الثاني - ذهب جماعة من منتحلي الاسلام الي ان فعل الله تعالي لا غاية له نعوذ بالله و استدلوا بادلة واهية و ضربوا لذلك امثالا جزئية كاختيار الآبق و الفارّ من الاسد احد الطريقين و الجائع احد الرغيفين و العطشان احد القدحين متمسكا بعدم الرجحان في البين بل جعلوا هذه الامثال بعض ادلتهم و ادلتهم اوهن من امثالهم منها علي ما حكاه في الاسفار ان الارادة مرجحة و هي صفة نفسية و لوازم الذات لاتعلل كما لايعلل كون العلم علما و القدرة قدرة و منها ان الارادة كانت متحققة قبل الفعل بلا اختصاص باحد من الامور ثم تعلقت بامر دون امر و منها ادلة اخري قيل انها من اعظم ادلتهم الاول ان الفلك جسم متشابه الاجزاء و قد تعيّن فيه نقطتان للقطبية و دايرة لان تكون [ص 234] منقطة و خط لان يكون محورا دون ساير النقاط و الخطوط و الدواير مع انه كان جايزا بحسب ان يكون القطبان غير هاتين النقطتين و المحور غير هذا الخط و المحيط غير هذا المحيط و الثاني ان لكل فلك حركة خاصة الي جهة معينة دون غيرها من الجهات مع جواز وقوع الحركة الي كل واحدة منها و كذلك لكل حركة حدّ معيّن من السرعة و البطؤ مع تساوي النسبة الثالث اختصاص كل كوكب بموضع معيّن من الفلك مع عدم خصوصية توجد في ذلك الموضع دون غيره لتساوي الجميع في الطبيعة فالعقل يجوز وقوعه في موضع آخر من فلكه الرابع اختصاص العالم بمقدار خاص دون ما هو اعظم منه او اصغر مع جوازهما عند العقل و قد اجاب الآخوند عن هذه الادلة باجوبة بعضها ضعيف و بعضها قشري ظاهري فاجاب عن البرهان الامثالي بان خفاء المرجح عن علمهم لايوجب نفيه فان من جملة المرجحات لافاعيلنا امور خفية عنا كالاوضاع الفلكية و الامور العالية الالهية و قال ان بذلك ينسد باب اثبات الصانع فان الطريق الي اثباته ان الجايز لايوجد الا بمرجح فلو ابطلنا هذه القاعدة لم‌يبق لنا سبيل الي اثبات الصانع و قال في ردّ الدليل الثاني ان مع تساوي طرفي الفعل كيف يتخصص احد الجانبين و الخاصية التي يقولونها هذيان فانها حاصلة لو فرض اختيار الجانب الآخر الذي فرض مساويا لهذا الجانب و قال في ردّ الثالث ان هذا كافٍ في افتضاحهم اذ الارادة من الصفات الاضافية فلايتحقق ارادة غير متعلقة بشئ ثمّ يعرضها التعلق ثم يعرضها التعلق ببعض الاشياء نعم اذا حصل تصور شئ قبل وجوده رجّح احد جانبي امكانه بتحصل ارادة متخصصة باحدهما فالترجيح متقدم علي الارادة ، و اجاب عن ساير ادلتهم باجوبة اما عن الاول فاجاب بان الحركة المعينة سبب تعيين النقطتين و لزم من تعيّنهما تعين المحور الواقع بينهما و لولا الحركة لم‌يتعين دايرة للمنطقة المستلزمة للقطب و المحور و عن الثاني بان اختلاف الحركات جهة [ص 235] و سرعة لاختلاف مباديها العقلية و كونها مقتضية للافلاك و حركاتها علي وجه يتبعها احسن النظامات و يخرج منه الجواب عن الثالث مع ان تعيّن موضع مّا للكواكب انما حصل بالكوكب لا قبله و الا كان مصمتا من غير تلك الحفرة و بعد وجوده لايجوز له التبدل و عن الرابع ان لكل جسم من المحدد و غيره طبيعة خاصة تقتضي مقدارا خاصا لذلك الجسم فلايمكن غيره و التجويز العقلي ربما يخالف الواقع لعدم اطلاع العقل علي خصوصية السبب قبل البرهان ، اقول ليتهم لم‌يتكلموا في امثال هذه الامور بالاثبات و النفي و النقض و الابرام و سلّموا في جميع ذلك للائمة الاطياب سلام الله عليهم و ها انا ذا ابيّن لك في ردّ المستدل و المجيب بعضا مما منحنا الله ببركة ساداتنا سلام الله عليهم من علم اخبارهم ان شاء الله ، اما الامثال التي ضربها فما قال الآخوند (ره) في جوابها حق من حيث اصل المسألة و لكنه لايكون جوابا للمستدل فانه قال ان لهذه الامور عللا و هذا محض ادعاء و ان كان حقا و لكن شأن الحكيم رد برهان خصمه و اقامة برهان لادعائه نعم هذا كلام صحيح يسلّمه من كان مقرا بهذه المسألة و وجه آخر لضعف كلامه ان المدعي يدعي انه لا مرجح لها من حيث الغاية لا من حيث الفاعل فان الهارب مثلا هو الذي يختار احد الطريقين و هو الفاعل المرجح له و كلامه في انه اختاره من غير ترجح و الآخوند (ره) يقول ان المرجح لاعمالنا الافلاك و الامور الالهية و هي علل فاعلية لا غائية نعم الامر الالهي يصدر منه لغاية و هذا غير مذكور في كلامه الا ان يقال ان مراده من الامور العالية الالهية الغاية و هو اعلم بكلامه و كذلك القول في نقضه عليه انا نثبت الصانع بلزوم وجود المرجح فان المدعي ربما يثبته ببرهان آخر مع ان هذا الدليل ايضا حاكم علي وجود الفاعل و لايثبت الغاية الا بمتمم نعم علي قولهم ان الغاية هو الله يستقيم الدليل و ان كان ناقصا و اما قوله ان بنفي هذه القاعدة لايبقي لنا سبيل الي اثبات الصانع فهذا [ص 236] قول قشري ظاهري فانه احد الادلة الظاهرية لاثبات الصانع و ادلته اكثر من ان تحصي و اما ردّه علي الدليل الثاني فهو محض ايراد فان القايل الاول مراده ان الارادة مرجحة بالخاصية اي خاصتها ترجيح شئ من دون ان يكون باعث للترجيح من الخارج و الآخوند (ره) اورد عليه انها لو رجحت الجانب الآخر ايضا كانت تلك الخاصية حاصلة و هذا محض قول فانه كان يقول في اختيار القسم الآخر ايضا ذلك نعم ايراده الاول ان مع تساوي طرفي الفعل كيف يتخصص تمام و اما ردّه علي القول الثالث فنقول فيه انك ان كنت قائلا بان الارادة ذاتية فقولك انها اضافية افضح و ان كنت قائلا بانها صفة فعل لكان قولك حقا و لا شك انه قائل بقدم الارادة و مع ذلك قال انها من الاضافيات و مثّل لذلك بالعلم و اضافته الي المعلوم و هذا عجيب و اما في جوابه علي الدليل الرابع نقول ان مراد القائل ان كونه بهذا الوضع الخاص لا لحكمة و غاية نعوذ بالله و بهذا الردّ لايثبت غاية و لاينقض علي برهانه و في الجواب عن الخامس نقول ان هذا محض ادعاء و لايكون برهانا و لا ردّا و مع ذلك هو مثبت للفاعل او يده في الفعل لا الغاية و جوابه عن السادس يوهم ان مقام الكوكب مخلوق مع الكوكب لا انه كان فلك غير مكوكب ثمّ خلق كوكب في مقام و هذا البيان لايرد كلامه فانه يقول لمَ خلق هذه القطعة مكوكبة دون هذه القطعة و كذلك في آخر اجوبته نقول ان اقتضاء الطبيعة من نفسها او بارادة الله ، فان قلت بالاول فحاصله ان طبيعة الفلك ثابتة قائمة الا ان ارادة الله تخصصت بها مع انك قد رددت علي من قال بمثل هذا القول و ان قلت بالثاني لكان ايراد المورد واردا و بالجملة هذه الايرادات كما تري كلها ضعيفة مع انه لا اصل لها من الكتاب و السنة و اقول في الجواب اما اولا فلاينبغي للمسلم ان يتكلم بمثل هذا البيان بعد ما ثبت بالكتاب و السنة و ضرورة الاسلام ان فعل الله سبحانه لغاية و قد اشبعنا القول في هذا الكتاب في هذه [ص 237] المسألة و لكن من باب ردّ اقوالهم اقول في الجواب عن كل واحد من ادلته ما ينبغي ان يقال و لكني اقدّم كلاما متينا و هو قاعدة كلية ينبغي لطلبة العلوم حفظها و هي ان في امثال هذه الامور العقلية الكلية لايجوز للانسان ان يتشبث بالجزئيات التي خفيت عنه حقايقها و لايكاد يطلع علي دقايقها و لم‌يكشف له بواطنها و علم بعضا من ظواهرها ثم يحكم بامثالها علي الكل فان ذلك سبب فساد الدين و ضعف اليقين بل الواجب علي الانسان ان يطلب البرهان الصادق اليقيني علي حقيقة الامر و يثبته علي نحو الكلية ثمّ ينظر في الجزئيات فان عرف اسرارها فليشكر الله و الا فليذرها في سنبلها من غير ان يتعرض للحكم فيها ففي مثل المقام اقول ان حقيقة امر الخلق مخفية عن الابصار و فعل الله سبحانه محجوب عن الاغيار و اسرار الخلقة مخفية و حكم الاشياء مستورة و حقايقها محجوبة و نحن لانطلع عليها الا من سبل الادلة و البراهين او صرف التسليم لاصحاب الكشف و اليقين فاذا بنينا علي النظر في جزئيات لم‌نعرف حقايقها و لم‌نطلع علي غاياتها ثمّ انكرنا اصل الغاية بدليل ان عقولنا لم‌تعرف الغاية في كذا و كذا لفسد ديننا و مذهبنا بل يتسع بذلك الخرق علي الراقع اذ ينجرّ الامر الي انكار الله بدليل عدم الوجدان و صنعة نوع الانسان و احتمال ان يكون كل شئ بصنعة احد من الخلق او بطبعه بل ربما ينجر الامر الي انكار البديهيات و لكن اذا اثبتنا اصل المسألة بالدليل فيمكننا معرفتها في بعض الاشياء و قياس ما لم‌نعرفه عليها كما هو عادة البشر في جميع اموره فاذا عرفت هذه المسألة فاقول ان استدلال المستدل علي نفي الغاية بتجويز العقل ان يكون القطب نقطة اخري و امثال ذلك خطاء فان هذه امثال جزئية ضربها الجاهل بالحقيقة مع ان جميعها ادعاء لا برهان فانك اذا وردت منزلا وضع صاحبه كل شئ في موضعه علي مقتضي ميله لاتنفي العلة عن فعله بمحض تجويز عقلك ان يكون كذا و كذا اذ لعله عرف شيئا لم‌تعرفه و اراد [ص 238] ما لم‌ترده فكيف تنفي الغاية عن فعل الله مع انك لم‌تكن يوم خلق السموات و الارض و لم‌تطلع علي ارادته و صنعه فلعله فعل هكذا لغاية و بمحض تجويز عقلك ان يكون علي خلاف ذلك لايجوز الحكم علي مجموع الملك مع ان عقلك لايطلع علي كل شئ و كذلك محض تجويز عقلك ان الهارب يختار احد الطريقين بلا علة لايكون ذلك دليل اختيار الله بلا علة فكيف تحكم علي الكلي بالجزئي مع ان العقل يجوز ان يكون ذلك ايضا لعلة و بالجملة جميع ما اوردته محض النصيحة و الموعظة الحسنة و لكن نقول في الجواب اما عن الامثال المضروبة فنقول اولا ان الكلام في فعل الحكيم علي الاطلاق لا مطلق الفعلة فانه لا شك ان في الملك جماعة لاغين يفعلون عبثا و بنفي الغاية عن فعلهم لاتنتفي عن فعل الله نعم فعلهم بالنسبة الي التقدير و قضاء الله العزيز الخبير لايكون عبثا و بهذه الملاحظة نقول ان الهارب و العطشان و امثالهما لايختاران ما اختارا الا لغاية و علي فرض التسليم نقول ان الله سبحانه لايقدّر لهما ذلك الا لمصلحة و قد ورد ان الله لايفعل بعباده الا الاصلح ، و لا شك ان احدا لايفعل شيئا الا بقضاء الله و قدره و لا اختيار للعباد الا بمشية الله و من قال بان الخلق هو الفاعل برأيه فقد اشرك بالله و الله سبحانه يفعل ما يفعل لغاية و العباد محل بروز تقديراته سواءا عرفوا ذلك ام لم‌يعرفوا فعلي فرض عدم اطلاع الهارب علي غاية فعله لايضر ذلك باصل المسألة فان الله سبحانه يعلم الغاية ، هذا مع انا نقول ان هؤلاء ايضا افعالهم لغايات عندهم لا محالة و لا اقل من وجه مناسبة في الطبع لايعلمه الا الحكيم الماهر و تحت ذلك علوم جمة ، هذا و نقول علي فرض نفي كل غاية عن فعلهم الخاص اقول ان الله سبحانه جعل لهم الاختيار لغاية و قد تركوا الغاية باختيارهم و غاية ذلك ايضا ظهور اختيارهم و سلطانهم علي فعلهم و ذلك مما لاينكره عاقل و الا فمحال في الحكمة ان يختار الفاعل المختار فعلا بلا جهة فان ارادته مطلقة و لاتتعلق بشئ بلا سبب و نعم ما قال [ص 239] الآخوند ان الافعال الطبيعية الخالصة عن الروية ايضا لغاية و هي تقوية الطبع بملايمه فافهم هذا و علي فرض صحة جميع كلامه اقول كيف تقيس امر الخالق بالعبد الجاهل في اختياره و في الردّ علي الدليل الثاني اقول ان القول بان الترجيح خاصة الارادة محض ادعاء باطل و ذلك لايكون دليلا فان الارادة علي ما ورد عن الامام عليه السلام صفة فعل و هي نفس مشية الله و فعله علي ما في احاديث اخري و هي بنفسها اعم من الترجيح و عدمه الاتري انك تقول رجّح بارادته و لم‌يرجح بارادته و لو كان المرجحية خاصتها لماكان يجوز القول الثاني و لايجوز ان يقال ان عدم الترجيح ترجيح الشق الآخر فانه معدوم و مرجوح و نسبة الترجيح الي المرجوح خطاء محض فان الترجيح بالرجحان و المرجوح لا رجحان له فلايجوز ان يقول انه رجّح المعدوم المرجوح فانحصر القول في ان يقال انه لم‌يرجح كذا فيرد ما ذكرناه لا محالة ، هذا و الارادة صرف العزيمة علي ما في الخبر و هي اعم من الترجيح و يسهل الامر بعد ما اقرّ المدعي بانها الفعل اذا صار مسلما لقول آل‌محمد عليهم السلام فانه يقرّ بان الترجيح ليس من خاصته و لكنه يدعي ان الترجيح خاصة الارادة و هي علي قوله سابقة فبترجيحها يتعلق الفعل بما ارادت و لكني اقول ان صريح اخبار آل‌محمد عليهم السلام ان الارادة فعل متعلق بالمراد لقوله عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه و العقل ايضا حاكم بذلك الاتري انك تقول اراد و لم‌يرد و لو كانت الارادة ذاتية كيف كان يجوز نفيها فان الذات و الذاتيات ثابتة قائمة لاتزول و لاتنفي الاتري انك لاتنفي القدرة عن الله و لا العلم و لا الحيوة و لو كانت الارادة منها لماكان يجوز نفيها و بالجملة مرّ سابقا في التوحيد من الادلة علي بطلان هذا القول ما فيه كفاية و بلاغ ، فالارادة غير الذات فهي الفعل و الفعل غير المرجح باقرار الخصم . و بوجه آخر في ابطال هذا القول نقول ان الارادة ان كانت مرجحة لكانت [ص 240] مطلقة لا محالة لانها مطلقة و لاتخص شيئا دون شئ لانها اعلي درجة الامكان فلاتخص شيئا دون شئ و مقاما دون مقام و وضعا دون وضع بل هي امكان فعلي كما ان الامكان امكان انفعالي فاذا صارت المرجحية خاصتها لزم ان تكون مرجحة لكل شئ علي الاطلاق و لزم من ذلك ترجيح كلا الضدّين بل اثبات كل شئ بنقيضه و هذا محال في الحكمة و ان قلت ان عدم ترجيح بعض لنقص القابل اقول ان ذلك بارادة الله او بدون ارادته فان لم‌يكن بارادة الله للزم من ذلك الشرك بالله تعالي و ان كان بالارادة لزم المحال لما ذكرنا ان صفتها الترجيح علي قولك فكيف لاترجح فافهم و اما قوله ان الذاتيات لاتعلل فان كان المراد ان ما يخصّ بالله لايعلل فاقول ان ذاته عين ذاته و ليس شئ آخر معها و قول من اثبت الصفات الذاتية قول قشري و لا حاصل له فالذاتيات لاتعلل في المقام كلام بلا حاصل نعم نفس الذات لاتعلل و اما في الخلق فلايمكن نفي ذلك مطلقا نعم الذاتيات بالنسبة الي نفس الذات لاتعلل و لكن بالنسبة الي العالي لكل منها علة و من نظر في اخبار آل‌محمد عليهم السلام يجد اكثرها علانية فتدبر و اما الدليل الثاني فمفاده ان الارادة باطلاقها اخرجت ما اخرجت من الامكان و هي المخصصة اقول في ردهم انك قد علمت ان الارادة فعل مطلق و هي الوجود المطلق و الراجح و هو صرف صلوح فعلي اي يصلح ان يخلق به كذا و كذا كفعلك المطلق فانه يصلح ان يتصور بالضرب و النصر و الاكرام و اما هو بنفسه فلايكون متصورا بصورة خاصة و وضع و لو كان متعينا بتعين خاص لماكان يمكن ان يوجد به غير ما يخصّه اتري انه يمكن ان يحدث بالضرب الاكرام حاشا و لكن الفعل المطلق يمكن ان يحدث به الكل و هذا صفة ارادة الله تعالي فهي مطلقة لاتخص شيئا دون شئ و لو كانت مخصوصة بشئ و متعينة بتعين لماصارت فاعلة في كل شئ و بالجملة و دونها علي ما ذكرت الامكان المطلق الذي لايخص شيئا دون شئ و هو [ص 241] بحر سيّال يصلح كل جزء منه لكل شئ بل يصلح جزؤه لجميع ما يصلح له كله و كله لما يصلح له جزؤه فانصف من نفسك ان الارادة المطلقة كيف ترجح شيئا من الامكان المطلق بلا مرجح خارجي و ذلك محال في الحكمة بل اقول ان الارادة المطلقة بنفسها لاتكون فاعلة ايضا الا في محل خاص كما اشرنا اليه في العلة الفاعلية و الفاعل لايفعل الا لغاية و بالجملة مرادي محض رد القائل و اما حق المسألة فقد ظهر لك مما مضي . و اقول بوجه آخر في رد كلامه ان مفاد قوله ان الارادة مخصصة لا القابل اقول قولك هذا ينافي قول الله و حكم النقل و العقل الاتري الي قوله تعالي قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم و الآية صريحة في ان الله سبحانه لايعطي الا بحسب دعاء القوابل فان لم‌يكن المخصص من قبل القابل فالله لايخصص بارادته بنص الآية و كذلك قال ان الله لايغيّر ما بقوم حتي يغيّروا ما بانفسهم و ذلك صريح في المدعي و كذلك قال انزل من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا و مما يوقدون عليه في النار الآية ، و الآيات الدالّة علي المدعي كثيرة لمن علم التأويل و التنزيل و العقل ايضا حاكم بذلك كما مرّ فالارادة لاتخصص من قبلها و الشئ كائن بين فاعل و قابل لا محالة و سيجيء بيان المسألة بعد و لما كان كلامنا في المقام في العلة الغائية لسنا بصدد هذا البيان ثم انّا نتكلم في ابطال قوله في الافلاك فاقول ان مرجع الجميع الي قول واحد ان العقل يحكم بان هذه الاوضاع لو كانت بغير هذا الوضع لكان جايزا اقول اما اولا فباعث تعيّن القطبين و المحور حركة الفلك في عالم الاعراض و لو تحركت بغير هذا الوضع لتغير المحور و القطبان لا محالة و اما مع هذه الحركة فلايحكم العقل بغير ذلك و باعث الحركة الخاصة المزاج المخصوص بكل فلك و كذلك السرعة و البطئ و اختلاف الجهات و اختلاف امزجتها بواسطة الفاعل و القابل بامر الله تعالي للعلة التي صارت سببا لذلك و هي الغاية [ص 242] و مرجع الكل الي هذه الغاية و كذلك حدوث الكواكب في المقام المخصوص و كبر الافلاك و صغرها كلها بفاعل و قابل للعلة المذكورة و نفي الغاية الاولية ادعاء علم الغيب و تجويز العقل خلاف ذلك لنقصه و محض تجويزه لايدل علي كون الامر علي قوله هذا و هم يقرّون بان العقل لايبلغ الجزئيات و هو حاكم في الكليات و مع ذلك يحكمون به في هذه الموارد و ذلك عجيب ، هذا و اقول لمحض قولك هذا لايثبت عدم الغاية بل ذلك محض احتمال و بتّ النافي علي شئ لايكون حجة فكيف باحتماله ثمّ ان المثبت يقول في جوابك ان عقلي يحكم بعدم جواز خلاف ذلك و لو كان حكم العقل متبعا لكان حكمه ايضا متبعا فافهم ذلك و الحاصل ان هذا الوضع الخاص الملحوظ يحكم العقل بانه موافق للحكمة و ذلك مما لايشك فيه و لو لم‌يكن غاية له سوي ظهور الحكمة لكان كافيا اذ هو من اعظم الغاية و بذلك يبطل قول القائل النافي للغاية مطلقا و قد مرّ سابقا ما يغنيك عن بيان نفس الغاية .

الثالث - من اعجب العجاب قول الآخوند و اضرابه رحمه الله في الغاية قال في اسفاره بعد الردّ علي النافي للغاية فالحاصل ان المختار متي كانت نسبة المعلول اليه امكانية من دون داعٍ و مقتضٍ لصدوره يكون صدوره عنه ممتنعا لكون المساوي راجحا بان تجويز ذلك من العاقل ليس الا قولا باللسان دون تصديق بالقلب فذلك الداعي هو غاية الايجاد و هو قد يكون نفس الفاعل كما في الواجب تعالي لانه تام الفاعلية فلو احتاج في فعله الي معني خارج عن ذاته لكان ناقصا في الفاعلية و ستعلم انه مسبب الاسباب و كل ما يكون فاعلا اولا لايكون لفعله غاية اولي غير ذاته اذ الغايات كساير الاسباب تستند اليه فلو كان لفعله غاية غير ذاته فان لم‌يستند وجودها اليه لكان خرق الفرض و ان استند اليه فالكلام عايد فيما هو غاية داعية لصدور تلك الغاية المفروضة كونه غير ذاته تعالي و هكذا حتي ينتهي الي غاية هي عين ذاته فذاته تعالي غاية [ص 243] للجميع كما انه فاعل لها و حاصل كلامه بعد ذلك في بيان ذلك ان ذات الله تبتهج بذاته و ذاته مصدر لجميع الاشياء و كل من ابتهج بشئ ابتهج بجميع ما يصدر عن ذلك الشئ من حيث كونها صادرة عنه فالواجب تعالي يريد الاشياء لا لاجل ذواتها من حيث ذواتها بل من حيث انها صادرة عن ذاته تعالي فالغاية نفس ذاته و كل فاعل هكذا يكون فاعلا و غاية لذلك الشئ حتي ان اللذة فينا لو كانت شاعرة بذاتها و كانت ذاتها مصدر الفعل لكانت مريدة لذلك الفعل لذاتها و لاجل كونه صادرا من ذاتها فكانت حينئذ فاعلا و غاية ، انتهي كلامه . اقول بطلان هذا الكلام اظهر من الشمس لان الله تعالي احد و قد اثبتنا قبل ذلك ان الاحد امتناع جميع ما سواه و لايذكر معه غيره بنفي و لا اثبات اذ النفي ايضا نوع ذكر الا انه اجمالي لقوله عليه السلام النفي شئ ، فحين اذ هو لا ذكر لشئ من الخلق معه بوجه و جميع ما تراه من الخلق هو منهم و راجع اليهم و الذات منزهة عن جميعها و قد قال الله تعالي في محكم كتابه سبحان الله عما يصفون و قال سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و قال ايضا ليس كمثله شئ و هو السميع البصير فكل ما يجوز في الخلق يمتنع في الخالق و كل ما يجب فيه يمتنع في الخلق و مما يخصّ الخلق الصفات اذ هي من الحدّ الذي يمتنع مع الله كما قال اميرالمؤمنين (ص) من وصف الله فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه و قال في تنزيهه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران الثابت في الحدث الممتنع من الازل انتهي ، و من الصفات العليّة فانها صفة تشهد انها غير الموصوف و الموصوف ايضا يشهد انه غير الصفة اذ لا شك ان الذات بنفسها لاتكون علة و العلية صفة زايدة علي الذات تقترن بها و الاقتران من صفة الحدوث لا القدم اذ كل شئ يقوم بشقيقه الذي اقترن به باحد القيامات و جميعها من صفات [ص 244] الحدوث و قد مرّ سابقا امثال هذه الادلة و البيانات فراجع ، هذا و العلة تحتاج في نفسها الي المعلول فان العلة لاتكون علة الا بوجود المعلول و ان لم‌تكن قائمة به الا ان العلية من صفات الاضافة و لا بدّ للمضاف من مضاف اليه و لو لم‌يكن له مضاف اليه لماصار مضافا كالابوّة و البنوّة فان الابوة لاتثبت لاحد الا بوجود الابن و ان لم‌يكن محتاجا في ذاته الي الابن الا ان تلك الاضافة تثبت بطرفين فافهم فكل واحدة من العلة و المعلول و ساير المضافات يحتاجان الي طرفين و ذلك ينافي الوجوب فان الواجب لايحتاج في وجوده الي غيره بوجه من الوجوه ثم نذيل الكلام بدليل جدلي آخر يظهر المراد لاهل الظاهر ايضا اقول انه يقول ان الذات علة تامة لوجود الخلق اقول ان العلة التامة ما لايحتاج في وجود المعلول الي شئ آخر حتي رفع الموانع فبوجودها يوجد المعلول كما تري في الشمس مثلا بالنسبة الي انوارها التي تسطع منها فكلما طلعت تسطع انوارها بلا مانع من هذا الحيث و لو كانت الذات علة تامة للزم وجود الخلق معها دايما ازلا ابدا لكمال العلة و تمامها و هذا امر ينكره كل الخلق لما تري عيانا من الخلق الجديد و كون الخلق ثابتا في العلم لايدفع المحظور فان ذاته لاتكون علة لعلمه تعالي الازلي مع ان الآخوند قائل بان العلم ذاتي و ذاته لاتكون علة ذاته بل هي علة للخلق ، هذا و نقول علي فرض ثبوت كل الخلق في حضرة العلم وجودهم في هذه العرصات ايضا بعلة و هي علي قوله الذات فيلزم من ذلك وجود الخلق دايما في كل مقام و الا للزم من ذلك تغير الذات عما هي عليه ثمّ انا نقول ان الذات علة لجميع الخلق او لبعضهم ، فان قال انها علة للجميع للزم من ذلك اختلاف الذات لاختلاف الخلق للزوم المناسبة بين العلة و المعلول و ان قال انها علة للمعلول الاول و هو واحد اقول يلزم من ذلك كون الذات محدودة في العلية فان العلة الناقصة معلولها ناقص و العلة التامة معلولها كامل و الذات الاحدية ان كانت علة للزم ان [ص 245] يكون معلولها بلا نهاية و ذلك سرّ يعرفه الحكيم و الا لزم ان يكون العلة ايضا متناهية للزوم المناسبة بينهما ثم ان المعلول الاول علي قولهم علة لما دونه و هو اول موجود و لا موجود من الخلق سواه فهو علة تامة و يظهر ذلك للعاقل بعد التأمل التام و الا للزم وجود غيره معه و الفرض انه اول معلول و لا شئ معه فهو علة تامة يلزم بوجودها وجود جميع الخلق فالمحظور ● واقع و كذلك اذا قال بترتب العلل و المعلولات يقع المحظور و ان رفعه ببعض البيانات ، اقول يلزم من ذلك حدوث الذات لاقترانها بالمعلول علي ما مرّ ، هذا في نوع العلل و نقول في العلة الغائية التي هي محل كلامنا ان الغاية هي النهاية و ما يمكن الخلق الوصول اليه و خلقوا لاجله و لايمكن ان يصل الخلق الي الله تعالي بل الغاية من الخلق و المغيّٰي غير الغاية كما في الخبر افهم ذلك فانه دقيق و قد مرّ سابقا ما يغنيك عن البيان في المقام نعم حاصل قولهم القول بوحدة الوجود و ان مرجع جميع الخلق الي الذات و بطلان ذلك اظهر من الشمس و هذا القول في الواقع افضح من قول من قال بانه لا غاية للملك مطلقا نعم الغاية ظهور آيات الله و علاماته و كمالاته و بروز مشيته و امثال ذلك مما مرّ الاشارة اليه و لا حول و لا قوة الا بالله و كذلك في البطلان قوله ان لله محبة ذاتية بالخلق فان المحبة هي الميل القلبي الي الغير و الله سبحانه لايميل الي خلقه فان اصل الميل صفة فعلية اذ الذات منزهة عن الصفات الفعلية مطلقا و قوله تعالي شاهد صدق المدعي الاتري انه عبّر عن حبه بلفظ الفعل و قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و قد عبّر عن حبه المعرفة باحببت و لو كان الحب ذاتيا لماعبّر عنه بلفظ الفعل الدال علي الحدوث مع انه اخّره في البيان عن كونه كنزا مخفيا فقال كنت كنزا مخفيا ، فله كون [ص 246] غير معروف و لا مشهود قبل حبه للمعرفة و حبه للمعرفة دون هذا المقام لا محالة فهو غير الذات افهم ذلك ان شاء الله و قد فصّل سيدنا و عمادنا اعلي الله مقامه في لوامعه مراتب المحبة و مقامها و معناها فان شئت فراجع .

المطلب الثالث

في العلة المادية و قد فصلنا القول في المادة بما لا مزيد عليه في الواقع سابقا و هنا ايضا اشير الي بعض جهات المسألة بقدر الحاجة ان شاء الله ، فاقول ان العلة المادية هي نفس المادة من حيث الاقتران بالصورة لما مرّ سابقا ان المادة و الصورة متضايفتان فان كل شئ مادة بالنسبة الي شئ و صورة بالنسبة الي شئ آخر فان الشمعة مثلا مادة لصورة الخراطة الواردة عليها مثلا و صورة بالنسبة الي العناصر و الاركان التي اتخذت منها فهي علة للمخروط من حيث الاقتران بالصورة لا مطلقا و هذا السرّ سارٍ في كل شئ حتي في الذاتيات فان المادة الذاتية ايضا مادة في بطن الصورة و لولا ملاحظة الصورة لكانت نورا مطلقا و كمالا ثابتا للعالي فافهم و قد مرّ بيان ذلك سابقا ايضا فالعلة المادية اي نفس المادة لا مطلقا بل من حيث التعلق بالصورة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان كل شئ في العالم يقوم بمادة و صورة كما مرّ سابقا و المادة هي اصل الشئ و منبعه و منشأه و مبدؤه و قوام الشئ بها و هي وجوده النازل من سحاب مشية الله و جهة الفعل فيه بل ظهور العلم به فيه و هو من حيث نفسه جوهر سايل غير محدود بحدود الشئ و لا متعين بنهاياته و جميع الحدود و التعينات من نفس الشئ و انيته و قد مرّ سابقا ان ظهور المادة في العنصر المائي و ظهور الصورة في العنصر الترابي و الماء اقتضاؤه السيلان و النفوذ و منه حيوة الشئ و بقاؤه و لذلك عبّر الله تعالي عن المادة بالماء في كتابه و قال و جعلنا من الماء كل شئ حي و قال خلق كل دابة من ماء و مقام المادة مقام الاب و آدم و مقام الصورة مقام الام و حوّاء و قد ظهر سرّ ذلك في هذا العالم الاتري انه لا تعيّن في الاصلاب للولد فانه في صلب ابيه نطفة و لا اختصاص لها بالذكر [ص 247] و الانثي و الحسَن و القبيح و الابيض و الاسود و المؤمن و الكافر و بعد ما انزل الاب في رحم الام تتصور النطفة في رحم الام و ذلك مدلول ما ورد في الاخبار و نزل به الكتاب و لست هنا بصدد تفصيل هذا المطلب و قد مرّ بيانه بقدر الحاجة فاذا عرفت هذه البيانات فاعلم ان المادة هي ظهور الطبيعة الكلية كما ان العقل المعنوي ظهور الفؤاد فانا قد اثبتنا في الحكمة ان الطبيعة في عالم الشهادة ظهور الفؤاد و انيته و المادة ظهور العقل و انيته فكما ان العقل الغيبي تنزّل الفؤاد و ظهوره كذلك المادة ظهور الطبيعة و الطبيعة الكلية هي مبدؤ عالم الشهادة و هي الياقوتة التي خلقها الله قبل جميع الاكوان و قد عبّر عنها بالياقوتة لجهات منها ان جوهر الياقوت صلب لشدّة تلزّز اجزائه و تشاكلها و كذلك جوهر الطبيعة لوحدتها و دهريتها النسبية و الياقوت احمر لحرارته و غلبة الكبريتية عليه و كذلك الطبيعة حارة يابسة و هي النار التي خلق الله منها ابليس اللعين و هي نار الشجرة اي شجرة النفس و بالجملة قال عليه السلام ان الله نظر الي الياقوتة بنظر الهيبة فذابت ، و ذلك ما قلنا انها تنزلت بالمادة و هي الماء فالمادة تنزل الطبع و مثاله في عالم الاجسام الجسم اللابشرط و الجسم بشرط لا فان الاول هو طبع عالم الاجسام و الياقوت الاحمر و الكثيب الاحمر و جبل طور الذي نبت عليه شجرة موسي ثمّ ظهر و تنزل الي الجسم الكلي و هو مقام الماء النازل منه و السيلان و الجريان و هو مادة الاجسام فيها بها فانه مادة في ضمنها علي ما اشرنا اليه و لولا الاجسام المقيدة لماكان جسم كلي ثابتا و ذلك مسألة شريفة ليس هنا محل بيانها و مرادي هنا محض الاشارة فعلي ذلك اذا نظرت الي الاجسام المقيدة ملاحظا للكلية المعنوية تري الجسم الكلي منها بها و لكن اذا لم‌تلاحظ الاجسام المقيدة بل كشفت النظر عن السبحات و محوت كل الموهومات تري الجسم المطلق اللابشرط فلا جسم بشرط لا حينئذ و لا جسم بشرط شئ و هو هو [ص 248] وحده فتدبر و هذا الجسم الكلي هو العلة المادية فاعرفها و اعرف فرقها مع الطبيعة و هي مسألة مهمة ثمّ ان المواد الشخصية هي اشعة الجسم الكلي و تنزلاته في الصور و لولا الصور لماثبتت مواد شخصية الاتري ان تعيّن مادة السرير مثالا في بطن السرير و لولا حدّ السرير لمابقي الا الخشب و هو مطلق و كذلك الامر هنا فان مادة الماء مثلا جسم و قد تعيّن في بطن الماء و صار مادته هنا و لولا صورة الماء لماكان الجسم مادة شخصية بل هو جسم مطلق و يجتمع الجميع فيه بالكلية فالمادة الشخصية ايضا مادة في بطن الصورة فحاصل الكلام انك اذا لم‌تلاحظ نسبة الصورة الشخصية لم‌تر الا الكلية و اذا لم‌تلاحظ الكلية تري الجسم المطلق اللابشرط و لاتزعم انه جزء الشئ و ركنه فانه امتناع الكل و لكن الكلام في شعاعه و نوره علي ما مرّ سابقا في مواطن عديدة فاذا عرفت هذه البيانات الشريفة فاعلم ان العلة في الحقيقة اثنتان الفاعل و الغاية و هما علتا وجود الشئ اي ذاته و حقيقته المستولية علي ركني الشئ و اما المادة و الصورة فهما علتا ماهية الشئ علي الاصطلاح الذي يسمّي المادة و الصورة بالماهية فان الماهية مركبة منهما قائمة بهما قيام ركن فاما المادة فهي يد الفاعل و ظهوره في الماهية و الصورة ظهور الغاية في الماهية ففي الواقع العلة هي الفاعل و الغاية و المادة ظهور الفاعل فان كل شئ في العالم مخلوق بمادته و ذلك ما يقال ان المادة هي حيث الشئ الي ربه و سبب وجوده و الغاية تظهر في الصورة فان غاية الشئ هي ما لاحظه الفاعل من صنع الشئ و ما لاحظه هو صورة الشئ في الواقع و ذلك في المخلوق بنسبة صنعه و اما في مجموع الملك بالنسبة الي الله تعالي فصورة علمه هي الغاية و علمه نفس المعلوم في الواقع فافهم و لاينافي ذلك ما ذكرناه ان العلل اربع فانها اربع في الواقع و لكن ظهور الاثنين في اثنين و هي معا لايفارق بعضها بعضا و الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور كليات الحكمة ما لم‌تكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم .

[ص 249] بقي شئ - قال بعض الحكماء ان الهيولي مشتاقة الي الصورة و استدل بادلة واهية لاتسمن و لاتغني من جوع و ردّ عليه طائفة اخري بادلة واهية اخري و صحح الآخوند القول بالاشتياق علي قوله بوجه خفي و استدلال كشفي و لكن لم‌يبيّن الا بعض القشريات من الجدليات المنطقية و هي اوهن من بيت العنكبوت مع انه من اوهن البيوت و عندي وجه في تصحيح الاشتياق بوجه سأذكره مجملا ان شاء الله فاعلم ان مقام الهيولي مقام المادة و هي الفعل اذ هي يد المشية في صنع الشئ و مقام الصورة مقام الانفعال للفعل و الشئ لايقوم الا بفعل و انفعال كالكسر و الانكسار و الفعل ايضا في وجوده يحتاج الي الانفعال و لولا الانفعال لماكان الفعل فعلا فان الكسر لايكون كسرا الا بالانكسار و هو و ان كان قائما بمؤثره قيام صدور و لكن الانفعال من تمام كون الاثر اثرا و لولاه لماثبت كسر ابدا فتدبر في ذلك حتي تعرف حق المسألة و قد قال عليه السلام الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور كليات الحكمة ما لم‌تكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، فلا بدّ في تمام خلق الشئ من ظاهر هو الانفعال و باطن هو الفعل و الباطن قائم بالظاهر و الظاهر قائم بالباطن و قد قال عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان باطن كل شئ يشتاق الي ظاهره و ظاهر كل شئ يشتاق الي باطنه و الا لمامال الباطن الي الظاهر و مامال الظاهر الي الباطن ابدا و لولا ذلك لماصار شئ محدودا بشئ ابدا و ما صار شئ حدّا لشئ ابدا و ذلك امر بيّن فان الله سبحانه لايقتضي من نفسه شيئا ابدا و اقتضاءات الاشياء لاتخرج من حدودها مع انك اذا اثبتّ اقتضاء لشئ بالنسبة الي شئ آخر لكان نفسه اولي بان يقتضي شيئا من نفسه لنفسه و الشئ اذا كان مؤثرا يظهر اثره في نفسه اولا و في غيره ثانيا فبهذه الادلة المجملة و غيرها نقول ان المادة بنفسها تقتضي الصورة و الصورة تقتضي [ص 250] المادة و قال بعض ان الهيولي تقتضي نوع الصورة ايّا كان و ذلك قول خالٍ من التحقيق و الحق ان كل مادة تقتضي صورة بحسبه فالهيولي المطلقة تقتضي الصورة المطلقة و تشتاق اليها و المادة الشخصية تقتضي الصورة الشخصية و تشتاق اليها فافهم ذلك و لانحتاج الي ذكر ادلة القوم و نقضها و ابرامها و ما قال الآخوند في معني الاشتياق انه ميل الشئ الي كمال يجده من جهة و يفقده من جهة ايضا لاينافي ما ذكرناه فانه يمكن اثبات هذا المعني للهيولي انها تجد الصورة في القوة و تفقدها في الفعلية .

المطلب الرابع

في العلة الصورية و هي الصورة للشئ و قد مرّ سابقا تعريفها و حق القول فيها و لكن نذكر هنا ايضا شطرا من وصفها فاقول ان الصورة بملاحظة هي مقام القابلية و الانفعال كما ان المادة التي هي الوجود مقام الفعل و الجهة الي الرب و الصورة هي حدود المادة و نهاياتها التي بها تمتاز عن غيرها و هذا البيان هو القشر الظاهر الذي اشتهر بين الناس و لكن حق القول خفي عنهم فاصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول فاعلم ان الصورة هي الفعلية و الكمال و هي آية الكينونة العليا و لذا تسمّي بالكون و العين التي هي الكون الخاص و هي من حروف العلم علم الله الذي سبق الخلق كنهه و بعد ما وجد وقع العلم علي المعلوم و هو من كماله كيدك منك و هو في الواقع وجود الشئ علي خلاف ما جري عليه الاصطلاح اذ يسمّونها بالماهية فهي كائنة ما كانت اشرف من المادة اذ المادة كلها الفقدان و النقص لانها ليست الا قوة محضة و الفعلية كائنة ما كانت اشرف من القوة و ذلك امر ظاهر و سرّ سارٍ فحقيقة الصورة اشرف من المادة و اسبق و اعلي و قد ظهرت اخيرا بالوصفية كما هو شأن كل مقدم و لذلك قال ابي اعلي الله مقامه ان الصورة هي ظاهر العلة الغائية مع انك قد عرفت سابقا ان العلة الغائية هي اشرف من العلة الفاعلية بل هي المهيّجة لها و الفاعل فيها فعلي ذلك يكون الصورة في عالم الحقيقة مؤثرة في المادة [ص 251] مهيجة لها علي الظهور و البروز و ان كانت ظاهرة بالوصفية و ذلك لاينافي المقصود فافهم ذلك و اغتنمه و لذلك قلنا ان الطبيعة سابقة علي المادة مع ان الطبيعة هي الصورة الا انها صورة كلية و سرّ ذلك ظاهر في عالم الاعراض في الجملة الاتري انك تصوّر صورة شئ من الاشياء اولا في ذهنك ثم تطلب لها مادة من المواد و تصلحها ثم تخرج ما في علمك الخيالي من الكمون الي البروز فتلبس الصورة التي اردت علي المادة نعم في عالم الاعراض ليس ما سبق في الوجود الدنياوي عين ما وجد بعد لان السابق شبح خيالي علمي و الذي يظهر يخرج من كمون المادة و ان كان نظير ما في الخيال و لكن في عالم الحقيقة اللاحق هو نفس السابق و ينزل بنفسه في كمون المادة ثم يخرج منها ثانيا فالصورة اسبق وجودا و الامكان اسفل منها لا محالة بل اقول الامكان و ان كان في العداد اول كل الخلق و لكنه في الواقع اسفل من الكل و جميع الاكوان سابقة عليه في الواقع فاذا عرفت ذلك تعرف ان في الواقع تكون الصورة فاعلة و المادة منفعلة و سيظهر لك ان شاء الله سرّه فيما بعد بحول الله و قوته .

ختام - قد اشتهر في زماننا هذا بين اتباع مشايخنا اعلي الله مقامهم ان آل‌محمد صلوات الله عليهم هم العلل الاربع لجميع الخلق و لكن لم‌يكشف لثامه و لم‌يفض ختامه و انا احبّ ان ابيّن هذه المسألة الشريفة في كتابي علي نحو الاجمال و قد مرّ سابقا في العلة الفاعلية اشارة الي ذلك و لكني اوضحها في الجملة في المقام توكلا علي الله و اسأله ان يسترها عن اعين اعدائه و جعلنا من بين ايديهم سدّا و من خلفهم سدّا فاغشيناهم فهم لايبصرون فاعلم كما مرّ ان ذات الله سبحانه منزهة عن جميع الصفات عالية عن كل السمات بريئة عن الحدود مطلقة عن القيود فكل ما تصفه الالسن و تحدّه المشاعر و تعلمه الانفس و تعرفه القلوب فهو بخلافه سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و من قال بغير ذلك فلم‌يعرفه حق [ص 252] معرفته و لو عرفوه لماشبهوه بخلقه و من الصفات التي تنزهت الذات عنها العلية و المعلولية و السببية و المسببية فانها من قبيل الاضافات و قد خبط من قال بغير ذلك فان العلة ما لها معلول و المعلول ما له علة و السبب ما له مسبب و المسبب ما له سبب ، و كل الي كل مضاف و منسوب ، علي ما مرّ سابقا و الذات تتنزه عن كل اضافة و نسبة و لانحتاج الي اعادة الكلام و ان احببت فراجع بل اقول مثل هذا الكلام في نفس الفاعل فانه صفة فعل و الفاعل ذات اتصفت بصفة الفعل و ان لم‌تتصف بها لماسمّيت فاعلا الاتري انك لاتسمّي زيدا بالضارب ما لم‌يضرب فاذا ضرب تقول انه ضارب فالضارب ذات ثبت لها الضرب و كذلك الامر في ساير الصفات و الذات لاتكاد تتعين بصفة فعلية ابدا اما اولا فلان الفعل اثرها و شعاعها الصادر منها فلايعرضها و اما ثانيا فانها اذا اتصفت بصفة ما تصير ذاتية لها لا محالة فان عكس ذلك خلف للزوم ثبوت ما هو خارج عن حيّز الذات في الذات و هذا محال فلا بدّ و ان يكون الوصف ذاتيا و الذاتيات لاتتغير ابدا فاذا كان زيد ضاربا في ذاته لزم عدم كونه عفوا حينا مّا و نري انه يضرب تارة و يعفو اخري و ايّ دليل ادل من ذلك علي ان الصفات لاتعرض ماهية زيد و لكنها مجالي و مظاهر تتجلي الذات لها بها احيانا و كذلك الامر في ذات الله تعالي فانها منزهة عن كل وصف و لايعتريها شئ منها مطلقا و لو عرضها شئ منها لصار جزء ذاته تعالي و لم‌يكن يجوز عليها التغيّر و الزوال و نري علانية انه تعالي يثبت شيئا مرّة و ينفيه مرّة و يفعل و لايفعل و ذلك علامة واضحة علي انه تعالي لايكون متصفا بالذات فهي اي الذات تتجلي و تظهر في الصفات و الافعال علي ما تشاء فتفعل و لاتفعل و تخلق و لاتخلق و تعطي و تمنع و تعزّ و تذلّ من غير ان يتفاوت كنههه و يتغيّر ذاته فالله سبحانه بذاته منزه عن كلها و لذلك يتجلي لها فالذات لاتكون فاعلة لا محالة و لكن الفاعل اسم من اسمائه و ظهور من ظهوراته و هو من الخلق لا محالة [ص 253] و ان كان المعنيّ به الله سبحانه اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فاذا لم‌يكن حقا فهو خلق الا انه يدل علي الله عز و جل و اذا كان الفاعل من الخلق فهو اولهم لا محالة اذ جميع المخلوق مفعول لله تعالي بفعله و ليس هناك الا فعل و مفعول و فاعل اما المفعول فهو منشأ مخلوق و قد انشأه الله بفعله و اما فعله فمشيته و اما الفاعل فهو ظهوره الظاهر في الفعل به له و معناه في الواقع سابق علي الفعل و ان كان اللفظ المتخذ له مشتقا من الفعل و معناه نور الفاعل الحقيقي الظاهر بالفعل فافهم ذلك فانه دقيق الاتري انك تقول ان الخالق هو الله و لاتقول المشية هي الله بل تقول انها خلق الله و ذلك امر ظاهر و الله الخالق للمشية هو الخالق لغيرها و من قال بغير ذلك فقد اشرك بالله تعالي و لا شك ان الذات منزهة عن جميع ذلك فالفاعل اي معناه هو اعلي درجة المشية و ذلك قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فالنفس هي معني الفاعل و لكن اخذ له في عرصة الخلق ظاهر يدل عليه كما اخذ في عالم الالفاظ لفظ دون الفعل للدلالة علي الفاعل المعنوي و هو اسم الفاعل و الذي يحكي نفس المشية و الفاعل الحقيقي هو العقل الذي هو قلم الايجاد و مظهر الغيوب و علة الموجودات و فاعل الفواعل و هو نور نبي الله تعالي و روحه القدسي و نور الائمة الاطياب عليهم صلوات الله و قد ورد بهذا المعني اخبار كثيرة منها قول الامام عليه السلام نحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا ، و في خطب اميرالمؤمنين عليه السلام تصريحات بهذا المطلب بل اقول انهم نفس المشية و عينها و ذلك قوله عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد و قال عليه السلام ما معناه هم قدرة الرب و مشيته و في زيارة آل يس و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم ، فافهم ذلك ان شاء الله و ان شئت زيادة البيان فراجع ما مرّ في المقالة الاولي في المعاني و الابواب [ص 254] و كذلك نقول هم العلة الغائية لجميع العالم لما مرّ سابقا ان الذات لاتكون غاية كما زعمه الملا صدرا و اشياعه و قد قال عليه السلام في الله انه غاية الغايات بلا غاية و المغيّٰي غير الغاية ، هذا و الغاية مما يمكن للخلق المخلوق لاجلها الوصول اليه و هم لايصلون الي الله ، تعالي عن ذلك علوا كبيرا فالغاية من الخلق مع انك قد عرفت انها المهيّجة للفاعل علي الفعل فلاتكون دون الفاعل فان ما دونه لايتصرف فيه و فوقه لايكون شئ اذ هو اول الخلق فهو نفسه لا محالة الا انه من حيث تصرّفه و تأثيره في غيره فاعل و من حيث ظهوره في ما دونه بكماله و جماله و جلاله غاية و قد عرفت ان اسم الفاعل هم آل‌محمد عليهم السلام فالغاية هم ايضا و ذلك قوله تعالي في القدسي يا ابن آدم خلقت الخلق لاجلك و خلقتك لاجلي و قال ظاهرك للفناء و باطنك انا ، و ضمير المتكلم ضمير النفس و هم نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن . و بوجه آخر نقول في الحديث الاول انهم ابن آدم علي الحقيقة كما في اخبار و كذلك في حديث آخر لولاك لماخلقت الافلاك ، فهم غاية خلق الخلق في اول مقاماتهم و في عرصة اكوانهم ظهر العلة الغائية في فؤادهم كما ظهر الفاعلية في عقلهم فتدبر و كذلك هم العلة المادية و الصورية فانك تعلم بلسان الشرع ان جميع اوليائهم خلقوا من فضل نورهم و ورد بذلك اخبار عديدة فنورهم مادة جميع الاولياء و اعداؤهم خلقوا من ظل النور و وجود ظل النور ايضا من النور فانه وجوده انفعالي وصفي و علته النور فهم علة مادية لجميع الخلق و علي لسان اهل الكون نقول ان العقل الاول هو الماء الذي خلق منه كل شئ الاتري في بعض الاخبار ان الله خلق اول ما خلق العقل و في بعض الاخبار الماء و في بعض القلم و لا تعارض بينها و لا مخالفة بين اخبارهم الحكمية فالكل واحد و ورد ايضا ان الله خلق اول ما خلق العقل ثم قال له ادبر الحديث ، و غاية ادباره الارض و خلق الخلق من ادباراته و ذلك معني المادة لا غير [ص 255] فهو العلة المادية لكل الخلق كونا و شرعا و اما الصورة فهي تخطيطات المادة و نهاياتها بل هي مما به المادة مادة . و بلسان آخر ان الصورة مقام النفس و قد خلقت من ادبار العقل و تنزله و صور جميع الخلق عكوس النفس فهم العلة المادية و في الشرع في مقام التفصيل نقول ان المادة من قبل النبي (ص) و الصورة من قبل الولي و لذا يكون مقام النبوة مقام الاجمال و الاتحاد و الصورة مقام التفصيل و الاختلاف و قد قال (ص) لا اختلاف في الله و لا فيَّ و لكن الاختلاف فيك يا علي ، و قال يصوّركم في الارحام و الرحم في الباطن مقام الولاية اذ هي ام الامة كما قال انا و علي ابوا هذه الامة و ورد في معناه ان النبي هو الاب و الولي هو الام ، و ذلك لانه نفس النبي بنص آية المباهلة و النفس بالنسبة الي العقل ام فتدبر فهم العلة المادية و الصورية لجميع الخلق و كذلك الفاعل و الغاية و لنا ان نقول انهم فاعل و غاية في اصل نورهم و مادة و صورة في شعاع نورهم و لذلك نقول ان الخلق خلقوا من نورهم لا من ذاتهم او نقول انهم في ذاتهم منزهون عن جميع الصفات اذ ذاتهم فوق الفوق و ذلك قول اميرالمؤمنين عليه السلام انا المعني الذي لايقع عليَّ اسم و لا شبه ، و قول ولده عليه السلام الامام لايوصف ، فالفاعل و الغاية ايضا نورهم و شعاعهم و لكل وجه خفي عن اعين الناس و لايجوز اظهاره اكثر من ذلك و استغفر الله من طغيان القلم و حسبك ما بيّنت ان كنت من اهل الكلام .

المقام الثاني

في ذكر التأثير و التكميل و حقيقتهما و ما يتعلق بهما و فيه مطلبان :

المطلب الاول

في التأثير و فيه مباحث :

المبحث الاول - في معرفة المؤثر و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الاثر في اللغة بقية الشئ و العلامة و اَثَّرَ فيه تأثيرا [ص 256] اي ترك فيه اثرا و علامة فتَأَثَّرَ علي تفعّل للمطاوع و له معان اخر لاتناسب المقام هذا في اللغة و اما في الاصطلاح فالتأثير هو فعل العالي في السافل الذي ليس من مادته و لا صورته و الذي يشارك الفاعل فيهما يكون فعله فيه تكميلا و لاينافي المشاركة كون المادة في واحدة منهما الطف و في الآخر اغلظ كالسماء و الارض مثلا و المراد من المشاركة ان يجمعهما جنس قريب كالجسم الذي هو مادة الافلاك و العناصر و المراد من عدم المشاركة في مقام التأثير عدم المشاركة في الجنس القريب و الا فالكل من الامكان ثمّ المراد من قولنا ان التأثير هو فعل العالي في السافل ، العالي في الطول لا في العرض و السافل هو الذي مادته اثر العالي و صورته اثره و فعله فيه اي جعله اياه و سيأتي بيان ذلك و المراد هنا محض الاشارة من باب المقدمة لمعرفة المؤثر فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المؤثر اسم الفاعل و يراد منه ذات ثبت لها الاثر اي اتصفت بجعل الاثر اي ظهرت بالتأثير كما في ساير الفواعل فان الفاعل مطلقا يعني ذات ظهرت بالفعل و اتصفت به و لو لم‌تتصف بالفعل لاتوصف به ابدا الاتري انك لاتوصف بالضاربية ما لم‌تضرب و لاتسمّي ضاربا الا اذا كنت متصفا بالضرب و قد بيّنت سابقا في العلة الفاعلية ما يغنيك عن التفصيل الا اني اريد بيان بعض جهات المسألة فاقول ان الاصوليين طرحوا مسألة و اختلفوا فيها انه هل يصح اتصاف الشخص بالمشتق مع عدم ذكر المبدأ فيه ام لا و مرادهم انه اذا لم‌يتصف الشخص بصفة بالفعل هل يشتق له لفظ الفاعل مثلا من هذا المبدأ بمحض انه من شانه ان يكون هكذا او كان في الماضي او يكون او بالملكة او لا فالشجرة المثمرة مثلا اذا لم‌يكن الثمر عليها هل تسمّي مثمرة بمحض ان ذلك من شانها ام لا ، اقول اما في مثل المقام فلايحتاجون الي الخلاف لوضوح المسألة لان اختلافهم لمعرفة موقع النهي عن البول تحت شجرة مثمرة و في الخبر صرّح عليه السلام بكون الثمرة عليها و لكن اصل المسألة مسألة شريفة [ص 257] لا بدّ من معرفتها فاقول دليل النقل و العقل حاكم بان المشتق لايصدق علي الشئ الا مع ذكر المبدأ بالفعل الاتري الي قوله عليه السلام لايزني الزاني و هو مؤمن ، فما دام ثبوت الايمان له يكون مؤمنا و الايمان لايجتمع مع العصيان فاذا عصي يسلب عنه اسم الايمان و يثبت له اسم العاصي و بعد التوبة يُمحٰي عنه اسم العصيان فلايكون عاصيا كما ورد في من نسب الزني الي المحدودة انه يعزّر و لكن اذا قال لولدها ولد الزني يكون صادقا ، و برهان ذلك من العقل ان حقيقة الشئ من حيث هي هي بريئة عن كل صفة و تظهر في كل صفة كما تري اذ لو كانت محدودة بصفة لماكانت تظهر في اضدادها و تري انها تظهر في كل الاضداد و المختلفات و ذلك ان الحقيقة مقامها فوق عرصة الصفات و هي سرمدية او دهرية و لايعرضها شئ من الصفات و لكنها تتجلي في كلها كزيد مثلا فان حقيقته خارجة عن حدّ جميع الصفات بريئة عن كل الحدود و هي حقيقة واحدة دهرية و جميع الصفات امثلة خارجة عنها واقعة دونها و نسبتها الي كلها بالسواء فهي من حيث هي لاتسمّي باسماء الصفات و لاتوصف بها و بعد ما ظهرت فيها توصف بها فاذا ظهرت بالقيام توصف بالقيام و تسمّي قائما فيه و منه و لاتوصف به قبله و لا بعده فالقائم هو ذات ظهرت بالقيام و كذلك ساير الصفات فالقائم هو زيد حين القيام مع القيام و القاعد هو هو حين القعود مع القعود و هكذا كما انه بصير في العين سميع في الاذن و هكذا و ما تري من انه يوصف ببعض الصفات مع عدم بروزها منه حينا فيقال انه عالم مع عدم التفاته الي العلم حينا او فقيه مع عدم التفاته الي الفقه احيانا و امثال ذلك من الصنايع فذلك بحسب الملكات النفسانية فان الملكة فعلية كلية و لذلك لايسمّي زيد مثلا عالما بمحض مدارسة يوم واحد كما انه لايسمّي كاتبا الا اذا صار الكتابة صنعته و قد يسمّي باسم الصفة من باب الشان و القوة و ذلك من باب المجاز فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الذات من حيث هي لاتسمي باسم [ص 258] المؤثر و لا باسم المكمل الا بعد ظهورها بالتأثير و التكميل لا بغير ذلك فاذا اثرت تكون مؤثرة و اذا كملت تكون مكملة و اما قبل التأثير و التكميل فلاتسمّي مؤثرة و مكملة و لا بعده و هذا امر واقع و يشهد بذلك اخبار كثيرة في الاسماء و الصفات رويتها في كتاب المبين و ان شئت فراجع هنا و اتبرّك هنا بنقل واحد منها قيل لابي‌عبدالله عليه السلام فلم‌يزل الله متكلما قال ان الكلام صفة محدثة ليست بازلية كان الله عز و جل و لا متكلم انتهي ، فعرف من ذلك ان المتكلمية بوجود الكلام فلولا الكلام لم‌يثبت الفاعل ابدا و غير ذلك من الاخبار الدالة علي ذلك عديدة .