و قد قال الله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافّون و قال و لكل درجات مما عملوا و كل من وقف منهم في مقام و حدّ فهو حيّزه الذي خلق من سنخه و طينة كل شئ من حيّزه لا محالة و ذلك احد معاني [ص 359] ان كل احد يدفن في الارض التي خلق منها فلو حمل الي شرق الارض و غربها لرجع اليها و الله عز و جل خلق ملائكة شأنهم نقل الاجساد الميتة الي مراكزها و اصولها و كذلك الامر في كل شئ حال حيوته و ثباته فانه يميل اليه لا محالة و قد ظهر في هذا الملك امر الله و مشيته في العرش فانه تنزل فعل الله تعالي و لذلك يجري جميع ما يجري في الملك بسببه و جميع الاجسام واقفون دونه عند حدودهم بحسب مناسبتهم له و منافرتهم فكل ما كان اقرب يقوم اقرب من العرش و كل ما كان ابعد يقوم ابعد فحيّز كل شئ درجته و مقامه بالنسبة الي العرش و هذا هو الحيّز الذاتي لكل شئ فالكرسي لغاية مناسبته و شبهه للعرش صار اقرب من جميع الاجسام الي العرش و العرش يجذبه اليه بالمناسبة الذاتية بينهما فانهما اخوان بابان من ابواب الغيب و التراب صار ابعد من الجميع لغلظته و كثافته و قلة شبهه و العرش هو الذي يجذب الموافق اليه و يدفع المنافر و ميل كل شئ الي الاعلي و الاسفل بجذب العرش و دفعه و للعرش ايادي في الجذب و الدفع كلها جذّابة دافعة فما تري من ميل الحجر من الاعلي الي الاسفل فبدفع العرش بواسطة اياديه و هي النجوم و الافلاك بل بميل طبعه و كذلك صعود الهواء من الاسفل الي الاعلي بجذب الفلك لا غير فافهم و تدبر ، بقي الكلام في الحركة الطبعية و القسرية و سابيّنهما في فصل خاص ان شاء الله .

الرابع - في الحركة الوضعية ، اعلم انهم بعد ما عرفوا ان الفلك الاعلي لا مكان له خارجا عن نفسه اذ ليس فوقه شئ لا خلأ و لا ملأ و لايفرض فضاء فارغ يتحرك فيه الفلك و رأوا مع ذلك ان العرش ساير متحرك و رأوا انه ليس حركة اينية اذ لا اين هنا مع ان الحركة الاينية حركة من الوضع الي الوضع و لم‌يجدوا هناك تغيّر وضع و كذلك رأوا انه ليس هناك حركة كيفية لعدم تغيّر كيفياته و كذلك لم‌يجدوا تغيّرا في الكم فقالوا انه حركة في الوضع و مرادهم [ص 360] ان مجموع الفلك يتحرك لا في شئ و لايخرج من وضعه ابدا و ذلك في مجموع الفلك و اما في اجزائه فنفاها طائفة و قالوا انه لا جزء بالفعل للفلك و مرادهم اجزاء الوجود لانهم قالوا ببساطته فنفوا حركة الاجزاء بهذه الملاحظة و لا شك ان اجزاء الوجود لاتكون مستقلة بالحركة و لكن المراد من الاجزاء المتحركة القطعات و لايشكّ عاقل في ان للفلك اجزاء و جهات و حدودا و كلها متحركة بحركة بل اقول لا شكّ في ثبوت اجزاء لها تركبت منها الا انها لغاية اللطافة و المشاكلة اتّحدت حتي اشتبهت بالبسايط و كذلك لا شكّ في ان نفي الاين و اثبات الوضع بالنسبة الي كل الفلك بالنسبة اليه لا بالنسبة الي ما دونها او نسبة بعضها الي بعض و الا فلا شك في ان الشمس مثلا تطلع مرة فتكون في جهة المشرق و تغرب اخري فتكون في المغرب و المشرق غير المغرب و كذلك الكواكب السيارة تدور في مراكزها و في كل يوم تكون محاذية لنقطة من الفلك الاعلي و الاسفل و بهذه الملاحظة يمكن اثبات الحركة الاينية لها و لكن الكلام في مجموع الفلك و نحن نبيّن حقيقة المسألة بقدر ما يقتضيه الحال فاعلم ان الافلاك خلقت من مواد لطيفة صافية و تركبت منها تركيب مزج خالص و لم‌يعرضها عارض خارجي و لذلك صارت باقية طول الزمان لايعرضها البوار و الزوال كساير المركبات الدنيوية العرضية التي تتركب سريعا و يبطل تركيبها عاجلا و قد خلقها الله من مواد متفاوتة في الرقّة و الغلظة و اللطافة و الكثافة و لذلك جعل لكل واحدة منها درجة مخصوصة لايتجاوزها بطبعها فكل مادة كانت اصفي و الطف لبست صورة الطف و قامت في حيّز و مقام اعلي و كل ما كان منها اكثف لبست صورة اغلظ و نزلت من الاعلي بقدر كثافتها فهي واقفة في مقاماتها بحسب طبعها لاتصعد منها و لاتنزل لان طبايعها لاتقتضي غير هذه المقامات و لايعرضها عارض قاسر يصعدها الي فوق او ينزلها الي تحت و ان كان في امكاناتها الصعود و النزول لان جميعها مخلوقة من الامكان [ص 361] و كل قطعة من قطعات الامكان صالحة لكل شئ و لكنه ليس فيها بالفعل الا هذه الطبيعة و لايعرضها عرض خارجي يقتضي خلاف ذلك و كذلك في ساير اوضاعه فان جميعها باقية علي ما خلقها الله بالنسبة الي المجموع و لاتتغيّر و مع ذلك كله يتحرك مجموع السماوات بالحركة العرشية و لايتغيّر وضعها بهذه الحركة فلايصعد و لاينزل و لايميل الي يمين و شمال و لاينبسط بل يدور علي هيئة واحدة و وضع واحد دايما فلما رأينا ذلك اثبتنا له حركة وضعية ثمّ ان الحركة الوضعية ربما تكون في مكان و لكن حركة العرش ليست في مكان ايضا اذ الكل مقرون بانه ليس فوقه شئ و ليس له مكان غير نفسه يماسّه حتي يفرض حركته فيه كحركة الدولاب مثلا في الهواء فان جميع ما خلقه الله تعالي من الاجسام فيما دون العرش و ليس فوق العرش شئ بل اقول في مقام العرش ايضا لايفرض فضاء يشغله العرش بنفسه و لو فرض عدم العرش يوما بقي هنا فضاء فارغ مثلا او يسكنه جسم غيره بل لا شئ مطلقا غير نفس العرش و هو يتحرك لا في شئ و لاتقل انه علي ذلك معدوم و الموجود كيف يتمكن في المعدوم فاني اقول ان المعدوم ايضا شئ فان الذي يزعم ذلك يظن هناك فضاءا خاليا عن كل جسم شغله العرش فتضمنه و يمكن ان يخلو عنه و ليس هكذا بل الفضاء فوق العرش غير معقول فان الفضاء ايضا جسم اذ له طول و عرض و عمق و كل ما له طول و عرض و عمق جسم و العرش فوق كل جسم فهو متحرك لا في شئ سوي نفسه فلا مكان له يتحرك فيه و يشهد بذلك اخبار آل‌محمد عليهم السلام منها ما قال عليه السلام ما معناه ان الله تعالي خلق مجموع الملك لا في شئ و لا من شئ و لا علي شئ و امثاله في اخبارهم عديدة فالعرش نفسه مكان نفسه و هو يدور في نفسه فحركته لاتكون اينية و لا شك في انها ليست كيفية و لا كمية فهي وضعية يعني يتحرك في وضعه لا من وضعه الي وضع آخر بل هو داير في وضعه و لايتغير عما هو عليه و لو تأمّلت في ساير الافلاك ايضا تري هذه الحركة [ص 362] لان كل فلك مركوز في مقامه و مقامه نفسه لا شئ آخر غيره فانك اذا نسبت فلك زحل الي نفسه من دون ملاحظة فوقه و تحته تعرف ان مقامه نفسه و مكانه نفسه اذ لايفرض فضاء فارغ خالٍ يسكن فيه فان فضاءه نفسه اذ ليس في مقامه غيره فلايتحرك فلك زحل في غيره و ما بين الكرسي و فلك المشتري و ان كان مكانا و انت بخيالك تزعم انه خلأ سكنه فلك زحل و لكنه ثبت في الحكمة ان الخلأ محال فلايكون هناك شئ غير فلك زحل و ان قلنا ان بينهما محل فلك زحل نريد نفس الفلك ففلك زحل ايضا لايدور في شئ فليس حركته اينية و ان ثبت له الحركة الاينية بالنسبة الي فوقه و تحته و كذلك لايخرج من مقام مجموعه فلايصعد و لاينزل لعدم داعٍ لذلك فانك قد عرفت ان الافلاك بنفسها بسيطة بالنسبة و لايعرضها عرض خارج فلايعرضها شئ يقتضي حركتها الي فوق و تحت لا محالة فهي دايرة في مقاماتها دايما و هي حركة في الوضع و بالجملة فحركة الافلاك وضعية و لا شك في ذلك و قد تعرض الاجسام حركة وضعية بان تتحرك من وضع الي وضع كالقايم يقعد و النائم يجلس فانه لا شكّ في ذلك و وسوسة طائفة في ذلك بنفي الحركة بزعمهم ان القائم يعدل الي القعود دفعة و ذلك بفناء القيام دفعة و حدوث القعود دفعة و ذلك لايسمّي حركة فان الحركة هي الانتقال التدريجي محض قول بلا دليل فانّا نقول اولا ان الحركة هي الفعل و ليس من شرطه الحدوث التدريجي فان الامام عليه السلام قال الفعل حركة المسمّي ، و لا شك ان الحدوث الدفعي ايضا فعل و لو كان من مقومة الحركة التدرّج للزم عدم وجود الحركة مطلقا لان كل حالة ثانية بالنسبة الي الاولي قريبة كانت منها او بعيدة مشابهة او منافرة تكون غيرها و لاتحصل للشئ الا بخلع صفة و لبس اخري و ذلك بالنسبة الي الصفة المتصلة به دفعي و مثال ذلك يظهر لك في ساير الحركات فان حركة السواد الي البياض تدريجية علي قول جماعة و لا شك ان بينهما منازل يسير السواد فيها حتي ينتهي الي [ص 363] البياض و سيره بالنسبة الي اللون الواسطة بين السواد و البياض الذي هو اول منزل له دفعي لا محالة و لايمكن انكار وجود لون بينهما فانه لا شك ان في مثل المقام للجسم المتكيف ثلث حالات حالة خلع لون و حالة لبس لون و ما بينهما و في هذا الحال لايخلو من لون البتة فان الجسم لايخلو عن لون حينا مّا فما تقول في هذا الحال أتقول انه وصل اليه بالتدريج او دفعة فان قلت انه بالتدريج اقول ان ذلك غير معقول و ان قلت انه دفعي اقول فهو لايكون حركة و يلزم من ذلك عدم وجود الحركة مطلقا لانه سيره من هذا المنزل الي البياض ايضا هكذا فتدبر حتي تقف علي المراد فاصل شرط التدرّج خطاء و كذلك الامر في الحركة الوضعية للحيوان بالقيام و القعود و النوم و غيرها فان جميعها اوضاع و هو يتحرك فيها نعم يمكن ان يقال انها حركة الاوضاع في الاين بملاحظة الهواء الحاوي و الارض و لكنها تدقيقات قليلة الجدوي و نقول ثانيا له انّا علي فرض تسليم لزوم التدرج نقول ان سير القائم الي القعود تدريجي فانه لاينزل من القيام الي القعود دفعة فان بينهما حالات لاتلحق بالقيام الصرف و القعود الصرف بل هي برازخ بينهما فالنزول من القيام الي القعود و بالعكس و في جميع الاوضاع كلها حركة وضعية ثم لايخفي انها اِما تكون في مكان واحد او في امكنة عديدة و لايشترط عدم الحركة في الاين مع الحركة في الوضع و لا تنافي بينهما البتة فان الحركات المختلفة في الاعراض المختلفة ميسرة و الذي هو محال اجتماع حركتين مختلفتين في مقولة واحدة .

الخامس - في الحركة الكمية ، من المقولات التي اقرّوا بوجود الحركة فيها مقولة الكمّ و لا بدّ لنا من الكلام فيها ايضا بقدر مسيس الحاجة فاقول اما نفس الكمّ فسنشبع القول فيها و فيما يلزمها و يعرضها في ما بعد ان شاء الله في محله و اما ما نحن بصدده هنا فاعلم انه ظهر مما بيّناه سابقا ان فهمت ان المراد من حركة المقولة حركة الجوهر في المقولة لا حركة نفس المقولة فان الكم [ص 364] بنفسه عرض من الاعراض و العرض من حيث نفسه بنفسه لايصير معروض عرض آخر لان العرض لا بدّ له من موضوع جوهري يقوم به و الحركة عرض مثل الكم فلاتعرض الكم لان الكم بنفسه لايكون قابلا لامساك نفسه فكيف يمسك الحركة نعم ربما تعرض الجوهر بواسطة عرض و ذلك واضح و لكن كلامنا هنا في الحركة التي تعرض الجوهر في الكمّ بمعني ان الجوهر يتصف بكمّ ثمّ يتوجه منه الي كمّ آخر و ذلك حاصل للجوهر بلا شك الا ان جماعة لم‌يعرفوا حقيقة ذلك و ربما ينكرونه و لما كان مرادنا في كل مورد بيان الحقايق لانكتفي بمحض الامثال و بيان بعض جزئيات المسائل بل نبيّن حقيقة المسألة ثمّ عليك التفريع فاقول ان الكمّ هو مقدار الجسم و المقدار صورة مثالية تعرضه في ايّ مقام كان بحسبه و ليس الكم الخاص مما به الجسم جسم و ان كان قوة الكموم مما به هو هو او له كمّ مّا مطلقا فان حقيقة الجسم جوهر قابل و ذكر جماعة في تعريفه انه جوهر قابل للابعاد و لكنا نقول ان جميع الاعراض تعرضه و لا بد للجسم من الظهور بها كما قال الامام كل ما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، نعم الجسم المطلق لاطلاقه و كليته يثبت له عرض كلي غير مخصص بخصوصية و هو صلوح جميع الاعراض و لكن في عرصة متمماته و هي الاعراض الجزئية التي هي من تمامية وجود الجسم يظهر باعراض خاصة فعلية فيحصل هنا كيف خاص و كمّ خاص و ابعاد متعينة و ساير الاعراض متشخصة و هي كلها كمالات الجسم و هو في ظهوره لا بدّ له من افراد خاصة و لاتخصص الافراد الا باعراض خاصة بل الجسم لايتعين و لايتشخص الا في الاعراض الخاصة و الا فذات الجسم و حقيقته لاتحصص فان الجسم في ذاته لايكون سماءا و لا ارضا و لا حجرا و لا مدرا بل هو حقيقة واحدة هي صرف الجوهر القابل و لكن الله تعالي يقبض بيديه من الامثلة الخاصة و المواد المخصوصة التي هي ظل الطبيعة في بطون الامثلة قبضات علي هيئات مخصوصة باعراض متفاوتة و يجوز لنا ان [ص 365] نقول انها من حيث صورها اجسام تعليمية و ظهر فيها حقيقة الجسم الطبيعي علي ما شاء الله و هو في قوته جميع هذه المتممات و غيرها بلا نهاية و هي القوة الغير المتناهية و الجسم الغير المتناهي بالنسبة الي ظهوراته لا ما زعمه القشريون الذين هم عن الآخرة هم غافلون فنفس الجسم من حيث هو ليس الصور الخاصة مما به هو هو فيجوز له التغير و التبدل من حال الي حال و عرض الي عرض و ابيّن لك المسألة هنا بالمثال فان الحق يعرف بالمثال فالنبات مثلا جسم من قوته الكم فانه يصلح للظهور بالكم مطلقا و لا خصوصية له بكم دون كم بل ربما يظهر في كل كم و ربما لايظهر في كموم لعدم مساعدة الاسباب لا من جهة نقص قوته فان القوة لاتحدّ فاذا ظهر النبات في كمّ خاص يصلح للتغير عما هو عليه لا محالة فاذا اخذ في النمو يتحرك من كمّه الخاص الي كمّ اكبر فيزيد في طوله و عرضه و عمقه مثلا و توجهه من النقصان الي الزيادة حركته و بحركته ذلك لايتغير جوهره و ان زاد في كمال من كمالاته فان جوهره هو الجسم النامي و من قوة الجسم النامي الزيادة و النقصان و ليس في قوته حدّ خاص و ان لم‌يتجاوز الشجر في الدنيا حدّا مخصوصا ليس ذلك من جهة نقصان قوة الجسم بل من جهة عدم مساعدة الاسباب و رفع المانع فربما يجفّ رطوبة مطاوعته بعد ما بقي مدة بسبب حرارة الشمس او برودة الهواء او اسباب اخر لايترقي و لو لم‌يمنع مانع لكان ينمو بلا نهاية و شاهد ذلك بعد العيان ما تري من تفاوت حال الاشجار بحسب التربية و في البلاد المختلفة و الاماكن المتفاوتة و لو كان قوته محدودة لماكان يتجاوز الشجر كبرا مخصوصا في مقام من المقامات و التجارب تحكم بخلاف ذلك و بالجملة فاقبال الشجر من الصغر الي الكبر حركته الي فوق و كذلك العكس و ان اقباله الي الذبول حركته الي تحت لايقال ان النماء بلحوق اجزاء زايدة علي اجزائها السابقة و هي ساكنة في محلها و اللاحق يلحقها دفعة فلا حركة و علي فرض ثبوتها [ص 366] لايكون في الكم بل في الكيف فانّا نقول اما اولا فان مرادنا من حركة المقولة في حركة الجوهر فيها لا نفس المقولة و الايراد وارد علي فرض ثبوت الحركة في المقولة و اما ثانيا فانا نقول ان الحركة تثبت للاجزاء ايضا في الفرض المذكور لو كان حقا و ذلك لان حركة النفس تظهر في الاجزاء كما ان النفس تظهر و تري ذلك عيانا في الحركة الكيفية و الوضعية و الاينية فان البدن يتحرك و حركته من الجوهر لا محالة و كذلك في الكم و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فالاجزاء الجسمانية هي متحركة بحركة النفس و تميل الي الزيادة و ليست الزيادة اولا بمحض زيادة اجزاء فكأنها كانت ذراعا فزيد فيه اصبع فصارت ذراعا و اصبعا كالعشرة اذا زدت عليها واحدا تكون احدعشر و الاعداد لم‌تتفاوت بل جميع اجزاء النبات دايما تستمد من الارض مع انها تتحلل و لا بدّ لها من جذب بدل ما يتحلل فهو دايما في حال النماء غاية الامر انه ان كان ما يصل اليه من الامداد اكثر مما يتحلل يزيد علي ما كان و ان كان بالعكس ينقص منه و ان كانا متساويين يبقي علي حاله لاتقل انها علي ذلك تكون في مقولة الفعل و الانفعال لا الكم فاني اقول اصل الحركة من هاتين المقولتين كما مرّ و سنثبته ان شاء الله و ظهورها في الكم في مثل المقام ظاهر فانه يزيد و ينقص كمّا و ان ابيت جميع ذلك اقول لا شك في الزيادة و النقصان و هما ان كانا بالاتصال و الانفصال تكون ايضا في الكم لان الاتصال و الانفصال يثبتان في كل مقولة بحسبها فان كانا في الكيف يكونان كيفيين و ان كانا في الكمّ يكونان كميين و كذلك في كل عالم بحسبه فان الاتصال و الانفصال ايضا مثل الحركة يجريان في الجميع كالزيادة و النقصان و الحاصل ان الحركة للجسم في كميته ثابتة لا شك فيها و نفاها طائفة بملاحظة ان بالزيادة و النقصان تعدم الاجزاء السابقة و توجد اجزاء اخري اقول ان كان المراد من انعدامها تحلّلها و تبدّلها ببدل ما يتحلل فذلك لايمنع من ثبوت الحركة [ص 367] لما عرفت فان الجسم النامي يتقلب في البدن الجمادي الجسماني و تقلبه حركته مع ان التحلل و التبدل ايضا تدريجي و لايعنون بالحركة الا ذلك و ان كان مراده غير ذلك فهو اعلم و من اقسام الحركة الكمية التخلخل و التكاثف و الانتفاش و الاندماج فان الجسم يسير في هذه الحالات و يختلف حجمه بسببها و كذلك حركة الجسم في ساير متعلقات الكم و ذلك ظاهر ان شاء الله ثمّ هل تثبت في الكم للمنفصل كالعدد ام لا اقول انك اذا نسبت المعدودات الي الجسم لاتري نسبتها الا كنسبة ساير الكموم فان الجسم من حيث نفسه لايكون معدودا و لكن الاعداد تعرض الافراد و هو الذي يتجلي و يظهر فيها و ظهوره في العشرة غير ظهوره في التسعة و ظهوره و تجليه في العشرة بعد التسعة حركة له الا انه ليس له انتقال و لايعرض التغيّر نفس الجوهر بل بحسب تجليه فافهم و انت اذا عرفت كلام القوم و اطلعت علي بياناتهم ثمّ نظرت في كلامي تعرف لذته و ينحل لك المعضلات و يرتفع المشكلات التي تحيّر فيها افهام الحكماء و لم‌يعرفوها علي نحو الحقيقة و يكفي هذا القدر في بيان الحركة الكمية ايضا .

السادس - في الكلام في ساير المقولات . قد عرفت انهم انكروا ثبوت الحركة فيها و انا ابيّن بعض كلماتهم و اذيّلها بما اعرفه ان شاء الله فمن المقولات التي منعوا وجود الحركة فيها مقولة الاضافة و قال ابوعلي يشبه ان يكون جُلّ الانتقال فيها انما هو من حال الي حال دفعة فان اختلفت في بعض المواضع فيكون التغير بالحقيقة و اولا في مقولة اخري عرضت لها الاضافة اذ الاضافة من شأنها ان تلحق مقولات اخر و لاتتحقق بذاتها فاذا كان المقولة مما يقبل الاشدّ و الاضعف عرض للاضافة مثل ذلك فانه لما كانت السخونة مما تقبل الاشدّ و الاضعف كان الاسخن يقبل الاشدّ و الاضعف فيكون موضوع الاضافة يقبل و يلزمه ذلك قبولا اوليا فيكون الحركة في الامر العارض له الاضافة بالذات و اولا و للاضافة بالعرض و ثانيا ، اقول كلامه ذلك يشعر بتجويزه الانتقال من [ص 368] حال الي حال دفعة في نفس الاضافة من دون تغير الموضوع و هذا عندي مخدوش و كذلك قوله بالتغير دفعة و كذا اثباته الحركة فيما يقبل الاشدّ و الاضعف دون غيره فاقول في ابطال قوله ان نفس الاضافة لاتعرض الجوهر من حيث انه جوهر فان الجوهر الحقيقي فوق جميع الاضافات و النسب و ان كان جوهرا اضافيا فهو فوقها ايضا بالنسبة و لايعرضه شئ منها اذ لايقوم مع الجوهر غيره من الاعراض التي دونه حتي يضاف اليه و لو فرضت معه غيره لانزلته عن الجوهرية اذ نقول ان الجوهر الذي هو غيره و ينسب اليه هل يكون داخلا او خارجا فان كان داخلا للزم كون الجوهر مركبا من نفسه و من غيره و لايكون الشئ مركبا من نفسه و من غيره و الا للزم كون الشئ مركبا من هو هو و هو غيره و ان قلت انه عرضه اقول لزم من ذلك اولا كون الشئ مركبا من الجوهر و العرض و هذا خطاء و ثانيا يثبت من ذلك ما ذكرناه من وجود النسبة في العرض و ذلك محض المداراة و الا فالعرض لايدخل الجوهر و ان كان خارجا فلايعدّ معه الا بعد فرض حلوله في مكان و زمان اذ لايقومان الا فيهما و لا بدّ لهما من كيفية اذ لايحدّان الا بها و ساير الاعراض جميعها تلزمها فيكون الاضافة في الاعراض لا محالة و هذا الحكم في الجوهر الحقيقي الذي هو جوهر الجواهر ثابت مطلقا و في غيره بالنسبة اي بالنسبة الي الجواهر التي دونه و ان قلت ان الجوهر النسبي يثبت له اضافة بالنسبة الي مقامه بالاضافة الي ما في عرضه اقول فله اعراض اخر بالنسبة الي ما في عرضه و الاضافة فيها فان كلامنا ان نفس الاضافة لاتعرض الذات ابدا بل اقول ان العرض مطلقا لايعرض نفس الذات فان الذات فوق الاعراض و لاتنزل فيها و لكن الذات تتجلي من عالمها للاعراض فالذي يظهر فيها هو تجليها و فعلها و الاضافات و القرانات كلها عارضة لها بعد الحلول في الاعراض و اما الانتقال الدفعي فذلك اشتباه آخر فانه لا بدّ و ان يكون بالخروج من الامكان الي الفعلية فان هذه العرصة [ص 369] عرصة الامكان و جميع ما يظهر فيها يظهر بالخروج من الامكان بتكميل مكمل و ذلك لايكون الا بتهيؤ قطعة من الامكان بالصورة المفروضة و ذلك لايحصل الا في الزمان و له بداية و نهاية فالاضافة التي تحصل للجسم مثلا يكون في وقت من الزمان البتة و اوله غير آخره و آخره غير اوله و كل ما هو هكذا فله تدرّج الا ان بعض الاشياء اسرع حصولا و بعضها ابطأ و الناس يسمّون الاسرع اذا كان في غاية السرعة بالدفعي كاشتعال الهواء بنور الشمس و السراج مثلا و ذلك بالتدرج لا محالة فان الهواء الاقرب من النيّر يشتعل اولا و الابطأ ثانيا و يثقب النور الجسم الملاقي شيئا فشيئا حتي يبلغ منتهي الغاية و لا فرق بين نفوذ النور في الهواء و جري الماء فيه الا في السرعة و البطأ فانصف ان كنت منصفا و كذلك حال حصول جميع الممكنات في الملك نعم الخلق الاول دفعي و لذا نقول ان الله خلقه لا بحركة بعد سكون و ان كان مراده من الدفعة انه يتحرك دايما و ليس بين حركته من المبدأ الي المنتهي سكون اقول ليس من شرط كون الحركة حركة فصل سكون فان السكون قوة و الحركة قوة اخري كالبياض و السواد و الحرارة و البرودة و ليس من شأن وجود الضد كون ضده نعم فصل السكون يورث تعدد الحركات و اختلافها و لا شكّ في ذلك و اما اثباته الحركة فيما يقبل الشدّة و الضعف فذلك اشتباه آخر و قول بمحض تخيل من ذا قال ان حركة المقولة لا بدّ ان تكون الي الاشدّ و الاضعف و لعل ذلك ناشئ من قولهم ان من شرط ثبوت الحركة الحركة الي الضدّ و ذلك خطاء فانك عرفت سابقا ان الحركة هي الكمال الاول نحو الكمال الثاني او هي الصفة المتغيرة في الآن الثاني و حاصل الكلام انها خروج ما بالقوة الي الفعل سواءا كان القوة الخارجة اي الصفة الثانية ضدّ الاولي او مثلها مساوية لها او مخالفة اشدّ منها او اضعف فان الامام عليه السلام قال الفعل هو حركة المسمي و كل انتقال بايّ نحو كان فعل فهو حركة لا محالة فاذا عرفت ذلك [ص 370] فاعلم ان الحركة تثبت في الاضافة ايضا كما تثبت في غيرها الا ان الحركة فيها تثبت بسبب تغيّر ساير الاعراض فانها ان كانت في الاين و من حيث الاين لاتتغير الا بعد تغيّر الاين و ان كانت في الكمّ لاتتغير الا بعد تغيّر الكمّ و هكذا و تدبر .

و منها مقولة متي ، قال ابوعلي يشبه ان يكون الانتقال من متي الي متي آخر امرا واقعا دفعة كالانتقال من سنة الي سنة او من شهر الي شهر او يشبه ان يكون حال متي كحال امر الاضافة في ان نفس متي لا تنقل فيه عن شئ الي شئ بل يكون الانتقال الاول في كيف او كمّ و يكون الزمان لازما لذلك التغير فيعرض بسببه فيه التبدل و اما ما لا تغيّر فيه فستعلم انه ليس في الزمان فكيف يكون له حركة فيه ، اقول معرفة حقيقة الامر منوطة بمعرفة الزمان و قد مرّ بيانه مجملا سابقا و سيأتي مفصلا بعد ان شاء الله و اذكره هنا بقدر الحاجة فاقول ان اغلب الناس اخطأوا في معرفة الزمان و لم‌يعرفوا حقيقته و لذلك تحيّروا في المسائل المتعلقة به فاعلم ان الزمان علي الحق هو مدة ارتباط صفة بصفة او مقارنة صورة بمادة سواءا كانت النسبة ساكنة او متحركة و قد اخطأ من زعم انه تعدد الحركات او مدتها فانه لا شك ان السواكن ايضا ثابتة في الزمان و كذلك اخطأ من زعم انه الايام و الليالي او الآنات و الساعات فانها مكائيل للزمان لا نفس الزمان و سيجيء دليلنا علي بطلان قولهم ان شاء الله فاذا كان الزمان مدة بقاء النسبة بين الصفات فهي ثابتة قائمة في محلها و ان كان جميعها في الآن معدوما لان الماضي و المستقبل معدومان و لايجتمعان في الآن و الموجود منها الآن دائما و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيما ينسب اليه :

ما فات مضي و ما سيأتيك فاَين قم فاغتنم الفرصة بين العدمين

فالزمان الموجود في الدنيا هو الآن و الماضي و المستقبل في القوة و هما بالفعل [ص 371] في عالم الدهر و لايضرّ كونهما هنالك وجود الآن معهما و اما في الدنيا فالموجود هو الآن فقط و لايلزم من ذلك تناهي الموجود الي المعدوم كما زعموا فانه محدود بحدود انيته و هي بدؤه و ختمه لا بالقوة كما في ساير الفعليات فان الطول محدود بحدود الطول لا بالقوة و العرض هكذا و كذا الزمان فعلية من الفعليات موجودة بحدودها و صورتها فتدبر و القول بعدمية الآن يدل علي قصر نظر صاحبه و بالجملة ليس هنا مقام تفصيل نفس الزمان و سنبينه ان شاء الله فاذا عرفت ذلك فاعلم ان نفي ابي‌علي الحركة فيه لان الانتقال فيه دفعي كالانتقال من سنة الي سنة او شهر الي شهر فذلك خطاء من جهتين اما اولا فلان السنة و الشهر و الساعة و اليوم ليست نفس الزمان بل هي ايضا مواليد توجد بحركة الفلك و الحركة غير الزمان و عدد الحركات ايضا غير الزمان الاتري انك تحدد الحركات بالزمان و لو كان الزمان نفسها لماكانت تحدد به فتدبر و اما ثانيا فلان الدفعة التي قال ظنية كما مرّ سابقا و الانتقال من السنة الي السنة تدريجي و الشخص يسير في السنة سيرا ان قلنا بمرور الشخص في السنة او يسير السنة ان كانت سايرة علي التدريج و هو نظر الي ان ما دام الشمس في آخر درجة من الحوت يعدّ من السنة السابقة و بمحض انتقالها الي اول نقطة من الحمل يدخل سنة اخري و زعم ان هذا مثل الدفعي فقال ان الانتقال منها يشبه ان يكون دفعيا و لم‌يجترأ علي البت به و ذلك بقول العوام اشبه فان درجات الفلك ليست الا نقاطها و اجزاؤها و الشمس تجري فيها كما قال الله تعالي و الشمس تجري لمستقرّ لها و في كل نقطة من فلكها تحاذي درجة من درجات البروج و سيرها تدريجي لا محالة غاية الامر انها اذا سارت دورة تقريبا تعدّ سنة و انتقالها من آخر الحوت الي اول الحمل ليس الا كانتقالها في ساير الدرجات و كل انتقاله تدريجي و ليس الا كمشيك علي الارض او سباحة الحوت في البحر كما قال الله كل في فلك يسبحون فايّ [ص 372] شباهة لها بالحركة الدفعية فتدبر و كذلك قوله ما لا تغيّر فيه ليس في الزمان و لا حركة له اما كون كل ثابت دهريا علي ما يقول فان ذلك ضعيف عندنا نعم ان كان ثابتا في جميع الازمنة و لايجري عليه الزمان مطلقا يكون دهريا و اما ان كان من المركبات الدنيوية العرضية غاية الامر انه ثبت اياما و لم‌ينتقل من حال الي حال لايكون دهريا بل هو زماني ، هذا و نحن نقول اي انتقال سلب عنه لايمكن سلب الانفعال عن العالي عنه فان كل موجود يوجد بايجاد العالي و هو في كل حال يستمد من العالي سواءا كان دهريا او زمانيا او سرمديا فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الزمان هو مدة بقاء الحادث الزماني و قد عرفت انه مدة نسبة صورة الي صورة او صورة الي مادة فان كل مادة جسمانية اذا تصورت بصورة تبقي فيها مدة ثمّ تتصور بصورة اخري فمدة تلبسها في تلك الصورة تسمّي عندنا بالزمان و كذلك تلك الصورة اذا نسبت بصورة اخري علي تلك المادة او غيرها بايّ نسبة كانت فمدة بقاء تلك النسبة تسمّي زمانا فعلي ذلك فالزمان ايضا من لوازم الاعراض و الجوهر بنفسه فوق جميع الاعراض و لايعرضه زمان من الازمنة بل نسبته الي جميع الازمنة بالسواء الاتري ان الماء من حيث نفسه لايمضي عليه وقت فانه ماء من اول الزمان الي آخره و نسبته الي جميع الازمنة بالسواء فانه ماء في كل حال و لكن الاوقات تمضي علي ظهوراته التي هي اعراضه فحين في البحر و حين في النهر و حين جارٍ و حين ساكن و لذا تحدّ جريه و سكونه بالساعات و الدقايق و الايام و الليالي و كذلك ساير صفاته كحرّه و برده و خضرته و بياضه و زيادته و نقصانه و غيرها فالزمان وقت هذه النسب و الاعراض و لكن نفس الماء جوهر ثابت قائم فوق جميعها و لايجري عليه الساعات و لايبليه الاوقات و لايتداوله الازمنة فهو في كل يوم غضّ طريّ ثابت كما انه بنفسه لايقوم في الامكنة الدنيوية و غيرها فالجوهر بنفسه لايمضي عليه وقت بل نسبته الي كل الاوقات بالسواء و اما اعراضها فكلها جارية [ص 373] في الزمان تنتقل من حال الي حال و لايضرّنا ان نقول ان نفس الزمان لاتجري و لاتتحرك فانه عرض كالكيف و الكم و لايصير بنفسه موضوع عرض آخر و الحركة و السكون عرضان لا بدّ من ظهورهما علي مادة خاصة جوهرية فالحركة تعرض المادة التي تحدّ بالوقت لا نفس الوقت و لكن الزمان بنفسه بحر ثابت قائم كساير الاعراض القارة و الماضي و المستقبل و الحال بالنسبة الي الاعيان الجارية فيها و ان قلت يلزم علي ذلك كون الجميع في عرض واحد و ذلك من المحال اقول هي كلها حاضرة في محضر علم العالي و ليس هنا ماضٍ و حال و استقبال و بالنسبة الي المواد الدنيوية لايكاد يجمع جميعها في آن واحد البتة بل لايظهر منها الا الآن و سير المواد في الآنات فافهم و سيجيء تمام البيان ان شاء الله في محله فالزمان بنفسه ثابت و لايكون جاريا فانه ليس بشئ يصلح للجري و السير و لكنه يجري فيه الجسم الموقت به و جريه ذلك ليس الا كجريه في الكيفيات و الاوضاع و لكن الجسم بجوهره لايوقّت بزمان لانه فوق الازمنة و محيط بها بل هو دهري و الدهر آن واحد منه يحيط بجميع الازمنة و لكنه بعد ما تجلّي في افراده المتممة يوقّت بالاوقات و يتضمنه الامكنة و يحدده الحدود فالزمان عارض له بواسطة ساير الاعراض و قد اقرّ بذلك ابوعلي الا انه لايعرف سوي الظواهر و هو غافل عن الحقايق .

و منها مقولة الجدة ، قال ابوعلي انّي الي هذه الغاية لم‌اتحققها و الذي يقال ان هذه المقولة تدل علي نسبة الجسم الي ما يشمله و يلزمه في الانتقال فيكون تبدّل هذه النسبة علي الوجه الاول انما هو في السطح الحاوي و في المكان فلايكون فيها علي ما اظن لذاتها و اولا حركة و قال القوشجي في تعريفه انه نسبة الشئ الي ايّ هيئة تحصل بسبب نسبته الي ملاصق يحيط به احاطة مّا و ينتقل بانتقاله ، اقول ان مرادهم من ظاهر كلماتهم انها هيئة تحصل بسبب كون جسم في محيط بكله او بعضه بحيث ينتقل المحيط بانتقاله مثل التسلح [ص 374] و التقمص و التعمم و التختم ، قال الآخوند (ره) انه ينقسم الي طبيعي كحال الحيوان بالنسبة الي اهابه و غير طبيعي كالتسلح و التقمص قال و قد يعبّر عن الملك بمقولة له فمنه طبيعي ككون القوي للنفس و منه اعتبار خارجي ككون الفرس لزيد ففي الحقيقة الملك يخالف هذا الاصطلاح فان هذا من مقولة المضاف لا غير ، اقول ان كل ذلك محض اصطلاح و لا مشاحة فيه و سيجيء كلامنا فيها من بعد ان شاء الله و هنا كلامنا في الحركة فاعلم ان حكم الجدة علي ما وصفوها لايخرج من حكم الاضافة و الاين فانّا ان عددناها من الاين تكون مكانا متصلا بالمتمكن و تكون اشبه بالامكنة الذاتية و ان عددناها من الاضافات فهي مما تضاف الي الشئ من الملك كما ذكرنا آنفا ان الاضافة من الاعراض الطارية لساير المقولات و علي اي حال لا شك في ثبوت الحركة فيها ايضا كما ذكرنا في الاضافة الا ان نفس الجوهر من حيث هو لاينتقل في الجدة و لكن في البدن ينتقل من جدة الي جدته كما تري علانية انّ اهاب الحيوان و وبره و شعره تتغير و تتبدل فيسقط منها شئ و يثبت بدله و كذا في السلاح و النعل و القميص و غير ذلك و ذلك ظاهر و العمر اعزّ من ان يصرف في بيان امثاله .

و منها مقولة ان يفعل و ان ينفعل ● ، فقد نفوا الحركة فيهما ، اما الاولي فقال الآخوند (ره) في تعريفها انها كون الجوهر بحيث يحصل منه اثر في غيره غير قارّ الذات ما دام السلوك في هذا التأثير التجددي كالتسخين ما دام يسخّن و اما الثانية فهي كون الجوهر بحيث يتأثر عن غيره تأثيرا غير الذات ما دام كونه كذلك مثل التسخّن فاذا فرغ الفاعل من فعله و المنفعل عن انفعاله و بالجملة عن النسبة التي بينهما من تجدد التأثير و التأثر لايقال ان هذا محرّك و ذاك متحرك و ينتهي التسخن الي السخونة القارّة و التسود الي السواد القارّ فالتعبير عنهما بان يفعل دون الفعل و بان ينفعل دون الانفعال لاجل ان [ص 375] الفعل و الانفعال قد يقالان للايجاد بلا حركة و للقبول بلا تجدد ككون الباري فاعلا للعالم و كون العالم منفعلا عنه و ليس في ذلك حركة ، الي آخر كلامه (ره) و تفصيل القول فيهما سيجيء في محله ان شاء الله و قال ابوعلي ربما ظنّ ان فيهما حركة من وجوه من ذلك ان الشئ يكون لايفعل و لاينفعل ثمّ يتدرج يسيرا يسيرا الي ان يصير يفعل او ينفعل فيكون ان يفعل و ان ينفعل غاية لذلك التدرّج مثل السواد فانه غاية التسود فيظن ان في هاتين المقولتين حركة و ايضا فانه يتغير الشئ من ان لايكون ينفعل بالحرّ او يفعله الي ان ينفعل بالحرّ او يفعله و يكون ذلك قليلا قليلا فيظن ان ذلك حركة و ايضا فان الانفعال قد يكون بطيئا فيتدرج يسيرا يسيرا الي ان يسرع و يشتدّ و بالعكس فيظن ان ذلك حركة الي السرعة فاقول اما الوجه الاول فلايكون الحركة فيه في الفعل و الانفعال بل في اكتساب الهيئة و الصورة التي بها يصحّ ان يصدر الفعل و الانفعال و اما الوجه الثاني فيحلّه ما سنبين بعد من انه لا سبيل الي ان يتصل السبيل من تبرّد الي تسخّن او تبريد الي تسخين الا بالانقطاع و تخلل وقفه و اما الوجه الثالث فلااعنف من يجعل الاستحالة من السرعة بالقوة الي السرعة بالفعل يسيرا يسيرا حركة و هو استكمال لما بالقوة من حيث هو بالقوة لكن ذلك في السرعة و البطؤ و ليسا بحركتين و لا فعلين الي ان قال لايجوز ان يكون في طبيعة ان ينفعل و ان يفعل حركة علي سبيل ما يقال الحركة في المقولة فانه ان جاز ان يكون انتقال من التبرد الي التسخن يسيرا يسيرا فلايخلو اما ان يكون ذلك و التبرد بعد تبردا او عند ما ينتهي التبرد فان كان عند ما ينتهي التبرد بعد تبردا و معلوم ان الانتقال الي التسخن اخذ من طبيعة التسخن و في طبيعة التسخن اخذ من طبيعة السخونة فيكون عند ما يقصد الحرّ يقصد البرد معا و هذا محال و ان كان عند منتهي التبرد فهو بعد الوقوف علي البرد و بعد الانتهاء كما ستعلم و مع ذلك فحينئذ لايخلو اِما ان يكون ذلك [ص 376] الانتقال نفس التسخن او انتقالا الي التسخن فان كان نفس التسخن فليس بين التبرد و التسخن الا زمان سكون او آن لا حركة فيه و لا سكون كما تعلمه و ان كان المصير الي التسخن فلايخلو امِا ان يكون في المصير الي التسخن اخذ من طبيعة التسخن او لايكون و ان لم‌يكن فليس ذلك استحالة البتة و ان كان فهناك اخذ لا محالة من طبيعة السخونة و الاخذ من طبيعة السخونة هو تسخّن فيكون عند الانتقال الي التسخن و التوجه اليه تسخّن موجود اللهم ان يفرض التسخن ما هو في الغاية تسخّن و يكون الانتقال اليه مما هو اضعف منه ثم التسخن نفسه و كل حركة فانه ينقسم بالزمان فحينئذ يستكمل السخونة في آن فلايكون تسخّن فان كان تسخنا فهو منقسم الي اجزاء و يكون كل جزء من التسخن يفرض تسخّنا و يكون الجزء المتقدم منه اضعف فلايكون بالغاية فلايكون تسخّنا بهذا المعني و فرض تسخنا بهذا المعني هذا خلف و اِما ان يكون التسخن غير منقسم البتة فلايكون حركة بل سخونة و اِما ان يكون منقسما فلايكون من التسخن ما هو غاية فليس اذا من شرط التسخن ان يكون في الغاية بل ان يكون آخذا في السخونة و لايتسخن في الغاية و اذ قد عرفت الكلام في التسخن عرفت في التسخين ، اقول جميع بياناتهم محض القشر و قد توقفوا عليها بعد ان لم‌يجدوا الي الحقيقة سبيلا و مال بهم الطريق لقصر نظرهم علي الاعراض و عدم شفائهم من الامراض و حرمانهم عن مشاهدة الجواهر فاقول اولا لاظهار الحق في المقام من دون تطويل الكلام ان نفس الحركة هي الفعل كما مرّ سابقا و هم بانفسهم اقرّوا بذلك من حيث لايعلمون اذ عرّفوها مرّة بالانتقال و اخري باول الكمال و ثالثة بالخروج من القوة الي الفعل و غير ذلك من الالفاظ الجارية في المضمار مما يقرب هذا المعني و هل هذه المعاني الا افعال و ان لم‌تكن افعالا فالفعل ما هو و اقول لهم بالحصر العقلي الكلمة اسم او فعل او حرف و مصاديقها [ص 377] ايضا لاتخرج من هذه الثلثة و لو كان شئ آخر في الملك غيرها لعبّروا عنها ايضا بلفظ من الالفاظ و ذلك ظاهر و نري انهم لم‌يعبّروا عن شئ الا بهذه الاسماء و نقول بالبرهان العقلي ان الشئ اِما يكون جوهرا و ذاتا او عرضا فان الشئ اِما يكون قائما بنفسه او بغيره فان كان قائما بنفسه فهو جوهر و ان كان قائما بغيره فهو عرض و العرض اِما يكون حدثا يصدر من الجوهر بايجاده او يكون محض نسبة و ارتباط خارجي فالاول يعبّر عنه بالاسم و الثاني يعبّر عنه بالفعل و الثالث يعبّر عنه بالحرف و جميع الموجودات الخارجية لاتخرج من هذه ان تدبرت و اما النعوت و الصفات فهي اسماء لمعانٍ و المعاني ظواهر الذوات في عالم الافعال و في حكمها اسماء الالوان و ما في حكمها و لست بصدد التفصيل و المراد الاجمال فاذا عرفت ذلك اقول ماذا تقول في الحركة انها من ايّها هل تكون جوهرا قائما بنفسه او حدثا او معني رابطيا ، لااظنك تقول انها جوهر و لم‌يقل به احد و لا معني رابطي ليس باسم و لا فعل فبقي القسم الثالث فهو حدث ثالث لا محالة و ليست من قسم الالوان و ما شابهها من الاعراض فهي اِما من الافعال او من النعوت فاقول انك اذا نظرت في النعوت تجدها مسبوقة بالافعال فان القائم في الاسم الظاهر مشتق من المضارع عندهم و في المعني ايضا محدث بالفعل فان زيدا ما لم‌يقم لايكون قائما فلا بدّ و ان يصدر منه القيام اولا و لااظنك ان تقول ان القيام صدر منه بلا حركة فانك تقرّ بالحركة الوضعية مع انا نقول ان لم‌يصدر منه بالحركة لا بدّ ان يصدر منه بالسكون و ذلك محال فان السكون هو الثبوت و القرار و لا ثالث فانحصر الامر في الحركة فنفس القيام صادر من زيد بالحركة فالحركة سابقة علي القيام الذي هو مبدؤ النعوت و لايسبق القيام شئ سوي الذات و فعلها و اذ لم‌تكن ذاتا فهي فعلها فافهم هذا البرهان الجدلي الظاهري .

و اما علي وجه الحكمة فنقول ان الله سبحانه كان و لم‌يكن معه شئ [ص 378] مما كان كما هو الآن و لايتغير عن حال الي حال و لاينتقل من وجود الي زوال و لايمضي عليه الاوقات و لايجري عليه الصفات و لا و لا ، لانه تعالي احد و الاحد لايحدّ بوجه من الوجوه و قد كان في كمال قدسه و يكون و قد احبّ ان يخلق خلقا لا بان يشغفه الحب و لا بميل الي شئ من نفسه بل لا قلب له يدخل فيه شئ او يخرج منه شئ او يهوي شيئا بل كل ما يقال محض تعبير للتفهيم و قد اخطأ من زعم ان لله تعالي محبة ذاتية و عشقا حقيقيا بالخلق فان الاحد لاينسب اليه شئ و لايناسب شيئا و لايميل الي شئ فان جميع ذلك صفة الحدوث و الله تعالي قديم منزه عن الحدوث و لكنه تعالي عامل مع خلقه من بدأ نشوهم الي منتهاهم معاملة المحبين فعبر عن ذلك بالمحبة كما فعل في رضاه و اسفه و سخطه و مكره و كيده و غير ذلك و ذاته تعالي منزهة عن جميع ذلك و حبه ذلك نفس ارادته و ارادته تعالي اول تجليه و قد تجلي بها لها اي نفسها نفس التجلي لا ان له تعالي فعلا غيرها او ان ذاته ظهرت بها بمعني تغير الذات عما هي عليه و عرضها زوال الحال و انتقال الاحوال فظهرت بعد الغياب او غلظت بعد اللطافة و قد تعالي عن كل ذلك و سبحان الله عما يصفون بل الذات علي حالها من دون تغيّر و جعل ارادتها قبل كل مجعول و خلقها بنفسها قبل كل مخلوق و هي بنفسها مطلقة مبهمة لا اختصاص لها بشئ دون شئ الا ان الله جل و عز خلق بها كل مقيّد مخصوص و هي سابقة علي جميع الخلق مع ان جميعها كمال الله و انوار جماله و آثار جلاله فهي اول كمال لله اذ بها يوجد كل كمال فافهم ذلك و اتقنه فلذا نقول ان الارادة هي الحركة الايجادية لا بمعني انها انتقال او خروج من القوة بل بمعني ان الارادة هي اقبال الله تعالي الي خلقه لا مثل اقبال الخلق و توجههم بل هي خلقه و جعلها اقباله و توجهه و الاقبال هو نفس الحركة الا انها اقبال الي الايجاد فهي حركة فعلية و لذا يقال انها فعل الله و اما قول [ص 379] الآخوند (ره) ان فعل الله لايكون بحركة فهو حق و صدق بمعني ان ذات الله تعالي لاتتحرك بذاتها و قد خلق الارادة بنفسها و اما كون نفس الارادة حركة فذلك مما لا شك فيه و اما قول الامام عليه السلام في الابداع انه خلق ساكن لايدرك بالسكون ، فمعناه انه لاينتقل من حاله و مكانه و لايعرضه حركة زايدة او يريد منه ما مرّ سابقا و الحاصل ان الارادة هي الحركة الفعلية ثمّ الله تعالي اطلع بها علي ارض الامكان فاشرقت بنورها و استضاءت و اشراقها ليس الا باقبالها نحو الارادة و قبولها لضوئها و نورها و انفعالها و ليس ذلك الا باقبال الامكان نحو الانوجاد و توجهه اليه و توجهه ذلك هو الحركة نحو الانوجاد فتسمّي بالحركة الانفعالية و حقيقتهما شئ واحد و التفاوت بحسب ذلك ثمّ ان الارادة بعد ما تعلقت بمراتب الامكان و درجاته و مقاماته اختلفت فيها و تهيّأت بهيئات مختلفة بحسب اختلاف درجاتها فان مراتب الامكان مختلفة و ان كانت جميعها في الصلوح و القوة متشاركة و لو لم‌تكن مختلفة لمااختلفت الخلق و ما تري في بياناتنا من وحدة الامكان لانريد منه سوي وحدة الماهية الامكانية و لانريد من ذلك انه لا تدرّج فيه و لو كان كذلك للزم اتحاد جميع الخلق في المادة و ذلك قول من قال بوحدة الموجود بل له مراتب مختلفة بعضها فوق بعض و كل سافل هو تنزل العالي او اثره و فعل الله تعالي يتشخص في بطونها و يتهيأ بهيئاتها و مثال ذلك فعلك المطلق الظاهر في اعضائك و جوارحك فان فعلك من حيث نفسه مطلق و لايخصّ شيئا دون شئ فلايسمي باسم خاص و لكنه ينصبغ في بطن يدك فيعبّر عنه باعطي و كتب مثلا و في الرجل فيعبّر عنه بمشٰي و كذلك ينصبغ في بطن كل واحد واحد من الاعضاء و يعبّر عنه في كل مقام باسم خاص و كذلك الامر في فعل الله تعالي في مراتب الامكان فينصبغ في كل مرتبة من المراتب فعله تعالي بصبغ و يسمّي باسم و كذلك مراتب الامكان بحسب قبولها و انفعالها تخصص فيقال انها قبلت كذا [ص 380] و كذا بحسب قبولها الانفعالي ثمّ ان الفعل الخاص بكل شئ يسمّي برأس من رؤس المشية و قد تعلّق بالامر المخصوص و هذا السرّ سارٍ في جميع الاشياء فالكل مخلوق بفعل الله تعالي و قبول الخلق و من بين هاتين الحركتين يوجد كل موجود و لما كان جميع الخلق مخلوقا بمشية الله تعالي و جميعها آثارها و اشعتها و النور علي صفة منيره ظهر في الجميع السرّ المذكور بل ظهر في الكل نور الله الظاهر في مشية الله تعالي لان المشية هي المؤثرة للكل و قد ظهرت فيها بما هي عليه فانت اذا نظرت الي نفسك تري اثر ذلك كما قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في انفسكم أفلاتبصرون ، و قال عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي كتاب الله الذي كتبه بيده ، فالامر فيك كالعالم و فيك انطوي العالم الاكبر فذاتك مستعلية علي جميع الصفات منزهة عن جميع الحدود و النهايات لايصدر منها شئ و لايرد فيها شئ فلا حركة لها بنفسها علي ما بيّنا سابقا و لكن لها اول كمال هو توجهها نحو الصفات و الكمالات و به يوجد جميعها و يسمّي بفعلها و هو حركتها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الفعل ما انبأ عن حركة المسمي و روي ابي اعلي الله مقامه عن الرضا عليه السلام الفعل حركة المسمي ، و الفعل هو اول موجود من جميع الصفات و يتجلي هو للبدن الذي هو بمنزلة الامكان الجايز للكمالات و البدن بنفسه لا حراك له و لا حيوة و لايقدر علي شئ فبعد ما تجلّت اليه اي الي البدن احيته بنفس ذلك فاشرق بنوره و احيي بروحه المنزل اليه فتحرك بقبول اوامره و نواهيه و تخصص فعله المطلق في بطن الاعضاء و الجوارح ففي كل جارحة صبغ بلون و تكيّف بكيفية خاصة فجميع الافعال و الكمالات الخاصة موجودة من الفعل الاعلي و الانفعال الا انها ربما يغلب علي المركب جهة الفعل فيسمّي باسم الفعل و ربما يغلب عليها جهة [ص 381] الانفعال فيعبّر عنها بالنعوت و كلها في المعني يدل علي حركة المسمّي ثمّ ان تلك الحركات علي ما مرّ تقع في المقولات فنفس الحركة اما فعل او انفعال او كلاهما و لاادري معني نفيها عن مقولة الفعل و الانفعال ثم اذا نظرنا من مناظرهم و شربنا من مشاربهم نقول لمَ تمنعون الحركة من هاتين المقولتين و ايّ دليل حملكم علي ذلك فبعد ما تصفحت رسائلهم و تفحصت في مطاوي كلامهم لاتجد برهانا سوي هذا القول المجتث الزائل الذي قاله ابوعلي و لو نظرت فيه تجد انه بنفسه لم‌يطمئن به و قال ما قال بمحض الظن و انا اشير الي جهات فساد قوله مجملا حتي تعرف ضعفه .

فاقول اما قوله في الوجه الاول انه لايكون الحركة في الفعل و الانفعال الخ ، ان ذلك خطاء فانها حركة في الانفعال و ذلك ان الشئ ربما لايفعل لضعف قوته فيكمّله مكمل خارجي و اكتسابه الذي قال ليس الا بمكمل خارجي يكمله ليصير فاعلا و تكمله قبوله و الله سبحانه خلق كل شئ من الامكان و حلّاه بحلية الكون و بخروج صورة كونية من كمونه لايخرج من كونه امكانا فيبقي في قوته كل شئ و يمكن ان يخرج منه مع وجود مكمل كل شئ فهذا الشئ ربما لايكون فاعلا في غيره لضعفه او يفعل ضعيفا و اذا كمّله مكمل و قوي بنيته يفعل لا محالة كما تري في الاكسير علانية ان الحجر لضعفه لايكون فعّالا و تكمّله بالحل و العقد و التصفية و التكليس و غيرها من الاعمال المقررة فيصير فعّالا فالمياه التي توردها عليه تكون فاعلة فيه و هي متحركة بالفعل و الحجر يقبل فعلها حتي يتكمل فيصير فعالا فهو متحرك بالانفعال نعم الحركة الانفعالية تظهر في ساير المقولات ايضا فانه بعد ما صار كاملا يتغير كيفه و كمه و محله و ساير صفاته لان الكامل في كل صفة ارفع درجة من الناقص و بالجملة فاكتساب الهيئة بالانفعال و اما ما قال في الوجه الثالث فهو ايضا ناقص لان السرعة و البطأ ايضا من صفات الحركة فان الحركة اما تكون سريعة او بطيئة فكيف يثبت الصفة مع نفي [ص 382] الموصوف و قد قدّمناه علي الوجه الثاني لاختصاره و اما الوجه الثاني فاحال وجه التخلص منه الي ما بيّنه بعد و المخلص من الشبهة التي القاها لايكون الا بما ساُبيّنه لك ان شاء الله تعالي فاعلم ان الله سبحانه لم‌يخلق في ملكه هذا شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه بل هذا الامر جارٍ في جميع ملك الله تعالي فكل الخلق مركبون الا ان بعضهم لغلبة سرّ التوحيد عليه صار ابسط بالنسبة و اجزاؤه متشابهة فصار اشبه بالواحد الفرد كالجواهر و المعنويات و بعضها اختلاف اجزائه اكثر فصار تركيبه ظاهرا بيّنا كالاجسام ففي عالم الاجسام لاتكاد تجد مولودا خالصا من شائبة التركيب فكل ما تراه مركب و بناء التركيب كلياته علي اربع كيفيات بني عليها جميع الملك كونا و شرعا و لذا ورد في اخبار عديدة ان اركان عرش الله اربعة ركن ابيض و ركن اصفر و ركن احمر و ركن اخضر و قد ظهرت في عالم العناصر بالعناصر الاربعة فالابيض ظهر في الماء و الاصفر في الهواء و الاحمر في النار و الاخضر في التراب و قد ركّب الله منها جميع المواليد بل البسايط الا ان الافلاك و الارض مخلوقة من عناصر الغيب و المواليد الجسمانية مخلوقة من هذه العناصر المشهودة فلاتكاد تري بعد مولودا و لا سماءا و لا ارضا خالصا عن شائبة غيره فان كلها مركبة فالنار لاتكون نارا خالصة عن الهواء و الماء و التراب و كذلك اخواتها و لاتجدها خالصة الا في عالم الجواهر فالنار الجوهرية نار خالصة و كذلك اخواتها ففي دار الدنيا لاتري سخونة خالصة من البرودة او برودة خالصة من السخونة فانّ ساخنها ممزوج بالبارد و البارد بالساخن و انت في اقبالك الي كل واحدة مقبل الي غيرها البتة فالذي يسمّي بالساخن له من البرودة و الرطوبة و اليبوسة الا ان بسبب غلبة السخونة بالنسبة يسمّي بالساخن و كذلك في الباقي و مثال ذلك يظهر لك في الادوية فان الدواء الحار ليس يخلو من البرودة و لكنه يسمّي حارا بالنسبة الي ساير اخلاطه و الحكيم الماهر يقدر علي تجزية اجزائه و اتخاذ كل عنصر [ص 383] منها علي حدة في الجملة لا في الواقع فان الاجزاء بعد التجزية ايضا دنيوية و في الدنيا لايكاد يقوم جوهر خالص و كذلك يظهر لك في الانسان فان كل انسان يجتمع فيه الاخلاط الاربعة و لو لم‌يكن كذلك لهلك و لكن رب انسان يغلب عليه الصفراء فيسمّي صفراويا و انسان يغلب عليه البلغم فيسمّي بلغميا و كذلك الامر في جميع الملك فلذلك صار درجات الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة متفاوتة و قد تنبه لذلك الاطباء حيث جعلوا درجات اربعة للامزجة و هي كلياتها و الجزئيات لاتحصي فقالوا ان للحرارة اربع مراتب و للبرودة اربع مراتب و كذا للرطوبة و اليبوسة و يذكرون ترتيب امزجة الادوية هكذا فاذا عرفت ذلك فاعلم ان التسخن لايكون في مرتبة واحدة و صورة واحدة و كذا التسخين لان درجات السخونة متفاوتة فان مولودا يكون ماؤه مثقالين مثلا و ناره مثقالا حرارته اقل من مولود يكون ناره مثقالين البتة فتسخّنه و تسخينه اقل منه بلا شك و ذلك ظاهر لا شك فيه و لذلك نقول ان الامر فيهما نسبي فرُبّ شئ حار بالنسبة الي شئ ، بارد بالنسبة الي شئ و ذلك مجرب لا شك فيه فانك اذا وردت الحمام في البيت الاول تحسّ الحرارة حين ورودك و بعد خروجك من البيت الثاني تحسّ منه البرودة و كذلك في ورودك تري الخزانة الاولي في غاية الحرارة حتي انه ربما تتألم من شدّة الحر و لكن اذا وردت الخزانة الثانية و كانت احر من الاولي ثم رجعت الي الاولي تحسّ منها البرد بلا شك و ليس ذلك الا باختلاف درجات الحرارة و البرودة و هذا شئ لايجهله حكيم و لذا تردد ابوعلي في كلامه كما يظهر منه فعلي ذلك نقول كل جسم في الدنيا لايكون حارا خالصا بل له من البرودة فهو حين التسخن متبرد و كذلك حين التسخين يبرد الا ان الحكم علي الغالب و هو يتحرك بفعله و انفعاله لا محالة لانك قد عرفت سابقا ان الحركة هي الصفة الاولي المتغيرة في الآن الثاني و هي حاصلة هنا و الجسم يقبل السخونة من اسخن منه و يسخن ما هو [ص 384] ابرد منه بلا كلام مع اجتماع الحر و البرد فيه كما تري انك اذا صببت ماءا حارا في الدرجة الاولي في الماء الحار في الدرجة الثانية يبرّده لا محالة فماذا تقول في المقام هل تقول ان الماء المصبوب بارد في الغاية او حار في الغاية لا شك انه لايكون حارا و باردا في الغاية و لكنه احرّ من ابرد منه و ابرد من احر منه فاذا صببته في احر منه يبرده و اذا صببته في ابرد منه يسخنه بالبداهة فما تقول فيه ، تقول انه يبرّد حين التسخين و يسخّن حين التبريد او تنكره و لايكاد ينكر ذلك عاقل و بالجملة الامر واضح لمن كان عاقلا و كذلك نقول ان الدرجات فيهما متفاوتة و الجسم اذا سار من منتهي البرد الممكن فيه و نفرض انه حدّ الجمد الي غاية الحرارة المفروضة فيه و هي حدّ الغليان علي الفرض يسير متدرجا بلا شك و يظهر ذلك لك بالميزان الذي سمّوه ترمومتر و ليس له حدّ وقوف و لايسير الي الدرجة الثانية قبل الاولي البتة فالبارد يتسخن شيئا فشيئا و تسخنه ايضا باتصافه بالحرارة بلا كلام و كلما يغلب عليه الحر يقل برده حتي يبلغ منتهي الغاية فيضعف برده في الغاية و لاينفد لان الجسم المركب لايفني برودته ابدا و كذلك في سيره من الحر الي البرد و اذا كان الامر في انفعاله هكذا فكذلك في فعله فان الفعليات مؤثرات لانها آثار فعل الله و كل ذي فعلية يؤثر بقدر فعليته فتأثيره بقدر نقصه و كماله فتدبر ، بقي الكلام في فعله و انفعاله انهما هل يجتمعان معا ام لا ، اقول بلي قد يجتمعان لاختلاف الحيثين و اختلاف الباعثين و قد مرّ شطر من بيان ذلك في العلة الفاعلية فان سبب الانفعال هو الامكان و سبب الفعل هو الكون و الشئ مركب منهما فينفعل بمادته من فعلية اخري اكمل منها و يفعل بصورته في مادة اخري كما تري علانية ان الماء يكتسب الحرارة من النار و يسخّن بدنك في آن واحد فافهم ذلك و اتقنه و اعرف الحق و لاتغتر بكلمات مجتثة زايلة قالوها بآرائهم الفاسدة و خيالاتهم الكاسدة .