الخامسة اعلم ان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان و لميكن معه شئ [ص 153] مما كان فخلق اول ما خلق بمشيته الامكان الجايز الذي منه الاكوان و هو الماء الاول الذي قال الله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و قال خلق كل دابة من ماء و قال او كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب و قد جعل الله هذا البحر مثلا لاهل الباطل لفقدانه الكمالات و عدم حكايته لجميع الاسماء و الصفات الا علي نحو الامكان فانه مادة الاكوان و الاعيان و صلوح لجميع كمالاتها و فعلياتها و الصلوح نوع فقدان و بالجملة فالامكان الاول مادة سايلة صالحة لجميع الاكوان و الاعيان بكلها و بعضها و بعضها عين كلها و بعضها يصلح لما يصلح له كلها و بالعكس فهي بنفسها لاتقتضي خروج شئ من الاكوان منها بنفسها اذ عرفت انها بنفسها عدم و فقدان و صلوح و العدم لايقتضي الوجود الكوني و العيني من نفسه و لو كان مقتضيا لوجد لا محالة فان الله سبحانه يعطي علي حسب اقتضاء خلقه و قد قال ادعوني استجب لكم فلو لميكن قاسر للامكان لميكن يتكوّن بصور الاكوان ابدا فافهم ذلك فانه مسألة غامضة و دونها مسائل كثيرة شريفة ان عرفت فلا بدّ من علة فعلية لاستخراج كوامن الامكان و قد عرفت ان الله عز و جل بنفسه لايكون علة الخلق فانه لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ و لايتعلق بشئ و لايتعلق به شئ كما مرّ سابقا و قد عرفت من كلام اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلّين ان علة ما صنع صنعه ، و صنعه فعله و هو مشيته تعالي فهي العلة لاستخراج كوامن الامكان و خلق الاكوان و الاعيان برُمّتها و هذا اصل يجب ان يحفظ و هذه العلة تسمّي بالفاعلية و يأتي تمام الكلام بعد ان شاء الله و ان قلت ان المشية علة خلق الخلق من الامكان فما علة الامكان و المشية اقول اما الامكان الجايز فلا شك انه ايضا مخلوق بالمشية كما قال الامام عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و الامكان ايضا شئ فالمشية هي الفاعلة للامكان و الاكوان و اما نفس المشية فلا علة لها [ص 154] سابقة عليها اذ ليس قبلها شئ فان كل شئ بالمشية و هي سابقة علي كل شئ فلايسبقها شئ بالعلية و الله مُشيِّئُ الاشياء بها و هو تعالي بنفسه لايكون علة شئ علي ما ذكرنا سابقا فعلة المشية نفسها التي قال الامام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فنفس المشية علتها و بها خلقها الله و لذا تكون دائمة باقية و لو فنيت طرفة عين لفنيت ابد الدهر اذ لايوجد علة موجدة لها فلا بد و ان تكون بنفسها ثابتة قائمة ابدا و بلسان آخر نقول انها نور الله الدائم الحي الذي لايموت و كماله القايم الذي لايفوت فهي قائمة دائمة لا بالازلية الاولي اللايقة بالذات بل بالازلية الثانوية و الناس بعد ما وجدوا بعض وصفها وصفوها بالقدم و نحن وضعنا كل شئ في موضعه بامر الله سبحانه فافهم .
السادسة اعلم ان الحكماء طرحوا مسألة و زبروها في الدفاتر و ملأوا بها كتبهم و هي وجوب وجود العلة عند وجود معلولها و وجوب وجود المعلول عند وجود علته و قالوا ما قالوا و اغلب كلماتهم باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و لانحتاج و الحمد لله الي بياناتهم التي اخذوها من حكماء اليونان و ان الله سبحانه اغنانا بآلمحمد سلام الله عليهم عن جميع الخلق فنحن نذكر الحق في المقام فنقول اولا ان الاشياء لاتخلو من ان تكون حقا او خلقا فانه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و الحق هو الواجب الوجود حقا و الخلق قسمان راجح و جايز اما الواجب تعالي شانه فلايحتاج الي علة بل هو خالق العلل و المعلولات و اما الراجح الوجود فقد عرفت سابقا ان علته نفسه علي ما مضي و مع ذلك لايكون واجبا فان الواجب من كان قائما بنفسه لنفسه و الوجود الراجح بكله لغيره و قد احاط به ربه و ملكه بجميعه و لذا لايستغني بنفسه عنه فمع ان علته نفسه لايكون واجبا بل هو جايز في جنب الله سبحانه قد اوجده في مقام شهوده و مكان وجوده و راجحيته بالنسبة الي نفسه و ما دونه [ص 155] لا بالنسبة الي الله سبحانه فاعلم ذلك و لاتغترّ بكلمات القوم فان الاحد جل شانه طرفا وجود خلقه و عدمهم بالنسبة اليه بالسواء و لذا قال عليه السلام الارادة محدثة و لميقل واجبة و قال ما معناه كان الله و لميكن مريدا ثم اَحدَثَ ارادته و معني الحدوث الجواز و بالجملة فالوجود الراجح اوجده الله سبحانه باختياره بنفسه اي بنفس ذلك الوجود و مع ذلك لايجب وجود انيته مع ربوبيته اللتين هما نفسه و فعليته و بالعكس اذ كلاهما خلقان لله الا ان الله سبحانه اوجب وجود المعلول عند العلة فهما واجبان بايجاب الله الاتري الي ارادتك و هي ما يبدو لك انها بالنسبة الي ساير افعالك راجحة و مع ذلك انت مختار في الارادة و عدمها و لاتكون واجبة لك و الله سبحانه جعل نفسك آية نفسه لتعرفه بها و ارادتك آية ارادته الا انك و ارادتك مخلوقان له فاذا عرفت نفسك تعرف ربك كما قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، فانظر بعين الانصاف دون الاعتساف مع ان ارادتك مصنوعة لك بنفسها اذ لا ارادة سواها لصنعها هل تختار انت في ان تريد ام لا فان اقررت بالاول لزمك الاقرار بما بيّناه و ان قلت بالثاني لزمك القول بانك مجبور بالارادة الدائمة و المشهود خلاف ذلك اذ ربما لاتريد شيئا و كذلك الله ربنا الا ان ذاته قديمة و ارادته خلقه و انت حادث و ارادتك ضميرك و الا ففي ساير الصفات انت تدل علي ربك بآئيتك قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك ، فارادة الله تعالي مع ان علة وجودها نفسها لاتكون واجبة نعم بالنسبة الي ساير الحوادث التي عللها غير نفسها تكون راجحة الوجود ثمّ ان الله سبحانه خلق باختياره بالارادة المختارة من الامكان ما خلق من الاكوان و قد عرفت ان المشية هي العلة المرجّحة لوجودها و هي باقية بابقاء الله و مع ذلك ربما يتأخر خلق شئ و يتقدم و ربما يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده [ص 156] ام الكتاب فبوجود العلة الفاعلية الكلية لايجب وجود المعلول الاتري ان بوجود زيد و ارادته لايلزم وجود الضرب فانه ان شاء يضرب و الا فلا و اما العلة الفاعلية الخاصة التي هي رأس من رؤس المشية و الارادة فهي ملازمة لوجود المعلول يوجد بوجودها و يعدم بعدمها و لكن ذلك بالزام الله تعالي فانك قد عرفت انه تعالي احد و لايجب عليه شئ و هو الموجد لكل شئ و ما قيل ان الشئ ما لميجب لايوجد ان كان من حكيم الهي فمراده انه ما لميجب بايجاب الله لا ان الشئ يجب من نفسه فافهم و اما بيان العلة الخاصة و العامة فسيجيء ان شاء الله ثمّ ان الله سبحانه احد و قد احاط بكل شئ و قدرته مستطيلة فلذلك لايلزمه شئ بوجه فبوجود العلة لايلزم المعلول و بالعكس فان الامر كله بيد الله و الحكم لله الواحد القهّار و قد اراك الله علامة ذلك الاتري ان الله سبحانه جعل القرانات الفلكية عِلَلا فاعلية للحوادث الواقعة و ربما يقدّر في الافلاك هلاك زيد و هو يتوسل الي الله بالصدقات و الدعوات فيصرف الله البلاء عنه مع وجود العلة الفاعلية ، هذا و الدفع و الصرف ايضا بفاعل آخر او مانع من تصرف الفاعل الا ان الكل بيد الله و مرادي اظهار بطلان قول من قال ان المعلول يجب ان يكون عند علته فاقول ان هذا كلام المشرك لا الموحد و الموحد يقول ان الامر لله فان شاء يفعل و الا فلا .
السابعة بعد ما عرفت ما بيّناه ظهر لك ان اصل وجوب وجود كل واحد منهما عند وجود الآخر بايجاب الله فاعلم ان وجوب وجود المعلول عند وجود العلة امر ظاهر بيّن فان المعلول الحقيقي في الواقع اثر لعلته اذا كانت العلة معناها الشئ الذي يحصل من وجوده وجود شئ آخر و من عدمه عدم شئ آخر و الاثر يوجد بوجود العلة فان الاستضاءة مثلا معلول للسراج و كل ما وجد السراج وجد نوره و كالقائم و القيام فان القائم قائم بقيامه و لولا اتصافه بالقيام لماكان قائما فتدبر و ان ابيت الا دليل المجادلة اقول ان [ص 157] العلة هل تكون مرجحة لوجود المعلول او لا ، فان قلت بالثاني فلاتكون علة و كلامنا في العلة و ان قلت نعم اقول فاذا وجد المرجّح فلا بدّ من خروج المعلول من الامكان فان الشئ ما دام كونه في الامكان طرفا وجوده و عدمه بالسواء فلايخرج ابدا و اما اذا رجّح احد طرفيه يخرج لا محالة و ذلك امر مسلم بديهي و اما وجوب وجود العلة عند وجود المعلول فذلك اظهر فانه لا شك ان الواجب و الممتنع لايحتاجان الي علة و المحتاج اليها الممكن و هو من نفسه لايكون بالفعل بل طرفا وجوده و عدمه بالسواء فلا بدّ في وجوده من مرجح فكلما وجد المرجح يوجد الرجحان و كلما حصل الرجحان يحصل المُرجَّح بالفتح فكلما وجدت المعلول اعلم ان العلة قائمة و كلما وجدت العلة فاعلم ان معلولها ثابت .
الثامنة اعلم ان الله سبحانه ذات كاملة بالفعل من كل جهة منزهة عن كل قوة اذ القوة نقص و الله سبحانه بريء من النقص و ليس كمثله شئ من خلقه في صفته اذ هو كامل بالفعل من كل حيث و ليس شئ من خلقه كاملا من كل حيث حتي المشية فانها و ان كانت كاملة الا انها محتاجة الي الله سبحانه في جميع ما لها مع انها قوة من حيث انيتها نعم كل واحد من الخلق يحكي بحسبه من كمالات الله عز و جل بقدر ما يحكيه من الوجود و ما يحكيه من حيث الرب كامل و حده و نقصه من حيث الماهية العدمية فانها قوة ناقصة علي خلاف ما يزعمه الجاهلون فان جماعة من المبتدئين الذين اخذوا الحكمة و لميعضّوا عليها بضرس قاطع زعموا ان الوجود قوة و الماهية فعلية مع ان الوجود من الله سبحانه و ما منه كامل و حيوة كل شئ بوجوده و ثباته به و الماهية محض الوقاية و مرآة الحكاية و لكن الحق ان الفعلية من الوجود و لكن خصوصيتها من الماهية و الخصوصية كلها من الحدود و هي النهايات و النهاية محل انقطاع الوجود و بالجملة لست بصدد تفصيل ذلك و لكن جري [ص 158] الكلام فيه استطرادا فنرجع الي ما كنا بصدده فالله الكامل المطلق بالذات و كماله الذاتي عين ذاته المقدسة و لكن ظهر كماله في اول الانوار و كينونته تعالي و هي الذات الظاهرة التي بها ملأ السموات و الارض و منها ظهر الكمال في ساير خلقه و كل احد حكي من كماله بحسبه علي ما اشرنا و كل منها بقدر كماله يفعل في غيره ما يفعل فان كل كامل يحكي نور الله و هو المؤثر في الغير و بقدر قوته ينفعل عن غيره الاتري الي السراج مثلا فانه بالفعل في النورانية و رطوبته بالقوة فهو فاعل في نورانيته في الماء لانه يحكي كمالا من كمالات الله الذي هو النور و كمال الله سبحانه فاعل مؤثر و الماء بالقوة في النورانية فيؤثر النور في الماء فينوّره و الماء كامل في الرطوبة التي يفقدها السراج فيرطّب السراج و يفعل فيه فكل شئ يكون علةً من حيث و معلولا من حيث حتي ينتهي الي منتهي الخلق الذي لايكون مؤثرا و علة لشئ آخر و ذلك ايضا محض فرض فرضوه الحكماء و نحن مشينا حذوهم و الا ففي الواقع جميع الملك يؤثر بعضه في بعض و يدور بعضه علي بعض فيؤثر كل شئ في شئ و يتأثر من شئ نعم المبدأ الذي هو علة العلل يحيط بالكل فلايتأثر من شئ منها و لكنه المؤثر في كل شئ و لايكون معلولا لشئ غير نفسه فانه ان سبقه علة اخري يستلزم ذلك التسلسل الذي منعوه و صدقوا علي الفرض الذي فرضوه و اما القول الاول فيستلزم الدور و نحن لانمنعه بل نقول ان بناء جميع الملك علي الدور و تصحيح ذلك بان الحيوث مختلفة فمن حيث يكون الشئ فاعلا و من حيث منفعلا و الذي يمنع الدور يفرض كون الشئ معلولا لشئ و علة له من حيث واحد و ذلك امر محال اذ يستلزم ذلك الدور و ان يكون الشئ ثابتا قبل وجوده و لكن علي فرض قولنا لايلزم شئ من ذلك فان العلية و المعلولية من الصفات الاضافية لا الذاتية و ذات كل شئ منزهة و لو لمتكن منزهة عن هذه الصفة للزم مفاسد شتي ليس هنا محل ذكرها و لكن لا بدّ [ص 159] لي من ذكر بعض الادلة لاثباته و هو انا نري مرّة زيدا و لانلتفت الي عليته و معلوليته و مرّة نري عليته و لانري ذاته و كذا معلوليته و لو كان ذاته نفس العلية للزم مشاهدتها حين مشاهدة الذات و وجه آخر انا نري ان زيدا يكون و فعل من افعاله مثلا لايكون و بعد حين يظهر منه فعله و لو كان بذاته علة لفعله الخاص للزم وجوده معه ما دام كونه و ليس الامر هكذا و ذلك ادلّ دليل علي ان علة فعله غير ذاته بل هي ارادتها الحادثة حين وجوده قبله و كذلك الامر في كل شئ فلايضرّ حينئذ ان يكون الشئ علة من حيث و معلولا من حيث فعلي ذلك يجوز ان يكون الشئ علة لشئ و معلولا له او معلولا لغيره و هذا الدور دور مجوّز و كذلك يجوز ان يكون شيئان كل واحد منهما علة للآخر بوجه علية كالكسر و الانكسار فان الكسر علة وجود الانكسار و الانكسار علة له علة ظهور اذ لولا الانكسار لايظهر الكسر ابدا فتدبر . و اما ما ذكرنا ان المنتهي يكون معلولا و لا علة علي ما زعموا فانّا نقول انه موجود ام لا ، فان قلت بالثاني فيلزمك ان تقول انه لايكون معلولا ايضا و ان قلت انه موجود فهو موجود بالوجود لا محالة و هو فعلية و بقدر فعليته يؤثر في شئ و لو كان سابقا عليه من حيث و ان الناس لميعرفوا الحقايق و لميطلعوا علي وضع الملك و لعلهم زعموا ملك الله في فضاء و اجزاء الملك معدودة فيها فجزء منها مبدؤه و جزء منتهاه و ليس بعدهما شئ و لكن الامر علي خلاف ما زعموا فان جميع الملك اجزاؤها مترتبة بعضها علي بعض و متفرعة بعضها علي بعض فالعالي ينوط وجوده بالداني و الداني بالعالي فان جميع الملك كاجزاء كأس واحد منكسر مثلا فكل جزء من الكاس من تمامية الكاس و لاتنتهي اجزاء الكاس الي مقام لاينوط به ساير الكاس فافهم و المثل و ان كان ظاهريا و لكن اعرف منه الحقيقة فاذا كان امر الملك بهذه المنزلة فكل الملك بمنزلة دائرة تدور علي مركزها فلاينتهي الي غيره لا من [ص 160] حيث الاسفل و لا من حيث الاعلي فملك الله لايتناهي لا من حيث الاسفل و لا من حيث الاعلي ، فافهم هذا التحقيق الانيق الشريف و اعرف من ذلك بطلان جميع كلامهم و ادلتهم فبرهان سلمهم و خيطهم و دورهم كلها كلمات قشرية لا طائل تحتها نعم هي بمنزلة الجوز للعبة الصبيان ربما نلقي بعضها الي المبتدي لارتياض نفسه في الجملة و الا فالتسلسل في الملك الداير علي مركز واحد جايز مع الدور فتدبر و لاتغفل .
حلّ عقدة - ربما يستشكل ما ذكرناه بعض منتحلي الحكمة بان العلة علي اصطلاح الآخوند (ره) هي المؤثر و المؤثر لايتأثر من اثره كما سيظهر لك مما سيأتي في بيان الاثر و المؤثر فالقول بعليّة المعلول لعلته فاسد اقول في حل هذه العقدة ان المؤثر لايكون علة و صريح كلمات الآخوند و غيره يدلّ علي ذلك و ان كان القائلون بانفسهم غافلين عن مفاد كلامهم كما مرّ في المسألة الثانية فالعلة غير المؤثر و هي فعله المتجدد و هو اعلي درجة المعلول فيمكن ان يكون المؤثر و لا فعل خاص له ثم يحدث فعله كزيد مثلا فانه يكون و لا قيام له و لو كان بذاته علة القيام للزم كونه قائما دائما و المشهود خلافه فعلّة القيام فعله المستحدث و مهما وجد يوجد القيام فعلي ذلك يمكن ان يكون الشئ بنفسه معلولا لشئ اي من حيث المعلولية و بفعله علّة لشئ آخر و معلوله يكون بذاته و بعليته فوقه و ان كان بمعلوليته دونه كما تري ان روحك سابق علي قيامك و هو علته و قيامك يحدث بعده و يؤثر في بدنك و روحك و كذلك يؤثر فيما يكون علة له من وجه و لكن المثل قشري من باب تقريب الذهن و ذلك لان الشئ لايكون شيئا الا بحسب فعليته و ما لميكن بالفعل لايسمّي شيئا خاصا مذكورا و بقدر فعليته يؤثر لا محالة و لو في اكبر منه و ذلك امر مشهود فتدبر .
في بيان العلة الفاعلية بقدر ما يقتضيه هذه العجالة و فيه اشراقات :
[ص 161] الاشراق الاول - في حقيقة العلة الفاعلية ، اعلم ان الفاعل هو ظهور الذات بالفعل و لاتوصف به قبل الظهور فان ظهورها به اتصافها به و قبل الاتصاف بصفة لاتوصف بها و قد اثبتنا ذلك في علم الاصول و غيره ان الشخص ما لميتصف بالمبدء لايكون المشتق صادقا عليه فان زيدا ما لميتصف بالضرب لايكون ضاربا فاذا اتصف به و هو سبب ظهوره و خروجه من الكمون الي البروز يسمّي ضاربا و اذا وقع عليه الضرب و اتصف به بايقاع غيره و تعلقه به يسمّي مضروبا و هكذا الامر في ساير المشتقات ، وجه صدق مشتقات الضرب عليه كلها اتصافه به لا غير و الاسماء تختلف بحسب اوضاع الحكاية و لو لميتصف بالضرب لايوصف بشئ من صفاته بوجه فالفاعل هو ذات اتصفت بالضرب و الضرب مفعولها الحقيقي الذي اوجدته بضربها الفعلي و لولا الفعل لماوجد المصدر و كذب من زعم ان المصدر هو المبدأ الاول بل المبدأ هو الفعل نعم ظهور الفعل بالمصدر فانه فعل حين الصدور و مع الصدور و بعده يظهر بالمصدر و لهذا السرّ عبّروا عن معني الفعل بلفظ المصدر في جميع المواطن حتي ان المشية لفظ مصدري عبّروا بها عن فعل الله سبحانه و اعلم ان الذات توجد الفعل الاول بنفسه لما مرّ في القسم الاول في توحيد الافعال و من باب عدم خلوّ المقام عن بيان الدليل بقدر الحاجة نقول ان الذات بنفسها لاتكون سبب الفعل اذ الفعل صفة محتاجة و السبب لا محالة اعلي درجة المسبب لما سيجيء ان شاء الله فالذات بنفسها لاتكون سبب الفعل اذ لاتكون اعلي درجة فعلها بل فعلها مخلوقها اوجدته ايجادا فلا سبب له غير نفسه اذ الفرض انه اول الخلق و ذلك قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فالمشية سابقة علي جميع الخلق و بعد ما خلقها الله و اتمّ خلقها بها تجلي بها لساير الاشياء فاختار الفاظا للدلالة علي اتصافه بها بالايجاد و هي الفاظ مخلوقة خلقها الله بمشيته فلذلك نقول ان صفاته [ص 162] تعالي مخلوقة تدلّ عليه علي ما تجلي لها بها و هي في ظاهر الالفاظ متعددة و لكن المعنيّ بها هو الله تعالي فبعد ما اراد الله ما اراد يوصف بالارادة فنقول انه مريد و لفظ المريد فاعل مشتق من الارادة و كذلك يسمّي الله بالخالق و الرازق و المحيي و المميت بعد ما ارادها و تجلي بمباديها و كذب من زعم ان ارادته عين ذاته و هي قديمة فانها من صفات الافعال و لميكن الله مريدا ابدا ازلا بل كان و لميكن مريدا ثم اراد فتدبر و هكذا الامر في ساير صفات الافعال و اما الصفات الذاتية فلاتسلب عنه تعالي بمعانيها الذاتية و ان كانت تسلب عنه تعالي بحروفها و كلماتها فتدبر فله معني البصر اذ لا مبصر و معني السمع اذ لا مسموع لا لفظه و هجاؤه و اما الارادة فحادثة بمعناها و لفظها فكان الله و لا ارادة فلميكن مريدا ثمّ خلق الارادة فوصف بها بالفاعلية و اعلم ان المفعول ايضا مع الفعل و ادون منه و لايخلو الفعل عن المفعول الحقيقي لازما كان او متعديا غاية الامر ان مفعول الفعل اللازم ظاهر علي انية الفاعل كما ان الفاعل ظاهر علي ربوبيته و مفعول المتعدي بعد ما ظهر علي الفاعل يتعدي منه و يظهر علي المفعول به و مثال ذلك النار المشعلة علي الحطب فان كانت ضعيفة تشرق من باطنه فيستشرق بها ظاهره و لكن لاينور غيره لضعف ناريته فباطن الحطب منير و ظاهره مستنير به فالباطن فاعل و الظاهر مفعول و اذا زاد النور يستضيء منه غيره فيتلألأ بنوره و ذلك الغير يسمّي بالمفعول به فالمفعول ملازم للفعل و الفاعل متأخر عنهما بالذات بل عرفت ان المفعول الحقيقي جهة قبول الفاعل و ان كان دلالة الفاعل بالمعني علي الذات التي هي سابقة علي المصدر فتدبر و كلامنا في حامل المفعول انه في اللازم و المتعدي مع الفاعل الا ان في اللازم لايتجاوز عنه و هو ادون منه بدرجة و في المتعدي يتعلق بعد تلبسه به بالمفعول فالفاعل و المفعول و الفعل معا و لايفارق بعضها بعضا ابدا فالفاعل مع الفعل و هما مع المفعول فالضارب مثلا مع ضَرَبَ و الضرْب و هذا اصل اصيل يجب ان يحتفظ .
[ص 163] الثاني - اذا عرفت ان الفاعل ظهور الذات و صفتها فاعلم من ذلك ان الذات بنفسها لاتكون علة لمعلول و كذب من زعم ذلك فان الفاعل مع المفعول و مقارن به و الذات منزهة عن مقارنة المفعول و الاتصال به فعلّة الخلق غيرها و هي صفتها و خلقها فافهم ذلك و اتقنه .
الثالث - اعلم ان العلة الفاعلية علي ما عرفت هي الفاعل و الاضافة بيانية و المعلول هو المفعول علي ما عرفت و يلزم بينهما من المناسبة ما لايخفي فان الفاعل يعني ذات اتصفت بالفعل و المفعول الحقيقي قد علمت انه المصدر و مصدر كل فعل هو نفس ذلك الفعل و انيته فيجب ان يحفظ في المصدر حروف اصول الفعل باختلاف يسير في الحركة و السكون اذا كان الفعل مجرّدا و ان عرضه عارض كالمزيد فيه يجب حفظ العرض فيه ايضا او بدله بوجه و ذلك ان المصدر هو الموجود المخلوق بالفعل فلايخالفه البتة فان شعاع كل منير علي شكله و وضعه و ذلك امر بيّن لايشك فيه فلايمكن ايجاد كل مفعول بكل فعل فايجاد الضرب لايمكن الا بضَرَبَ يعني ان الذات اذا ارادت ايجاد الضرب لا بد لها من التلبس بضَرَبَ الفعلي و بعد التلبس تسمّي ضاربة فعلّة ايجاد الضرب الفاعلية ضاربة لا غير و قد عرفت انها من حيث المعني اعلي درجة نفس الضرب و الفاعل المطلق علة بعيدة للضرب لا قريبة و القريبة هي الضارب لا غير فافهم و كذلك يترتب العلل فان الفعل علة الضرب و الضرب مثلا علة الوجع و الوجع علة الفرار و الفرار ربما يكون علة السقطة و السقطة علة الورم و هكذا يترتب بعض علي بعض و العلة القريبة في كل معلول اعلي درجته فعلة وجود زيد اعلي مقامه و هو نفسه و لذا نقول ان كل شئ مخلوق بنفسه عند مؤثره القريب اي العلة القريبة و لذا نقول ان نفس كل شئ ربه اذمربوب فمعرفته معرفة الرب و اذا قطعت نظرك عن المربوب تعرف الرب اذلامربوب فتفطن و اصرف ذهنك عما خالف قولي من الالفاظ الخالية عن المعني .
[ص 164] الرابع - قد اورد بعض اشكالا ان العالم سواءا كان قديما او لميكن لايخلو عن صفات حادثة و تغيّرات و استحالات لاتنفك عن زوال شئ و حدوث آخر فبايّ طريق وقع الاستناد الي الواجب تعالي في هذه الحوادث و دفعه بعضهم بان العلة قد تكون معدّة و قد تكون مؤثرة اما المعدّة فيجوز تقدمها علي المعلول اذ هي غير مؤثرة في وجود المعلول بل هي تقرب الاثر الي المعلول و اما المؤثرة فانها يجب ان تكون مقارنة للاثر موجودة معه مثاله ان الثقل علة للهوي فكلما وصل الثقيل الي حدّ في هويه يصير ذلك الانتهاء سببا لاستعداد ان يهوي منه الي الحدّ الذي يليه فالعلة المؤثرة في الوصول الي هذا الحد هي الثقل و المعدّة هي الحركة السابقة علي ذلك الوصول اقول ان المستشكل في زعمه استشكل بهذا الاشكال في جهة واحدة مع انها مشكلة من جهات و المجيب اوقع نفسه في محذورات و ارتطم في شبهات من حيث لايعلم و غفل عما يرد عليه في دفعه مما يندفع جوابه به اما وجوه الاشكال بالايراد الاول فهي عديدة منها ما مرّ ان العلة لا بدّ ان تكون مرتبطة بالمعلول مقترنة معه و الاقتران يمتنع بين الحادث و القديم فانه من صفة الحدوث فانه لايقترن شئ بشئ الا لمناسبة جامعة بينهما لا محالة و قد مرّ بيان امثال ذلك في التوحيد و منها ان الواجب القديم اذا كان علة لشئ لا بدّ و ان يكون ذلك الشئ قديما لوجوب وجود المعلول عند وجود علته التامة فاذا كانت العلة قديمة لا بدّ و ان يكون المعلول قديما و منها ان العلية ان كانت ذات القديم جل شانها كساير صفاتها الذاتية للزم من ذلك دوام الخلق و عدم حدوث امر جديد بل يلزم عدم تعدد اسناخ الخلق و امثال ذلك مما لايخفي و ان كانت زايدة علي الذات و من فعلها فلاتجمع مع الذات و لاتكون قديمة و دليله ظاهر و امثال ذلك من الاشكالات و اما ما يرد علي الجواب انه التفت الي وجه واحد و هو وجوب ان يكون المعلول مع علته و اراد ان يجيب بما يدفع هذا الاشكال فخالف الكتاب و السنة و قال ان [ص 165] الله لايكون مؤثرا بل هو معدّ و المعدّ اي المهيّئ للتأثر من المؤثر و هو يجوز تقدمه مع انه ثبت بالكتاب و السنة و ضرورة المسلمين ان الله خالق كل شئ الا ان يقول ان مرادي من المؤثر السبب كما هو المراد من العلة في بعض كلماتهم لا العلة الحقيقية فاقول انه لايكون سببا مقارنا مسلّما و لكن يجوز استعمال الاسم عليه كجواز اسم العلة بمعني ان ذاته تتنزه عن كل اسم و وصف و لكل اسم موقع كما مرّ سابقا و ينسب اليه الجميع و علي فرض السلب عنه نقول ماذا تريد من انه المعدّ فان كنت تريد انه المعدّ بذاته فيرد عليك ايضا جميع الاشكالات فانه يلزم بين المُعِدّ و المُعَدّ بالكسر و الفتح و المُعدّ له من المناسبة ما لايخفي و يلزم ايضا فيها كثرة لاتتناهي و امثال ذلك مما لايخفي و ان كنت تريد ان المعدّ وصفه و وصفه خلقه فما المانع من ان يكون خلقه سببا ايضا و بالجملة هذا شأن من انقطع عن آلمحمد عليهم السلام و اما نحن فنقول ان الله خالق كل شئ و مؤثر كل شئ و معد كل شئ لا بوجه يرد علي ذاته نقص بل هي منزهة عن كل اسم و وصف و لكل اسم معني و لكل وصف موقع و علة ما صنع صنعه و فعله كما في الحديث و لفعله اشعة و انوار تسمّي برؤس المشية و كل رأس مقارن مع معلوله و مشائه و ذلك قوله عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه ، فلايلزم ما تخيّله المتخيل فتدبر و قد مرّ آنفا ما يغنيك عن زيادة البيان ان شاء الله .
الخامس - اختلفوا في انّ ما مع العلّة هل يكون متقدّما علي المعلول ام لا و بيّنوا ما لا جدوٰي في نقله و لكني ابيّن الحقّ في المقام فاقول ماذا تريدون من هذا التقدم فانه يستعمل في مقامات تقدم زماني و تقدم دهري و تقدم سرمدي و تقدم بالعلية و تقدم بالشرف و تقدم بالرتبة و هكذا و لكلٍ مقام و كذلك التأخر فان كان المراد مما مع العلة زمانا فهو مقدم علي المعلول لا محالة و ذلك مشهود في عالم الاعراض فان النار مثلا علة حدوث الحرارة و الثلج علة حدوث [ص 166] البرودة و ربما يكون الثلج مع النار قبل حدوث معلوليهما لمانع زمانا و بعد الحدوث تكون العلة و ما معها سابقة علي المعلول و كذلك حكم الدهر و السرمد فان العلل الدهرية سابقة علي معلولاتها المثالية و الدنيوية و كل ما معها في الدهر ايضا هكذا و كذلك الامر فيما نحن قائل به من ان علة كل شئ رأس المشية المتعلق به و ان رؤس المشية جميعها سرمدية و سابقة علي الدهريات و الزمانيات و كذلك ساير اقسام التقدم و التأخر نعم يبقي الكلام في قسم واحد و هو التقدم بالعلية الذاتية فانه لايمكن ان يكون لمعلول واحد من حيث واحد علتان و اما من حيوث عديدة فلانمنع ذلك و في عالم الاعراض ايضا لانمنع ثبوت علتين لمعلول واحد اذا كان لهما جامع و كذلك نقول ليس لعلة واحدة ذاتية معلولان اذ ثبت ان علة كل معلول اعلي درجته فافهم و هذا هو حق المقام و لانحتاج الي ذكر مزخرفاتهم و الحمد لله .
السادس - قد بيّنت هنا كلاما موجزا في التسلسل و بيان الحق فيه و لكني اريد ذكر بعض ادلتهم مجملا لاطلاع الناظر في كتابي علي قولهم و اشير الي بطلان باطلها علي الاجمال :
الاول ما يحكي عن الشيخ . قال اذا فرضنا معلولا و فرضنا له علة و لعلته علة فليس يمكن ان يكون لكل علة علة بغير نهاية و حاصل كلامه ان المعلول الاخير خاصيته انه لايكون علة و العلة الاولي خاصيتها انها لاتكون معلولا و الوسط واحدا كان او اكثر متناهيا او غير متناهٍ خاصيته انه علة لما تحته معلول لما فوقه و اذا كان متعددا يكون حكمه حكم واسطة واحدة بلا تفاوت و لا شك ان طرفها اي الواسطة الي معلول و لا علة فلايجوز ان لايكون له طرف آخر الي علة و لا معلول و هذا اسدّ البراهين عندهم اقول ان ما جعلوه عندهم اسدّ البراهين يكون باطلا بالعقل و النقل فانه لاينتهي سلسلة الخلق الي ما يكون علة صرفة ابدا و لا معلولا صرفا كما مرّ سابقا اما من الطرف [ص 167] الاعلي فنهاية الخلق مشية الله اذ لايفرض ان ينتهي الخلق الي الله الاحد كما زعموا فان النهاية من عرض المنتهي فان الاعداد تنتهي الي الواحد لا الاحد الذي يكون فوق كلها و نسبته الي كلها بالسواء ، لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلثة و قال الامام عليه السلام الله غاية من غيّاه و المغيّٰي غير الغاية ، فنهاية الخلق المشية لا الله تعالي و هو تعالي نسبته الي ادني خلقه و اعلاهم بالسواء و المشية فعل الله و خلقه و قد خلقها الله بنفسها فهي حادثة كما قال عليه السلام الارادة محدثة انتهي ، و قد احدثها الله بنفسها كما قال خلق الله المشية بنفسها ، فنفس المشية علة وجودها و انيتها حيث معلوليتها و في رواية بالعلم خلقت المشية ، و المراد من العلم ايضا كينونة المشية و هي نفسها فالمشية التي هي اول السلسلة علة من جهةٍ معلول من جهة و ان قلت انه اراد من قوله العلة الخارجة من المعلول اقول انه لايصدق ذلك في العلة الذاتية ابدا بل اقول ان هذا الامر جارٍ في كل شئ علي ما مرّ فان جميع الخلق آثار مشية الله و الاثر يطابق صفة مؤثره فكل شئ مخلوق بنفسه علي ما ذكرنا فيبطل بذلك اصل سلسلتهم الا ان يأوّل مرادهم بالمؤثر البعيد و اما من طرف المعلول فقد مرّ سابقا انه ايضا له فعلية و له اثر في الجملة الاتري ان رسول الله صلي الله عليه و آله دخل بيت بعض نسائه فوجد هنا سترا عليه نقوش قال نحّيه عني فاني كلما نظرت اليه يشغلني عن الله ، و قد نقلته بالمعني و انت تعلم انه من اسفل الملك من عرصة الجماد و ليس شئ ادون من الجماد و قد جعله منشأ اثر في النفوس الملكوتية فما ظنك بغيرها فاين المعلول الذي لايكون علة لشئ و ايّ شئ اسفل من نار الجحيم و هي تأكل بعضها بعضا و تؤثر في الاناسي فافهم و لاتغترّ بكلماتهم و اقوالهم ، ان هي الا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي اذا جاءه لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه و الله سريع الحساب ، فكل شئ له علية و معلولية قال اميرالمؤمنين عليه السلام :
[ص 168]دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و الدواء هو اسم الله العلي و علة الموجود و الداء هو المعلول او صفته .
الثاني برهان التطبيق و عليه تعويلهم في كل عدد ذي ترتيب موجود سواءا كان من قبيل العلل و المعلولات او من قبيل المقادير و الابعاد او الاعداد الوضعية و هو انه لو وجدت سلسلة غير متناهية ● ينقص من طرفها المتناهي شيئا واحدا او متناهيا فيحصل جملتان احديٰهما يبتدئ من المفروض جزء اخيرا و الاخري من الذي فوقه ثم يطبق بينهما فاذا وقع بازاء كل جزء من التامة جزء من الناقصة لزم تساوي الكل و الجزء و هو محال و ان لميقع كذلك فلايتصور ذلك الا بان يوجد جزء من التامة لايكون بازائه جزء من الناقصة فلزم منه انقطاع الناقصة بالضرورة و التامة لايزيد عليها الا بواحد او متناهٍ كما هو المفروض فلزم تناهيها اقول هذا برهان ظاهري حاكم علي معدودات عينية و لايدل علي التناهي الي علة صرفة و معلول صرف بل غاية دلالته ان الخلق متناهٍ و لكن لايتناهي الي الخالق تعالي بل الخلق ينتهي الي مثله و غايته الي نفسه كما قال عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، فالفرض ان مجموع الملك دايرة تدور علي نفسه و كل ما درتَ تدور حوله و لاتخرج منه فافهم و اعترضوا عليه باعتراضات منها الاتفاق علي عدم تناهي الاعداد و بهذا الدليل يلزم تناهي الاعداد لانا نفرض جملة [ص 169] من الواحد الي غير النهاية و اخري من الاثنين الي غير النهاية ثم نطبق بينهما فيلزم تناهي الاعداد و هو محال و منها لزوم تناهي معلومات الله اذا انطبق بينها و بين الناقصة منها بواحدة و منها لزوم كون الحركات الفلكية متناهية و منها نقض اصل المقدمة بان الحاصل من تضعيف الواحد مرارا غير متناهية اقل من تضعيف الاثنين هكذا و ان مقدورات الله اقل من معلوماته لاختصاصها بالممكنات مع لاتناهي المقدورات و اجابوا عنها باجوبة و لا حاجة الي نقل اقوالهم و لكني اقول اصل برهان التطبيق انما يجري في موجودات متعينة شخصية بعضها في عرض بعض كالارض مثلا الي العرش او معدودات متشخصة و لايجري في مجموع ملك الله اذ الامكان عدمي و قوة و القوة لاتعدّ الاتري الي المداد انه لا نهاية لما في قوته من الحروف و لايفرض الزيادة علي قواه و لا النقيصة حتي انك لو اخرجت من كمونه اَلْفَ اَلِفٍ لاينقص من قوته شئ و بناء الدليل علي التقسيم و الزيادة و النقيصة فلايجري في الامكان بقي الكلام في الاكوان اقول ان هذا البرهان غير سديد فيها ايضا فان السلسلة المفروضة فيما يكون بعض اجزائها في عرض بعض حتي يعدّ معها و الدهر فوق الزمان و لاينتهي سلسلة الزمان الي الدهر ابدا و السرمد فوق الدهر و لاينتهي سلسلة الدهر الي السرمد ابدا فافهم فانه دقيق ، هذا و ان خزاين الله لا نفاد لها فكيف ينهي ملكه تعالي و علي فرض تسليم دليله لايحكم فيما نحن فيه و اما الاعتراضات المذكورة فهي ايضا مخدوشة بل بعضها كفر بالله تعالي ، اما ما قالوا في الاعداد فنقول ان الاعداد بعضها موجودة متعينة و هي ما تعلقت بالمعدودات و بعضها في القوة اما متعيناتها فهي متناهية قال عليه السلام في صفة الله من حدّه فقد عدّه و من عدّه فقد ابطل ازله و قال الرضا عليه السلام كل محدود متناهٍ الي حدّ و اذا احتمل التحديد احتمل الزيادة و اذا احتمل الزيادة احتمل النقصان فهو غير محدود الحديث ، و اما ما بالقوة فغير محصورة فان كل معدود يمكن [ص 170] ان يزاد عليه اضعافه ثمّ اني اقول ان من يدعي عدم تناهي الاعداد لايفرضه الا في وهمه و لايمكن فرض غير المعدودات في الخيال و الفكر ، و العقل لايدرك الا المعني الكلي فكاَنّ القايل فرض محض امكان الزيادة فافهم ، ثمّ ان لي في المقام كلاما شريفا و هو ان كل عدد في حد نفسه محدود بحكم العقل و النقل فان الواحد محدود و الاثنان محدود و هكذا و المجتمع من المحدودات محدود و لايكون غير متناهٍ فانه لايتصور ان يكون اجزاء متناهية و كلها غير متناهٍ فان قلت كيف تقول ان الملك لايتناهي اقول مرادي من عدم تناهي الملك امكان الزيادة فان كل ما تصوّره يمكن زيادته و قد قال الله تعالي خزانتي بين الكاف و النون و بالجملة لست الآن بصدد تفصيل الكلام و اما ما ذكر من لزوم تناهي معلومات الله ، فان ذلك ايضا خطاء فان علم الله الازلي لايتصور و لايفرض بالنفوس و العقول و لايقطع و لو بادقّ المشاعر فكيف يفرض اجراء هذا الكلام هنا و ان اريد من علمه تعالي علمه الزماني فنقول فيه ان الزمانيات التي هي بالفعل في عالم الاجسام مما يمكن احصاؤها و يجوّز ذلك العقل الا ان كل احد لايقدر علي ذلك و اما في امكان الزمان ففوق الحد و بالجملة العلم الزماني ينهي و لا مانع من ذلك و اما ما قال انه يلزم ان يكون الدورات الفلكية متناهية ، اقول منذا منع ذلك و لا شك انها متناهية الا انها كثيرة و لكثرتها يشكل عدّها ففي احتجاج رسول الله (ص) علي الدهرية أولستم تشاهدون الليل و النهار و احدهما بعد الآخر فقالوا نعم فقال أترونهما لميزالا و لايزالان فقالوا نعم فقال أفيجوز عندكم اجتماع الليل و النهار فقالوا لا فقال عليه السلام فاذا ينقطع احدهما عن الآخر فيسبق احدهما و يكون الثاني حادثا بعده فقالوا كذلك هو فقال قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليل و نهار و لمتشاهدوهما فلاتنكروا لله قدرة ثم قال أتقولون ما تقدم قبلكم من الليل و النهار متناهٍ ام غير متناهٍ فان قلتم غير متناهٍ فقد وصل اليكم آخر [ص 171] بلا نهاية لاوله و ان قلتم انه متناه فقد كان و لا شئ منهما قالوا نعم الحديث ، و كلامه صلي الله عليه و آله اولي بالتصديق فما مضي من دورات الفلك متناهية و اما ما سيأتي فهي الآن في الامكان و لايعدّ مع ما هو بالفعل و اذا خرج الي الفعلية فحكمه ذلك و بالجملة فدورات الفلك متناهية بالبداهة و يبطل بهذا الحديث الشريف ايراد من دفع به اعتراض ان دورات فلك الزحل انقص من دورات فلك القمر مع عدم تناهيهما فانه ظهر بما ذكرنا ان كلها متناهية و كذلك يدفع بما ذكرنا النقض الذي اوردوه علي اصل المقدمة و اما ما قالوا من ان المقدورات اقل من المعلومات ، فذلك قول عجيب يبتني علي قولهم ان مقدورات الله غير متناهية لانها متعلقة القدرة الذاتية مع انها الممكنات لان معني القدرة عند المورد صحة الفعل و الترك بناءً علي ان الممتنع و الواجب لايكونان مقدورين عندهم و بالجملة اصل هذا الايراد لايتمشي علي مذهبنا و مذهب اكثر المحققين و المعلوم و المقدور لايتخلفان و الله تعالي يعلم ما يقدر عليه و ان لميفعله و يقدر علي ما علمه و ان لميخلقه نعم ما علمه و لميخلقه يعلم انه لميخرج من الامكان كما قال في صفة الظالمين حين يستغيثون الي ربهم حتي اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت ثم يقول كلا انها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ الي يوم يبعثون و قال في صفة اهل النار و لو تري اذ وقفوا علي النار فقالوا يا ليتنا نرد و لانكذب بآيات ربنا و نكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل و لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه و انهم لكاذبون الاتري انه يعلم حال المعدوم و يقدر علي اعادتهم ايضا بضرورة الاسلام و قال أوليس الذي خلق السموات و الارض بقادر علي ان يخلق مثلهم الآية ، مع انه لميفعل و بالجملة المسألة ظاهرة لانطيل الكلام بذكرها و لكنها جارية علي عقايدهم انهم يسلبون قدرة الله عن اشياء كما سوّدوا كتبهم بذكرها .
[ص 172] الثالث انه لو تسلسلت العلل و معلولاتها من غير ان ينتهي الي علة محضة لايكون معلولا لشئ فهناك جملة هي نفس مجموع الممكنات الموجودة المعلول كل واحد منها بواحد فيها و تلك الجملة موجودة ممكنة اما الوجود فلانحصار اجزائها في الموجودات و معلوم ان المركب لايعدم الا بعدم شئ من اجزائه و اما الامكان فلافتقارها الي جزئها الممكن و اذا كانت الجملة شيئا موجودا فموجدها بالاستقلال اِما نفسها و هو ظاهر الاستحالة و اِما جزؤها و هو ايضا محال لاستلزامه كون ذلك الجزء علة لنفسه و لعلله لانه لا معني لايجاد الجملة الا ايجاد الاجزاء التي هي عبارة عنها و لا معني لاستقلال الموجد الا استغناؤه عما سواه و اِما امر خارج عنها و لا محالة يكون موجدا لبعض الاجزاء و ينقطع اليه سلسلة المعلولات لان الموجود الخارج عن سلسلة الممكنات واجب بالذات و لايكون ذلك البعض معلولا لشئ من اجزاء الجملة لامتناع اجتماع العلتين المستقلتين علي معلول واحد اذ الكلام في المؤثر المستقل بالايجاد فيلزم الخلف من وجهين لان المفروض ان السلسلة غير منقطعة و ان كل جزء منها معلول لجزء آخر ، اقول ان مجموع الملك المخلوق من الامكان ممكن ، كلام صحيح و الامكان ايضا ممكن بنفسه اذ ليس بواجب و لا ممتنع و لايستلزم ذلك ان ينتهي الي الواجب تعالي فان الواجب اذا صار نهاية الممكنات يصير محدودا بها و كل محدود مركب حادث و كل حادث ممكن فالنهاية من انفسهم كما قال عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، و لاينتهي الخلق الي علة صرف لانّا نقول هل العلة قديمة او حادثة فان كانت قديمة يلزم من ذلك محذورات منها قدم الملك لانكم قلتم بوجوب وجود المعلول عند وجود علته و منها ارتباط القديم بالحادث و اقترانه به و غير ذلك مما مرّ فلا بدّ لكم من الاقرار بانها تنتهي الي علة مخلوقة فهل يكون لها علة غير نفسها ام لا ، فان اثبتّم لها علة غير نفسها [ص 173] ننقل الكلام اليها فلا بدّ و ان ينتهي الي علة تكون هي علة نفسها و هي المشية علي ما مرّ سابقا .
الرابع برهان التضايف و هو انه لو لمينته سلسلة العلل و المعلولات الي علة محض لايكون معلولا لشئ لزم عدم تكافؤ المتضايفين لكن التالي باطل فكذا المقدم او يقال لو كان المتضايفان متكافئين لزم انتهاء السلسلة الي علة محض لكن المقدم حق فكذا التالي اقول ظهر بطلان ذلك مما مضي فان كل شئ في نفسه علة قريبة لنفسه و معلوله و من باب زيادة البيان علي رسمهم اقول ان السلسلتين موهومتان فان الله لميخلق في الخارج الواقع علة منفصلة عن المعلول بل هما معا و الموهم يفصّلهما في نفسه بخياله و لايلزم ان يكون جميع الاوهام مطابقة للخارج بل ذلك مثل ان تتصور اجزاء معجون مركب في الخارج منفصلة مع انه ليس الامر هكذا و ان تتصور مادة بلا صورة و صورة بلا مادة و ليس الامر هكذا فعلي ذلك لايكون الا سلسلة واحدة توصف بالعلية و المعلولية و ايّ مانع من ذلك شرعا و عرفا فلاتغفل و جميع اقوال القوم فروض فرضوها في اوهامهم و ابرموها و نقضوها بخيالاتهم و بالجملة امثال هذه الادلة متعددة حتي انه عدّ بعضهم عشرة و لا حاجة لنا الي هذه البراهين بعد ما عرفنا الحق ببركة محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم .
السابع - طرحوا مسألة و تكلّموا فيها و هي ان البسيط هل يجوز ان يكون فاعلا و قابلا ام لا و المشهور امتناعه و جوّزه بعضهم و الظاهر ان كلامهم في العقل انه كيف يكون مستفيضا من الله و مفيضا الي الخلق اقول في المقام بعد ثبوت بطلان اصل مادة المسألة لانحتاج و الحمد لله الي نقل اقوال الرجال و حكاية القيل و القال فانه قد ثبت بالعقل و النقل ان البسيط الحقيقي هو الله تعالي و لا احد سواه اما بساطته و احديته فامر ثابت و قد مرّ في المقالة الاولي بيانه فراجع و اما تركيب ما سوي الله فسيأتي تفصيل القول فيه و مر شطر منه [ص 174] في صفة المشية و مجمل القول ان الامام عليه السلام قال ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه و قال الله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين و قال و جعلنا من الماء كل شئ حي و العقل مولود حيّ و قد نص الله علي ان له مادة في قوله انزلنا اليك روحا من امرنا و المراد من الروح العقل و هو من امر الله و لا شك ان مِنْ يدخل علي المادة و لميقل عن امره و لميقل بامره بل قال مِنْ امره ليفهم منه ان المراد انه من امر الله تعالي بمعني ان الامر مادته و ورد في الاخبار ايضا ما يدل علي ذلك رويناها في كتاب المبين فكل الخلق مركب الا الله تعالي فانه ذات احدية منزهة عن التركيب فاذا عرفت ذلك اقول البسيط الذي تقول هل هو الله تعالي او غيره ، فان كان هو الله فهو منزه عن الفاعلية و القابلية كلتيهما اما القابلية فمسلّمة و اما الفاعلية فلأنها صفة الفعل و لاتجري علي الذات و ان كان المراد غير الله فهو مركب و كل مركب ذو حيوث و جهات بقدر اجزائه و يمكن ان يكون من حيث فاعلا و من حيث قابلا بل يمكن ذلك في نفسه ايضا كما في المشية كما ذكرنا انها مخلوقة بنفسها فهي من حيث المادة فاعلة و من حيث الصورة قابلة بل كل شئ هكذا بالنسبة الي مؤثره القريب و اما بالنسبة الي شئ آخر فمسلّم فان كل شئ علة لما دونه و معلول لما فوقه نعم ان طرح المسألة هكذا ان شيئا واحدا من حيث واحد هل يكون فاعلا و قابلا لكان اولي و كذا ان قيل ان الذاتيات من حيث واحد هل تكون فاعلة و قابلة لكانت مسألة معتني بها فنقول انه لايمكن ذلك من حيث و جهة واحدة فان الفاعلية و القابلية صفات وجودية و ليست بمحض الاعتبار بان يقال انهما شئ واحد في الوجود و نحن في الذهن نعتبر ذلك بل الفاعلية صفة فعلية و القابلية صفة امكان و هي الانفعال و هو وجودي كالفعل فالشئ الواحد من حيث واحد لايكون فاعلا منفعلا بفعل واحد لظهور التضاد بينهما نعم يمكن ذلك باختلاف جهة الفعل [ص 175] و الفاعل و القابل فيضرب زيد او يأتمر بامر عمرو و ذلك لان كل احد فيه من الامكان حصة و هي قابلة للصور الواردة عليها و له صورة فعلية هي اثر مشية الله و من كماله فيفعل بفعليته و يقبل بامكانه و من هذا الباب يصير زيد جاذبا لعمرو و منجذبا منه و كذلك عمرو اذا جذب كل واحد صاحبه و اما بالنسبة الي الذوات فنقول ان كل ذات لها صورة ذاتية هي مقومتها و لاتتغير عما هي عليه ابدا و لايجري عليها صورة ذاتية غير ما هي عليه ابدا نعم لها صور متممة كثيرة بحسبها و هي صفاتها و افعالها فلاتختلف صورة الذات مع ان الفاعلية و القابلية ايضا من صفات الافعال و لايجري عليها ما هي اجرته نعم كل ذات بحسب امكانها قابلة للفيض من العالي و باشراقها و فعلها تفعل في السافل و مع ذلك لاتتغير عما هي عليه فافهم و قرّ به عينا و لاتنظر الي ما قيل او يقال فانها كلمات وهمية مخالفة للكتاب و السنة و اولي بالترك و اَصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول و لا حاجة بعد هذا البيان الشريف المنيف الي نقل الاعتراضات و الاجوبة .
الثامن - لا شك ان للنفوس آثارا في ابدانها و في الخارج و ذلك امر ثابت بالعقل و النقل اما من طريق النقل فما ورد من الاخبار الساطعة المنار في الامر بحسن الظن بالله تعالي و انه عند ظن عبده و ما ورد في النهي عن الطيرة و انك ان شددتها تشتد و ان هونتها تهون و ما ورد في ضرر العين و امثال ذلك من الاخبار بل من هذا الباب امروا بالتفكر و دوام النظر و الاعتبار . و اما من طريق العقل المستنير بالنقل فنقول اولا ان هذا امر مجرّب ضروري لايكاد ينكره لبيب و لايجهله اريب و يشهد بذلك حمرة الخجل و صفرة الوجل و سرور الانسان بخيال الحبيب و حزنه بتذكر النوائب و حدوث الشهوة بخيال الجماع بل من هذا الباب الاحتلام بالاحلام و غير ذلك مما لايخفي و لكن من باب ان بناءنا علي بيان الحقايق و الكشف عن الدقايق لا بدّ لنا من بيان ذلك [ص 176] فاقول و بالله المستعان ان الله تعالي هو الكامل المطلق بالفعل و قد اخطأ من اثبت له القوة فان القوة نقص و عدم و هي من مختصات الامكان و الله منزّه عن الامكان بل وجوده صرف الكمال و صاحب كل جمال لا بمعني ان فيه كمالات متعينة فان ذلك من النقص فان التحصص و التخصص ايضا من صفة الامكان و اذا اثبت له الامكان يلزمه القوة و لكنه تعالي كامل بحقيقة الكمال و هي عين ذاته الشريفة فان الوجود الصرف البحت البات اصل كل كمال و منشأ كل جمال و قد تجلي بنوره الاقدس و ضيائه المقدس لعرصة الامكان فتلألأ بنوره الشريف و استضاء بضيائه اللطيف كما قال عليه السلام تجلي لها بها و بها امتنع منها و قال القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، فكل حصة من الامكان بقدر قابليتها حكت من كمالاته عز و جل و هي الفعليات الحاصلة في الاشياء و قد سمّيت بالفعلية لان الله تعالي تجلي لها بفعله فكمالاته عكوس فعله غاية الامر انها في اصل الفعل مبهمة مطلقة لانه الذكر الاول و في القوابل متعينة و بوجه آخر نقول ان الامكان حكي الفعل بحسبه فالامكان المطلق حكي فعله تعالي بالاطلاق فصار فعليته مبهمة مطلقة و الامكانات الجزئية حكت فعله تعالي بحسبها فظهر الفعل فيها بحسبها جزئيا فصار كل منها صاحب فعلية خاصة او فعليات و هي كمالاتها و كل فعلية في حدّ نفسها مؤثرة اذ هي من كمال الله و فعله الا ان تأثيراتها بحسب القوابل فربما يعرضها النقص في التأثير من جهة القوابل لا من جهة الفعلية ، مثال ذلك ان النار الغيبية كاملة في النور و الاشراق و الحرارة و ساير ما يخصّها و لكنها بعد ما ظهرت في الادخنة و ساير المواد الجسمانية تتلون بالوانها و يظهر من تلك المواد آثارها بحسب المواد فالدخان الغليظ يحكي ضوءها و نورها و حرارتها اقل من الدخان اللطيف الاتري ان الدخان المستنبط من دهن الخروع اذا اشتعل بالنار يكون ضوؤه و شعاعه اقل من الدخان المتخذ من النفط مثلا و هكذا الاجسام الصيقلية [ص 177] كالحديد يحكي حرارتها اكثر من التراب فان التراب المحمي يمكن لمسه و الحديدة المحماة لايمكن لمسها مع ان جميع الاثر للنار و قد ظهرت من هذه المواد بآثارها و مع ذلك تختلف آثارها بحسبها مع ان حقيقتها واحدة و كذلك الامر في جميع الملك و كذلك مشية الله ظهرت في قوابل الامكان و كل قابلية حكت امرها بحسب قوتها و ضعفها فالقوابل التي هي في غاية القرب من مشية الله حكايتها اكمل و اشرف و القوابل التي هي ابعد من المشية حكايتها اقل و لذا صارت الاعالي مؤثرة في الاسافل فالعقل الذي هو اول ما خلق الله و اقرب حصص الامكان من المشية و الطفها و اصفاها صار احكي للمشية فصار مؤثرا في جميع الملك و علة لجميع المعلولات و قلم القدرة و محل المشية و وكر الارادة حتي انه ورد في شانه ان صاحب المعجز يفعل ما يفعل بالعقل و دون ذلك النفس في التأثيرات و هما العرش و الكرسي اللذان قال عليه السلام في شانهما انهما بابان من ابواب الغيب ، و عدّ لهما آثارا و قد روي الحديث في الكافي فان احببت فراجع و دونهما الطبع في التأثير بقدر غلظة مادته و دونه المثال و دونه الجسم و ليس ذلك الاختلاف الا من قبل المواد لا المشية و في عالم الاجسام ايضا صارت الافلاك للطافتها و صفائها احكي لمشية الله بحيث صارت مؤثرة في الارض و آثارها مشهودة و قد ورد ان الله يلقي ما يشاء الي روح القدس و روح القدس يلقي الي النجوم فيدور علي ما امر الله و قال الله تعالي و في السماء رزقكم و ما توعدون ثم من دونها ما في الارض و الارض لها آثار بقدر حكاية الكمال حتي ان آثار الادوية من هذا الباب فظهر لك من بياننا المنيف انه لا مؤثر الا الله و لا فاعل سواه و قد ظهر فعله في ملكه و ملكه يده في اظهار امره و حكمه و لا حول و لا قوة الا بالله فاذا عرفت ذلك تعرف ان النفوس لها آثار قوية و آثارها اكثر من الابدان و الخيالات ايضا مؤثرة و آثارها اكثر الا ان الناس مختلفون في تأثيراتهم النفسانية [ص 178] بحسب شانهم و حالاتهم فرب انسان لغلبة الاعراض و الامراض الجسمانية خفي نفسه و ضعف خياله حتي صار بهيمة كالبهائم او نباتا كالنباتات او جمادا كالجمادات فلايبقي له اثر نفساني و باطني الا ما هو من خواص الاجسام فمثل هذا لايؤثر حتي في بدنه و من هذا الباب انك تري جماعة من الناس انهم اذا ورد عليهم حزن لايقدرون علي دفعه من انفسهم بخيالهم و من الناس من يملك نفسه و يتصف بما يشاء و اذا قوي اثر النفس تؤثر في البدن و يعدو منه الي غيره و من هذا الباب انك تري جماعة يؤثرون في الناس بالطبع او بالارادة و لست الآن بصدد التفصيل و لكن المطلب ظاهر مجرب فاذا علمت ذلك اقول فالعلة الاولي التي هي العقل الذي هو قلم قدرة الله اذا تصوّر شيئا لميكن يمكن ان يوجد بنفس تصويره لا محالة كما كان عيسي يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا ، فافهم و لايجوز بيان هذه المسألة اكثر من ذلك فان للجدران آذانا و من باب ان اكثر الحكماء يسلّمونها بيّنتها في الجملة .