كيفا و لا مكانا ، هذا و نقول ان النفس النباتية جوهر قائم بنفسه و الحركة عرض قائم بغيره و العرض لايصير جوهرا قائما بنفسه فلا محيص عن الاقرار بان الحركة عارضة للنبات فنقول ان عروضها له هل يكون باقتضاء من نفسها او من مقتضٍ خارج فان كان من نفسها و ذاتها للزم عدم سكونها ابدا و الضرورة تحكم بخلافها . [ص 391] و وجه آخر في بطلانه انا نقول ان الاقتضاء عين النبات او غيره فان قلت انه عينه نعيد القول الاول و ان قلت انه غيره اقول اخبرني انه هل يكون عارضيا او ذاتيا فان قلت انه عارضي نقول فيه عين ما قلنا في المقام و ان قلت انه ذاتي نقول فهو ذات غير ذات النبات فالنبات بطبعه لايقتضي الحركة بنفسها فلا بدّ من وجود مقتضٍ من الخارج و هذا عين المدعٰي فالصورة لاتكون هي المحركة فافهم ذلك ، هذا و نقول ان المحرّك لايكون متحركا لان المحرّك جميع اجزاء الحركة فيه بالفعل لا محالة اذ لو كانت بالقوة لاحتاج الي محرك آخر فان ما بالقوة لايصير بالفعل الا بوجود مكمّل بالفعل فلا بدّ و ان يكون جميع الكمالات المتصورة له بالفعل فاذا كانت بالفعل فلايبقي حركة اذ الحركة هي التوجه نحو الكمال الثاني و جميع الكمالات حاضرة له بالفعل فالفاعل المحرك لايكون بنفسه متحركا كما ان ما بالفعل من كل حيث لايكون متحركا كما انه لايكون ساكنا فان السكون هو الثبوت علي كمال و هو لايقرّ علي كمال واحد فهو فوق الحركة و السكون و الصور الجزئية المتممة علي خلاف ذلك اذ نراها متحركة و هي فاقدة لكمالات تسير اليها فلاتكون محركة فللطبايع محرّك غيرها فافهم ذلك ، هذا و قد حملهم علي نسبة الحركة الي الطبع زعمهم ان بعض الاشياء لا ارادة لها فزعموا ان لا نفس لها و لا شعور فليس حركاتها ارادية و لكن سيجيء بعد ذلك ان شاء الله ان كل شئ له ارادة فالطبع بنفسه لايكون محرّكا و لكنك اذا امعنت النظر و دققت الفكر علمت ان الله هو المحرّك لكل شئ و الله خالق كل شئ و لا محرّك في الوجود الا الله تعالي و ذلك ظاهر للموحدين و لايحتاجون الي برهان ازيد من توحيد الله تعالي في ذاته و صفاته و افعاله و لكنا نقول من باب توضيح المطلب ان الله سبحانه قديم ابدي ازلي قائم بنفسه لنفسه و لايحتاج في وجوده الي موجد لان له تعالي حق الوجود و حقيقته و جميع ما سواه يحتاج اليه في الوجود لانه لا وجود [ص 392] لاحد الا بايجاده و قد خلق جميع ما خلق لا من شئ بايجاده و لايحتاج الخلق في وجودهم الا بايجاده تعالي و وجودهم لايثبت الا بايجاده و جميع ما يتعلق بهم او يلزمهم او يثبت لهم او يصدر منهم كلها موجودة بايجاد الله تعالي اذ عرفت انه لا وجود لشئ الا بايجاده و جميع الاشياء موجودات صفات كانت او جواهر ، قل الله خالق كل شئ و اول ما خلق الله لا من شئ الشئ الذي كل شئ منه و هو الماء الاول و الهيولي الاولي و قد قال عليه السلام ما معناه نسب كل شئ الي الماء و لا نسب للماء ، فاذا نظرت الي مجموع الخلق من الماء فما دونه لرأيت انها لا من شئ و اذا نظرت الي الاكوان المصاغة من الماء لقلت ان الكل من الماء و جعلنا من الماء كل شئ حي و الماء هو امكان جميع الاشياء يعني ليس شئ في فعليته بل كل شئ في قوته و لذا نقول ان الماء لاشئ اذ هو عدمي و لانريد من ذلك ان جوهره عدم اذ لو كان كذلك للزم كونه معدوما صرفا و لكنه موجود في ذاته معدوم بالنسبة الي اشياء مخلوقة منه و لذا قال الامام عليه السلام النفي شئ ، فالماء موجود بالمائية و الماء عدم العقل و الروح و النفس و الجسم و السماوات و الارض و المواليد و لذا نقول ان الماء امكان الكل و صلوحها فلا تعيّن له من نفسه بشئ ابدا فكل قطرة من الماء صالح لكل شئ و يمكن ان يخلق منه كل شئ اذ لا صورة فعلية له تنافي شيئا بل نقول ان كله يصلح لما يصلح له بعضه و بعضه يصلح لجميع ما يصلح كله بلا تفاوت كقطرة من المداد بالنسبة الي الحروف فان جميع المداد يصلح ان يكتب به الالف و قطرة منه ايضا تصلح لان يكتب بها جميع الحروف و الكلمات فنسبة جميع الحروف اليه بالسواء و ذلك لانه لايكون متصورا بصورة واحدة منها فلايكون واحدة منها اقرب اليه او الي بعضه من غيرها فتدبر و كذلك الامر في مجموع الخلق بالنسبة الي الامكان الاول فنسبته الي كلها بالسواء بل نسبته الي وجودها و عدمها بالسواء فكما ان قطعة من الامكان صالحة لان [ص 393] تتصور بصورة زيد كذلك تصلح للتصور بصورة عمرو و ان لاتتصور بصورتهما مطلقا و ليس وجود زيد بالنسبة اليه اقرب من عدمه كما في المداد علي ما عرفت فلا مرجّح من نفس الامكان لان يتصور بصورة زيد خاصة الا ان يرجحها غيره فيأخذ قطعة منه فيصورها بصورة زيد بل اقول ان نفس الامكان مع الغضّ عن الكون من نفسه لايطلب التعين اذ التعين و عدمه فيه بالسواء و لكن المرجح الخارجي يعينه علي ما يحب فالواجب علينا طلب المرجّح و لا شك ان الاكوان و الاعيان المخلوقة منه لاتكون مرجحة لانفسها اذ هي في قوته و القوي عدمية فكيف ترجح وجودها مع انها ليس و لا ترجّح بينها من نفسها فان الالف في المداد ليس و الليس لايصير علة الايس فافهم ذلك و قد مرّ ادلة ذلك في اثبات الصانع فلا بدّ من وجود مرجّح خارجي ليس من الامكان و المرجّح لا بدّ و ان يكون بالفعل من كل جهة اذ كلامنا في مجموع الامكان و مبدء الاكوان و لو كان المرجح بالفعل من جهة للزم كونه بالقوة من ساير الجهات فيثبت له امكان فيكون من الامكان اذ لا تعدد فيه لان التعدد لازم التكوّن فهو بعد التكوين و كل كلامنا في مبدء التكوين و بالجملة فاذا كان المرجح من الامكان فننقل الكلام الي من يخرجه منه فهو صاحب الفعلية من كل جهة و الذي هو بالفعل من كل حيث هو الواجب تعالي شأنه فهو يرجّح وجودات الاشياء علي عدمها و يخرجها من الامكان فيأخذ منه بيده علي ما يشاء و يصوره بايّ هيئة شاء و في الربوبية العظمي و الالهية الكبري لايغيّر الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لايكوّن الشئ لا من شئ الا الله و اي دليل علي وجود الصانع ادل من خلق الاكوان من الامكان المحض ثم اعلم ان خلق الاكوان من الامكان لاينحصر في ذواتها بل الذوات و الصفات و الجواهر و الاعراض كلها مخلوقة من الامكان فانه لا شكّ في مخلوقية الاعمال و الصفات و قد قال الله تعالي الله خالق كل شئ و كل مخلوقٍ مخلوقٌ من الامكان كما [ص 394] قال الامام عليه السلام ان نسب كل شئ الي الماء نقلته بالمعني و اما قوله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي فلايدل علي ان غير الاحياء ليسوا من الماء اما اولا فلان اثبات الشئ لاينفي ما عداه فان قوله ذلك ليس معناه ان غير الاحياء ليسوا من الماء و اما ثانيا فصريح القرآن ان جميع الخلق احياء و عقلاء كما اثبتنا ذلك في محله فكلهم من الماء و ان الدار الآخرة لهي الحيوان و لا شكّ ان الدار الآخرة هي الدنيا بعد تصفيتها فكل الخلق احياء بل عقلاء مكلّفون و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و بالجملة فالصفات و الاعراض ايضا من الماء و لاتخرج منه الا بمرجح كما لايخرج الذوات الا بمرجح و لو كان يمكن خروج الشئ من لاشئ بلا مرجح لكانت الذوات اولي بذلك لاستقلالها و قوتها و تري انها لاتخرج من الامكان الا باخراج مخرج و كذلك الصفات و لا شك ان الفاعل هو الله تعالي لا غير فان العباد بانفسهم لايقدرون علي ايجادها و منكر ذلك منكر البداهة فانك تري علانية انك لاتقدر علي شئ من نفسك فربما تريد و لاتقدر ان تفعل و ربما لاتريد و تفعل قهرا و ذلك ظاهر لك في اكثر اعمالك و ان لم‌تفهمه في مورد خاص لايجوز لك نفيه مطلقا لما جرّبته في مقامات عديدة و موارد كثيرة و لايجوز لك تبعيض الحكم فان حكم الله في كل الخلق واحد و ما امرنا الا واحدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فان الفاعل واحد و مشيته واحدة و الامكان واحد فمن اين يجيء الاختلاف فانت لاتقدر علي صنع الا بحول الله و قوته قال اميرالمؤمنين عليه السلام عرفت الله بفسخ العزائم و نقض الهمم ، فالله فاعل لكل شئ الا انه تعالي يفعل ما يشاء بمشيته و يمنع ما يشاء بارادته فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة ، ثمّ انه اما يفعل بمشيته بلا واسطة شئ او يفعل بواسطة و وسايط و هي اسباب الوجود و عللها فاول ما خلق بمشيته العقل الذي هو وسط الكل و عرش الوجود و مستوي الرحمن و هو مظهر المشية في عرصة الكون بل هو [ص 395] ظاهرها و محل الاشارة و الدليل و الامارة و معني العبارة و قلم القدرة ثمّ اظهره تعالي في النفس و هي اخته و انيته و عبوديته و صورته و ماهيته و الكرسي الوسيع و العلم البديع الذي احاط بكل شئ و وسع كل شئ علما و هما في الوصل بابان من اكبر ابواب الغيوب و هما جميعا غيبان و هما في الغيب مقرونان لان الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الاشياء كلها و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف و الكون و القدر و الاين و المشية و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدأ فهما في العلم بابان مقرونان لان ملك العرش سوي ملك الكرسي و علمه اغيب من علم الكرسي فمن ذلك قال رب العرش العظيم اي صفته اعظم من صفة الكرسي و هما في ذلك مقرونان و قد صار العرش جار الكرسي في الفصل لان علم الكيفوفة فيه و فيه الظاهر من ابواب البداء اينيتها و حدّ رتقها و فتقها فهذان جاران احدهما حمل صاحبه في الطرف و بالجملة فهما باب مشية الله تعالي و يجري الله ما يشاء بواسطة المشية الي العقل و هو يدها و بابها و هو يجري ما يشاء علي يدي النفس لانك عرفت انها ظاهر و النفس هي الفعالة في الطبايع بامر الله و بحوله و قوته فما تراه في عرصة الطبايع من الحركات و السكنات و الفعليات كلها بامر الله تعالي بواسطة النفس التي هي يد الله في خلق الاشياء و ربانيها و قد قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال في صفتها هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي كتاب الله الذي كتبه بيده الخبر ، نقلته بالمعني فجميع الحركات كلها من النفس لا غير و نفوس الحيوانات و النباتات و الجمادات كلها ظهوراتها و اياديها فكل حركة تجري في الملك من النفس بل السكون ايضا منها لانه ايضا فعل وجودي و هو ضدّ الحركة كما سيجيء و هما من قوي الاجسام لايخرجان الا بمرجح خارجي و هو النفس بامر الله و ان قلت فعلي ذلك يلزم ان يكون جميع الحركات [ص 396] ارادية اقول بلي و لايتحرك شئ الا بالارادة الا انها في الانسان قوية و في الحيوان اضعف و في النبات اضعف و في الجماد اضعف فان الارادة ليست الا ميل الشئ نحو شئ و هي في بعض الخلق حاصلة بالتصور و التعقل و في بعضهم حاصلة بلا تعقل مع ان لهم عقولا ضعيفة و في بعضهم بلا تصوّر و لا تعقل ثمّ ان بعض الاشياء تتحرك بنفسها بسبب قوتها و بعضها لاتتحرك بنفسها بل بنفس اخري كما سيجيء ان شاء الله و ان قلت فما تقول في الافلاك اقول انها ايضا حركاتها ارادية و تتحرك بنفوسها لا بصرف طبايعها الا ان اراداتها غير متعينة فان تعيّن الارادة بسبب الخيالات الشخصية و هي في رؤس الاناسي و اما الافلاك فحيوتها ثابتة و لكنها مبهمة فاراداتها ايضا مبهمة و ليس من شرط ثبوت الارادة التصور الخاص و الضمير المتعين بل عرفت ان الارادة صرف الميل نحو الشئ و هو عين الحركة فان كان الشئ صاحب روح حيواني خاص يبدو له في خياله الميل و ان كان انسانا يتعقله و يعرفه ثمّ يظهر فعله علي حسب تعقله و ان لم‌يكن صاحب روح خاص يميل من غير تصوّر و تعقّل خاص و الافلاك ذوات الارواح المطلقة و حركاتها بارواحها المطلقة من دون تصوّر خاص و ان قلت ان كانت حية لم لاتملّ اقول ان الملالة تحصل للحيوان من المنافر و الحركة لاتنافره بل هي من صفته و ما تري من ملالة الحيوانات فهي من الابدان لتركبها من الاخلاط المتضادة و لكل منها خواص و كل واحد منها يتقوي بما يخصّه و يتضعف بما ينافره و يملّ بسبب ورود المنافر و لانه يكون مركبا للروح و قد تعلق به يرد علي الروح ما يرد عليه فيحسّ الروح بالملالة كما يحسّ الاوجاع مثلا ، مثال ذلك لتوضيح المطلب ان الصفراء نار و من خواص النار سرعة الحركة و البلغم ماء بارد و من خواصه الجري في الجملة بسبب رطوبته و السكون و القرار ببرودته فاذا مشيت سريعا فبمقتضي الصفراء و هي تتقوي بالحركة و تنشط و بسبب قوتها تطلع علي البلغم فتحرقه فلذلك يضعف البلغم فيملّ فيرد [ص 397] الملالة و الكسل و الضجر علي الروح و كذلك اذا جلس كثيرا و سكن بالبلغم يتعب الصفراء و تملّ فيرد الملالة علي الروح و لذلك تحسّ الملالة من الجلوس الكثير و المشي الكثير و النوم الكثير بل تملّ من كثير كل عمل و لكن نشاط الانسان في الاعتدال اذا كان اخلاطه معتدلة او بالعمل بمقتضي كل خلط بقدره فتدبر و ليس الملالة من صرف الحركة فقط كما زعم الزاعمون و بالجملة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان ملالة الانسان و الحيوان بكثرة المشي يرد عليه من قبل البدن لا نفس الروح و لكن الروح متحركة دايما و لاتملّ ابدا فلو كان لها بدن من النار فقط مثلا لماكانت تملّ من الحركة ابدا و كذلك الامر في الافلاك فان ارواحها لاتملّ من الحركة ابدا و ابدانها ايضا مخلوقة للحركة و لاتملّ ابدا اذ لاتضعف من الحركة بل تتقوي بالحركة دايما فتدبر و انصف حتي تقف علي الحقيقة و لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا .

فصل - قد قسّموا الحركة بزعمهم الي ارادية و طباعية و قسرية و اتخذوها من صرف الظاهر كساير بياناتهم و ذلك لانهم يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون فانهم لما رأوا ان بعض الخلق اولوا النفوس الظاهرية كالاناسي و الحيوانات و يتحركون بالارادة و يزعمون ان الارادة هي الشعور النفساني فقالوا ان حركاتهم ارادية و بعض الخلق كالنباتات ليسوا اولي النفوس الحيوانية و ليست لها ارادات شعورية و لكنها مع ذلك تتحرك بالكمّية و الكيفية و لم‌يجدوا لها محرّكا من الخارج فقالوا ان حركاتها طبيعية و كذلك قالوا في حركات الاجسام الي حيّزاتها و لما رأوا بعض الاشياء تتحرك مع انها ليست من ذوي النفوس و لاتتحرك ايضا بانفسها بل بوجود مكمل خارجي كحركة الحجر الي فوق مثلا فقالوا انها قسرية و لكني اقول ان بيانهم ذلك من صرف القشر لغفلتهم عن اللُبّ و هم مع ذلك لم‌يلجأوا الي ركن وثيق [ص 398] و لم‌يأخذوا علمهم عن اهله و استبدوا بعقولهم او اتبعوا اليونانيين و الفلاسفة و الكلاميين فاخطأوا الطريق و هلكوا في واد سحيق و الحق الصدق ان الحركة الطبيعية غير معقولة كما مرّ و اقول محض تأكيد القول ان الطبيعة علي زعمهم هي الصورة و لو كان صفة من صورة الشئ و مقومته كيف يعقل زوالها فانك تري ان النبات قد يتحرك و قد يسكن و كذلك الحجر بعد ما مال الي حيّزه يسكن فلو كان الحركة مما به هو هو فكيف تفني بعد السكون و يلزم من ذلك زواله لان الحركة ذاتيته و ان قلت ان الحركة صفته و عرضه فهي غير ذاته فهي صفة زايدة علي الذات و ليست من طبعها هذا و اقول ان الحجر مثلا مركب من الجسمية و الصورة الحجرية فايهما يكون حركة فاختر لنفسك ما يحلو اما الجسم فلايكون حركة بالبداهة لانّا نجد اجساما ساكنة و لو كان نفس الجسم حركة للزم ان يكون كل جسم متحركا و هذا خلف مع ان الحركة غير المتحرك بالبداهة فان المتحرك من يقوم به الحركة فهو جوهر و الحركة صفة عارضية فاذا كان الجسم حركة لزم وجود متحرك تقوم به و من هو و لا غير يكون قابلا لذلك فالجسم هو المتحرك و المتحرك هو قابل الحركة اذ لو لم‌يكن قابلا لماتحرّك و القابل هو الامكان الصالح للحركة و غيرها مع انك تقرّ بان الجسم جوهر قابل و الحركة ليست من فعليته بل من قوته و اما الصورة الحجرية فليست الا نفس الحجرية و هي ما تري من المعدنية الخاصة و هي غير الحركة فكيف تكون الحجر حركة ، هذا و تري ان الحجر بعد ما نزل الي حيّزه يسكن و لو كان الحركة من طبعه لم‌يسكن و كيف يسكن مع ان السكون ضدّ الحركة و الحركة لاتصير سكونا و ان قلت ان سكونه ليس من طبعه بل يسكن بواسطة المانع اقول ان المانع لو ابطله للزم من ذلك فناؤه لان الحركة صورته و بقاء الحجر بصورته و نفرض ايضا زوال المانع فان المانع من نزول الحجر التراب فانه ينزل من الاعلي الي سطح التراب فيقف [ص 399] هنا و لو زال التراب من مقامه لينزل الي المركن فيقف هنا لا محالة فما تقول في المقام و لا مانع بل سكونه لانه وصل الي اصل حيّزه فتدبر فان قلت فمن المحرّك للحجر الي الحيّز و لانري له محركا اقول عدم الرؤية لايجوز النفي فانا نثبت امورا كثيرة و اشياءا عديدة لم‌نرها بعيوننا بمحض الادلة القطعية و المحرك هو انفس الافلاك اذ هي يد الله في اجراء ما يشاء فيما يشاء فانها تحرك كل متحرك اما بسبب او اسباب و ما تري من ميل كل شئ الي حيّزه ليس الا بجذبها و دفعها بل معني الحيّز في الواقع هو الحدّ الذي يدفع الفلك ما ينافيه اليه او يجذب ما يوافقه اليه بقدر موافقته و سيجيء ان شاء الله بيان الحيّز في مقامه و اما حركة النباتات فهي بانفسها بمعني انها العلة القريبة و لكن الاصل من الافلاك التي هي ظواهر النفس الكلية و نفوس النباتات ظل نفوس الحيوانات كما انها ظل النفس الكلية الالهية و لها حركات ظلية كما ان لها شعورات ظلية و آثار الشعور ظاهرة من بعضها و لاتخفي علي ذي حجي فحركاتها ايضا حركات نفسانية ارادية ظلية و اما في الحركة القسرية التي قالوها فاقول لهم ماذا تريدون من القسر هل تريدون انها ليست في قوة المتحرك مطلقا و القاسر يجبره علي الحركة او تريدون انها في قوته فان قلتم بالاول اقول انه محال ممتنع ان لايكون شئ في قوة شئ فيجبره غيره عليه فانه لايخرج الشئ من امرين فعل و قوة اما الفعل فهو الموجود المتكون و القوة هي الامكان و الصلوح و القاسر لايغيّر الشئ المتكون المتعين عن جوهريته فانه لايجعل التثليث تربيعا و هذا مما لايكون كما تري عيانا و قد سئل الامام عليه السلام ان الله يقدر ان يجعل السماء في البيضة من دون ان يصغّر السماء و يعظّم البيضة فقال عليه السلام الله قادر و هذا مما لايكون ، انتهي معني الخبر فانه لم‌يكن في فعلية البيضة مع صغرها تحمل السماء مع كبرها فقال هذا مما لايكون و كذلك القاسر لايبدل نفس الحجر الي غيره فعمله في القوي فان لم‌يكن في [ص 400] قوة الحجر الانتقال كيف ينقله الناقل و هذا محض اقامة البرهان بالجدل و لبيان الحقيقة نقول ان الله تعالي خلق الحجر من الجسم و الجسم قوة لجميع الاعراض و هي كلها كمالاته و يمكن له ان يتقلب فيها و تقلبه فيها حركته و هي اول كماله و هي ايضا من قوته اذ صورته ليست قبول التقلب و لذا يمكن له التثبت علي كمال ايضا فهو الذي يمكن له التقلب و التثبت فالحجر في قوته الحركة و السكون كليهما فاذا كمّله ذو نفس بفضل حياته و حركته يتحرك فاذا اخذ الانسان مثلا حجرا و طرحه بقوة يتحرك بفضل حركته الي مدة يبقي معه قوته و فضل حيوته و اما كيفية تكميله و تكمله فقد مضي سابقا فراجع و ليس حركة الحجر الي فوق بقسره الا كحركته بطبعه من دون تفاوت ليس احديٰهما صورته و طبعه بل كلتاهما بفضل حركة النفس الا ان تحريك النفس بعضه بلا واسطة و بعضه بواسطة و وسايط فتدبر و اما الحركة الارادية فاعلم ان الارادة هي ميل النفس و فعلها و هي في كل شئ بحسبه كما سيجيء في مقامه و مرّ سابقا ايضا بيان ذلك فان كان الشئ من الشاعرين فارادته واقعية و عن شعور و ان لم‌يكن له شعور انساني فله ارادة ظليّة كما في الحيوان و الا فارادته محض قبوله فهي انفعالية و كل متحرك يتحرك بالنفس علي ما شاء الله و لكل شئ نفسانية فالحركات ارادية كلها الا ان بعض الارادات عن فكر و رويّة و تعقّل و بعضها بلا فكر و رويّة و قد ظهر بعض البيان مما مرّ و سيجيء ان شاء الله في محله .

فصل - اعلم ان الحكماء بعد ما علموا ان كل متغير حادث و يحتاج الي محدث تكلّموا في ربط الحادث بالقديم و اذكر في المقام ما يتعلق من هذه المسألة بالحركة و الايجاد و سيجيء تتمة البيان مما يتعلق بالقدم و الحدوث في مبحثهما فاعلم انه ورد عليهم اشكال تحيّر فيه الاحلام و قالوا اذا كان وجود كل متجدّد مسبوقا بوجود متجدّد آخر يكون علة تجدّده فالكلام عايد [ص 401] في تجدد علته و هكذا في تجدد علة علته و يلزم من ذلك التسلسل او الدور او التغير في ذات المبدء الاول تعالي عن ذلك علوا كبيرا و اصلح بعضهم الفساد و رفع الاشكال بان تجدد الشئ ان لم‌يكن صفة ذاتية له ففي تجدده يحتاج الي مجدد و ان كان صفة ذاتية له ففي تجدده لايحتاج الي جاعل يجعله متجددا بل الي جاعل يجعله جعلا بسيطا لا مركبا يتخلل بين مجعول و مجعول اليه و لا شك في وجود امر حقيقي مستلزم للتجدد و السيلان و هو عندنا الطبيعة و عند القوم الحركة و الزمان و لكل شئ ثبات ما و فعلية ما و انما الفايض من الجاعل نحو ثباته و فعليته فاذا كان ثبات شئ تجدده و فعليته فعلية قوته فلا محالة يكون الفايض من الاول عليه هذا النحو من الثبات و الفعلية اقول ان هذا عين قول رئيسهم و اولهم ان الله لم‌يجعل المشمش مشمشا و لكنه جعله موجودا و مبني قولهم علي ان الماهية غير مجعولة و كذلك يقول هذا الحكيم ان ماهية الشئ ان كانت عين التجدد لاتكون مجعولة و العجب منهم كيف خربوا بنيان الدين و هدموا اساس الشرع المبين و هجروا اخبار الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و خالفوا صريح كتاب رب العالمين و اشركوا و زعمهم انهم من الموحدين فيا للمسلمين كيف لاتكون الماهيات مجعولة لله تعالي مع انها شئ مصنوع و قد قال الله تعالي الله خالق كل شئ و قال صوّركم فاحسن صوركم و قال جعل لكم ما في الارض جميعا و قال جعلنا الليل و النهار آيتين فمحونا آية الليل و جعلنا آية النهار مبصرة الآية ، و قال هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه و قال خلقنا الانسان في احسن تقويم ثمّ رددناه اسفل سافلين و قال الم‌نجعل الارض مهادا و الجبال اوتادا و خلقناكم ازواجا و جعلنا نومكم سباتا و جعلنا الليل لباسا و جعلنا النهار معاشا و بنينا فوقكم سبعا شدادا و جعلنا سراجا وهّاجا و انزلنا من المعصرات ماءا ثجّاجا لنخرج به حبّا و نباتا و جنّات الفافا و قال يصوّركم في الارحام [ص 402] و الآيات الدالة علي ذلك كثيرة فواغوثاه بعد هذه الآيات الصريحة كيف يمكن انكار مجعولية الماهيات و الاخبار الدالة علي ذلك ايضا كثيرة اصرحها قول اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة الله عز و جل لايقال ما هي لانه خلق الماهية ، و من طريق العقل المستنير بالنقل نقول ان الماهيات تكون شيئا او لاشئ فان كانت لاشئ فكيف تكون سبب تخصص الوجود و تعيّنه و لا شك ان تعيّن الوجود بالماهيات لا بالاشتداد و الضعف من نفس الوجود فان نفسه بنفسه لايتفاوت و ما امرنا الا واحدة و لكن الاشتداد و الضعف في الماهيات كما قال الله تعالي يصوّركم في الارحام و قال انزل من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا و مما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية او متاع زبد مثله الآية ، فالوجود من حيث نفسه لايكون متخصصا و لا مقيدا بل هو بحر سيّال فانه مادة صرفة و الخصوصية من قبل الماهيات فان لم‌تكن شيئا فكيف تكون مخصصة للشئ فانصف ان كنت منصفا فلا بدّ ان تكون شيئا و ان كانت شيئا فنقول هل يكون حقا او خلقا لا شك انه لايخرج منهما لقول الامام عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، لاتقول انه حق فهو خلق بحكم الحصر العقلي المنصوص عليه فالماهية مجعولة نعم جعلها جعل وصفي فان المجعول بالجعل الذاتي الاصيل هو الوجود ثمّ جعل الماهية بالتبع و ذلك مما لا شك فيه كما ان الوجود بنفسه هو الاصل و الماهية تابعة له متحققة به فالله الذي جعل المشمش موجودا اولا ثمّ جعله مشمشا و كذلك نقول في من جعل ذاته التجدد ان كان علي ما قال فانه جعله موجودا ثمّ جعله تجددا ثمّ ننقل الكلام اليه و نقول علي قوله يكون الطبيعة ذاتها التجدد فاقول ان التجدد غير المتجدد او عينه و هل تريد من قولك ان الطبيعة جوهر ثابت بنفسه و التجدد شئ غيره فهو صفة زايدة علي ذات الطبيعة فهي عارضة فاذا كانت عارضة للطبيعة فهي من قواها و لا بدّ من وجود مكمّل يخرجها من قوتها كما في ساير [ص 403] الصفات و ان كان التجدد عين ذاتها فهي بنفسها التجدد و الانتقال و لا شك ان نفس التجدد هو صفة فانه خروج من القوة و الخروج لايكون ذاتا قائمة بنفسها بل هو فعل يحتاج في وجوده و قيامه الي فاعل فمن الفاعل هنا و لا فاعل فافهم و ان قلت انك قلت سابقا ان كل جوهر متحرك و الطبيعة من الجواهر و هنا تنكر تجددها اقول انا لاانكر حركتها في نفسها و لكني اقول انها متحركة بحركة ذاتية علي علتها و حركتها ليست من نفسها بل من النفس و حركتها الذاتية ايضا ليست فعلا لها بل هي نفس ذاتها و هي قبولها الامداد و الفيوض من العالي و لما كانت من حيث قبولها بمعني ان نفس هذا الحيث الحركة فالحركة الذاتية الطبيعية في الواقع هي ماهية الطبيعة اعني امكانها و هي متحركة علي نفسها لان نفسها يد العالي في الافاضة عليها فهي دايرة علي نفسها مستفيضة منها و نفسها مفيضة عليها بالامداد فالمدد من العالي ينزل الي الشئ بنفسه من نفسه و لذا نقول ان كل شئ مخلوق بنفسه عند مؤثره القريب و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده فقولهم ان الطبيعة هي التجدد و هي المحركة خطاء ، نعم يصح ان يقال ان النفس محركة للطبيعة و هي يدها في تحريك الاخلاط و غيرها فان شاءت حركتها و ان شاءت سكنتها و الحركة و السكون من قواها و كذلك قولهم ان ارتباط الحادث بالقديم بهذه الحركة خطاء آخر لان القديم لايرتبط بخلقه فان الارتباط لايحصل الا بالاضافة و الاضافة لاتوجد الا بين شيئين متناسبين فانه لو لم‌يكن مناسبة بينهما لايكاد يحصل النسبة و ذلك مشهود و التناسب لايحصل الا بين شيئين يكونان في عرض واحد يعني يكونان من مادة واحدة فان النسبة من مقولة الاعراض و لاتكاد تحصل الا اذا كان الشيئان متشابهين متجانسين فبحسب التشابه و التجانس ينتسب كل الي الآخر في عرض من الاعراض فان قلت ان الله يرتبط بخلقه او خلقه يرتبطون به ، يلزمك الاقرار بحدوث الخالق او قدم المخلوق و كلاهما غير معقول فكيف [ص 404] يرتبط المخلوق بالخالق مع انه بائن بينونة الصفة و هي اشدّ البينونتين ، هذا و قد ظهر مما بيناه في هذا الكتاب المستطاب ان الله جل و عز احد و الاحد طوي باحديته جميع ما سواه طي الامتناع و معني الامتناع عدم الذكر لشئ معه بنفي و لا اثبات فكيف يحصل النسبة بين الموجود بحق الوجود و الممتنع حق الامتناع و الشئ بحقيقة الشيئية و اللاشيء الصرف البحت فحيث هو لا هو الا هو و حيث الخلق لا شئ سوي الخلق و كل ما عرفته او فهمته او ادركته او اشرت اليه او عبّرت عنه كلها مخلوق ، رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك الطريق مسدود و الطلب مردود ، فاين الارتباط و النسب و قد تفسخت دونه النعوت فان قلت فكيف خلق الخلق و كيف تنسب اليه الفعل اقول لا كيف لفعله كما لا كيف له و لايسأل عما يفعل و هم يسألون و محل بيان هذا المطلب في علم اعلي و قد مضي سابقا في محله و محض الاشارة لعدم خلو المقام عن البيان نقول ان الله كان قبل ان يكون كان احدا فردا صمدا لم‌يتخذ صاحبة و لا ولدا كما هو الآن و قد خلق اول ما خلق مشيته لا لعلة و لا لرفع حاجة و لا لاستيناس من وحشة و لا استعانة من ضعف او فترة و لا لطلب علم بعد جهل و لا لفقد كمال و لا لشئ مطلقا و خلقها لا بحركة بعد سكون و لا برويّة يجيلها و لا فكرة يستأنس فيها بل انشأها بلا كيف بنفسها لا بغيرها اذ لا غير يصلح للعلية و السببية اذ الذات لاتكون علة خلق كما قلنا سابقا و مرّ هيٰهنا آنفا انها لاتنسب و لاترتبط بشئ فالمشية بنفسها علة نفسها اوجدها الله بها لا بشئ آخر و لا من شئ و لا علي شئ و لا في شئ و لا لشئ و لاتستوحش من ذلك انها مخلوقة بنفسها فان المخلوق من شئ لا بدّ و ان يكون له علة خارجة منه تكون يدا علي ايجاده لان الشئ بنفسه لايغيّر نفسه عما هي عليه فلا بدّ له من مغيّر كالمداد مثلا فانه بنفسه لايقتضي غير المدادية فلايصير الفا بنفسه الا ان يغيّره مغيّر خارجي فينقشه بصورة الالف و الباء و اما الشئ الذي [ص 405] هو لا من شئ ليس له مادة سابقة تقتضي حالة غير ذلك الشئ فيحتاج الي ان يغيّرها مغيّر عن حالها الصلوحي الي الفعلية بل خلق حين خلق بمادته و صورته معا لا من شئ سابق و ان قلت ان نفسها كانت مفقودة فكيف صارت موجودة اقول اما اولا فالمفقودية لاتفرض الا في مقام يفرض لها مادة سابقة او موجود غيرها فتنظر اليها فتراها مفقودة هنا و الموجود غيرها و الفرض انه ليس قبلها شئ مطلقا لا موجود و لا معدوم فهو غير مفروض بمشعر و اما المشية فهي ثابتة في مقامها ابدا سرمدية و لم‌يمض عليها وقت سرمدي و لا دهري و لا زماني لم‌تكن في مقامها و لا وقت غير هذه الاوقات فمتي تتصور فقدانها و اما ثانيا فنقول ان السبب غير الموجد و المشية لاتكون موجدة لنفسها بل هي موجودة بايجاد الله و الله الموجد الا ان نفس المشية سبب و يد له و لذا قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، فالله الخالق و النفس يده في ايجادها و لايضرّ ان يكون اليد مخلوقة مع خلقها فتدبر و بالجملة خلق المشية بنفسها و لما كانت مخلوقة بنفسها لاترتبط بالله تعالي و لاتنسب اليه لان سبب صنعها نفسها كما قال عليه السلام علة ما صنع صنعه ، و الله خلقها بها لا بفعل غيرها اذ نفسها فعل الله و لا فعل له سواها و فاعلية الله تعالي ايضا في فعله فانه بعد ما فعل يسمّي فاعلا فالفاعل ليس ذاته تعالي بل صفة فعله و لو كان ذاته فاعلة لماتغيرت و لماجاز سلبه عنها و تري انك تقول هو فاعل كذا و لايكون فاعلا لكذا و لو كان ذاته للزم سلب ذاته و ذلك كفر صراح فالفاعل ظهوره في فعله فلما فعل قلنا فعل كما قال الرضا عليه السلام في صفة خلق الله الخلق في حديث عمران قال عمران أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لاينطق ثمّ نطق قال عليه السلام لايكون السكوت الا عن نطق قبله و المثل في ذلك انه لايقال للسراج هو ساكت لاينطق و لايقال ان السراج ليضيء فيما يريد ان يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون و انما ليس شئ غيره فلما استضاء لنا قلنا قد اضاء [ص 406] لنا حتي استضأنا به الحديث ، فالله الخالق للمشية بها فيها فجميع ما المشية منه و له و به فيها ،

قد طاشت النقطة في الدائرة فلم‌تزل في نفسها حائرة

محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة

و ان قلت فكيف تنسب المشية اليه اقول بانطوائها تحت احاطته و استغراقها في لجّة بحر احديته و طمطام يم واحديته فبعد ما نظرنا الي المشية و رأينا انها حاكية لغيرها مشيرة اليه عابدة له مستمدة منه عرفنا ان وجودها من غيرها و هي مخلوقة لا خالقة ثمّ ان المشية هي العلة الكلية لجميع ما سوي الله و قد خلق الله جميع خلقه بها و وجه الانتساب الي الله تعالي ان المشية التي هي العلة لها بكلها لله فما منها كلها لله كما تري في المثل و لله المثل الاعلي ان الشمس تسخّن الارض و تربّي الشجر و تنبت النوي و تبخّر الماء و تقطّر السحاب فان العلة لجميعها هي الشمس و مع ذلك تنسب الكل الي الجسم و تقول ان جميع هذه الافاعيل منه و ذلك لان الشمس من نفسها ظهور الجسم و آيته و الجسم هو اولي بها منها و اوجد في مكانها منها فنسبة الفعل اليه اولي من ان ينسب اليها علي الحقيقة و الواقع لا محض المجاز فان صدور الفعل من الشمس ليس الا من باب حكايتها للجسم كما ان كتب اليد في الواقع من الروح فان قلت ان الكتاب من خطك لم‌اكذب و ان كان اليد حامل الفعل مع ان جميع التخطيط و التصوير و النقوش من فعل اليد فتدبر فلهذا و امثاله ينسب الفعل الي الله تعالي لا لوجه آخر من الارتباطات و النسب .

فصل - في بيان مسألة كلية يظهر بها علم اختلاف الحركات و ظهورها في بعض الاجسام دون بعض ، فاعلم ان الحركة لاتوجد الا بين فاعل و قابل بل كل حادث لا بدّ في وجوده منهما و الفاعل هو مبدأ الفعل اي من يصدر منه و القابل هو محل الانفعال و القبول و الفاعل هو بالفعل من جهة تحريكه لا محالة [ص 407] اذ لو كان بالقوة لصار قابلا من هذا الحيث و القابل مقام الانفعال علي ما ذكرت و الانفعال لايصير فاعلا اذ هو فعل الانوجاد لا الايجاد و قد مرّ سابقا من البيانات في عدم جواز كون الفاقد موجدا ما يكفيك ان شاء الله فاذا كان من شرطه ان يكون بالفعل فهو فوق المواد الدنيوية و الطبايع الجسمانية اذ جميعها قوي و امكانات و ما فوق المواد فعليات كما قال عليه السلام في صفة العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها خالقها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و ان قلت انكم تقولون ان العالم العلوي ايضا مخلوق من الامكان و هو مادة للصور العلوية فهي ايضا قوي اقول بلي هي من الامكان و لكن الله تعالي تجلي لها فاشرقت بالكون و طالعها فتلألأت بالفعلية و بعد ما صارت بالفعل القي الله مشيته فيها فاظهر الفعل منها فبعد ذلك لاترجع الي القوة فان ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله فلاتعود الي الامكان فلذا نقول ان النفس فعلية اي في مقامها لا في الامكان و هي في فعليتها كاملة و جميع ما لها و بها لها بالفعل بخلاف الجسم المطلق فانه مادة كلية و قابلية صرف و الاجسام الجزئية مخلوقة منه و هي ذوات فعليات جزئية كل منها بالفعل من جهة صورته المتممة و ساير الكمالات في قوتها و لذلك يثبت لها الحركات بخلاف الجسم فانه قوة صرفة و القوة الصرفة لا حركة لها و النفس فعلية صرفة و لا حركة لها و لكنها تحرّك الاجسام الجزئية اذ لها قوي و فعليات و اما الحركة الذاتية التي نثبت للنفوس فهي انفسها و لاتكون افعالها علي ما مرّ و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده فللحركة فاعل و هو النفس الفعلية التي خلقها الله قبل عالم الاجسام و قابل و هو الاجسام اذ هي صالحة للحركة من حيث قواها و اصل الحركة من النفس تحركها بفعلها و الطبيعة يدها في اجراء الحركات و ليس لها حركة من انيتها بل الحركة من نفسها فاصل الحركة من اشراقات النفس و اشراقاتها امثلتها التي تلقيها في الاجسام [ص 408] كساير الصفات النفسانية فان جميعها امثلة النفس تلقيها في هوية الاجسام و منشأ الجميع و مبدؤها الحركة اذ عرفت سابقا انها الفعل و الارادة و لما كانت من النفس و النفس مطلقة مبهمة تكون حركتها التي هي اثرها علي حسبها مطلقة مبهمة فان الاثر علي صفة المؤثر فلا خصوصية لها بوجه بل هي صرف الانتقال المطلق فلا اختصاص له بعرض دون عرض و لا كيف له مطلقا كما لا كيف للنفس فان النفس آية الله عز و جل و فعلها آية فعله و لذلك قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال الله تعالي من عرف نفسه فقد عرف ربه ، فكما لا كيف لله و لفعله كذلك لا كيف للنفس و لفعلها بالنسبة و لاتسأل عما تفعل و المواد تسألون لان جميع ما يسأل عنه و يطلب معرفته فيها لا في النفس ففعل النفس مطلق يصدر منها بلا كيف و يظهر في المواد بحسبها فحكاية المواد للحركة ليست بحسب صدور الحركة من النفس بل بحسب قابليتها فمن المواد ما هي غليظة كثيفة بحيث لاتحكي عن النفس مطلقا بل تكون حاجبة لها و لاتحكيها الا بقدر استمساك الوجود فلاتحكي الحركة كما لاتحكي ساير كمالات النفس كالاجسام الغليظة كالجمادات فان الجسم من حيث انيته و طبيعته لا حركة له و النفس التي هي المحركة للكل لم‌تظهر في الجمادات الا بقدر مسكة الوجود و لذا تراها ميتة لا حراك لها الا بسبب اتصالها بذي نفس فاذا اتصلت به تتحرك كما انك تأخذ الخشبة بيدك فتنقلها بفضل حيوتك و من المواد ما لطفت و صفيت حتي صارت حاكية للنفس و هي مراتبها مختلفة و ما منا الا له مقام معلوم ، فمنها في الدرجة العليا من اللطافة كالسماوات و منها في الدرجة الدنيا كالنباتات و يظهر شعاع النفس الغيبية فيها علي حسبها فكل ما كان الطف و اصفي و اعدل يكون احكي للنفس فيكون اسرع و كل ما كان اغلظ و اكثر انحرافا من الاعتدال يكون ابطأ لقلة حكايته فالعرش مثلا [ص 409] اسرع من جميع الافلاك في حركته و لذا تراه انه يتحرك في كل يوم و ليلة دورة مع شئ زايد و اما ساير الافلاك فهي بحسب طبايعها لاتتحرك بقدر العرش نعم يحرّكها العرش بفضل حياته و قوته و هي بانفسها تتحرك بحسب قبولها و قبولها بحسب لطافتها و غلظتها و لذا يختلف حركاتها الخاصة كمّا و كيفا و وضعا و جهة و كذلك تختلف حركات الممثلات و الحوامل و المدير و غيرها و العناصر بالنسبة اليها اغلظ بكثير فلاتحكي للنفس الا بقدر ما يظهر فيها من اشعة الافلاك او تحكي للنفس اعالي كرة النار في الجملة و الله اعلم و كذلك يختلف جهات الحركات و اوضاعها بحسب طبايع المواد و ما من النفس حركة بسيطة و لكن الاختلاف في بطون الطبايع فاذا كانت مركبة علي الاعتدال لطيفة صافية تظهر فيها الحركة الدورية و هي اعدل الحركات فاذا كانت لا في مكان و تحركت في الوضع تصير الحركة وضعية و اذا تحركت من اين الي اين و من وضع الي وضع تصير اينية و هكذا في ساير الاعراض و الوضعية هي ابسطها لعدم حاجتها الي سبق وجود شئ غيرها غالبا بخلاف البواقي فانها محتاجة الي غيرها فتدبر و لا حاجة الي تفصيل المطلب ثمّ ان الحركة ان كانت الي الحيّز و لا مانع من الخارج تصير مستقيمة و الا تصير منحنية و جميع الاختلافات من القوابل الجسمانية و الا فاصل الحركة من النفس و هي واحدة و كذلك نقول بحسب هذه القاعدة الشريفة ان اعراض الحركة و هي التي تكلّموا فيها و اختلفوا كوحدتها و كثرتها و تجزّيها و عدم تجزّيها كلها من عند القوابل و الا فاصلها واحد و بعد ما ظهرت في المواد يعرضها الاعراض بحسبها فان تعدد الحركة ممكن بحسب ظهورها في المادة و عدم ظهورها في مرآة بتخلل السكنات و التجزّي حاصل لها بحسب تجزي المادة لا تجزي نفسها فتدبر و انصف فان الحركة ليست الا كالكيف مثلا فان ظهور اللون في المادة بحسبها و يعرضه الاعراض بواسطة المادة فانه لولا المادة لم‌يكن نفس الكيف صالحة لحلول [ص 410] الاعراض فيها اذ هو صورة لا مادة و ان كان عروضها مترتبا علي الكيف و كذلك الحركة و معني ذلك ان الجسم قبل تصوّره بصورة الحركة لايتصور بهذه الاعراض كالسرعة مثلا فانها تعرض الجسم بعد حركته و لولا الحركة لايكاد يسرع و كذلك السرعة ما لم‌تظهر علي الحركة لاتكون اسرع و ابطأ فتدبر و قد طال بنا المقال في بيان الحركة و لو بنينا علي بيان جميع جزئيات المسألة لاقتضي رسم كتاب خاص و ليس بناؤنا في هذا الكتاب علي التطويل و قد بيّنت و الحمد لله كليات في علم الحركة يعرف بها العالم الخبير الحق في ساير الجزئيات التي تركنا ذكرها فنذكر بعض الكليات في السكون .