بقي شئ و هو ان بعضهم زعموا ان سبب تأثير الامور النفسانية و النفوس تجرّدها عن المواد حتي انهم قالوا ان العلل الاولية صور مجردة و ذلك محض خطاء لما مرّ مكررا و يأتي ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته و الصورة المجردة مطلقا غير مخلوقة نعم هي مجردة عن المواد العنصرية الدنياوية و لها مواد بحسبها و اما قول الامام عليه السلام في العالم العلوي صور عالية عن المواد ، لايفيد انها بلا مادة مطلقا و ان الامام عليه السلام لايخالف كتاب الله في قوله بل علّمونا ان ما يخالف كتاب الله ليس حديثنا او هو محمول علي التقية و ورد في تصحيح الاخبار ان كل ما سمعتموه ينسب الينا فاعرضوه علي اخبارنا فان كان مطابقا لها فهو منّا و قد نقلت معني الخبر و نري ان الله يقول خلق كل دابة من ماء و يقول و جعلنا من الماء كل شئ حي و الصور المثالية احياء و دواب الاتري انهم سمّوها بالذر فهي من الماء و ورد اخبار كثيرة في مبدأ الخلق انه [ص 179] من الماء و بالجملة فالصور المثالية و النفوس لها مواد و قد ورد في خلق النفس الانسانية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية ، فلاتخلو من مادة ابدا الا انها عالية عن المواد الدنيوية ، هذا و المادة مطلقا لاتمنع النفوس من التأثير لانها امكان و الامكان منه الصلوح و صلوح التأثير ايضا صلوح فاذا تعلق به فعلية كاملة يؤثر نعم اذا صار غليظا كثيفا بحيث حجب الكمال يمنع من التأثير و ذلك ايضا ليس من نفس الامكان بل من فعلية غليظة حدثت بسبب برد البعد من المبدأ فافهم ما القيه اليك من عين الحكمة و اشكر الله .

تتميم قيل ان تأثير التصورات النفسانية لاتبتني علي واسطة جسمانية و استدل علي ذلك ببرهان التسلسل انه لو ابتني علي جسم للزم ابتناؤه علي جسم آخر و هكذا اقول ان بهذه البراهين القشرية لايثبت مطلوب ابدا و لكني اقول انه قد ثبت في الحكمة انه لايؤثر شئ في شئ الا بمناسبة بينهما لانه ما لم‌يتصل الشئ بالشئ لايفعل فيه و لاينفعل منه بل لايكاد يحسّ اثره و لذلك نقول ان الخلق لاينفعلون من فعل الله و لايأتمرون بامره و نهيه الا بواسطة و وسائط علي حسب مرتبتهم لعدم المناسبة بين الخلق و الخالق و لذلك جعل لكل شئ سببا و ورد في الخبر ابي الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب ، و قد كشف اميرالمؤمنين عليه السلام عن هذا الحجاب بقوله اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار ، و بعد ما بيّن عليه السلام العلة عرفنا من ذلك ان الاجسام لاتنفعل من النفوس بلا واسطة ابدا لانها غيبية دهرية و الاجسام دنيوية و لاتطلع علي مرادها ابدا و لذلك جعل الله بينها و بين الاجسام وسايط اولها المثاليات التي هي برازخ بين الدهر و الزمان فباسفلها تشبه الاجسام و باعلاها تشبه الدهر فتنفعل من فعل النفس ثم خلق الله اجساما لطيفة صافية تشبه اسافل المثال بصفائها و لطافتها و هي الافلاك فانها و ان كانت جسمانية [ص 180] الا انها بلغت من اللطافة و الصفاء حدّا صارت قابلة لحكاية الامثلة فتعلقت بها الارواح المثالية و هي منفعلة بفعل النفس مطلعة عليه و لارتباطها بالافلاك تنفعل الافلاك من فعل المثال ثم لكونها برازخ لها مناسبة بالعناصر السفلية فتبلغ فعل المثال اليها و لولا الافلاك لماانفعل شئ من العناصر من ارادات النفس الكلية ابدا و قد اراك الله آية ذلك في جميع ملكه الاتري في نفسك ان الله سبحانه جعل الروح البخاري سفيرا بين المشاعر البرزخية و البدن و لولا الروح لماوصل امرها الي البدن ابدا لعدم المناسبة و من هذا الباب ما قال الفلاسفة انه لا بدّ في عملنا من صابون به يصلح كل فاسد و يجتمع المتفرقات و يتركب اجزاء المولود الاتري اثر ذلك في جميع الملك فانك لاتسمع صوت الجن و لاتنفعل من زجره لعدم المناسبة و اذا ابتليت بالجنون مثلا تسمع صوته و تنفعل منه و كذلك لاتسمع صوت الملك و لاتراه و الرسول يراه و يسمع صوته و كذلك الامر فيما نحن فيه فمحال ان يظهر الآثار النفسانية في الاجسام من غير جسم و لايلزم من ذلك تسلسل ابدا فان الجسم باسفله غليظ و باعلاه يبلغ مبلغا يصير قابلا لحكاية النفوس كما تري ان دم بدنك يبلغ من اللطافة مبلغا يصلح لحكاية نفسك فيحكي فعلها و آثارها للبدن نعم النفوس ربما تؤثر في النفوس الصالحة من غير واسطة الاجسام .

بيان اعلم انهم اوردوا اشكالا بخيالاتهم الواهية و حاصله ان العلة الاولي كلية و تصويراتها ايضا كلية فمن اين يحصل الصور الجزئية و اجابوا عن هذا الاشكال باجوبة لاتسمن و لاتغني من جوع فقال بعضهم ان جميع الملك خيال متخيل تصوّر هذه الهيئات و الاشكال بل ربما يتوهم من كلماتهم ان الله سبحانه المتخيل لهذا الملك اقول اما هذا المطلب فبطلانه ظاهر فان الله لايكون علة و لايكون متخيّلا نعم صوّرهم بالاسباب و اما العلة الاولي فليست مثل اشخاص البشر حتي يتخيل صورة في ذهنه علي اصطلاحهم ثم يؤثر صورته [ص 181] الذهنية في الخارج و ان قلنا انها حقيقة رجل مثلا لانريد انها علي هذا الهيكل فان هذه الصورة من المواليد الزمانية لاتجاوزها كما لايخفي علي لبيب بل البشر في الآخرة لايكونون بهذه الصفة و ليست خيالاتهم في الآخرة بتصوير الاشباح في الخيالات بل بوجه آخر ينبغي لاهل الآخرة و سيجيء بيان هذه المسألة في المعاد ان شاء الله فالعلة الاولي لاتتخيل و لاتتفكر و لاتهمّ و لكن تصويرها بجعل شئ في الخارج علي صورة .

بقي الكلام في وجه التخصيص فاعلم ان الامر ينزل من عند المبدأ بالوحدة و لا اختلاف فيه و لكن الاختلافات كلها من القوابل و قول الآخوند ان العلة الاولي و ساير ما دونها معدّات للشئ و كل ما ينزل يتخصص فيخلق الشئ الخاص بعلته الخاصة بعيد من الصواب و لو قال ان العلل العليا كلية و هي تفعل بسبب العلة الخاصة التي هي اعلي درجة المعلول لكان اصوب بيان ذلك بالجدل انا نقول ان المعدّ هل يعدّ بتأثيره او بغيره و الثاني محال فانحصر الامر في الاول و تأثير الكلي كلي لا محالة فلايظهر منه الا امر كلي فمن اين يحصل التخصيص هل هو بفعل القابل نفسه او بغيره فان كان بفعل نفسه يلزم من ذلك وجوده قبل كونه و ان يكون له تأثر من غير علة و هو انفعال بلا فعل و ان كان بغيره ننقل الكلام اليه و ان قلت يلزم من قولك ايضا ان يكون القابل ثابتا قبل وجوده اقول لنا اصطلاح خاص مأخوذ من ساداتنا لايطلع عليه غيرنا و كلامنا علي اصطلاحنا صحيح و لكن الآخوند ينقض عليه بمثل ذلك لانه عارٍ عن اصطلاحنا و بالجملة لا طايل تحت المجادلات و التفصيلات بعد ظهور الحق و الحمد لله .

التاسع - قد طرحوا مسألة و تكلموا فيها و هي ان العلة هل تكون اقوي من معلولها ام لا و بيّنوا فيها بيانات و انا ابيّن لك حق المقام من دون التعرض لنقل اقوالهم نعم ابطل الباطل علي نحو الاشارة فاقول و بالله المستعان ان جميع الفعل لله سبحانه لا شريك له سواه و لا وكيل له عداه و قد خلق ما خلق [ص 182] بمشيته و هي اول الاسباب و علة العلل و المعلولات و فاعلة المفعولات و هي الكاملة المؤثرة في كل شئ و لها آثار و اشعة بعدد ما خلق الله تعالي علي ما ذكرنا سابقا تتعلق بالاشياء تخلق بها و هي رؤس المشية في الاشياء و ايادي الحق علي رؤس العباد و العلل القريبة في الخلق التأثيري تستفيض من المشية و تفيض الي المشاءات ففي هذه العرصة العلة الفاعلية القريبة اعلي درجة الشئ لاتفارقها و المعلول اسفلها و العلة اشرف من معلولها و اقوي و لكنها نفسه و اما المشية التي هي علة جميع العلل فهي اقوي من الكل لا محالة و لكن الكلام في عرصة التكميل فاقول في هذه العرصة ايضا الفاعل هو الله بمشيته فان في الربوبية العظمي و الالهية الكبري لايغيّر الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لايكوّن الشئ لا من شئ الا الله و لا شريك له شرعا و لا كونا تكميلا و لا تأثيرا قال الله تعالي انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء و لكن له تعالي في التكميل ايدٍ كما كانت له في التأثير و اليد المكملة هي كل ذي فعلية كاملة في فعليته و المتكمل هو الشئ من حيث امكانه و قوته و الامكان نقص و فقدان و الفعلية اشرف منه بشهادة الوجدان و لانحتاج في ذلك الي دليل و برهان فالله سبحانه اذا اراد تكميل قابلية يعدّ لها فعلية كاملة يكمل تلك القابلية بها و يخرج منها مثل صفتها ثمّ هي بعد مستغنية من تلك الفعلية قائمة بمؤثرها مثل الضوء من الضوء و الابن من الاب و البناء من البنّاء و بيان ذلك علي وجه التفصيل يأتي بعد في بيان التأثير و التكميل فترقب فالمتكمل بعد تكمله لايحتاج الي المكمل الاول ابدا الا ان يكون المكمل هو المؤثر و في هذا المقام ايضا بيان سيأتي بعد ان شاء الله فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المتكمل يمكن ان يصير ادون من مكمله و مثله و اقوي و ارفع منه و ذلك لان اصل الفعل و التأثير للمشية علي ما عرفت لا من المكمل المتصل و هو واسطة بين المشية و القابلية المتكملة فاذا اضاء نوره [ص 183] لها و ابلغ امره و استضاءت بنوره تكون مثله و لاتحتاج اليه نعم تحتاج الي مشية الله التي هي مؤثرة الكل و الوسايط العالية التي هي سبب الوجود الا ان يكون تكمّلها برّانيا لا جوّانيا كتكمل الجدار من السراج فانه لم‌يخرج النور من بطنه بل هو صبغ ظاهري قائم بالسراج و اذا خمد السراج يخمد نوره و اما اذا كان المتكمل دخانا مستعدا للدخول و خرج من بطنه النور يبقي بعد خمود السراج الاول البتة و ذلك لان السراج الاول ليس علة مؤثرة بل هي يد المؤثر و المؤثر هو النار الغيبية و هي باقية و من هذا الباب بقاء المتحرك بعد المحرّك احيانا و البناء بعد البناء ثم ان المادة المتكملة ان كانت ادون و اغلظ من المكمل تصير ادون منه و اغلظ و اذا كانت متساوية له تصير مثله و اذا كانت اعلي و ارفع تصير ارفع و ذلك امر مشهود مسلّم و مثاله ظاهر بيّن الاتري ان الاستاذ مثلا يعلّم تلميذه فاذا كان عقله اضعف من استاذه لايصير مثله بل ربما يقوم في درجات ادون منه و اذا كان عقله مثل عقل استاذه ربما يصير مثله و اذا كان اكثر يصير اعلم منه و كالسراج مثلا يشرق و يضيء علي دخان آخر فان كان الغالب علي هذا الدخان الرطوبة المتعلكة الغليظة يصير ادون من السراج الاول في الضوء و اذا كان مثله يصير مثله و اذا كان الطف يصير اضوء و ذلك امر مسلّم مشهود لاينكره عاقل و لكن الكلام في ان الزيادة من اين هي مع ان المادة من نفسها لم‌تكن واجدة للنارية و قد استنارت من السراج الذي ملكها بالفعل و هو لم‌يكن واجدا لاكثر مما اعطي فمن اين تستزيد اقول قد عرفت مما ذكرنا ان العلة المؤثرة هي النار الغيبية و هي واجدة لكمالها بلا نهاية و قد ظهر من كمالها علي مادة بقدر قابليتها و بعد ما تكمّلت المادة الثانية منها بقدر ملكتها تقوم بالنار الغيبية لا السراج الاول و هي تفيض عليها من سبيل آخر غيره بل ربما تفيض عليها من نفسها فان النار الظاهرة علي هذا الدخان كاملة بالنسبة اليه و تؤثر فيه و تسخنه [ص 184] و تدفع رطوباته و كلما يقلّ رطوبته يزيد نورانيته و حرارته و كلما يزيد حرارته تجفف الرطوبات اكثر و يصير الضوء و الحرارة اكثر و ان شئت ان تشاهد ذلك عيانا فانظر الي الشعلة ان اسفلها المتصل بالفتيلة لغلبة رطوبة دخانها نورها ضعيف و لونها مائي و نفس تلك النار تؤثر في دخانها و تسخّنه فيحكي الضوء اكثر ففي المرتبة الثانية يصير ابيض ثم تسخّنه النار ثانية فيصير اصفر تبنيا ثم اترجيا ثم يميل الي الحمرة ثم اذا غلبت النار عليه تجفّفه حتي يذهب رطوبته فيتفرق و يصير توتجا و ليس هذا التكمل الا بنفس تلك النار الظاهرة عليه فانها يد النار الغيبية في تكميل هذا الدخان و السراج الاول الذي استضاء به الدخان قد ذهب و لا واسطة اخري بين النار الغيبية و هذا الدخان غير النار المشعلة علي الدخان فافهم ذلك و كذلك تري ان العالم مثلا يتعلم من غيره حتي يقوم مقامه ثم بعلمه هذا يترقي يوما فيوما من غير استاذ ظاهر و ذلك ان الامام المكمل حي قايم و نوره دايم و فيضه مستطيل و العالم الاول كان يده في تكميل الجاهل و بعد ما تكمل حتي وقف موقف استاذه ربما يصير بنفسه السبب بين الامام المكمل و بين نفسه فيترقي دائما فافهم ذلك فانه دقيق و ان قيل ان الشئ بنفسه كيف يصير علة نفسه فيما لايملك اقول قد ارتفع الاشكال بما ذكرنا ان العلة المفيضة دايمة قايمة و فعليته يده في تكميل المادة التي هي القوة و المادة كائنة ما كانت ناقصة في جنب الصورة و هي كاملة بالنسبة اليها و ايّ مانع من ان يكمّل كامل ناقصا و تكميله ليس الا بتعديد القابلية لافاضة الفيض و اخراج ما في القوة لا باعطاء شئ من نفسه و بجمرة واحدة يمكن استخراج النار من جميع الدنيا اذا كانت قابليتها مستعدة و يرتفع بما ذكرنا الاشكال الذي اوردوه في المقام ان تلك الزيادة معلولة و لا سبب لها و ليست حاصلة للفاعل و لايمكن ان تسند الي استعداد المادة لانها باستعدادها قابلة لا فاعلة ، فافهم و الحمد لله الذي هدانا لهذا [ص 185] و قد ظهر مما بينا حقيقة المسألة و لانحتاج الي زيادة و لكن من باب توضيح الحق اقول ان العلة المؤثرة بذاتها سابقة علي المعلول بوجودها و ماهيتها لا الوجود فقط كالامام مثلا بالنسبة الي الشيعة و اما فعلها الذي هو جهة عليته للمعلول فهو اعلي درجة المعلول علي ما مرّ و ظهوره في العلة المادية هي وجوده و لاتكون سابقة عليه زمانا و اما المكمل فبماهيته التي هي الانية علي اصطلاح الحكماء مساوقة للمتكمل لا محالة اي هي في عرضه فان الشئ لاينفعل مما هو خارج عن حيّزه بالبداهة كما سيجيء بيانه و اما بوجوده فربما يكون مقدما و ربما يكون مثله اما الاول فكشخص الامام الحاضر المكمل و كالسماء بالنسبة الي النبات و الجماد و الثاني كالضوء من الضوء و اخطأ من زعم ان وجود الشعلة الاولي مقدمة علي الشعلة الثانية الا ان يريد التقدم الزماني و الا فالنار جوهر واحد لا اختلاف فيه فافهم و لاتعتن بزخارف القوم و سيأتي ان شاء الله تمام البيان في موقعه فترقب .

العاشر - اختلفوا في انه هل يجوز ان يكون للشئ البسيط علة مركبة ام لا و تكلموا في ذلك و استدل كل فرقة بوجوه و العمر اعزّ من ان يصرف في نقضها و ابرامها و نقلها بل النظر فيها و وجه تعرضي لبيانها هنا ان مشايخي اعلي الله مقامهم لم‌يعنهم بيان هذه المسائل الا ما بيّن شيخنا اعلي الله مقامه في شرح العرشية و المشاعر في شرح ما بيّنه الآخوند و اما في ساير رسائلهم فلم‌يتعرضوا لهذه المسائل الا علي نحو الاجمال و الكلية في بعض المقامات لا بان يعنونوا لكل مسألة عنوانا خاصا و لذا حرم اكثر اصحابنا من العلم بها فلذلك اقدمت علي بيانها و لا حول و لا قوة الا بالله فاقول مجملا ماذا تريدون من المعلول البسيط هل تريدون البسيط الحقيقي و هو الذي لا جزء له مطلقا او البسيط الاضافي و هو ما له اجزاء قليلة و كشف هذه المسألة اولا هو العمدة اذ غاية اشكالهم في انه كيف يمكن ان يصدر من المتعددين اثر واحد بسيط [ص 186] و اذا انحل هذه المسألة يرتفع الاشكال اما البسيط الحقيقي فهو الله وحده لا شريك له كما برهنا علي ذلك مكررا و ما سواه لايخلو من التركيب و لو من جزئين و هو اقل مراتب الكثرة فان كل ما سوي الله تعالي مخلوق و المخلوق له حيثان حيث الي الله سبحانه و حيث الي نفسه اما حيثه الي الله عز و جل فهو حيث فعليته له تعالي و اما حيث نفسه فهو حيث مفعوليته و هما ليسا بمحض الوهم بلا تأصل بل هما ثابتان قائمان و الله المقوم لهما و ابسط الخلق هو المشية و هذان الحيثان ثابتان لها فكيف بساير الخلق نعم بعض الخلق مركب من اجزاء ثابتة قبل المركب قائمة بانفسها من غير حاجة الي المركِّب و هي كالعناصر مثلا بالنسبة الي الجماد و كالآحاد قبل العشرة و امثال ذلك و بعضها مركب من اجزاء بعضها ليس شيئا قائما ثابتا بل هو بعض الشئ و وجودها مع وجود المركب بخلاف المركب من اجزاء قائمة بنفسها و لكن جميعها مركبات و علي ايّ حال لايكون شئ بسيط في الملك و كلها مركبات فاذا ثبت هذا فايّ ضرر في ان يكون شئ مركب علة لشئ او شيئين معلولا لشئ و شيئين فاذا عرفت هذا اقول اولا من باب تقريب الذهن يمكن ان يكون ايضا علة مركبة في الدنيا من اجزاء ثابتة يصدر منها معلول واحد في الصورة متركب في المعني كأن يحرك جماعة حجرا و لايقدر كل واحد منهم علي تحريكه منفردا كما هو مشهود و كأن يظهر من معجون اثر واحد لايصدر من بعض اجزائه هذا الاثر و يمكن ذلك ايضا بوجوه منها ان لايكون لكل واحد من الاجزاء هذا الاثر و بعد التركيب يحدث من تركيبها هذا الاثر و يمكن ان يكون لكل واحد هذا الاثر و لكن ضعيفا و بعد الاجتماع يتقوي الآثار الضعيفة و تكمّل غيرها فان جميع ذلك من الامور الضرورية و نفس المدعي في مثل المقام اولي بالاتباع و القبول من براهينهم لانها ضرورية و براهينهم نظرية و من باب اطلاع الناظر علي نوع [ص 187] ادلتهم و ضعفها اقول ان من براهينهم انه ان استقلّ واحد من اجزائه بالعلية لايستند المعلول الي الباقي و الا ان كان له تأثير في شئ من المعلول لا في كله لزم تركيبه و الفرض انه بسيط و ان لم‌يكن لشئ منها تأثير في شئ منه فان حصل العلية من اجتماعها لاتخلو من انها امر عدمي او وجودي و الاول محال اذ لايؤثر المعدوم في الموجود مستقلا و الثاني يستلزم التسلسل في صدوره عن المركب ان كان بسيطا و في صدور البسيط عنه ان كان مركبا و ان لم‌يحصل بقيت مثل ما كانت قبل الاجتماع فلايكون الكل مؤثرا و لهذا المحقق تدقيقات اخر اهون من هذا التدقيق اقول اولا ايّ مانع من ان يكون لكل جزء من العلة اثرا في جميع المعلول اي المفعول به و ذلك مشهود الاتري ان جماعة اذا اجتمعوا علي حجر عظيم يحرّكونه و كل واحد منهم لايقدر علي تحريكه لان حركة كل واحد تنفذ في جميع الحجر فلاتفي بما تؤثر فيه من القوة و اذا اجتمعوا يتضاعف القوة فيحركونه و لو كان حركة كل واحد تؤثر في جزء من الحجر لكان يتحرك جزء منه بتحريك واحد و تري انه لايتحرك جزء من اجزائه و شاهد ما ذكرنا ان قوة كل محرّك تنفذ في جميع الحجر انه اذا اخذ خشبة بيده و حرّك الحجر بها كالاهرم المعروف يتحرك الحجر من مقامه مع ان الخشب لا حركة له يقوي بها المحرك بل هو سبب و آلة يوصل الحركة الي الحجر و وجه ظهور الاثر بالاهرم انه كان ينتشر بدونه الحركة في جميع الحجر و لم‌يكن يقدر علي تحريكه بالقوة الضعيفة و بواسطة الاهرم تجتمع الحركة في نقطة خاصة و هي تتحرك بهذه القوة مع زيادتها عليه فاذا تحرك هذا الجزء من مقامه يصير معدّا لحركة ساير الاجزاء في كل مقام بوجه و لست هنا بصدد تفصيله و كذلك نري ان بسراج واحد ينتشر في البيت نور ضعيف و باجتماع السُرج يزداد و كل سراج يضيء جميع البيت لا محالة فتدبر تجد ما اقول علانية و كذلك يمكن ان [ص 188] يؤثر كل جزء من العلة في جزء من المعلول و ذلك لانا ذكرنا ان البسيط الحقيقي ليس غير الذات و وحدة ما سواه وحدة شخصية عددية نسبية ككدس واحد و تل واحد فيمكن ان يؤثر كل جزء من العلة في جزء من المعلول كأن يحرّك جماعة احجارا متعددة جمعت في ظرف واحد علي وجه لم‌تتصل الاجزاء بعضها ببعض و كذلك يمكن ان لايكون للاجزاء منفردة اثر صورة الاجتماع لا كلا و لا بعضا كاكثر العقاقير و المعاجين و ساُبين لك وجه ذلك ان شاء الله و لايلزم من ذلك التسلسل فانه لم‌يحدث البسيط من المركب ابدا فان العلة حينئذ صورة الاجتماع و هي واحدة عددية و يظهر منها الاثر الواحد الخلقي و اين التسلسل من ذلك و من هذا البيان تعرف سخافة ساير ادلتهم و لانحتاج الي نقلها و اما بيان الحقيقة فاقول لهم ماذا تريدون من العلة أهي المؤثرة او المكملة اما العلة المؤثرة فهي المؤثرة و المعلول اثرها و الاثر في كل حال يشابه صفة مؤثره لا محالة فان المؤثر ان كان واحدا اثره واحد و ان كان مركبا يكون اثره ايضا مركبا فان الاثر هو الشبح المنفصل من الشبح المتصل بالمؤثر و ليس لنفسه بقاء و لا وجود و لا كمال الا من المؤثر فان قلت باختلافه مع مؤثره اقول مخالفته امر وجودي او عدمي فان كان عدميا فهو لاشئ و لا كلام عنه و ان كان وجوديا فما الباعث لوجوده هل هو ذلك المؤثر او غيره فان كان هو هو فهو لايعطي ما يكون فاقدا له و ان كان غيره فهل هو نفس الاثر او غيره و كلاهما ممنوعان اما الاول فبأن الاثر من نفسه لايملك شيئا و جميع ما له من مؤثره و اما الثاني فممنوع بان كلامنا في المؤثر الواحد للاثنين فلاتغفل فالاثر في كل حال مشابه لمؤثره فان قلت فما بالك تمنع قولنا ان المخلوق الاول بسيط واحد مع اقرارك بلزوم المناسبة اقول انا نمنع اصل برهانكم في المقام فانّ بناء قولكم علي انه صادر من الله و الله احد و نقول ان الله لايصدر منه شئ و هو تعالي احد و الاحد [ص 189] لايكون مصدرا فالمشية ليست اثرا لله و لكنها مخلوق له علي ما مرّ سابقا و اما في مثل ما نحن فيه فلا شك انه لا فرق بين الاثر و المؤثر الا ان الاثر عبده و تابعه و بالجملة فكل مؤثر واحد لايصدر منه الا اثر واحد و لايفرض ان يصدر من مؤثر واحد آثار مختلفة او بالعكس و ان كان الكلام في العلة المكملة و هي المفروض فاي مانع من ذلك فان المادة المتكملة بنفسها ليست علة للفواعل العاملة فيها و هي اي المادة محل لظهور الاثر فان اثّر فيها واحد بالكمال تتأثر من اثره لا محالة و اذا كان فواعل متعددة تؤثر بآثارها و هي من نوع واحد تتكمل بها لا محالة و يظهر فيها هذا الاثر الواحد ، مثال ذلك ما ذكرنا من تحريك الحجر فان الحجر لايكون معلولا للمحركين و لكن معلولهم حركاتهم و لكل واحد حركة واحدة علي ما ذكرنا من شرط المطابقة و يؤثر كل واحد في الحجر باثره و لكن لضعفه لايتكمل الحجر به فاذا اثّروا مجتمعين يتكمل الحجر بالحركة و ذلك لان آثارهم من نوع واحد و يؤثر كل في الحجر و لوحدة النوع يتقوي الحركة التي في كمون الحجر و تخرج منه ثم ان الحركة المستخرجة من كمون الحجر حركة واحدة و ليست اثرا للمحركين حتي يلزم مطابقتها لما سيجيء بعد ان شاء الله بل هي حركة خرجت بسبب المحركين و حركاتهم آثارهم و لنا ان نقول ان النوع واحد و الحركة واحدة الا ان الحاملين متعددون و تعدد الحاملين لاينافي وحدة العلة و المعلول بل ربما يختلف وصف المعلولات مع وحدة العلة كما تري في مقادير الساعات ان الفنر الواحد يحرك الفلكات و كل واحدة منها تحرك بوضع خاص من جهة خاصة الي جهة خاصة و ذلك لان اصل الحركة واحدة و اختلفت بالاسباب الظاهرة فافهم ذلك .

الحادي‌عشر - طرح بعضهم مسألة اخري في المقام و قال ان البسيط الذي لا تركيب فيه لايكون علة لشيئين ليس بينهما معيّة بالطبع البسيط . [ص 190] اقول ان القائل قال ذلك و نحن متفقون معه في هذا القول و لكنه زعم ان البسيط الحقيقي يصير علة لبسيط آخر هكذا و هذا قول زور و كذب علي الله و رسوله و قد ظهر بطلان ذلك مما مرّ سابقا و لكن من باب زيادة البيان في الجملة نقول اما عدم كون البسيط علة مطلقا فذلك لان العلة الفاعلية هي التي يصدر منها الشئ كما يشهد بذلك تصريحاتهم و الصدور بمعني الاشتقاق و قد اخذ له هذا اللفظ من الصدور في مقابلة الورود فان الابل اذا وردت منهلها لشرب الماء يقال وردت و اذا رجعت من هنا يقال صدرت و من باب ان المشتقات كلها تؤخذ من المصدر يقال انها صدرت منه و يسمّي المصدر مصدرا بهذه الملاحظة اذا كان اسم مكان و الا فهو مصدر ميمي بمعني الصادر سمّي به لصدوره من الفعل ثمّ ان الاشتقاق هو الافتعال من الشق بمعني الصدع و في اللغة الاشتقاق اخذ نصف الشئ و اخذ الكلمة من الكلمة و يقال انه اقتطاع فرع من اصل و ذلك ايضا من هذا المعني فاذا عرفت ذلك اقول هل يجوز ان ينشق البسيط الي بسيطين او مركبات و يؤخذ نصفه او ثلثه او ربعه او لا فان حكمت بالجواز فقد احلت و ان قلت لا فكيف يجوز استعمال هذه اللفظة في المقام فان لكل لفظ معني فان استعمل مع ارادة المعني لا بدّ من ثبوته في موقع الاستعمال و ان لم‌يرد معناه فاللفظ مهمل و ان قلت ان الصدور من الله ليس بهذه الوجوه السائغة في الخلق كما اقرّ بذلك الآخوند (ره) فهو علة بوجه مخصوص يعرفه العرفاء مثلا اقول هل يكون ذلك بوجه يثبت به معني العلية بوجهٍ مّا ام لا فان قلت لا فلمَ تسمّيه بهذا الاسم و ان قلت نعم فاقررت بالمحال الذي لايرضي به الله و رسوله هذا و لايجوز شرعا استعمال اسماء ليس لها معني مجوز لله له تعالي كما قالت اليهود عزير ابن الله و قال النصاري المسيح ابن الله و لم‌يريدوا بذلك المعني الجايز في الخلق انهما تولدا من الله بل ارادوا الشرف و الفضل و مع ذلك عاب الله عليهم و كفّرهم و ذلك [ص 191] لان الابن ليس له معني يجوز علي الله بخلاف اليد مثلا و الجنب و امثالهما فان لهما معني يجوز في الخلق و لايجوز في الخالق و معني يجوز استعماله في الله ايضا و اما الابن فليس هكذا و لذا لم‌يرض الله باستعماله له تعالي و كذلك لفظ العلة مما لايجوز استعماله في الله نعم يجوز ان يقال هو الفاعل لكن لا في ذاته تعالي فانه من صفات الافعال و يجري في المشية و كذلك العلة الفاعلية من صفات الافعال و قد زعم جماعة ان مشية الله تعالي عين ذاته فلذلك قالوا انها العلة الفاعلية فاقول لهم ان المشية عين الذات من كل حيث او من حيث هي غيرها و من حيث عينها او تكون غيرها من كل حيث فعلي الاول هل توصف بصفة الذات من كل جهة فهي ذات و لمَ تسميها بالمشية و ليست فعلا و لايخلق بها شئ و لاتكون علة شئ و لا سبب شئ و ان لم‌توصف بصفة الذات فلها مغايرة مع الذات و يدخل في القسم الثالث و علي الثاني يلزم منه تركيب القديم مع الحادث و هو محال مع ان القدم ينقلب الي الحدوث فيكون المركب مخلوقا و علي الثالث تكون بكلها مخلوقا فالمطلوب ثابت و ان كانت غيرها و هي قديمة فهي ذات ثابتة لنفسها فلمَ تنسبها الي الذات و تعدّها مشيتها مع ما يلزم من تعدد القدماء و غير ذلك مما مرّ ، هذا و قد حدّوا الصفات الذاتية بانها لايجوز سلبها عن الذات كالسمع و البصر و العلم و القدرة و الحيوة و الفعلية يجوز سلبها و اثباتها كخَلَقَ و لم‌يخلق و رَزَقَ و لم‌يرزق و نري ان الارادة مما يجوز سلبها و اثباتها الاتري انك تقول كان الله و لا ارادة ثم اراد و تقول اراد كذا و لم‌يرد كذا فلو كانت الارادة عين ذاته للزم من اثباتها اثباتها و من نفيها نفيها و يكون معني اراد و لم‌يرد كان الله و لم‌يكن و هذا كفر صريح و يلزم من ذلك ايضا تعلق الذات بالاشخاص و تفاوت الذات في المقامات فانك تقول اراد لزيد كذا و لعمرو كذا و الارادة المتعلقة بزيد حينئذ علي خلاف الارادة المتعلقة بعمرو و لو كانت الارادة هي الذات اذا لتفاوتت ذاته و اختلف [ص 192] كنهه و ان قلت انها في نفسها واحدة و قد اختلفت في القوابل اقول يلزم من ذلك ان يكون تعالي نوعا فان هذا صفة النوع و النوع مركب من جنس و فصل و الله تعالي لا جنس له و لا فصل و من جوّز ذلك في الله تعالي فقد ركّبه و ان قلت انه جنس فقط فقد اقررت بانه مادة و ذلك كفر آخر و بالجملة بطلان هذا القول يومنا هذا ظاهر و الحمد لله و قد مرّ سابقا ايضا زيادة البيان و العجب من جماعة يتعلمون المنطق لاصلاح افكارهم و تصفية اذهانهم و يثبتون و ينفون امثال هذه المسائل بالقياسات المنطقية و الادلة الكلامية و يتركون اخبار آل‌محمد عليهم السلام و اما نحن فنقول كما قال امامنا ان المشية مخلوقة بنفسها و هي عبد الله و علة الكاينات و الحاصل ان البسيط الحقيقي لايكون علة لبسيط و كذلك لايكون علة لمركب بالبداهة ثمّ انّا نقول ان البسيط لايكون معلولا فان المعلول لايخلو من ان يكون مركبا من جزئين فانه له حيثان لا محالة حيث انه معلول و حيث انه هو هو فانهما لو كانا حيثا واحدا للزم التفاتك الي المعلولية حين التفاتك الي هويته و لايقول به مدقق و علي اصطلاح اهل الحكمة النبوية اقول ان المعلول له حيث الي علته و حيث الي نفسه و هذا اقل التركيب و بلسان آخر اقول ان البسيط الحقيقي في قوامه و وجوده لايحتاج الي غيره ابدا اذ لو كان محتاجا الي غيره لكان قائما بغيره قيام صدور لا محالة و اذا صدر منه لكان متفاوتا معه مع اجتماعهما في البساطة علي قولك و الا لكان المشتق عين المشتق منه و لزم من ذلك قيام الشئ بنفسه من حيث واحد و هذا باطل عندكم و عندنا و هذا دور مصرّح فله فرق مع العلة و الفرق بشئ غير نفس البساطة اذ لا فرق فيها و هذا الشئ صورة عارضة فيلزم من ذلك تركيب المعلول من جامع هو المادة و صورة بل يلزم من ذلك تركيب العلة فاين البساطة بل هذا تركيب ظاهر بيّن و لانحتاج الي زيادة تفصيل بعد ظهور الحق في المقام .

[ص 193] الثاني‌عشر - قد عقد الآخوند (ره) فصلا خاصا في اسفاره في احكام العلة الفاعلية و بيّن احكاما و انا لست بصدد تفصيل الكلام فيها و لكن اشير الي قوله و ابيّن الحق علي اصطلاح مشايخي الذي يجرون عليه في الظاهر و من اراد الاطلاع علي قوله فعليه بمراجعة كتابه قال : ان كل علة مقتضيه مع معلولها و يريد من ذلك مقارنتهما و لكن كثيرا مّا يقع الاشتباه بسبب اهمال الحيثيات او ما بالعرض و ما بالذات فيزعم الزاعم جواز سبقها علي المعلول و ذلك مثل ان زيدا يكون و لايكون كتابته فيكتب يوما او ان زيدا الكاتب يعالج يوما مريضا و غير ذلك من الوجوه التي لاحظها و بيّن وجه الاشكال و اجاب عنه . اقول انه (ره) ربما يقول العلة و يريد منها المؤثر و ربما يقول العلة و يريد المكمل و يختلط البيان فيهما مع ان اصل اصطلاحهم في العلة يقتضي ان يراد منها المكمل فقط اذ قسّموا العلة بمعني السبب الي هذه الاقسام و لكن في بيانه لم‌يفرق بينهما و ما لم‌يميز حكم كل واحد منهما لايعرف حقيقة المسألة فاعلم ان المؤثر هو الذي يصدر منه الاثر و الاثر هو صفة المؤثر و قيامه به قيام صدور و المكمل هو الذي يكمل قابلية غيره فيخرج منها مثله فالتأثير اظهار ما لم‌يكن و التكميل ابراز ما قد كمن و سيظهر لك ان شاء الله بعد تفصيل القول فيهما فالمؤثر ان كان ذات الشئ و حقيقته يكون لها اثرها ما دام وجودها كالسراج في المثل بالنسبة الي انواره فما دام وجود الشعلة من بدأ وجودها الي ختمها يكون معلولها الذي هو اثرها الا انها فوقه بمعني العلية و هو دونها بمعني المعلولية و ان كان المؤثر للشئ فعل من افعال الشخص فربما يكون الذات و لا فعل فلا اثر ثمّ يفعل فيظهر الاثر كقيامك مثلا فانه اثر ارادتك الخاصة به لا ذاتك و الذات ثابتة و انت غير قائم فتريد مرّة القيام و بمحض ارادتك يظهر القيام و اعلم ان هذه الامثال كلها من عرصة التكميل كما سيظهر لك ان شاء الله و لكن قد اخترناها لانها اقرب الي التأثير و اما [ص 194] العلة التكميلية فلايلزم من وجودها وجود المعلول فورا بالبداهة فان العلة ربما تكون ثابتة و المعلول لم‌يخرج بعد من الامكان و تخرجه شيئا فشيئا كالشعلة التي تكون علة لاستخراج شعلة اخري من الدهن فانها تكون قائمة و تخرج الشعلة شيئا فشيئا و قد نظر الآخوند في المقام الي المؤثر و سلب العلية عن السراج السابق و قال ان صنعه تحليل رطوبة الدهن ثم النار المستخرجة منها خلق الله و هو علتها و ذلك بسبب نظره الي المؤثر و قد صدق من حيث و لكن المكمل ايضا سبب فاعلي و لا شك في ذلك بل هو قد اقرّ به في مقامات حتي في هذا الفصل و هو ثابت قبل الشئ المستخرج من القابلية بل ربما يكون قبل المتكمل ايضا ثمّ اني اقول لايضرك ان سمّيت العلة التكميلية بالمعدّ و لكن يبقي الكلام في ان تعدّ العلة الفاعلية مؤثرة و تخرجها عن السببية الي العلية فهي فوق المادة و الصورة و المقسم لا محالة ثمّ ان الاثر في وجوده محتاج الي المؤثر لا محالة و قال جماعة ان الخلق في بقائهم و وجودهم لايحتاجون الي ربهم بل هو الذي يوجدهم و هم قائمون من غير حاجة اليه و هذا كفر بالله و قد اشتبه الامر عليهم لانهم رأوا ان البناء يبقي بعد البنّاء و لايحتاج اليه فاقول ان البنّاء ليس علة مؤثرة للبناء و لكنه علة مكملة و اما البناء فهو قائم بمؤثره بل المكمل ايضا غير البناء و هو الله و البنّاء يده في صنعه و اذا مات البنّاء لايموت الرب تعالي و هو يبقي بسبب آخر و ليس البنّاء الا كناقل الحجر من مكان الي مكان فان الحجر المنتقل لايكون اثر الناقل و لا سكونه في المقام الثاني من اثره نعم اثره حركته و ذهبت مع سكون الناقل و لقد كمل الحجر بها ما دام اتصال يده به و بعد رفعها يسكن في مقامه بتسكين مؤثر السكون و مؤثر الكل هو الله تعالي و يفعل ما يشاء بالاسباب فافهم و تدبر و الخلق وجودهم قائم بالله تعالي اي بايجاده و بقاؤهم بابقائه لانهم من مشيته كالنور من المنير و النور في جميع حالاته في حال الصدور [ص 195] من مبدئه فابقاؤه باصداره غاية الامر ان الفيض الاول يسمّي بالايجاد و الفيض الثاني بالمدد و الابقاء و يختلف الاسم باختلاف القابل و حالاته و الا فالكل بالنسبة الي المبدأ واحد و لا اختلاف فيه و اعلم ان جميع الخلق بالنسبة الي مشية الله دايما في حال اول الصدور اذ لايجري عليها في هذا النظر الازمنة و الدهور و الاعوام و الشهور فلاتصغ الي قول هؤلاء الاقشاب اذ تكلّموا فيما لا معرفة لهم به و تكلّفوا ما لم‌يكلَّفوا و لو اقتصروا علي ضروريات الاسلام و ما عليه عامة المسلمين لكان في ذلك نجاتهم البتة .

تنبيه - قد ضرب الآخوند مثلا لوجود العالم من الباري تعالي بوجود الكلام من المتكلم ان سكت بطل وجود الكلام و وجود ضوء الشمس في الجو المظلم بالذات ما دامت الشمس طالعة فان غابت بطل الضوء من الجو اقول ان اراد من التمثيل محض رفع شبهة من زعم ان الملك منه كالبناء من البنّاء و تقريب ذهن المستمعين فلايضره و لكن ان كان اعتقاده ذلك فهو خطاء محض من جهات منها ما سيجيء بعد ذلك ان شاء الله ان ذلك بالتكميل ايضا لا التأثير فان في عرصة التأثير الامر اعظم من ذلك فان الاثر يبطل وجوده بمحض بطلان مؤثره و لو كان الكلام اثر المتكلم للزم بطلان الكلام بمحض سكوت المتكلم لان قيام الاثر بمؤثره و قد اقرّ بذلك في كلامه (ره) و المشهود خلاف ذلك الاتري ان المدفع العظيم الصوت اذا دفع يصل صوته الي رأس فرسخ بعد دقيقة و قد جرّبنا مرارا ان صوته يصل الي خمس فراسخ بعد خمس دقايق و لو كان الصوت اثر الصائت للزم فناؤه بعد دفعه فورا و كذلك الكلام من المتكلم لعدم الفارق و كذلك نور الشمس فانه و ان ذهب بذهاب الشمس فورا لباعث خارج و لكن نعرف ذلك بالمقايسة الي الحرارة التي هي لازمة الشمس و كيفية اخري من كيفياتها فانها تبقي بعد غروب الشمس الي مدة و لو كانت اثرها لفنيت بعدها و كذلك النور و يشهد بذلك ايضا ان نور الشمس يري بالمشعر الذي [ص 196] يدرك به الشمس و من خواص الاثر انه لايري مع المؤثر و بالجملة سيظهر لك ان شاء الله حقيقة هذه المسألة و مراد الآخوند (ره) ان الخلق اثر لله فلايصح المثل الا ان يريد محض تقريب الذهن و منها ان الخلق ليسوا نور الذات و شعاعها فان المؤثر هو اعلي درجة الآثار و الآثار اشباحه الساطعة من وجهه و الذات لايسطع منها نور غيرها اذ هي احد و لا غير لها حتي يعدّ معها فيسمّي اثرا او نورا و لكن ذلك بالنسبة الي مشيته تعالي فانها مؤثرة الكل و هي ليست من الله كالكلام من المتكلم و لا النور من المنير بل هي خلقه خلقها في مقامها فافهم و حق المقام انه لا كيف لفعله تعالي كما لا كيف له و لايمثّل حصول الخلق و صدوره فانه لا كيفية له و لايسأل عما يفعل و هم يسألون و مراده (ره) من بياناته و اشاراته انه ليس الا وجود واحد مستطيل اعلاه الرب تعالي و اسفله الخلق و سيلحق الاسفل بالاعلي و لكن بيّنه في كل مقام بنهج خاص .

تنبيه آخر - نقل من الفلاسفة الاقدمين ان المؤثر في الوجود هو الله و الفيض كله منه و الوسايط كالاعتبارات و الشروط التي لا بدّ منها في ان يصدر الكثرة منه فلا دخل لها في الايجاد بل في الاعداد و احتج بعض علي ذلك بان الذي هو بالقوة ايّا كان لايفيد وجودا اصلا و الا لكان للعدم اشتراط في اخراج الشئ من القوة الي الفعلية فيكون جزء علة الوجود فالمفيد للوجود هو البريء عن القوة و هو الله و استحسن الجمهور برهانهم و ردّ عليهم بعض و لكني اقول انهم سمعوا كلاما صحيحا من الانبياء سلام الله عليهم و لم‌يعرفوا حقيقته و الحق ان الفيض كله من الله و هو الخالق و المؤثر و لا شريك له و من اشرك به غيره فقد كفر بالله و لكن لا بان يكون مؤثرا بذاته كما ذكرنا و لكنه مؤثر بمشيته تعالي كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و المشية هي السبب و الوسيلة و الوصلة بين الله و خلقه ثم ان للمشية رؤسا بعدد خلق الله و هي فعليات تتعلق بالقوابل الامكانية [ص 197] يخلق الله بكل رأس ما يشاء و هي الحبل بين المشاءات و المشية و ليس هنا محل بسط ذلك و سيأتي في علم البدأ ان شاء الله و ما قال القائل ان الامكان لايصير علة الوجود ، كلام متين من حيث نفس الامكان لانه صرف الصلوح و لكن الامكان بنفسه لايقوم بلا كون فانه هو المادة و المادة ظاهرة في الصورة و الصورة ظهور فعل الله بل آية كينونته و علمه في الشئ و هو مؤثر لا محالة الاتري ان لكل لون من الالوان اثرا في النفوس و لكل دواء اثرا في الابدان و جميع ذلك من الصور و قد نطق بذلك الشرع و حكم به العقل و هو مشهود بالتجارب و لاينكره عاقل و لاتزعم من ذلك انها مستقلة بالفعل حاشا و كلا بل الفعل كله لله تعالي و هي اسباب في الملك و قال عليه السلام ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها ، و جعل لكل شئ سببا و الاسباب اسباب من حيث الفعليات لا القوة العدمية و ردّ علي هذه الجماعة بعض بان الامكان امكان من جهة و كون من جهة و الاثر من حيث الكون ، اقول ان اراد بذلك نحو قولنا فهو صحيح و نقل عن جماعة انهم يقولون ان الامكان واسطة بين العقل الفعال و السماوات فان ارادوا بذلك ان مواد الاشياء وسايط فليس ببعيد و لكن ذلك ثابت من حيث اكوانهم و ان اراد ان الامكان الاعلي واسطة فذلك قول باطل فان الامكان علي الحق سابق علي العقل و ان كان العقل اشرف منه ثم لايخفي ان المتقدمين وقعوا فيما فرّوا منه فانهم قالوا بما قالوا حذرا من ان يكون الامكان علة الكون فقالوا ان الله علة خلقه و ساير الخلق بمنزلة الشروط و الاسباب لحصول الكثرة و الاختلاف فاقول لهم علي قولكم ذلك ايضا من باب وجود اثر للامكان فانه لا شك ان الشرطية و السببية لاثر فانه لو لم‌يترتب علي وجود الشئ اثر مطلقا لكان شرطيته و سببيته بلا ثمر اذ هو معدوم صرف مع انه لايحصل منه الفائدة الملحوظة فان مراده ما يكون سبب حصول الاختلاف لان الفعل من الله واحد لا اختلاف فيه فالتعدد و الكثرة من عند [ص 198] الخلق بانفسهم فان كانوا امكانات صرف فلا اختلاف فيها و الامكان شئ واحد غير متكثر و هو امر عدمي فكيف يصير سبب الاختلاف الاتري ان المداد لايكون سبب اختلاف الحروف و تشكلها باشكال و ليس منه الا امر صلوحي مطلق و لكن المخصص هو المرجح و هو الكاتب و كذلك الامر في المقام ثم انا نقول علي فرض التسليم ان جاز تأثيرها بهذا القدر يجوز اكثر لا محالة و الادلة العقلية لاتخصص و ان اراد ان الامكانات بعد تكوّنها تكون سببا اقول فمن المكوّن لها فهو المخصص للكل و بالجملة فيجوز علي هذا الرأي ايضا التأثير من حيث الكون فلمَ تنفيه مطلقا و لكن علي رأينا و قولنا يظهر تمام المسألة و يرتفع الاشكال بالكلية ان شاء الله فالفاعل هو الله مطلقا و لا شريك له و لا عديل و لا نظير و جميع الخلق اياديه في التأثير بمشيته بعضها فوق بعض و بالاعالي يخلق الاسافل و العقل وسط الكل و علة الجميع و الاختلافات تحصل شيئا فشيئا في الدرجات السافلة و الامر في الاعلي واحد فافهم التنبيه حتي تقف علي الحق في المقام ان شاء الله .

فائدة - قال الآخوند (ره) ان الفاعل الناقص يحتاج الي حركة و آلات حتي يصدر ما في نفسه محصلا في المادة و الفاعل الكامل هو الذي يتبع الصورة الموجودة في ذاته وجود الصورة في مادتها و قال ان الفاعل الاول وجود ما يوجد عنه انما هو علي محض فيض وجوده لوجود ما سواه مع علمه و رضاه و لايفيده وجود ما يوجد عنه كمالا و منفعة الي ان صرّح بانه لايحتاج الفاعل الاول في ان يفيض عنه شئ الي شئ غير ذاته صفة كانت او حركة او آلة ، الي آخر كلامه و هذا القول يبتني علي مذهبه اذ جعل الذات علة للخلق و قوله في العلم ان صور الاشياء ثابتة في العلم و هو الذات و ان الارادة ذاتية و الله خلق الاشياء بذاته لا بحركة سوي الذات طبق علمه و بالجملة حاصل كلماته المتفرقة انه هو الله و الخلق كلهم شؤنه و ظهوراته و معني خلق انه [ص 199] تعالي ظهر بهم او نزل اليهم و الكل تنزلاته و سيرجع الكل اليه و بطلان هذا المطلب ظاهر بين و الحق في المقام من متعلقات المرام ان الله قد تنزّه عن العلية و المعلولية و قد خلق المشية لا بذاته بل بذاتها في مقام وجودها و خلق الاشياء بالمشية فجعلها علة خلق الخلق و هي العلة الاولي و الفاعل و الله يفعل ما يشاء بها و ذاته تعالي لاتحتاج الي سبب في الايجاد و لكن ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها فافهم و لانحتاج في المقام الي ازيد مما ذكرناه و قد مرّ في المقالة الاولي و في مبحث الوجود ما فيه كفاية و بلاغ .

فايدة - قسّموا الفاعل في اصطلاحهم الي ستة اصناف : الاول ما بالطبيعة و هو الذي يصدر منه فعل بلا علم منه و لا اختيار و يكون فعله ملايما لطبيعته و الثاني ما بالقسر و هو الذي يصدر منه فعل بلا علم منه به و لا اختيار و يكون فعله علي خلاف مقتضي طبعه و الثالث ما بالجبر و هو الذي يصدر منه فعله بلا اختياره بعد ان يكون من شأنه اختيار ذلك الفعل و عدمه ، قال الآخوند ان هذه الاقسام مشتركة في كونها غير مختارة في فعلها و في ان فاعليتها علي سبيل التسخير و الاستخدام من غيره سواءا كان من فوقه ايضا هكذا او مختارا و نفي عنها الارادة ايضا في بعض كتبه و قال ان استخدام النفس الناطقة لبعض القوي الفعالة البدنية من قبيل الاول كالحركات الاينية و غيرها الصادرة من القوي العضلية و لبعض القوي من قبيل الثاني كالحركات الصادرة من القوي الغاذية و كحركة النبض و قال ان القسم الاول نظير الحيوانات و الثاني نظير الفلكيات ثم عدّوا القسم الرابع من اقسام الفاعل ما يكون بالقصد و هو الذي يصدر منه الفعل مسبوقا بارادته المسبوقة بعلمه المتعلق بفرضه من ذلك الفعل و يكون نسبة اصل قدرته و قوته من دون انضمام الدواعي و الصوارف الي فعله و تركه في درجة واحدة و الخامس هو الذي يتبع فعله علمه بوجه الجبر فيه بحسب نفس الامر و يكون علمه بوجه الجبر في [ص 200] الفعل كافيا لصدوره منه من غير قصد زايد علي العلم و داعية خارجة عن ذات الفاعل و يقال له الفاعل بالعناية في عرف المشائين و السادس هو الذي يكون علمه بذاته الذي هو عين ذاته سببا لوجود افاعيله التي هي عين علومه و معلوماته بوجه اي اضافة عالمية بها هي بعينها نفس افاضة لها من غير تعدد و لا تفاوت لا ذاتا و لا اعتبارا و عدّ قسما سابعا سمّاه الفاعل بالتجلي في مشاعره و هو بالقاء مثاله في هويتها و هذه الاربعة مشاركة في كونها فاعلا مختارا و ان كان الاول مضطرا في اختياره لان اختياره حادث بعد ان لم‌يكن و لكل حادث محدث فاختياره بسبب مقتضٍ و المقتضي ان كان غيره فالمطلوب ثابت و ان كان نفسه فهل يكون سببيتها باختياره ام لا ، فالاول يوجب التسلسل ان لم‌يؤل الي اضطرار و ان انتهي الي اضطرار يثبت المطلوب و كذلك علي الثاني ، هذه خلاصة تحقيقاتهم و بعد ظهور اقسام الفاعل اقول ان الدهرية و جمعا من الطبيعيين قالوا ان المبدء فاعل بالطبع و المعتزلة ذهبوا الي انه الفاعل بالقسر مع الداعي و جمهور الكلاميين ذهبوا الي انه فاعل بالقصد و الشيخ الرئيس وفاقا لجمهور المشائين الي ان فاعليته للاشياء الخارجية بالعناية و للصور العلمية الحاصلة في ذاته علي رأيهم بالرضا و صاحب الاشراق تبعا لحكماء الفرس و الرواقيين الي انه فاعل للكل بالمعني الاخير و رأيه ان فاعل الكل لايجوز اتصافه بالفاعلية باحد من الوجوه الثلاثة الاول و ذاته ارفع من ان يكون فاعلا بالمعني الرابع لاستلزامه مع قطع النظر عن الاضطرار التكثر بل التجسم فهو اما فاعل بالعناية او بالرضا و علي ايّ الوجهين فهو فاعل مختار اقول يرد علي اكثر بيانات الآخوند (ره) في الاقسام الثلثة اعتراضات لا بدّ من ذكرها في المقام اما سلب الاختيار و الارادة عن الثلثة الاول فخطاء مخالف للكتاب و السنة الاتري ان الله تعالي يقول ان من شئ الا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و لا شك ان ضمير الجمع مخصوص بالعقلاء و لو لم‌يكونوا شاعرين لقال [ص 201] تسبيحها علي انه تعالي عدهم من المسبحين و ذلك شان العقلاء و قال يسبح لله ما في السموات و ما في الارض و قال و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم فهم عقلاء كالانسان فكلهم عقلاء غاية الامر ان شعور الجماد و النبات غليظ بحسبه و هو في الحيوان الطف و في الانسان الطف ، هذا و جميع الملك تنزل العقل فانه اصل الكل و الماء المخلوق منه كل شئ فمبدء الكل هو الشعور غاية الامر انه قد تغلظ و لكنه لم‌يبطل بالكلية فكل فاعل يفعل بارادته الا ان ارادة البعض ضعيفة الا ان يريد من العلم التصور و من الارادة الضمير و ما يبدو له كالانسان فلا شك انهما مسلوبان من بعض الحيوانات و النباتات و الجمادات و اما سلبه الاختيار عن بعضها بالكلية فذلك ايضا مخالف للكتاب و السنة فان الله لم‌يجبر احدا علي شئ و قد خلق جميع ما خلق من الامكان و لم‌يسلب الامكان عن شئ بعد تكوّنه بل حلّي قطعة من الامكان بحلة الكون فكل شئ مركب من كون و امكان و لا شك في ان الامكان محل الاختيار و قد قال الله تعالي للسماوات و الارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين ، فاين الجبر و الكل مختار و ما تري مما يخالف ذلك في الاخبار فهو متشابه يردّ الي المحكمات و المحكم من الكتاب و السنة ان جميع الخلق مختارون في فعلهم و تركهم و وجودهم و غير ذلك نعم بعضهم ضعيف الاختيار لقلة شعوره و بعضهم قوي الاختيار و قد مرّ في مسألة الجبر و التفويض بيان ذلك فكل فاعل مختار في فعله الا ان الاختيار في بعض بالاستشعار و التعقل و في بعض بالطبع فافهم ثم ان لي كلاما طويل الذيل في الفاعلية بالطبع و القسر فاعرني لُبّك حتي تعرفه فاقول ان المراد من الطبيعة صورة الشئ و حقيقته و ليست الطبيعة امرا زايدا علي الصورة و ان كانت في اصطلاحنا جارية في الصورة الكلية و الصورة هي حدّ المادة و نهاياتها فاذا كان صورة شئ نفس الحركة مثلا لايعرضه السكون بعد ذلك اذ لو سكن لتغير [ص 202] الشئ عما هو عليه و صار غيره كأن يصير الالف باءا و الفرض خلاف ذلك و علي ذلك لايجوز ان يتحرك الساكن بالطبع و لو قسرا و الا لخرج عن جوهريته و ذلك محال فلا معني للحركة الطبيعية لانا نري انه يتحرك كل ساكن بالقسر و بالعكس و لاينقلب حقيقته الي غيرها بعد القسر بل الحقيقة شئ ثابت يعرضها الحركة و السكون و هي لاتكون متحركة بالذات و لا ساكنة هكذا و قد يشتبه العرضيات بالذاتيات بدوامها لباعث دايم فانك تري السماء مثلا متحركة دايما و لاتراها يعرضها السكون فيشتبه عليك الامر و تزعم ان حركتها طبيعية و ذلك لان باعث الحركة موجود و باعث السكون غير موجود فتتحرك دايما و لو وجد باعث السكون لسكنت كما وجد باعث الحركة علي خلاف الطبع عند ردّ الشمس فافهم و كذلك الامر في الفاعلية اقول هل الفاعلية ذات الشئ او عرضه فان قلت بالثاني فالمطلوب ثابت و ان قلت بالاول اقول فهل يجوز ان يكون الفاعل مفعولا ام لا ، فان قلت لا ، ينقض عليك فَتْلك فان جميع الفواعل بالطبع قد تكون مفعولة فهل تتغير ذواتها حينئذ ام لا و الاول باطل و الثاني ثابت و الذاتيات لاتتغير فالفاعلية و المفعولية صفتان كما اقرّوا بذلك في سلسلة العلل و المعلولات فلا فاعل بالطبع بل الفاعلية عرض و الذات منزّهة عن هذا الحدّ و علي ذلك يبطل القسر ايضا اذ القسر علي رأيهم ما يكون علي خلاف الطبع و الاختيار و طبع كل شئ صالح لان يكون فاعلا و مفعولا و كل ما حصل موجب من الخارج يتهيأ بالهيئة الخاصة و ذلك ايضا بالاختيار لانه من الامكان فتدبر حتي تفهم و ما قالوا في الجبر ايضا لايتمشي علي مذهبنا بل علي مذهبهم ايضا فيه تناقض الا ان يريدوا خلاف الظاهر اما مخالفته لمذهبنا فبانه قال ان الفاعل بالجبر هو الذي يصدر منه الفعل بلا اختيار بعد ما كان من شانه الاختيار فانا نقول ان الجبر هو الفعل بلا انفعال فانه في اللغة بمعني اكراه الشخص علي امر بالقهر و الاكراه [ص 203] الحقيقي ان لايكون للشخص صلاحية هذا الامر مطلقا فان احد معاني الكراهة الاباء فان من كان له صلاحية امر و لو كانت ضعيفة يكون راغبا اليه في الجملة و ان كان ميله الي خلافه اكثر فمن امره بفعل قهرا لم‌يكرهه في الواقع اي لم‌يجبره الاتري الي قوله تعالي لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي و لو كان الاكراه في المقام من الكره بمعني المشقة لكان اكثر الدين بالاكراه فان النفوس الشقية لاتقبل الدين الا كرها و هو كلفة عليهم فالاكراه الحقيقي في مقام عدم الانفعال و اذا كان انفعالٌ مّا لايكون اكراه الا في العرف الظاهر اذ يسمّون كل ما هو علي خلاف ميل الطبع بالاكراه ثم التناقض في كلامه في مقام قال انه الذي يصدر منه بلا اختيار بعد ما كان من شانه ذلك فانه اثبت الاختيار له في آخر كلامه مع سلبه اولا فكيف يستقيم هذا الكلام الا ان يريد سلب الاختيار الاول عنه مطلقا ثم جبره نعم ان كان يقول في الجبر انه اكراه الشخص علي خلاف طبعه لكان اولي و هو من القسم الثاني و عدّه قسما آخر خطاء ثم نقول في قوله ان استخدام النفس لبعض القوي من قبيل الاول و لبعضها من قبيل الثاني ماذا تريد من ذلك هل تريد في الاول ان النفس مثلا تستخدم العضل مثلا بالطبع او يخدمها العضل بالطبع اما الاول فخطاء محض فان النفس دراكة مريدة و اعمالها اختيارية فكيف تنسب فعلها الي الطبيعة ، هذا و في المنام تعرض الناطقة عن البدن و مع ذلك يخدمها العضلات و الاوردة و الاعصاب و ساير البدن و لو كان الفعل منها لماصدرت منها افعالها في المنام و كذلك قبل تعلق النفس الناطقة بالبدن ايضا يعمل البدن اعماله و ان كان المراد ان خدمتها بالطبع فلمَ تنسبها الي النفس و لو كان من طبعها للزم عملها بعد الموت ايضا و تري انها بعد الموت لاتعمل عملا مع بقاء صورها فالحق ان العمل فيها للنباتية و الحيوانية كل بحسب حالها و اما قولهم في الخامس فقد مثّل له الآخوند (ره) بالحالة الحاصلة للنفس من [ص 204] تخيّل السقوط و اللعاب السايل من اللسان من تخيل الحامض و هذا كلام بظاهره صحيح فانك اذا تصورت ذلك تنفعل بمحض علمك و لكن اذا تعمقت النظر و عملت بالفكر تعرف ان علمك هذا غير العلم النفساني اذ هو الملكة الكلية و لا خصوصية في النفس لعلم دون علم و لكن هذا العلم هو العلم الصوري الشخصي و هو حاصل في الخيال و المؤثر في البدن هو الخيال و الحصول في الخيال اما بالارادة او بالبواعث الخارجية المهيّجة للطبع و هو عندنا ايضا اختياري الا انه باختيار ضعيف و علي ايّ حال هذا العلم تابع للارادة الاولي التي هي اول صادر من النفس فالعلم النفساني ليس علة لايجاد شئ و لا العلم الخيالي وحده بل الارادة باعثة للعلم و بالعلم يتأثر الحيوانية و بها يتأثر البدن فتدبر حتي تقف علي المراد ان شاء الله و القسم السادس ايضا قول زور و قد مثّل له بفاعلية النفس بالقياس الي تصوراتها و توهماتها بالرضا و كذا بالقياس الي قواها الجزئية المنبعثة عن ذاتها المستعملة اياها المستخدمة لها فان علم النفس بذاتها سبب وجودها و هذا قول باطل فان علم النفس بذاتها نفس ذاتها و هي لاتكون علة كما مرّ و يأتي ان شاء الله .