فصل - اعلم ان الله عز و جل ذات احدية منزهة عن جميع صفات النقص بل هي كاملة بالفعل كما عرفت سابقا و لايجري عليها النقص و الفقدان و قد عرفت ان القوة هي الفقدان و الصلوح و الاستعداد و هي غير الفعلية بل هي عين الامكان و الله تبارك و تعالي لايكون موصوفا بالامكان و علي نحو الجدل نقول ان الامكان سواءا كان امكان فعل او امكان انفعالٍ فقدانٌ للفعلية و هو صرف الصلوح و الصلوح هو تساوي طرفي الوجود و العدم كالمداد الذي تري ان الحروف في قوته و يصلح لان يتصور بصورها و ان لايتصور و نسبته الي الطرفين بالسواء و كذلك حركة يدك صالحة لان تكتب بها جميع الحروف و ان لاتكتب و نسبتها الي الطرفين بالسواء و كذلك صفة جميع القوي و لذا يقال انه لايخرج من الامكان شئ من غير مرجح خارجي و بذلك نثبت الصانع فاذا كان الله تعالي قوة الفاعلية فمن الذي يخلق الخلق و من الذي يهيّج الرب تعالي علي الفعل هل هو من الخلق او من نفسه فاما الخلق فالفرض عدمهم و كونهم في قوة الامكان و الهيولي الاولي او من نفسه و الفرض ان نفسه قوة فعل و القوة بنفسها لاتصير سبب الفعل و لا فعلية لها لعدم اجتماع القوة و الفعل فلا بدّ و ان يكون الرب كاملا في كل كماله بالفعل فلايثبت لله [ص 310] تعالي قوة ذاتية بالمعني الجاري في خلقه فقوته تعالي ان كانت ذاتية فهي بمعني قدرته الذاتية و هي نفس ذاته من غير معني زايد علي نفسه تعالي كما تسمّي الذات بالعالم و السميع و البصير فهو قدير و قويّ ايضا و معني جميع ذلك عين احديته و استيلائه علي خلقه و لذا ورد النهي عن ان تقول ان الله بقدرته خلق الخلق لانها عين ذاته و ذاته تعالي لاتكون آلة صنع و علته و قد يقال انه تعالي قويّ في خلقه و هو ايضا بمعني القادر اي المقدر لكل شئ و قدرته هذه ظهور مشيته علي ما سيأتي و ذلك قوله عليه السلام في الدعاء اللهم اني اسألك من قدرتك بالقدرة التي استطلت بها علي كل شئ و كل قدرتك مستطيلة و ورد في الحديث ما معناه انه تعالي يسمّي بالقويّ لانه خلق الاقوياء ، فيظهر من ذلك انه يسمّي بذلك لا بالمعني الجايز في الخلق كما صرّح الامام عليه السلام في هذا الحديث في نوع الاسماء و الصفات و بالجملة هؤلاء زعموا ربهم كاحد من الخلق و وصفوه بما يجوز في الخلق و ماقدروا الله حق قدره و انا اقول سبحانك ماعرفوك و بما لايليق بجمالك وصفوك و انا اقول كما تقول سبحان الله عما يصفون فهو تعالي قادر لا بمعني القدرة الخلقية و قويّ لا بمعني القوة و الامكان كما انه حيّ لا بمعني انه روح ، مدرك لا بمعني الشعور الخلقي و هكذا ساير الصفات .
فصل - قد بيّنوا في المقام مسائل جزئية لو بنينا علي شرحها لطال بنا المقال و لكن نذكر بعضها في فصل بقدر اطلاع المبتدي علي الحق :
منها ان القدرة هل يجب ان تكون مع الفعل ام لا ، فزعم طائفة الاول و ذهب طائفة الي الثاني و الحق في المقام ما عرفت ان النفس مالكة لصفاتها بالفعل علي ما يليق بها كالانسان فانه في نفسه عالم ذاكر فاكر حليم نبيه بالفعل لان النفس قد قربت من مشية الله تعالي و صارت كاملة و اما البدن فلايصلح لحكاية جميع كمالات النفس كل حين لجهات شتّي تظهر للناقد الخبير و الناظر [ص 311] البصير و لكنه صالح لحكايتها حينا بعد حين بحسب صلاحية الحال و الزمان و المكان و غيرها و لكنها كلها في قوة البدن و لذا يسمّي كمالات النفس بالقوة و يقال ان النفس قادرة علي اظهارها من البدن بملاحظة ان الاظهار في قوتها لا نفس الكمالات اذ هي من فعلياتها و لاتخصّ القدرة بحين ظهور الفعل ابدا لا في اللغة و لا في الاصطلاح و لا في الشرع بل تقول ان زيدا يقدر علي الفكر و ربما لايتفكر اياما و يقدر علي علم فلان و ربما لايذكره اياما و كذلك القول في القوي الحيوانية فان السمع و البصر و الذوق و الشمّ و اللمس في قوة بدن الحيوان و للنفس بالفعل فاذا شاءت ان تدرك ادركت لا محالة فيقال ان الحيوان قادر علي الادراك مع انه ربما لايدرك حينئذ و سيدرك و كذلك الامر في كل القوي حتي في الطبيعيات فلايلزم اقتران القدرة بالفعلية ابدا و ذلك قول مجعول نعم مرّ سابقا انه جري الاصطلاح علي انهم يسمّون في هذه المقامات القوي القريبة من الفعلية بالقوة فيقال ان في قوة الحيوان السمع و البصر و لايقال ان ذلك في قوة النبات مع ان ذلك ثابت في امكان النبات و قوته البعيدة و لعل القائل بهذا القول اراد بيان هذا المطلب و لميحسن التعبير عنه .
منها القول في ان القوة الفاعلية و الانفعالية متي يجب معها الفعل و هذه ايضا مسألة جزئية نشأت من الغفلة عن الذاتيات و العرضيات و قال الآخوند (ره) اذا اتصل القوة الفاعلية المحدودة بالانفعالية المحدودة يجب الفعل ، اقول ليس هذا كلام من يعرف ربه و كيف يجب الشئ و علي من يجب ، هل يجب علي نفس الفعل ان يوجد فهذا كلام خالٍ من التحقيق او يجب علي الله ان يوجده و هذا كفر بالله تعالي و كيف يجب علي الله تعالي شئ و قد سئل الامام عليه السلام هل يبدو لله في المحتوم قال نعم ، انتهي حاصل بعض الخبر و هذا صريح كتاب الله يمحو الله ما يشاء و يثبت فهل المحتوم الا ما اجتمع فيه الفاعل و القابل و هل مثل المقام خارج من تحت ما يشاء في الآية و ورد [ص 312] في اخبار اخر ليس شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب ، فكل شئ في موقف الاذن من الله تعالي فان اذن بوجوده يوجد و الا فلا و ان اقترن القوتان فافهم فكل شئ ثابت باذن الله تعالي و ساير مراتب الفعل فاذا عرفت ذلك فلا بدّ لنا من بيان حق المسألة فاقول ان الشئ لايكون شيئا الا بفعل و انفعال و قد يعبّر عنهما بوجود و ماهية و فاعل و قابل فان الانفعال و القابلية مقام سؤال الفيض من الفيّاض و الفعل مقام الاجابة و لولا السؤال لماكان اجابة و لولا الاجابة لماكان مسألة و قد قال الله تعالي ادعوني استجب لكم و اذا جمع الدعاء و الاجابة يكون الشئ شيئا و لايسبق احدهما صاحبه الا في الرتبة و الا فمثالهما الكسر و الانكسار فان كل واحد منهما مع صاحبه الا ان الكسر في الرتبة سابق علي الانكسار و الانكسار مؤخّر عنه و الا فلايفرض ان يكون انكسار من غير كسر و كسر من غير انكسار فان سمّيت الكسر بالقوة الفعلية و الانكسار بالقوة المنفعلة اقول انهما لاتفارقان كما لميفرق الله بينهما في قوله ادعوني استجب لكم و لكن مع ذلك لايحتم علي الله تعالي شئ فان شاء فعل و ان شاء لميفعل نعم من تقديره ان يجعل الفعل مع الانفعال و كل منهما بدون صاحبه مما لايكون مع ان الله قادر فان اراد من قوله هذا المعني فهو صحيح مع اشتراط الاذن ثمّ يبقي كلامنا في استعمال لفظ القوة هنا فاعلم ان باتصال القوّتين لايحصل فعلية فان العدم الواحد بنفسه لايصير سبب الفعل فضلا من عدمين و لكن لا بدّ لخروج القوّة الي الفعل من سبب خارجي فعلي و هو يركب القوتين كما تلاحظ في نفسك ان يدك محل قوة الكسر و ليس فيها كسر موجود و الكاس محل ظهور الانكسار و ليس فيه انكسار موجود و ما لميكن فاعل بالفعل لايكاد يظهر الكسر ابدا و الفاعل هو النفس الكاملة بالفعل فباجتماع القوتين لايكاد يجب فعل ابدا و اما توصيف القوة [ص 313] بالمحدودة فذلك ايضا خطاء آخر فان القوة صرف الصلوح و الصلوح عدم و الاعدام لاتحدّ فلايمكن ان يقال ان المثلثات التي في قوة الشمعة محدودة الا ان يراد من القوة الاستعداد القريب و هو ايضا بالنسبة الي ما في القوة القريبة غير محدود و بالنسبة الي ساير القوي بنسبة الفعلية التي صارت سبب قرب بعض القوي و بُعد بعضها محدود لا بالنسبة الي نفس القوي اذ لا نسبة بين الاعدام فافهم فانه دقيق .
و منها طرحوا مسألة اخري و تكلّموا فيها و هي ان القوة الفعلية و الانفعالية متي يجب معها الفعل و متي لايجب و قد بيّنوا في المقام بيانات لاتسمن و لاتغني من جوع لان جميعها ناشئة من عقولهم الكاسدة و آرائهم الفاسدة و انا اقول اوّلا في اصل هذا الكلام ماذا تريدون من القوة ان كنتم تريدون منها الصلوح الصرف و الامكان فذلك امر ثابت في كل الملك و لا تدرّج في الامكان من حيث الامكانية حتي يستنبط منه زمان وجوب الفعل و ان ثبت له تدرجٌ مّا كما يقال الامكان الاقرب و الابعد فذلك ايضا بحسب الفعلية كما مرّ و مع ذلك لايثبت له التدرّج بحسب نفس الامكانية نعم انفعاله بشئ يكون اسرع من انفعاله بشئ آخر او يكون تهيؤه بهيأة لازمة للتهيأ بهيأة اخري كما ان تهيأ التوتج و العفص و الصمغ و الزاج بالحروف مما لايكون الا بعد تصوّرها بصورة المداد فيقال ان صورة المداد في قوتها القريبة و الحروف في قوتها البعيدة و لايفيد ذلك ان المداد فيها موجود بالفعل بل هو صلوح و استعداد مثل الحروف فافهم ثمّ ما معني نفس الوجوب مع الامكان فان الوجوب مضادّ للامكان لان الامكان بمعني ما يجوز وجوده و عدمه و الوجوب بمعني عدم جواز عدمه فكيف يجتمعان في شئ واحد من حيث واحد الا ان يراد من الوجوب نفس البروز و الظهور و ان اريد من القوة القدرة الفعلية علي اصطلاح فما معني القدرة الانفعالية فانه [ص 314] ليس ذلك الا كقول من قال الماء الشعير القمحي نعم يجوز ذلك بمعني ان يقال ان امكانيته موجودة و ذلك بعيد فنفس هذه العبارة لاتخلو من الغرابة الا ان نظرنا الي المعاني و قد اراد من ذلك ان القوة الفعلية في ايّ حدّ يصدر منها الفعل و يخرج من الكمون الي البروز و القوة الانفعالية في ايّ حدّ تنفعل بلا مانع اقول و من الله التوفيق اما اصحاب البيانات القشرية فلميلتفتوا الي الحقيقة و بيّنوا في مثل المقام بيانات برأيهم و اما نحن فلانتكلم بآرائنا و لانعتمد الا بما وصل الينا من آلمحمد عليهم السلام و نحكي اوّلا قول الآخوند من باب الاطلاع علي لحن قولهم ، قال هذه القوي التي هي مبادي الحركات و الافعال بعضها يقارن النطق و التخيل و بعضها لايقارن و التي تقارن النطق لايجب بانفرادها من حضور منفعلها و وقوعه منها علي نسبة يجب معها الفعل و لايلزم من وجود منفعلها و لا من ملاقاتها للمنفعلة ان يفعل لا محالة كيف و كما ان المادة الجسمية قد تكون نسبتها الي صورتين متضادتين نسبة واحدة فكذلك حال القوي المقارنة للنطق و التخيل قد يكون نسبتها و هي بانفرادها الي متقابلين نفسانيتين نسبة واحدة فانه يكاد ان يعلم بقوة واحدة عقلية الانسان و اللاانسان و قد يكون لقوة واحدة حيوانية ان يتوهّم امر اللذة و الالم و ان يتخيّل الشئ و ضدّه فهي كلها في ذاتها قوة علي الشئ و ضده و بالحقيقة لايكون تلك القوي تامة الفاعلية الا اذا اقترن بها ارادة منبعثة عن اعتقاد او رأي فكري او شوق منبعث عن تخيّل حيواني شهوي او غضبي و بالجملة لا بدّ من داعٍ منبعث منها ارادة جازمة غير مائلة عن نهج المراد و هي التي تسمّي بالاجماع الموجب لتحريك الاعصاب و العضلات حتي صار الفعل واجبا و ذلك لان تلك القوي لو كانت بانفرادها موجبة للفعل غير منفك عنها الفعل لوجب ان يصدر عنها الفعلان معا و هذا ممتنع جدّا و اما القوي الفاعلة التي في غير ذوات النطق و التخيل فهي ايضا مما قد يمكن منها الفعل و لايجب و قد يجب [ص 315] و ذلك اذا كانت تامة رفع عنها المانع و لاقت المنفعلة فوجب هناك الفعل من غير تراخٍ و القوة الانفعالية ايضا التي تجب اذا لاقت القوة الفاعلة ان يحدث منها الانفعال هي القوة الانفعالية التامة لانها ايضا كالفاعلة قد تكون تامة و قد تكون ناقصة و هي البعيدة و الاولي هي القريبة الي آخر كلامه (ره) ، اقول ان جميع هذه البيانات ناقصة لاتكشف بها جميع جهات المسألة و حق القول ان الله سبحانه ذات قادرة علي ما يشاء علي ما مرّ سابقا و قدرته الذاتية عين ذاته تعالي و الذات كاملة صرف لاتجري عليها القوة و الصلوح فانه صفة الامكان و تعالي عن ذلك و فعلية قدرته تعالي ليس بمعني الفعل و لا الانفعال فانهما من خلقه و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و لكن قدرته كماله و هو صفة وجود و وجوده وجود بحت بات صرف خالص فقدرته وجوده و انما سمّينا الوجود بالقدرة لانه لايكون عاجزا و سمّيناه قويا لانه لايكون ضعيفا لا بمعني انه قادر قوي في مثل خلقه و لذا ورد في الخبر ما معناه انه قوي لانه خلق الاقوياء و المراد من ذلك باحد الوجوه ان الخلق الذين هم مظاهر اسمائه و صفاته فيهم اقوياء و ذلك يدلّ علي قدرته تعالي فقدرة الذات تعالي لاتتعلق بشئ ابدا كما مرّ سابقا فلايقال متي يجب معها الفعل و متي لايجب فانه لايجري عليه التغير و الزوال ابدا و لانحتاج الي تفصيل هذا المطلب اذ قد مرّ بيانه مكررا في هذا الكتاب الشريف و اما القدرة الفعلية فهي عين مشيته و ارادته تعالي شانه و هي التي تتعلق بخلق الخلق و يفعل الله بمشيته ما يشاء قال الله تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و قال انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و لكنها بنفسها مطلقة لاتحدّ بشئ اذ هي السبب الاول و العلة الاولي و العلة الاولي مطلقة لاتخصّ بشئ دون شئ اذ هي علة العلل و سبب الاسباب كما مرّ سابقا و لانعيد ثمّ لا شك ان الفعل لايوجد الا مع الانفعال كما بيّناه سابقا ايضا فان الفعل مقام الوجود و لا بدّ [ص 316] في بقائه و ثباته من ماهية بل لا بدّ في موجوديته من ماهية كما ورد في الدعاء لمتمثّل فتكون موجودا فالموجود ما يكون ممثّلا و الممثّل هو الذي تعيّن بمثال فالمشية الاولي اذا لمتكن ذات ماهية لاتكون موجودة ، هذا و قد ورد في الخبر ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، فالمشية لاتكون منفردة فهي مركبة لا محالة فلها وجود و ماهية وجودها مقام الفعل و ماهيتها مقام الانفعال و الامكان و بهما يتم كون المشية مشية و ذلك سرّ سارٍ في كل شئ فصار كل شئ موجودا بفعل و انفعال و ذلك قوله تعالي ادعوني استجب لكم ثمّ ان للفعل مراتب سبع و هي ما بيّنها الامام عليه السلام مشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب و لاتنقص منها واحدة و لايزاد عليها اما المشية فهي الذكر الاول و اما الارادة فهي العزيمة و اما القدر فهو الهندسة و اما القضاء فهو مقام الابرام و اما الاجل فهو من حدود القدر اذ يعيّن به بدأ وجود الشئ و ختمه و الكتاب من حدود القضاء اذ يعيّن به ما يقضي علي الشئ مما يرد عليه في ايام بقائه و اما الاذن فهو سرّ سارٍ في كل مقام فانه رفع المانع فانه لا بدّ في وجود الشئ من جمع الاسباب و رفع المانع اما الاسباب فهي المراتب الست التي لا بدّ من جمعها و الاذن رفع المانع و لايوجد الشئ بغيرهما ابدا فان الاسباب اذا جمعت و لميرفع المانع لايوجد الشئ كما اذا رفع المانع و لميجمع الاسباب لايوجد الشئ و امثلة ذلك معلومة و في جميع مراتب الفعل يحتاج الي الاذن فان المشية هي السبب الاول و الله سبحانه يشاء ما يشاء ثمّ اِما ان يأذن في ظهوره في الارادة او لايأذن فان اذن ينزل الشئ من مقام المشية الي الارادة و الا فلا و كذلك في كل مقام لا بدّ من اذن فان اذن الله ينزل من الاعلي الي الاسفل حتي يوجد و الا فلا و بذلك يبدو لله تعالي كما مرّ سابقا في البداء فاذا جمع الله اسباب وجود الشئ و اذن الله يكون الشئ و مع ذلك لايجب علي الله شئ [ص 317] فلايجوز ان يقال وجب هذا الشئ الا بمعني ما ذكرنا ، فحاصل الكلام ان الفعل يتصل بالانفعال و يوجد بهما الشئ اذا شاء الله و اراد و قدّر و قضي و اذن و عيّن الاجل و الكتاب و اما اذا نقص منها شئ او زيد فيها فلايوجد الشئ .
منها قد قسّموا القوة الفاعلية الي قسمين آخرين و هو ان القوة الفعلية قد تكون مبدأ الوجود و قد تكون مبدء الحركة و الالهيون ذهبوا الي ان الفاعل هو مبدأ الوجود و مفيده و الطبيعيون يعنون به مبدأ الحركة علي اقسامها و اختار الآخوند رحمه الله المعني الاول و قال انه احق باسم الفاعل و استدل علي ذلك بان مبدء الحركة لايخلو من تجدد و تغيّر عما كان اولا فهو كالآلة المتبدلة و قال ان الحقيق باسم الفاعل ما يطرد العدم بالكلية عن الشئ و يزيل النقص او بشرط الوصف او في وقت دون وقت بل ضرورة ازلية بقدر احتمال كل قابل اقول جميع هذه البيانات مخالف للعقل و النقل و لا شك ان الفاعل هو صفة الفعل و لاتجري علي الذات ابدا و لاتسمّي بالفاعل ما لمتتلبس بالفعل ابدا الاتري انك لاتسمّي زيدا بضارب ما لميضرب و لاتسمّيه بالناصر ما لمينصر بل اذا ظهر بالضرب تسمّيه ضاربا و اذا ظهر بالنصر تسمّيه ناصرا فالضارب يعني ذات ظهرت بالضرب و الناصر يعني ذات ظهرت بالنصر و كذلك شان كل فاعل و يدل علي ذلك الاخبار و ذلك قوله عليه السلام لايزني الزاني و هو مؤمن ، يعني انه اذا تلبس بالايمان لايسمّي زانيا و اذا زني يسمّي زانيا الا ان يتوب مع ان المؤمن في قوته الزناء و الزاني في قوته الايمان و كذلك نهي عليه السلام عن ان تسمّي الزانية التي جري عليها الحدّ و تابت بالزانية بل من سمّاها يعزّر مع ان ولدها ينسب الي الزنا ، فظهر من هذه الاخبار و الآثار ان الذات من حيث هي لاتوصف بالفعل الا اذا فعل و عُرْف جميع الناس و كل اهل اللغة حاكم علي ذلك و لا شك في حجيته اذ الكتاب نزل به و الاخبار جرت عليه الاتري ان احدا لايقول [ص 318] لزيد يا قائم الا اذا كان قائما و من قال بغير ذلك ينسب الي الجهل و بالجملة فالذات من حيث هي تجلّ عن الفاعلية و لذلك قد ينسب اليها الفعل و قد يسلب عنها و لو كان ذاته فاعلة للزم من سلبها سلب الذات و هذا باطل و كذلك الامر في الله تعالي بل فوق ذلك فانه تعالي منزه عن كل وصف حتي المشية و الارادة و القدر و القضاء و لايحدّ بشئ منها كما قال سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و لو كان ذاته متصفة بالمشية و الارادة لماكان يجوز سلبها عنها و تري انك تقول شاء الله و لميشأ و اراد الله و لميرد و قدّر و لميقدر و قضي و لميقض و كذلك تقول خلق و لميخلق و رزق و لميرزق و لو كان ذاته فاعلة لماكان يجوز سلبها اذ لو سلبت عنها للزم سلب الذات فان الذات لو كانت بذاتها خالقة لكانت الذات خالقة فلو سلبت الخالقية لشئ عنها للزم سلب الذات فمعني لميخلق لميكن و هذا كفر صراح و ان قلت انها تكون خالقة لشئ و ان سلب عنها خلق شئ فلايلزم نفيها بنفي خلقها لشئ اقول اما اولا فلا شك في نفيها من هذا الحيث و اما ثانيا فيلزم اضافة الذات و كلاهما كفر و البرهان الذي اقام الآخوند علي اثبات الفاعلية للذات ان الفاعل الذي هو مبدأ الحركة لايخلو من تجدد حاكم عليه لا له اذ اقول ان الفاعل هل يكون له معني التلبس بالفعل بوجه ام لا ، فلا معني له غير الذات البحت فان قلت بالثاني اقول فايّ فائدة في تسمية الذات بالفاعل مع انه لايفيد لها كمالا علي انك صرفت اللفظ عن معناه الاصلي بلا سبب و ان قلت انه يفيد معني غير الذات فاقول ان ذلك سبب التجدد سيّما و انك تري انه ينسب الي الذات فعل و يسلب عنها فعل و تفعل فعلا و كل يوم هو في شأن فلايجوز نسبة الفاعلية الي الذات ابدا لااقول ان الله لايكون خالقا و رازقا نعوذ بالله بل هو الخالق الرازق و لكنه تعالي خالق بمشيته و مشيته غيره و هي خلقه كما انك كاتب و يجري كتبك علي [ص 319] يدك فان شئت تكتب و ان شئت لاتكتب و مع ذلك انت انت و كذلك الامر في الله تعالي و فوق ذلك مشيته يده في الايجاد فيفعل ما يشاء بمشيته و يسلب ما يشاء بمشيته فعلي ذلك الحق ان الفاعل هو الذي تلبّس بالفعل و اما قولهم انه مبدء الوجود او مبدء الحركة اقول لا شك ان الله سبحانه يوجد ما يشاء بمشيته و المشية هي الحركة الايجادية و الله يخلق بها اعيان الاشياء و يوجدها فهو تعالي خالق الوجود بمشيته و هي فعله و كذلك هو خالق الحركات و السكونات و الافعال قال الله تعالي قل الله خالق كل شئ و قوله تعالي خلقكم و ما تعملون صريح في المطلب علي ان تكون ما مصدرية و اما في الخلق فاقول كل فاعل يفعل ما يشاء بمشية الله تعالي و لا حول و لا قوة الا بالله و لايفعل موجود في الملك شيئا الا بالله و نطق بذلك الكتاب و السنة فالخلق بمنزلة الايادي و الله المحرّك فيوجد بهم ما يشاء غاية الامر ان بعض الاشياء يوجد بسبب و بعضها يوجد باسباب و المكوّن الاول لا سبب له سوي المشية و ساير المخلوقات لها اسباب مترتبة و غير مترتبة علي حسب قوابلها و الله يوجد بهم الوجودات و الحركات بحسب قوابلهم الا ان بعض الاشياء ايادٍ لخلق الوجودات الذاتية و بعضها ايادٍ للوجودات الوصفية و بملاحظة نقول ان جميع الوجودات وصفية الا انها اوصاف للاعالي ذوات بالنسبة الي الاسافل و يكفي هذا القدر من البيان اذ قد مرّ في بيان العلة الفاعلية تمام المسألة .
منها قال الآخوند رحمه الله ان القوي الفعلية بعضها يحصل بالطباع و بعضها يحصل بالعادة و بعضها يحصل بالصناعة و بعضها يحصل بالاتفاق و قال ان التي تحصل بالصناعة فهي التي تقصد فيها استعمال مواد و آلات و حركات فيكتسب للنفس ملكة يصدر عنها الفعل بسهولة و تلك بمنزلة صورة تلك الصناعة كصورة النار للتسخين و صورة الماء للتبريد و قال ان الملكة ربما تصير صورة جوهرية للنفس و تبعث بها يوم البعث و قال [ص 320] في بيان العادة انها ما تحصل في افاعيل ليست مقصودة فيها ذلك بل شهوة او غضب او رأي ثمّ يتبعها غاية هي العادة و لميكن بقصد و لايتوجه الافاعيل اليها بالاصالة اذ لايلزم ان يكون العادة نفس ثبوت صورة تلك الافاعيل في النفس بل تكرر الافاعيل ربما يؤدي لحصول امر آخر فيها ليس من قبيلها لانها معدّات و المعدّ لايلزم ان يكون شبيها بما هو معدّ له فملكة الفعل غير العادة الناشية من الفعل و لايلزم ايضا ان يكون لكل عادة آلات و مواد معيّنة فان عادة المشي و عادة التجارة بينهما تفاوت شديد و القوي التي بالطبع منها ما يكون في الاجسام غير الحيوانية و منها ما يكون في الاجسام الحيوانية ، اقول ان اكثر هذه البيانات عندي مخدوش ضعيف و لست بصدد النقض و الابرام الا انه لا بدّ من الاشارة الي وجه الضعف فاقول اولا ان تقسيم القوة الي هذه الاقسام خطاء اذ اقول ماذا تريد بالقوة هل المراد منها الامكان او الملكة فان كان المراد منها الامكان و الصلوح فهو لايصلح لهذا التقسيم فان الامكان امر عدمي غير محصور و المقسم لا بدّ و ان يكون فعليا موجودا ثابتا مع ان الامكان مقام المادة في الواقع و الطبيعيات و العاديات و الملكات صوريات و غير ذلك من وجوه البطلان و ان اريد منها الملكة الفعلية فاقول تقسيم الملكة الي الطبيعية و غيرها خطاء محض فان الملكة امر تحصيلي فانها كمال يحصل للشخص بمداومة العمل و العمل اذا صار بحيث لايحتاج صدوره من الشخص الي توجه يصير ملكة له و هذه غير الطبيعي ثمّ الكلام في الاقسام فاقول ان لنا في الفعل الطبيعي كلاما طويل الذيل و ذلك ان مرادهم من الطبيعي ما يصدر من الشئ بلا رويّة و ارادة كاحراق المحرق و انارة المنير اقول ان ذلك خطاء صرف يحكم ببطلانه العقل و النقل فان جميع الخلق من الدرة الي الذرة ذووا شعور و رويّة و افعالهم و اعمالهم اختيارية و مرّ سابقا بيان ذلك و يأتي و قد قال الله تعالي للسماوات و الارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين [ص 321] و الطوع هو الاختيار و الميل و قال ان من شئ الا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم فارجع الي الجميع الضمير المخصوص بالعقلاء و ليس ذلك محض المجاز فان حمل كلام الله علي المجاز بلا سبب غير جايز و الاخبار الدالّة علي ان كل الخلق يسبحون و يتكلمون و يشهدون بربوبية الله عديدة و من العقل المستنير بالنقل نقول ان كل الخلق تنزل العقل فانه خلقه الله اولا ثمّ قال له ادبر فادبر الي منتهي النزول و هو هذا العالم فجميع الخلق عقلاء فافعالهم بشعور و رويّة الا ان الشعور في بعضها كامل و في بعضها ناقص فاذا كان الفعل الطبيعي ما لايكون عن شعور و رويّة فلا فعل طبيعي في العالم ثم ان الطبيعيات صوريات فان الطبيعة هنا يراد منها ما طبع عليه الشئ اي ختم عليه و هو صورته و حدّ مادته و اذا كان صورة الشئ شيئا خاصا لايكاد يتغير عن صورته ابدا و لايتخلف فان الجماد مثلا لما طبع علي الصورة الجمادية يكون متطبعا بها دايما و لايتغير ابدا اذ صورته و طبعه الجمادية و كذلك الامر في الفعل و الحركة فانهما ان كانا طبيعيين لايكادان يتغيران ابدا فالفاعل بالطبع لايسلب عنه الفعل ابدا و تري انه قد يسلب الفعل عن الفاعل فان الحيوان قد يمشي و قد لايمشي و النبات قد يجذب و قد لايجذب و لو كان فعلية هذه الافعال من طبعها لماكانت تسلب عنها و لذا سمّي هذه الصفات الحكيم الاول اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين بالقوي في حديث الاعرابي و لو كانت طبيعية لماسمّاها بالقوي فافهم فلا معني للقوة الفعلية الطبيعية الا مع المسامحة و اما العاديات فهي ما تحصل بمداومة العمل و لا فرق بينها و بين الملكة الا ان الاصطلاح جري علي انهم يسمّون بالملكة الصفة النفسية و العادة صفة الخيال و قد يُعممون الخيال و يقولون تعويد النفس كما قال ابي اعلي الله مقامه ان النفس عوّادة فعوّدوها بالخير ، و كذلك نقول في الملكة انها تحصل بكل فعل حتي الافعال الشهوية و العادية فتخصيصها بالصناعية [ص 322] خطاء الا ان نقول ان الآخوند رحمه الله لميرد من بيانه التخصيص و قوله في بيان العادة انها ما تحصل في افاعيل ليست مقصودة الخ ، ايضا باطلاقه خطاء فان العادة تحصل بكل فعل سواءا كان مقصودا بالذات او بالعرض فان العادة هي الطبيعة الثانية الحاصلة بتكرار الفعل و قوله اذ لايلزم ان يكون العادة الخ ، يفيد ما صرّح به في مواطن اخري من كتبه ان الملكة صورة نفس العمل و هي تحصل للنفس و هذا قول ناشئ من رأيهم السخيف ان صور المعلومات ثابتة في ذات الله تعالي و قولهم باتحاد العاقل و المعقول و العالم و المعلوم و ستعرف ان شاء الله بطلان هذا الرأي و قد مرّ شطر من بيانه في التوحيد و بيان الحق علي الاجمال ان نفس الشئ حقيقته و حقه و حق الشئ خالص عن شائبة الاعراض و لايلحقه صفة و لا اسم ابدا اذ الصفة غير الذات و لو اجتمعت مع الذات للزم اجتماع الشئ مع غيره و كونه مركبا من نفسه و من غيره فيكون الف الفا و باءا و هذا خطاء و نقول ايضا انّ قَبْل حصول الملكة هل الذات هي هي او غيرها فان كانت هي هي نقول انها هل تتغير بحصول الملكة لها بزيادة وصف ام لا فان قلت لا فقد كذبت و ان قلت نعم فقد صدقت فاقول هل هي بعد التغير نفس الذات الاولي او غيرها فان قلت انها غيرها فاقول يلزم علي ذلك ان يصير زيد بالعمل غير نفسه اذ الثاني غير الاول او يصير مركبا من نفسه و من غيره و كلاهما خطاء و ان قلت فما معني الملكة الحاصلة للنفوس اقول يحصل لها ما منها و يخرج منها ما جعل الله فيها و يصعد اليها ما ينزل منها و هي ليست شيئا سواها فافهم و سيأتي شرح ذلك ان شاء الله فظهر لك ان جميع كلامهم في هذا التقسيم خطاء و الحق في المقام ان الافعال كلها في قوة الفاعل جعلها الله بفضل اختياره الارادي في كمونه و قواه بحسب قابليته علي ان يخرج من كمونه ما يشاء فيخرج الفعل بحركته علي ما شاء الله و نوع الحركة واحدة و ان اختلفت بحسب الباعث و الآلات و المحل و يكفيك [ص 323] هذا القدر من البيان و ان لاحظت جميع ما بيّناه في هذا الكتاب المستطاب تعرف برهان هذا المطلب ان شاء الله .
منها قد فصّلوا و شرحوا انه هل يجب سبق العدم علي الفعل في كل فاعلية ام لا و بيّنوا بيانات و فرعوا علي ذلك فروعا لانحتاج الي بيانها و نقول ان اصل المراد من هذا البيان بيان فعل الله في ملكه فاقول لا شك ان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان و لميكن معه شئ غيره فعلا كان او مفعولا لا بمعني انه تعالي نفي الفعل بل بمعني امتناع جميع ما سواه معه ثمّ خلق تعالي فعله و هو مشيته و هي بنفسها عدم جميع المفعولات كما ان فعلك اي حركتك عدم جميع افعالك و آثارك اذ هي امكان الكل الا انه امكان فعلي للموجودات و قد حققنا ذلك سابقا و خلق من ظلها الامكان الجايز و هو الامكان المفعولي القابلي و الفعلي يسمّي بالراجح اذ لا علة له سوي نفسه و المفعولي يسمّي بالجايز لان المشية علة وجوده كما ان السراج علة للدخان الذي هو حامل نفس السراج و هما عدمان للمفاعيل فالفعل بنفسه لايكون مسبوقا بعدم ذاتي اذ لميسبقه سوي الذات و هي لاتكون عدم الفعل و لكن المفاعيل كلها مسبوقة بالعدم و قد خلق الله كل شئ من العدم فانه المكوّن للشئ من لا شئ فافهم ثم ان المشية بعد تعلقها بالمفاعيل ربما تؤثر في غيرها افعالا و هي افعال مستحدثة متجددة كتسخين المشية الحجر بالشمس و تبريدها اياه بالماء و غير ذلك و هذه الافعال في المواقع مفاعيل و هي مسبوقة باعدام و ذلك امر محسوس و لايحتاج الي زيادة البيان و الحكماء و المتكلمون لقشريتهم و عدم اطلاعهم علي الحقايق بيّنوا في المقام بيانات و الاحري لنا نسيانها كما انساها الله و الحمد لله .
منها هل القدرة هي المزاج او غيره زعم بعض انها نفس المزاج و قال الآخوند ما ملخص كلامه انّ المزاج عبارة عن كيفية من جنس اوائل [ص 324] الملموسات اعني الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة و هي بالحقيقة منها الا انها متوسطة بينها منكسرة ضعيفة بالنسبة اليها ففعله من جنس فعل هذه الكيفيات الا انه اضعف و القدرة ليست من جنس تأثيرها فهي ليست نفس المزاج و لكنها كيفية نفسانية تابعة للمزاج بل يستتبعها صورة مدبرة للمزاج حافظة ايّاه بايراد ما يستحيل منه شيئا فشيئا و جبر ما يتداعي الي الانفكاك علي الالتيام من موضوعات تلك الكيفيات المتضادة الافعال فيكون لا محالة وجود تلك الصورة الموصوفة بالقدرة و التدبير و الجبر و التسخير من افق ارفع من افق المزاج اقول شرح هذا المطلب منوط بمعرفة المزاج و القدرة اما القدرة فقد ظهرت مما مرّ سابقا انها قدرة ذاتية و فعلية اما القدرة الذاتية فهي ملكة ذاتية و هي نفس الذات و اما القدرة الفعلية فهي القوة علي ما تشاء و هي المشية و اما المزاج فمعرفته عسير و قلّ من وقف علي حقيقته و قال فيه كل ما قال اما الآخوند (ره) فقد مرّ كلامه فيه و قال الشيخ المزاج كيفية تحدث من تفاعل كيفيات متضادة موجودة في عناصر متصغرة الاجزاء التماس اكثر كل واحد منها اكثر الآخر اذا تفاعلت بعضها في بعض حدث من جملتها كيفية متشابهة في جميعها هي المزاج ، الي غير ذلك من الاقوال و سيجيء شرحه في مقامه و المراد هنا الاشارة الي حقيقته بقدر الحاجة و احسن القول فيه قول ابي اعلي الله مقامه قال اعلم ان ظاهر المزاج هو الكيفية الوحدانية الحاصلة ظاهرا من امتزاج كيفيات مختلفة علي نسبة معلومة و في الحقيقة المزاج نور يصدر من تحت حجاب الواحدية و يظهر في مرآة تلك الكيفية الوحدانية لما صارت قابلة لتجليه و هو المشار اليه بقوله عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و ما لميتعلق به ذلك النور لميصدر منه الافعال الخاصة به فان الفعل من الفاعل و الفاعل هو الله سبحانه و يظهر فعله علي يد امثلته و اسمائه و صفاته المتسمع في الدعاء سبحان الضارّ النافع فالضارّ هو الله و يده في الضرر [ص 325] هو حقيقة المزاج ففِعلُ الضرر يصدر من الله سبحانه بيده المقارنة التي هي ذلك النور المنطبع في تلك الكيفية البرزخية الحاصلة بين الكيفيات الذي هو مثاله الملقٰي في هويته و يظهر فعله علي يد تلك الكيفية فان تلك الكيفية بمنزلة الجسد و ذلك النور روحه و تلك الكيفية هي جهة نفس المزاج و ذلك النور هو جهته من ربّه فلا ضارّ و لا نافع الا الله ، الي آخر كلامه علا مقامه و هو قد نظر في الحكمة بعين النورانية و اخذ كلامه من ساداته و الناس نظروا فيها بالعيون الظاهرية و استنبطوها بعقولهم و لذا اخطأوا في اغلبها و لميقفوا علي حقايقها اما كون المزاج خارجا من الكمّ و كونه من الكيفيات فمما لا شك فيه لانّا نجد علانية انه لايتغير بتجزية الشئ فانّ مَنّا من مرزنجوش مثلا حارّ يابس في درجة خاصة و له اثر مخصوص و مثقال منه ايضا هكذا و لو كان المزاج من الكمّ لكان يتغير بتبعيضه فهو امر كيفي و اما كونه خارجا من عرصة طبايع الشئ فلكونه حاكما عليها مسلطا عليها و لو كان من عرضها لماكان متسلطا علي جميعها آمرا فيها كما تري علانية ان النار مثلا لاتكون حاكمة علي الماء و الماء لايكون حاكما علي النار بل كل منهما فاعل منفعل و الذي يحكم عليهما و يؤثر فيهما و لايتأثر منهما هو المزاج الذي هو فوقهما و اما حصوله بعد الامتزاج التامّ فلان التركيب الكامل لايحصل الا بعد الاختلاط و الامتزاج التام و قبله لايكاد يتفق حكم الاجزاء و لايحصل بينها الاتحاد فيميل كل واحد منها الي حيّزه و يؤثر بطبعه فلاتصير شيئا واحدا بل هي اشياء كما تري علانية في المعجون فانك اذا اخذت الادوية و دققتها في غاية النعامة و نخلتها و مزجتها حتي امتزجت و اختلطت و اثّر بعضها في بعض حتي صارت في حكم عقّار واحد تصير معجونا واحدا كاملا و يحصل له مزاج واحد و الا فلايصدق عليها اسم المعجون علي الحقيقة بل هي عقاقير متقاربة قارب بعض اجزائها بعضا و لذا اشترطوا لتكميل المعاجين دوام اللط و التخمير [ص 326] و التعفين حتي تصير كاملة بل لميجوزوا استعمال اغلبها الا بعد ايام طويلة الا الاطريفالات و نحوها لكونها ادوية جزئية امزجتها متقاربة فتدبر و اما كونها علي نسبة معلومة فلحصول التركيب و الامتزاج فانك ان اخذت مَنّا من التراب و مثاقيل من الماء لايكادان يتركبان ابدا و لكن اذا اخذت منهما بنسبة معلومة في علم الضم و الاستنتاج يتركبان و يمتزجان و اما قوله اعلي الله مقامه في الحقيقة المزاج الي آخر ، فذلك لان حقيقة المزاج النور الواحد الواقف علي طتنج الاركان المتسلّط عليها و هو و ان كان في الظاهر حاصلا بعد تركيبها و لكنه في الواقع نفس غيبية و روح عليّة تظهر فيها من عالم آخر فانّ عالمها فوق هذا العالم بل هي دهرية بالنسبة الي الاجزاء و الاجزاء نازلة بالنسبة اليها و هي كمرآة حاكية لها فاذا اخذ الحكيم اجزاءا من عناصر مختلفة و ركّبها يحصل من تركيبها مولود جامع له ظاهر هو صورة الوحدة الحاصلة من تركيبها و باطن هو نور الله فيها و يشهد بجميع ذلك حديث اميرالمؤمنين عليه السلام من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية الحديث ، فظهر من هذا الحديث الشريف ان المزاج حاصل من تركيب الاخلاط فاذا اعتدلت يصفو المزاج و اذا انحرفت ينحرف فانه عليه السلام قال من اعتدل طباعه اي مأكله و مشربه و ساير اعماله الطبيعية صفا مزاجه لانه حاصل من الاخلاط الحاصلة من الغذاء او الطباع بمعني نفس الاخلاط او صورة مجموعها فاذا صفا المزاج قوي اثر النفس فيه لان المزاج مرآة للنفس فاذا كانت صافية معتدلة تظهر فيها صافية كاملة و اذا كانت معوجة تظهر فيها بالاعوجاج و المراد من هذه النفس النفس الانسانية لا الحيوانية و النباتية كما يظهر من باقي الخبر و الحاصل ان المزاج هو الكيفية الواحدة الحاصلة من تركيب الاركان و هي [ص 327] الطبيعة الخامسة فاذا عرفت حقيقة المزاج و القدرة فاعلم ان القدرة ان كانت بمعني القوة فالمزاج غير القوة لان المزاج هو الفعلية و صورة المركب بل هو في الواقع انيّة نفس الشئ و ظاهرها و القوة هي ما في كمونها من الصفات و الكمالات و يشهد بذلك نفس هذا الحديث الشريف اذ قال عليه السلام و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلّق بالاخلاق النفسانية ، و هي جميعها قوي النفس و تري ان الامام فرّعها علي تصفية المزاج فهي غير المزاج و كذلك في حديث الانفس عدّ عليه السلام لكل نفس خمس قوي و خاصيتين ، هذا و من البديهيات ان القوة هي الصلوح و الاستعداد و هما نفس الامكان و المزاج هو الكون و العين و الفرق بينهما بيّن ظاهر و ان كان المراد من القدرة الملكة الذاتية فهي عين المزاج ان قلنا انه الذات و فوقه ان قلنا انه مركبها و مظهرها و لكل وجه و يكفي هذا القدر من البيان في القوة في المقام و سيجيء الكلام في القوي الخاصة بعد ان شاء الله .
في بيان حقيقة الحركة و السكون و بعض ما يتعلق بهما و لكونهما بالمعني الاعم من عوارض مطلق الموجود ذكرتهما في المقام كما فعل الآخوند (ره) و هما في الواقع امر كلي سارٍ في تمام الموجودات و في كل علم و مقام يبحث عما يتعلق به من شؤنهما و فروعهما و اذكر في المقام كليات سارية في كل موطن و في هذا المطلب مبحثان :
في الحركة و فيه فصول :
فصل - في بيان حقيقة الحركة و السكون و ان القوم قد قالوا في بيان حقيقتهما و تعريفهما ما قالوا و فصّلوا اقوالهم بما لا طائل تحته و انا بحول الله اذكر مر الحق و اطوي الكشح عن التطويل بلا طايل و لا اتعرّض لنقل اقوالهم الا بقدر الحاجة فاعلم اولا بحول الله و قوته من باب المقدمة لمعرفة حقيقة الحركة ان الشئ اِما يكون بالفعل من كل جهة و حيث بحيث لايتصور [ص 328] له قوة او يكون بالقوة من كل جهة الا من جهة انه قوة اذ لو لميفرض له هذه الفعلية ايضا لصار ليسا صرفا بحتا و اما يكون بالقوة من جهة و بالفعل من جهة اخري بمعني ان يكون ذاته مركبة من قوة و فعلية فاما القسم الاول الذي هو بالفعل من كل جهة و حيث فهو الاحد الصرف و لايفرض له حركة ابدا فان الحركة هي حصول فعلية كانت في القوة او زوال حالة سابقة للحوق حالة لاحقة و الذي هو بالفعل من كل جهة لايسبق له حال حالا و لايفقد في نفسه كمالا و لاتتصور له انتقالا فهو في كل حال واجد لكل كمال فهو لايتحرك عن حاله ابدا و مع ذلك لايوصف بالسكون ايضا فان السكون هو البقاء علي حال مخصوص و لايعرض عليه حال زايد علي ذاته و لايوصف في ذاته ببقاء و ثبات فانه صفة فعل لا صفة ذات و لست هنا بصدد شرح هذا المطلب لان المراد بيان حقيقة الحركة و السكون و اما القسم الثاني و هو ما بالقوة من كل حيث فلايفرض ايضا له حركة لان جميع الاحوال و كل الكمال فيه بالقوة و الفرض انه لايكون له فعلية مطلقا سوي كونه بالقوة فلايتغير عن حاله و لايزول حالة له و لايلحقه حالة اخري و لا تنقل له بل هو هو كالامكان الاول و الهيولي الاولي فانه لايوصف في نفسه بصفة غير الصلوح المطلق و هو حالة عدمية ثابتة في كل حال و لا حال في الواقع و اما القسم الثالث فهو ما يكون مركبا من قوة و فعلية فهو القابل للحركة و هو من جهة كونه بالقوة يصلح للتطور بالاطوار و التصور بصور مختلفة و التعيّن بخصوصيات متكثرة و اذا وجد علة و سبب من الخارج او من الداخل يمكنه تخلية فعلية و تحليته بفعلية اخري و زوال حالة سابقة و الاتصاف بحالة لاحقة و يسمّي هذا الاتصاف بالحركة و البقاء علي الحالة الاولي يسمّي سكونا ثمّ ان الحكماء قد قالوا في تعريفها ما قالوا و لا حاجة الي نقل اقوالهم و كتبهم بها مشحونة مع ان حقيقة الحركة في نفسها اشهر و اعرف مما بيّنوه في حدودهم و رسومهم و احسن [ص 329] ما وجدته في المقام من كلمات القوم ما قيل انها الكمال الاول و اختير هذا التعريف بملاحظة ان الحركة هي الاتصاف بصفة مما يكون بالقوة و ذلك لايكون الا بالتوجه اليها فهنا كمالان بالقوة الاول توجه الشئ نحو الكمال المطلوب و الثاني هو الصفة المنظورة و توجهه اليها قبل انتهائه و بقائه علي تلك الصفة يسمّي حركة فالحركة هي الكمال الاول نحو ما هو بالقوة و هو احسن التعريفات و كمّله ابي اعلي الله مقامه في بعض مباحثاته و قال الاولي ان يقال انها الكمال الاول نحو الكمال الثاني فان الكمال الثاني هو الصفة الطارية بعد التوجه و هذا احسن من هذا القول لان الكمال الاول يعمّ ما خرج من القوة دفعة و هو لايسمّي في اصطلاح الاغلب حركة بل الحصول التدريجي حركة عندهم و لكن اذا قيل نحو الكمال الثاني لايرد المحظور الا ان يؤخذ نحو ما بالقوة في التعريف و نقصه ايضا ظاهر فان ما بالقوة لايكون محدودا و ان كان مرادهم علي ما قيل مما بالقوة الصفة المعينة ثمّ اختار ابي اعلي الله مقامه من بعد ذلك في اوراق سوّدها في علم الحركات لمتتم تعريفا آخر و هو تعريف تامّ في الواقع لميسبق بمثله فيما اعلم و قال ان الحركة هي الصفة الاولي المتغيرة في الآن الثاني عما كان في الآن الاول للشئ و الكمال الاوّل الذي لايسبقه كمال و ينتهي اليه كل كمال و قال في صفتها ان جميع ما دونها مجالي و مظاهر لها و لها في كل مجلي اسم و رسم علي حسبه و بها اي بتلك الصفة يتصف الشئ بها و بها يتصف بغيرها و هذا البيان اعلي و ادق و احسن من جميع ما سواه حتي انه اعلي الله مقامه قال انه ادق من جميع ما كتبناه في هذا الفن و
اذا قالت حذامِ فصدّقوها فانّ القول ما قالت حذامِ
و محاسن تعريفه ذلك لها ظاهرة و لانحتاج الي البيان مع ما انا فيه من ضيق الوقت و كثرة الاشغال و الحمد لله المتعال و قال اعلي الله مقامه في تعريف السكون انه الكمال الثابت في الآن الثاني علي ما كان في الآن الاول .
[ص 330] فصل - قد عقد الآخوند رحمه الله فصلا خاصا في نحو وجود الحركة و نحن نذكر فيه ايضا ما يسنح بالبال لان مشايخنا اعلي الله مقامهم لميفصّلوا هذه المسائل لاشتغالهم بما هو اهمّ منها و انا احبّ التعرض لبيانها لغايات فاقول اختلفت الآراء في بيان نحو وجود الحركة فقال بعض ان الحركة اسم لمعنيين الاول الامر المتصل المعقول للمتحرك من المبدأ الي المنتهي و الثاني هو الامر الوجودي في الخارج و هو كون الجسم متوسطا بين المبدأ و المنتهي و علي الاول وجودها وجود ذهني و قال بعضهم ان وجودها خارجي و لكل طائفة وجوه من الادلة ذكرها الآخوند (ره) و انا اقتصر علي ما اعرفه من ادلتنا فاقول قد ظهر مما بينا ان الحركة هي الصفة الاولي و هي توجه المتحرك و ميله نحو الكمال الثاني و الصفة امر ثابت مع موصوفها في الخارج و لايعقل كون الموصوف موجودا في الخارج بلا صفة و الصفة في الذهن بلا موصوف فانه يلزم من ذلك ان لايكون الشئ موصوفا بالصفة في الواقع الخارج و تصوّره في الذهن موصوفا و ما لميكن ما في الذهن مطابقا لما في الخارج لكان باطلا و يلزم من ذلك ايضا ان لايكون موصوفا بالصفة الذهنية مع فقد اولي الاذهان فان الحركة لو كانت ذهنية لكانت قائمة بالاذهان فلو لميكن صاحب ذهن للزم فناؤها فلايكون المتحرك صاحب حركة لو لا صاحب الذهن و ان قلت ما تقول في ساير الذهنيات كالكلية و الجزئية و امثالهما اقول نقول فيها مثل ذلك ايضا فان اعتقادنا انها جميعها موجودات خارجية الا انا نقول بتعدد مقامات الخروج فليس الخارج صرف الدنيا بل هو ما يكون غيرك سواءا كان من هذا العالم او عالم آخر فيا رب شئ يكون موجودا في الخارج في عالم غير الدنيا كالصور المثالية فانها في برزخ من الدنيا و الآخرة و المطلقات الدهرية فانها ثابتة في الدهر و فيه الكليات و بالجملة الحركة ثابتة في الخارج لا في الذهن فقط الا ان يراد من الوجود الذهني المعنوي فيقال ان الحركة امر معنوي [ص 331] و ذلك اقرب الي الحق في الجملة لان الحركة كلية بسيطة في حدّ نفسها و ان تخصصت في بطون القوابل فوجود الحركة وجود خارجي ثابت الا انها قائمة بالموضوع لانها صفة و وجود الصفة عارض و لايكون ذاتيا و وجود الذات ثابت اوّلي اذ يكون قيامها بنفسها و وجود الوصف زايل ثانوي اذ يكون قائما بالذات فوجودها نحو وجود الماهية فان وجود الماهية وجود وصفي كما مرّ سابقا و كذلك الحركة وصف و وجودها وصفي في الخارج و وجود الوصف قائم بوجود الموصوف ثابت بثبوته متحقق بتحققه ثمّ ان لنا كلاما في اصل المعني الاول و هو ان الامر المعقول ايّ شئ هو ان كان امرا معنويا عينيا فله حصول في الاعيان فما معني تخصيصه بالذهن و العقل و ان لميكن عينيا فكيف يخصص و ان لميكن له حصول في الاعيان فكيف يورث الانتقال للمتحركات عن حالاتها الثابتة لها اوّلا فافهم و انصف فان تعقلك لايكون علة لتغير الحادث بل عقلك يدرك المعني الحادث في الخارج و وجود العقليات مستنبط من الخارج و اما المعني الثاني فنقول فيه ان التوسط لايكون حركة بل التوسط في حدّ نفسه من دون الالتفات الي المبدء و المنتهي ليس الا مثل الكون في المبدء و المنتهي و لكن الحركة هي التوجه و الاقبال الي المنتهي و توجهه فعله و الفعل امر ثابت قايم و مع ملاحظة التوسط ان كنت ملتفتا الي توجهه اي المتحرك الي المنتهي تري الحركة و التوسط في الواقع هو صفة الحركة او لازمها و بالجملة لايكون هذه المسألة عمدة و لانحتاج الي بسط المقال فيها كثيرا فنقتصر علي ما ذكرنا .
فصل - في بيان حقيقة الحركة و مبدئها و ظهورها في المجالي ، اعلم ان الحكماء لما كانت انظارهم مقصورة علي الظواهر لايكادون يطلعون علي البواطن و الحقايق فيعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون اذ لميشاهدوا بالعيون و لميلجأوا الي ركن وثيق حتي يعرفوا [ص 332] بهدايته و ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و نحن لمنشرب مشربهم و لمنسلك مسلكهم و لكنا اتبعنا ائمتنا و اخذنا ديننا من كتاب ربنا و حديث سادتنا و هم عرفوا ما عرفوا بوحي من الله او الهام منه فلذا صار بياننا كله من المبادي الغايبة عن الخلق المكشوفة لهم و قلّ ما يخطي من كان هذا ديدنه فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية قديمة ازلية و الاحد جل شأنه كامل بالفعل من جميع الجهات و لا قوة له من جهة من الجهات بخلاف من هو غير الاحد القديم جل شأنه فانه يكون قوة من جهة و لو كان فعلا من جهات و بسبب قوته يكون محتاجا دايما و لايكاد يغنيه من الله شئ ابدا و الاحد الذي هو فعلية صرف لايتصور له فقدان بل هو وجود كامل و يجد كماله بوجوده الكامل حاضرا و كماله هذا عين ذاته تعالي لا كما زعمه الزاعمون اذ لايكون معه في ذاته ما سواه و كذلك القديم الابدي لايعتريه تغيّر الاحوال و زوال صفة سابقة للحوق صفة ثانية و ليس لكماله مبدأ و لا منتهي اذ جميع ذلك و اشباهها صفة الحدوث و كل ما هو صفة الحدث يمتنع في القدم كما انه لايجري صفة القدم في الحدث ابدا و كذلك عرفت انه لايثبت الحركة الا بوجود الآن او ما يقوم مقامه لانها الصفة المتغيرة في الآن الثاني و الله سبحانه لايعتريه الآنات فاذا كان الامر هكذا كيف يتصور للذات حركة فانك قد عرفت ان الحركة لاتثبت في الفعل الصرف و القوة الصرف لانها كمال اول نحو كمال ثان بما هو بالقوة و جميع هذه القيود التي هي مما به الحركة حركة مفقودة في الذات اما اولا فلايكون كمال الذات متعددا اذ عرفت انّ كمالها ذاتي و الذات لاتتعدد اذ هي احد فلا اول لها و لا ثاني و اما ثانيا فان من شرط التوجه الي الكمال الثاني فقده بان يكون بالقوة فان الكمال الثابت القايم الذي لايتغير هو السكون كما لايخفي و الله عزّ و جل لايكون كمال من كمالاته بالقوة حتي يقبل اليه لوجدانه و تحصيله و الا للزم [ص 333] كون ذاته بالقوة لان كمال ذاته عينها فبفقده يفقد الذات فالذات لاتتحرك و لايلزم من ذلك ان تكون ساكنة اذ السكون من صفة الخلق و الله سبحانه منزّه عنه و هو تعالي فوق الحركة و السكون و لايلزم من نفي ضدّ منه تعالي اثبات ضدّ آخر له اذ ذلك شأن مادة يشترط وجودها بكونها في احد الاضداد كالجسم مثلا بالنسبة الي الكيفيات الاربع او بالنسبة الي الالوان مثلا فانه لا بدّ و ان يكون متلوّنا بلونٍ مّا و لايخلو من لون ابدا و كذلك لايكون الا باحدي الصفتين الحركة و السكون و اما الله تبارك و تعالي فلايكون شرط وجوده تلبسه باحديهما بل وجوده وجود بسيط قائم دائم و وجود غيره منوط بوجوده تعالي فتدبر هذا و السكون لايكون عدم الحركة حتي يلزم ثبوته بعدمها بل هو وجود ثابت مثل الحركة و ان كان اضعف منها في الوجود فان الحركة صفة متغيرة و السكون صفة ثابتة و هما موجودتان و وجود احديهما لازم في الامكان الذي من شرط وجوده الاتصاف بصفة و التصور بهيأة و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فافهم ذلك و اتقنه و الحاصل ان ذات الله تعالي منزهة عن الحركة و السكون و لكنه تعالي خلق اول ما خلق مشيته بنفسها كما بيّناه في التوحيد و لانعيد و هي فعله تعالي المخلوق و قد قلنا ان الله خلقها بنفسها لتحقيق انها لمتصدر من الله عز و جل كصدور الفعل من فاعله فان الصدور اِما يكون بمعني الخروج او الاشتقاق و الله تعالي لايكون محل الحوادث حتي يخرج منه شئ حادث و لايشتق منه شئ اذ الاشتقاق هو اقتطاع فرع من اصل و الفرع هو من سنخ اصله كما تري في عالم الالفاظ ان المشتقات من المصدر جميعها من سنخ المصدر فان حروف اصوله مضبوطة فيها بعينها او بدلها مما هو من نوعها و الفرق في التقدم و التأخر و الحركات و السكونات و كذلك الامر في الخلق فان المشتقات من المواد الاصلية و الاسطقسات الاولية جميعا منها فانها مضبوطة فيها كما تري ان جميع ما يصاغ من الخشب [ص 334] يكون الخشب مضبوطا فيها الا ان الفرق في الحدود الشخصية فان كل فرع محدود بحدوده مع انه من الخشب و كذلك الامر في غيرها و لو كان الفعل صادرا من الله تعالي للزم ان يكون مثله في صفته فيكون احدا قديما ثابتا دايما مع انه فعل و هذه ممتنعة فيه لان الفعل مركب حادث زايل و قد مرّ تفصيل القول في ذلك فيما مضي و لانعيد و قلنا ان الله خلقه بنفسه لان الذات لاتصير علة لشئ و لايسبقه خلق آخر يصير علة وجوده فنفسه علة وجوده قد خلقه الله عز و جل بنفسه فهو بنفسه فعل و مفعول و علة و معلول و لايرد المحظور ان يكون الشئ علة نفسه لان ذلك ممنوع اذا كان الشئ علة و معلولا من جهة واحدة و اما من جهتين فلايكون ممنوعا كما فصّلناه سابقا في العلل فراجع و المشية علة و معلول من جهتين فانها علة من حيث اعلاها الذي هو نفسها و آية الاحد القديم فيها و معلول من حيث انيتها و طبيعتها المخلوقة و اعلاها حيث الفعل و اسفلها حيث الامكان الا انه الامكان الراجح لان علة وجوده اعلاه فافهم و لست هنا بصدد التفصيل و هذا الامكان في الواقع امكان فعل لان الله تعالي به يخلق ما يخلق و هو يظهر في الامكان الجايز كما يظهر النار في الدخان و الدخان هو مقام الانفعال .