فصل - في بيان حقيقة المكمّل ، اعلم ان الله سبحانه ذات كاملة بالفعل لاتفقد جمالا و لاتنتظر كمالا بل هي في ذاتها واجدة لحق الكمال لا بمعني ان ذاته غير كماله و كماله دون ذاته فانه لايجتمع مع الذات غيرها كما مرّ سابقا و لكن ذاته حق الكمال نعم كمالاته الوصفية ثابتة في عرصة الخلق و هو يجدها و لايفقدها طرفة عين ابدا و لست بصدد تفصيل ذلك و مرادي محض المقدمة ثمّ ان الرب الكامل تجلي بمشيته لها بها لا بغيرها حتي انها نفس تجلي الذي [ص 283] ذكرناه لا انه تجلي لها بفعل غيرها فهي نفس تجليه و نوره و نور الكامل لا محالة كامل اذ النور نفس صفة المنير علي ما مرّ سابقا و نور الكامل نفس الكمال فالمشية كماله تعالي كما قال عليه السلام في علمه انه لا خالق و لا مخلوق بل هو من كماله كيدك منك ، و مشيته كماله الفعلي و ان كانت مخلوقة و كمال الكامل المطلق كامل بلا كلام فالمشية كاملة في وجودها الفعلي غير ناقصة و لو كانت ناقصة لماكانت مصدر كل فعل و كونها امكانا لاينافي كمالها اذ هي امكان فعل لا امكان انفعال و امكان الفعل كمال مطلق نعم شؤنها كثيرة و ظهوراتها غير متناهية في مقام التعيين و التخصيص و لكنها في نفسها مطلقة غير متعينة و مع ذلك كاملة في الوجود و يكفي في كمال وجودها انها مخلوقة بنفسها و لاتحتاج الي غيرها و بعد ما تجلي الله لها علي ما ذكرنا صارت مصدر الانوار بقوة نورها و كثرة ظهورها ففشا و ظهر منها انوار في عرصة الامكان و نفذ نورها في اعماقه باحديته الاضافية فاستضاء به عرصة الامكان الذي هو صلوح كل شئ فالمشية هي السراج المنير المشتعل الكامل في النور و نوره كماله و عرصة الامكان مقام الدهن الذي ذكرنا فتكمل الامكان بهذا النور و اول ما استخرج من كمونه العقل المستنير فالعقل مخلوق من الامكان بالتكميل ثمّ لما صار العقل كاملا في وجوده سطع منه الانوار ثانية و تكمل بها ساير عرصة الامكان و خلق بها ساير الموجودات و قد يعبّر عن ذلك بان العقل قلم الايجاد كتب الله به حروف ما كان و ما يكون و بذلك دار الادوار و كار الاكوار و عمرت الديار و سيجيء بيان كيفية خلق الخلق و بيان الترتب في علم البدأ ان شاء الله .
فصل - لعلك قد عرفت مما اشرنا اليه بيان الخلق لا من شئ و الخلق من شئ فاما الخلق لا من شئ فهو الخلق الاول التكويني في مقام التأثير و اما الخلق الثاني فهو الخلق الثاني التشريعي و ذلك انك اذا نظرت الي مجموع [ص 284] الملك من الفعل و الانفعال و العلة و المعلول و السبب و المسبب و نسبتها الي الحق المطلق و مجهول النعت علي الحق وجدت النور المتألق و الشعاع المشرق فان جميع الخلق آثاره و آياته و مقاماته و علاماته لا ترتّب بينها في هذا النظر و لايسبق بعضها بعضا اذ كل شئ صدر منه بلا كيف من الكيوف و وضع من الاوضاع و كلها تحكي عنه و تشير اليه باصبع واحد و تدلّ اليه بلسان واحد بلا فرق بينها اذ لايري فيه نور الا نوره و لايسمع منه صوت الا صوته و لا ظهور لغيره معه اذ لا غير له و غيوره تحديد لما سواه و هذه الانوار بهذا النظر الذي ذكرنا غير مسبوقة بمادة سابقة بل خلقها لا من شئ بنفسها كما قال الله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ، و قال اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين لا من شئ كان و لا من شئ كوّن ما قد كان ، و ان ابيت الا البرهان العقلي اقول ان المادة المفروضة مخلوقة او خالقة فان قلت انها مخلوقة اقول كلامنا في مجموع المخلوق من حيث المجموع فلايشذ منها شاذ و ان قلت انها خالقة اقول ان الخالق لايصير مادة الخلق و كذب من زعم انه تعالي اصل الخلق و منه بدؤهم و اليه ايابهم و قد ابطلنا هذا القول الفاسد و الرأي الكاسد فيما مضي و لا حاجة الي اعادة و يكفي في بطلانه تصريح الامام عليه السلام بذلك فانحصر القول في ان يكون الخلق لا من شئ بلا كيف مطلقا و هذا الخلق هو خلق التأثير و لانحتاج الي تفصيله ازيد من ذلك بعد ما اشبعنا القول فيه آنفا ثم اذا رددت النظر الي هذا الخلق بعد اولي و نسبت البعض الي بعض و لاحظت البدأ و الختم تري ماءا واحدا يسبقها و صورا متكثرة تعرضه و تري ان نسب كل شئ ينقطع اليه بواسطة او وسائط و لا نسب له ابدا كما في الخبر ما معناه ان نسب كل شئ ينتهي الي الماء و الماء لا نسب له انتهي ، و هو المخلوق لا من شئ و ساير الخلق خلقوا منه و ذلك قوله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و قوله خلق كل [ص 285] دابة من ماء و وجه التخصيص بالحي ان جميع الخلق لولا العرض احياء كما قال الله تعالي ان الدار الآخرة لهي الحيوان او ان الاحياء محل عناية الله و نظره دون غيرهم و لذلك خصّهم بالذكر و لذلك وجوه اخر لسنا بصدد التفصيل ففي هذا النظر جميع الخلق خلقوا من شئ الا انه لا شئ لكونه امكان ساير الخلق و الامكان نفي و لذا يقال ان الخلق خلقوا من لاشئ و امثّل لهذين الخلقين مثالا حتي تقف علي الحقيقة و قد قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم فانظر الي هذا العالم المحسوس الملموس عالم الاجسام بعين الاعتبار للتفهم مرّات و كرّر النظر تارات فمرّة تري اجساما متعددة مختلفة علي صور متفرقة خلقها الله تعالي في هذه العرصة بهذا الوضع المعلوم و دقّقِ النظر فيها تَرَ ان الله تعالي خلق بعضها من بعض فجعل بعضها اصلا لبعض و بعضها مبدأ البعض حتي ينتهي الي جسم كلي يكون مادة لكلها و كلها مأخوذ منه و مخلوق منه و انت تري هذا الجسم بالعيان في كل شئ الاتري انك اذا قطعت النظر عن الامثلة الخاصة التي قيّدت بها الاجسام تري الجسم المطلق فانك اذا خلعت الصورة الحجرية عن الحجر في نظرك و صورة العنصرية عن مادته الخاصة الشخصية و ساير ما يترتب عليها و يتعلق بها و يظهر فيها من مواده لايبقي الا الجوهر القابل الوصفي اي الجسم بشرط لا و بذلك تسمّي الحجر جسما كما تسمّي الخزف بالتراب و كذلك الامر في ساير المواليد و الافلاك و العناصر فنسب كل شئ ينقطع الي الجسم بشرط لا و هو الماء الاول و اما اذا نظرت الي مجموع الاجسام قاطعا نظرك عن كل الخصوصيات اي نظرت الي الماء الاول الذي هو الجسم بشرط لا و نسبته الي اللابشرط ففي هذا النظر لايبقي مادة سابقة يقال انه مخلوق منها بل لايسبقها الا الجسم المطلق الذي لايكون الاطلاق قيده و هو الحقيقة و هي لاتصير مادة لما دونها اذ لايذكر شئ منها مع الحقيقة و الحقيقة هي هي وحدها و غيرها سبحات [ص 286] جلالها و صفة توحيدها و كلها موهومة معها فكيف تتصور بها انظر الي حقيقتك هل تصير مادة قيامك و قعودك حاشا و كلا بل مادة القيام و القعود فعلك و انت تتجلي بجميعها فافهم فان لميكن نفس الجسم مادة للمطلق بشرط لا فهو مخلوق بنفسه اي بنفس تأثير الحقيقة و هو نفس تأثيرها فافهم و كذلك الامر في الملك بالنسبة الي الله تعالي و لا نسبة فالخلق الاول يسمّي بالتأثير و الخلق الثاني بالتكميل فحاصل الكلام ان الخلق بالنسبة اليه تعالي خلق تأثير و اما بالنسبة الي الامكان فخلق تكميل و كذلك بنسبة بعضها الي بعض فافهم .
فصل - و لما بلغ الكلام الي هنا ناسب ان نذكر ما يؤثر من كل شئ في غيره و ما يتأثر اي ما هو سبب التكميل و المتكمل حتي يظهر المسألة علي نحو الحقيقة لانها من الامهات فاعلم كما عرفت آنفا ان الله سبحانه هو الكامل الذي لا نقص فيه بوجه بحيث لاينتظر لنفسه حدوث كمال و لايحتاج الي اكتساب جمال و لايفقد شيئا من كماله بكونه بالقوة كما يزعمه الجاهلون اذ القوة هي الفقدان و هو عين النقص مع انه لو كان فاقدا لكمال و لو جزئيا للزم فقده دائما لعدم باعث له من غيره و نفسه الفاقدة لاتصير علة الوجود فتبقي علي ذلّ الفقد ابدا سرمدا و هذا نقص ظاهر غير خفي و قد تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و ما تري انك ربما تفقد كمالا و توجده لك اقول ان سبب ذلك ان فقده في عالم مشاعرك و بدنك و اما نفسك فهي واجدة لكمالاتها و لاتفقد شيئا منها الاتري ان جميعها حاضرة لديها يوم القيمة كما قال الله تعالي يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا و ما عملت من سوء تودّ لو ان بينها و بينه امدا بعيدا و قال سيجزيهم وصفهم فجميع كمالات النفس لها حاضرة الا انها قد تمحي من ظواهر المشاعر و تثبت في قواها ثمّ يريد النفس اظهارها فتظهرها من قواها هذا و الله سبحانه فوق ذلك و له المثل الاعلي و لاتضرّ النفس فقد شئ اذ هي مخلوقة و ربّما يعطيها خالقها و لا غرو و لكن الله ذات احدية [ص 287] محيطة بكل خلقه فكيف يتصور فقدها و اذا فقد شيئا كيف يجده و من اين يملكه و ليس شئ غيره و غير خلقه فان كان له في ذاته فلايفقده و ان كان في خلقه فهو محيط به فلايتصور الفقدان له ابدا و بالجملة فهو ربّ كامل من كل حيث و كماله هذا نفس كينونته تعالي و هي تسمّي بالكينونة من حيث ثبوتها و تسمّي بالعلم من حيث حضورها لدي الذات و هي الكمال لانه كينونة الذات و بهاؤها و جمالها و نورها فعلمه من كماله كما قال عليه السلام في الخبر و مرّ الاشارة اليه و علمه لايكون قوة و لا فقدانا و من قال بذلك فقد كفر بل علمه هذا لايترتب علي المشية بان تقول ان شاء ان يعلم علم بل هو سابق علي المشية و المشية تابعة له فاذا علم شاء لا بالعكس كما في الخبر انه علم و شاء الخبر ، و قد علم تعالي بعلمه ذلك المعلومات و لا معلوم علي ما ينبغي لحضرة ذاته المقدسة تعالي و قد وقع علمه علي المعلوم بعد خلقه بلا كيف و بيان ما يمكن التعبير عنه ان خلق اول ما خلق مشيته بنفس علمه كما قال عليه السلام بالعلم خلقت المشية ، و كان ذلك العلم ايضا نفس المشية كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، فافهم فبعد ما خلقها بعلمه وقع علمه ذلك عليها فصار المعلوم نفس العلم و المشية بذاتها هي الفعل و الفعل و ان كان كمالا الا انه امكان لا كون فصار علمه تعالي فيها علما بالامكان للزوم كون العلم مطابقا للمعلوم فالكمال الذي هو العلم و كان قبل ذلك بالفعل صار هنا بالقوة فالمشية صارت قوة كل كمال و اسم لله تعالي ثمّ خلق تعالي بمشيته الامكان الجايز الذي منه كل شئ و نزل علمه و كماله فيه فصار قوة لكل شئ ثمّ خلق بمشيته و علمه منه ساير المعلومات المتكونة و المتعينة في مقاماتها علي ما سيجيء بيانها و وقع علمه تعالي علي جميعها علي ما بيّنا و حكي كل شئ علمه تعالي الذي هو كماله علي حسب قابليته فعلم الله كل شئ في مقام وجوده و محل شهوده علي ما هو عليه فكل شئ صار مركّبا من حيث انيّة هي [ص 288] قابليته الامكانية و حيث علمية لله هي كماله و علمية كل شئ هي فعليته و كينونته و انيته هي قوته و انفعاله و مثال ذلك في السراج انه مركب من دخان و حرارة و يبوسة عرضيتين مشهودتين عليه اما الحرارة و اليبوسة فهي آية النار فيه و اما الدخان فهو قابليته و انيته و آية النار هي كينونتها الظاهرة للسراج و علمها و كمالها فافهم و اغتنم و لميؤذن لي في بيان المسألة اكثر من ذلك و اني افرّق القول لعل الله يرزقك الفهم و فهم هذه المسائل توفيقية و الله ولي التوفيق فاذا عرفت ذلك فاعلم ان جميع الملك علي ما ذكرنا شئون كمال الاحد جل شانه و علومه و مقاماته و علاماته و نصيب كل احد منها بقدر قابليته قال الله تعالي انزل من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا و مما يوقدون عليه في النار الآية ، و قال الله ادعوني استجب لكم و الدعاء من جهة القابلية و الاستجابة من الله بعلمه و قد اعطاها الله تعالي من كمالاته بقدر سعتها و هو الفعلية الثابتة لكل شئ و شيئية كل شئ بها و لو سلبت لماثبت له شيئية و تلك الفعلية ما تراها علي كل شئ و هي نفس الشئ و حق الشئ به يحشر و يحاسب و يعاقب و جميع الآثار المترتبة علي الاشياء مترتبة علي نفوسها فان اثر الماء مثلا مترتب علي هذه الصورة و لو غيّرت لمابقي لها هذا الاثر كما ان اضاءة السراج مترتبة علي صورته و لو خمد لمابقي لها اضاءة و هذا امر مشهود و اذا دققت النظر تري ترتب الآثار الكونية و الشرعية علي الصور الاتري في الشرع الانور ان حكم العذرة مترتب علي صورتها فاذا استحالت و تغيّرت عن صورتها الي التراب لمابقي حكمها الاول بل يحكم عليه بالطهارة و جواز السجود عليه و امثال ذلك و كذلك الامر في كل شئ و يظهر من ذلك الاحكام الكونية ايضا فان الله لمينجس العذرة الا لما يترتب عليها من الآثار الكونية كما نطق بذلك الشرع فاذا استحالت يتغير اثرها فيتغير حكمها كما تري في الخمر مثلا ان الله حرّمها لما يترتب عليها من الاذي و اذا استحالت الي الخلّ يصير اثرها [ص 289] اثر الخل فينقلب حكمها فتدبر و بالجملة فالآثار كلها مترتبة علي الفعليات و لما كررنا هذا البيان في بيان التأثير و التكميل لانحتاج الي التكرير فاذا عرفت هذا البيان فاعلم ان المكمل هو هذه الفعلية التي يترتب عليها الاثر و لما كان هذه الفعلية هي شعاع الكينونة علي ما عرفت و الكينونة هي المؤثر فالمكمل ايضا هو المؤثر فكما انه لايخلق الشئ الا الله كذلك لايغيّر الشئ من حاله الي حال الا الله كما قال عليه السلام في الربوبية العظمي و الالهية الكبري لايكوّن الشئ لا من شئ الا الله و لايغيّر الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله ، و التكوين هو التأثير و تغيير الشئ الي شئ بالتكميل و قد قام الضرورة بانه لا فاعل الا الله و هو الخالق الرازق المحيي المميت المعطي المانع فالفعل كله لله نعم ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و قد جعل لكل شئ سببا و سبب التكميل هو اصحاب الفعليات فبالنار يسخّن و بالماء يبرد و بالسراج يضيء و هكذا و الامر كله لله فافهم و اما بيان ما يتكمل من كل شئ فيقتضي رسم فصل خاص .
فصل - في بيان ما يتأثر من كل شئ من المؤثر ، فاعلم ان الله سبحانه خلق ما خلق من الامكان الذي هو الماء الذي خلق منه كل شئ كما قال في كتابه و جعلنا من الماء كل شئ حي و هذا الامكان هو قوة لكل شئ في علم الله تعالي و يصلح لكل ما علمه الله بل كل قطرة من قطراته تصلح للتصور بمعلومات الله و لكن الامكان درجاته متفاوتة و مراتبه بحسب القرب من المبدأ المنير و البعد منه فانه لا شك ان كلما يكون قريبا من المنير يكون اضوأ و الطف و كلما يكون ابعد يكون اكثف و ذلك امر مشهود الاتري الي انوار السراج المنبسطة منه كلما يكون منها اقرب من السراج يكون اضوأ و انور و كلما يكون ابعد يكون اظلم و كذلك الامر في الامكان فاعاليه لشدّة نورانيتها تكون ابسط و اجمع و الطف و اسافله بالعكس و اواسطه بين بين [ص 290] فالاعالي فعلياتها اجمع و ابسط و ابقي و ادوم و الاسافل فعلياتها اقصر و انقص و اقرب من القوة و بيان ذلك باللسان الطبيعي ان الاعالي لقربها من المبدأ غلب عليها الحرارة و هي تقتضي الانبساط و النشر و الفشو و اللمعان و الاسافل لبُعدها غلب عليها البرد و البرد يقتضي التقلّص و الجمود و لا شك ان المادة السايلة تقتضي صورة بسيطة كلية و المادة المتقلصة الغليظة تقتضي صورة جزئية متكثرة متشتتة الاتري الي عناصر المداد انها تقتضي صورة المداد و هي صورة كلية بسيطة و لكن قطرة من المداد المتصورة بصورة الحروف ضيّقة بالنسبة الي العناصر الاولي فلاتقتضي سوي صورة الحروف و كذلك الامر في كل الملك فالمواد العالية صورها بسيطة مطلقة و المواد النازلة لجمودها صورها شخصية جزئية كما تري في هذا الملك فلاترد عليها في حال واحد صور عديدة مختلفة بل كل مادة لها صورة هي حرف من حروف كتاب علم الله و هو فعلية و لا صلوح فلايتغير و لايتبدل و لكن المواد بانفسها باقية علي صلوحها و يمكن تغيرها و تبدلها لانها اجزاء الامكان و هي باقية علي صفة قبولها و انفعالها و ان كانت غليظة لبعدها عن المبدأ و الغلظة لاتمنع القبول و الانفعال نعم هي سبب بطئ القبول و الانفعال فالمواد العالية سريعة الانفعال و المواد السافلة بطيئة الانفعال الاتري ان العقل سريع الانفعال و الايتمار من امر الله و قد قال له اقبل فاقبل فقال له ادبر فادبر فاوحي اليه ماخلقت خلقا هو احبّ الي منك و لااكملتك الا في من احبّ اياك آمر و اياك انهي و اياك اثيب و اياك اعاقب ، و كل ما يبعد من العقل يكون مطاوعته اقل و لكن لايبلغ مبلغ عدم الاطاعة اذ كلها من الامكان و هي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و ان قيل ما تقول في الجهل الذي ورد فيه انه تخلف عن امر الله تعالي اقول اما اولا فذلك في التكليف الشرعي لا الايجادي و اما ثانيا فنقول انه ايضا صار مكلفا بسبب صلوح انفعاله و لولا ذلك [ص 291] لكان تكليفه من الجبر و عصي ايضا بسبب انفعاله من امر الله الا انه لغلبة ظلمة الجهل عليه انقلب صورة الامر فيه و لولا امر الآمر و ايتماره لماعمل شيئا مطلقا من طاعة و معصية ، مثال ذلك ظهور الحركة المضطربة من يد صاحب الرعشة فانه من فعل الروح و قبول اليد و لولاهما لمابرزت حركة منها ابدا الا ان الروح بنفسها لايأمر الا بالحركة المعتدلة و لكن اليد لاتقبل الا الحركة المعوجة فافهم فادبار الجهل بسبب امر الله ان اقبل و قبوله و اقباله بسبب امر الله ان ادبر و قبوله و لكن العقل لما كان علي الفطرة السليمة وافق قبوله ايضا فعل الله و امره فافهم و تدبر و بالجملة فجميع الامكانات العالية و السافلة صالحة لقبول فعل الفاعل و اما الفعليات فهي فوق القبول بل هي كما قال عليه السلام صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها خالقها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله انتهي ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المتكمل من كل شئ هذا الامكان و القابلية فانه الذي يصلح للتصور بكل صورة عالية او سافلة اذ عرفت ان كل شئ في قوته فاذا القي ذو فعلية شعاع فعليته علي امكان الشئ ينفعل منه علي حسب استعداده و يخرج منه نظيره كما تري في الدهن فانه بنفسه جسم صالح للنارية اذ هي احدي قواه فاذا وجد نار بالفعل و القت شعلتها علي الدهن تنفذ شعلة النار في اعماق الدهن فتهيؤه للاشتعال بتجفيف رطوبته فتجففه و تفرقه و تكلسه حتي يصير دخانا فيشتعل بالنار حتي يكون نارا بعد ما كان دهنا و كذلك الامر في تكميل كل شئ من الدرّة الي الذرّة .
فصل - و لما بلغ الكلام الي هنا ناسب ان نذكر مسألة شريفة يظهر منها اسرار غامضة من علم العود و الترقيات و سرّ الصناعة و امثال ذلك فاعلم ان الظاهر من الاخبار بصحيح الاعتبار ان الله خلق اول ما خلق ماءا متلاطما تياره متراكما زخاره لاينهيه ساحل و لايبلغ عمقه ساجل فسلّط عليه ريحا اعتقم [ص 292] مهبّها و ادام مربّها فضرب البحر بعضه ببعض حتي عبّ عبابه و رمي بالزبد ركامه فخلق من هذا الزبد الارض و صعد من الماء بخار بحرارة مشية الله حتي تسخن فصار دخانا فخلق منه السماوات و ذلك قوله تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان و سيجيء بعد في علم البدأ بيان ذلك ان شاء الله ، فالارض و السماوات جميعها خلقت من الماء الا ان السماوات من الدخان و هو من صوافي البخار و البخار من صوافي الزبد و الا فنسب الكل الي الماء و عمر بذلك عالم الغيب بسماواته و ارضه ثم ادارها علي الارض و حصل بينها الفعل و الانفعال و تغيّرت عن الصورة الاولية فصارت عالم الشهادة المتغيرة المتبدلة فسماوات عالم الشهادة و ارضها هي سماوات عالم الغيب و ارضه بلا تفاوت الا ان فطرة الشهادة متغيرة بسبب الدوران و التفاعل الحاصل في البين و مرجع الكل الي الماء ثمّ خلق الله من الارض الجمادات و المعادن و النباتات و الحيوانات و الاناسي علي التفصيل المقرّر في محله و سيجيء بيانه بعد ان شاء الله تعالي ، فنسب جميع المواليد الي الارض و نسب الارض الي الماء فالكل من الماء و ذلك قوله تعالي خلق كل دابة من ماء و قال و جعلنا من الماء كل شئ حي و قال خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و قال ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و لايلزم من ذلك وحدة الموجود بعد ما عرفت سرّ الترتب علي ما بيّنا و شرحنا سابقا و سيجيء فاذا عرفت ذلك فاعلم ان هذه الارض و السماوات هي هي ارض الغيب و سماواته و قد تنزلت بسبب هذا الدوران الحاصل علي خلاف التوالي علي المحور و قد عرضها الاعراض بسبب ذلك و ليس سبب دنيويتها الا هذه الاعراض الزايلة فاذا امر الله السماوات بالقيام و الدوران علي التوالي علي المركز دون المحور يزول جميع الاعراض فلايبقي بعد دنيا دنية فترجع السماوات و الارض علي ما كانت اولا فيصير العود علي البدأ و لذلك نقول ان سماوات الآخرة هي هي [ص 293] و ارضها هي هي الا انه عرضها اعراض و غرايب و كذلك القول في المواليد فانه لا فرق بين مواليد الدنيا و الآخرة الا ان المواليد الدنيوية مشوبة بالاعراض و الا فحقايقها واحدة و اذا ازيلت اعراضها عنها ترجع علي حقايقها نعم كل صورة تكون حاصلة من العرض ترجع الي الاعراض و تزول ، مثال ذلك الزبد فانه حاصل من تموّج الماء و هو مصوّر بصورة البياض مثلا و التضاريس و الارتفاع و الانخفاض الحاصل من الزبدية و نفس صورة الزبد ليست من حقيقة الماء بل هي حاصلة من حركة الماء فاذا سكن يذهب جفاءا و كذلك الهيئات الملازمة للزبدية كلها تذهب و تبطل و يبقي حقيقة الماء و هذا سرّ العود و كما بدأكم تعودون فافهم و تدبر ، فعلي ذلك يمكن تكميل المواليد الدنيوية و تحصيل المواليد الاخروية منها لان الماء الذي هو اصل الكل فيها و هو الذي قد تصوّر بصورة الاعراض و بتكميل المكملين يمكن دفع الاعراض و علاج الامراض و كذلك الامر في نفس المواليد بنسبة بعضها الي بعض و كذلك في الارض و السماوات فانه يمكن تبديل كل شئ الي كل شئ و استخراج كل شئ من كل شئ اذ كل شئ فيه معني كل شئ و ابيّن لك ذلك في الفلسفة حتي تعرف الحقيقة فاعلم ان حقيقة الاكسير الذي هو اخت النبوة و عصمة المروة و مرآة كل شئ مخلوقة من بخار و دخان الا انه اخذ من بخار و دخان معتدل في الغاية صاف لطيف و لذا يكون تركيبه خالدا و فعله كاملا و هو في قوة جميع المعادن و يمكن اتخاذه من كلها اذ كل المعادن مخلوقة ايضا من بخار و دخان و لا فرق بينه و بينها في المادة الا ان الاكسير من صوافي المادة و ساير المعادن من غلايظها و جميع ما في اللطيف في الكثيف و كل ما في الكثيف في اللطيف كما قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية ، فجميع ما في الاعلي في الاسفل و بالعكس [ص 294] فيمكن تصفية الكثيف حتي يترقي الي مراتب اللطافة فيظهر منه آثارها و يمكن تغليظ اللطيف حتي ينزل الي الكثافة فيظهر منه آثارها فاذا اخذت من المعادن المتخذة من البخار و الدخان و صفّيتها و لطّفتها و ازلت الاعراض و الغرايب العائقة لها عن الاكسيرية تعلو و تصل الي مقام الاكسيرية فتعمل في غيرها و كذلك المعادن بعضها بالنسبة الي بعض فيمكن تغيير كل معدن من حاله الي حالة غيره فالنحاس من حيث المادة متحد مع الفضّة و عاقه عن الفضيّة وسخه و عرضه و من قدر علي تصفيته و ازالة وسخه يعود فضة و كذلك الامر في جميع المعادن و يمكن ذلك بوجوه شتّي الا ان الاكسير اعظم سبب لذلك و اقل مؤنة و اكثر منفعة و بالجملة فالبخار و الدخان في الكل واحد الا انه قد اختلفت الصور بحسب اختلاف كمهما و كيفهما و يمكن تغيير الكم و الكيف في كل واحد منها و تغييره عما هو عليه و ذلك بتكميل المكمل و المتكمل هو البخار و الدخان في كل واحد و كذلك يمكن ترقية كل احد من مقامه الي مقام ارفع و اعلي و ذلك لاشتراك المادة في نوع الاناسي كما قال الله تعالي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها فالانسان اذا عدّل مزاجه و صفّاه بمتابعة الشرع المبين و فارق الاضداد يصعد الي مدارج السماوات و يظهر عليه انوار خالق البريات كما روي ان بعض اليهود اجتاز بعلي عليه السلام و هو يتكلم مع جماعة فقال يا ابن ابيطالب لو انك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شان من الشان فقال عليه السلام و ما تعني بالفلسفة اليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلّق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغيّر فقال الله اكبر يا ابن ابيطالب فقد نطقت بالفلسفة [ص 295] جميعها في هذه الكلمات رضي الله عنك .
فصل - اذا عرفت ما بيّناه في هذه الفصول فاعلم ان فايدة بعث الرسل و انزال الكتب في الخلق تكميل قوابلهم و ذلك ان الله خلقهم من ضعف و بناهم من الوهن اذ ابتدأهم من الطين و هو ميت لا حراك له و لا شعور و لا رويّة و لايقدر علي معرفة الرب و العلم و الحكمة و جميع الصفات الحميدة و الاخلاق الحسنة في قوته لان العقل مالك جميع المحامد و قد نزل الي التراب حتي رقد فيه فصار ميتا و بعد ما اخذ الله منه قبضة و صوّرها بصورة البشر كان في قوتها ما كان من العقل فارسل الله اليه رسولا من نفسه اي من سنخ البشر المخلوق من الطين الا ان العقل فيه بالفعل كما قال عليه السلام ما معناه انه لايبعث الله نبيا الا بعد كمال عقله انتهي ، فاذا كمل العقل فيه صار مؤثرا في القوابل و قام بين ظهرانيهم فالقي اليهم شعاع نور من سبيل اوامره و نواهيه فكل من استنار من نوره اطاع و اتبعه و كل من لميستضئ بضيائه و لميستنر بنوره عصاه و لميتبعه فبقي علي ضلالته و غوايته علي ما كان و لذلك سمّي الله المؤمنين بالاحياء اذ خرج من كوامنهم الروح من امر الله و سمّي الكفّار بالاموات اذ الروح في قوتهم قال الله تعالي أومن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون و قال في شان الكفار فانك لاتسمع الموتي و لاتسمع الصم الدعاء اذا ولّوا مدبرين و ما انت بهادي العمي عن ضلالتهم انتسمع الا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون فالكافر ميت لا شعور له حتي يفهم كلام النبي و باتباع الانبياء سلام الله عليهم يحيي القلوب الميتة و تطهر و يستخرج العقول المستبطنة فيصير عالما حكيما فطنا متخلقا باخلاق المحسنين متصفا بصفات المرسلين و ذلك لان كل كامل يريد استخراج مثله من كل قابلية بالطبع كما ان النار تستخرج مثلها من الدهن بالطبع و الماء هكذا [ص 296] و كذلك النبي لايريد الا استخراج مثله و قد قال الله في القدسي يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون يا ابن آدم انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيا لاتموت ، و قال نبي الله ابرهيم عليه السلام من تبعني فانه مني ، فمراد كل كامل مكمل استخراج مثله من كمون غيره لا غير و لكن القوابل في الاجابة مختلفة فبعضها يجيب دعوة الداعي و يصل الي مبلغ الكمال فيصير عديل المكمل كما قال علي عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء ، و الاغلب لايصلون الي هذا المقام بل يقفون في ما دون ذلك لنقص فيهم لا في المكملين فافهم و يكفي هذا القدر من البيان هنا و تمامه يأتي ان شاء الله في بيان الكون و الشرع و لما بيّنا امر التأثير و التكميل ناسب ان نشرح امر القوة و الفعل و الحركة و السكون و يقتضي بيانها رسم مقام خاص .
في بيان القوة و الفعل و الحركة و السكون و ما يتعلق بها من المسائل و فيه مطالب :
في بيان القوة و الفعل و قد ذكرناهما في الامور العامة كما فعل الآخوند (ره) لانهما من المسائل الكلية الجارية في كل علم بمعني ان لهما شؤنا يتكلم في كل علم من الالهيات العامة و الخاصة و الطبيعيات فيما يتعلق به ففي الالهيات بالمعني الاخصّ يتكلم في قدرة الله و قوته و كمالاته و قد اشبعنا القول في ذلك فيما مرّ و في الالهيات بالمعني الاعمّ يتكلم في شؤن كثيرة من القوة و الضعف و الفعلية و غيرها و قد مرّ و سيجيء في كل مقام ما يناسبه و نذكر في هذا المقام ايضا ما يقتضيه و في الطبيعيات العلمية و العملية يتكلم في قوي المواليد و العقاقير و الصحّة و المرض و العلاج و الحفظ و ما يتعلق بها و في المقام نذكر بعض الكليات مما يتعلق و في هذا [ص 297] المطلب فصول :
فصل - قال الآخوند (ره) في بعض رسائله : القوة قد يقال لمبدأ التغيّر في شئ آخر من حيث هو آخر سواءا كان فعلا او انفعالا و قد يقال لما به يجوز ان يصدر من الشئ و ان لايصدر و هي التي تقابل الامكان الاستعدادي بالمعني الذي سبق ذكره و قد يقال لما به يكون الشئ غير متأثر عن متقاوم و يقابله الضعف الي آخر كلامه ، و قال في اسفاره ان لفظ القوّة يقال باشتراك الاسمي علي معانٍ كثيرة و لكنها يشبه ان تكون موضوعة اولا للمعني الذي في الحيوان الذي يمكنه ان يكون مصدرا لافعال شاقّة من باب الحركات التي ليست باكثرية الوجود و يسمّي ضدّها الضعف و كأنها زيادة و شدّة في المعني الذي هو القدرة ثمّ ان للقوة بهذا المعني مبدءا و لازما اما المبدء فهو القدرة و هي كون الحيوان بحيث يصدر عنه الفعل اذا شاء و لايصدر عنه الفعل اذا لميشأ و ضدّ ذلك المعني هو العجز و اما اللازم فهو ان لاينفعل الشئ بسهولة و ذلك لان الذي يزاول الحركات الشاقّة ربما ينفعل عنها و ذلك الانفعال يصدّه عن اتمام فعله فلا جرم صار اللاانفعال دليلا علي الشدّة ثمّ ان القدرة لها وصف كالجنس لها و لها لازم اما الذي كالجنس فكونها صلة مؤثرة في الغير و اما اللازم فهو الامكان لان القادر لما صحّ منه ان يفعل و صحّ منه ان لايفعل كان صدور الفعل منه في محل الامكان و حيّز الجواز فكان الامكان لازما له و هو الامكان فيقولون للثوب الابيض انه بالقوة اسود اي يمكن ان يصير اسود ثمّ انهم سمّوا الحصول و الوجود فعلا و ان لميكن بالحقيقة فعلا و تأثيرا بل انفعالا و تأثّرا فانه لما كان المعني الموضوع له اسم القوة اولا كان متعلقا بالفعل فهيٰهنا لما سمّوا الامكان بالقوة سمّوا الامر الذي يتعلق به الامكان و هو الحصول و الوجود بالفعل ، و قال ابوالبقاء في كلياته ان القوة هي كون الشئ مستعدّا لان يوجد و لميوجد و الفعل كون الشئ خارجا من [ص 298] الاستعداد الي الوجود و القوة القريبة لاتوجد مع الفعل و الا يلزم اجتماع النقيضين و لفظ القوة وضع اولا لما به يتمكن الحيوان من افعال شاقّة ثمّ نقل الي مبدئه و هي القدرة و هي صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل و الترك و الي لازمه و هو ان لاينفعل ثم الي وصف المؤثرية الذي هو كجنس القدرة و هو الذي عرّفوه بانه مبدأ التغيّر من شئ من غيره من حيث هو غيره و الي لازم القدرة و هو امكان حصول الشئ بدون الحصول و هو مقابل للحصول بالفعل ، الي آخر كلامه و هو قريب من كلام الآخوند (ره) ، اقول الحقّ ان الآخوند (ره) لاحظ عرف العامة و بنٰي تحقيقه علي ذلك و كذلك كلام ابيالبقاء اوّله في بيان الاصطلاح الحكمي و آخره مأخوذ مما جري عليه العرف و اما نحن فلا بدّ لنا من بيان معني القوة و القدرة و الفعل و الضعف لغة حتي يظهر المراد علي ما ينبغي فاقول قال في المعيار : قَوِيَ الرجل يقوي كرضي يرضي قواية كسحابة قُلبت الواوُ ياءا لانها الحرف الرابع و قوّة كجبّة : ضدّ ضَعُفَ فهو قويّ ج اقوياء كغني و اغنياء و هي بهاء و الاسم القوّة ج قوٰي ، الي ان قال : و علي الامر كذلك و ليس له و به قوّة ايضا اي طاقة ، الي ان قال : و رجل شديد القوٰي اي شديد الخلق و القوة ايضا في اصطلاح اهل الحكمة ما تصلح لان تتصور بالصور و في اصطلاح الطب يسمّي مصدر كل فعل من الافعال البدنية و غيرها قوة فيقال القوة الباصرة الي آخر و قال في معني القدرة و قَدَرَ علي الشئ كنصر و ضرب و فرح و المصدر كسحابة و رطوبة و رضوان و سحاب و كتاب : قَوِيَ عليه و الاسم القدرة ، و قال في المجمع في تأويل قوله تعالي خذها بقوة اي بعزيمة و جد و اجتهاد ، الي ان قال : و القويّ من اسمائه تعالي و معناه : الذي لايستولي عليه العجز في حال من الاحوال ، الي ان قال : و قَوِيَ علي الامر : اَطاقَهُ ، الي آخر كلامه اقول بعد الدقّة في عرف اهل اللغة و عرف العامة و موارد استعمال لفظ القوة عرفنا ان المراد منها القدرة و الطاقة و المراد من الطاقة و القدرة [ص 299] الاستعداد لا الفعلية و ورد بهذه المعاني الاخبار كما ورد في الطاقة في تأويل قوله تعالي لايكلف الله نفسا الا وسعها قال ان الوسع دون الطاقة و لميكلفهم بقدر طاقتهم ثم فصّل حدّ الطاقة و حدّ التكليف و قد رويته بالمعني و يظهر منه ان الطاقة هي الاستعداد الحاصل للشخص و الاستعداد هو امكان صدور الفعل من الشخص و قال الآخوند (ره) انه القوة القريبة و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد ، و يظهر من سبك الحديث و عطف الاستعداد علي القوة انه غيرها و يجوز ان يكون العطف من باب الترادف و يظهر منه ايضا ان القوة و الاستعداد صفة المادة و هي الاستطاعة التي قال الله عزّ و جل اتقوا الله ما استطعتم فظهر من هذه الاخبار ان القوة الاصطلاحية في الحكمة و ساير العلوم ايضا بالمعني اللغوي لا انها صرفت عن معناها اللغوي و اما قول صاحب المجمع انها بمعني العزيمة فيشبه ان يكون حاصل المعني لا المعني اذ لميتعرض غيره فيما اعلم لهذا المعني و اما الفعلية فالمراد منها التحصل و لعله قد سمّي بها من باب ان كل ذات تظهر ما في القوة الي العيان بفعلها فسمّي الصادر باسم المصدر او سمّي اولا بالفعلية بياء النسبة ثم خففت و حذفت ياء النسبة و التاء و سمّي بالفعل و هذا محتمل و كيف كان الفعل ضدّ القوة .
فصل - اذا عرفت المعني اللغوي فلا بدّ لنا من بيان حقيقة القوة و قد ضلّ في تحقيقها السوابح و لمار من كشف عن حقها الا ما بيّن ابي اعلي الله مقامه فاعلم كما عرفت سابقا ان الله سبحانه ذات كاملة بالكمال الذاتي و الكمال الوصفي اذ لايخلو الكامل بالذات منه و لايجري عليه نقص بوجه من الوجوه اما كماله الذاتي فذاته المقدسة و هي هي ذات احدية و احديتها عين كمالها اللانهاية و اما الكمال الوصفي فجميع خلقه آياته و اسماؤه و صفاته و قد احاط بجميعها بحيث لايفقدها حينا سرمديا فجميعها بمحضره تعالي و قد احاط [ص 300] بها خبرا و لايخفي عليه خافية في الارض و لا في السماء و قد حققنا هذه المسألة في مقامها و قد خلق اول ما خلق مشيته بنفسها ثمّ خلق بها العقل الذي هو اول مخلوق و اقدم موجود من الامكان و هو في خلقه كامل لا نقص فيه و قادر لا عجز فيه لانه اول كمال الكامل و اقرب نوره الصادر من المشية الكاملة الا ان كماله تعالي في العقل كلي معنوي و قد ادبر بامره تعالي الي الروح الجبروتي فتعيّن الكمال فيه بالمعني البرزخي ثمّ قد تجلّي من الروح الي النفس فتعيّن كمالات الله فيها بالصورية الكلية و كتب الله فيها حروف ما كان و ما يكون علي ما ينبغي اذ هي اللوح الذي كتب الله فيها جميع ما جري علي قلمه بمشيته فتمّ مراتب الكمالات الكلية المعنوية و الجبروتية و الملكوتية ثمّ شاء الله اظهار ما في الغيب الي الشهادة لان البطون تمام الظهور و الظهور تمام البطون و كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، فانزل ما في الغيب الي الشهادة و حكم ذلك كثيرة و تفصيلها سيذكر بعد ان شاء الله فانزل الغيوب علي الترتيب الطبيعي الي الشهادة فانزلها الي الطبيعة الكلية ثمّ الهباء ثمّ المثال ثمّ الجسم و قد كان مجموع الكمالات في هذه المراتب علي نحو الكلية و الاطلاق ثمّ نزلت الي العرش و الكرسي و هكذا الي الافلاك الي التراب فصار التراب مجمع جميع الكمالات النازلة اليه الا انه لغاية بعده من المبدء في غاية البرد كما مرّ سابقا فلبرده انجمد و يبس فتصوّر بصورة الترابية الخاصة و صار جميع الكمالات فيه بالقوة و لذا صار شعوره و اختياره في غاية القلّة لان الشعور و الاختيار فرع السيلان و رطوبة الانفعال و هما في التراب بالقوة ففي هذا المقام صار جميع كمالات الله بالقوة فصار التراب علي خلاف كينونة الله اذ هي الفعلية المحض و هو القوة الصرف ثمّ ان الله تعالي شاء و اراد ان يخرج من قوة التراب ما كمن فيه من الاسرار و يهتك الاستار لظهور الجبّار و محو الاغيار فاخذ [ص 301] من التراب قبضات لترقيتها من الحضيض الي الاوج و من البعد الي القرب و ربّاها و رقّق حجبها و كلما صعد مولود من حضيض التراب و قرب من رب الارباب ظهر فيه روح من الغيوب فحكي من كمالات الله بقدر قابليته لان الغيوب في حدّ ذواتها كانت كلية و في ظهوراتها الشهادية الكلية ايضا لمتتشخص لان ظهور الغيب في الشهادة علي حسبها ان كانت كلية فكلية و ان كانت جزئية فجزئية و لكن القبضات المأخوذة شخصية جزئية فتحكي الكليات علي جزئيتها و لذا تتشعب الكمالات و تتخصص علي حسب تعدد القوابل و لذا نقول ان عالم الشهادة مقام التفصيل و محل ظهور كمالات الجليل و اوصافه و اسمائه و بالجملة فمبدأ ترقية التراب ان صار نباتا و خرج من كمونه الروح النباتي و هي بالنسبة الي التراب من محلٍّ اعلي و مقام فوق العناصر فهي اقرب من الغيوب من العناصر و لذلك تحكي من الكمالات بقدر استعدادها و قابليتها فيتحصل له صورة نامية مربية بخلاف العناصر و اذا صعد من هذا المقام درجة و لطف ثانيا يخرج من كمونه الحيوانية الفلكية فيخرج من كمونه قوّة الادراك و الحيوة فيصير حيا مدركا و اصل الحيوة من صفات الله و كمالاته و قد ظهرت في الغيب و خفيت في الشهادة و بعد ما صعد المولود الي مقام الحيوانية يحكي من صفات الله بقدر قابليته و شانه ثمّ اذا صفي مرتبة اخري و صعد درجة بعد اولي يصل الي مقام الانسانية فيطلع من مغربه النفس الانسانية الغيبية التي عرفت انها معدن الكمال و مقام اللوح المحفوظ و هي صاحبة كل كمال و اصل كل صفة خير و جمال و جلال بالفعل و كذلك كل ما لطف المولود درجة بعد درجة و صعد مرقاة بعد مرقاة يصير صاحب فعلية جديدة و كمال جديد حتي يظهر منه النور الافخم و التجلي الاكرم و الاسم الاعظم و هو الكامل الذي لا نقص فيه و الواجد الذي لا فقدان له و لست في المقام بصدد تفصيل فضله و المراد بيان نوع المسألة فكلما صعد المولود درجة حكي فعلية من فعليات [ص 302] الله و كمالا من كمالاته و هذا الجماد المحسوس هو قوة الجميع و لا كمال له الا بقدر استمساك وجوده ثمّ ان البدن الجمادي ثابت لكل مولود ما دام بقائه في الدنيا فانه مما لا بدّ منه و لايظهر غيب في الدنيا الا به و هو قوة لجميع الكمالات و لا فعلية له نعم الارواح المتخذة منه صاحبوا الفعليات علي حسبها فان النباتية بنفسها مثلا جوهر ذو فعلية و فعليتها المربية الحاصلة لها و اما الجمادية الثابتة لها فهي باقية علي حالها نعم فرقها مع ساير الجمادات انها لمتستخرج منها النباتية فلا ارتباط لها بها و اما جماد النبات فهو مرتبط بالنبات و لذا يمكن له حكاية فعل النبات فان اشرق بنور النبات يظهر منه فعله ففعل النبات بالنسبة الي نفسه فعلية و لكنه بالنسبة الي الجماد بالقوة و يمكن ان يخرج من قوته فلذا يقال ان النامية قوة للنبات اي من حيث ظهورها في البدن الجمادي لا في نفس النبات و كذلك الجاذبة و الدافعة و الماسكة و الهاضمة هي كمالات النفس النباتية الا انها في النفس علي الاطلاق و في الجماد علي الابهام و القوة فاذا تجلّي النبات للجماد يظهر من كمون النار الجاذبة و من الماء الدافعة و من التراب الماسكة و من الهواء الهاضمة و لو لميظهر النبات في الجماد لايكاد يظهر هذه الافعال في الجماد ابدا و لذلك تري البدن النباتي اذا قطع و خرج روحه من بدنه لايجذب بعد و لايدفع و لايهضم و لايمسك فهذه الافعال افعال الروح و فعلياته تظهر من البدن و هي مع كونها فعلية تسمّي قوة بالنسبة الي البدن و كذلك كمال الروح الحيواني بالنسبة الي النبات و الجماد فان الحيوان سميع بصير ذائق شامّ لامس بالفعل علي حسبه و لكن البدن الجمادي و النباتي فاقد لهذه الكمالات بالفعل و في قوته حكايتها و كذلك الامر في جميع الصفات الحيوانية و ساير الارواح و منها قدرة الحيوان و طاقته فانها من صفاته النفسانية و هي لها ثابتة بالفعل و لكنها في قوّة البدن تظهر اذا اظهرها الحيوان و تخفي اذا اخفاها فالحيوان بنفسه يطيق حمل احمال [ص 303] ثقيلة و لكن كماله ذلك لنفسه ثابت و في قوة بدنه فاذا اراد يخرجها من بدنه نعم يظهر قدرته في البدن علي حسب صلاحيته كساير الكمالات بلا فرق فان الظهور دايما بحسب المرايا الاتري ان الحيوان درّاك بلا حدّ و لكن يظهر دركه في بصره بحسب قابليته و كذلك ساير ادراكاته تظهر في المشاعر بحسبها و كذلك قدرته فاذا كان اعصابه و عظامه قوية و جلده غليظا و يتحمل حمل الاثقال يظهر قوته اكثر و ان كانت بعكس ذلك لايظهر قوته و قد جري الاصطلاح علي ان من كان استعداده لحمل الاثقال كثيرا يقال انه قويّ و من كان بخلاف ذلك يقال انه ضعيف فالقوي و الضعيف يستعملان بحسب حال البدن فان كان القدرة في قوته القريبة يقال انه قوي و الا فيقال انه ضعيف و كذلك في ساير الصفات فالاصطلاح جارٍ علي استعمال القوة مطلقا في القوة القريبة و يسمّون القوة البعيدة بالضعف و النقص و الفقدان و العجز و الا فكل شئ فيه معني كل شئ و ليس شئ الا و هو في غيب كل شئ فتدبر حتي تعرف حق المسألة و من هذا الباب عبّر عن كمالات الارواح بالقوٰي فالقوة كلها في هذه العرصة عرصة المواد العرضية و اذا صعدت الارواح من هذه العرصة تخرج الي الفعلية من دون قوة كما قال عليه السلام صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد ، و لذا تجد الارواح ما عملت حاضرة و لاتترقب شيئا و تجد الجنة و النار محضرة بالفعل و الاخبار الدالّة علي المسألة عديدة يعرفها اهلها .
فصل - قد اختلفوا في وجه انفعال الشئ الواحد من فعله و ذهب بعض الي النفي و بعض الي الاثبات و بما ذكرناه في المقام و بيّناه سابقا في العلل يكشف عن حقّ المسألة و من باب عدم خلوّ المقام عن هذه المسألة ايضا اقول ان الله سبحانه خلق النفوس من نور مشيته و ظل ربوبيته فهي في حدّ نفسها كاملة بالفعل لاتنتظر لنفسها حدوث كمال و لا حصول جمال و لما اراد الله اظهارها [ص 304] في عالم الشهود و العيان لاظهار كمالاتها من الامكان الي الاعيان اخذ موادا بيده و صوّرها برحمته و قدّرها بحدودها كلا علي حدّه فامر النفوس الغيبية بالتجلي لها بها منها و هي مركبة من مادة و صورة و النفس راكبة علي كلتيهما فاعلة فيهما عاملة بهما علي حسب صفتهما فالصورة لكونها فعلية في حدّها مع انها احدي يدي النفس تكون يدها الفاعلة و المادة لكونها قوة و استعدادا في حدّها مع انها احدي يديها تكون قابلة و النفس هي التي تفعل باحدي يديها و تقبل بالاخري و امثّل لك المثال لظهور المقال فافرض البدن مثلا جسما مركبا من العناصر الاربعة و ربما غلب الصفراء و صارت اخواتها مغلوبة و لذلك يحدّ البدن بحدود الصفراء خَلقا و خُلقا و ساير ما يخصّ الباقي في القوة و النفس قائمة فوق البدن و عناصره منزهة عن حدودها معراة عن فعلياتها و قوتها و تجري فعلها من جميعها فاذا القت فعلها علي صورة البدن مع انه صفراوي يشرق بنوره و قدرته و كماله و يظهر فعله علي لون الصفراء و اذا القت فعلها علي ساير القوي تحيي بالقبول و الاقبال الي الصفراء و قبول فعلها و امرها فتفعل بصفراء بدنها في بدنها و في الخارج و يقبل الفعل كل مادة قابلة سواءا كانت من نفسها او من الخارج و من هذا الباب ما تري ان الطبيب يعالج نفسه و الجرّاح يصلح جرح بدنه و غير ذلك و هذا امر لاينكره لبيب و لايخفي علي اريب فالفاعل في الواقع هو النفس و ان كان بسبب فعلية من البدن و لايلزم من ذلك ان يكون الفاعل و المنفعل شيئا واحدا و لايلزم اصلاح ذلك بملاحظة الحيوث بل الفاعل غير المنفعل عينا نعم بملاحظة افاضة المفيض الي السافل و استفاضته من الاعلي لا بدّ من ملاحظة الحيث و لايمكن في المقام ملاحظة صرف استفاضة المادة و افاضة الصورة لان الصورة ايضا في بقائها تحتاج الي فيض جديد و لست في المقام في صدد تفصيل ذلك و بعد ما ظهرت المسألة اقول ان باعث جميع التكاليف الشرعية ما ذكرنا من فعلية النفس و قوة البدن فانه [ص 305] لو لميكن النفس القادرة بالفعل لميكن الاوامر الشرعية من العدل اذ القوة الصرف لاتخرج الي الفعلية من دون داعٍ بالفعل من النفس كما قال الصادق عليه السلام من لميكن له واعظ من قلبه و زاجر من نفسه و لميكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه ، فلا بدّ و ان يكون الداعي من النفس بالفعل الاتري انك اذا امرت الحيوان او غير العاقل باحد الاوامر الشرعية يقبحك كل عاقل مع ثبوت الامكان و القوة له و لذا ورد في الشرع انه لا تكليف للمجنون حتي يفيق و كذلك اذا لميكن القابلية القريبة للانسان لايثبت تكليف كما قال الله تعالي لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و في قوتها فلا بدّ في التكليف من وجود الفاعل و القابل جميعا فافهم .
فصل - في مسألة اخري طرحوها و تكلّموا فيها و انا ابيّن الحق في المقام من دون التعرض للاقوال فاعلم ان القوة قوتان قوة فاعلية و قوة انفعالية و قد بيّنا في هذه الرسالة ما فيه كفاية و بلاغ و لكن لا بدّ من بيان المسألة هنا ايضا فاقول ان الله سبحانه خلق اول ما خلق مشيته بنفسها و هي فعل مطلق غير مخصص بخصوصية اذ هي صرف ارادة مطلقة و لاتخصّ شيئا دون شئ و برهان ذلك من النقل قوله عليه السلام ليونس ان المشية هي الذكر الاول ، و اول اذكار الخلق مطلق لا محالة لايخصّ بامر مخصوص و من العقل انك تري ان الله تعالي يخلق بها كل شئ و يثبت بها ما يشاء و ينفي ما يشاء و يحيي ما يشاء و يميت ما يشاء و لو كانت خاصة بشئ لميكن يمكن خلق جميع الاشياء المتضادّة و المتناقضة بها الاتري في نفسك انك لو اردت امرا خاصا لاتكاد تتحصل بهذه الارادة الخاصة ضدّها فان كان ارادتك القيام لاتقعد بهذه الارادة بل لا بدّ ان تريد القعود حتي تقعد و كذلك اذا كانت مشية الله تعالي و ارادته بهيئة خاصة كان تكون مشية احياء زيد لايستقيم اماتة زيد بها و ان كان مشية خلق فلان لايعدم خلقه بها و انت تري انه يفعل ما يشاء بهذه [ص 306] المشية و هذا اصدق شاهد علي عدم تصورها بصورة خاصة و ان قال قائل انها تتغير و تتبدل بحسب المشاءات و المرادات و تتصور بفعليات اقول ماذا تريد من ذلك هل تقول ان ذاتها تتغير فالمشية الثانية غير الاولي و الثالثة غير الثانية و هكذا فيلزم من ذلك عدم استقرار المشية مع انه عليه السلام قال في صفتها خلق ساكن لايدرك بالسكون ، و يلزم منه ايضا ورود التغير علي الله اذ المغيّر للمشية اِما يكون نفسها او الله و لا ثالث اَما نفسها فان كانت علي صورة لاتقتضي غيرها و الله سبحانه اجل من ان يكون علة التغير مع انه اذا شاء كل يوم شيئا بنفسه لزم عليه التغير و كل متغيّر حادث و قول الله تعالي كل يوم هو في شأن لايدل علي تغيّره بل المراد منه باحد المعاني ظهور كمالاته و آياته في الملك فتدبر ، هذا و ذلك يفرض اذا كان خلق الاشياء المختلفة مترتبة و نحن نري ان كل حين يفعل ما يشاء من الافعال المتضادة فيخلق واحدا و يميت غيره و يرزق احدا و يختار ما يختار و يظهر من ذلك ان فعله لايخص شيئا دون شئ فالمشية فعل مطلق و المطلق هو المبهم و الذكر الاول لكل فعل و مفعول فجميع الافعال الجزئية في قوته كما تري في ارادتك المطلقة انها صالحة لكل فعل جزئي فالمشية هي قوة كل فعل و لذا يقال انها الامكان الا انها حية ثابتة قائمة مخلوقة بنفسها فيقال انها الراجح فافهم فالمشية قوة الفعل فان شاء الله فعل بها و ان شاء لميفعل و قد ظهرت المشية في الامكان و هو بمنزلة الدهن لنار المشية او المشية بمنزلة شجرة الزيتون لهذا الدهن و النار هي نار الكينونة و لكلٍ وجه و لست بصدد هذا البيان و مرادي صرف بيان تعلق المشية بالامكان انها ظهرت في الامكان و اشتعل الامكان بنارها و الامكان من المشية بمنزلة الانكسار من الكسر و الانفعال من الفعل لا ان للامكان بنفسه وجودا غير وجود المشية و تعلق المشية به كتعلق موجود بموجود حاشا ان يكون الامر هكذا لان الامكان صرف [ص 307] القابلية و الصلوح و القابلية عدم فوجودها بوجود الفاعل كالانكسار الحاصل في الكاس فانه موجود بالكسر و الكسر فعلك و لو لمتكسر لميكن انكسار في الكاس ابدا و بالجملة و هذا الامكان هو مقام القبول و لكن قبوله قبول نوعي لا قبول خاص و لذا يكون صالحا لكل شئ و لو كان قبوله خاصا بشئ دون شئ لماكان صالحا لكل شئ و تري انه صالح لكل شئ و جعلنا من الماء كل شئ حي ، فعلي ذلك هو قوة انفعال مطلق ثمّ ان الله سبحانه خلق جميع الخلق من هذين الامكانين لا بمعني ان نفس المشية صارت مادة الاشياء حتي يلزم منه قول ضرار بل خلق ما خلق من شعاعها فلذا نقول ان لها رؤسا بعدد ذرّات الاشياء بل نفس الامكان ايضا لمتتصور بصورة حتي يلزم القول باتحاد الموجودات في الاصل و لكن خلق الخلق من تنزلاته و شؤنه و اطواره فلكل شئ حيث فعلية و مفعولية و فعليته من حيث نفسها قوة الفعل و مفعوليته قوة الانفعال و بحسب تقريب القوي و تبعيدها و استخراجها الي الفعلية يثبت للشئ كمالهما فمن استخرج فعليته من كمونه يصير فاعلا و من استخرج قوة انفعاله يصير منفعلا فتدبر حتي تقف علي المراد ان شاء الله و هذا الامر جارٍ من الدرّة الي الذرّة الا ان في الاعالي القوة الفاعلية اقوي و في الاسافل القوة الانفعالية مع ان الامرين كليهما جاريان في الكل فان كل شئ فاعل بالنسبة الي الاسفل منفعل بالنسبة الي الاعلي و قد يكون فاعلا و منفعلا بالنسبة الي المساوق و اذا عرفت الوجه فيه تعرف ذلك بلا اشكال و لايلزم من ذلك نقص ابدا ثمّ ان القوة الفاعلة و المنفعلة تنقسم الي اقسام بحسب حال الشئ و قد فصّل الآخوند (ره) تفاصيل في المقام لايحتاج الي ذكر جميعها و بعد معرفة اصل المسألة يعرف الانسان بطبعه كلها و من باب المذاكرة في الجملة اقول علي نحو الاجمال ان الشئ المركب الذي تكلّمنا فيه ان كان من اهل الشعور و الفهم بان خرج من كمونه النفس الملكوتية و العقل [ص 308] الجبروتي يكون قويا علي الفعل و الانفعال بالشعور و الاختيار فيفعل ما يفعل شاعرا مختارا و ينفعل هكذا و ان لميبلغ هذا المبلغ بل صار حيّا مريدا في الجملة كالحيوان يصير قويّا علي فعل و انفعال بادراك و ارادة جزئية و اختيار جزئي و ان لميخرج من كمونه الحيوة بل حصل له صورة ما يصير قويا بالطبع كالنباتات و الجمادات و غيرها من البرازخ التي لمتبلغ درجة الحيوة فان افعالها طبيعية ، قال الآخوند رحمه الله قوة الفاعل قد تكون مع شعور و ارادة و قد لاتكون و كل واحدة تنقسم اقساما و قوة المنفعل ايضا قد تكون في الاجسام و قد تكون في الارواح و كل منهما قد تكون مهيئة نحو القبول دون الحفظ كالماء يقبل الشكل و لايقبل الامساك و قد تكون قوة عليهما كالشمعة و الارض و ايضا قد يكون قوة الشئ المنفعل علي امر واحد كقوة الفلك علي الحركة الوضعية او امور محدودة كقوة الحيوان او امور غير متناهية بل جميع الامور كقوة الهيولي الاولي و كذا قوة الفاعل يجوز ان تكون محدودة علي امر واحد و قد تكون علي امور كثيرة محدودة كقوة المختارين علي ما يختارونه و قد يكون علي جميع الامور كالقوّة الالهية انه علي كل شئ قدير ثمّ كرّر التقسيم و قال القوة اما ان يصدر عنها فعل واحد او افعال مختلفة و كلا القسمين يقعان علي قسمين آخرين فانه اِما ان يكون لها بذلك الفعل شعور او لايكون فحصل من هذا التقسيم اربعة اقسام : الاول القوة التي يصدر عنها فعل واحد من غير ان يكون لها به شعور و ذلك علي قسمين فانها اِما ان تكون صورة مقومة و اما ان لاتكون كذلك بل تكون عرضا فان كانت صورة مقومة فاِما ان تكون في الاجسام البسيطة فتسمّي طبيعة مثل النارية او المائية و اما ان تكون في الاجسام المركبة فتسمّي صورة نوعية لذلك المركب مثل الطبيعة المبردة التي في الافيون و المسخنة في الفرفيون و اما ان كان عرضا فذلك مثل الحرارة و البرودة القسم الثاني القوة التي تصدر منها [ص 309] افعال مختلفة من غير ان يكون لها شعور بها فذلك مثل القوي النباتية القسم الثالث القوة التي يصدر عنها فعل واحد علي سنة واحدة مع الشعور بذلك الفعل و ذلك هو النفس الفلكية القسم الرابع القوة التي يصدر عنها افعال مختلفة مع الشعور بتلك الافعال و ذلك هي القدرة الموجودة في الحيوانات ، اقول ان هذه اقوال بعضها خارج عن التحقيق و بعضها باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و بعضها كلام قليل الجدوي و لست بصدد تفصيل الكلام و بعد ما بيّنت من حقيقة القوة يظهر الامر في جميعها و لكن لا بدّ من كشف الحق في بيانه في شأن قوة الله اذ عدّها من سنخ القوي الفاعلية و بيان ذلك يقتضي رسم فصل خاص .