فصل - اذا عرفت ان المؤثر مؤثر بتأثيره فاعلم ان التأثير بمعني ترك الاثر و هو فعل من الفاعل و الفعل كمال الفاعل فانه ما ينبأ عن حركة المسمّي و الحركة هي الكمال الاول فالفعل هو الكمال الاول و هو قائم بمؤثره لا بنفسه فاذا اقبل المؤثر الي فعله يكون قائما ثابتا و اذا اعرض عنه يفني لا محالة و لايقوم لانه اثره و الاثر قائم بمؤثره و لا تجوهر له من نفسه بل وجوده من مؤثره و له و ان اثبتنا له حقيقة احيانا نقول انها حقيقة بعد حقيقة و ذلك لانا نجد له وجودا ظليّا من مؤثره و ليس حكمه حكم ساير الاعراض التي تعرض الجواهر كالسواد العارض للجسم مثلا فقلنا انه حقيقة و مع ذلك وجدناه فانيا جنب المؤثر حتي ان وجوده له قلنا انه حقيقة بعد الحقيقة و لكنها مع ذلك وصف بلا شك فاذا اقبل المؤثر اليه يكون ثابتا و اذا اعرض عنه يكون فانيا فلايبقي له وجود في مقام و المؤثر مؤثر مع وجود تأثيره علي ما عرفت فاذا اعرض عن فعله الذي هو التأثير لايسمّي مؤثرا ابدا و ذلك في عالم الزمان مشهود لامكان زوال الاثر و اعراض المؤثر ان كان زمانيا و لكن الاشكال و الداء العضال في معرفة حقيقة الامر في المؤثرات الدهرية و السرمدية فاعلم انها بذواتها ثابتة قائمة ابدا دهريا و سرمديا و لاتزول في الدهر و السرمد و آثارها [ص 259] ايضا ثابتة دونها ببقائها اذ لاتتغير حالاتها فلايمضي عليها وقت لميكن لها اثر و لكنك بالنظر يمكنك ان تلتفت الي الذوات من دون الالتفات الي الآثار و الي الآثار من دون الالتفات اليها و اليها فيها فاذا نظرت الي الذوات و لمتلتفت اليها تراها عالية عن التأثير فحينئذ لاتسمّيها باسم المؤثر و لكن اذا نظرت اليها في الآثار تسمّيها باسم المؤثر ، مثال ذلك زيد مثلا و علمه فانه بنفسه مولود سرمدي و علمه اثره و فعله و هو ليس من الزمان بل هو وصف دهري يكون معه في الآخرة ايضا و لكنك قد تلتفت الي زيد من دون الالتفات الي علمه فلاتسمّيه عالما و قد تلتفت الي زيد الظاهر في العلم فتسميه عالما و كذلك الجسم فانه دهري و تأثيراته ايضا دهرية و ان كانت دونه في الدرجة و هي قائمة به بل هي لازمته و الجسم لايكون بلا فعل ابدا و لكنك ربما تري الجسم من دون الالتفات الي فعله فلاتسمّيه مؤثرا و قد تلتفت الي التأثير و تري الجسم فيه فتسمّيه مؤثرا فافهم .
فصل - قد ثبت في الحكمة ان الفعل فعل حين الصدور مع الصدور و بعد الصدور مصدر اما في الزمانيات العرضية فذلك ظاهر و في الدهريات ايضا يظهر بادني تأمل فاما في الزمانيات فانظر الي زيد في بدنه اذا ضرب عمرا فان فعله حركة يده و الحركة تدوم و تبقي بتحريك زيد فما دام تحريكه يده تكون متحركة و اذا لميحرّكها لايبقي بعد حركة فحركة يده حين صدورها منه تكون باقية و بعد الصدور تسكن يده لا محالة و الحركة فعله فالفعل حين الصدور فعل و بعد ما صدر من زيد و وقع علي غيره لايكون فعل ابدا بل الباقي هو المصدر الذي هو المفعول فضرب الفعلي هو ثابت حين صدوره من زيد و اما بعده فليس فعل بل هو مصدر و ذلك ان الفعل من زيد مثل الضوء من السراج فانه بنفسه لايبقي و لا وجود له بل هو بنفسه فضل وجود السراج و وجوده من وجود السراج فاذا افاض اليه يكون باقيا و اذا لميفض يفني البتة و كذلك الفعل من [ص 260] كل فاعل ففي السراج اشراقه و في زيد حركته مثلا فالفعل حين صدوره فعل و اما بعد صدوره فلا فعل و لكن الباقي هو المصدر علي ما سيجيء ان شاء الله فظهور الفعل بعد صدوره في المصدر لا غير و لذلك اختاروا للفعل اسم المصدر اذ لا علامة له سواه و لا اسم و لا وصف غيره فالفعل في الحقيقة فعل في المصدر و ذلك قوله عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه فان المراد هو المفعول الحقيقي لا المفعول به كما هو ظاهر فالارادة و ان كانت فعلا الا ان ظهورها في المصدر و لذا وضع لها ايضا لفظ المصدر و كذلك المشية و بالجملة اذا عرفت المثال في الزمانيات اقول كذلك الامر في الدهريات و السرمديات و الفرق ان في عرصة الزمان يكون كل ذلك عرضيا موقتا بالاوقات الزمانية و في الدهر لايكون الامر هكذا بل كما عرفت ان مقام الفعل دون الذات ثابت قائم كذلك نقول ان اثره اي مصدره ايضا ثابت دون الفعل و مثال ذلك يظهر في الآفاق و الانفس اما في الآفاق فالجسم المطلق و الاجسام الجزئية فان الجسم ذات منزهة عن المؤثرية و العليّة و قد تجلي بالجسم المطلق بشرط لا الذي هو فعله اي تأثيره و هو بنفسه لايقوم الا في المفعول الذي هو الاجسام الجزئية و الا فلايقوم الجسم المطلق بشرط لا وحده فانت اذا اردت ملاحظة كل منها منفردة فاقطع نظرك مرّة عن جميع ما سوي الجسم لابشرط و لاحظه لا في شئ و لا علي شئ و لا بشئ و لا من شئ بلا كمّ و لا كيف فانت حينئذ ناظر الي الحقيقة و الذات و انظر مرّة الي الاجسام و لك حينئذ نظران فمرّة تراها من حيث صدورها من الجسم فتري جسما كليا غير مقيد بقيد و لا متعين بعين و لا متشخص بشخصية فتري الفعل بنظرك هذا حين صدوره من الجسم اذ هو دايما في حال الصدور و مرّة تري افراد الجسم المطلق و آياته و ظهوراته فهي حينئذ مفعولاته و هي الآثار فالكل ثابت قائم و انت تري كلا في مقامه فقولنا ان الفعل حين الصدور فعل [ص 261] و بعده مفعول ، يفهم في المقام بمعرفة الاحيان الدهرية و القبلية و البعدية الدهرية و قد قلنا انها رتبية و كذلك الامر في السرمديات و اما في الانفس فيظهر لك المثل بادني تأمل فانك اذا نظرت الي صفات زيد بملاحظة صدورها منه تري فعله و اذا نظرت اليها في مقاماتها تريٰها مفاعيله و جميعها باقية ثابتة لزيد دائما تحشر معه و يثاب و يعاقب بها و من يعمل مثقال ذرّة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرّة شرا يره انما هي اعمالكم تردّ اليكم و فهم ذلك عسير علي العامة غير يسير و سيجيء بعد في المعاد بيانه ان شاء الله .
فصل - في معرفة المؤثر ، اعلم اولا ان الاشياء علي ثلثة اقسام : كامل و تام و ناقص اما الكامل ففي المعيار ان الكمال يستعمل في الذوات و الصفات يقال كمل الشئ اذا تمت اجزاؤه و فلان كمل محاسنه ، الي ان قال : و اَكْمَلَهُ اكمالا اتمّه و اجمله و اما التام فقال فيه انه ضدّ الناقص و قال في معني نقص ذهب منه شئ بعد تمامه هذا في اللغة ، و اما في الاصطلاح فالكامل من يكون في وجوده تاما غير محتاج الي غيره و له فضل وجود يستفيض منه غيره و التام هو الذي يكون في وجوده تاما و ليس له فضل وجود يفيض الي غيره بل هو يمسك نفسه فقط و اما الناقص فهو الذي لايقدر علي استمساك نفسه فضلا من غيره و يحتاج في وجوده الي غيره و مثال الاول الشعلة فانها كاملة في نورها و ضوئها مفيضة الي غيرها و مثال الثاني الجمرة التي لها من النور بقدر ان تري نفسها و لاتري غيرها و مثال الثالث الفحمة السوداء المظلمة فانها بنفسها مظلمة تحتاج الي ضيء ليوضحها و يظهرها لغيرها فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الكمال و التمام و النقص بحسب الفعلية و اما القوة فثابتة لكل شئ فان الله سبحانه خلق جميع الاكوان و الاعيان من الامكان و هو صالح لكل شئ في الخلق الاول بل كل قطرة من قطراته صالحة لكل شئ و قد اخذ الله من الامكان حصصا باختلاف الدرجات و المقامات و صوّرها بصور مختلفة و هي الصور الثابتة قبل [ص 262] تكوّنها في علمه تعالي و قد اخذ قبضات الامكان و جعلها مواجهة للصور العلمية و ظهر منها عكوس في مرايا القوابل بحسبها و ذلك ما ورد ان الله سبحانه خلقها علي ما علمها و علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها ، و احاديث المسألة متعددة رويتها في كتاب المبين ثمّ لا شك ان الصور العلمية تظهر علي قبضات الامكان من كمونها علي حسبها فكل قبضة لطيفة صافية يستخرج منها صورة لطيفة صافية و ما هو بخلاف ذلك فبعكسها و ذلك ما يقال من لزوم المناسبة بين المواد و الصور و محال في الحكمة ان يحكي المادة الكثيفة للصورة اللطيفة و بالعكس و يشهد بذلك الكتاب و السنة فاذا كانت المادة صالحة صافية معتدلة ينعكس فيها صورة كاملة من خزينة العلم و قد قال الله تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزّله الا بقدر معلوم اي معلوم له تعالي و لا شك ان الصور الملقاة هي حروف علم الله تعالي النازلة من عنده من غاية القرب فهي في انفسها كاملة و بعد ما نزلت في المشية و الامكان صارت بالقوة فيها ثمّ استخرجت من الامكان بتقدير الله تعالي و هو يخرجها من الامكان ثانيا علي حسب قابلية الامكان و مثال ذلك و لله المثل الاعلي انك تعلم الحروف و الكلمات التي تكتبها قبل كتبها ثمّ تخرجها بعلمك من المداد و المستخرج علي حسب قابلية المداد لا محالة فاذا كان قوامه و جريانه و لونه في حدّ الاعتدال يكتب حروف معتدلة و الا فلا و كذلك اذا كان قابلية الامكان صالحة معتدلة و ساعد التقدير يخرج منه صورة كاملة و ان كانت بخلاف ذلك يخرج صورة منحرفة فاذا صارت الصورة معتدلة كاملة تصير فاعلة مؤثرة و الا فلا و ذلك سرّ تأثير بعض الاشياء و عدم التأثير و الشئ يسمّي بالكامل و التام و الناقص بحسب ما ذكرنا فالكامل هو فعلية كاملة و هو المؤثر لان له فضل وجود و يسطع منه الانوار و يظهر منه قدرة الجبار و الناقص هو الناقص في فعليته و ذلك بغلبة جهة الامكان الذي هو تمام النقص فافهم ذلك و اعلم انك لاتكاد تعرف حقيقة [ص 263] المسألة حتي تضمّ جميع بياناتي بعضها الي بعض .
فصل - اعلم ان المؤثر الحقيقي هو الله تبارك و تعالي فانه الفاعل وحده لا شريك له و لا وكيل له و لا وزير و لا معين بل هو هو وحده وحده الفاعل لما يشاء بما يشاء قال عليه السلام في الربوبية العظمي و الالهية الكبري لايكوّن الشئ لا من شئ الا الله و لايغيّر الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله ، و التكوين لا من شئ هو التأثير فالمكوّن هو الله تعالي و ذلك مسلّم و قد اثبتته في توحيد الافعال و ان شئت فراجع و لكنه تعالي ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها لحكمة اشرنا اليها في ما مضي مكررا فجعل لكل شئ سببا و السبب هو صاحب الفعلية الكاملة فان الله سبحانه جعله يده في فعل ما يشاء فالنار مثلا يده في الاضاءة و الاحراق و الماء يده في التبريد لا ان صاحبي الفعليات مؤثرات و فواعل في الحقيقة و الواقع فالمحرق هو الله و المضيء هو الله و هو الفاعل مطلقا الا ان له يدا بل ايادي في فعل ما يشاء كما يشاء و اليد العليا المحركة لساير الايادي هي آلمحمد عليهم السلام لانه قد ثبت في الحكمة انهم اول ما خلق الله و قد اشبعنا القول في ذلك سابقا و علي نحو الاشارة نقول ان يد المؤثر سابقة علي جميع الآثار فان اليد ما به يوجد الاثر و ما كان في عرض الاثر او دونه لايصير سبب ايجاده فهو سابق عليه مع انه غير الذات البحت البات و سابق الخلق آلمحمد عليهم السلام و هم الذين خلقهم الله قبل كل شئ فبهم خلق الله كل شئ و لذلك قال عليه السلام نحن سبب خلق الخلق و في الزيارة و ان من شئ لنا الا و انتم له السبب و قال عليه السلام نحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا ، و ذلك من باب ملاحظة محل ظهور الاثر الاتري انك مرّة تنسب الكتب الي نفسك و مرّة تنسبه الي يدك و تقول خط يدي و من هذا الباب مرّة تقول ان الله المؤثر و الفاعل و مرّة تقول انهم الصانعون و نظير ذلك في كتاب الله كثير الاتري انه تعالي يقول الله يتوفي الانفس [ص 264] حين موتها و ذلك حق لا ريب فيه فانه يحيي و يميت لا غير و مرّة يقول قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكّل بكم و هذا ايضا حق و لايعارض الآية الاولي و ذلك من باب ان ملك الموت يد الله في الاماتة و مرّة يقول توفته رسلنا و ذلك ايضا حق فان الرسل اياديه اي رسل الرب من الملئكة و هم الذين وكلوا بالخلق و قال في آية اخري تتوفاهم الملئكة و ذلك ايضا حق لا ريب فيه و بالجملة لا شك و لا ريب في ان الفاعل هو الله تعالي لا غير و لكن قد ينسب الفعل الي الوسايط و من هذا الباب ينسب الفعل الي الله مرّة و الي آلمحمد اخري فنقول انهم المؤثرون و الفاعلون افهم ذلك فانه دقيق فعلي ذلك نقول ان الله هو المؤثر و لكن ظهور مؤثريته في حقيقتهم و حقيقتهم مؤثرة في التأثير اي في نورهم و شعاعهم لما مرّ منّا ان المؤثر مؤثر في تأثيره لا بذاته فان الذات تتنزه عن كل اسم و وصف كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا المعني الذي لايقع عليَّ اسم و لا شبه و قال في خبر ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ، فذاتهم صلوات الله عليهم تتنزه عن كل اسم حتي المؤثرية و لكن بعد تجليها بفعلها الذي هو تأثيرها تسمّي بالمؤثر و فعلها فعل الله الاتري الي قوله عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد و في زيارة آل يس المعروفة المشهورة و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم ، فتدبر حتي تقف علي الاسرار المندرجة في هذه العبارات و يكفي ما ذكرناه في بيان المؤثر و سيتضح لك تمام المسألة في المبحث الثاني و الثالث ان شاء الله .
في بيان التأثير و حقيقته و فيه فصول :
فصل - اعلم ان التأثير في اللغة علي ما عرفت ترك الاثر اي البقية او العلامة و في الاصطلاح هو ايجاد ما لميكن لان الاثر موجود بايجاد المؤثر مادة و صورة و هو قد اوجده لا من شئ و لا بشئ و لا لشئ و لا في شئ و لا و لا ، بخلاف [ص 265] التكميل فانه في الاصطلاح ابراز ما قد كمن فهو خلق من شئ و يقال ان مجموع الملك مخلوق بالتأثير اي الكل بالنسبة الي الخالق آثاره و مقاماته و علاماته و قد خلقها لا من شئ كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الحمد لله الذي لا من شئ كان و لا من شئ كوّن ما كان مستشهد بحدوث الاشياء علي ازليته و بفطورها علي قدمته و قال ابوجعفر عليه السلام يا ابرهيم ان الله تبارك و تعالي لميزل عالما خلق الاشياء لا من شئ و من زعم ان الله عز و جل خلق الاشياء من شئ فقد كفر لانه لو كان ذلك الشئ الذي خلق منه الاشياء قديما معه في ازليته و هويته كان ذلك ازليا بل خلق الله عز و جل الاشياء كلها لا من شئ الحديث ، الي غير ذلك من الآثار و الاخبار و لست بصدد التفصيل و لكن مرادي الاجمال فمجموع الملك خلق بالتأثير من الله المؤثر به فيه علي ما مرّ ثمّ التأثير علي ما مرّ فعل المؤثر و كماله الصادر منه و ذلك ظاهر لا شك فيه و لكن الكلام في معرفة كيفية الصدور و سيظهر لك ان شاء الله حقيقة ذلك .
فصل - اعلم ان الله سبحانه كان قبل الكان و لميكن معه شئ مما كان احدا صمدا فردا لميكن له شريك يشاركه و لا قرين يؤانسه و لا وزير يوازره و قد خلق اول ما خلق مشيته من غير حركة بعد سكون و لا نطق بعد سكوت و لا رويّة يجيلها و لا فكر يستأنس بها و لا لعلة يلاحظها ترجع الي ذاته تعالي و لا لرفع وحشة من التفرد و لا جمع جنود يتقوي بها و لا لغير ذلك من الملاحظات و الجهات بل خلقها لا بشئ و لا من شئ و لا في شئ و لا لشئ بلا كيف و لايسأل عما يفعل و هم يسألون و لا كيف لفعله مطلقا كما لا كيف له و قد خلقها بنفسها لعدم علة سابقة عليها و ان قلت كيف خلقها بنفسها و لميخلقها بغيرها اقول امّا اوّلا فلا كيف لذلك و اما ثانيا فاقول ما ذلك الغير هل هو الذات او من الخلق فان قلت انه الذات اقول مرّ سابقا مفصلا ان الذات لاتصير علة [ص 266] خلقها فراجع و ان قلت انه من الخلق اقول مشاء او مشية فان كان مشية فهي هي و ان كان مشاءا فالمشاء معلول المشية فكيف يكون علة لها و المعلول الحقيقي لايكون علة لعلته الحقيقية و ذلك مسلّم بديهي فالمشية بنفسها علة نفسها و ان قلت ان الحادث بنفسه لايصير علة نفسه اقول ان ذلك في عرصة المشاءات المتخذة من الامكان و اما في المشية فلايجري هذه القاعدة فانها ليست حادثة بمعني الكون بعد العدم بل حدوثها سرمدي و هو صرف افتقارها الي الذات و فنائها في جنبها و عدم كونها معها فلا مانع من كونها مخلوقة بنفسها اذ هي باقية بها و نفسها علم الله بها و علمه ابدي ازلي لايزول فتدبر حتي تعرف حقيقة المسألة فالله سبحانه خلق المشية بها في مقامها لا بغيرها و لا كيفية للخلق بالنفس البتة اذ لايفرض عدم كونها حينا حتي تسأل كيف خلقت بل اقول لو كانت فانية في مقامها طرفة عين لماوجدت بعدها اذ نفسها علة كونها و لو فقدت لماكان لها علة غيرها و الفاقد لايصير واجدا بنفسه فافهم و اذا كان نفسها علتها فلا كيفية لمخلوقيتها نعم اذا عرفت فناءها في جنب الذات تعرف عبوديتها و قد بين الامام الرضا عليه السلام وجه صدور نور السراج منه من باب التمثيل تعرف به حقيقة صدور المشية من الله ان عرفته قال عمران اليس قد كان ساكتا قبل الخلق لاينطق ثم نطق قال الرضا عليه السلام لايكون السكوت الا عن نطق قبله و المثل في ذلك انه لايقال للسراج هو ساكت لاينطق و لايقال للسراج ليضيء فيما يريد ان يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون و انما هو ليس شئ غيره فلما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا حتي استضأنا به فبهذا تستبصر امرك الحديث ، و كذلك نقول في المقام ان المشية ليست من الله بحركة منه بعد سكون و لا نطق بعد سكوت و ليس مشيته حركة صادرة منه بل لما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا و استضأنا بها فان عرفت المطلب مع هذا التكرير فانت انت و اذا عرفت ذلك تعرف ما نحن بصدده فان المشية [ص 267] من الله تأثيره فتأثير المؤثر مخلوقة بنفسه اي بنفس التأثير و ذلك نوره الساطع من وجهه من حيث الانارة و تمييز ذلك مشكل جدا فان بين النور و الانارة تفاوت و التفاوت بملاحظة حال الصدور و بعده و سيظهر تمام البيان بعد ان شاء الله فترقب و الامر في جميع المؤثرات علي هذا النحو ، ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ، الا ان ساير المؤثرات فعلهم لربهم بمشيته و بحوله و قوته و اما كيفية الصدور فواحدة فان زيدا مثلا هو الفاعل المؤثر و فعله ليس من ذاته بحركة و نطق بل فعله صنعه صنعه في مقامه بنفسه بلا كيف و هو صرف اشراقه علي صفاته و اسمائه و يعبّر عنه بارادته و كذلك الامر في اشراق الشمس و السراج علي ما مرّ في الخبر في صفة اضاءة السراج و علي هذا فقس ما سواه .
فصل - اعلم ان التأثير هو الفعل علي ما عرفت و هو بنفسه لايكاد يظهر الا في الاثر علي ما عرفت سابقا و قد صعب معرفة ذلك علي الناس لعدم فرقهم بين التأثير و التكميل اذ ربما يرون فعل الفاعل منفصلا عن المتكمل و يزعمون ان المتكمل هو الاثر او الكمال الظاهر فيه هو الاثر و يزعمون بذلك انفصال الاثر عن المؤثر و التأثير كما يرون ان البنّاء يبني بيتا و هو يبقي بعده و يزعمون ان اثره الذي هو فعله عين البيت الذي بناه و ليس الامر هكذا بل اثره حركة يده و هي باقية ببقائه فانية بفنائه و هذا الاثر من حيث الصدور منه فعله و تري عيانا ان الاثر من حيث الصدور لاينفصل من حيث نفسه ايضا عن مؤثره لانه شئ واحد مركب من حيثين حيث صدور من مؤثره و حيث انيته و عبوديته و مثال ذلك يظهر لك من الشعلة و صدورها من النار الغيبية فان نفس الضوء المرئي هو نور النار و صدوره منها بنفس اشتعاله و الاشتعال نفس الضوء و ليس فعل النار فيها بحركة غير نفس الضوء ، افهم ذلك فانه دقيق فالشعلة اذا نظرت اليها من حيث صدورها من النار تقول انها فعلها و اذا نظرت اليها [ص 268] من حيث نفس الشعلة المرئية تقول انها نور النار و لاتزعم من ذلك ان الفعل امر اعتباري و ليس ثَمّ الا المؤثر كما زعمه جماعة بل اقول ان التأثير امر وجودي و هو اعلي مرتبة الاثر و برهان ذلك خارج من الجدل و لكن من باب التوضيح اقول ان ابيت ان الفعل نفس النور فماذا يكون هل هو ذات المنير او غيرها فان قلت انه ذاته فذاته منزهة عن ذلك مع ان الفعل عرض و الذات خارجة عن حدّ العرض و من قال بان الارادة ذاتية لميعرف حقيقة المسألة مع ظهورها و قد اشبعنا القول في ردّه فيما مضي فراجع و ان قلت ان الفعل غير ذات المنير فليس ثَمّ الا النور و لا برزخ بينهما فثبت ان الفعل هو النور لا غير فنفس الشعلة فعل النار لا غير و كذلك نقول في نور الشعلة ان الضوء النافذ منها في ساير الاجسام نورها و هو صادر منها باِنارتها و نفس شروقها انارتها و الا فليس للسراج حركة و لا ارادة اذ ليس ثمّ الا السراج و ضوؤه افهم ذلك و ان عرفت ذلك تعرف معني الصدور بلا كيف فنقول كما قال الامام عليه السلام لما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا حتي استضأنا به ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان فعل المؤثر لايوجد الا في اثره و لذلك نقول ان الاثر مخلوق بنفسه و هو مركب من حيث فعل و انفعال و اذا عرفت ما مضي منا سابقا تعرف ان المؤثر ايضا ظهوره في الاثر و لايري في غيره لانا قلنا ان المؤثر هو الذات الظاهرة بالتأثير و التأثير قلنا ظهوره في الاثر لا غير فالمؤثر مؤثر في الاثر لا غير فتدبر .
فصل - لما وصل الكلام الي هنا احببت ان اذكر تعريف الجعل و ما يتعلق به فان بعض الحكماء قد افرد بيانه و فصّل القول فيه و قد سبق في بيان مجعولية الماهية شطر من البيان فاقول ان الجعل في اللغة يستعمل في معان قال صاحب المعيار جَعَلَهُ بالعين المهملة كنَفَعَ و المصدر كفَلْس و قُفْل و سَحابة و كِتابة و مقعد : صَنَعَهُ كاجْتَعَلَهُ علي افتعل و الفاعل جاعل و المفعول مجعول ، و الشئَ جَعْلا كفلس : وَضَعَهُ ، و الشئَ بعضه فوق بعض : اَلْقٰاهُ ، و القبيحَ حسَنا : صيّره ، الي ان [ص 269] قال : و بمعني خَلَقَ نحو و جعل الظلمات و النور و يكون بمعني التشريف نحو جعلناكم امة وسطا ، و جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ، و بمعني التبديل نحو و جعلنا عاليها سافلها ، و بمعني الحكم الشرعي نحو جعل الصلوات المفروضات خمسا ، و بمعني التحكّم البدعي نحو الذين جعلوا القرآن عضين ، و بمعني النسبة نحو جعلت زيدا اخاه ، اذا نسبته و قد تكون لازمة و حينئذ تكون من افعال المقاربة كقوله :
و قد جعلت اذا ما قمت يثقلني ثوبي فانهض نهض الشارب الثمل
هذا في اللغة و اما في اصطلاح اهل الحكمة فيستعمل في معانٍ و اروي عين عبارة شيخنا محض التيمن و التبرك بها قال اعلي الله مقامه في فوايده بعد ما ذكر الاصطلاحات في المشية و الارادة و القدر و القضاء و ساير الالفاظ : ثمّ اعلم ان الجعل قد يستعمل في المراتب الاربعة فيطلق علي كل مرتبة استعمل فيها لغة و يجري حكمه في كل مرتبة بما لها و كثيرا مّا يستعمل في ايجاد اللوازم لملزوماتها قال الله تعالي الحمد لله الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور لايجاده النور من المنير و الظلمة من نفس النور من حيث هو و يتميّز عن تلك المراتب اذا استعمل مع احدها كما في الآية الشريفة و يستعمل للتصيير و القلب لشئ الي شئ آخر و حكمه في الاستعمالات الثلثة حكم ما تقدّم من الافعال في مراتبها حرفا بحرف ، انتهي موضع المقصود من كلامه علا مقامه و الفرق بين المعني اللغوي و الاصطلاحي قليل بل لا فرق في الحقيقة لانه في اللغة في احد صروفه بمعني خَلَقَ و خلق يستعمل في مقام المشية و الارادة و التقدير و القضاء و في احد صروفه بمعني التبديل و هو القلب المذكور و في احد الوجوه بمعني صيّر و هو ايضا من المعاني اللغوية ثمّ انهم قد قسّموا الجعل الي بسيط و مركب ، قال الآخوند (ره) في الاسفار الجعل اِما بسيط و هو افاضة نفس الشئ متعلق بذاته مقدس عن شوب تركيب [ص 270] و اِما مؤلف و هو جعل الشئ شيئا و تصييره ايّاه و الاثر المترتب عليه هو مفاد الهيئة التركيبية الحملية فيستدعي طرفين مجعولا و مجعولا اليه و قال السبزواري في حاشيته : و بعبارة اخري الجعل البسيط ما يقال له في العربية الجعل المتعدي لواحد كقوله تعالي جاعل الظلمات و النور و الجعل المؤلف الجعل المتعدي لاثنين و بعبارة اخري الجعل البسيط ما يكون متعلقه الوجود المحمولي الذي هو مفاد كان التامة و المركب ما يكون متعلقه الرابط الذي هو مفاد كان الناقصة فانقسام الجعل الي قسمين حسب انقسام الوجود الي قسمين و هذا يرشدك الي مجعولية الوجود ، اقول حاصل المطلب ان الجعل المتعلق بحقيقة الشئ من دون ملاحظة شئ آخر معها من نسبة و اضافة و تركيب جعل بسيط و ذلك لبساطة المجعول عندهم اذ هو الوجود من دون الماهية اذ يقولون بعدم مجعوليتها بجعل خاص و بساطة العلة مقتضية لبساطة المعلول و بالعكس فلايمكن ان يجعل بالجعل البسيط شئ مركب و ان كان متعلقه شيئا كأن يجعل الطين خزفا و امثال ذلك يكون الجعل مركبا لتركب متعلقه علي زعمهم و مثّلوا لهما بالتصور و التصديق فان التصور نفس حصول الشئ في الذهن من دون ملاحظة نسبة يلزمها النظر الي شيئين و ملاحظة النسبة و التصديق يستلزم تصور شيئين مثلا ثم ملاحظة الحكم ، هذا قولهم علي نحو الاجمال و هو قول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل لجهات : منها انا نقول ان الجعل فعل لله سبحانه و فعله خلقه و هو مشيته و المشية مركبة و لاتكون بسيطة بنص قول الرضا عليه السلام ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، فالجعل مركب لا بسيط و العقل السليم يشهد بذلك و قد ظهر لك ذلك من بياناتي في هذه الرسالة ان شاء الله و لانحتاج الي الاعادة و منها ان الجعل الواحد لايتعلق بشيئين ابدا بل كل شئ مجعول بجعل خاص و ذلك امر مشهود يعرفه الفطرة السليمة و النسبة ايضا امر ثالث و هو ايضا مجعول [ص 271] بجعل آخر بنص الله سبحانه في كتابه و صريح اخبار آلمحمد عليهم السلام اما الآيات فكثيرة ظاهرة لمن نظر في القرآن بالاعتبار و اما الاخبار فمنها عن ابيالحسن الاول عليه السلام لايكون شئ في السموات و الارض الا بسبعة بقضاء و قدر و ارادة و مشية و كتاب و اجل و اذن فمن قال غير هذا فقد كذب علي الله او ردّ علي الله و عن ابيجعفر عليه السلام مثله بادني تفاوت و في آخره فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة منها فقد كفر ، فكل شئ مخلوق بفعل خاص نعم الفعل من حيث صدوره واحد غير بسيط فان البسيط هو الاحد و له رؤس بعدد خلق الله و سيأتي بيان ذلك في علم البدأ ان شاء الله و ذلك لاينافي تعدد الجعل كما ان المجعولات ايضا عديدة مع انها من اصل واحد هو الامكان فاتحاد المادة النوعية ليس سبب اتحاد الاشخاص و كذلك الجعل متعدد مع ان الجميع من اصل واحد فلكل شئ جعل خاص و نستدل علي ذلك بالعقل بان الجعل علة لخلق الشئ و قد مرّ ان علة كل شئ اعلي درجته و ان ابيت ذلك اقول ان علة كل شئ تناسبه و الشيئان يخالفان لا محالة و لو من جهة فالعلة الواحدة لاتصير علة كليهما فلكل شئ علة خاصة و اجتماع علتين لمعلولين اجتمعا في مقام لايصير سبب اتحاد الجعلين و تركيبهما مع انهم لميريدوا من الجعل المركب جعلين بل الظاهر من كلامهم انه جعل ذو جزئين هذا و نقول ان متعلق الجعل في المثال في هذه المقامات ايضا لايتفاوت مع النفس بل الكل واحد و لكن وجه الاشتباه ان المجعول ربما يظهر في شيئين و اشياء فيزعمون ان متعلق الجعل اثنان ، مثال ذلك ان الله سبحانه خلق الانسان من تراب مثلا فيزعمون ان جعله قد تعلق بشيئين و لكن ليس الامر هكذا بل تعلّق الجعل بالتصوير و هو ايضا امر واحد و ان كان التصرف في التراب هذا و المراد المسامحة و الا فكل الجعل مركب علي ما ذكرنا و منها قولهم ان الجعل البسيط متعلق بنفس الشئ و يظهر من [ص 272] ذلك ان النفس عندهم بسيطة و بعضهم يقول انه متعلق بالوجود و يزعمون انه بسيط و ذلك ايضا خطاء آخر لانك قد عرفت ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته و كل شئ مركب فالنفس ايضا مركبة و الاعراض مركبة الا ان تركيب كل شئ بحسبه فتدبر فهذا التقسيم بهذا الوجه خطاء صرف و لو قسّموا الجعل الي تأثير و تكميل اي الخلق من شئ و خلق لا من شئ لكان حسنا و ان الجعل الاول بمعني المشية الكونية و الثاني بمعني المشية الشرعية او الاول بمعني المشية و الثاني بمعني التصيير ، فافهم ذلك ان شاء الله ثم اعلم ان لهم اقوالا اخر في متعلق الجعل ما هو هل هو الوجود او الماهية او ايجاد الماهية و قد ذكرنا سابقا في مجعولية الماهية بقدر الكفاية و لا حاجة الي تطويل الكلام بلا طايل .
فصل - اعلم ان للمؤثر في آثاره فعلين فعل تكوين و فعل تصريف و تغيير و ذلك مشهود فان المؤثر اوّلا يخلق الاثر اي يكوّنه لا من شئ و لا بشئ كما مرّ سابقا ثمّ من بعد اتمام خلقه يؤثر في كل اثر بما يشاء من آثاره و يفعل ما يشاء بما يشاء من انواع التكميل و سيجيء بيانه بعد و هذا فعل تصريف و تغيير و علي اصطلاح القوم جعل مركب فالاول يسمّي بالتكوين و الثاني بالتشريع فحاصل الكلام كلية ان ما يفعله بغير واسطة و سبب بل بالتجلي المطلق يسمّي تكوينا و ما يحدث بعد ذلك من الافعال بالاسباب و العلل الخلقية يسمّي تشريعا و مثال ذلك انه تعالي خلق العالم اوّلا بدون وساطة مخلوق آخر اذ الغرض انه لا مخلوق و العلل و الاسباب كلها من الخلق بل تجلي اليها و وضع كل شئ في موضعه ثمّ ادار الافلاك علي الارض فخلق المواليد من بينهما و صوّرها علي ما شاء و الخلق الاول هو مرّة واحدة و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و الخلق الثاني هو في مقام قوله كل يوم هو في شأن و روي فيه في احداث بديع لميكن [ص 273] و روي ان يغفر ذنبا و يفرّج كربا و يرفع قوما و يضع آخرين و هذا مقام المحو و الاثبات و الخلق الاول بالتأثير و الخلق الثاني بالتكميل و سيجيء بيانه ان شاء الله .
في الاثر و فيه فصول :
فصل - الاثر بظاهر اللغة البقية و العلامة علي ما مرّ سابقا و في اَلسنة تلامذة مشايخنا اعلي الله مقامهم يستعمل علي شعاع كل منير و افراد كل مطلق و قد يضرب له الامثال بانوار الشمس و القمر و السراج و افعال العباد و اعمالهم و صنايعهم و امثال ذلك و حاصل الكلمات ان الاثر ظهور المؤثر و كماله و وصفه و آيته و علامته و الاسماء عديدة و لكن درك حقيقته لايخلو عن صعوبة و نعم ما عبّر به عنه ابي اعلي الله مقامه في بعض بياناته قال بل هو ظل مستقرّ و نور مستطير من مليك مقتدر و هو كمال قديم ازلي و ظل قويم ابدي و وصف دايم و نور قائم لمينته الي مؤثره و لمينته مؤثره اليه اذ المؤثر احد و الاثر هو وصف الاحدية و لميكن المؤثر منتهيا اليه بوجه من الوجوه و حيث من الحيوث فهو اذ ذاك مؤثر احدي لا ذكر لغيره معه فلا غير ابدا و الاثر اذ ذاك اثر و ليس بمؤثر ابدا فان رأيت الذات فلا شئ الا الذات البحت البات و ان رأيت الصفات فلا شئ فيها الا الصفات و ليس فوق هذا البيان الا الكشف و التصريح ، الي ان قال اعلي الله مقامه : فالاثر هو كمال الكامل و لميكن المؤثر الا و هو كامل لانه احد غير محدود فلاينتهي الي كينونته و لا امكان الاثر و لا الي كونه و لا الي عينه و لا الي ذاته و لا الي صفته و لا الي عكوساته و اشباحه نافذ باحديته في جميع امكنة وجودية اثره طاوٍ بوحدانيته لجميع كينونته و حالاته نفوذا و طيّا لا نهاية لهما و لا غاية علي معني امتناع الاثر معه و امتناعه مع الاثر و هو معه اينما كان معيّة لا نهاية لها و هي ذلك الطي المشار اليه فليس بكل خلقه و لا كل خلقه ايّاه لامتناع احدهما في الآخر و ليس بحالّ [ص 274] في اثره و لا اثره حالّا فيه و ليس بمتحد مع اثره و لا اثره متحدا معه اذ جميع ذلك يقتضي ذكر احدهما في الآخر و ماعرف الاحد من ذكر معه حدّا نعوذ بالله فماعرف الله من قرنه و لا حقيقته اصاب من ذكر معه غيره لا بمعني انه يكون معه غيره و لاينبغي النظر اليه نعوذ بالله بل بمعني امتناع الغير معه ذهنا و خارجا ، الي ان قال بعد كلام في تنزيه الله : و انما الاثر حقيقة يقع علي ما يحدثه الذات بفعلها بالنسبة الي فعلها فهي مؤثرة بفعلها و ينتهي الاثر الي فعلها و يشابه هيئته ، انتهي كلامه علا مقامه و هو بعد كلام ساداته فوق كلمات الناس و ليس فوقه كلام فافهمه ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و لا بد لنا من ذكر بعض خواص الاثر حتي تعرفه و تميّزه عن غيره .
فصل - اعلم ان الاثر هو ظهور المؤثر و آيته علي ما عرفت و الظهور و الآية للشئ ليس في صقعه و عرضه فهو دونه بمرتبة لا محالة فكل شيئين تراهما من صقع واحد اي يجمعهما مادة واحدة كلية ليس بينهما اثرية و مؤثرية فان الاثر دون المؤثر بمادته و صورته و هو قد اوجده في مقامه بمادته و صورته فان الحجر المقيّد الخاص مثلا ليس في عرض الجسم بل الجسم دهري خلقه الله من عناصر سرمدية و الحجر مادته شعاع الجسم و كذلك صورته فالحجر بمادته و صورته قائم بالجسم و الجسم علة وجوده بل الجسم اوجده في مقامه بمادته و صورته فكيف يصاقعه او يقوم معه في حيّزه او يماثله حاشا و كلا و اذا كان موجودا بايجاد المؤثر فوجوده قائم بمؤثره قيام صدور و كل شئ يقوم بشئ قيام صدور يكون وجوده قائما بايجاده ثابتا بفيضه فاذا امدّه من عنده يبقي و الا يفني و لايحتاج في وجوده الي غير مؤثره كنور السراج بالنسبة اليه فان السراج هو باعثه و مقيمه و هو في وجوده و بقائه لايحتاج الي غير السراج ابدا و ما تري من قيام له بمواد جسمانية غليظة كمرآة او جدار فذلك لظهوره لغيره لا لوجوده فانّ نور السراج ساطع منه باقٍ ببقائه سواءا كان مرآة يظهر [ص 275] فيها ام لا ، نعم اذا لميكن مرآة لايظهر لنا مع انه موجود فقيامه بالمرآة قيام ظهور و اذا كان قيامه بمؤثره مستغنيا به عن غيره و منه يستمد في جميع حالاته لا غير فلايكاد يتأثر من غير مؤثره ايضا اذ هو صفته و يرتبط وجوده به فلايتغير الا بتغير المؤثر و لايتبدل الا بتبدله و لايفني الا بفنائه و ما تري من تأثير بعض المؤثرات في اثر غيره فذلك من وجهين احدهما التأثير في القابل الذي هو المرآة كما تري من تأثير الاغبرة الكثيفة في نور النار اذ نري علانية انها تكدره و ذلك من باب تغليظ المادة فان كرة الهباء ان كانت صافية تحكي النور بيّنا واضحا و الا فتحجبه و تكدره حتي يظطلم و ثانيهما ان المؤثر هو العالي و له ايادٍ في الايجاد و الافاضة و ربما يوجد شيئا بيد و يفعل فيه ثانيا بيد اخري فهو الذي يغيّر اثره و يبدله لان الذي يؤثر في غير اثره يد المؤثر الاعلي لا ان غيره يؤثر في اثره و ذلك من باب التشريع الذي مرّ سابقا فان الماء مثلا بصرافته لايؤثر في افراد النار و لا النار في افراد الماء و لكن الجسم يفعل ما يشاء في النار بالماء و يفعل ما يشاء في الماء بالنار و كذلك الحكم في كل شئ و الله المؤثر و هو الذي يفعل ما يشاء بما يشاء و قد قدّر ان لايجري فعل شئ في شئ الا بقبول القابل و باذنه و الفعل من الفاعل و القبول من القابل فهو الفاعل باحدي يديه و القابل بالاخري اي الفعل خلقه و الانفعال خلقه ، قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا و قال ما قطعتم من لينة او تركتموها قائمة علي اصولها فباذن الله فافهم ذلك فانه دقيق .
فصل - من القواعد الكلية ان الاثر و المؤثر لايكادان يدركان بمشعر واحد فكل شيئين وجدتهما يدركان بمشعر واحد فاعلم انه ليس بينهما اثرية و مؤثرية و وجه ذلك ان كل مدرك لايدرك الا ما هو من صقعه و في عرضه كما قال اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين المجهول الذي يلاك بين اللحي [ص 276] و لايعرف طعمه انما تحدّ الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فاذا كان المُدرَك بفتح الراء و ضم الميم من سنخ المَدرَك بفتح الميم و الراء يدركه و الا فلا و ذلك مسلّم ظاهر فاذا ادركت شيئا بمدرك فاعلم انه من سنخه و اذا ادركت اشياء بمشعر فاعلم ان كلها من صقع واحد فان كان المشعر من سنخ الاثر لايكاد يدرك المؤثر ابدا و ان كان من سنخ المؤثر لايدرك الاثر ، هذا و المؤثر ان كان هو المُدرِك بضم الميم و كسر الراء فهو هو اذ لا غير له في عرصة الآثار و هو احد بالنسبة اليها و شعوره للاثر بنحو الاحاطة و شعوره لنفسه بنفسه و كذلك لايحوي الاثر و المؤثر مكان واحد و لا زمان واحد و لا جهة و لا رتبة واحدة ابدا فكل شيئين وجدتهما متصاقعين متشابهين فاعلم انهما اثران لمؤثر واحد و ليس بينهما اثرية و مؤثرية .
فصل - قد عرفت ان الاثر قوامه بمؤثره اذ هو وصفه و كماله فلايكاد يبقي بعد مؤثره ابدا فاذا فني المؤثر يفني الاثر بعده لا محالة فكل ما وجدته باقيا بعد شئ فاعلم انه لميكن اثره و ان كان مستحدثا بسببه كالخط الباقي بعد فناء الكاتب و اثر القدم الباقي بعد الساير و البناء الباقي بعد البنّاء فان الناس العوام يزعمون ان البناء اثر لبانيه و ليس الامر هكذا و لكنه بقايا من اثره فان اثر البنّاء حركة يده فانه بعد ما اخذ اللبنة و الطين بيده شايعاه الي منتهي حركته و بقيا علي حالهما لعدم حركة لهما من نفسهما و المبتدي يزعم انهما اثره و ليس الامر هكذا و كذلك المشي اثر الماشي و بعد ما وضع قدمه علي الارض اخرج التراب و الطين من اطراف قدمه و ادخل بعض الاجزاء في بعض بقوة قدمه و بقي اثر قدمه علي الارض بعده و كذلك الكاتب فان اثره كتابته و هي حركة يده بهيئة الكتب و المكتوب لايكون اثره بل اثر الكاتب يظهر في القلم و اذا اتخذت المداد علي رأس قلمك يشايع حركة يدك و يبقي علي القرطاس دهرا كما قيل :
[ص 277]و يبقي الخط في القرطاس دهرا و صاحبه رميم في التراب
و لو كان الخط اثر الكاتب لماكان يبقي بعده ابدا و كذلك الامر في ساير التكميلات فان جميع ذلك من باب التكميل لا التأثير نعم اثر الكاتب حركة يده و هي تفني بفنائه لا محالة كما هو مشهود و حقيقة المسألة ما عرفت ان الاثر صفة المؤثر و الاثر وجوده وصفي ظلي و لايكاد يبقي بعد المؤثر ابدا اذ وجوده منه .
فصل - لما عرفت خواص الاثر و حقيقته حان ان اذكر صفة صدوره من المؤثر فانه مسألة عويصة لميبيّنها علي نحو الحقيقة الا ابي (اع) و قد صنّف حشره الله مع آلمحمد صلوات الله عليهم في هذه المسألة رسالة خاصة عجيبة غريبة خارجة من حدّ افهام الخلايق و حق ربي لو اردت ان امدحها ماقدرت و لو وصفتها في كتاب يبلغ آلاف قتبات و يكفي في مدحها انه (اع) قال لي يوما في الخلوة انه لميكتب بمثلها في تلك السلسلة العلية يعني الشيخية حرسهم الله و حفظهم من شرّ الاشرار و كيد الفجار و قد سمّاها بالمهدوية لان المهدي الاعظم عجّل الله فرجه و روحي فداه القاها اليه و من اراد معرفة هذه المسألة علي نحو الحقيقة ينبغي له التعمق في تلك الرسالة و التدبر فيها و لما كان ما كتبه هنا خارجة عن الافهام انا اذكر بعض ما اقتبسته من مصباحها في هذا الكتاب المستطاب علي نحو الاجمال و لكن لااذكر تمامه في هذا المقام لانه سرّ من سرّ الله و امر من امره و لايكتبه احد واضحا لما ورد من الامر بستره و لكني انجّم المطلب في هذا الكتاب ان شاء الله فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية منزهة عن كل اسم و وصف و حدّ و اضافة و نسبة و ساير ما تراه و تشاهده في خلق الله فانه تعالي منزه عن جميعها و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه ابدا فلايصدر منه اثر حتي يصير مؤثرا و لايسطع منه نور حتي يكون منيرا بل اقول انه تعالي حق الوجود و حقيقته و ليس سوي [ص 278] حق الوجود الا الامتناع الصرف فماذا يصدر منه تعالي اما ذاته فلاتصدر منه و اما غيره فممتنع صرف معه فهو هو وحده لا شريك له و قد خبط من زعم انه المؤثر و سطع منه الآثار و لكنه تعالي هو هو و قد خلق اول ما خلق مشيته بها علي ما مرّ سابقا مكررا و مشيته و ان كانت ابسط ما يمكن في الامكان الا انها مركبة من حيث انيّة امكانية و وجود فأنيتها بمنزلة الدخان المتخذ لظهور النار عليه و وجودها بمنزلة النار الظاهرة علي الدخان و الوجود هو نور الله الذي اظهره علي قابلية المشية من دون ان يصدر من ذاته تعالي او يوجده بعد العدم او يخرجه من كمون قابلية المشية اذ هو علة وجود المشية كما ان النار علة الدخان و لكن الله اوجد المشية اي جعلها موجودة بالوجود بنفسها بلا كيف و هذا الوجود هو علمه تعالي بالمشية و كماله و هو لايكون محدودا في ذاته بشئ و ان وصف بالاطلاق بعد بروزه عليه فهو بصرافته احدي محيط نافذ ماضٍ و لكن بعد ما ظهر علي اطلاق المشية تلوّن في الجملة بلون الاطلاق و لكنه ايضا لون سرمدي لايمنعه من نفوذه و سطوعه و فشوه فافهم ذلك فبعد ما ظهر الوجود الذي هو اصل الكل و حقيقة الحقايق و جوهر الجواهر من المشية نفذ منها في جميع عرصة الامكان كنفوذ فعلك في جميع مملكة بدنك و لما كان الامكان الجايز مناسبا مع انية المشية في الجملة من حيث الامكانية اشتعل جميعه بنور وجود المشية فصار الامكان موجودا مكوّنا فما تري من الوجود في عرصة الامكان كله من المشية و هي المحيطة بالجميع النافذة في الكل و وجودها من الله تعالي نعم لما كان ادهان قابلية الامكان متفاوتة و درجاتها مترتبة يتفاوت اشتعالها لا محالة و يتدرج فالدهن الاول الالطف يشتعل اوّلا ثمّ منه يسطع النور الي الثاني و يشتعل الثاني ثانيا و هكذا لعدم الطفرة في الملك كما سيجيء ان شاء الله في مقامه فالوجود الساطع في عرصة الامكان كله نور مشية الله و هي ينبوع الوجود و اصله و جميع الكمالات [ص 279] كائنة ما كانت بالغة ما بلغت و لو مثل الذرة جميعها من الوجود و هو اصلها و مأخذها و مبدؤها و منتهاها الا ان صورها المختلفة من قبل ساير القوابل المتوسطة باختلاف الدرجات بحسب اقتضائها و لما كان المشية محل ظهور نور الله و هي فوّارته يقال ان الكل نور الله كما نقول ان جميع الضوء الظاهر في الهواء و علي الاجسام نور النار مع ان فوارة الكل السراج و اما النار فهي هي و ليس سوي ذاتها في دهرها و لولا الشعلة ماكان لها نور و لا ضوء و لا فعل و محل كل ذلك الشعلة فافهم السرّ المنمنم و الرمز المبهم فانه من حديث آلمحمد الصعب المستصعب فان قلت ايّ نسبة للمشية من الله اقول هي من الله لا موصول و لا مفصول لمتتصل به اذ هي عبده و لمتنفصل عنه اذ ليست غيره و هي نوره المخلوق بنفسه في مقامه لا فرق بينها و بين الله الا انها له مشيرة اليه و هو لايشير الي غيره و لايدلّ علي سواه فافهم و اغتنم و لولا ان ابي (اع) افشي هذه المسألة لماكنت ابيّنها صونا لها و حفظا لعرضي و نفسي عن الاعداء و لكنه اعلم بصلاح امره و قد فعل فتأسيت به و الحمد لله و اعلم ان الآخوند (ره) وجد رايحة و لميعرف الحقيقة فاخطأ الطريق و قال ان الوجود واحد و قد استطال من عند الله الي اسفل الخلق و وجوده تعالي قوي و وجود الخلق ضعيف بحسب مراتبهم و اين كلامه من كلامنا و رأيه من رأينا فان ذاته تعالي بريئة عن ذلك و هي امتناع الكل و لا نور لها و لا ضوء و لا صفة غير ذاتها بل هي هي و الجميع منسوب الي المشية فتدبر .
فصل - اعلم ان النور نور اذا لوحظ فيه المنير و الا فلا نور و ذلك لان النور من حيث نفسه ما يشير الي الغير و هو صفة للمنير و وجوده وصفي و الوجود الوصفي لايري الا بالوصفية و الوصف وصف اذا رؤي فيه الموصوف و الا فهو شئ مستقل و الفرض ان الاستقلال صفة المؤثر فانت اذا نظرت الي الانوار و رأيت المنير فقد رأيت النور و الا فلا بل اقول ان وجود النور بتمامه و كله [ص 280] للمنير فاذا رأيت المنير رأيت النور و هو موجود و الا فلاتري النور باقيا و لا موجودا فلا وجود للنور حينئذ مطلقا فافهم ذلك و ربما يشتبه الامر علي الانسان في عرصة الاعراض لاجتماع انوار مختلفة فان المؤثرات العرضية التي هي ايادي المؤثر الحقيقي متعددة و آثارها ايضا مختلفة فربما تجتمع آثارها في مقام واحد كانوار سرج مختلفة متلونة بالوان مختلفة تجتمع في موضع واحد و انت تنظر فربما تقطع نظرك عن مؤثر واحد و باقي الآثار باقية مرئية مشهودة لملاحظة ساير المؤثرات فتزعم انك تري الاثر مع عدم ملاحظة المؤثر و الحال انك لاتجد اثر السراج الذي قطعت نظرك عنه و الذي تراه آثار ساير السرج كما انك ربما تقطع نظرك عن معدنية الحديد و تراه موجودا فاقول ان الذي تراه حينئذ لايكون حديدا بل هو جسم جمادي اذ لحديدك جمادية ايضا و لو لميكن له سوي المعدنية لماكان يشاهد مع قطع النظر عن المعدنية ابدا افهم ذلك فانه دقيق فكذلك الامر بالنسبة الي المؤثر الاول الذي لا شريك له فانه ملحوظ في آثاره دايما و لو لمتجده لماوجدت الاثر موجودا بوجه فانه اي المؤثر في الوجود الخارجي اذا قطع النظر عن اثره لفني اذ وجوده بسبب افاضته و نظره و كذلك في الوجدان حيوة الاثر بالمؤثر افهم ذلك فان لمتر المؤثر لاتكاد تجد الاثر ابدا مع ان الاثر وجوده يمتنع مع مؤثره فلايكاد يذكر معه فلاتزعم ان قولنا ان المؤثر يري في اثره ان الاثر يذكر مع المؤثر او المؤثر يذكر مع الاثر بل مرادي ان وجود الاثر كله للمؤثر الاتري الاجسام الجزئية ان جميع ما يري في الملك جسم و لايلاحظ غير الجسم شئ في الارض و لا في السماء فالظاهر جسم و الباطن جسم و الغيب جسم و الشهادة جسم و ان قلت انا نري شيئا غير الجسم من الافراد الجزئية بلا شك فما هي اقول اما اولا فما تزعم انه غير الجسم فهو غير الجسم المطلق بشرط لا ، لا غير الجسم اللابشرط و اما ثانيا فما تزعم انه غير الجسم [ص 281] و تراه هو لايكون من افراد الجسم و لو كان الكل من افراده لماكان يري معه و اما ثالثا فما تراه مما تزعم انه شئ غير الجسم فهو تمثلاته و صفاته و هي لاتكون غيره بل هي آياته و علاماته و مقاماته و محالّ بروزه و ظهوره افهم ذلك و حسبك ما بيّنته في صفة التأثير .
في التكميل و فيه فصول :
فصل - في حقيقة التكميل و هي فعل المساوي في المساوي لاخراج مثل كماله منه و نعم القول ما قال فيه ابي اعلي الله مقامه قال و اما التكميل فهو يكون بين شيئين ثابتين كونا مشتركين في مطلق ظاهر بهما و هما يدا ذلك المطلق يحرّك احداهما و يسكن الاخري يجعل احداهما فاعلة و الاخري منفعلة و الصفة الحادثة من امكانات المنفعلة كانت فيها بالقوة و هي في الفاعلة بالفعل فاذا اقترنتا تقوي المنفعلة و خرجت ما في قوتها الي الفعلية فالتأثير كما بيّنا ايجاد ما لميكن و التكميل هو ابراز ما قد كمن الي آخر كلامه علا مقامه ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان التكميل هو فعل الكامل الملقي علي المادة المتكملة و نفس الفعل علي ما عرفت سابقا اثر المكمل الصادر منه بلا كيف و هو شبحه و نوره و علي صفته و تابع لفعليته اي صورته فاذا كان الشئ صاحب كمال في فعليته يصدر منه الشبح علي صورته و صفته علي ما مرّ سابقا و جميع الفعليات مؤثرة كما يأتي ان شاء الله و فعله ايضا يؤثر بل هو تأثيره و اثره علي ما مرّ سابقا فاذا القي علي المادة الصالحة تتنور و تشتعل كما اشتعل المكمل اوّلا بصفة الكمال و لا شك ان كل شئ يتقوي بمثله و يتضعف بضده كما هو ظاهر محسوس فالفعلية الثابتة علي المادة المتكملة ان كانت منافية لكمال هذا الكامل و اضعف منه يضعف بسبب الفعلية الواردة و يتقوي شبهها مما في كمونها ، مثال ذلك لظهور المسألة علي ما ينبغي الدهن و الشعلة فانك اذا قاربته من الشعلة [ص 282] يظهر عليه شعاع النار و حرارتها فيحترق بسببها الرطوبة الفعلية الحاصلة للدهن و يتهبأ اجزاؤه و يتفتت فيشتعل بالنار فهذا الفعل يسمي بالتكميل و اعلم ان انواعه لاتنحصر في قسم واحد بل هي متعددة بحسب استعداد المادة و عدمها فاذا كانت المادة صالحة مستعدة تتكمل بتكميل المكمل ظاهرها و باطنها و يستخرج منها نظير كمال الكامل المكمل بحيث تقوم مثله و لاتحتاج بعد الي المكمل الاول كالضوء من الضوء فان السراج الثاني يقوم مقام السراج الاوّل لانه قد خرج من كمونه النار مثل ما خرجت من كمون الدهن الاول فيسمّي الثاني باسم الاول قال علي عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء ، و اذا كان صلاحية المادة اقل تتكمل في الجملة و تُشْفٖي علي خروج الكمال من نفسها و لمايخرج فهي تبقي بعد ذهاب المكمل علي صفته في الجملة و سينقضي كماله و ذلك كالحديدة المحماة مثلا فانها لعدم صفاء مادتها مثل الدهن لاتبقي بعد ذهاب النار مشتعلة ساخنة الا برهة من الزمان و ستخمد و تبرد و اذا كان صلاحيتها اقل من ذلك ايضا تشايع المكمل ما دام تكميله و بقاءه و يذهب الكمال معه و لايبقي بعده و ذلك كالهواء المشتعل بنور الشمس و نور السراج و العصا المتحرك بتحرّك اليد فان جميعها من باب التكميل الا ان مراتب التكميل مختلفة و اعلم ان الخلق الاول بالتأثير ثم جميع الاكوان و الاعيان المخلوقة من الامكان خلقوا بالتكميل و الله المكمل لجميعهم .