و قال اعلي الله له المقام لما سمّوا القديم الممكن الاول الذي هو الوجود المطلق بالوجود الراجح و ساير الممكنات المقيدة بالوجود الجايز و هذا ليس باصطلاحنا لانه لم‌يرد في اخبار آل‌محمد عليهم السلام و انما هو اصطلاح المتكلمين و لا مشاحة في الاصطلاح اذا لم‌يتفرع عليه بخصوصه فروع بالجملة لما كان الوجود المطلق قائما بنفسه لربه اثبتوا له وجودا برزخيا بين الوجوب و الجواز لان الواجب قائم بنفسه لنفسه و الحادث الجايز قائم بغيره لغيره فالوجود المطلق هنا بين بين يشبه الاعلي في قيامه بنفسه و الادني في قيامه لغيره فهو برزخ بين الواجب و الجايز فيكون راجحا .

و قال الشيخ الاجل الاوحد اعلي الله مقامه في شرح الفوائد في شرح قوله : و هذا هو الجواز الراجح الي آخر ، قولنا هو الراجح الوجود بالنظر الي قولهم في حق الواجب تعالي واجب الوجود و في حق المحدث ممكن الوجود اي جايزه فمعني العبارة الاولي امتناع العدم عليه و معني الثانية تساوي العدم و الوجود بالنسبة اليه و المشية ليست في رتبة الاول و لا مساوية للثاني فقلنا انها راجحة الوجود و علة مأخذ الراجحية ان المقتضي موجود و قد اقتضي شيئا غير مشروط بغير نفسه فكان مطلقا غير مقيد و انما لم‌يجب علي المعني المصطلح عليه لكون المقتضي قائما بغيره قيام صدور فكان بوجود الاقتضاء علي جهة التخيير من الغير راجحا و هو مرادنا بقولنا لابشرط اذ الوجود بشرط شئ و بشرط لاشئ وجود مقيد و هو من المتساوي بكلا قسميه اقول لايدل وضع شرحه علي ان هذا الاسم من [ص 129] اصطلاحاته (اع) فانه لم‌يصطلح سوي ما ورد به الشرع و لكن اراد بيان وجه تصحيح الاسم فاذا عرفت ذلك اقول ان الامكان الراجح هو ماهية الوجود الراجح و هذا الوجود هو العلم و النفس المخلوقة بها المشية و اذا نظرت اليه مع قطع النظر عن الراجحية يكون هو الكون الاول و قد خلق من نور الوجود المطلق الوجود المقيد و من نور امكانه المطلق امكانه المقيد فهما ابوا الكاينات آدم الاول و حواء الاولي و جميع المقيدات من نسلهما فمواد المقيدات من مادة المشية و هي الاب و صورها من صورة المشية و هي الام و هي بموادها و صورها من ظل صورة المشية الا ان موادها من ظل مادة المشية الظاهرة في الصورة و صورها من ظل الصورة فالمقيدات ممكنة بالامكان الذاتي ذاتا لانها من الامكان الراجح و موصوفة بالامكان الوصفي صفة و لكن تركيب المقيدات اشدّ تكثّرا و تركيب المطلق اشدّ توحّدا فامكان المقيدات اوصافها و ماهيتها و لذلك اذا قطعت النظر عنها وصفت ربها بالقدم لان الامكان الذاتي غير مشهود لنفسه مع انه قديم بالنسبة و المشهود الوصفي و قد يعرض عنه و يوجد و لو كان الامكان من ذات الشئ لماكان يمكن له الاعراض عنه و ذلك امر مسلّم و كان يلزم من ذلك ان يعرف ربه بالحدوث لان معرفة كل شئ بربه معرفته بنفسه و يعرف كل احد ربه بالقدم لا محالة و لو كان ذاته ممكنة بنفسها للزم عدم معرفته بالله الا بالامكان و تعالي عن ذلك و لايلزم من ذلك تعدد القدماء نعوذ بالله فان القديم الذاتي هو الله و قدم غيره بابقاء الله الاتري ما في الدعاء يا ذا الملك المتأبد بالخلود ، و في دعاء آخر و الملك القديم ، و لايلزم من ذلك تعدد القدماء ابدا و بالجملة فالذوات بانفسها سرمدية و الحدوث السرمدي قدم بالنسبة الي ما دونه و الامكان من الماهية و هو صفة عارضة و الشخص ربما يلتفت الي وصفه و ربما يغفل عنه و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده فالامكان في كل مقام مع الكون و هو ماهيته [ص 130] و ما يقال ان الامكان بحر ذائب و اذا جمد و تحصص كان كونا هو البحر الاطلاقي الذي كان علي الاكوان و كانت الاكوان جمود ذلك الذائب و عرضه و اما ان يتقدم علي كون المقيد امكان مقيد قبله فلا فان الامكان صفة لاتقوم بغير موصوف كالحدوث و البحر المتقدم علي الاكوان هو بحر الاطلاق و هذا الوصف كلما ينزل نازلا يشتد تغايره للكون و كلما يصعد صاعدا يشتد توحّده معه حتي انه يبلغ من حيث الاعلي الي الوجود المطلق فيكون اجزاؤه بسيطة لاتقوم لاحدها بدون الآخر و يبلغ نازلا الي فصل اوسع مما بين السماء و الارض فممكنية الاكوان في الاعيان الاتري ان الكون بعد ما وجد و دخل عرصة الوجود لايمكن ان لايكون فكونه واجب و لو بايجاب الغير بعد ما اوجب و لكن يمكن ان يكون كذا و ان يكون كذا فامكانه ليس في ذاته و انما هو في كونه ان يكون كذا و كذا و ان كان ذاته من امكان فوقه فافهم فانه دقيق .

فصل - ما ابين خطاء من قال ان الامكان من المعقولات الثانية و ليس له وجود في الخارج و قد اقام علي ذلك انواع البرهان من البراهين القشرية التي لاتسمن و لاتغني من جوع و انا اقول لك ان الذي في الخارج هل يكون واجبا او ممكنا فان قلت باتصافه بواحد منهما فلا بدّ لك من الاقرار بان له وجودا خارجيا فان الشئ لايوصف بما لا وجود له في الخارج و ان قلت اني اصف ما في الخارج بما في العقل اقول ان ما في عقلك هل هو منتزع من الخارج او لا فان قلت لا فهو امر لايطابق الواقع الخارج و هو باطل و ان كان منتزعا من الخارج فله وجود خارجي و ان لم‌يكن له وجود في الخارج كيف يتصور اتصاف ما في الخارج به فان ذلك مما لايعقل نعم يعقل بوجه و هو ان يكون ما في الخارج عاريا عن الامكان بالكلية و انت تصوره بالامكان من ذهنك فتصف حينئذ مثاله عندك بالامكان من عندك فاقول اوّلا مثال ذلك ان يكون عين مرمودة و تري الاشياء ملوّنة بلون الحمرة لحمرتها مع انها [ص 131] ليست في الخارج هكذا و ثانيا ننقل الكلام الي ما في الخارج انه اذا لم‌يكن ممكنا فهل هو واجب او ممتنع اما الامتناع فلايجري عليه لوجوده فلا بدّ ان يكون واجبا في نفس الامر او ممكنا فاذ لم‌يكن ممكنا فهو واجب بالحصر العقلي و كذلك نقول في الوجوب انه اذا كان عقليا فاذا لم‌نتعقل وجود الرب جل شانه فهل يكون واجبا ام لا فان لم‌يكن واجبا فهو ممكن او ممتنع للحصر و ان كان واجبا فلايكون وجوبه عقليا و ايّ عاقل يقول انا اذا لم‌نتعقل امكانية الاشياء لاتكون ممكنة و اذا لم‌نعرف وجوب الرب لايكون واجبا و يلزم علي ذلك اذا مات المتعقلون مثلا ان لايكون الرب تعالي واجبا قديما و الخلق ممكنا حادثا و نقول ايضا ان الوجوب هل يكون وصفا زائدا علي الذات ام لا فان قلت نعم يلزمك ان تقول ان الذات بنفسها لاتكون واجبة فهي ممكنة او ممتنعة و ان قلت لا ، يلزمك ان تقول انها من المعقولات الثانية و الكل كفر به من جهات و كذلك نقول في ساير المعقولات فانه يلزم من قولهم ان يكون الكليات كلية ما اذا تعقل متعقل و الجزئيات جزئية هكذا و هكذا ساير الصفات المعقولة علي اصطلاحهم و لا شك ان لجميعها وجودات خارجية و النفس تقتبسها من الخارج كما مرّ سابقا الاشارة الي ذلك و لكن القوم مثالهم كبنّاء وضع اللبنة الاولي معوجة فيصير جميع بنائه معوجا .

توضيح - اعلم ان ما نقول ان له وجودا خارجيا لانريد ان جميعها موجودة في الدنيا علي الاجسام فانه لا شك في عدم وجود اشياء فيها و لكنا نريد ان الله سبحانه خلق من وراء هذا العالم ايضا عوالم و جميعها خارجة منك و يصدق علي جميعها تعريف الوجود الخارجي غاية الامر ان بعضها في الظاهر و بعضها في الباطن و بعضها في ساير البطون فمن الاشياء ما يكون وجوده في الدنيا و منها في عالم المثال و منها في الدهر و منها في ساير العوالم و نحن بعد ما نظرنا في الملك يظهر عكوس ظواهرها في ظواهر مشاعرنا و غيوبها في غيوبها [ص 132] و نريها بما لنا من سنخها من المشاعر لا ان وجودها في الاذهان دون الخارج فاذا علمت ذلك فاعلم ان الامكان له وجود امكاني في الخارج في غيب الاكوان و الاعيان فوقها لا ان له وجودا مع الاكوان في عرضها فانه لو كان له وجود في عرض الاكوان لكان مكوّنا مثل الاكوان و لكن وجوده امكاني فهو في الغيب الامكاني لها و لاتزعم من قولنا انه فوقها ان فوق الاكوان يثبت مقام يقال له الامكان كفوقية السماء مثلا علي الارض فان هذا فرض المبتدي و لو فرض امر هكذا لصار بنفسه كونا و لكن الامكان في ضمن الاكوان و مثله ان يكون لك فضة مثقال معيّن فتصنع جميعه بصور ما تريد فالفضة مادة الجميع و جميع ما كان لك من الفضة تكون الآن مصوّرة بالصور متعينة بالتعينات و يقال ان الفضة فوقها و الاكوان دونها ، فافهم ذلك و اتقنه ان شاء الله ، فليس الامكان فوق الاكوان ثابتا قائما نعم الامكان الراجح بنفسه لايتصور بالصور المختلفة و لكن بشعاعه و ظله يتصور بها و هو ايضا مع انه لم‌يتصور بصور مختلفة لايكون في عرض الممكنات بل هو فوقها و يكفي هذا القدر من البيان ان شاء الله .

فصل - و لما اتينا علي مجمل من بيان الامكان لا علينا ان نبيّن امر الوجوب و الامتناع بقدر الامكان كما جري عليه عادة الحكماء في كتبهم فاقول قال طائفة في تقسيم الوجود الي الواجب و الممكن و الممتنع ان كل موجود اذا لاحظه العقل من حيث هو موجود و جرّد النظر اليه عما عداه فلايخلو اما ان يكون بحيث ينتزع من نفس ذاته بذاته الموجودية بالمعني العام الشامل للموجودات و يحكم بها عليه ام لايكون كذلك بل يفتقر في هذا الانتزاع الي ملاحظة امر وراء نفس الذات و الحقيقة كانتسابه الي شئ مّا و انضمام شئ مّا اليه او غير ذلك فالاول هو مفهوم الواجب لذاته و الحقِّ الاول الي غير ذلك من الاسماء باختلاف اصطلاحات الحكماء و العرفاء و الصوفية [ص 133] و الثاني لايكون ممتنعا بعد ما جعلنا المقسم الموجود فنسمّيه ممكنا سواءا كان ماهية او انيّة الا ان موجودية الماهيات بانضمام الوجود اليها و انصباغها به و موجودية الوجودات بصدورها من الجاعل التام كوقوع الاضواء و الاظلال علي الهياكل و القوابل بل بتطوره بالاطوار الوجودية المنسوبة الي الماهيات بنحو الانصباغ و الاتصاف و الاستكمال و الي القيوم الجاعل علي نحو القيام و النزول و التشعشع و الالتماع و التجلي و الفيض و الرشح الي غير ذلك مما يليق بتقدسه و غناه عما سواه فمصداق حمل مفهوم الموجود العام و مبدؤ انتزاع هذا المعني الكلي في الواجب لذاته هو نفس ذاته بلا ملاحظة و اعتبار امر آخر غير ذاته من الحيثيات الانضمامية او الانتزاعية التعليلية او التقييدية و في الممكن بواسطة حيثية اخري انضمامية اتحادية اذا اريد به الماهية او ارتباطية تعلقية اذا اريد به نحو من الوجود و بالجملة مختصر كلامهم ان مناط امكان وجود الشئ ليس الا كون ذلك الوجود متعلقا بالغير مفتقرا اليه و مناط الواجبية ليس الا الوجود الغني عما سواه فامكان الماهيات الخارجة عن مفهومها الوجود عبارة عن لا ضرورة وجودها و عدمها بالقياس الي ذاتها و بالجملة بيّنوا في هذه المقامات بيانات اكثرها خالٍ عن التحقيق و لست بصدد ابطال اقوالهم فان مشايخنا اعلي الله مقامهم قد تكفّلوا لبيان الحق و ردّ اقوالهم و مرادي في هذه الينابيع الاشارة الي الكليات الحقة فاقول لا شك و لا ريب في ان الله تعالي واجب الوجود و ليس وجوبه امر انتزاعي من المعقولات الثانية كما قالوا و قد اشرنا الي بطلان ذلك في مبحث الامكان فانه لا شك و لا ريب في ان الوجوب معني ثابت قائم في الخارج و كذلك نقول ان الوجوب ليس عرضا من الاعراض كما زعمه اصحاب الاغراض و لا صفة زايدة علي مفهوم الوجود البحت البات بل هو بنفسه واجب و الواجب هو هو و المراد من الوجوب انه قائم بنفسه لنفسه و لايحتاج في وجوده الي غيره فان كل ما يحتاج الي غيره لايجب [ص 134] في حد ذاته و ان كان واجبا بغيره و الوجوب بالغير مما يمكن في الحادث فيمتنع في القديم و الوجوب الحقيقي صفته الذاتية و لاتجري علي الحادث و المراد من الوجوب المستعمل في الحوادث معني يليق بهم كما يقال ان الشئ ما لم‌يجب لايوجد و المراد منه ان الشئ ما دام كونه في الامكان يكون جهة وجوده و عدمه متساويتين فتكوينه يكون ترجيحا بلا ترجح و ذلك في الحكمة محال فلا بدّ من وجود سبب مرجح و اذا وجد يوجب وجود المسبب و هذا معني الوجوب بالغير و هو الجواز و ما كان مرجحه من نفسه و مع ذلك يفتقر الي غيره يسمّي راجحا و اما الواجب تعالي فلايحتاج الي مرجح من خارج و داخل بل هو هو وحده وحده فهو واجب بالذات و لاتزعم انا ننتزع هذا المعني من نفسه تعالي كما زعموه بل نعرف ذلك من آياته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان و مما ارانا من آياته في الآفاق و في انفسنا كما نعرف ساير صفاته الذاتية بل نعرف منها ايضا وجه انتساب ساير الصفات الفعلية اليه تعالي فان جميع ذلك من الآيات و العلامات لا غير فافهم فالوجوب بمعني القيام بنفسه لنفسه ففرض عدمه محال ممتنع لا انه يلزم من فرض عدمه محال كما زعم القشريون فانه محال ان يفرض عدمه بل اقول الواجب تعالي فرض وجوده ايضا محال فان ما ميّزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار و لكنا نفرض آيات ظهرت لنا في مشاعرنا علي حسبها و في ذواتنا بها و الا فاين فرض وجوده تعالي حتي نقول انه واجب و عدمه ممتنع محال فافهم ان كنت تفهم و اما الممتنع فعندنا لا بيان له فانه ليس صرف و الحد في مقام يثبت وجود فيحدّ بتعيين مادته و صورته و الممتنع لا مادة له و لا صورة فلا حدّ له و كذلك الواجب بنفسه لا حدّ له الا ان له آيات فنعرف آياته بحدودها و رسومها فافهم ذلك و لكن تصوّروا شيئا سمّوه ممتنعا [ص 135] ثم وصفوه و بعض قد حدّه بانه ليس بممكن او ما يجب ان لايكون كما حدّ الواجب بانه الذي يفرض من عدمه محال ممتنع و ذلك محض وصف مجهول بل في الواقع هو كلام مهمل لانك قد عرفت ان التحديد لايكون الا بالمادة و الصورة و بعبارة اخري بالجنس و الفصل و الممتنع لا جنس له و لا فصل كقولك في الانسان انه حيوان ناطق فان الحيوان جنسه و النطق فصله و بذكر الجنس يمتاز الشئ عن غير جنسه و بالفصل عن غير نوعه و قولهم ما يجب ان لايكون ، بزعمهم « ما » جنس و « يجب ان لايكون » فصل فهو مشترك مع الواجب نعوذ بالله في الوجوب مع انه اثبت له الوجود بتحديده و كذلك يشترك الممكن في الشيئية و يمتاز عنه بوجوب عدمه فهو شئ يجب عدمه و الشئ موجود لا معدوم و كذلك في ما ليس يمكن نقول ذلك فلا بدّ و ان يقرّ بانه ممتنع و ليس له جنس و فصل و لو كان لكان فالتعريف لايكون حدّا و ان قلت انه وصف من الاوصاف اقول ان الصفة لاتكون صفة الا مع موصوف فانها بنفسها عرض لايقوم الا بجوهر فهل فرضت شيئا وصفته بالليسية فهو شئ و موجود فلمَ تصفه بالعدم و ان لم‌تفرض شيئا و ليس شئ في الخارج فمن‌ذا الذي تصفه فالكلام الذي قالوه مهمل و ان كان بصورة الكلمات المستعملة كقضية شريك الباري ممتنع فانه فرض شيئا سمّاه شريكا و جعله موضوعا ثمّ فرض الامتناع شيئا و حمله عليه فان قلت مافرضنا ابدا شيئا هكذا فاقول عماذا تعبّر و ان قلت فرضت اقول كيف فرضت المحال و كل ما طرق سمعك مما يمكن و كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم ، غاية الامر انك تفرض شيئا في ذهنك و تقول لا مصداق له في الخارج و هذا معني كلماتهم في بيان الكليات و فرض افرادها و عدمها و قد اثبتوها في منطقهم و لكنا نقول ان الموضوع لا بدّ و ان يكون وجودا ثابتا قائما يصلح للاتصاف بصفة وجودية ثابتة فان لم‌يكن وجود ثابت قائم لايصير موضوعا و ان لم‌يكن الصفة موجودة لايصحّ [ص 136] الاتصاف بها فانه لايوصف جوهر بالعدم فشريك الباري ذاته موجودة مفروضة ام لا فان قلت بالاول اقول وصفه بالامتناع كذب و خطاء و ان قلت بالثاني نقول فماذا تقول و من‌ذا الذي تصفه و كذلك اقول في محمول قضيتك الممتنع معني وجودي او عدمي فان كان وجوديا فشريك الباري ممكن نعوذ بالله و ان كان عدميا فكيف تصف ما فرضته بالعدم فافهم الا ان يقولوا انّا نعبّر عن احدية الذات بهذه الالفاظ كقولنا لا اله الا الله و بالجملة جري الكلام في ذلك استطرادا فنرجع الي ما كنّا بصدد بيانه ان الممتنع ليس صرف و لايدرك و لايفرض و هو غير النفي و العدم فان النفي شئ كما في الخبر و ذلك انا نصف الامكان بالنفي و العدم بمعني انه نفي اعيان الاشياء و لكنه يصلح للتصور بها فهو ليس زيد و عمرو بالعين و لكنه يصلح للتصور بجميعها و كذلك اذا نظرنا الي امكانية كل شئ نقول ان هذا ليس هذا فهو شئ خاص و هو نفي شئ آخر و لكن الامتناع غير النفي بل هو لاشئ صرف بحت فاين هو من الوجود و هو لايكون و لايمكن و يكفي هذا القدر من البيان في المادة و ان بسطتُ في التحقيق في الجملة فيها فلاجل مسيس الحاجة اليها لانها من المسائل العامة البلوي و كثيرا مّا نحتاج الي بيانها و الا فلم‌اك بصدد تفصيل الكلام .

المقام الثاني

في بيان الصورة و بعض ما يتعلق بها من المسائل و فيه فصول :

فصل - في تعريف الصورة ، قال الآخوند (ره) : ان الصورة قد تقال علي الماهية النوعية و علي كل ماهية لشئ كيف كان و علي الحقيقة التي يقوم المحل بها و علي الحقيقة التي يقوم باعتبار حصول النوع الطبيعي منه و علي كمال للشئ مفارقا عنه و لو نظرت حق النظر في موارد استعمالاتها جميعا لوجدتها متفقة بالذات في معني واحد هو ما به يكون الشئ هو هو بالفعل و لاجل ذلك استتم قولهم صورة الشئ هي ماهيته التي بها هو ما هو مع تعقيبه [ص 137] بقولهم و مادته هي حامل صورته انتهي ، فاما ما قاله قبل ذلك من انها تقال علي فلان و فلان فهو خارج عن تعريفها بل هو بيان مواقع استعمالاتها و اما ما حكي في تعريفها و اختاره فحد ناقص منوط علي قولهم ان حقيقة الشئ صورته و قد اطري في اثبات هذا الرأي و سأنبهك بعد ذلك و ابيّن بطلانه كما اشرت اليه سابقا و كلامنا في هذا الفصل في حدّها و الحدّ الصحيح الجامع المانع ما قاله ابي اعلي الله مقامه انها قول يقع علي ما به امتياز شيئين كما قال في تعريف المادة انها قول يقع علي ما به اشتراك شيئين و لعمري هذا الحدّ كلام حكيم صدر من حبر عليم و برهان حقيّته ظاهر و سيظهر لك مما نبيّنه بعد ان شاء الله .

فصل - اعلم ان الصورة هي حدود المادة و نهاياتها فان المادة من حيث نفسها غير محدودة بالنسبة الي الصورة و ذلك لان المادة و الصورة في غير الخلق الاول قولان اضافيان فالمادة مادة بالنسبة الي الحد الذي يرد عليها ثانيا و ان كانت بنفسها محدودة بحدّ خاص كالحركة مثلا فانها مادة للسرعة و البطؤ العارضين عليها فتقول حركة سريعة و حركة بطيئة و الحركة محدودة بهما و هي بنفسها ايضا صورة واردة علي الجسم و كذلك صورة الجسمية ايضا واردة علي الجوهر المحدود بها و هو الهيولي فالحركة و الجسم مادتان بالنسبة و كذلك السرعة و البطؤ ايضا صورتان نسبيتان لانهما ايضا مادتان لما يرد عليهما من الصفات و الحدود و بالجملة فهما امران اضافيان و الا فالحدود واردة بعضها علي بعض و ذلك ان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه فكل شئ مركب من مادة و صورة علي ما بيّنا سابقا في بيان حقيقة المادة و ذلك سرّ سارٍ من المشية الي ادني الخلق الا ان الاعالي اقرب الي البساطة من الاداني و ذلك بقلّة الاجزاء و كثرة التشاكل بينها فان العقل لما قرب من نور الله سبحانه بعد من ظلمات الكثرات فلم‌ير عليه الحدود الكثيرة لانه اول ما خلق الله و مبدأ جميع الكاينات و المبدء في غاية الاجمال و التفاصيل [ص 138] تتشعب من انواره في ساير المراتب فهو منزه عن جميعها و لكن لايخلو من تركيب بحسبه و قد خلقه الله من مادة لطيفة غيبية و ورد عليها حدّ معنوي بحسبها ثم لم‌يرد بعد عليه بنفسه حدّ آخر لعلوّه عن الحدود و لذلك قد اشتبه امره علي جماعة حتي سمّوه بسيطا حقيقيا و كذلك المشية اول ما خلق الله من الخلق و بها خلق ما كان و ما هو كائن و هي فعل الله الذي خلق به المفاعيل فلايجري عليه شئ مما اجراه و لايعود فيه شئ مما ابداه فلايحدّ بحدود المفاعيل و لايوصف بالمشائية كما تري ان ضَرَبَ مثلا الذي هو مبدأ جميع المشتقات منزه عن حدودها اي اوزانها و حركاتها و تغيراتها و تبدلاتها و لايكاد يوصف بشئ منها فلايرد عليه حدّ الفاعل و المفعول و المصدر و غيرها و لكنه مع ذلك مصوّر بصورة هي ابسط من جميع الحدود اذ ينفذ بها في جميعها و لاينفذ شئ منها فيه و له مادة و هي الحروف و كذلك الامر في فعل الله فانه منزه عن حدّ كل المشاءات و لكنه محدود بالفعلية و له مادة و هي نور الله فيه و لكن بينهما غاية التشاكل و الاتحاد بحيث لايميزان الا بالتزييلات الفؤادية و لايرد عليه حدّ آخر و لكن كل ما ينزل نازلا يرد الحدود عليه شيئا فشيئا حتي يبلغ الامر الي ان كثرة الحدود و المميزات تغطي جوهر الشئ و حقيقته حتي يصير كالخلنج فانه قد كثرت لحاته و من طلب لُبّه لا بدّ له من ان يقشّره لحا عن لحا حتي يصل اليه ، انظر الي الكاس الكبير مثلا فان صورة الكبر وردت علي نفس الكاس و الكاس ورد علي هذه القطعة من النحاس و القطعة وردت علي النحاس المطلق و هو ورد علي المعدن و المعدن علي البخار و الدخان و هما علي الاركان و هي علي العناصر و هكذا الي ان بلغ الامكان الاعلي و هذا الذي ذكرنا جهة من الجهات و ساير الحدود التي لم‌نذكرها اكثر من ان تعدّ و تحصي فعلي ذلك انت لاتكاد تجد مادة صرفة خالصة خالية عن الصورة في الملك الا ما تجده في ضمن الامكان الراجح بعد [ص 139] الغض عن صورته وجدانا و اذا عرفت ذلك نرجع الي ما كنا بصدد بيانه من بيان حقيقة الصورة و قد قدّمنا انها حدّ للمادة اي محل انقطاع المادة فانها بنفسها جوهرة ذائبة جارية لاتقف دون شئ بنفسها و لما ورد عليها الحدّ علي الوجه الذي سنشير اليه بعد ان شاء الله وقفت دونه فلاتتجاوزه الي غيره اذ جمدت به و لاتسيل الا بقاسر آخر فان سيلانها بعد الانجماد ذهب الي قوتها بعد ما كان بالفعل و القوي لاتكون فاعلة لا في نفسها و لا في غيرها و ذلك قوله عليه السلام انت ماكوّنت نفسك و لاكوّنك من هو مثلك ، فاذا صادفها رطوبة خارجية تسيلها ثانيا و يرجع الحدّ الي قوتها و تحدّ بحدّ آخر بعد عروض الجمود و رفع القاسر يده عنها و امثّل لك بالحروف و المداد لكي تعرف المراد و قس عليه امر الغيوب لمكان الاتحاد الاتري ان المداد في نفسه جوهر رطب سايل صالح للتصور بصور الحروف و لو بلغت كثرتها آلاف الوف من دون قصور من نفسه لقوة صلاحيته ما لم‌يمنعه مانع بتجفيف رطوبته فتأخذ منه بيدك و تنقش به علي صحيفتك و في ايّ صورة ما شئت تصوّره و في ايّ شكل اردت توقفه ثم تجفّف حرارة الشمس و الهواء رطوبته فيقف دون الحدّ الذي عليه اوقفته فيميز بذلك بين الحروف و الكلمات فالالف يفرق عن ساير الحروف و الباء يميز عنها و هكذا ثم لايكاد يرجع المداد الذي في ضمنها الي سيّاليته لان الرطوبة التي كانت سببها رجعت الي القوة و الجفاف صار بالفعل فهو يبقي علي ما نقش عليه و اذا صادفه رطوبة من الخارج تسيله فيجري المداد الذي في ضمن الالف و لايقف علي الالفية اذ ليس صورة الالفية له حدّا ذاتيا و كذلك الباء تجري و التاء تجري فتبطل الحدود و يرجع المداد الي ما كان عليه من حالته الاولية فصورة الالف و الباء و التاء لم‌تكن الا حدود اوردتها علي المداد و جففته عليها و ليست الصورة و الماهية الا ذلك الحدّ و هو نهاية هذه القطرة الخاصة من المداد بعد جفافها و قسر القاسر و هذا مثل ظاهر بيّن فتفكر فيه حتي يتبين [ص 140] لك الامر في جميع الملك فافهم فانك لاتكاد تجد هذا المطلب بهذا البسط الا في هذا الكتاب او كتب ابي فالصور في كل عرصة هكذا حدود المواد و لما كانت المادة و الصورة قولان اضافيان يكون الامر في نفس المداد مثلا بالنسبة الي الزاج و العفص و التوتج و الصمغ و الماء هكذا ايضا فانها في نفسها مادة سايلة تصلح لكل مركب و معجون و بعد ما ركّبها يد الحكيم علي هذا الميزان المخصوص و منعها القواسر عن النفوذ وقفت علي صورة المداد فاذا قسرها قاسر آخر و غيّرها عن صورتها تنحد بحدّ آخر و تقف علي صورة اخري و هكذا هذه الادوية اصلها العناصر و وقفت علي هذه الحدود بواسطة القاسر و الجفّاف عليها و سترجع الي اصلها و لما وصل البيان الي هنا رأيت ان ابيّن فصلا خاصا في سرّ انجماد المواد علي الحدود الجارية عليها .

فصل - اعلم علي توفيق الله جل و عز ان الله سبحانه كان قبل ان يكون الكون و الامكان ذاتا احدية منزهة عن الحدود و الصفات عالية عن كل السمات مقدسة عن كل الوجودات الخلقية و الماهيات فان الاحد الحقيقي لايقف دون حدّ من الحدود و هو فوقها كيف لا و ان المادة ان كانت لطيفة لاتكاد تقف علي الحدود الغليظة مع ما بها من النقص ما لايخفي كما تري عيانا و الاحد اللطيف المنزه عن كل صورة و مادة اولي بذلك البتة و لااريد بلطافته رقته كالمادة الرقيقة او تشاكل اجزائه نعوذ بالله بل اريد نفوذه جل شانه و اطلاعه علي كل شئ فلايقف دون حدّ من الحدود بل هو المحيط بكلها الطاوي لها و الكل آياته و علاماته و ظهوراته و تجلياته بلا كيف و لا وضع و لا وجه من الوجوه التي يسأل عنها و هو اللطيف الخبير النافذ البصير ، فافهم و قد مرّ بيان هذا السرّ الشريف في التوحيد فراجع ان احببت و قد تجلي سبحانه بخلقه لخلقه اذ حق و خلق و لا ثالث و هو سبحانه بذاته لايتجلي فبهم تجلي لهم و ذلك سرّ غامض اشرنا اليه سابقا و سيأتي بيانه بعد ان شاء الله متفرقا و مجتمعا و الامر هكذا في جميع الخلق [ص 141] اولهم و آخرهم اذ لم‌يتجلّ لاحد منهم بذاته لانه منزّه عن الوضيع و الرفيع و الشريف و الخسيس و المشية و المشاء و ذلك قوله عليه السلام في العالم العلوي مع انه من عرصة المشاءات تجلي لها بها و بها امتنع منها ، و جميع الخليقة في مقامات وجودهم جلواته و مقاماته و علاماته بحسب شانهم و ذلك قوله عليه السلام باحد المعاني و بآياتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك و قوله عليه السلام تعرّفت اليَّ في كل شئ حتي عرفتك في كل شئ ، نعم مراتب التجليات مختلفة بنسبة بعضها الي بعض فبعضها في غاية القرب الاقرب و بعضها في منتهي البعد الابعد و بعضها بين بين و المشية اول التجليات و اقرب الآيات و ارفع العلامات فهي اشبه الكل بنور الله الاحد الصمد فلذلك يغلب عليها صفاته فتراها محيطة بكل شئ نافذة في كل شئ مع صمديتها النسبية اذ لاتنشق من شئ و لاينشق منها شئ فلم‌تلد و لم‌تولد اذ ليس المشاءات منها بالولادة و لم‌يكن لها كفو كائن و الامكان في الواقع انيّتها فلذلك لاتحدّ بحدّ من الحدود العينية و الكونية بل مطلق الجواز كونا كان او امكانا لانها بذاتها ارفع من كل موجود و اقرب من الله المنزه عن كل الحدود فمن ذات نفسها لاتقتضي حدّا غير ما اراد الله منها من الاطلاق و الابهام و الله سبحانه لايحكم عليها بغير ذلك لانه بذاته لايقتضي امرا و قد مرّ برهان ذلك سابقا و لانعيد و المشية بنفسها لاتقتضي سوي الاطلاق و الاعيان و الاكوان دونها فلاتؤثر فيها مع ان المفروض انها لم‌تخلق بعد و لا ذكر لها قبل خلقها و كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه فلاتقدر علي ان تؤثر في المشية و تقسرها علي شئ فلاتحدّ بحدّ كوني او عيني . و بلسان آخر نقول ان المشية في نهاية القرب فهي في غاية الحرارة و اليبوسة و اقتضاء الحرارة و اليبوسة السريان و الانتشار و مقتضي التقلّص و الجمود البرد و اليبس و هما هنا مفقودان او في غاية الضعف و سلطنتهما في غاية البعد الابعد [ص 142] من المشية و قد اظهر الله لك ذلك في هذا الملك الاتري ان العرش الذي هو آية مشية الله في الملك في غاية البساطة و الاحاطة و الانتشار و قد احاط بالكرسي الذي وسع السموات و الارض ثم كل ما يبعد منه بدرجة يقلّ بساطته و وحدته و يزيد في انجماده و تقلّصه الي ان ينتهي الي غاية البعد الابعد و هي التراب الذي غلب عليه البرد و اليبس فصار متقلصا متغلظا و كذلك الامر في مشية الله جل و عز بالنسبة الي ساير الخلق حتي انتهي الي البعد الابعد فالمشية لغلبة الوحدة عليها لاتكون محدودة بالنسبة الي ما دونها و لكنها مع ذلك لم‌تبلغ درجة الاحدية الكبري و الالهية العظمي فانه تعالي هو الاحد الحقيقي فهو المحيط غير المحدود علي الاطلاق و لكن المشية امرها نسبي فلذلك تكون محدودة بقدر تنزّلها عن الربوبية فهي ناقصة عن درجة الاحدية و مقام الفردانية مقصورة علي صورة الا انها فعلية امكانية غير متعينة بالكونية و العينية فلايثبت لها حق الوجود من كل حيث و جهة و الاحد الحقيقي له حق الوجود و كله و جمعه من كل حيث و جهة و لا حيث و لا جهة للاحد الا اني اعبّر عما في ضميري بهذا اللفظ لضيق العبارة و امتناع الاشارة فوجود المشية امكاني لا عيني ثمّ بعد المشية مقام الامكان الجايز الذي هو اول الجواز و قد مرّ الاشارة الي شانه قبل و هو اول الجواز و مادة السريان و الارض الجرز النابت منها انواع رياحين الاكوان و الاعيان و قد حدّ بحدّ الجواز بقدر بعده عن المشية و لذلك غلب عليه البرد في الجملة فجمد علي صورة خاصة بها و مثال ذلك ان الهواء لغلبة الحرارة و الرطوبة عليه لم‌يقبل صورة خاصة من الصور بالنسبة و لايرد عليه الاعراض الخاصة بالماء و التراب فهو منزّه عن كمهما و كيفهما و بعد ما انجمد يصير علي صورة الماء فيتغلظ و يتصور بسبب البرودة بصورة الماء و يقلّ سيلانه و يقصر نفوذه ثمّ يقرب صلاحيته للتصور بالصور المختلفة من الكم و الكيف و غير ذلك و لكنه مع ذلك جارٍ نافذ بالنسبة الي الصور الواردة [ص 143] عليه بعد الانجماد و كذلك الامر في الامكان الجايز فانه القطرة النازلة من المشية و هي في غاية اللطافة و الوحدة في مقامها و بعد ما نزل منها جمد في الجملة فتصور بصورة الجواز الذي هو الماء الذي قال الله تعالي فيه و جعلنا من الماء كل شئ حي فصار صالحا للتصور قريبا من التقطع بخلاف المشية الاولي فانها في غاية اللطافة و النفوذ ثمّ من بعد ذلك خلق الله ما خلق من هذا الامكان كما خلق النبات من الماء و اختلاف الصور و الحدود الكلية كلها حاصل بغلبة البرد فانه لا شك ان البرد كل ما غلب علي المادة يجمدها بحسبه فيحصل اشكال مختلفة و حدود متفاوتة فسماء و ارض و عرش و كرسي في عوالم مختلفة ثمّ بعد حصول الكليات علي ما عرفت بطريق الاشارة يتولد من بينها مواليد بالتركيب و يختلف الحدود باختلاف الاجزاء و اقتضاء القوابل و المرجحات الخارجية و ان شئت ان تعتبر ذلك فانظر الي هذه اللبنة الموجودة فان الملبِّن يأخذ شيئا من التراب اليابس و يليطه بالبلة حتي يلزب و كل ما كانت الرطوبة اكثر يكون اجري و ابعد من الاستقامة علي صورة و كل ما كان اعدل كان اطوع للملبن ثمّ يأخذ قبضة من هذا الطين و يجعله في ملبنته و يسطحه بيده و هو يطاوعه لرطوبته و يذهب الي حيث يذهب به ثمّ يقف علي اطراف الملبنة و هي تحجبه عن نفوذه فاذا اخذ الملبِّن ملبنته يقف الطين علي هيئتها ليبسه و ذلك ايضا لغلظة المادة فانها لو كانت لطيفة كبعض الادهان النافذة كالزيت المقطّر مرّات لماكان يقف علي هذا الحدّ بل كان ينفذ منه و لكنه ينحد ببعض الاواني الصقيلة و يقف دونها لا محالة و كذلك الامر في مجموع المواليد المتولدة في الارض فانه لايقف شئ منها علي حدّ الا بما ذكرنا و امثاله فافهم .

فصل - اذا عرفت ان الصورة حدّ للمادة تعرف انها بنفسها لاتكاد تقوم لان قيامها في الواقع بمادتها لا قيام صدور بل قيام تحقق و هما معا قائمتان بالمؤثر [ص 144] و كذلك المادة ايضا لاتقف الا مع حدّ و لكن تحققها بنفسها فان الطين لايتحقق وجوده بالتربيع و لكن وجوده متحقق بنفسه باحقاق المؤثر و لكن ظهور الطين في صورة لا محالة فانه لايكاد يقوم في عرصة البروز و الظهور الا بحدّ خاص و لكن ليس قيامه بصورته قيام حاجة اذ هي من كماله و قائمة به و لكن قيام الظهور امر آخر لغير الحاجة الوجودية بخلاف قيام التحقق فان تحقق وجود الصورة بالمادة و لولاها لماتحقق وجودها اذ عرفت سابقا ان وجود الحدّ وصفي و الوصف لايقوم بغير موصوفه الاتري ان القيام صفة قائمة بالقائم و لولاه لماقام قيام بنفسه لنقصه في الوجود و بيان ذلك ان الاشياء متفاوتة في الوجود بحسب القرب من المبدأ و البعد عنه و كل ما كان اقرب يكون اقوي فيقوم بنفسه بالنسبة و كل ما كان ابعد يكون احوج فيقوم بغيره كنور السراج بالنسبة اليه فان السراج لقربه من النار الغيبية يكون قويا في النارية فلايحتاج في وجوده الي شعلة اخري و اما النور الساطع منه في الجو فهو ضعيف في النارية فلايقوم وجوده بنفسه بل بالشعلة و كذلك الامر في كل اصل بالنسبة الي الفرع و مؤثر بالنسبة الي الاثر و مادة بالنسبة الي الصورة فان ذات زيد مثلا في غاية القرب من مشية الله التي هي منبع الفيوض و اصل الوجود و لذلك يشتد وجودها و يقوم بغير وصفها اي بنفسها بالنسبة و لذلك يقول مشايخنا (اع) ان كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه و اما قيام زيد ففي غاية الضعف بالنسبة اليه فلايقوم وجوده بنفسه الا ان يحفظه نفس زيد كما يحفظ الشعلة نورها و كذلك المادة وجودها شديد بالنسبة الي الصورة و الصورة فرعها كائنة ما كانت فتحقق وجود الصورة بالمادة و لاتزعم ان كلامي هذا يشابه قول بعض الحكماء ان الوجود من الله الي اسفل الخلق بالضعف و الاشتداد فان الله سبحانه لايعدّ مع خلقه و وجود الخلق غير وجوده تعالي لا بمغايرة مفارق عنه لا بمباينة و لكن مبدأ وجود الخلق المشية و منها [ص 145] الي اسفل الخلق يتفاوت الوجود و لكن لا بمعني ما يقولون ايضا بان يكون الوجود واحدا في الكل الا انه يتفاوت كما ان النور الظاهر في الجو من الشمس واحد الا انه يتفاوت فانك عرفت سابقا ان مرادنا من الوجود المادة و قد عرفت عدم اتحاد المواد فان كل مادة دنيا تنزّل المادة العليا في السلسلة الكونية و اثرها في الشرعية فالضعف و الاشتداد الذي ذكرنا غير ما يقولون و لكن مرادي منهما القيام بالنفس و القيام بالغير و قد يكون ذلك نسبيا فافهم .

فصل - اعلم ان الصورة مجعولة لله سبحانه بجعل خاص و من قال بغير ذلك فقد اخطأ و خالف الكتاب و السنة و ضرورة الاسلام و قد مرّ سابقا بيان ذلك و مرادنا في المقام محض الاشارة لئلايخلو هذا المقام ايضا من ذكره فان الله سبحانه خالق كل شئ و مرّ براهينه و لانعيد فالصورة مخلوقة نعم خلقها بواسطة المادة و وساطة المادة لاتورث نفي المخلوقية عنها و كذلك لاتورث عدم المجعولية الخاصة نعم لاتكون مجعولة بالذات بل هي وصف و الفعل المتعلق بالوصف وصف للفعل المتعلق بالموصوف لا محالة فالمادة يد الله في خلق الصورة و امثّل لك مثالا انك تكتب بالقلم فحركتك تظهر في القلم اوّلا و تنقش الحروف به فظهور حركتك بصورة الحروف بعد ظهورها في القلم و الحركة الظاهرة في الحروف بواسطة القلم و مع ذلك ينسب الكتب اليك بالحقيقة لا المجاز و الحروف كتابك بكتب خاص و كذلك الامر هنا فان الله سبحانه جعل الطين طينا مثلا بنفسه ثمّ جعل اللبنة بواسطة الطين موجودا لبنة فقول مَن قال : ان الله جعل المشمش موجودا و لم‌يجعله مشمشا ، زور و بهتان علي الله قال الله تعالي قل ارأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون نقول بل هو الزارع لكل زرع و قال قل الله خالق كل شئ و الصورة شئ و لكن علموا ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و ليس كلامهم هذا باعجب من قول من زعم ان الاعمال ليست بمخلوقة لله سبحانه و ما اغفلهم عن حقايق [ص 146] الاشياء و نحن نسألهم انها مخلوقة ام لا ، فان قالوا لا ، نقول فهي قديمة لانه حق و خلق و لا ثالث و لايرضي المدعي بذلك و ان قالوا انها مخلوقة فنسألهم هل هي مخلوقة لله فالمطلوب ثابت او للخلق فهم شركاء لله نعوذ بالله فلا شك انها مخلوقة لله سبحانه و ربما يشتبه الامر علي الناظر فيما ورد انها مقدرة قبل الخلق بالفي عام في جواب السائل انها مخلوقة ام لا ، ان الامام عليه السلام اراد انها ليست مخلوقة لله و حاشا ان يكون المراد ذلك بل الظاهر من سياق الخبر ان يكون المعني انها مقدّرة قبل الخلق فكيف لاتكون مخلوقة او المراد انها لاتكون قائمة باعيانها و مخلوقة بالاستقلال بل تكون بتقدير الله جارية من ايدي العباد او المراد ان الله لم‌يجبر العباد عليها بل خلقهم مختارين ففعلوا بتقديره من دون اجبار او المراد ان مراتب الخلق تحدث بمراتب الفعل فالخلق بالمشية و الاعمال من مقام التفصيل و المشية مقام الاجمال و بها تخلق المواد المبهمة و بالارادة الصورة النوعية و بالقدر المادة الشخصية و هي منشأ التشخصات فالاعمال منها فهي مقدرة و الصور النوعية اي المقومات مرادة و موادها مشاءة كما ان الجواهر و الذوات معلومة بالعلم الازلي ، فافهم فانه دقيق فقوله انها مقدرة اي مجعولة بهذه المرتبة من مراتب الفعل و يشهد بصحة هذا المعني ما ورد في العلم ما معناه ان الاشياء معلومة لله قبل ان تكون مشاءة و مشاءة قبل ان تكون مرادة و قد مرّ بيانه في القسم الاول في بيان العلم فراجع و بالجملة اصل المراد ان الاعمال مخلوقة لله و الماهيات مخلوقة غاية الامر ان الله سبحانه يخلق ما يشاء بما يشاء فانه بذاته لايكون سبب شئ و لا علة له و لكنه خلق الاسباب و العلل و خَلَقَ بها المسببات و المعلولات فافهم ذلك .

فصل - اعلم ان الصورة صورتان ذاتية و عرضية و قد مرّ شطر من ذلك في بيان المادة و لانطيل الكلام باعادة جميعه و المراد محض الاشارة الي بعض [ص 147] جهات المسألة فاما الصورة الذاتية فهي مقومة الشئ اي ماهيته و انيته و العرضية هي متممة الشئ اي كماله و ما به ظهوره و ابيّن حقيقة ذلك اولا و اوضحه بالمثال ثانيا حتي تقف علي الحقيقة و لايشتبه عليك الامر ان شاء الله فاعلم ان الله سبحانه تجلي اول ما تجلي بلا فعل و لا حركة الي الحقيقة التي هي حق الحقايق و ذات الذوات و نور الانوار و سراج وهّاج قبل ليل داج و بحر ساج و هي المبدء و المعاد و فوق النون و الصاد و ان ربك لبالمرصاد و شرحه مما لايمكن الا من وراء الاستار اذ هو من امر مكتوم الائمة الاطهار عليهم صلوات الله الملك الجبّار ما تتابع الليل و النهار فافهم الاشارة ان كنت من اهل الديار و اكتمه عن فيران الجدار و لاتذع سرّ الاخيار باسماع الاغيار و بالجملة فتلك الحقيقة هي الاصل و العماد و الصورة الاولي و الكمال الاول و الفعلية العليا و النفس الازلية و سطع منها النور الي ما شاء الله و كما انها الحقيقة و الفعلية و النفس كذلك نورها الساطع هو الفعلية و الكمال و النفس الاتري ان النار نار و نورها نار فان النور يسمّي باسم المنير بل النور اسمه كما بيّنا ذلك مكررا في هذه الرسالة و غيرها فلاتغفل فجميع نور النار نار و لذا يظهر منه اثرها كفشوه و لمعانه و ضيائه و حرارته فان جميعها من النار و منها نفوذه فان حقيقة النار غير محدودة بحدّ و نورها ايضا غير محدود بحدّ و لايقف علي شئ الا ان يمنعه مانع و يحجبه حاجب و كلما ظهر نورها في مقام تلوّن بلونه و تصوّر بصورته و لذلك يسمّي باسم خاص و يوصف بوصف معلوم ثمّ ينفذ منه باللون المخصوص المتخذ من المقام الاول و هكذا فمقومة النار هي صورتها الاصلية و ما سطع من الانوار الملوّنة من القوابل هي متمماتها و حقيقة النار هي ما به هي هي و كذلك الامر في انوار الحقيقة الاولية فانها الاصل و العماد و جميع الملك انوارها و اشعتها و متمماتها و مرجع الكل اليها لا بمعني ان المتممات تفني يوما مّا او ترجع اليها حاشا ان يكون الامر هكذا فانها كمالاتها و هي الكامل بالفعل [ص 148] فلاتفني و لاتكاد ترجع الي ذاتها بل هي ثابتة في مقامات وجودها و مع ذلك رجوعها اليها فتدبر في ذلك تعرف حقيقة الامر ان شاء الله تعالي و من باب ان امر الله سبحانه في كل شئ واحد و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما امرنا الا واحدة ، جعل الله سبحانه امر كل الخلق علي هذا النسق فكل شئ له حقيقة هي آية الاحد و ظهور الفرد الصمد و النفس الدالة علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن و هي حقيقة الشئ و عينه و نفسه التي ان عرفها عرف ربه و هي فوّارة نور الشئ و منها تسطع جميع انواره و كمالاتِهٖ كل بحسبه و الانوار الساطعة تلوّنت بحسب القوابل و هي بانوارها و الوانها متممات للحقيقة فمقومتها ذات الشئ و انوارها متممات و هي تنتهي الي هذا البدن فمقومة زيد نفسه و حقيقته و جميع صفاته و اسمائه و انواره آثاره و كلها متممات له و خارجة عن ذاته و المتممة عرضية لا محالة و قيامها بالمقومة و لذلك تتغير و تتبدل دايما و اما الذاتية فهي ثابتة قائمة لاتزال و لاتزول و هذه قاعدة كلية احفظها عني حتي تعرف من ذلك مسائل كلية و اعلم ان الزايلات مددها مختلفة فبعضها يزول في يوم و ايام و ساعة و ساعات و بعضها يزول بعد الموت و بعضها بعد نفخ الصور و الباقي الدائم هو الوجه الثابت القائم و يكفي هذا القدر من البيان .

المقالة الرابعة

في ساير المسائل الكلية المتعلقة بالحكمة التي سمّوها القوم بالامور العامة و نحن نسمّيها ايضا بالالهيات بالمعني الاعم و فيها مقامات :

المقام الاول

من المسائل المهمّة العلل الاربع فانه طال ما تشاجر فيها الناس و لم‌يقف اكثرهم علي الحق و لا بدّ لبيانها من ذكر مقدمة و مطالب :

المقدمة في مسائل كلية نحتاج الي بيانها و فيها مسائل :

[ص 149] الاولي في بيان معاني العلّة في اللغة و الاصطلاح ، قال في المعيار هذه علة الشئ ايضا سببه و قال ابوالبقاء في كلياته العلة هي ما يتوقف عليه الشئ و في التلويح ما يثبت به الشئ و عند الاصولي ما يجب به الحكم و الوجوب بايجاب الله تعالي لكن الله اوجب الحكم لاجل هذا المعني و الشارع جل ذكره قد اثبت الحكم بسبب و قد اثبت ابتداءا بلا سبب فيضاف الحكم الي الله تعالي ايجابا و الي العلة تسبيبا كما يضاف الشبع الي الله تخليقا و الي الطعام تسبيبا و كذا في عرف الفقهاء و كل من العلة و السبب قد يفسّر بما يحتاج اليه الشئ فلايتغايران و قد يراد بالعلة المؤثر و بالسبب ما يفضي الي الشئ في الجملة او ما يكون باعثا عليه فيفترقان و قال بعضهم السبب ما يتوصل به الي الحكم من غير ان يثبت به و العلة ما يثبت الحكم بها الي ان قال و العلة عند غير الاصولي ما يحتاج اليه سواءا كان المحتاج الوجود او العدم او الماهية عند العامة ثم بيّن ما لاينفعنا ايراده هنا من تحقيقات العامة العمياء في العلل العقلية و بعض ما يتعلق بها من المسائل .

الثانية قال الآخوند رحمه الله : العلة لها مفهومان احدهما هو الشئ الذي يحصل من وجوده وجود شئ آخر و من عدمه عدم شئ آخر و ثانيهما هو ما يتوقف عليه وجود الشئ فيمتنع بعدمه و لايجب بوجوده و العلة بالمعني الثاني تنقسم الي علة تامة و هي التي لا علة غيرها علي الاصطلاح الاول و الي علة غير تامة تنقسم الي صورة و مادة و غاية و فاعل و القائل بان اطلاق اسم العلة علي هذه الاربعة بالاشتراك مخطٍ لاسيّما و يذكر ان العلة تنقسم الي كذا و الي كذا بل الحق انها مقولة علي الكل بالمعني الثاني و ربما يقولون ان العلة اِما ان تكون جزءا للشئ او لاتكون و الجزء ينقسم الي ما به يكون الشئ بالفعل و هي الصورة و الي ما به يكون الشئ بالقوة و هي المادة و التي ليست بجزء اِما ان يكون ما لاجله الشئ و هي الغاية او ما يكون به الشئ و هو [ص 150] الفاعل و قد يخصّ الفاعل بما منه الشئ المباين من حيث هو مباين و يسمّي ما منه الشئ المقارن باسم العنصر و المادة ايضا يختلف اعتبار عليتها الي ما منها كالنوع العنصري و الي ما فيها كالهيئات فربما يجمع الجميع في اسم العلة المادية لاشتراكها في معني القوة و الاستعداد فيكون العلل اربعا و ربما يفصل فيكون خمسا و الصورة ايضا يختلف نحو تقويمها للمادة و المجموع منها و الاولي ارجاعها بالاعتبار الاول الي الفاعلية و ان كانت مع شريك غير مقارن موجب لافادة هذه العلة و اقامة قرينها بها و الصورة ايضا يختلف نحو تقويمها للمادة و للمجموع منها و الاولي ارجاعها بالاعتبار الاول الي الفاعلية و ان كانت مع شريك غير مقارن موجب لافادة هذه العلة و اقامة قرينها بها و لايخلو هذا التقسيم بهذا الوجه من مناقشة و سيظهر الحق في المقام ان شاء الله تعالي مع اني لست بصدد النقض و الابرام و قد حكيت كلامهم لمحض معرفة اصطلاحهم .

الثالثة في بيان الحق في تقسيم العلّة و معناها ، قال ابي العلامة اعلي الله مقامه و رفع اعلامه : اعلم ان علة الشئ سببه و ما يتوصل به اليه و هي عند الحكماء اربعة فان الشئ مركب من مادة و صورة فمادته حصة من امكانه السابق قابلة للتصور بصورته و صورته ما ظهر عليها بصنع الصانع المحيل لها الي مشاكله فالشئ بهما شئ و كل واحد منهما ركن الشئ و هو قائم بهما قيام ركن الا ان المادة هي الركن الاعظم الجوهري و الصورة هي الركن الاصغر العرضي و مثلهما كالخشب و صورة السريرية و بهما يوجد السرير في الخارج فالخشب هو العلة المادية عندهم و الصورة السريرية هي العلة الصورية و لما كان لهما خالق و موجد اوجدهما بصنعه و هما قائمان به قيام صدور سمّوا ذلك الصنع المتعلق بهما بالعلة الفاعلية و لما ان كان الفاعل الحق جوادا كاملا و لايتعلق صنعه بشئ الا بسبب ذلك الجود الموجب لان يوجّه صنعه الي ايجاد ذلك الشئ و غير الفاعل الحق ايضا يحتاج الي مهيّج يهيّجه علي فعل [ص 151] ذلك الشئ الذي يصنع يشترط تعلق صنع الصانع بوجود الشئ بذلك الجود السابق و سمّوا ذلك بالعلة الغائية فالعلة الغائية هي علة للفاعلية و الفاعلية علة للمادية و المادة علة لتحقق الصورة و ان لم‌تكن علة وجودها فلاجل ذلك قالت الحكماء انه ما من شئ الا و له علل اربع فجميع ما سوي الله جل و عز حادث و الحادث يحتاج في وجوده الي علل اربع لا محالة و لكنها في كل رتبة من مراتب الخلق علي حسبها ، انتهي موضع الحاجة من كلامه علا مقامه و مرادي من نقله هنا بيان وجه التقسيم و الاصطلاح و سيجيء تمام التحقيق في تلو الفصول .

الرابعة في مقدمة شريفة في الردّ علي جماعة زعموا ان الله هو العلة فاقول ان الله سبحانه ذات احدية و قد ظهر مما ذكرنا سابقا معني الاحدية و لانحتاج الي تكرار ما ذكرناه سابقا الا اني اشير الي بعض ما يلزم من معناها فاقول ان الاحد بنفسه جل شانه امتناع جميع الكثرات و غاية كل الغايات فلايكاد يتصل بشئ و لايتصل به شئ و لاينفصل عن شئ و لاينفصل عنه شئ و لايضاف الي شئ و لايضاف اليه شئ و لاينسب الي شئ و لاينسب اليه شئ و لا و لا ، علي ما مرّ سابقا فان الاحد لايذكر مع شئ و لايذكر معه شئ و اذا لم‌يذكر معه شئ فكيف يتعلق به الصفات الاضافية مع ان من شرط ثبوتها وجود المتضايفين في صقع واحد مع الاضافة التي هي ثالثها مع ان اصل التضايف غير ذات الشئ الاتري الي غلام زيد مثلا فان ذات الغلام حقيقة ثابتة كذات زيد و حيث اضافة الغلام الي زيد غير حقيقته و حيث كون زيد مضافا اليه ايضا غير ذاته الاتري انك مرّة تنظر الي زيد و لاتري غير نفسه و مرّة تنظر الي الغلام هكذا و مرّة تنظر الي جهة اضافة الغلام و جهة مضاف اليهية زيد فهما جهتان غير الغلام و زيد و تعلقتا بهما ثم ان الاضافة بنفسها عرض ثابت غير الاربعة لان المتضايفين بها يصيران متضايفين الاتري انك تنظر [ص 152] اليها منفصلة عن المضاف و المضاف اليه و ربما توجد في غيرهما من الاشخاص ايضا فتدبر فاذا كان الامر هكذا فلايكاد يوجد الاضافة الا مع وجود قيود اخري من الذوات و الصفات و مع ذلك كيف يتعقل اتصاف الذات البحت البات بالاضافات مع انها لاتذكر معها كيف و ان ذات الخلق من حيث هي لاتتصف بالصفات و لذا تكون آية تعريف الله و تعرّفه فكيف تتصف بها ذات الله تعالي مع انها خالق الصفات فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان العلية من صفات الاضافة فان العلة ما لها معلول و المعلول ما له علة فالله سبحانه لايكون علة لانه ليس معه معلول و انت تعلم ان العلية لاتدرك الا بملاحظة المعلول و كذا المعلول و كذلك الامر في السبب و المُسبّب و السببية لاتدرك الا مع درك المسبب و المسببية هكذا كالابوّة و البنوّة فان الابوة لاتدرك الا مع الالتفات الي الابن و البنوة هكذا و قس علي ذلك ساير الصفات و يروي في دعاء العديلة كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، و يظهر من ذلك ان العلة مخلوقة فاذا عرفت ذلك و تبيّنت ما هنالك فاعلم ان الذات بنفسها عدم الصفات بمعني الامتناع و لو اشرقت بنفسها لاحرقت سبحات وجهها ما انتهي اليه بصرها من الخلق فاين الاضافة و المضاف و المضاف اليه ، فهي لاتكون علة لخلقها لا الفاعلية و لا المادية و لا الصورية بل لاتكون علة غائية لخلقها لادلة سيجيء ذكرها في محلها فكذب من زعم ان الله علة خلقه و قول افلاطُن في قنوته يا علة العلل يا قديما لم‌يزل ، ان حمل علي المعني الظاهر من اللفظ خطاء و ان كان مراده غير ظاهره فهو اعلم بما قال و لعله ادّاه بلفظ صحيح في لسانه و غلط المترجمون في ترجمته و مثل ذلك كثير و قد قال اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين علة ما صنع صنعه ، و قال عليه السلام كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، فظهر من ذلك ان علة الخلق غيره و هي فعله فاعلم ذلك .