فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان المشية التي هي فعل الله تعالي حركة اولية مخلوقة لله سبحانه كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة الفعل الفعل ما انبأ عن حركة المسمّي انتهي ، و قال الرضا عليه السلام الفعل هو حركة المسمّي ، و برهان ذلك بالعقل ان الحركة علي ما قلنا اول صفة تتغير في الآن الثاني و اول كمال نحو الكمال الثاني و اول صفات الله تعالي المشية و هي التي تظهر في ساير الاشياء و يقوم جميعها بها كما قال الله تعالي و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و في الدعاء كل شئ سواك قائم بامرك و هذه الحركة من حيث نفسها و هي جهتها الي ربها حركة فعلية و من حيث طبيعتها و انيتها حركة [ص 335] انفعالية و لكنهما في غاية البساطة و الاتحاد لانها فوق جميع الكثرات و لايشاهد منها التركيب لانها المبدأ الاول و لايتصور الكثرة في المبدأ و ان كان مركبا في الواقع لان الله جل و عز لميخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه و ان قلت ان لمتشاهد فيها التركيب فمن اين تثبت لها التركيب اقول لما نلاحظ في ظهوراتها و مجاليها فان الظاهر عنوان الباطن و لو كان العلة بسيطة لكان المعلول بسيطا لا محالة فلما رأينا انها مركبة عرفنا ان العلة مركبة اذ جميع ما لها و منها و بها تكون بالمشية و لا مبدأ سواها منها بدئت و اليها تعود فافهم فانه دقيق و لذا ورد في قوله تعالي انا لله و انا اليه راجعون انا الي امره راجعون و بالجملة فالمشية مركبة و عرفنا تركيبها بالتزييلات الفؤادية الا ان جزئيها في غاية الاتحاد فالاعلي عين الاسفل و الاسفل عين الاعلي فالحركة الفعلية فيها عين الانفعالية و الانفعالية عين الفعلية ، هذا و اصل الحركة صفة بسيطة و هي كمال الله الفعلي و بعد ما ظهرت في اعلي المشية اعني انها نفس الظهور ظهرت بالفعل الايجادي و في اسفلها بالفعل الانوجادي فهذه حركة ايجادية فعلية و هذه حركة انوجادية قبولية و هذه كون و هذه امكان و بهذين يخلق المشية بها ثمّ بعد ما ظهرت في الامكان الجايز الذي هو بمنزلة الدهن لنار المشية و تعلقت به صارت حركة ايجادية للاكوان و للامكان حركة انوجادية قبولية و خلق من بينهما ساير الموجودات و لما كان جميعها اثر مشية الله صار كلها مركبا من حركتين الا انهما خاصتان بحسب القوابل فتدبر و هذا السرّ سارٍ في جميع الاشياء حتي في نفسك بالنسبة الي افعالك و صفاتك فان نفسك التي هي آية الله فيك منزهة عن جميع الصفات اذ هي كاملة بالفعل بالنسبة الي صفاتها و كمالاتها الشخصية فهي في ذاتها منزّهة عن الحركة و لها اول ظهور و كمال هو فعلها قد اوجدته بنفسه و هو حركتها نحو صفاتها و افعالها و هي بسيطة احدية بالنسبة الا انها [ص 336] في حدّ نفسها ايضا مركبة من حركة فعلية و انفعالية علي ما مرّ حرفا بحرف الا انها في ملك الانسان بحسبه و في العالم بحسبه و هي لبساطتها و كليتها لاتخصّ فعلا دون فعل و صفة غير صفة و بعد ما ظهرت في القوابل الامكانية اي قابلية البدن التي هي بمنزلة الدخان للشعلة او الدهن او اسفله بمنزلة الدهن و الروح النباتي اي البخاري بمنزلة الدخان تخصصت بانواع الافعال فصارت ضرب و نصر و اكرم و رأي و سمع و قال و علم و غيرها فهي حركات جزئية من حيث الظهور كلية من حيث الصدور فهي وحدانية الصدور متكثرة الظهور و كما بدئت تعود لا محالة فافهم و اغتنم فانك لاتجد هذه المطالب بهذا الوضع في ساير الكتب الا ما اشار اليها ابي اعلي الله مقامه بقي شئ لا بدّ من الاشارة اليه و نفرد له فصلا .
فصل - ظهر مما بيّنا ان المشية هي الحركة الايجادية و لكن الاشكال في معرفة ما قال مولانا الرضا عليه السلام في جواب عمران حيث سأله يا سيدي الاتخبرني عن الابداع خلق هو ام غير خلق قال عليه السلام بل خلق ساكن لايدرك بالسكون و انما صار خلقا لانه شئ محدث و الله الذي احدثه الحديث ، و فيه ايضا فالخلق الاول من الله الابداع لا وزن له و لا حركة و لا سمع و لا لون و لا حس الحديث ، و الابداع هو المشية كما في خبر آخر فعلي ذلك المشية ساكنة فكيف يصدق قولنا ذلك اقول انه عليه السلام لايريد من هذا السكون الثبوت و القرار بالنسبة الي التجليات حتي ينافي ما ذكرناه فانه لا شك في ان الله سبحانه خلق ما خلق بمشيته و الخلق بمعني التجلي و المشية هي المتجلية و تجلي نفس الحركة فليس معني قول الامام ما يزعمه الزاعمون و لكنه عليه السلام اراد من قوله ذلك احد معنيين او كليهما الاول انه اي الابداع ساكن تحت ظل الله لايخرج منه الي غيره اذ هو الاسم الذي استقرّ في ظله فلايخرج منه الي غيره اذ ليس فوقه سوي الله عز و جل و هو المحيط [ص 337] به دون غيره و ان كان متحركا بالنسبة الي ظهوراته و جلواته الثاني ان المشية هي نفس الحركة علي ما قلنا و نفس الحركة لاتكون متحركة فان المتحركة هي الجوهر الظاهر بالحركة فنفس الحركة من حيث هي لاتكون متحركة و اذ لمتكن متحركة فهي ساكنة و لكن مع ذلك لاتدرك بالسكون لان السكون الثبوت علي حال و لايشاهد من نفس الحركة الثبوت اذ هي نفس الانتقال فتدبر حتي تعرف المراد و يحتمل ان يكون مراده عليه السلام من السكون السكون المخالف للسكون الجاري في الاكوان فلايضاد الحركة و لذا وصفه بعدم الادراك بالسكون اذ السكون الجايز في المشاءات يدرك بالسكون فافهم ذلك و قد بيّن ابي اعلي الله مقامه في المقام بيانا آخر و انا انقله بعبارته قال و هذه الحركة ليست بانتقال من مكان الي مكان بل هي خلق ساكن لايدرك بالسكون المعروف و متحركة لاتدرك بالحراك الموصوف و ليست بحركة يسبقها سكون بل هي حركة في السكون و سكون في الحركة و ذلك ان اصل السكون القوة و اصل الحركة الفعلية و تلك فعلية لايسبقها قوة و الا لامتنع خروجها الي الفعلية و الفعلية بلا قوة هي ذات الواجب جل شأنه فلذلك قلنا بانه حركة في السكون و سكون في الحركة اي امكان في كون و كون في امكان و ذلك ما كان يقال ان المشية و الامكان و السرمد متساوقة و لما كان جميع ما سواها بها يخرج من القوة الي الفعلية فالكل متحركة بها و هي الحركة المحركة لها و جميع الحركات التي بها تقول خرج الشئ من القوة الي الفعلية حركة انفعالية و الحركة الاولي هي الحركة الفعلية فلذلك قلنا انه لا محرّك في الوجود الا الله قل الله خالق كل شئ فلايتحرك متحرك الا بالله وحده وحده ، انتهي كلامه علا مقامه و كل هذه الوجوه صحيحة في معني الخبر و له وجوه اخري تركنا ذكرها طلب الايجاز .
فصل - قد عرفت مما بيّناه ان الحركة الاولي هي المشية و هي بسيطة [ص 338] في غاية البساطة الملحوظة في الخلق يعني هي ابسط الخلق مع انها مركبة و قد تعلقت بالامكان و انصبغت في بطنه و لما كانت مراتب الامكان مختلفة من اعلاه الي اسفله فأعلاه في غاية اللطافة و الصفا و صالح لكل ما يرد عليه من الفعليات و اسفله في غاية الكثافة و الضعف و الغلظة و لايصلح لكل شئ الا بالامكان البعيد و بالجملة اجزاؤه متفاوتة فالمشية بعد ما تعلقت بها تفاوتت حالاتها و مقاماتها فصارت متعددة و كلها افعال و حركات الا انها منصبغة بصبغ اجزاء الامكان و في كل مقام توصف بصفته الخاصة ففي الجواهر حركات جوهرية علي ما سيأتي بيانه و في العقول معنوية و في الارواح ملكوتية و في النفوس صورية مجردة و في الطبايع طبيعية و في الاظلة ظلية و في الاجسام جسمانية و في السماوات سماوية و في الارض ارضية ثمّ بعد ما ظهرت في الاعراض تلوّنت بلونها و اتصفت بصفتها ففي الكمّ كمية و في الكيف كيفية و في الاين اينية و في متي متائية و في الوضع وضعية و في الجهة جهتية و في الرتبة رتبية و في الفعل فعلية و في الانفعال انفعالية و في الاضافة اضافية و في الجدة ملكية و جميع هذه الاختلافات من قبل القوابل و اما من جهة المشية الاولية فهي حركة بسيطة لا اختلاف فيها بوجه من الوجوه كما قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر فاصل الامر واحدة و لكن يظهر في بطون القوابل بحركات متفاوتة مختلفة و اعلم ان الحركة في الواقع جارية في جميع الاعراض و تخصيصها ببعض دون بعض خطاء و تجري في الجواهر ايضا علي ما سابيّنه ان شاء الله تعالي و قد قال ابي اعلي الله مقامه في الحركات الخلقية ان جميعها انفعالية لانه قال ان الحركة الفعلية هي المشية فانها الحركة المحركة للكل و قال الحركات الانفعالية تختلف بحسب قابلية المتحرك و بحسب ما يحرّك اليه المتحرك و بحسب القوة التي يراد تحريكها الي الفعلية فتختلف انواع الحركة في الغيب و شؤنه و في الشهادة و جهاتها [ص 339] فمنها حركة من الكمّ الي كمّ و منها حركة الي كيف و منها حركة الي جهة و منها حركة الي رتبة و منها حركة الي مكان و منها حركة الي وقت و منها حركة الي وضع و منها حركة الي اضافة و منها حركة الي الجدة و منها حركة الي الفعل و منها حركة الي الانفعال في كل عالم بحسبه و سيجيء ان شاء الله ذكر اختلاف الحكماء و اقامة برهان لما ذكرنا فترقب .
فصل - في بيان نسبة الحركة الي المقولات حتي يظهر انها من ايّ مقولة هي و ان لميكن في معرفة هذه المسائل الجزئية كثير فايدة الا ان الحكماء قد فصّلوا القول فيها و امثالها و لا بدّ لنا من بيان الحق ايضا حتي يظهر لطالبيه فاعلم ان الاقوال في المسألة عديدة ذكرها ابنسينا و الآخوند (ره) و انا اقتصر علي محض عداد الاقوال و الاشارة الي بطلان ما بطل منها فقال بعضهم ان الحركة هي مقولة ان ينفعل و قيل ان لفظة الحركة تقع علي الاصناف التي تحتها بالاشتراك البحت و قيل انها لفظة مشككة مثل الوجود و العرض تتناول اشياء كثيرة لا بتواطؤ و لا باشتراك بحت بل بالتشكيك لكن الاصناف الداخلة تحت لفظ الوجود و العرض دخولا اوّليّا هي المقولات و اما الاصناف الداخلة تحت لفظة الحركة فهي انواع و اصناف من المقولات فالاين منه قارّ و منه سيّال و هو الحركة في المكان و الكيف منه قارّ و منه سيّال و هو الحركة في الكيف و كذلك الامر في البواقي حتي انه قال و الجوهر منه قارّ و منه سيّال و هو الحركة في الجوهر اي الكون و الفساد و بالجملة فان السيّال في كل جنس هو الحركة و قال بعض هؤلاء لكنها اذا نسبت الي العلة التي هي فيها كانت مقولة ان ينفعل او الي العلة التي هي عنها صارت مقولة ان يفعل و قوم خصّوا هذا الاعتبار بالكيف السيّال و نقول لهم مجملا ان اكثر هذه الاقوال سخيفة ضعيفة و بعضها حق اما قول من قال انها مقولة ان ينفعل فضعفه ظاهر لانه خصها بالانفعال و لميذكر الفعل مع انه ايضا [ص 340] حركة بلا شك و كذلك نقول ان الانفعال من حيث هو انفعال لايكون حركة فانه صرف القبول فقط و لكن الانفعال من حيث اقبال المنفعل الي فعل الفاعل و القبول منه حركة و الا فالقبول صرف القابلية و الامكان و هما في السكون و الحركة بالسواء و كذلك نقول فيمن قال بالتشكيك انها جوهر صادق علي جميع الاعراض بالتشكيك او عرض فان قال انها جوهر فهي من سنخ الجواهر فهي من مقولته فلمَ تعدّونها من الاعراض و ان قال انها عرض اقول هي عرض غير التسعة الاعراض او منها فان كان غيرها فلمَ لاتعدّون الاعراض عشرة و ان قال انها منها فكيف يصير واحد منها فوق الباقي و ايّها هي ( حركة ) فان اختار واحدا منها مثلا كأنه قال انها الاين نقول كيف يفرض صدق الاين علي ساير المقولات و هذا محال الا ان يختار الفعل و الانفعال كما قال بعض و مع اختيارهما ايضا نقول ان جميع الحركات الجارية في الاعراض ليست بالتشكيك بل بعضها بالتواطؤ و كذلك نقول لمن قال بالاشتراك اقول ماذا تريد من قولك و ما المعني الذي يشترك فيه الجميع هل يكون معني من هذه الاعراض و الكل يشتركون فيه او من خارجها فان كان من الخارج فما هو و ان كان منها فيلزم صدق اسم هذا المعني علي الباقي ثمّ نقول ان نفس تلك الاعراض حركات يعني اسم الحركة يصدق علي جميعها بالاشتراك كما يصدق مثلا اسم السوء علي معانيه المشتركة فالحركة في الواقع اسم لهذه المعاني او يكون الحركة معني غيرها و هي تتصف به فان قلت بالاول يلزمك القول بان جميع الاعراض في كل حال سيّالة و هذا بديهي البطلان و ان قلت بالثاني اقول ما هي أمن هذه الاعراض او من غيرها فان كانت منها فكيف يصدق اسم واحد منها علي الباقي مع انه من مقولة خاصة و اسماء المقولات لاتصدق بعضها علي بعض و ان كان غيرها فلمَ تقول الاجناس عشرة فقل انها احدعشر فافهم و لست بصدد النقض و الابرام و تفصيل الكلام فيما [ص 341] لا طائل تحته فنقتصر علي الايجاز و نرجع الي بيان الحقيقة غير المجاز فاقول قد عرفت مما مضي قول الامام عليه السلام الفعل حركة المسمّي ، و عرفت ان اول ظهور الجوهر و جلوته الفعل و هو الحركة كما قال عليه السلام في المشية انها الخلق الاول ، و ورد انها فعل الله تعالي احدثه قبل جميع الاشياء فالحركة بناءا علي ذلك فعل الفاعل المتحرك يحدثه قبل جميع كمالاته مطلقا و هي واحدة بسيطة غير متكثرة فليس لها في مقامها اختصاص بعرض دون عرض و حدّ دون حدّ بل هي امر واحد كما قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة و قد القي هذا الامر الواحد كماله في القوابل و اول ظهوره و تجليه في نفس الامكان و قد حيي بحيوته و اشتعل بنوره فانفعل بفعله و هي الايتمار بامره و الانزجار بارادته و ذلك في الشرع بحسبه و في الكون بحسبه و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فصارت الحركة هنا انفعالية و ان قلت ان اسم الحركة يصدق علي هذين المقامين بالتشكيك ليس ببعيد و ان قلت انه بالتنزل ايضا يكون صادقا و ليس كلامنا في الاسم بل المراد بيان حقيقة المطلب و بعد كشفها يتّضح وجه صدق الاسم ايضا لاهله ثمّ ان الامر الفعلي ظهر في درجات الامكان و خلق به جميع الخلق فكلّهم موجودون بالحركة الفعلية و الانفعالية جواهرها و اعراضها ثمّ قد تجلي الفعل الي مراتب القابلية بحيوث اضافاتها و نسبها و قراناتها و صفاتها علي ما سيجيء فالحركة في الحقيقة من الفعل و الانفعال بل الانفعال ايضا فعل فيكفي ان نقول انها فعل كما قال الامام عليه السلام و هذا هو الحق الواقع و ساير الاقوال و الآراء كلها ضعيفة لايعتني اليها اذ هي مخالفة للنقل و العقل و هو و ان كان من المقولات الا انه فوقها بالنسبة كما هو ظاهر .
فصل - في بيان المقولات التي تقع الحركة فيها ، قال جماعة انها تقع في اربع مقولات و هي الكيف و الكمّ و الاين و الوضع و بعض قال انها تقع [ص 342] في خمس و هي هذه مع الجوهر و نبيّن اولا مقدمة ثم نذيلها بمطالب نبيّن فيها حقيقة المسألة ان شاء الله :
المقدمة - فاعلم ان قولهم ان الحركة تقع في مقولة كذا يحتمل وجوها : احدها ان تلك المقولة موضوع حقيقي لها قائمة بذاتها و الثاني ان المقولة لاتكون الموضوع الجوهري لها و لكنها بتوسطها تحصل للجوهر اذ هي موجودة فيها اولا كما ان الملاسة تعرض للجوهر بتوسط السطح و الثالث ان المقولة جنس لها و هي نوع لها و الرابع ان الجوهر يتحرك من نوع من تلك المقولة الي نوع آخر و من صنف الي صنف و المعني الذي يذهب اليه بعض هذا الاخير كذا قيل اقول و لايبعد ان يصحح القسم الثاني ايضا بوجه و هو ان يقال ان الجوهر بنفسه لايتقلب في الاعراض و لايتحرك و لايسكن و لكن في بطن الاعراض و المجالي يتقلب فيها فافهم .
الاول - في ان الجوهر هل يتحرك في نفسه ام لا ، قد اصرّ ابوعلي بن سينا علي نفي الحركة الجوهرية مطلقا و استدل علي ذلك بادلة و اثبتها الآخوند (ره) بوجه لايلزم منه التعدد و التكثر و لكل منهم ادلة فلابنسينا لقوله ادلة اولها ان الطبيعة اذا فسدت تفسد دفعة و اذا حدثت تحدث دفعة فلايوجد بين القوة و الفعل كمال متوسط و ثانيها ان الصورة الجوهرية ان كانت باقية الي وقت خروج الجوهر الثاني فلا حركة و ان فسدت و لميلحقها جوهر متوسط و وجد جوهر ثاني فهذا بفساد السابق و حدوث اللاحق علي ما مرّ الاشارة اليه و هذا غير الحركة و ان كان بوجود جوهر متوسط فهنالك جواهر ثلثة عرضت المادة و بالجملة لميتحرك الجوهر الاول و حكي عن جماعة دليلا ثالثا و هو ان الجوهر لا ضد له و اذا لميكن لطبيعته ضد استحال ان ينتقل عن طبيعة الي طبيعة اخري علي سبيل النقص و الاشتداد حتي يكون الحالة التي هو فيها عند الحركة حالة متوسطة بين طرفين لايجتمعان و بينهما غاية [ص 343] البعد و هما الضدّان و هذه مجمل براهينه و من اراد التفصيل فليراجع في شفائه حتي يطلع علي كلامه و اما الآخوند (ره) فقد قال بالحركة الجوهرية و له ادلة صادقة علي مشربه فصّلها في اسفاره و رسالة القدم و الحدوث و انا احكي لك في المقام كلاما من ابي اعلي الله مقامه قال اعلي الله مقامه : و اما الحركة الجوهرية فان اريد بها الكون و الفساد فالكون من حيث هو كون و الفساد من حيث هو فساد ليسا حركة و القوة للكون و الفساد من حيث هي ايضا ليست بحركة و ليس بين القوة و الفعل ايضا واسطة تكون حركة فان القوة نفي الفعل و الفعل نفي القوة و ليس بين النفي و الاثبات و العدم و الوجود واسطة تصلح ان تكون حركة و ان اريد بها تنقل المادة من صورة الي صورة كتنقل مادة المني مثلا من صورة المنوية الي صورة العلقية بخلع صورة المني و لبس صورة العلقة فهي حركة الجوهر و المتحرك هو الجوهر لكن الحركة كماله و صفته و انتقاله من عرض الي عرض و هو ما ذكرناه اولا و ان اريد بها اشتداد الجوهر و تنقصه يعني صيرورته اشدّ استقلالا و اضعف فهو ايضا بخلع الاعراض الدانية و لبس عرض اعلي او ظهور عرض اعلي بخلع الادني فهو ايضا امر عرضي لا جوهري و ذلك ان الجوهر لايوجد خارجا بلا عرض كما قال الرضا عليه السلام ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته ، فاذا كان الجوهر لايوجد بلا عرض و العرض فعلية خرجت من قوة الجوهر فسبب نقصانه اتصافه بعرض اخس و اغلظ فاذا نزع عنه العرض الاخس الاغلظ خرج من قوته عرض اشرف و الطف فهي ايضا حركة الجوهر في اعراضه لا في ذاته و الحركة في الذات امر غير معقول الا ان يكون الذات من حيث هي ذات نفس الحركة فهي حينئذ حركة تحتاج الي متحرك تقوم به نعم ان اريد بالحركة الجوهرية حركة المادة في الصورة المقومة و بالحركة العرضية حركتها في الصورة المتممة فلا مشاحة في الاصطلاح فعلي هذا حركة الجسم المطلق الي مبدئه حركة [ص 344] جوهرية و لا بأس به فانه لا شك في استمداده من المبدأ و امداد المبدأ له و في كل حركة يخلع مقومة ادني و يلبس مقومة اعلي و بهذه الاقدام تسير الي مبدئه صاعدا الي ما لا نهاية له و خلع هذا الجسم صورة متممة ادني و لبسه صورة متممة اعلي او غير ذلك فهو حركة عرضية فهذا السير و الحركة واقع لا شك فيه فافهم ، انتهي كلامه علا مقامه نقلته بطوله لكثرة محصوله ،
اقول لزيادة البيان مفصلا للبرهان انك قد عرفت مما مرّ في المقدمة ان المراد من كون الحركة في المقولة حركة المتحرك في نوع منها الي نوع لا حركة نفس المقولة فاذا قلنا حركة الكيف نريد حركة الجوهر في الكيف بمعني انتقاله من كيف الي كيف لا حركة نفس الكيف و كذلك في حركة الجوهر يراد الحركة في الجوهر فما المتحرك هل هو جوهر او عرض يتحرك في الجوهر فان كان جوهرا فهو غير المتحرك فيه فالمتحرك فيه عرض له و ان كان جوهرا في نفسه و ربما يكون شئ جوهرا لشئ عرضا لشئ و ان كان عرضا فالعرض لاينتقل في الجواهر لعدم استقلاله و الجوهر ينتقل فيها باتصافه بها و ان كان مراد القائلين بثبوت الحركة في الجوهر ثبوتها في نفس المقولة فذلك معني آخر غير ما نحن فيه و ننقل كلامنا اليه و نقول هل تريد من حركة الجوهر سيره مع حفظ صورته في غيره فهو سير في العرض كالسير في الكيوف و الكموم و نحوها فان الجوهر باقٍ علي اصله و ان كان المراد لبس صورة جوهرية بعد خلع الاولي فالجوهر الاول فانٍ و لميتحرك و قد وجد جوهر آخر و كأنه خلق آخر و ليس بينهما شئ بالفعل يسمّي حركة الا القوة و هي المادة التي خلعت الجوهر الاولي و لبست الجوهرة الثانية فافهم و هذا هو الكون و الفساد الذي ذكره ابي اعلي الله مقامه و ان ارادوا حركة الجوهر في نفسه بمعني عدم خلع صورة و لبس صورة و عدم تغيّر حالة فذلك غير مفروض الا علي الوجه الذي قرّره ابي اعلي الله مقامه و لكنه بيان مشكل [ص 345] لايعرف الا بعد العلم بكيفية حصول الترقيات من حضيض البعد الي الدرجات العاليات و لنا كلام في المقام لا بدّ من بيانه في الجملة و قد عرفت سابقا بيان الحركة الامدادية و الاستمدادية علي نهج الاختصار فاعلم هنا ان الله سبحانه هو الكامل المطلق و الوجود الحق و الفعلية المنزهة عن القوة فلاينتظر لنفسه حدوث كمال و بروز جمال بل هو واجد لكل كمال في ذاته فلايسير من فعلية الي فعلية لملكته و لا من قوة الي فعلية لوجود كل صفته و كذلك بالنسبة الي كمالاته الخلقية جميعها حاضرة لديه و هو من ورائها محيط يعلمها بعلمه الذي احاط بكل شئ و لايخفي منها عليه خافية في الارض و لا في السماوات فلايجهل شيئا منها حتي يطلب علمه و لايفقد كمالا منها فلايفرض في شأنه تعالي حركة بوجه من الوجوه اذ عرفت ان الحركة هي التوجه الي كمال ثان كان بالقوة ، هذا و في الحركة لا بدّ من المتحرك منه و اليه و هما في عرض المتحرك و الله سبحانه ليس معه شئ من خلقه حتي يساويه مع ان نفس الحركة هي صفة و فعل كما اجمعوا عليه في تعريف ماهيتها و الذات منزهة عن كل صفة و بالجملة ذاته تعالي كاملة صرف و لاتحتاج الي شئ ابدا و قد خلق اول ما خلق الامكان و هو الماء الذي منه كل مكوّن و هو قوة كل شئ سوي نفس الصلوح و هو العدم اي عدم الكون كما تري في المداد بالنسبة الي الحروف فانه اول موجود من الكتاب و ليس فيه من الكتاب شئ سوي قوة الحروف فاذا اراد الكاتب ان يكتب لا بدّ و ان يخرج الحروف من كمون المداد بفعله و الا فالمداد من حيث نفسه لايقتضي التعيّن بالحروف سوي القوة التي هي صورة المداد لا غير و كذلك حروف عرصة الاكوان جميعها في قوة الماء الذي هو مداد لها و الماء بنفسه قوة و من حيث قوته لايقتضي الفعلية و هو العادم لكل كمال فلايوجد لنفسه كمالا فهو يحتاج الي فاعل موجد بالفعل يحييه بفضل حيوته فيخرج من كمونه ما شاء لا ما شاء الامكان اذ هو قوة [ص 346] قبول و لا مشية له بوجه و سبيل اخراجه القاء نوره اليه و نوره مثاله الذي قال عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و هذا المثال هو سهم هذا الامكان من الكون لا غير فان جميع الكون فضل كون الله تعالي و شعاع نوره و لذا نقول ان الكون افضل من الامكان و سابق عليه وجودا و ان كان مؤخرا عنه ظهورا و هو صورة علم الله تعالي اذ علمه ثم خلقه بعلمه الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و قد علم الموجودات و شاءها فخلقها بمشيته طبق علمه تعالي و لذا نقول ان الله لميجبرهم بل علم زيدا كيف يكون فخلقه علي ما علمه و علمه لايكذب و بالجملة جاء هذا الكلام استطرادا و ماكنت بصدد بيانه هنا فالكون الظاهر في الامكان هو من شعاع نور الله و ان اخرجه من الامكان كما ان الحروف المكتوبة هي حروف علمك و قد خرجت من المداد بقوة فعلك مع انها مستخرجة من قوة المداد فافهم ذلك ان شاء الله فهذا الكون المستحدث قائم بفعل الله تعالي قيام صدور و بالامكان قيام ركن فهو محتاج اليه تعالي في وجوده دايما اذ صدر عن امره و هو اثره و الاثر لايستغني عن مؤثره بل هو في كل احواله في حين صدوره من مؤثره لا انه يصدر منه اولا ثم يقوم بعد بنفسه كما زعمه جماعة و مثال ذلك شعاع الشمس فانه اثر الشمس و ان كان ظاهرا في الهواء و ما نراه هواء نيّر و لكن النور من الشمس و قد صدر منها و هو في كل حال من الحالات في حال صدوره من الشمس و لايكاد يستغني من الشمس في وجوده ابدا بل يحتاج اليها ما دام ملك الله فهو متحرك علي الشمس دايما للاستمداد اي يستمد منها البقاء و الوجود و الشمس تمدّه دايما فالشمس متحركة عليه دايما للامداد و كذلك حركة المنير حركة امدادية و حركة النور حركة استمدادية و دايما يستمدّ الحيوة و الوجود و البقاء و كل فيض من المنير و لو لميمدّه منيره طرفة عين لهلك عن آخره و لايبقي وجوده بالمدد السابق علي يومه كما تري في شعاع الشمس فان [ص 347] شعاع الشمس لايبقي نيّرا يومه باشراقها عليه امس بل هو في كل آن يحتاج الي اشراق جديد فالنور الزاهر هذه الساعة زاهر نيّر باشراق الشمس الآن فافهم و كذلك الامر في مجموع الملك لاتزعم ان الله تعالي خلقهم فاستغنوا بخلقهم عن ربهم و لايحتاجون بعد الي فيضه حاشا و كلا و ذلك كفر بالله العلي العظيم و قد كفر الذين قالوا ان الله فقير و نحن اغنياء و الخلق لميخرجوا من تحت مشيته تعالي بل يفعل بهم ما يشاء دايما و يشرق عليهم دايما فانت مشاء دايما بمشيته قالت اليهود يد الله مغلولة غلّت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء فاذا فهمت ما ذكرناه فاعلم انك مستفيض من ربك فيض الوجود و وجودك لميستغن عن ربّك تعالي بصدوره من مشيته تعالي بل انت دايما في حال الصدور و فيضه تعالي مدده الذي يصل منه اليك و رزقه و مثال الباطن فيك الظاهر ان الله سبحانه خلق لك البَدَن و يمدّه في كل آن بالغذاء و لو لميصل اليه الغذاء لهلك و فني فهو دايما يحتاج الي المدد الا انه عرضي و مدده ايضا مدد عرضي و الذات ذاتية و مددها ايضا ذاتي و مدد كل شئ من سنخ مادته كما تري ان مدد البدن العنصري من الاغذية العنصرية و الذات خلقت من نور الله تعالي فمددها ايضا من نور الله و لما كان عرصة الذوات عرصة البقاء و الدوام و لايعرضها الدثور و الفناء نقول ان المدد الذاهب لايفني و لايتحلل كما في عرصة الاعراض و المدد الجائي لايغاير الذاهب بل هو عينه مع كونه غيره و الذاهب عينه مع كونه غيره فكان الذات المستمدة تدور دائما علي نفسها ،
قد طاشت النقطة في الدائرة فلمتزل في نفسها حائرة
محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة
و الله سبحانه يفيض اليها من نفسها و يعطيها بها كما قال عليه السلام تجلي لها بها و بها امتنع منها ، فلايعترض علينا المعترض انه يلزم من ذلك تعدّد الذوات [ص 348] او تغيّر الحالات و لايرد علينا لوازم الادلة الجدلية التي ذكرها ابوعلي سينا فان هذا المطلب لايكون منال اصحاب الجدل و لايدل عليه الادلة القشرية الظاهرية و بالجملة فالمدد الجائي نور من الله و لايخالف النور الذاهب بوجه لان النور الصادر واحد لا اختلاف فيه و التعدد في مقام يحتمل العدد و هو من مقولة الكم فاذا كان الذات فوق جميع الكموم منزّهة عنها كيف يحتمل فيها العدد مع انه ليس من شأن الذات ان تكون معدودة الا بعد الظهور في كمّ كما انها لاتتصف بالحرارة و اليبوسة و الحمرة و الصفرة الا بعد الظهور في كيف و كذلك الامر في ساير المقولات فالذات من حيث هي هي اذا نظرت اليها لاتراها موصوفة بصفة متكيفة بكيف متأينة بأين متكممة بكمّ بل تراها منزهة في وجدانك عن جميعها و لذلك تعرف بها الرب جل شانه و لو وجدتها موصوفة بالصفات موسومة بالسمات لماقدرت علي تنزيه الرب بها و تهليله نعم هي في الواقع الخارج ظاهرة في الاعراض لانها ظاهرة في الاجسام و قد قال عليه السلام كل ما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، و لكن بعد قطع النظر عن اجسامها و اعراضها تراها منزهة عن كل عرض فلايصدق عليها اسم الواحد و الاثنين في الواقع كما لايصدق عليها الطويل و العريض لانها من اعراض الكم و الذات بنفسها غير متكممة فافهم كما انها غير متكيفة فكيف يمكن ان يقال في حقها ان المدد الجائي غير الذاهب و هما اثنان بل هما واحد فرد غير متعدد بل وحدتها فوق وحدة العدد اذ هي ظهور الرب الاحد فتدبر فانه بيان لطيف شريف لمتر مثله في بيانات غيرنا فاذا فهمت ذلك و عرفته فاعلم ان الجوهر دائما يستمد من ربّه تعالي فيض وجوده و هو يفيض عليه بفيض جديد و رزق جديد و حيوة جديدة و مع ذلك هو عين ما سلف بل اقول لايمضي علي الجواهر اوقات و ازمنة حتي يحتمل ان يكون ما مضي عين ما غبر او غيره بل هنالك الماضي عين المستقبل و السابق عين اللاحق و مع ذلك هو [ص 349] الممدّ تعالي بمشيته و هي المستمدّة و هي دايما متحركة علي المشية دايرة عليها للاستفاضة و الاستمداد فحركة الجواهر ثابتة بهذا المعني و اما بغير هذا الوجه فلايتصور حركة الجواهر و ما قاله ابي اعلي الله مقامه ايضا عين هذا المطلب الا انه بيّنه بلسان آخر .
الثاني - في الحركة الكيفية قد مرّ سابقا ان مرادهم من ثبوت الحركة في المقولة حركة الجوهر فيها من نوع الي نوع و من صنف الي صنف اقول و من الله التوفيق انك قد عرفت مما مرّ ان الجوهر بنفسه ذات لاتطرؤها الحوادث و لاتعرضها العوارض فهي لاتتحرك فان الحركة من فعلها قد اوجدتها بنفسها كما قلنا في خلق الله المشية و نحن بعد ما رأينا ذلك من ذواتنا عرفنا انه لميصدر من الله المشية بل خلقها بنفسها فانه لايخرج شئ من حدّه و لايدرك ما وراء مبدئه و انما تحدّ الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها فانت لاتكاد تعرف غير نفسك و لذا لميكلفك ربك بغير ذلك و قال يا ابن آدم اعرف نفسك تعرف ربك ، و كذلك عرفنا بفعلنا فعله و بقولنا قوله و بصفتنا صفته و ان الصورة الانسانية اكبر حجة الله علي خلقه يتم حجته علي الخلق بها فالذات التي هي حجة الله تعالي لايعرضها حركة بعد سكون و لكنها اوجدت حركتها بنفسها و هي فعلها و هو اول ظهوراتها و تجلياتها و الحركة لاتظهر الا في قابلية امكانية صالحة لحكايتها و هي البدن الحاكي لنور الذات و قد اشرقت عليه بنورها فتلألأ بالنور و انصبغ في بطنه الحركة بالوان الامور و لما كان البدن مَعرضا للعوارض ترد عليه حينا بعد حين فهو يتقلب فيها احيانا و منها عرض الكيف و لا بدّ للبدن ان يتكيف بكيفية فانها لازمة الاجسام اذ هي من حدودها الا انها لاتكون ذاتية لنفس الجسم فالبدن الجسماني من حيث جسمانيته لايلزمه كيفية خاصة و لكنه من هذا الحيث صالح لما يرد عليه من الكيفيات و ان كان من حيث فرده المتعين لا بدّ له من كيفٍ مّا [ص 350] فيكون معرضا للكيفيات بحسبه و يمكنه ان يتلبس بكلها او ببعضها علي حسبه فاذا جمع اسباب التلبس بها و رفع المانع يخرج من قوته الكيوف و توجهه من القوة الي الكيف الفعلي يسمّي حركة و اذا ثبت علي هذا الكيف و لميتغير عن حاله يسمّي ثبوته بالسكون و اذا توجه نحو كيفية اخري علي ما مرّ يسمّي حركة فالبدن متحرك نحو الكيوف هكذا و حركته ليست بنفسه اذ هو قوة صرف و القوة بنفسها لاتخرج الي الفعلية من غير باعث خارج بالفعل و الباعث لذلك هو الجوهر الظاهر فيها لا بنفسه بل بفضل قوة مشية الله تعالي التي هي جوهرة الجواهر و محركة المتحركات فوجه نسبة الحركة الي الجوهر ذلك لا ما زعمه الجاهلون و لايتقلب هو في الكيوف بذاته بل بواسطة البدن فبدؤ جميع الكيوف البدن و رجوعها اليه و الذات مكيّفة للكيوف و لكنها مع ذلك تنسب اليه فيقال انها حمراء و صفراء و احمرّت كذا و اصفرّت لان البدن محل ظهورها و مرآتها و محل اشارتها فكل ما ينسب الي البدن يلحق الذات و من ذلك نعرف معني قوله تعالي الا الي الله تصير الامور و قوله انا لله و انا اليه راجعون فانه لايرجع شئ الي الذات كما لميبدأ منها و ان العود علي البدء كما بدأكم تعودون و لميبدأ شئ من الله و لكن البدأ من مشيته و لذا قال عليه السلام المشية هي الذكر الاول و ورد في تفسير قوله جل و عز انا لله و انا اليه راجعون الي امره راجعون ، فرجوع جميع الخلق الي مشية الله تعالي و هي مبدأ المبادي و علة العلل و مع ذلك تنسب الجميع الي الله و كذلك مبدأ جميع الاعراض البدن الجسماني و مع ذلك تنسب الجميع الي الذات فحاصل الكلام ان الجوهر هو باعث الحركة في الكيف و الكيوف تطرؤه في بدنه و ظهوره و هذا معني حركة المقولة لا ان نفس المقولة تتحرك و وسوسة بعض الحكماء في المقام في غير مقامه و قد تعرض للردّ مرحوم الآخوند و ابوعلي و لانحتاج نحن الي نقل بياناتهم و لكنا [ص 351] نشير الي المطلب فاقول ان المراد من الحركة في الكيف التكيف اي تهيأ البدن بالكيف الخاص و التكيف هو القبول و الانفعال و هو غير نفس الكيف فالتسوّد مثلا غير السواد بل التسوّد قبول السواد و الحركة في الكيف هي التسوّد لا السواد فافهم هذا و نقول ان الحركة بنفسها صورة خاصة و عرض من الاعراض و السواد ايضا صورة خاصة و هي الصور المثالية العالية عن المواد الخالية عن القوة و الاستعداد فلاتعتري الامثلة بعضها بعضا في انفسها و لاتجتمع ابدا الا في مادة عرضية الاتري ان السواد مثلا لايعترض الطول فلايقال ان السواد طول او طويل و لكن المادة الخارجية ربما يعرضها الطول من مقولة و السواد من مقولة او عرضان من مقولة واحدة و كذلك الامر في الحركة فانه لايقال ان السواد متحرك ابدا فانه لايعتري السواد الحركة لعدم صلاحيتها لذلك لانها صورة خاصة و هو صورة خاصة اخري و لكنهما تعرضان المادة العرضية فالجسم يسود و يتحرك فافهم و اتقنه ثمّ ان لهم بيانا في الاشتداد و التضعف و قالوا ان السواد يقبل الاشتداد و الضعف و الاستكمال و النقص فيمكن ان يسير فيه الجسم يسيرا يسيرا فالجأوا الي ان قالوا ان السواد له نوع محفوظ في جميع السوادات و له افراد مختلفة و ليس الاشتداد بلحوق سواد آخر السواد الثابت بل السواد الشديد فرد آخر و لون آخر ثمّ ورد عليهم وساوس اخري في ذلك لانحتاج الي بيانها الا اني ابيّن الحق الذي اعرفه من الادلة الثابتة فاقول ان ماهية السواد حقيقة واحدة لا اختلاف فيها فليس سوادات عديدة كالبياض و الحمرة و غيرها و لذا لميعيّن الامام عليه السلام في حديث انوار العرش حدّ الالوان و اطلق القول فيها فقال نور احمر منه احمرّت الحمرة و نور اخضر منه اخضرّت الخضرة و نور اصفر منه اصفرّت الصفرة و نور ابيض منه ابيضّ البياض و لو كان للحمرة درجات في ذاتها لبيّن عليه السلام في المقام درجة اللون و لكن الالوان في عالم الاجسام المركبة من العناصر المختلفة [ص 352] لاتظهر بصرافتها الاولية لان العناصر الوانها مختلفة و بعد تركيبها تمتزج و يحصل من تركيبها لون خامس مختلف باختلاف موازين العناصر و ذلك امر مشهود فالاحمر الخالص هو النار الصرف العبيط التي لمتركب مع اخواتها و لكنها اذا تركبت معها يكسر ثورها ● و يضعف لونها و يحصل لون مركب لا محالة و كذلك الصفرة الخالصة مخصوصة بالهواء الخالص و لاتوجد في المركبات و بعد ما ركب الهواء مع ساير العناصر يتركب صفرتها ايضا فيحصل لون خامس مركب من الوانها فعلي ذلك يختلف درجات الحمرة باختلاف موازين ساير العناصر و كذلك يختلف درجات الصفرة باختلاف الموازين و لايشك في ذلك عاقل فاختلاف انواع الحمرة ليس من باب تعدد الحمرة بل نفس الحمرة واحدة و لكن اختلفت بسبب ما لحقها من الوان ما تركب مع مادته فصار منها احمر قانيا و منها ارجوانيا و منها رمّانيا و قس علي هذا و كذلك الصفرة حقيقتها واحدة و هي الصفرة الخالصة و بعد ما تركب مادتها مع ساير العناصر باختلاف الموازين اختلف درجات الصفرة فصار منها اصفر فاقعا و منها نارنجيا و منها تبنيا فاللون النارنجي مثلا اصفر مركب مع الحمرة و الخضرة و البياض و لو اخذت من الهواء الخالص ناره و ماءه و ترابه لمابقي بهذا اللون بل الصفرة الخالصة علي غير ما شاهدته من الالوان في الدنيا فان جميع الالوان المرئية في الدنيا مركبة مختلطة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان ما تراه من حركة المادة في انواع الصفرة او الحمرة فذلك دفع خلط او زيادة خلط فان الاصفر التبني صار بهذا اللون لغلبة الرطوبة عليه فاذا جففته في الجملة و قلت الرطوبات يميل الي النارنجي البتة و كذلك ان زدت في حرارته شيئا يميل الي الحمرة و ذلك سرّ سارٍ في جميع التكميلات في العالم الا فيما اذا كان اللون برّانيا فيزيد و ينقص بسبب زيادة المتلون و نقصه كالخرقة الملوّنة [ص 353] بالفُوّة مثلا فانك ان لوّنته بلون خاص ثم زدت في مقدار الفُوّة و طبخته في الماء يزيد في لونه فاذا غسلت الخرقة في هذا الماء ثانيا يزيد في لونه البتة و ذلك في البرّانيات و اما في الجوّانيات فلا بدّ و ان يخرج اللون من كمون الجسم المتلون و ذلك لايمكن الا بما ذكرنا فسرّ الاشتداد ان تضعّف الخلط المنافر حتي يتكمل ما تريد استكماله و تضعيفه بتقوية ضدّه كما قال عليه السلام ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في الارض فيصعد اليكم و لكنه مخزون فيكم تخلّقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم ، و هذا السرّ سارٍ في كل شئ و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فالتسويد و التبييض و التحمير و تشديدها و تضعيفها كلها بذلك لا غير في الجوّاني فعلي ذلك معني اشتداد السواد ان ينقص من البياض المختلط به فان نقصت منه يرجع السواد الي فطرته الاولية فيصير سوادا كاملا و ليس ذلك بلحوق سواد آخر بالسواد و لا بذهابه و مجيء سواد آخر فانك قد عرفت ان ماهية السواد واحدة لا اختلاف فيها و لكن الاختلاف من قبل المادة فتدبر فمعني اشتداد السواد و كل شئ خلوصه عن العرض نعم اذا لاحظت افراد السوادات و اختلاف صورها تقول ان اللون اللاحق غير اللون السابق و لكن المغايرة بسبب ما ذكرنا فافهم ذلك و اما لاشتداد اللون فلايلزم فناء اللون الاول او زيادة سواد آخر علي السواد بل السواد في نفسه شديد و قد عرضه العوارض و منعه الموانع و كل ما رفعت عارضا يرجع الي اصله ، كل ما وضعت لهم علما رفعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية ، فافهم هذا السرّ المنمنم و الرمز المبهم حتي تعرف معني الترقي و التنزل و الاشتداد و الضعف و هذا معني حركة الجوهر في الكيوف لا ما زعمه الناس و كذلك الامر في جميع الاعراض فان الحق لايختلف و لكن الباطل يختلف دايما .
الثالث - في الحركة الاينية و هي ايضا انتقال الجوهر في الايون و معرفة [ص 354] حقيقتها منوطة بمعرفة حقيقة المكان و تفصيل القول فيه سيجيء في الطبيعيات ان شاء الله و في المقام نقتصر علي ما لا بدّ من معرفته فاعلم انه قد اختلفت الآراء في ماهية المكان و اثباته و نفيه فاثبته بعض و نفاه بعض و قال في ماهيته كل ما قال و اكثرهم الخاطئون و بعضهم مصيبون و لكنهم لميقفوا علي الحقيقة اذ لميلجأوا في علومهم الي ركن وثيق لانهم لميأخذوا العلم من معدنه و ذهب من ذهب الي غير آلمحمد عليهم السلام الي عيون كدرة غير صافية و لكنا و الحمد لله اقتبسنا علمنا منهم صلوات الله عليهم فقلنا ما قلناه من عين الحقيقة فاقول اوّلا ثبوت المكان مما لايشك فيه عاقل و اخبار آلمحمد عليهم السلام تنادي بذلك كما لايخفي علي من جاس خلالها و اطلع علي اسرارها و انا اشير ان شاء الله الي بعضها في المقام حتي تقف علي الحقيقة و تطلع علي الدقيقة بحول الله و قوته فعن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي لايوصف بزمان و لا مكان و لا حركة و لا انتقال و لا سكون بل هو خالق الزمان و المكان و الحركة و السكون و الانتقال ، تعالي عما يقول الظالمون علوّا كبيرا ، فظهر من هذا الحديث الشريف وجود المكان و الزمان و لو كانا معدومين لماكانا مخلوقين و العقل السليم ايضا يحكم بوجود المكان و يكفي ان فطرة جميع الناس حاكمة بذلك فان كلهم يحكمون به و اما بيان ماهيته من الاخبار فلايخفي علي العالم البصير و الناقد الخبير ان بناء آلمحمد عليهم السلام لميكن علي تحديد الماهيات و تعريف الاشياء علي اصطلاح المنطقيين بل في العلوم الطبيعية و الرياضية بل جميع ما كان خارجا من علم المعرفة لميكونوا في صدد تعريفه و توضيحه للناس اذ كان همهم مصروفا في ترقية النفوس و هدايتهم الي الله تعالي و لكن من باب المقدمة لمعرفة ما هو المراد و المقصود ذكروا بعض العلوم لدي الحاجة و الحكيم يقدر علي استخراج ما يريد من مطاوي كلامهم فالذي يظهر لنا من الاخبار ان المكان هو ما يحوي الشئ [ص 355] و يتضمنه فيستقرّ عليه فاما في عالم الاعراض فهو السطح الحاوي للشئ و اما في عالم الحقيقة فهو المادة التي تتضمن صورة الشئ و سيجيء التفصيل في محلّه ان شاء الله و يدلّ علي المكان العرضي من الاخبار طائفة فمنها ما روي عن اميرالمؤمنين في كلامه مع اليهودي قال عليه السلام انا نقول ان الله ايّن الاين فلا اين له و جلّ عن ان يحويه مكان و هو في كل مكان بغير مماسة و لا مجاورة و عن ابيجعفر عليه السلام قال في تنزيه الله تعالي كان حيّا بلا حيوة حادثة و لا كون موصوف و لا كيف محدود و لا اين موقوف عليه و لا مكان جاور شيئا و قال الصادق عليه السلام لابن ابيالعوجاء بعد ما استغرب كونه في كل مكان انما وصفت المخلوق الذي اذا انتقل من مكان اشتغل به مكان و خلا منه مكان فلايدري في المكان الذي صار اليه ما حدث في المكان الذي كان فيه و قال الرضا عليه السلام في خطبة له في صفة الله تعالي لاتصحبه الاوقات و لاتضمنه الاماكن و في خطبة علي عليه السلام لاتحويه الاماكن ، و بالجملة امثال هذه الاخبار عديدة و انت اذا امعنت النظر فيها تعرف انهم عليهم السلام استعملوا لفظ المكان في المعني المعروف المتبادر الي الاذهان بين الناس المستعمل عندهم و هم لايريدون من المكان الا ما يحوي الشئ و يشغله و يتضمنه ثم المداقة في معناه ان السطح الظاهر هو المكان او ساير السطوح النازلة منه فلاتفيدنا شيئا بعد ما عرفنا حقيقتها و كذلك بعد ثبوت وجوده بالعقل و النقل لايعتني الي وساوس جماعة انكروا وجوده بادلة هي اوهن من بيت العنكبوت كالاستدلال بانه لو اثبتنا المكان لكان جسما و هو بنفسه يطلب مكانا و مكانه ايضا يطلب مكانا الي غير النهاية و يلزم من ذلك التسلسل فان مثل هذا دليل اهل القشر الذين لايعرفون الهر من البر و اما اهل الحقيقة فلايميلون عن الحق بمثل هذه الادلة و ظهور وجود المكان و ماهيته اغنانا عن الاستدلال عليهما اذ قد صارا في زماننا من البديهيات الاولية [ص 356] مع انه سيجيء بعد ان شاء الله تفصيل القول فيه بقدر الحاجة و لكني ابيّن هنا ما اليه الحاجة فاعلم ان المكان منه ذاتي و منه عرضي كالوقت و الكيف و غيرهما اما المكان الذاتي فهو ما يخصّ الشئ نفسه و لايحلّ فيه غيره فان الذاتيات لاتتغير و لاتتبدل و لايحلّ فيها غيرها لانها لاتخالف نفس الجوهر و هي متحدة معه فكما ان نفس الشئ لاتصير غيره كذلك مكانه و زمانه و ساير حدوده فان جميعها من حدود ذاته التي يكون بها الشئ شيئا و اما المكان العرضي فهو ما لايخصّ شيئا دون شئ و يحلّ فيه كل شئ مما يصلح ان يتمكن فيه فقد يحلّ فيه جسم و ينتقل منه الي مكان آخر غيره و يحل فيه آخر كالارض مثلا فانها صالحة لحلول جميع الاجسام الغليظة فيها فيحل في قطعة منها حجر و يسكن فيها زمانا ثم ينتقل منها الي مكان آخر و ما دام حلوله فيها تتضمنه و هو يشغلها عن غيرها و يمنعها عن ان يحلّ فيها و بعد ما انتقل منها الي مكان آخر يشغلها جسم آخر و كذلك الامر في ساير الاجسام التي تصلح للتمكن فيها و كلها عرضية و كذلك الزمان العرضي فانه لايخصّ احدا دون احد فان كل آن من الآنات يمضي علي جميع ما حلّ فيه و كلها تحدّ فيه و اذا مضي يوقتها آن آخر من الآنات كما في الكيوف و الكموم العرضية فتدبر فالفرق بين العرضي و الذاتي ان الذاتيات مخصوصة بالذات الخاصة و العرضيات عارضية تعرض تارة و تزول و اما بيان المكان العرضي و الذاتي فسيجيء في محله ان شاء الله فترقب فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الحركة في المكان الذاتي لايتصور لان حكم المكان الذاتي حكم المتمكن فكما لايتصور الحركة و الانتقال فيها لايتصور في مكانها ايضا الا بالمعني الذي ذكرنا فان المكان الذي هو نفس الامكان الخاص بالشئ و هو هيولاه الخاصة به لاتخرج من تحته ابدا و لاتصير مادة سواه لانها من فسحة وجوده و عليا مرتبته فان المادة الذاتية للشئ حيثه الي مؤثره و هو مختص به لايصير غيره كما بيّنا [ص 357] سابقا فراجع و المادة الذاتية هي مكان الشئ المختص به فان المكان هو ما يحلّ فيه الشئ و لايخفي ان الصورة قد حلّت في المكان و لكن حلولها ايضا حلول ذاتي علي خلاف الحلول العرضي فان الحلول العرضي ان يكون شئ قائم بنفسه ثابت بشخصه حالّا في مكان آخر هو شخص مثل شخصه و معني الحلول مماسة بعض سطوح الشخص سطح غيره و اما الحلول الذاتي فهو حلول بعض اجزاء الشئ التي لاتتم بعضها بدون بعض في بعض كحلول الصورة في المادة فان الصورة بنفسها مما لاتتم بل لا وجود لها في الواقع اذ هي حدود نفس المادة و نهاياتها و لذا نقول انها قائمة بالمادة قيام تحقق ففي الحقيقة المتمكن الذاتي قائم بمكانه فلايمكن ان يفارقه بوجه لا في الدنيا و لا في الآخرة فكل من يكون قائما في محل يكون ثابتا فيه ابدا سرمديا فلاينتقل منه الي غيره و اما المكان العرضي فهو شئ ثابت قائم بنفسه لايحتاج في وجوده الي المتمكن فيه ابدا و يقوم فيه يوما بالعرض فيرتحل منه فاذا عرفت ذلك فاعلم انه لايمكن الانتقال من المكان الذاتي ابدا و الحركة في الاين ان كانت بمعني الانتقال من مكان الي مكان فلايتصور ذلك في الذاتيات ابدا نعم يمكن الحركة الجوهرية فيها اذ هي من الجوهر كما ذكرنا و الحركة الجوهرية ممكنة بالوجه الذي ذكرنا نعم المكان الجوهري يمكن ان يتحرك في الاين لانه جزء الجوهر و الجوهر يتحرك في الاين علي ما قلنا و اما الحركة العرضية في الاين العرضي فبانتقال الجوهر من هذا المكان الي مكان آخر و تخلية المكان عن نفسه و اشغال مكان آخر به كما مرّ في اخبار رويناها و امثالها مما لمنروها فافهم و تدبر ثمّ ان للحكماء بيانات في المقام في الحركة الطبعية و القسرية من الحيّز و الي الحيّز و لا بد لنا من بيان الحيّز في الجملة حتي تقف علي الحق فاعلم ان معرفة الحيّز لكل شئ من الامور المعضلة و ان الناس يرون ان كل شئ واقف في رتبة خاصة و يميل الي جهة معينة و لايعرفون الحيّز منها و لايميّزونه [ص 358] و لميقفوا علي حقه فزعم طائفة ان حيّز كل جسم كليته و ربما يقال انه الفراغ الذي اشتغل بكليته و هذا القول خطاء محض لانه لو فرض زوال الكلية لمال الجزء الي هذا المكان ايضا مثلا اذا قال ان حيّز اجزاء التراب مجموعه يلزم من ذلك ان لايميل الجزء الي هذا المكان لو فني كرة الارض و العقل يحكم بخلاف ذلك و كذلك نري عيانا انه اذا حفرت بئر و سقط حجر من رأسها يميل الي قعرها و لو كان حيّزه مقام المجموع فلمَ يميل من الاعلي الي الاسفل و كذلك نقول للقايل بان الحيّز مقام الكلية انه لو كان هذا المقام حيّزه للزم ان لايسكن فيه غيره فان حيّز كل شئ مختص به و بجنسه و لايسكن فيه غير جنسه و نري انه لو حفرت بئر تملأ من الهواء و لو كان هذا المقام حيّز التراب خاصة لماكان يسكن فيه الهواء و كذلك لكان اللازم وقوف الجسم في الفراغ فاللازم ان لاينزل الحجر الملقي في البئر الي تحت بل يبقي واقفا في الهواء و نري انه يميل الي قعر البئر فظهر من ذلك ان هذا الفراغ لايكون حيّزا فالحيّز غير ما زعموه و نقول لبيانه ان الله عز و جل خلق اول ما خلق مشيته علي ما عرفت سابقا و هي نور متلألأ قد اضاء نورها كل شئ و خلق من نورها كل شئ فكل ما كان اشبه بها صار اقرب و كل ما كان اقل شباهة صار ابعد و كل ما هو اقرب شباهة يكون اميل الي المشية و المشية تجذبه اليها و كل ما هو اقل شباهة تبعده عنها لسرّ المنافرة و الخلق بحسب ذلك متفاوتون في الدرجات فمنهم واقفون في الدرجة العليا و منهم واقفون في الدرجة الدنيا كما قال الشاعر :
و واقفون لديه عند حدّهم من نقطة العلم او من شكلة الحكم