فاذا عرفت ذلك فاعلم ان جماعة قالوا ان الله فاعل بالقصد و الآخوند (ره) ردّ عليهم ذلك بلزوم الاضطرار و التجسم و انا اقول لايلزم من ذلك اضطرار و لا تجسّم ابدا ان اريد به المعني الحق فان الله فعل ما فعل بمشيته تعالي و هي علة جميع الخلق و المشية مخلوقة بالعلم كما قال عليه السلام بالعلم خلقت المشية ، لا بمعني قالوه ان علمه الذاتي علة وجودها بل بمعني ان اعلي مقامها حيث علميتها لله تعالي و قد خلقها الله بها كما قال عليه السلام في خبر آخر خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و لا تعارض بين الحديثين الشريفين ثم اعلم ان ارادته ليست كقصد عباده فان قصدهم ضميرهم و ما يبدو لهم و ارادة الله خلقه و قد خلق ما خلق بها و لايلزم من ذلك عيب و علي اختيار من اختار القسم الخامس [ص 205] و السادس يلزم الكفر و الشرك نعوذ بالله و انا اتبرك في المقام برواية كلام من شيخنا القمقام اعلي الله له المقام ، قال في شرحه علي العرشية : و اما ما كان بالرضا فانه اذا قال علمه الذاتي علة لوجود مفاعيله فان اراد بالعلة علة الكون فالعلم من حيث هو علم لايكون علة الكون و انما علة الكون الذات اذ العلم من حيث هو لايكون مؤثرا و ان اراد علة التكوين فلاتكون الا الفعل لان العلم ليس هو المكوّن به و لا المكوّن فلايصلح الفعل بالرضا خاصة من القادر المختار الا كونه مصاحبا للفعل بالقصد و اما الفاعل بالعناية فيلزم منه اما الجبر في الافعال الاختيارية و اما كون الاشياء قديمة غير مجعولة و الكل باطل لعدم القصد الزايد علي العلم و لمساواته للايجاب لان الموجب هو الذي لايتخلف عنه مفعوله و الفاعل بالعناية اذا كان علمه الذي هو ذاته هو العلة لا غيره و هو علة تامة فقد كان فاعلا بالايجاب ثمّ قال اعلي الله مقامه في القسم السابع الذي هو الفاعل بالتجلي كما يقوله الصوفية و هو ان يلقي الفاعل مثاله في هويات الاشياء بحسب قوابلها فاذا ارادوا به ان الهويات هي الصور العلمية الغير المجعولة سواء قيل انها في علمه الذي هو ذاته ام متعلقة به كالظل بذي الظل فهذا باطل لاستلزامه اثبات اشياء غير الله لميكن محدثا لها و ان ارادوا به ان الهويات الملقي فيها هي نفس القوابل و انما قيل بحسب قوابلها ان الملقي و هو المثال قد تختلف جهاته و كمياته و كيفياته و رتبته و امكنته و اوقاته و اوضاعه و ما اشبه ذلك من المشخصات و هذه هي حدود القابلية و الانفعال المسمّي بالصورة و بالماهية بمعني الاول كما مرّ و هي من نفس المثال الملقي من حيث نفسه و هو متقدم بالذات مساوق لها بالظهور كالكسر و الانكسار و ان المراد بالالقاء تحقق المثال و ظهوره بشرايط الظهور و التحقق التي هي المذكورة و ان المراد بالمثال هو وصف الله نفسه الفحواني عبده و هو الوصف المحدث الذي به لعبده و هو حقيقة عبده منه تعالي و هو المسمي [ص 206] بنور الله في قوله فانه ينظر بنور الله و هو الفؤاد لعبده و هو المسمي بالوجود عندهم و هو المادة عندنا فان ارادوا هذا كما ذكرنا فهو حق و قد اشار اميرالمؤمنين عليه السلام الي ما ذكرنا بقوله لايحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ، و كل جزئي مما ذكرنا ان ارادوا غيره فهو باطل و كل ما ذكرنا قد ذكرنا ما يدل عليه دلالة قطعية و نذكر فيما بعد و ان ارادوا بالمثال شيئا ليس بمجعول فهو باطل لان الالقاء لايتعلق الا بالحادث لانه انزاله من رتبة الي غيرها و ان جعلوه حادثا و جعلوا الهويات الملقي فيها ليست مجعولة فهو باطل لان الحادث مجعول و لايحلّ مجعول في غير مجعول و ان جعلوها مجعولة و هي لمتكن صورة المثال المجعول كان الحاصل منهما مركبا و ليس ذاتا واحدة فهو باطل و ان جعلوا المثال الفعل فهو باطل لان المثال هو الملقي و الفعل هو الالقاء و الحاصل انه تعالي خلق المادة للمخلوق و المخلوق لايقدر علي الظهور بدون ضميمة هي هويته و هي الماهية بالمعني الاول كما تقدم و الصورة فخلق له ثانيا و بالعرض الماهية ، انتهي كلامه علا مقامه المتعلق بما اردت ايراده ثمّ فصّل من بعد ذلك الحق في المقام بقدر اقتضاء المحل و نحن نذكر الحق ايضا فيما بعد و ما يقتضيه المقام من رسالتنا ان المصنف اختار ان الله سبحانه فاعل بالعناية او الرضا او بالتجلي فاقول ان ذات الله تبارك و تعالي منزهة عن الفاعلية مطلقا كما مرّ سابقا نعم يصح نسبة الفاعلية اليه بمعني انه خلق المشية و فعل بها ففاعليته ظاهرة في مشيته و المشية مخلوقة كما مرّ و سيجيء زيادة البيان في موقعه ان شاء الله و لايجوز نسبة العناية و الرضا علي المعني المذكور اليه فان الجبر في الفعل لازمتهما لدي العارف الخبير و لكن ان اراد من الرضا المعني المصطلح في الشرع و من العناية معني صحيحا فلايضر و كذا التجلي و قد ظهر الحق فيه .
تنوير - اريد الاشارة الي بعض البواطن في العلة الفاعلية و قد عرفت مما مضي [ص 207] ان الذات تتنزه عن الفاعلية بكل معني فانها تجلّ عن الاسماء و الصفات و تتقدس عن شوائب الكثرات و الاضافات و الارتباطات و الاقترانات و هي اي العلة الفاعلية ظهورها بالفاعلية علي ما اشرت سابقا و الظهور بالفاعلية ليس الا في رتبة الفعل فان فوق رتبته ليس الا الذات و هي لاتتصف بالفعل بنفسها ثم ان الفعل فعل في رتبة المصدر فانه قبل الصدور لاشئ و بعد الصدور مصدر و هو هو حين الصدور مع الصدور و لذا اختير للفعل لفظ المصدر و قد ثبت ايضا في الحكمة ان بين الاسماء و معانيها الذاتية مناسبة تامة فالظهور الاول للحق تبارك و تعالي لايسمّي بالاسماء المصدرية الخاصة كالضرب و النصر و الاحياء و الاماتة لانه ظهور كلي يجلّ عن جميع هذه الخصوصيات و لكنه كمال كلي لله تعالي يسمّي بكل اسم بعد الظهور به و قد نعبّر عنه في الخلق بالحركة المطلقة و في المقام بالمشية المطلقة الصالحة للتصور بكل صورة من صور الافعال و لا ذكر لها فيه الا بذلك و لذلك يقال ان المشية هي الذكر الاول و صور الافعال كلها مشتركة في كونها حركة متمايزة بصورها فخصوصيات الحركات ليست الا في محل وجودها كما تري ان ما يصنع من الخشب مثلا كلها مذكورة في الخشب بالاجمال و ليس فيه ذكر تفصيلي لشئ فالباب مذكور بالبابية في محل وجود الباب فان الباب باب بهذه الصورة و الضريح ضريح بهذه الصورة لا غير بل الاحكام الشرعية مترتبة علي الاسماء فان ضريح السعداء سعيد بصورته و نسبته و الصنم خبيث بصورته و اذا بطلت الصورة لايبقي للخشب حكم السعادة و الخباثة ابدا كما لايبقي اسم الصنم و الباب و قس عليهما ساير ما يصنع من الخشب فان الاسماء تدور علي الصور و الاحكام ايضا تترتب عليها و المادة الاولية بريئة عن جميعها نعم هي تصلح للتصور بكلها و اذا تصورت بصورة منها تترتب عليها الاسماء و الاحكام فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الامر في هذا الملك علي هذا النظم فان المشية تتنزه عن التصور بكل صفة [ص 208] خاصة و لكل صفة مبدأ خاص لاتتجاوزه فان المشية فعل مطلق يمكن ان يرزق الله بها العباد و يخلق و يعطي و يمنع و يحيي و يميت و لا ذكر لشئ منها علي الخصوص و التعين فيها الا بالصلوح و بعد ما تعلقت بخلق العباد يعبّر عنها بخَلَقَ و بعد ما تعلقت برزقهم يعبّر عنها برَزَقَ و هكذا و كذلك الامر في الفعل و الترك فان المشية يمكن ان يفعل الله بها و يمكن ان لايفعل و بعد ما فعل بها يظهر الفعل ثمّ ان اسماء الفواعل كلها مشتقة من المصدر في الظاهر و الباطن و بعد وجود المصدر يوجد الفاعل و قد بيّن علماء الاصول ان اسم المشتق لايصدق علي الشئ الا بعد وجود المبدأ و يصدقهم في قولهم النقل و العقل فقبل وجود مبدأ كل مشتق من المشتقات لا ذكر لها ابدا الا بالصلوح فان جميع مشتقات الضرب توجد بعد وجود الضرب و قبله لا وجود لها و جميع مشتقات النصر توجد بعد وجود النصر و هكذا فعلي ذلك اسماء الفواعل كلها مقامها بعد وجود المصدر فالخالق بعد الخلق المصدري و الرازق بعد الرزق و هكذا فالعلة الفاعلية مقامها بعد الفعل المصدري و المصدر مقامه بالذات بعد الفعل الا ان ظهور الفعل فيه و به يعرف و يوصف و يحدّ و بالجملة لست بصدد التفصيل و مرادي الاجمال فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان اسماء الفواعل ليست توجد في رتبة الذات فان اصولها ليست في رتبة الذات الاحدية فاذا ظهر ان الصيغ المصاغة من اصول موجودة في رتبة تلك الاصول فضَرَبَ موجود في عالم الضاد و الراء و الباء و ليست هذه الحروف نفس الحركة المطلقة و الا كان جميع الافعال ضَرَبَ و هو معلوم البطلان فضَرَبَ في عالم الضرب و الضارب و المضروب و المضرب و المضرب بالفتح و غيرها فاذ قد ثبت كون جميعها في عالم الضرب فليعلم ان ضَرَبَ هو غيب الضرب و كذلك ساير المشتقات منه في عالم الضرب لانها من هذه الاصول و غيره غير معقول كما ان الضريح و السرير و الصنم و غيرها مما ينحت من الخشب في عالم فيه الخشب و هي عين الخشب المصوّر [ص 209] بهذه الصور و ليس غيرها فهي جميعها خشب و كذلك جميع المشتقات من الضرب ضرب الا ان بعض صور المشتقات الطف و ابسط و اعلي و بعضها اكثف و اخس و ادني كما ان جميع المركبات الجسمانية اصلها من الجسم و كلها جسم لكن بعضها الطف صورة و اعلي كالافلاك و بعضها اكثف صورة و ادني كالعناصر فكذلك الصيغ المصاغة من الضاد و الراء و الباء فنقول ان صورة ضرب الطف و اعلي من ساير صور المشتقات و اكثرها اضمحلالا و اشدّها تلاشيا عند الحركة المطلقة التي هي مبدؤها و اعلاها و لذلك ليس يدل الا علي معني قائم بنفسه مستند الي غيره و لذلك قال الصادق عليه السلام خلقت المشية بنفسها ثم خلقت الاشياء بالمشية ، فالمشية هي اول ما خلق الله و كل مكوّن في عالم هذه الاصول يدل علي معني الفعلية يكون مبدءا و علة للباقي و مقامه في عالم المشتقات مقام الافلاك في عالم الاجسام فكما ان الافلاك هي اجسام لطيفة متحركة دالة علي حركة المسمي كذلك ضَرَبَ في عالم اصوله اصول متحركة دالة علي حركة المسمي و مقام الضرب المصدري مقام الارض في عالم الاجسام فان الارض هي المفعول المطلق للافلاك و مقام الافلاك مقام الفعل بها خلق الله سبحانه الارض و لذلك صارت ساكنة و صارت الافلاك متحركة كالفعل و كما ان الافلاك عاملة في الارض كذلك الفعل في المصدر و اما اسم الفاعل فمقامه المصدر لكن من حيث الآئية للذات به عرفه العالي نفسه بالفاعلية و به حكي الفعل عدم استقلال نفسه عند باريه و لاجل ذلك نقول ان الفاعل مشتق من المصدر و لاجل ذلك تري ان اسم الفاعل يقتضي مفعولا و يعمل فيه كالفعل و هو فرع الفعل في العاملية و انما تأخر اسم الفاعل عن الفعل لاجل الاستقلال الظاهر فيه و كل ما هو اكثر اضمحلالا في الآثار اعلي رتبة لانه كماله في فنائه فالاثر المضمحل مستقل بالعالي و المستقل مضمحل لاجل غلبة الانية فيه و انقطاعه عن العالي علي حسبه و كذلك الامر في [ص 210] حقايقها الاتري ان زيدا ليس بكاسر للكاس الا عند كسره اياه و بعد كسره له و الانكسار اثر حادث في الكاس لا خارجا عنه و الكسر حاصل موجود بفعل زيد الذي هو كسر فاذا كسر زيد الكاس حصل الكسر و ظهر فيه فاذا حصل صار زيد كاسرا و اما اذا رماه و فعل ما هو منه و لمينكسر الكاس لميصر كاسرا و اذا رمي هو و انصبغ فعله بالكسر صدق كَسَرَ و حصل الكسر فصار كاسرا فالكاسر هو زيد الظاهر بالكسر لا غير و ظهوره للكسر بنفس الكسر لا بغيره فالكاسر هو الكسر من حيث الآئية و لايظهر زيد بالكسر الا بعد ان يكسره فاذا كسره اوجد الكسر فاذا اوجد الكسر ظهر به له فاذا ظهر به له سمي نفسه له بالكاسر تعريفا فالكاسر هو زيد في الكسر من حيث الآئية و المكسور نفس الكسر فانه الاثر المخلوق بكسر . بقي شئ لا بد من الاشارة اليه و هو انا قلنا ان الفاعل جهة الآئية للمصدر مع انه مشتق من المصدر و المشتق كائنا ما كان فرع المشتق منه اقول ان المصدر له حيثان حيث فعلية و حيث مفعولية فالحيث الاول هو حيث كونه تأكيد الفعل و هو من هذا الحيث في قوة الفعل فقولك ضَرَبَ ضرْبا في قوة ضَرَبَ ضَرَبَ فعلا و هو يعمل عمل الفعل بداهة و له حيث مفعولية و هو حيث كونه بمعني المفعول فالضرب بمعني المضروب و الفاعل هو حيث آئية الحيث الثاني لا الاول و هو فرع الحيث الاول و لايضر تأخره ظهورا اذ جميع هذه المراتب مراتب شئ واحد لايسبق بعضها بعضا وجودا و ان كان رتبة بعض سابقا علي بعض فتدبر .
في العلة الغائية و فيه اشراقات :
الاشراق الاول - في معني الغاية و العبث و الجزاف علي الاصطلاح المذكور في الكتب و لا بدّ من تقديم مقدمة لمعرفة الاصطلاح ، قالوا ان كل حركة ارادية لها مبادٍ مترتبة فالمبدء القريب هو القوة المحركة اي المباشرة لها و هي في الحيوان تكون في عضلة العضو و قبله الارادة المسماة بالاجماع و الذي [ص 211] قبل الاجماع هو الشوق و الابعد من الجميع هو الفكر و التخيل قيل اذا ارتسمت في الخيال او العقل صورة ما موافقه حركت القوة الشوقية الي الاجماع بدون ارادة سابقة بل نفس التصور سبب الشوق و قال الآخوند ان الامر في صدور الموجودات من الفاعل الاول علي هذا المثال نعوذ بالله فان تصور النظام الاعلي علة لصدور الموجودات من الفاعل الاول علي هذا النظام من غير حاجة الي شوق و لا استعمال آلة ثمّ اذا تحرّك الشوق الي الاجماع و تحقق الاجماع خدمته القوة المحركة التي في الاعضاء فقد ثبت ان الحركات الارادية تتم بالاسباب المذكورة فربما كانت الصورة المرتسمة في القوة المدركة هي نفس الغاية التي ينتهي اليه الحركة كالانسان اذا ضجر عن موضع فتخيل صورة موضع آخر فاشتاق الي المقام فيه فتحرك نحوه و ربما كانت غيرها كغاية يلاحظها في حركته ففي الاول نفس ما انتهت اليه الحركة نفس الغاية المتشوقة و في الثاني لايكون كذلك و ربما يكون نفس الحركة غاية المتحرك فقد تبين ان غاية الحركة في كل حال من حيث كونها غاية الحركة هي غاية حقيقية اولية للمبدأ القريب للحركة التي تكون في عضلة الحيوان لا غاية له غيرها بخلاف المبادي التي قبله اذ ربما كانت لها غاية غير ما ينتهي اليه الحركة كذا قيل و بعضه عندنا مخدوش و يظهر بطلانه مما مرّ في هذا الكتاب و مما سيأتي و لما كان مرادي بيان اصطلاحهم ذكرتها من كلامهم فاذا عرفت مقدمتهم فاعلم انه اذ اتفق ان يطابق المبدء القريب الاقرب و المبدءان اللذان قبله اعني القوة الشوقية مع ما قبلها من التخيل و التفكر كانت غاية الحركة غاية للمبادي كلها فليست عبثا لانها غاية ارادية و اذا طابق ما انتهت اليه الحركة المشتاق التخيلي و لميطابقه الشوق الفكري فهو العبث ثم كل غاية ليست نهاية الحركة و ليس مبدؤها تشوق فكري فلايخلو اما ان يكون التخيل وحده هو مبدأ الشوق او التخيل مع طبيعة او مزاج مثل التنفس و حركة المريض [ص 212] او التخيل مع خلق و ملكة نفسانية داعية الي ذلك الفعل بلا روية كاللعب باللحية فيسمّي الفعل في الاول جزافا و في الثاني قصدا ضروريا او طبيعيا و في الثالث عادة و كل غاية لمبدء من تلك المبادي من حيث انها غاية اذا لمتوجد يسمّي الفعل بالقياس اليها باطلا ، انتهي كلامهم و الحاصل ان الغاية ما لاجله يكون الشئ و اختلفوا في وجود العبث و عدمه و بعض قد اثبت له غاية ايضا و بعض قد نفي الغاية له مطلقا و سيجيء الكلام فيه و نحن نقدّم في الكلام ما هو العمدة و نذيّله بذكر بعض كلماتهم و تحقيق الحق و ابطال الباطل .
الاشراق الثاني - في صفة الغاية و رتبتها ، فاعلم ان الغاية هي المهيّجة للفاعل علي الفعل و سبب بروزه و صنعه فان الفاعل المطلق من حيث نفسه لايقتضي ترجيح شئ علي شئ و صنع شئ دون شئ اذ قد عرفت سابقا ان الفاعل غير الذات بل هو ظهورها بالفاعلية و هي فوق الفاعلية و اللافاعلية الاتري الي النجّار فان ذاته منزهة عن هذه الصفة و لذا قد لاينجر و قد ينجر و لو كان ذاته نجّارا لمافرض عدم نجرها اذ الذاتيات لاتتفاوت الاتري ان النار لايفرض عدم احراقها و ذلك لانه من طبعها و كذلك الامر في جميع الطبيعيات فكل ما رأيت الشئ انه قد يتصف بصفة و قد لايتصف فاعلم انه فوق هذه الصفة و نقيضها و ضدها فيمكن ان يتصف بكلها و منها الفاعلية فالذات يمكن ان تكون فاعلة و لا فاعلة فعلي ذلك لاتتصف الذات بالفاعلية بلا جهة خارجية و تلك الجهة ايضا غير الذات لما سيأتي ان شاء الله و هي المرجحة لظهورها بالفاعلية و هي الغاية الملحوظة في صنع الشئ فان النجّار مثلا يتصور اولا جلوس السلطان علي كرسي فيعزم علي نجر الكرسي فيظهر في هذا الفعل فيصير نجارا فتصور جلوس السلطان صار سبب حركته و ميله الي هذه الصنعة و جلوس السلطان غاية الصنع فهي سابقة علي الصنع و علة للصانعية و لولا هذه الغاية الملحوظة لماصنع زيد الكرسي و من ذلك تفطن ان الغاية سابقة علي جميع العلل ثمّ هل [ص 213] يمكن اجتماعها مع الفاعل ام لا ، اقول مجملا بلي في بعض الاحيان ربما يكون نفس الفاعل غاية و لكن لا علي ما زعموا بل علي وجه دقيق سنبينه ان شاء الله فالغاية هي مقدمة في الوجود و لكونها مقدمة في الوجود تكون مؤخرة في الظهور لانها في عالم الحقيقة هي الصورة الجامعة المستوية علي كرسي جميع الاركان الظاهرة بعد التمام فلايمكن ظهورها قبل و قد ضرب الله مثال ذلك في عالمنا ايضا فان جلوس السلطان علي الكرسي وجوده قبل تمام الكرسي ثابت في علم النجار و لكن ظهوره و بروزه في هذا الملك بعد كماله و كذلك روح الانسان معلوم لله في عالم الملكوت سابق علي البدن و هو سبب خلق البدن و لكن ظهوره بعد خلق البدن و كذلك غاية الملك سابقة علي الملك في الوجود مهيّجة الفاعل للايجاد ظاهرة بعد الكمال في كل شئ بحسبه .
الاشراق الثالث - في اثبات الغاية ، اعلم ان ثبوت غاية لصنع الله تبارك و تعالي امر ظاهر بيّن لايحتاج الي دليل و من كان عارفا بالله تعالي يعرف ذلك بالشهود و العيان من غير ان يحتاج الي برهان و لكن من باب ان الشيطان وسوس في صدور جماعة حتي انكروها بالمرّة و قالوا ان العالم بالاتفاق فلا علينا ان نحق الحق بانواع الادلة في مقامات :
الاول - في برهان ظاهر بيّن بنحو من الجدل مركب من الحكمة فاقول لا شك ان الذات احدية و قد مرّ سابقا في التوحيد في اثبات ذلك ما فيه كفاية و بلاغ و لانحتاج بعد الي اقامة دليل علي احديتها و الاحد بنفسه لايقتضي شيئا دون شئ فان الاقتضاء اِما يكون فعل القبول بمعني قبول القضاء او يكون بمعني الطلب و الاخذ و الله سبحانه منزه عنهما و المعني المتبادر في الاذهان من قولهم ان فلانا اقتضي كذا انه قبل القضاء كذا و لا شك ان قبول القضاء فرع القضاء فلا بدّ من وجود قاضٍ يقضي و مقتضٍ يقتضي اي يقبل فعله و الله لايجري عليه امر آمر و لاينفذ فيه فعل فاعل اذ لايجري عليه ما هو [ص 214] اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و اما بالمعني الثاني فهو ايضا فعل و الفعل لايجري علي الذات فانه من كمالها و قد مرّ سابقا ما يغنيك عن هذا البيان و كذلك تتنزه الذات عن الميل الذاتي الي شئ دون شئ فان الميل خلاف العدل الذاتي لان الميل الي الشئ العدول اليه و ترك غيره و الاحتياد عنه و ذلك لايكون الا بسبب مقتضٍ من نفس الشئ و ذاته اذ ما خرج منها لايؤثر فيها الا ان يكون للذات مناسبة ذاتية لشئ خاص فتميل اليه من غيره و ذات الاحد جل شانه تتنزه عن جميع ذلك فان الميل الي جهة دون جهة لايكون الا لمناسبة ذاتية و المناسبة الذاتية لاتكون الا من باب مزاج خاص يكون للذات و المزاج الخاص ينافي الاحدية و الانبساط الاحدي فان الاحد نسبته الي جميع الحيوث و الجهات بالسواء و ما يكون مايلا الي جهة لايكون احدا و من الاشياء الايجاد و عدمه فالذات بنفسها لاتكون مايلة الي الايجاد فان الميل اليه ليس الا لاشتياق ذاتي و الشوق لايحصل الا بعد ان يجد الشئ شيئا مقويا لنفسه بملايمة بينها و بينه و الله سبحانه منزّه عن كل ذلك فلايماثله شئ و لايلايمه شئ ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و من قال انه بذاته يشتاق الي شئ قد اشرك به من حيث لايعلم فان الشئ يماثل ملايمه لا محالة و كل مثلين يجمعهما نوع واحد علي ان الشئ يتقوي بمثله كما يتضعف بضدّه و لايجري شئ من ذلك علي من ليس كمثله شئ و بالجملة بطلان هذا الرأي اظهر من الشمس و ابين من الامس و لايحتاج الي تطويل بيان فايجاد الله سبحانه خلقه ليس لاشتياق من نفسه و لا حب له لخلقه و ما ورد في القدسي من قوله كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، لايدل علي حب ذاتي بل مقام المحبة مقام مخصوص و درجته مرتبة معينة و ربما يأتي منا الاشارة اليها ان شاء الله فالله لايحب بنفسه الايجاد و لايشتاق اليه بل فعله تعالي ايضا مطلق بالنسبة الي الايجاد و عدمه [ص 215] بل الامكان ايضا نسبته الي الاكوان و عدمها بالسواء فكيف بالذات الاحدية فهي من قبل نفسها لاتقتضي الايجاد و لاتميل اليه و لاترجح خلق الشئ و عدمه بهوي نفسها و لكن الله سبحانه يرجح خلق الشئ بالمرجح الذي هو الغاية فيهيّج الفاعل الذي هو يده سبحانه لصنع الاشياء فتدبر في ذلك حتي تعرف .
الثاني - اعلم ان الله سبحانه حكيم و يدل علي ذلك آثار صنعه فان كل صفة تدل علي موصوفها و كل اثر يدل علي مؤثره فاذا رأيت في صنع صانع اثر الحكمة يدل ذلك علي ان الصانع حكيم و اذا رأيت اللغو يدل علي ان الصانع لاغٍ فانت اذا نظرت الي هذا الملك و رأيت آثار حكمة الله تعالي تتيقن انه تعالي حكيم و الحكيم لايلهو و لايلعب و لايلغو فملكه هذا لفائدة لا محالة .
الثالث - قد بيّن سيدنا المرحوم اعلي الله مقامه في لوامعه برهانا غامضا لاثبات مطلق الغاية لفعل الفاعل المختار في غاية الاشكال و الاعضال و انا ابيّنه في غاية الوضوح ليتبين عظم كلامه اعلم ان طالب الشئ اما انه شاعر او غير شاعر اما الثاني فغير ما نحن فيه و اما الاول فكلامنا فيه فنقول طلبه للشئ لايخلو من حالات اِما يكون للملايمة او للمنافرة او كلتيهما او لا هذه و لا ذيك فهذه حالات اربع فان كان الاولي فهي الغاية المطلوبة فان الشئ قد طلبه طالبه لملائمة طبعه و ليس الغاية الا مثل هذا غاية الامر انه في كل شئ بحسبه و اما الثانية و الثالثة فتستحيلان اذ لايتصور ان يطلب شئ شيئا لمحض المنافرة فان هذا محال و كذلك الثالثة فانه يلزم منها اجتماع النقيضين او الضدين فان الحرارة مثلا لاتلايم البرودة و تضادها فكيف تطلبها مع انها مفنية لها و مضعفة اياها و كذلك طلب الشئ للملايمة و المنافرة كلتيهما ايضا مثل ذلك و ما تري مما يخالف ذلك و يسمي بالقسر فهو لواسطة جامعة و مرّ سابقا بيانه مجملا مع انك قد عرفت ان القسر الصرف في الملك مما لايكون مع انه خلاف المفروض لان كلامنا في الفاعل المختار و هو لايقسر و فرض [ص 216] القسر في غير المختار علي رأي من يثبته ايضا و اما في الرابع و هو لا ملايمة و لا منافرة فنقول ان الشئ المطلوب في حيّز الامكان لا محالة و اخراجه من غير مرجح محال فهل المرجح الملايمة او المنافرة و الثانية مستحيلة فالاولي ثابتة و ان كانت ملائمة بالعرض و ان قيل ان المرجح هو الارادة ، اقول انه (اع) بيّن مسألة شريفة مفصلة في المقام بالفاظ موجزة لاينتفع بها الا المنتهي و لا بدّ لي من بيانها بالفاظ واضحة لعله ينتفع بها المبتدي ايضا فاقول اعلم ان الارادة من الله و من خلقه من حيث ذاتها مطلقة اذ هي صرف الاجماع اي العزيمة اما ارادة الله فهي واحدة مطلقة و اما ارادة الخلق فهي بحسب اطلاق ذواتهم فكل من هو ذاته اوحد و الطف و اصفي ارادته اعم و من كان ادون في هذه الصفات تكون اخص و علي ايّ حال هي مطلقة من ذاتها بالنسبة الي ما دونها فهي مبهمة امكانية و فرقها مع الامكان الجايز الذي هو مادة الاشياء انها امكان فعلي يمكن ان يخلق بها ما يستخرج من الامكان فكيف تكون مخصصة مرجحة مع ان نسبتها الي طرفي الشئ بالسواء فاختصاص الارادة بالمراد فيه و ذلك لايكون الا بعد التعلق به كما تري في نفسك التي جعلها الله آية الملك ان عزمك في حدّ نفسه مطلق و اذا تعلق بالقيام الخاص يتخصص العزيمة بالقيام و صورة القيام ثابتة في البدن بانتصاب الاعضاء و في خيالك تتصور صورته و قبل ذلك لايكون الا ارادة مطلقة و كذلك بعده فتدبر و كذلك الامر في الملك الا ان ارادة الله صنعه و خلقه و ارادتك ضميرك و ما يبدو لك فاختصاص ارادات الله ليس من حيث نفسها بل من حيث التعلق بالمراد و هي لاتتعلق بما ينافرها بل بما يوافقها و يلايمها فانه قد ثبت في الحكمة ان الارادة المتعلقة بكل شئ هي رأس من رؤس المشية الخاص بذلك الشئ و ذلك اعلي درجاته و لايتصور ان يكون اعلي الشئ منافرا لاسفله فتدبر فهو ملايم لا محالة و ان قلت هب ان الارادة متعلقة بما يلايمها متخصصة [ص 217] به و لكن المريد في ارادته لايلتفت الي ذلك بل اراد ما اراد و تعلق ارادته بالمراد اقول ارادته هل تكون مطلقة او خاصة اما علي الاول فيلزم خلق مراد مطلق و المفروض خلافه و علي الثاني فلايريد امرا خاصا الا بسبب ملايمه و الملايمة ان كانت ذاتية يلزم من ذلك عدم صدور شئ آخر غير ما يلايمها منها كما تري ان من النار لايصدر الا الاحراق و ان كانت ملايمة غير ذاتية هي مخصصة للارادة فهي الغاية و ان كانت نفس الارادة وقع المحظور و نقع فيما طرنا منه و ان قلت بالمنافرة استحلت فافهم و تيقن ان صنع الله بل صنع كل صانع مختار لغاية و هي تختلف بحسب حال الفاعل فالغاية التي يلاحظها الحكيم موافقة للحكمة و الغاية التي يلاحظها الجاهل بحسب جهله و يكفي هذا القدر من البيان في الادلة الجدلية و نبيّن مقاما آخر في دليل كشفي حكمي يستضيء به القلوب .
الرابع - اعلم ان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان و لميكن معه شئ مما كان احدا فردا صمدا لا في شئ و لا علي شئ و لا لشئ و لا بشئ و لا معه شئ و لا و لا و قد تجلي اول ما تجلي لكينونته التي هي علمه لا بفعل سابق و لا حركة و لا ارادة و لا مشية و لا بنحو عمل يدل علي صدور منه بل لايقال للكينونة انها صادرة منه تعالي و الصوادر و المصادر دونها ثابتة بوجودها و الفعل بعدها مخلوق بها و من باب ضيق العبارة قلنا انه تجلي للكينونة لمحض الاشارة و الا فالكينونة هي نفس الجلوة التي هي علة التجلي و ظهور المتجلي و هي العلم و قد قال عليه السلام في صفته انه لا خالق و لا مخلوق بل هو من كماله كيدك منك انتهي ، و لايقال ليدك انها صنعك و لا تجليك بالمعني المصدري و لا فعلك بل هي كمالك و ظهورك و آيتك و قد ظهرت بها لغيرك و هذا احد وجوه التشبيه و له وجوه اخر فالكينونة هي نور الله و جماله و كماله و بهاؤه و سناؤه و اشراقه و قد اشرق بها لها منها اليها فيها لا لشئ و لا بشئ [ص 218] و لا في شئ و لا من شئ و لايسأل عن علة ذلك و وجهه و قد ضرب الله لك مثل ذلك في ضوء السراج بالنسبة اليه فانه نوره و صدر منه بلا فعل و حركة و لميمض علي السراج حين لميكن له نور بل لاتعرف كونه سراجا الا بنوره و لاتراه بغيره و ليس لصدور نوره منه علة بل هي كماله و بهاؤه و العلل و المعلولات في الانوار الظاهرة في المرايا و كذلك الامر في المقام فكل ما تسأل عنه لايجري علي الكينونة فكينونة الله تعالي ليست بعلة و لا لعلة بل هي صرف كون لله و كمال و جمال و بهاء له و به يعرف الله و لولاه ماعبد الله و قد خلق الله بها مشيته علي ما ذكرنا اذ لايسأل عما يفعل و هم يسألون كما قال عليه السلام بالعلم خلقت المشية ، و ربما يقال انه نفس المشية قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و لتحقيق ذلك مقام آخر سيجيء ان شاء الله و لست هنا بصدد التفصيل و تلك الكينونة هي آية الله الكبري و النبأ العظيم الذي لاينبئك مثل خبير اذ ينبئك عن ذات الله و كمالاته علي ما سنبينه في مقامه ثم اعلم انها اصل جميع الكمالات و معني الاسماء و الصفات و عين الذات الظاهرة العليا و ان الي ربك المنتهي و قد اراد الله تعالي اظهارها بالعيان و تجليها لمن له عينان و بروزها في كل العرصات لظهور تفصيل الاسماء و الصفات و شهود جميع العلامات و اعلان كل المقامات و تنوير الظواهر و السريرات فخلق ما خلق لاجل ذلك فهي الغاية و النهاية و نفسها سبب خلق الخلق و اول الموجود و من بعد خلق الخلق و تسييرهم من منتهي البعد الابعد الي القرب الاقرب يظهر منهم الغاية علي ما شاء الله و اراد و هي المهيّجة للعلة الفاعلية ان عرفتها و ربما نقول انها معني الفاعل ايضا اذ هي المقصودة من كل اسم و صفة و ان كانت منزهة عن صورها الاتري الي قوله عليه السلام في الاسماء و الصفات ان المعنيّ بها هو الله و الله سبحانه ظاهر في كينونته بمعني الالوهية و ان كان ظاهرها ادون منها فافهم و يكفي هذا [ص 219] القدر من الادلة العقلية .
الخامس - في سرد بعض الآيات و الاخبار الناصة علي ذلك ، قال الله تعالي افحسبتم انما خلقناكم عبثا و انكم الينا لاترجعون ، فظهر من هذه الآية الكريمة ان خلق الخلق لايكون عبثا و لغوا بل لفايدة ثم قال و انكم الينا لاترجعون فباحد المعاني يدل علي ان الغاية هي الرجوع الي الله تعالي اذ جعل هذا القول بعد قوله الاول و بعد نفي العبث يقتضي الحكمة بيان الغاية و تأويله الي الرجوع للحساب و اثبات القيمة لاينافي ما ذكرناه ايضا اذ بانكار الرجوع و قيام القيمة ايضا يلزم عدم بروز الغاية و فناء الخلق قبل الوصول اليها و ذلك كفر بالله تعالي فتدبر و قال الله و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و قال الامام عليه السلام اي ليعرفون ، و المعرفة الحقيقية لاتثبت الا بظهور النفس التي من عرفها فقد عرف ربه و هي الحقيقة التي هي الغاية و النهاية و هي ظهور الكينونة في كل احد و الآية لاتدل علي ثبوت الغاية للجن و الانس فقط دون ساير الخلق فان اثبات الشئ لاينفي ما عداه بل الغاية ثابتة لجميع الخلق و وجه تخصيصهما بالذكر اِما كمال شعورهما بالنسبة الي ساير الخلق او اثبات الغاية للجميع بالقياس الاولوية و الحاصل ان الثقلين مع شرافتهما اذا خلقا للعبادة فكيف بساير الخلق مع انها دونهما فكلهم مكلفون و مثابون و معاقبون و ربما نستدل علي ذلك بقوله سنفرغ لكم ايها الثقلان اي سنفرغ لمحاسبة الثقلين بعد محاسبة الباقين و قال الله تعالي في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، اي كنت كنزا مخفيا في مقام الكينونة التي هي غيب الله و حقه فاحببت في مقام المشية فان الحب هو الاشتياق و الاشتياق هو الميل و الميل لايكون في مقام الذات و لا الكينونة بل هو في مقام الفعل الذي يشتاق الي المفعول بالمناسبة و كذب من زعم ان لله محبة ذاتية بالخلق فان هذا كفر بالله تعالي [ص 220] و اما قوله ان اعرف فهو بتأويل المعرفة لمكان ان المصدري و المعرفة بظهور نفس الغيب الذي هو الكينونة و قوله فخلقت الخلق في مقام الخلق و قوله لكي اعرف ، هو ظهور الغاية آخرا بعد وجودها اولا و عن فاطمة الزهراء عليها السلام قالت في كلام لها ابتدع الاشياء لا من شئ كان قبلها و انشأها بلا احتذاء مثال كوّنها بقدرته و ذرأها بمشيته من غير حاجة منه الي تكوينها و لا فائدة له في تصويرها الا تثبيتا لحكمته و تنبيها علي طاعته و اظهارا لقدرته و تعبدا لبريته و اعزازا لدعوته ثمّ جعل الثواب علي طاعته و وضع العقاب علي معصيته ، الخطبة .
في بيان حقيقة الغاية زيادة علي ما مرّ اروي عن السيد الاستاد اجل الله شانه بعين كلامه في اللوامع قال بعد ما نقل بعض كلمات القوم و ردّ عليهم عود التحقيق بطور انيق : دع عنك يا اخي هذه الاوهام الباطلة المظلمة الغير المستشرقة باشراقات انوار الائمة الطاهرة عليهم سلام الله ما دامت الدنيا و الآخرة فانها كلها سبل الضلالة ، الي ان قال : و الا فالقول واحد لكونه من الرب الواحد و العلم نقطة كثّرها الجاهلون و هو كما قال سبحانه كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، فالغاية هي المحبة و المعرفة الخلقيتان لا الابتهاج الذاتي الذي توهمه اشباه الانسان و هي خلق جعلها للخلق و غاية هذه الغاية نفسها و لاتنتهي الي الذات سبحانه و تعالي فانها ليست غاية لشئ و الا لميكن الا كالاشياء لوجوب تشابه المتصلين في الملتقي ان الي ربك المنتهي فهو لايتناهي و يحيط بما لايتناهي فالغاية في الايجاد و الاحداث هو ظهور العالي للسافل بالقاء مثاله فيه ليهتدوا به اليه و يريه بعينه فانها رؤية حق فيفني في بقائه و يسكر في صحوه فيبقي في فنائه و يصحو في سكره فيحيي بالحيوة الابدية و يقوي بالقوة السرمدية و يظهر مثالا له في العوالم الكونية و العينية و الشرعية و الوجودية فيخاطبك باني سمعك [ص 221] الذي تسمع به و بصرك الذي تبصر به و يدك التي تبطش بها الي ان استهل للقول بانك مارميت اذ رميت الي ان ينتهي الي القول بان ظاهرك للفناء و باطنك انا فيقال له انه ذات الله العليا و شجرة طوبي اطعني اجعلك مثلي انا اقول للشئ كن فيكون و انت تقول للشئ كن فيكون انا حي لااموت تكن حيا لاتموت و هذه هي الغاية القصوي و المقام الادني و المقصد الاقصي و لما كان العود عين البدأ كما بدأكم تعودون فتكون هي الغاية في البدأ لكنها غاية الظهور في الظهور بالظاهر في مقام الفاعل و الذات منزهة عن ذلك كله سبحان ربك رب العزة و قد اشرنا الي الكل بقولنا في بعض الاشارات انه لما ظهر ما ظهر لما ظهر بما ظهر تثلث ما ظهر اه ، فالغاية للظهور و هي ما ذكرنا و لكنك اعلم ان السافل هو عين الظهور المحتجب بالظهور فالذات ابدا في غيبها و الظهور في عمائها .
تنبيه - لما بلغ الكلام الي المقام ناسب ان نذكر اتحاد العلتين بل العلل في المبدأ الاول بل في مجموع الملك و قد اشرت الي ذلك سابقا الا اني اريد التوضيح فاعلم ان الذات بنفسها تتنزه عن الفاعلية و الغائية لما عرفت سابقا ان الفاعل وصف فعلي و هو غير الذات و الغاية ايضا هي مناسبة للفاعل و المفعول و ان كانت فوقها فانها المهيّجة للفاعل و ما لميكن بين شيئين مناسبة لايقع بينهما التأثير و التأثر و التهييج تأثير لا محالة ، هذا و غاية الشئ ما يظهر منه و يمكنه الوصول اليها بل اقول ان الغاية نهاية الشئ و سمّي الفايدة بالغاية لانها تظهر من الشئ آخرا و لا شك ان الذات لاتكون نهاية خلقه و لايمكنهم الوصول الي الذات ابدا فننقل الكلام الي نفس الكينونة و قد قلنا سابقا انها الغاية و لكن لمنرد من ذلك ان ذاتها غاية العباد لعين ما مرّ فان الكينونة هي مقام الاحدية و الحق و لا ذكر لشئ من الخلق معها فكيف تكون غاية الخلق مع انهم لايكادون يصلون الي نفس الكينونة و اما المشية فهي فعل الله [ص 222] تعالي و لكنها فعل مطلق و ظهور الحق و آية الله في الخلق و هي مبهمة و لا ذكر لشئ من الخلق فيها الا بالابهام و لا ذكر لها ايضا في الخلق الا بحسبهم لا بحسبها فالمشية لاتكون فاعلة و لا غاية لاطلاقها و ابهامها فانحصر الامر في ان يكون الفاعل في الاكوان من سنخها و الغاية ايضا من سنخها فالفاعل في الاكوان هو المكوّن لما مرّ سابقا من سر المشتقات و هو العقل الذي هو وسط الكل و هو سرّ الوجود و قلم القدرة ثم الكلام في الغاية اقول انها ايضا نفس العقل كما يشهد بذلك الخبر انه غاية العبادات و ثمرة الطاعات ، برهان ذلك ان ما قبل العقل مطلقات او حق و لايصير شئ منهما غاية الاكوان و الاعيان نعم من حيث الظهور يمكن ذلك و ظهورها فيها بانفسها كما سيأتي ان شاء الله و بعد العقل ايضا لايكون غاية حقيقية مع ان جميع ما دونه مخلوق به بلا شك بدليل النقل و العقل فانحصر الامر في ان يكون نفسه غاية الخلق و لذا يكون غاية الاسفار كما كان مبدأ الاطوار و هو ظهور الكينونة في الخلق بل هو كينونة مكوّنة متعينة و لاينافي ما قلناه ما ورد في القدسي يا ابن آدم خلقتك لاجلي و خلقت الخلق لاجلك ، فانه ليس معناه ان الذات غاية بل مرجع ياء المتكلم النفس و هي العقل اذ هو اول ما خلق الله و ما ينسب الي العقل ينسب الي الله ، هذا و العقل بنفسه معنوي غيبي و لايفعل في الصور الا بواسطة النفس فظهوره فيها و يفعل منها و هما معا غيبيان و لا بدّ لهما من مظهر يظهران فيه من سنخ الموجودات و برهان ذلك ظاهر بيّن و سيجيء بعد ايضا في بيان التكميل زيادة بيان و ظهورهما في العرش و الكرسي و لذا ورد انهما بابان من ابواب الغيب ، فالعرش مظهر العقل و الكرسي مظهر النفس و لما كان هذه العرصة عرصة التفصيل صار العرش حاكيا للغاية و الكرسي حاكيا عن الفاعلية و ذلك لان العرش اشبه بالغيب من الكرسي فافهم ذلك فانه دقيق ثمّ لا شك انهما لايفعلان بانفسهما من دون واسطة في التراب الغليظ فعلا بل التراب [ص 223] لايكاد ينفعل منهما ابدا لما مرّ من لزوم المناسبة بين الفاعل و المنفعل فجعل الله لهما ايادي مترتبة بعضها علي بعض و هي الافلاك فالعرش يهيج الكرسي و يحرّكه و يديره بالامداد و هو يحرك الافلاك و الافلاك تلقي الشعلات الغائية و الفاعلية علي الارض و لكن هنا دقيقة لميكشف لثامها و لميفض ختامها الا ابي علي نحو الكناية في بعض رسائله علي ما قال الشاعر :
و عربة دار لميفض ختامها من الناس الا اللوذعي الحُلاحل ●
و انا اشير اليها ايضا بقدر ما اشار فاقول ان نسبة الافلاك الي الارض نسبة الطبيعة الخامسة الي الاركان فالغالب عليها الروحانية و المثالية و لذا قد نلحقها بعالم المثال بل التفت الي هذه النكتة صاحب الكفاية ايضا و قال ان امزجة الكواكب فوق الطبايع فحرارتها حرارة غريزية لا حرارة نارية و كذلك برودتها و رطوبتها و يبوستها فما منها طبيعة خامسة و وجه ظهور الحرارة و اليبوسة و البرودة و الرطوبة في الارض منها تغيّر فعلها في القوابل بحسبها و قد صدق قوله ذلك ابي في بعض دروسه و سمعته انا بنفسي ففعل الافلاك لايكاد يظهر في التراب الغليظ الا بواسطة من عرضه لا محالة فالله عز و جل نصب بين العناصر خليفة للافلاك من عرضها و هو النار و الهواء فالنار حاكية للعلة الغائية و الهواء حاكٍ للعلة الفاعلية فكل ما يظهر في تلك العرصة من فعل و تأثير فهو من الهواء لاجل النار ، افهم ذلك و ان فهمته فاكتمه الا عن اهله و لما انتهي بنا الكلام الي هنا نقول ان العلة المادية للاكوان ايضا هي نفس العقل و العلة الصورية ايضا هو فان الله سبحانه لايكون مادة خلقه و كذلك الكينونة و كذلك المشية لاتكون مادة بقي الكلام في الامكان الجايز و قد قال الله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و لكن لا شك ان الماء الاول بنفسه لايتصور بصورة الاكوان فانه لا بد بين [ص 224] المادة و الصورة من مناسبة و هو في غاية اللطافة و الصفاء و هو اول نازل من سحاب مشية الله فكيف يتصور بالصور الغليظة الكثيفة و قد مرّ شطر من ذلك البيان سابقا فراجع فالذي يحدّ بالصور الكثيفة هو المادة الغليظة هذا و قد مرّ سابقا ان الصورة نهايات المادة و يدل علي ذلك قوله تعالي اولميروا انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها قال الامام عليه السلام بموت العلماء ، الاتري انه كيف جعل العالم الذي هو صاحب النفس طرف الارض و النفس صورة و لا شك ان الشئ اللطيف طرفه و نهايته ايضا من سنخه فصورة المادة اللطيفة لطيفة و صورة المادة الكثيفة كثيفة فالسعيد سعيد بمادته و صورته و الشقي شقي بمادته و صورته فالامكان الذي هو في غاية الاطلاق و الابهام لايلبس صور الاعيان ابدا و لكنه يقتضي صورة كلية نوعية و لكنه نزل بشعاعه الي العقل و يعبّر عن هذا الشعاع بالقطعة و تصوّر بصورة العقل و قد يعبّر عن هذا المطلب بان القلم اول شجرة نبتت في حافّة الصاد و هو بحر الامكان ثمّ اخذ الله هذا القلم و كتب من مداد الامكان ما كان و ما يكون و المداد هو المداد المستخرج من كمونه و الا فالبحر الاعظم لايلتقط منه بالقلم بل القلم لو غار فيه لفني عن آخره فان مبدء وجود القلم حافة البحر لا قاموسه فافهم فانه دقيق و لكنه خلق مما جذبه اليه من ذلك البحر و تهيأ بصورته المعنوية ثمّ تقطر منه المداد الفاضل من وجوده فكتب به ما كان و ما يكون فعلي ذلك نفس القلم علة مادية و لذا يقال انه خلق منه جميع ما خلق افهم ذلك ثم الصورة ايضا من العقل فانها نهايات المادة مع انه هو قلم قدرة الله و الله المصوّر لكل ما يشاء بما يشاء بالقلم الاتري الي قوله تعالي كيف يقول علّم بالقلم علّم الانسان ما لميعلم و التعليم مقام التصوير فجميع الصور بنقش القلم فهو علة صورية و ان كان في جميع ذلك حاكيا عن غيره بمعني ان الله القي اليه جميع ذلك و لا فاعل سواه كما ان وجوده لغيره و لكن بروز جميع ذلك منه فهو كل العلل و العلة التامة [ص 225] الا ان ظهور المادة و الصورة في الملكوت في الطبيعة من حيث المادية و المثال و ظهورهما في الاجسام في فلك الامتثال فلك الافلاك و قد يعبّر عنهما بفلك البروج و فلك المنازل و في عرصة العناصر ظهورهما في الماء و التراب فالماء مادة للخلق و الله خلق كل دابة من ماء و التراب مقام الصورة و ان قلت ان المادة سبب الحيوة و البقاء و هي مظهر الحقيقة و كيف تقول ان الماء مادة مع غلبة برد الموت عليه اقول ان ظاهره بارد لقرب التراب الذي هو مقام الصورة و لكن باطنه حار و لذا يكون سايلا كالهواء و النار و يقرب استحالته الي الهواء و انفعاله من النار و لا مانع من ذلك ابدا الاتري ان الماء الالهي الذي هو سبب حيوة المولود ظاهره ماء و باطنه نار و ظاهره ابيض و باطنه احمر و لذا يقال له الماء ذو الوجهين بل اقول ان العقل بنفسه هكذا فان ظاهره ماء و باطنه نار بل الامكان هكذا فلا غرو ان كان الماء باردا مع انه مادة و يدل علي ذلك الاخبار الاتري الي ما ورد ان طعم الماء طعم الحيوة و لونه لون الحيوة و رايحته رايحة الحيوة مع ان الروح من الريح و الريح من الهواء و ورد ايضا ان الماء يزيد في العقل ، و لو كان باطنه باردا لكان ينقص العقل و بالجملة فهم ذلك سهل لاهل الفن فحاصل الكلام ان اصل العلل في الاعلي واحدة و ان تعددت في الظهور ، هذا و لانريد من قولنا ان النار او العرش علة غائية انه خالٍ من ساير العلل و هكذا البواقي بل المراد ان الغالب علي العرش العلة الغائية لان ظهورها في الجسم المطلق و العرش بين الافلاك مطلس منزه عن الالوان المختلفة فهو احكي للجسم و لكن مع ذلك الفاعلية ظاهرة فيه و كذلك المادية و الصورية و هكذا الامر في الباقي فان العرصة عرصة التشكيك فكما ان التراب ثابت في الافلاك و العناصر موجود في كلها و العرش ايضا هكذا كذلك الامر في العلل و بذلك يرتفع اشكال آخر ان استشكله احد و هو ان جميع الآباء و الامهات ايضا مخلوقة بعلل و انت قلت ان الغالب [ص 226] علي كل واحد علة خاصة فانك قلت النار مثلا حاكية للغائية فما الفاعل لها و ما المادة و الصورة لها اقول ان للنار هوائية مائية ترابية و هوائيتها فاعليتها و مائيتها ماديتها و ترابيتها صوريتها و هكذا الامر في الافلاك ايضا و في ساير العناصر ففيها ايضا يجتمع العلل جميعها ، فافهم ما القيته اليك و احفظه و ازيدك مثالا لمعرفة المسألة علي ما ينبغي انظر الي شبح السراج في المرآة مثلا فان له جميع هذه العلل فان له مادة هي ضوء السراج الظاهر في المرآة و صورة هي تخطيطاته و حدود انيته و هي نفس نهايات الضوء ثمّ انك اذا نظرت عرفت ان قيامه بظهور السراج و ظهور السراج نفس هذا الشعاع لا ظهور آخر سواه فانه قد تجلّي له به لا بحركة اخري بعد سكون و لا بظهور آخر اذ لا ظهور للسراج سوي هذا فان ظهور ( ظهوره ظ ) شبحه و شبحه هذا و قد اوجده السراج بهذا الشبح لا غير فهو الفاعل و قد اوجده لان يظهر منه و ذلك بظهوره فان ظهور الفعل في المصدر لا غير فهو الغاية و بعبارة اخري اقول ان الشبح الظاهر واحد و لكن هنا ثلثة ظاهر و ظهور و مظهر فان نفس الشبح ظهور السراج اذا نظرت اليه من حيث و اذا نظرت اليه انه مقام بروز السراج لك فيظهر فيه و به تقول انه مظهر السراج و بملاحظة نفس السراج فيه مع الغض عن المظهرية و الفعل تقول انه ظاهر السراج فالظاهر و الظهور و المظهر تتحد في المنظر تتعدد في المخبر ، افهم ذلك فانك ان فهمته يظهر لك معميات السيد السند اعلي الله مقامه و رفع اعلامه التي مرّ ذكرها .
في نقل بعض الاقوال الباطلة و ردّ حججها و احقاق الحق في كل مقام و فيه ايضا مقامات :
الاول - ان جماعة من القاصرين الذين يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون قالوا بالبخت و الاتفاق حتي ان في مجموع الملك قالوا انه بالاتفاق فمنهم ذيمقراطيس قال وجود العالم انما يكون بالاتفاق [ص 227] و ذلك بان مبادي العالم اجرام صغار لاتتجزي لصلابتها و هي مبثوثة في خلاء غير متناهٍ و هي متشاكلة الطبايع مختلفة الاشكال دائمة الحركة فاتفق ان تصادمت منها جملة و اجتمعت علي هيئة مخصوصة فتكون منها هذا العالم و لكنه قال ان تكوّن الحيوان و النبات ليس بالاتفاق و قال انباذقلس و جماعة ان العالم من اجرام اسطقسية و تكون الاجرام الاسطقسية بالاتفاق فما اتفق ان كانت هيئة اجتماعية علي وجه يصلح للبقاء و النسل بقي و ما اتفق ان لميكن كذلك لميبق و لهم حجج علي رأيهم الفاسد و قولهم الكاسد و جميعها متفرع علي ان الفاعل هو الطبيعة فمنها علي ما حكاه الآخوند (ره) ان الطبيعة لا روية لها فكيف تفعل لاجل غرض و منها ان الفساد و الموت و التشويهات و الزوايد ليست مقصودة للطبيعة مع ان لها نظاما لايتغير كاضدادها فعلم ان الجميع غير مقصودة للطبيعة فان نظام الذبول و ان كان علي عكس النشو و النمو لكن له كعكسه نظام لايتغير و نهج لايمهل و لما كان نظام الذبول ضرورة المادة من دون ان يكون مقصودا للطبيعة فلا جرم نحكم بان نظام النشو و النمو ايضا بسبب المادة و منها ان الطبيعة الواحدة تفعل افعالا مختلفة مثل الحرارة فانها تحلّ الشمع و تعقد الملح و تسود وجه القصّار و يبيض الثوب ثم ان البخت ايضا مثل الاتفاق الا انه اخص في الاصطلاح اذ يستعمل في الامور المحبوبة و القائلون به عظّموه حتي انهم جعلوه من اعظم الاسباب حتي ان جماعة من المشركين صنعوا لانفسهم صنما و سمّوه بالبخت للتوسل به الي البخت فاذا عرفت كلامهم و برهانهم لا بدّ لنا من بيان محل استعمال هذين اللفظين علي نحو الاجمال و من اراد التفصيل فليراجع كتاب الشفاء لابيعلي و الاسفار للآخوند (ره) و غيرهما فاقول ان الله سبحانه جعل لكل شئ سببا كما قال عليه السلام ابي الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب ، فكل ممكن لايخرج من امكانه الا بالسبب فما كان سبب وجوده دايما و لا مانع من وجوده يمنعه يسمّي [ص 228] دائميا كطلوع الشمس و غروبها و تكون نوع النباتات في العالم و امثال ذلك و ما يعترضه مانع احيانا و يجتمع اسباب وجوده بلا مانع اكثر الاوقات يسمّي اكثريا و منها ما يتساوي حصوله و لاحصوله بحسب وجود الاسباب و اعتراض الموانع و منها ما يحصل علي الاقل و الاتفاق في القسم الاخير لا مطلقا بل بالنسبة الي امر يكون مؤديا الي شئ او سببا مع عدم توقعه كخروج زيد الي بستانه و وجدانه غريمه مع عدم توقعه و امثال ذلك لا بالنسبة الي امر وقع معه مثلا كقيام زيد مثلا عند كسوف الشمس فلايقال اتفق في مثل المقام فاذا عرفت ذلك اقول ان لنا الكلام مع القايل بالاتفاق علي وجهين بل علي وجوه و نشير الي بعضها بقدر ما يقتضيه هذه العجالة فاقول اولا هل تكون مقرّا بصانعٍ مّا و تقول ان الاتفاق من اسباب صنعه او تقول ان الفاعل نفس الطبيعة ، الذي يدل عليه ادلته و بياناته هو الثاني و لكن لا بدّ من بيان كلا الشقين فاقول اذا كنت قائلا بصانع مقرّا بكتاب و بسنة فهذا كتاب الله ينكر الاتفاق مطلقا فان الله تعالي يقول في كتابه و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و قال ربنا ماخلقت هذا باطلا و قال افحسبتم انما خلقناكم عبثا و جميع هذه الآيات تردّ عليه قوله و تنقض عليه فتله و الاخبار نادية بذلك و مرجع جميع هذه الادلة الي ان الفاعل هو الطبع و هو لا روية له و لا شعور و غير ذلك من ادلته سيجيء بطلانها اقول اما اولا فالفاعل هو الله و الطبع يده في صنعه و هو يفعل ما يشاء بارادته لا بطبعه و هو تعالي و ان لميروِ في فعله و لكن الروية ليست شرط كون الفعل لغاية بل الروية سبب درك الغاية و الله يعلمها بعلمه الاحاطي و هو اولي بالتأثير من العلوم الانطباعية فافهم ذلك فانه دقيق و اما ثانيا فان هذا كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله ناديان بان الطبيعة شاعرة الاتري الي قوله تعالي يسبّح لله ما في السموات و ما في الارض و قوله كل قد علم صلوته و تسبيحه بل ارجع الي جميع الخلق الضمير الخاص [ص 229] بالعقلاء الاتري الي قوله تعالي ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم فان ضمير هُم مخصوص بالعقلاء و كذلك في اخبار آلمحمد سلام الله عليهم ما يدل علي ذلك كثير منها ما روي من مخاطبة الامام عليه السلام الحمي قال يا كباسة أماامرك اميرالمؤمنين عليه السلام ان لاتقربي لنا وليا ، و لو كانت غير شاعرة كيف كان الامام يخاطبها و غير ذلك من الاخبار الدالة علي ذلك و العقل ايضا يحكم بذلك فان جميع الخلق تنزل العقل علي ما سنبيّنه و بيّنا سابقا فكيف لايعقل شيئا فنفي الشعور مطلقا عن الطبع بعيد جدّا نعم للطبايع درجات متفاوتة في الشعور فبعضها اشعر من بعض و ذلك امر ظاهر بيّن و لاينكره عاقل و ان لمتكن قائلا بصانع و تقول ان الطبيعة هي الصانع فنرجع الكلام الي اثبات الصانع علي ما مرّ آنفا في التوحيد و ان احببت فراجع و علي الوجه الظاهر القشري نجيب عن ادلته واحدا بعد واحد . الدليل الاول ان الطبيعة لا روية لها اقول عدم كون روية لها ليست سبب عدم الغاية فان الغاية هي المهيّجة للفاعل علي الفعل سواءا عرفها الفاعل بفكره او بخياله او علمها بالاحاطة او بالطبع بل اقول هي نهاية الشئ و ثمرة وجوده و كل شئ يمكن ان يبلغ الي نهايته و ثمرته بحسب حاله لا محالة الا ان الغايات متدرجة متفاوتة و لايلزم ان يدرك كل احد كل غاية مع انك قد عرفت ان الطبيعة شاعرة . الثاني قولهم ان الطبيعة لاتشتاق الي الذبول الي آخر كلامهم اقول من ذا قال ذلك فان بعض الاشياء من طبعها حبّ البقاء و بعض الاشياء من طبعها حبّ الموت و الفناء فان الحرارة من طبعها التفريق و التشتيت و التكليس و البرودة من طبعها الجمع و التقليص و غير ذلك و كل منهما يشتاق الي ما يناسبه و الموت و الذبول ايضا آثار وجودية مثل غيرها و ليس شئ منها اولي بالوجود من غيره و علي فرض القول بان جميعها من مقتضيات المادة اقول هل المواد تفعل ما تفعل باقتضاء طبايعها او بامر آخر فان قلت [ص 230] بالاول وقع محذورك و ان قلت بالثاني اقول ما المتصرف في المادة هو الله او غيره فان قلت هو الله فهو قادر علي التصرف في الطبايع ايضا و ان قلت انه طبع آخر نردّ عليك بمثل ما مرّ ، هذا و ان المادة من حيث نفسها مطلقة من الخير و الشر و السعادة و الشقاء و الموت و الحيوة و الصحة و المرض و جميعها فعليات راجعة الي الطبيعة و المادة صالحة للكل و ليس لعاقل ان يقول ان الحمّٰي مثلا امر عدمي فانها امر وجودي و اذا جاز ان يختارها الطبع فيجوز لها اختيار الموت و الذبول و غيرهما فافهم ثم اقول علي فرض عدم اختيار الطبع النقايص فكيف تقيس علي ذلك عدم اختيارها الكمالات فان ذلك محض الزام و حكم و الطبع لايجري علي حكم غيره من الخلق فتدبر . و الثالث قولهم ان الطبيعة تفعل افعالا متغايرة اقول انك منعت في الدليل الثاني فعلها مطلقا فكيف تثبت لها الفعل هنا ثم انا نقول ان الطبيعة ليست بسيطة و لا واحدة بل هي متعددة مع ان نفسها ايضا مركبة فيمكن بروز آثار مختلفة من حيوثها فان النار تسخّن بحرارتها و تجفف بيبوستها و كذا البواقي و بوجه آخر نقول ان التأثير الواحد ايضا ربما يظهر في المواد بحسب اختلافها و لايدل شئ من ذلك علي كون الامر بالاتفاق بل صانعها يفعل هكذا لغاية ، ثم انا ننقل الكلام الي اصل المدعي فنقول علي قول ذيمقراطيس ان مبدأ الافلاك اجرام صغار مختلفة الاشكال مشاكلة الطبع صلبة لاتتجزي و هي في خلاء غير متناه دائمة الحركة فاتفق اجتماعها علي هذه الهيئة ما اشبه هذا الكلام بقول من قال ان الخسن و الخسين بالخاء المعجمة ثلاثتهما بنات مغاوية بالغين المعجمة اما اولا فانه قال اجرام صغار مختلفة الشكل مشاكلة الطبع اقول ان كانت علي طبع واحد فلمَ اختلفت اشكالها مع ان الصور تابعة للطبع فان الحرارة و اليبوسة تقتضيان الدقة و الصعود و الحرارة و الرطوبة تقتضيان الانبساط و هكذا كل مزاج يقتضي وضعا و شكلا و ذلك امر مسلّم فهذه الاجرام ان كانت علي طبع واحد لمَ صار اشكالها [ص 231] مختلفة و لمَ صارت بعد الاجتماع افلاكا مختلفة المزاج مختلفة الحيّز مختلفة الحجم مختلفة الحركة و كذلك نقول في قوله انها صلبة لاتتجزي ، نفي التجزي مطلقا لايّ شئ مع ان العقل يحكم بجواز تجزي الاجسام و الخيال ايضا يتصور تجزيها غاية الامر انها لاتتجزي بمادة جسمانية ثم ان انتشارها في الخلاء غير متصور و لا معقول اما اولا فنفس الخلاء ممتنعة كما سيجيء ان شاء الله و اما ثانيا اقول ان الخلاء لاشئ صرف فانتشار الشئ في لاشئ باي وجه هذا و اقول ان بين كل جزئين من هذه الاجرام فصل او وصل فان كان وصلا فهي جرم واحد و ان كان فصلا فايّ شئ الفصل لا بدّ ان تقول انه مسافة مقدرة و هي لاتكون طولا صرفا لا محالة بل هي طول و عرض و عمق و هي من عوارض الجسم فالخلاء جسم مقدر لا محالة ثم اقول علي قوله انها دايمة الحركة هل بقيت حركتها علي حالها ام لا فان قلت انها بقيت متحركة بحركاتها فلمَ لايتفق انهدام الافلاك و تفرق اجزائها يوما و ان قلت انها سكنت عن حركتها الاولي فاقول من اسكنها هل سكونها بطبعها او بمسكن فان كان بطبعها يلزم من ذلك اختلاف الطبع اذ كانت متحركة بالطبع و ان كان بمسكن فهو الفاعل المتصرف فليس الامر بالاتفاق و ايضا نقول ان حركاتها كانت من جهات مختلفة او من جهة فان كانت من جهات مختلفة فكيف تقول انها متشاكلة الطبايع فان الطبع الواحد يقتضي الحركة من جهة و ان قلت انها متحركة من جهة علي نسق واحد فهي دايما متتابعة فكيف اتفق اجتماعها و ان كانت مختلفة في السرعة و البطئ يلزم ايضا اختلاف الطبع و فرضه علي خلاف ذلك ، ثم ان قوله في الحيوانات و النباتات انها ليست بالاتفاق ، ينافي قوله في الارض و السماوات فانا نقول الفاعل فيها ما هو هل هو الله او الطبع او الافلاك فان قلت ان الفاعل هو الله فلمَ لاتقول ذلك في السموات و الارض و ان قلت بالهين طبع و اله يلزم تعدد الآلهة و ان قلت [ص 232] ان الفاعل هو الطبع اقول ان ذلك ينافي قولك و برهانك فان برهانك يثبت عدم الغاية لفعل الطبع و ان جاز في المقام لجاز في غيره و الادلة العقلية لاتخصص و الافعال الطبيعية لاتختلف و الطبيعة لاتغلط فتدبر و انصف و ان قلت ان الفاعل فيها هو السموات اقول هل هي فاعلة بطبعها او بمادتها او بهما جميعا فان قلت ان الطبع فاعل نقول مثل ما قلنا فان طبايع السموات ايضا غير شاعرة علي رأيك و ان قلت انها تفعل بالمادة اقول ان المادة صرف الصلوح فقط و فاقد الشئ لايكون معطيا و ان قلت انه الطبع مع المادة اقول ان موادها علي قولك الاجرام الصغيرة و هي غير شاعرة و صورها طبايعها و هي غير شاعرة و من تركيب شيئين غير شاعرين كيف يحصل الشعور و اما علي قول انباذقلس فنقول مثل ما قلنا في المواد اي الاسطقسات فاقول من اين حصلت بالاتفاق هل كانت معدومة فاتفق وجودها فهذا قول باطل فان المعدوم لايوجد الا بموجد و ان قلت انها كانت اجراما سابقة مثل قول ذيمقراطيس ننقل عين ما قلنا سابقا و بالجملة فالقول باتفاق العالم و المواليد كله باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و ان قلت انا نجد امورا اتفاقية في الملك فلايمكن نفيها مطلقا اقول انها اتفاقية علي زعم الجاهل بالامور و لكن صانع الاشياء عالم بجميعها و جميع الامور بتقديره و ليس شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فانك تري ان الحفار يحفر البئر فيجد كنزا من غير ارادته فتقول اتفق كذا و ساعده البخت و ليس ذلك الا لقصر نظرك عن الاسباب اسباب السموات و الله سبحانه هو المقدّر و قد قدّر له ان يحفر هذا البئر لان يجد هذا الكنز غاية الامر انه لميكن يعلم ذلك و لكن الله علمه و كذلك انت ترمي حيوانا بالحجر فربما يقع علي انسان و ينكسر عظمه و انت تزعم ان ذلك بالاتفاق بالنسبة الي قصدك و لكن الله هو المقدّر و قد قدّر طرحك الحجر لذلك فليس بالنسبة اليه اتفاق بل كل حادث بتقديره [ص 233] لغاية و اما ما ورد ان الدنيا بالاتفاق و الآخرة بالاستحقاق فليس بهذا المعني بل المراد من الاتفاق اتفاق الاسباب و من اعظمها القدر و معناه ان في الدنيا لايعطي الله المؤمنين فقط بل يعطي بحسب مساعدة الاسباب فربما يصل عطاؤه الي المؤمن و ربما يصل الي الكافر و لكن الآخرة بالاستحقاق فلايعطي الجنة الا مستحقها و لا النار الا مستحقها ، هذا علي ان يكون الرواية بهذا اللفظ و لكن الله قد منّ عليَّ بان اراني نسخة صحيحة من هذه الرواية و كان فيها الدنيا بالانفاق بالنون لا التاء و الآخرة بالاستحقاق ، فحمدت الله علي ذلك اذ قد ارتفع الاشكال بالكلية مع ان اصلها من الدرر و الغرر و ليس علي رواياته كثير اعتماد و مع ذلك يسهل الخطب علي ان يكون بالنون و يوافق ساير الاخبار و معناه ان الدنيا تجود بنفسها علي من ينفق منها فان دواء الفقر الجود و كل من يعطي يرزقه الله ما يتمني و لذا امروا بكثرة الصدقة لمعالجة الفقر و اما الآخرة فهي بحسب الاستحقاق فليس كل من يجود يصل الي العاقبة فانها مخصوصة بالمتقين فافهم و تدبر فلايجوز القول بالاتفاق بالمعني المعروف مطلقا و لا عبث في الملك بالنسبة الي الصانع تعالي .