فصل - اعلم ان هذا الامر الذي ذكرناه جارٍ في جميع الملك من الدرة الي الذرة بل المشية ايضا مركبة غاية الامر ان التركيب في كل مقام بحسبه فالمشية لكونها اول الخلق تكون في غاية الوحدة الممكنة في الخلق فلها جزءان مادة و صورة و مادتها في غاية الاتصال بصورتها و صورتها في غاية الاتصال بمادتها فكأنهما شئ واحد فمادتها حيثها الي ربها و صورتها حيثها الي نفسها و يعبّر عن مادتها بالوجود و عن صورتها بالاطلاق و لا شك ان مفهوم الاطلاق [ص 104] غير مفهوم الوجود اذ لو كان مفهومه عين مفهومه لكان كل وجود مطلقا و ليس الامر هكذا ، هذا و هم مقرّون بان مفهوم الوجود منزه عن معني الاطلاق فاذا كان مفهومه غير مفهومه فوجوده الخارجي غيره اي غير نفس الاطلاق كما هو الحق عندنا فهما اثنان غاية الامر انهما في حكم الواحد لشدّة اتصالهما و امتزاجهما و لكنا لانثبت للمشية مادتين و صورتين الا بنحو من التزييل الفؤادي نعم يسهل الخطب بالنسبة اليها مع رؤسها فان لها رؤسا و هي حيث الفعلية في كل شئ فالمشية بنفسها مادة و صورة نوعية لها و لكل منها مادة هي حيثها الي المشية و صورة هي انيتها و خصوصيتها و كذلك الامكان الجايز الذي هو مادة مجموع الملك له مادة و صورة و كذلك الامر في كل الملك و سيجيء بيان تكوّن كل مرتبة و مقام ان شاء الله في السلسلة الطولية و العرضية فجميع البسايط و المواليد لها مادة و صورة .

فصل - قد نعبّر عن المادة النوعية بالوجود و عن صورتها بالماهية و عن الشخصيتين بالمادة و الصورة و قد نسمّي كل مادة بالوجود و كل صورة بالماهية و نحن لانريد من ذلك ما اراد القوم فانهم يريدون من الوجود معني هستي باحد الوجوه المذكورة اي البسيط او الحق او الجايز او الراجح او المعني المصدري او الرابطي و لكن تعددها بحسب المتعلق و المعني عند بعضهم واحد اذ صرّح بعضهم باتحاد الكل فاذا قالوا ان المادة هي الوجود يريدون هذا المعني و علي ذلك يلزم نفيه عن الماهية و القول بعدمها و اتعبوا النفس في معرفتها و بقائها و وجودها و اما نحن فنقول ان المادة موجودة و الماهية ايضا موجودة بل كلتاهما وجودان اذا اخذت الوجود بمعني الحصول و يحكم بذلك العيان علي انه قد ثبت بانواع البرهان و لايخفي لمن له عينان الاتري ان الخشب مادة للسرير و يسمّي بالوجود و صورة السرير ايضا وجود اليس تراها بالعيان اليس تشاهدها و العاقل لايمكنه انكار ذلك مع ما يترتب عليها من الآثار [ص 105] و لا شك ان الآثار لاتترتب علي المعدومات نعم وجود المادة وجود موصوفي و وجود الصورة وجود وصفي يعني هي تكون موصوفة و هي تكون صفة و لانستنكف عن كون وجود الصورة بسبب وجود المادة بمعني ان تكون المادة آلة ايجادها في عالم الحقايق لا الاعراض و لكن لا شك انهما وجودان و ان قلت هذا في المادة و الصورة العرضيتين فما تقول في الذاتيتين اقول ماتري في خلق الرحمن من تفاوت هما وجودان ايضا الا ان المادة وجود موصوفي فعلي و الصورة وجود وصفي انفعالي و وجود الانفعال لايكون معدوما فانه لا شكّ ان الكسر يحصل بالانكسار فالكسر موجود و الانكسار موجود الا ان الكسر من عندك و الانكسار من القابل و ما من عندك اصل و ما من القابل قائم به مترتب عليه و الشئ مركب من هذين الوجودين و لما كان تعيّن الشئ بوجود الانفعال سمّي ماهية و لما كان حدّه بحسب قابلية المنفعل و به يخصص الفعل سمّي صورة فافهم ذلك و لايغرّنّك قول القشريين الذين جميع علمهم مأخوذ من الالفاظ لقلة علمهم فانهم يريدون اثبات الحكم الالهية بالقضايا المنطقية و القياسات اللفظية فيبعدون عن الحق ابعد مما بين السماء و الارض انصف من نفسك في العالم الظاهر الذي هو عنوان الباطن اذا سمّينا شيئا ثابتا بالماهية هل يكون معدوما لانا قلنا انه ماهية حاشا ان يكون الامر هكذا و عمدة الاشتباه من انهم اخذوا الوجود مفهوم هست و الماهية غيره و غير هست نيست و لكنك اجعل مصداق الوجود الخشب مثلا و مصداق الماهية السرير حتي تستريح و افرض ان الوجود اسم لشئ و الماهية اسم لشئ و كلاهما آيتان للوجود الحق جل شانه و تعالي و هذا السرّ سارٍ في جميع الملك حتي في الامكان المطلق فانه مادته نور ثابت قائم و هو يسمّي بالوجود و صورته و ماهيته الاطلاق و هو نور كلي وصفي ثابت قائم و لكن الناس اكثرهم لايعقلون .

نور احمدي صرّح شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه في شرحه علي المشاعر [ص 106] بذلك في مواطن و قال في مقام : و اما الماهية يعني الثانية التركيبية فموجودة بالوجود الموصوفي و الصفتي مثل السرير فانه موجود من مادة من الخشب و ليست هذه المادة هي السرير و هي وجوده و من صورة و هي الماهية الاولي الانفعالية و هذه ايضا ليست هي السرير الا انها في الحقيقة هي صفة للحصة المتعينة فهما وجود و من الوجود و مجموعهما هو السرير و هو الماهية الثانية التركيبية التي تسمّي بالحقيقة و يسمّيها المتكلمون بالماهية التي يجاب بها عن السؤال بما هو فقد تحققت في الخارج بركني الوجود الموصوفي و الصفتي ، و شاهدُنا في قوله (اع) تحققت في الخارج بركني الوجود الموصوفي و الصفتي و بيّن اعلي الله مقامه في مواطن متعددة ذلك بانحاء الاستدلال كاستدلاله (اع) بان الوجود منشأ اثر و الماهية ايضا منشأ اثر و المعاصي من الماهيات و الطاعات من الوجود و امثال ذلك من بياناته اعلي الله مقامه نعم نقول ان الماهية صفة الوجود فهي مخلوقة بصفة فعل خلق به الوجود و يكشف عن ذلك قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فان يكون فعل القابل و هو صفة كن فافهم و تدبر .

فصل - ما افحش قول من زعم ان حقيقة الاشياء الوجود فان ارادوا من الوجود المادة فهي الركن و الشئ غيره و هو قائم بمادته و صورته قيام ركن و تحقق و الشئ لايكون بعضه البتة و ان ارادوا من الوجود شيئا مركبا من وجود و ماهية و هو المولود الحاصل بينهما فتسميته بالوجود محض اصطلاح و هو بعيد عن الحكمة و لكن القائل مراده غير ذلك فانه لايري وجودا غير وجود الرب جل شانه .

فصل - اخطأ من زعم ان التشخص من الوجود و الماهية كلية فان الوجود هو المادة و محل القوة و الاستعداد و لا اختصاص لها بشئ دون شئ الا بالتصور بالصورة الاتري الي الخاتم المصاغ من الفضة فان الفضة مطلقة بالنسبة الي جميع [ص 107] ما يصنع منها و لا خصوصية لها بواحد دون آخر فيأخذ الصائغ حصة من الفضة و يصوّرها بصورة الخاتم و حصة اخري و يصوّرها بصورة الدملج فخصوصية الخاتمية و الدملجية من قبل الصورة لا الفضة و ذلك امر مشهود و يشهد بذلك كتاب الله لمن كان من اهل اللسان الاتري الي قوله تعالي و هو الذي انزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات كل شئ فاخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا و من النخل من طلعها قنوان دانية و جنات من اعناب و الزيتون و الرمان مشتبها و غير متشابه انظروا الي ثمره اذا اثمر و ينعه ان في ذلك لآيات لقوم يؤمنون و قال انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا و مما يوقدون عليه في النار الآية ، و لا شك ان الماء النازل هو الوجود و الوان النبات هي الماهيات و كذلك الاودية مقام القوابل و الماهيات و من قبلها الخصوصيات و كذلك قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة و امره تعالي هو الوجود و جهة الفعل في الاشياء و هي واحدة و الاختلاف من قبل الانيات التي هي جهة المفعول و قال عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته ، فالنور مقام الوجود و الرحمة الماهية و تري انه عليه السلام قال صبغهم في رحمته فالصبغ في مقام الرحمة ، هذا و لا شك ان المادة مقام الاب اذ هي الاصل و المنشأ و الذكورة و الصورة مقام الام و الخصوصية و المادة مقام العقل و المعنوية و الصورة مقام النفس و الصورية قال عليه السلام المؤمن اخ المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة ، فالرحمة مقام الام و محل الصبغ و قال الله تعالي هو الذي يصوّركم في الارحام فالصورة من الرحم و فيها لا من قبل الاب و انما منه النطفة الصالحة للذكورة و الانوثة و بالجملة و ذلك مما لا شك فيه و قد بسطنا القول فيه لرفع الاشتباه اذ قالوا ان الوجود سبب التشخص و هو الام و الماهية هي الاب انظروا كيف غفلوا عن الحق لانقطاعهم عن آل‌محمد عليهم السلام .

[ص 108] فصل - اعلم ان المادة النوعية هي الجنس و صورتها الصورة النوعية و الجنس هو ما يشمل كثيرين من انواع متعددة هي دونه الاتري انه يقال ان المعدن مادة نوعية للفلزات و هي انواع دونه و قد اخذ من المعدن المطلق حصة و صوّرت بصورة الذهب و حصة و صوّرت بصورة الفضة و هكذا فالمعدن مادة نوعية و هي الجنس و الصورة الخاصة نوع و كذلك الجسم المطلق فانه مادة نوعية و هو الجنس و كذلك الوجود الراجح المطلق هو جنس ما دونه و وجه صدق اسم الجنس علي تمام ما دونه انه لم‌يتحصص بنفسه حتي يكون ما دونه ابعاضه و جزئياته بل بعد ما تم خلقه اخذ الله من نوره الصادر من تمام وجوده قطعة و النور الصادر علي صفته لا محالة و يسمّي باسمه و يحدّ بحده كما تري في المعدن فان ذاته لم‌تتصور بصورة الحديد و الا لكان كل معدني حديدا و لم‌تتبعض و الا لكان الحديد بعض المعدن فثبت ان الذي تخصص بالحديد شعاع المعدن المطلق لا نفسه و كذلك الامر في ساير المعادن و لذلك قلنا ان مواد المعادن الخاصة قطعات من نور المعدن و لانريد من القطعة ايضا البعض بمعني الجزء و لكن المراد القطعة من الكل و القطعة من الكل تمام النور كما ان قطعة من نور الشمس الظاهر علي سطح البيت تمام النور فيسمّي باسم الشمس و يوصف بصفتها و وجه ذلك ظاهر لمن كان له انس بالحكمة و هذه القطعة الخاصة لاتصير خاصة الا بالصورة الخاصة و هذه الصورة عرضية بالنسبة الي الجنس الاعلي و من متمماته و لا منه و لا اليه بالخصوص و التعيّن و ان كان فيه قوتها فان الحديدية ليست مما به المعدن معدن بل هي من اعراضه الدنيوية نعم المعدن المطلق له قوة الحديد و الصلوح له فافهم ذلك فاذا نظرت الي الافراد قاطعا نظرك عن الصور الحاصلة من الاعراض الدنيوية تري المعدن الذي هو الجنس و هو المادة النوعية فشرط رؤيتها قطع النظر عن الخصوصيات فاذا عرفت حقيقة الجنس و النوع فاعلم ان الوجود الذي هو العلم و الكينونة لايكون جنسا [ص 109] و لا نوعا اذ شرط كون الجنس جنسا وجود افراد يظهر فيها و لذا نقول انه ما به الاجتماع لها و ان لم‌يكن بنفسه بل بظهوره و اما الوجود الكينوني فان جميع الملك من المواد و الصور و الانواع و الاجناس آياته قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق أولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد و ليس امر الجنس هكذا فان الجسم مثلا ظاهر في مواد الاجسام لا صورها فان صورة الحجر لاتكون جسما بل هي مثال الاتري ان حدّ الجسم صادق علي المادة و حدّ المثال علي الصورة فان مادة الحجر جوهر قابل للابعاد و حدّ المثال انه ما يتعين به المادة و هو صادق علي الصورة فالصورة بنفسها لاتكون ظهور الجسم و فرده فافهم بل اقول ان المادة و الصورة علي الافراد لاتكونان افراد الجسم بل هما من حيث الاجتماع ظهور الجسم و فرده و المادة التي قلنا انها فرد الجسم المادة الشخصية و هي مقترنة بالصورة لا محالة و اما الوجود فهو ظاهر في المواد و الصور جميعها فان مادة الحجر وجود و صورته ايضا وجود فافهم و اعرف حقيقة المراد و ليس هذا الوجود هو الله تعالي شانه بل هو نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره و هو آية ذي الجلال لا نفسه تعالي عن ذلك علوا كبيرا و شئ هكذا لايكون جنسا اذ الجنس ما به الاجتماع علي ما عرفت و لايكون ما به اجتماع الا مع ما به الافتراق اذ هما متلازمان و ليس هنا ما به افتراق بل الكل شعاع الوجود و نوره و آيته و هو مؤثر الجميع و ما به الاجتماع لايكون مؤثرا مطلقا و هذا سرّ من الاسرار لايعرفه الاغيار و اذا سمّيناه يوما بالمؤثر فبملاحظة حقيّته او بملاحظة مواد الاشياء فافهم ذلك ان شاء الله فان هذه كليات يجب علي الحكيم معرفتها و ما لم‌يطلع عليها الانسان لايقف علي الجزئيات .

فصل - اعلم ان المادية في عرصة الاكوان و الاعيان بل في كل الملك [ص 110] امر نسبي اضافي فرُبّ شئ يكون مكوّنا معيّنا و يكون مادة لشئ آخر كالتراب مثلا فانه بنفسه مولود من الاعيان مركب من العناصر الاربعة و هو مادة للكاس و الكوز و اللبنة و ساير ما يصنع منه و كذلك الامر في كل درجة بل رُبّ شئ يكون بنفسه شخصا معلوما و هو بالنسبة الي شئ مادة نوعية و بالنسبة الي شئ مادة شخصية فان هذه العرصة عرصة التضايف بل الامر في جميع سلسلة الاكوان و الاعيان هكذا الي ان ينتهي الامر الي مادة المواد و جنس الاجناس فانها مصوّرة بصورة جنسية مطلقة مبهمة و هي مع صورتها مادة لكل شئ دونها و هي الامكان و لعلك قد عرفت من ذلك ان كل شئ مركب من وجود و ماهية في حدّ نفسه و هو مادة لما دونه و لايكاد يتصور بالصور التي دونه من دون الصورة التي علي مادته و بها صار هو هو كالماء مثلا فانه مركب من العناصر و العناصر بعد ما تصورت بصورة المائية تصير صالحة للانجماد بصورة الجمد و اما قبل ذلك فلم‌يكن يحصل لها ذلك نعم كان في امكانها ان تتلبس بها بعد التلبس بصورة الماء و كذلك بعد الانجماد يتصور بالتثليث و التربيع و هما لايردان علي الماء السيّال بدون الانجماد و لا علي العناصر المثالية و هكذا الامر في جميع الملك من الدرة الي الذرة فالوجود الاول الجايز لايتصور باول تنزله الا بصورة العقل و بعد ما تصوّر بصورة العقل يتصور من بطن فعل العقل المعنوي بصورة النفس الاتري ان شعاع الشمس يظهر اولا بالهباء فيتنور الهباء بنوره ثم الهباء المنوّر يظهر في المرايا و لولا الهباء لماكان يستضيء المرايا بنور الشمس الفلكية لوجوب المناسبة بين المضيء و المستضيء فانه قد ثبت في الحكمة ان المكمّل لا بدّ و ان يظهر في لباس المتكمل حتي يحصل بينهما الفعل و الانفعال و سيجيء بيان ذلك مبرهنا في مقامه في كتابنا هذا ان شاء الله فترقب فعلي ذلك لايكون النفس من مادة العقل بل هي منها بعد الظهور من العقل لا ظهوره بنفسه ايضا بل بفعله في مقام [ص 111] النفس و ذلك قوله عليه السلام في النفس الانسانية موادها التأييدات العقلية و كذلك في العوالم السفلية مادة كل عالم تأييد العالم الاعلي و فعله فافهم و ما تري انه يقال ان الجميع من الامكان لايراد منه ان الكل من نفسه بل الكل من اشعته المترامية من عنده الي اسفل الدرجات المتدرجة المتنزلة و الكل يسمّي بالامكان لانها افراده كما تري انا نقول ان جميع المواليد و البسايط مخلوقة من الجسم المطلق بشرط لا و مع ذلك تري ان بعضها خلق من غلايظ العناصر و بعضها من لطايفها و بعضها من الافلاك و هكذا فما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون .

تبيان - يدلك علي المراد بالعيان ، اعلم ان الصور حدود و نهايات للمواد و خصوصيات تلحقها فهي اسافل درجاتها يعني انياتها و اطرافها فاذا كان المادة في حدّها و مقامها لطيفة صافية لاتحدّ بالحد الغليظ الكثيف ابدا فان المادة حيث الشئ الي الاعلي و الصورة حيثه الي الاسفل فهما حيثان لشئ واحد فكيف يتصور ان يكون شئ واحد مركبا من لطيف و غليظ . و بعبارة اخري نقول ان المادة اللطيفة اعلي درجة من الصورة الغليظة اِما في الطول و اما في العرض و بكلا الاحتمالين لايكون شئ في اعلي من مقامه فكيف يحدّ من هو في مقام اعلي به ، مثال ذلك ان الحديد المطلق دهري و لا ذكر للاعراض الدنيوية مع الدهريات فلايتصور ان يحدّ الحديد الدهري مع اطلاقه بالسيفية الخاصة الا بعد نزوله في منازل و لانريد من نزوله تصوره بنفسه بل بشعاعه و كذلك المادة السماوية دخان في غاية اللطافة و هو صالح لهذه السعة و السمو و البساطة فيتصور الدخان بصورة السماء و لايمكن ان يتصور به الماء الغليظ الكثيف فافهم . و بلسان آخر نقول ان الصور قوابل و هي السنة داعية تسأل ربّها فيض الوجود و المادة و لكل صورة اقتضاء خاص تدعو ربّها بحسب اقتضائها فيعطيها الرب بحسب سؤالها فان كانت كثيفة تسأل المادة الكثيفة و ان كانت لطيفة تسأل [ص 112] المادة اللطيفة و كذلك المادة تسأل ربها الصورة و هو يعطيها علي حسب قابليتها و مسألتها فلايكاد يتخلف الصورة عن المادة و بالعكس .

فصل - ما افحش رأي من زعم ان جميع الخلق من مادة واحدة و الاختلافات من قبل الصور وحدها فالعقل و الجسم مثلا مخلوقان من مادة واحدة و النبي و الشيطان من طينة واحدة نعوذ بالله و الاخبار الصريحة تنادي ببطلان هذا الرأي الاتري الي ما ورد ان المؤمن من طينة الجنة و النور و عليين و غير ذلك مما ورد بهذا المعني و ان الكافر خلق من طينة النار و سجين و طينة خبال من حمأ مسنون و غير ذلك و قد روينا اخبار المسألة في كتاب المبين و كتب الاصحاب بها مشحونة و لكن الناس لما كان نظرهم مقصورا علي الاعراض غفلوا عن الحقايق فوجدوا مثلا ان العنصر الدنيوي يصير مادة للانسان و الحيوان و المؤمن و الكافر فزعموا ان هذا امر ثابت في عالم الحقايق ايضا و ليس هكذا فان المواد الدنيوية اعراض زايلة و ليست هي الا كالمكان الدنيوي و زمانها فكما ان كل مكان يصلح لان يجلس عليه كل احد و كل زمان يصلح لان يكون وقتا لكل احد كذلك كل العناصر صالحة لان يركب منها بدن لكل روح شريف او وضيع و لذلك تري ان زيدا يكون مع بدنه هذا مؤمنا فيرتد او يكون كافرا فيؤمن او يكون جاهلا فيصير عالما و بالعكس و من هذا الباب استحالة الاغذية الدنيوية من الجماد و النبات و الحيوان الي ابدان الاولياء و الانبياء سلام الله عليهم و قد شرب الحجام دم بدن رسول الله صلي الله عليه و آله فصار لحمه و عظمه و استحال الي روحه و لو كان له اختصاص بروح النبوة لكان يلزم ان ينقلب الحجام نبيا و لم‌يكن هكذا نعم قال له (ص) ان بدنك صار حراما علي النار ، و لذلك وجوه اخري غير الاتصال الظاهري بدمه الشريف و كذلك شربت ام‌سلمة بوله و اكل المرأة البدوية لقمة من فيه الشريف فصارت شفاءا لها من كل داء و لم‌تشتك ما دام حيوتها و استحالت الي بدنها و لو كان [ص 113] يأكلها النبي (ص) لكان يصير بدنه و بالجملة البدن العنصري لايكون لازم الارواح الغيبية بل هو كمركب يركبه الروح في ايام نعم يشترط المناسبة بين الارواح و الابدان بمعني تصور الابدان المركبة بصور مناسبة لها من الاعتدال و الانحراف لا من حيث العنصرية و يمكن حكايتها لروح اخري بالاستحالة كما تري ان بدن الغنم مثلا ما دام كونه مصوّرا بصورة الغنم لايحكي روح الانسان و بعد ما اكلتَه يستحيل لحمه الي لحمك و يحكي روح الانسان فالمادة التي هي العناصر باقية علي حالها الا ان صورتها قد تغيّرت فما يقال من وجوب المناسبة بين الارواح و الابدان في صورة الابدان و ميزان عناصرها لا في العناصر نفسها و الا فهي كمكان يجلس فيه كل احد و اما المادة الذاتية فبذاتها مناسبة مع الصورة و كذلك الصورة بذاتها مناسبة مع المادة و محال في الحكمة تخلفهما فلو خلت مادة زيد الذاتية عن صورتها لفنيت بالكلية لا انها تصير مادة لشئ آخر او تبقي ثابتة بل المادة الذاتية اعلي درجة صورتها و حيث فعلها و الصورة الذاتية اسفلها فلايتصور ان تتصور مادة احد بصورة غيره ابدا و قد غفل القوم عن هذه النكتة و قاسوا الغيب بالشهادة و الاصول بالاعراض و عمدة اشكال الناس في معرفة المسائل عدم الفرق بين القشر و اللُبّ و العرض و الجوهر فربما يقول الحكيم شيئا في عالم الحقيقة و الجاهل يسمعه و يجريه في عالم الاعراض و بالعكس و يخطأ في المسألة بذلك و لكن العالم يعرف موقع كل كلام و يجعله في موقعه و انا ابيّن لك بيانا شافيا كافيا حتي تعرف حقيقة المراد زائدا علي ما بيّنا فاقول ان الصورة انعقاد المادة كما ان المادة مقام الانحلال كالماء و صورة الجمد فان الماء اذا انعقد ينعقد بصورة الجمد فاذا جمد يسمّي جمدا فاذا كان الامر هكذا فهل يتصوّر ان ينجمد الماء بصورة غير الجمد المناسب لذلك حاشا ان يكون الامر هكذا و مثال آخر لذلك ان ماء الشب مثلا له مادة و هي البخار المتصاعد من اجزائه الارضية و صورة هي انعقاد [ص 114] هذا البخار في سماء الانبيق و القابلة فهل يمكن ان يكون انعقاد بخار هذه الاجزاء الخاصة مثلا بغير ماء الشب حاشا ان يكون الامر هكذا بل اذا قطر بخار هذه الارضية يتصور بصورة ماء الشب البتة و كذلك الامر في كل المواد فالمحلول اللطيف اذا عقد معقوده لطيف و الكثيف معقوده كثيف و الدهني معقوده دهن و المائي ماء الاتري الي قوله تعالي في اهل النار لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه فان الدنيا معقود الآخرة و غليظها فمن كان في الآخرة من اهل النار اذا نزل في الدنيا يتغلظ بصورة الكفر و الفسوق و العصيان و من كان من اهل الجنة اذا نزل في الدنيا يتنزل بصورة الايمان و ذلك قوله تعالي من كان في هذه اعمي فهو في الآخرة اعمي و هذا معني قول الفلاسفة ان المعقود في الاسفل معقود في الاعلي و المحلول في الاسفل محلول في الاعلي و نزل ذلك في الانجيل ايضا فافهم ان شاء الله ، فمعقود الروح لايكون مثل معقود الجسد و بالعكس فاذا عرفت ذلك تعرف الامر في جميع الملك فالنور الصادر من شمس مشية الله اذا انعقد لاينعقد الا بصورة العقل و محال ان ينعقد بغيرها و لكن الناس غفلوا عن ذلك بملاحظة ورود بعض الصور العرضية المختلفة علي مادة واحدة مع ان بعضها اشرف من بعض فغفلوا عن حقيقة المسألة مع ان في الاعراض ايضا لا بدّ من مناسبة من جهة ذكرناها فتدبر و لما اتينا علي كليات امر المادة لا بدّ و ان نبيّن حقيقة المادة النوعية و الشخصية بقدر الميسور اذ لايسقط بالمعسور .

فصل - لما ثبت بالادلة القطعية ان لكل شئ مادة و صورة نوعية و شخصية ينبغي ان نصفها في الجملة بقدر ما يقتضيه المقام و ان ظهر المطلب في الحقيقة من البيان الذي ذكرناه في الدليل الفلسفي و لكن في زيادة البيان يحصل للطالب يقين كالعيان فاعلم ان المادة النوعية هي الامر الشايع بين الانواع و ما به اشتراكها كالحيوان بالنسبة الي الناطق علي قولهم و الناعق و الناهق [ص 115] و الصاهل و غيرها من الانواع الحية بالحيوة الحيوانية فهي الجنس و الفصل صورة لها علي ما مرّ سابقا و ذلك ان الله سبحانه اذا اراد خلق شئ يخلق اولا جنسه من حيث الرتبة لا الاولية الزمانية ثم يأخذ من شعاعه حصة و يصورها بصورة نوعية يعني ان تلك الصورة النوعية في مقامها مخلوقة من مادة هي شعاع العالي و صورة هي نهاياتها لا بمعني ان للجنس شعاعا كشعاع السراج يأتي من قبله و ينطبع في مرآة النوع بل بنحو آخر بيّناه سابقا فافهم ذلك و لاتغلط و الصورة النوعية هي الفصل علي ما بيّناه سابقا ثم يأخذ الله سبحانه حصة من تلك المادة و الصورة النوعيتين و يشخصها و يعيّنها في ضمن الصورة الشخصية علي ما ذكرنا من غير اختلاف فتكون تلك الحصة بصورتها فردا من ذلك النوع مثال ذلك الحيوان المذكور فانه جنس لجميع الانواع و الافراد التي دونه و حصة منه اي من شعاعه تصوّرت بصورة النطق النوعي لا النطق المتشخص فانه ليس الا في القوابل الشخصية فتحصّل من تركيبها عليها نوع للاشخاص الناطقين و هو مقومتهم ثمّ اخذ الله من شعاع هذا النوع و صوّره بصورة زيد مثلا فالحصة الخاصة تخصصت بزيد في بطنه و لا علينا ان نفصل القول في رفع هذه الشبهة زيادة علي ما مرّ و هي ان نفس الكلي تحصصت و المادة الشخصية حصة من مجموعها و كذلك النوعية او بعضها او لم‌تتحصص اقول ان عمدة هذه الشبهة نشأت من توهم المبتدي ان الكلي علي هيئة شخص من الاشخاص فجوّز في نفسه تقطيعه و تحصيصه كقطعة من الخشب حيث يتقطع و يتصور قطعة منه بصورة السرير و قطعة بصورة اخري و لكن اذا عرفوا الحقايق و اطلعوا علي عرصة الرقايق لايكادون يخطأون في هذه الدقايق فاعلم اولا ان الكلي جنسا كان او نوعا معني كلي بسيط لايكون بنفسه مصوّرا بالتخطيطات الجزئية مهندسا بالهندسة التقديرية بل هو بالنسبة الي كثرات دونه فوق متعلق قدرها و هو بنفسه متعلق المشية او الارادة فلايجري عليه الهندسة التي دونه فالحيوان ليس علي هيئة العناصر المصورة بصور [ص 116] الحيوانات و لا بهيئة خصوصيتها بل هو صرف حيوة و هي حرارة غريزية اصلها الافلاك خلقت من شعاع قمر عرصة المثال و لذا يقال انها قمر المثال و الحرارة الغريزية لايتصور تقطعها و ان لم‌تفهم ذلك لبُعده عن ذهنك تفهم حقيقة الماء انها جسم بارد رطب فانصف من نفسك كيف يمكن تبعيضها فان بعضها جسم بارد بلا رطوبة او رطب بلا برودة او جسم بلا برودة و رطوبة او هما من غير جسم و جميع هذه الفروض باطلة لان الماء الشخصي ان كان مخلوقا من بعضه لكان غير ماء لان الماء هو الهيئة التركيبية فتدبر و ذلك يخالف العقل و النقل الاتري الي قوله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و خلق كل دابة من ماء و لو كانوا بموادهم ابعاض الماء الاول لماصدق علي موادهم اسم الماء و كذلك قال الله في الانسان انه من طين لازب او من التراب و لو كان من بعض نوعه او جنسه لماسمي مادته باسم الكل و ان قال قائل ان تمام الماهية تتبعض اعني ان الجسم البارد الرطب يتبعض فتخلق افراده من ابعاضه اقول ان التقسيم عرض يعرض اعراض الجسم بعد تشخصه فان الاعراض تعرضه في الافراد و اما قبلها فهو صرف القابلية لها و هي قوة لا فعلية فلايتصور تبعيض الجنس او النوع اذ هو جوهر خالص عن شوائب الاعراض و التقسيمات المفروضة في الاعراض فانها ترد علي منّ من الماء لا علي نفس الماء و لذا تسمّي كل جزء بالماء و ان قلت ان كل الجنس تصوّر بالنوع و كل النوع تصوّر بالفرد اقول هذا ايضا قول باطل صادر عن غافل فان الصورة ليست الا نهاية المادة فلو حدد الجنس بذاته بنهاية كيف يتصور تحديده بصورة اخري غيرها فان شيئا واحدا في حال واحد لايحلّ في شيئين متضادين فالحيوان ان صار بذاته ناعقا كيف يتصور بصورة النهيق ان هذا الا اختلاق ، فذات الحيوان منزهة عن صورة النعيق و النهيق فانحصر الامر في ان تقول انه بذاته لم‌يتحصص و لكن نوره و شعاعه يتصور بالصورة الخاصة و هذا امر ثابت في جميع المواد [ص 117] الي الوجود الجايز الاول الذي هو اول مخلوق لله فانه بذاته لم‌يتصور بالصور و لم‌يتهيأ بالهيئات و لكن انواره تهيأت بالهيئات و تصورت بالصور .

شاهد صدق - قال ابي العلامة : ان الكلي بنفسه لايحصص اذ لو تحصص لكان كل حصة بعض ذلك الكلي لا كله و يلزم من ذلك ان يجاب عن السؤال عن كل فرد ببعض الكلي و هذا خلف ، و اقام علي ذلك البرهان بالتمثيل بالماء و البحر الي ان قال : و ليس الماء الكلي بشئ يتقطع و يتحصص الا ان يتقطع الجسم عن السيّالية و هما عن الباردية و هي عن الرطبية و ذلك لان التفكيك و التغيير في الشئ مع صدق الاسم علي كل حصة دليل علي انه في صورته المتممة لا المقومة و بالتفكيك و التغيير في المقومة يسلب عنه الاسم و لما رأينا ان التغيّرات الموجبة لاتسلب عن الماء اسم الماء عرفنا انه في صورته المتممة لا المقومة و اما اذا غيرت المقومة ففككت ما بين الجسم و السيلان و الرطوبة مثلا فكل حصة منها ليس بماء البتة و ليس لتحصيص الماء معني غير ذلك و اما تحصيص البحر فليس بتحصيص الماء ، الي ان قال : و بتمامه ايضا لايمكن ان يكون في كل فرد فان الشئ لايمكن ان يوجد في مكانين مختلفين في آن واحد فاذا لم‌يكن الكلي بكله و لا ببعضه موجودا في الفرد الخاص فانحصر الامر ان يكون وجوده عين وجود الافراد او يكون بظهوره ظاهرا في كل فرد و قد بيّنا بطلان الاول و نزيده هنا بيانا ان وجود الافراد عبارة عماذا فان كان المراد الكون في الخارج ففي كل حين لا بدّ و ان يكون بعض الكلي موجودا لا كله لان الافراد منه ما هو باق و منه ما هو فان و ليس جميع الافراد بموجود في الخارج ابدا و ان كان احيانا جميع افراد بعض الكليات موجودا في الخارج يمكن فرض عدم بعضها و حصول افراد اخر لها و مع ذلك يصدق الاسم علي البعض و ان كان المراد بوجود الافراد حقايقها و موادها كما هو المتعارف بين الحكماء اذا قالوا وجود زيد مثلا يريدوه فهو عين المدعي [ص 118] و الاشكال فلا بدّ و ان يكون الكلي في رتبة اعلي من رتبة الافراد بسيطا اضافيا بالنسبة الي افرادها مبرءا عن حدودها مبعدا عن اقطارها منزها عن جهاتها مستعليا علي رتبتها سبوحا عن كمها و كيفها ، الي ان قال اعلي الله مقامه : فيكون في كل فرد متجليا بكله لاحديته معطيا اياه حدّه و اسمه و رسمه فكل فرد له حصة من كله اي ظهوره الكلي لا حصة منه كالامواج فان لكل حصة من البحر لا الماء و الماء قد احاط بالبحر و الموج و ليس من البحر اقرب منه من الموج ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه و هو كلام حكيم طويل رويت منه موضع الحاجة فظهر لك من هذا البيان الشريف ان نفس الكلي لاتتحصص و لاتحدّ بالحدود الجزئية ، هذا و قد ظهر لك مما ذكرناه سابقا و سيظهر لك مما نبيّنه فيما بعد ان شاء الله ان الصورة نهايات المادة فالمادة ان كانت كلية تنتهي بنهاية الكلية و ان كانت جزئية تنتهي بالجزئية فالجنس بجنسيته مطلق عن جميع القيود التي دونه من الانواع و الافراد فان الحيوان المطلق مثلا كلي منزه عن الفراسة و الشجاعة و الطيران و غيرها فكيف يتعقل ان يحدّ بها مع ان ذاته متعينة بالاطلاق عنها فالذي يعيّن بالفراسة نوره لا من حيث صدوره منه فانه من هذا الحيث ايضا مطلق بل من حيث ظهوره في نوعها الاتري ان فعلك من حيث صدوره منك لايوصف بالقيام اذ لايكون محدودا به و لذا يظهر في كل افعالك كقعودك و ركوبك و نومك و لو كان قياما لماظهر في الباقي و لكن بعد ما صدر منك يتجلي في قابلية القيام فيكون قياما فانت لست بنفسك مادة قيامك و لا فعلك من حيث صدوره منك بل مادة قيامك فعلك الظاهر فيه ثمّ ان قيامك يكون بالنسبة الي اقسام القيام نوعا فهو بنفسه مثلا لايكون منتصبا و لا منحرفا و لا و لا ، اذ لايحدّ بشئ منها و لكن له ظواهر في اقسام القيام و هي موادها الشخصية فافهم و ان فهمت مع هذا التكرير فاحفظه فانه اصل في الحكمة فان قلت ان لم‌تكن المادة النوعية بنفسها مادة [ص 119] فلمَ تسميها بالمادة اقول انا علي اصطلاحنا نسمّيها بالوجود كما نسمّي صورتها بالماهية لانها حقيقة الشئ التي اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام و لانسمّي بالمادة الا المادة الشخصية لان المادة ما يصنع منه الشئ و لا شك انك لاتصنع الشخص من النوع فانك تقول صنعت الخاتم من الفضة و مرادك الفضة الخاصة لا المطلقة و لكنا ربما نسمّيها بالمادة علي لسان القوم و يمكن ان يستقيم معناها ايضا اذ المادة بمعني الاصل و المنبع و لا شك ان النوع اصل جميع الافراد فان كلها يصدر منه بمشية الله و يأتي من قبله فهو منبع الجميع لا بمعني انها خرجت منه بل بمعني انها قائمة به في مقاماتها موجودة بوجودها كقيام الاثر بالمؤثر و النور بالمنير فان الشمس مثلا ينبوع الانوار و اصلها و مع ذلك هي لم‌تخرج منها بل اوجدتها بلا كيف و لما استضاءت لنا قلنا قد اضاءت لنا .

فصل - قد ظهر مما مضي امر المادة الشخصية ايضا و لكن احب ان افرد لبيانها فصلا خاصا لايضاحها للمبتدي فاقول ان المادة الشخصية لكل شئ حصة من العالي فيه و ذلك ان كل موجود مركب من جزئين و انت بحادّ النظر تفرق بينهما و تعرفهما فاذا نظرت الي السرير الخاص تري قطعة خشب مخصوص قد تصورت بصورة السرير مثلا و هذا الخشب الخاص بالنسبة الي صورته مادة سايلة يمكن ان تتلون بالوان مختلفة و كيفيات غير مؤتلفة و اوضاع متفاوتة و ان كان اصل جوهر السرير و الخشب الشخصيين باقيا علي حاله و لكن عوارضه لاتعدّ و لاتحصي و هذه القطعة من الخشب تصلح لجميعها و تظهر في جميعها غاية الامر ان بعضها مما يمكن وروده عليها في آن واحد لعدم المضادة و بعضها لايرد الا في دفعات و ذلك امر بيّن ظاهر فالقطعة الخاصة من الخشب بالنسبة الي هذه الصور مادة السريان و هي حدودها الشخصية الواردة و مع ان في الواقع الخارج لاتقوم هذه القطعة الخاصة بدون صورة من هذه الصور و لكنك في [ص 120] الوجدان تقدر علي التفريق بينهما و هذا المثل المذكور تقريبي فانه في عالم الاعراض و لهذه القطعة الخاصة ايضا نوعية و الا فالمادة الشخصية لاتكاد تتصور بغير صورة واحدة و من باب توضيح البيان ربما نمثّل بهذه الامثال و الامر بذلك يشتبه للمبتدي و سيتضح لك حقيقة المادة الذاتية في الفصل الآتي ان شاء الله و مرادي بيان صرف التشخص فاقول بعد ما عرفت المثال في المادة العرضية ان حقيقة السرير من دون ملاحظة المادة العرضية لها مادة و صورة ذاتيتان شخصيتان اما صورتها فنفس السريرية الخاصة و هي حدودها و تعيّناتها و اما مادتها فحيث السرير الي السرير المطلق فانت اذا نظرت الي هذا السرير الخاص من دون ملاحظة حدوده مع الالتفات الي شعاع العالي فيه لوجدت المادة الشخصية و هي مقام سيلان الصورة الخاصة و ذوبانها و عدم تعيّنها و في الواقع الخارج لايفرق بينهما ابدا و لكن في النظر يفرق بينهما بالوجدان و الفرق بين المادة الشخصية و بين المادة النوعية ظاهر لمن كان له عينان و سيجيئك زيادة البيان ان شاء الله .

فصل - اعلم ان كل شئ في الدنيا له مادتان مادة عرضية و مادة ذاتية و كذلك الامر في الصورة اما المادة العرضية فهي الاركان المتخذة من العناصر الخارجة من نوع الشئ بالمرّة لظهوره و هي ليست منه و لا اليه بل ربما يظهر علي غيرها ايضا يوما و اما المادة الذاتية فهي الحصة المتخذة لخلق الشئ من نوعه ، مثال ذلك السرير المذكور آنفا فانك اذا نظرت اليه بحادّ النظر تجد شيئين مخالفين خشبا و سريرا اما الخشب فهو شئ موجود قائم بمؤثره في الخارج و هو من افراد الخشب المطلق و هو ليس من السرير و لا اليه بدؤه من نوعه و عوده اليه و شاهد ذلك ان هذه القطعة المصورة بصورة السرير ربما تتصور بصورة الباب و ربما تتصور بصورة اخري و ربما تنقلب الي صورة السرير ثانيا و هي في جميع هذه الحالات خشب و لايتفاوت الا في الصورة العارضة و اما [ص 121] السرير فهو ايضا صورة عارضية للخشب ربما تعرضه و ربما تعرض غيره و هي هي الاتري انها ربما تعرض الحديد و الذهب و الفضة و العظام و غيرها من المواد الدنيوية و لو كان شئ منها مما به السرير سرير لماكان يفارقه ابدا بل كان يوجد معه علي مادة اخري كما ان جميع ما به السرير سرير يكون معه علي كل مادة فان الخشب مثلا لو كان ركن السرير او شرطه او ملازمه او علته او معلوله لكان معه في كل حال و كان يوجد معه علي الحديد ايضا و انت تري ان السرير يظهر علي الحديد و ليس معه ذكر من الخشب فعلم من ذلك انه لا منه و لا اليه ابدا فالخشب مادة عرضية للسرير ربما يظهر عليها و ربما يظهر علي غيرها و كذلك ساير المواد العرضية و بلسان اهل المنطق بينهما عموم و خصوص من وجه فمرجعهما الي موجبتين و سالبتين و لكن بلسان اهل الحكمة بينهما مخالفة و المرجع الي سالبتين و لا شئ من السرير بالخشب ابدا و لا شئ من الخشب بالسرير ابدا نعم ربما يظهر السرير علي الخشب بالعرض و بالعكس ثم يرجع كل واحد الي مبدئه من دون ان يعرضه شئ من الآخر فالخشب مادة عرضية للسرير و السرير يقوم بها بالقيام الظهوري بالعرض في الحيوة الدنيا علي نحو التبادل اي لو لم‌يكن هذا الخشب يظهر علي غيره لا الركني و كذلك الصور العارضة للسرير الخشبي كلها عارضية ربما نشير اليها في مقامها و اما المادة الذاتية له فهي ركن وجوده و جزؤه الذي بوجوده يكون السرير سريرا و بفنائه يفني السرير و لايبقي ابدا و السرير يقوم بها و بصورته قياما ركنيا و هي حيث السرير الي نوعه فانك قد عرفت سابقا ان حصة من الجنس تتصور بصورة النوع في مقامه و حدّه فالمثال المطلق مثلا يتجلي الي السريرية المطلقة و تجليه ذلك اعلي درجة السرير المطلق لا غير و يسمّي بتجليه لفنائه فيه و حكايته له و ذلك قوله عليه السلام في العالم العلوي تجلي لها بها و بها امتنع منها ، و اسفل درجة السرير الذي هو مقام حدود السريرية [ص 122] و نهاياتها و تعيّنها مقام الصورة النوعية و الفصل لا انه يؤخذ في الواقع حصة من الجنس و تصوّر بالفصل كما زعموا او ينفصل منه شعاع غير اعلي درجة النوع فافهم ثمّ ان لهذا النوع شعاع و نور مطلق من حيث الصدور متعين من حيث المتعلق و بعد ما تعلّق هذا النور بالاشخاص المتعينة الواقفة تحت النوع تخصص في بطونها و خصوصيته منها و بها لا من حيث الصدور و مثال ذلك في عالم الاعراض نور الشمس فانه من حيث صدوره منها واحد نوعي مثلها لايخصّ وضعا دون وضع و كيفا دون كيف و كذلك ساير الاعراض و لكنه بعد ظهوره في الزجاجات المختلفة بالهيئة و اللون يتعيّن فيها بها منها لا قبلها و اذا كسرت الزجاجات تعود علي هيئتها يوم صدورها من الشمس كما بدأكم تعودون ، افهم ذلك عني فالنور الظاهر في المرآة مركب من نورانية اصلها من الشمس و لون من قبل المرآة و نوره يسمي بالمادة الشخصية و لونه بالصورة الشخصية و ذلك ايضا في عالم الاعراض اذ المرآة كالمادة العرضية المذكورة آنفا و اما مثال الذاتي بالنسبة فنفس الشبح الذاتي من دون ملاحظة اللون و الشكل له مادة و صورة اما مادته فظهور الشمس المرئي المشهود به منه و اما صورته فنفس خصوصيته و بينهما كمال الاتحاد في الوجود الخارجي اذ تركيبهما تركيب خلود بالنسبة و قولي بالنسبة لان ذلك ايضا عرضي دنياوي فان اصل الشمس دنياوي فكيف بانوارها و اشعتها و لكن المراد تقريب الذهن فحاصل القول ان شعاع النوع المتصور في الصورة الشخصية مادتها و هو مقام سيلان هذه الصورة و صلوحها لا بمعني ان النور الساطع قبل الظهور في مرآة القابلية مادة شخصية فانك قد عرفت انه نوعي و لكنه مادة شخصية في بطن الصورة فانت اذا نظرت اليه من حيث انه نور العالي الذي تخصص يكون مادة ذاتية و اذا نظرت الي الخاصة و رأيتها تكون صورة و هما في غاية الاتحاد و تركيبهما سرمدي لايبطل ابدا ثمّ ان هذه المادة المركبة مع الصورة معا قد تسمّي بماهية الشئ [ص 123] و هي مطلقة بالنسبة الي المتممات التي دونها و متمماتها اعراضها في عالم المثال و الدنيا ، مثال ذلك زيد مثلا فان الانسان المطلق نوعه و له مادة نوعية تنوعت في بطن الانسانية و له شعاع تشخص في قابلية زيد فما من الانسان مادة شخصية و ما من زيد صورة و حدّ و ذلك قوله تعالي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، و الحاصل منها زيد الباقي الدائم الذي لايزول و صورته هذه مقومته و هو قائم بالانسان النوعي قيام صدور اذ هو منيره و مؤثره و مبدؤه و حقه و غير ذلك من الاسماء و بمادته اي شعاع المؤثر و صورته قيام ركن اذ هما اركان وجوده و اجزاؤه و صورته تقوم بمادته قيام تحقق اذ ليست الصورة الا جمود المادة و الانجماد لايقوم الا بالمادة السائلة و لولاها لماحصل انجماد فحصول الصورة بالمادة و خلقتها بها و ما ننكره علي القوم قولهم ان الماهية ليست مجعولة بجعل خاص ليس من باب انها مجعولة بنفسها بل مرادنا ابطال رأيهم انه لم‌يتعلق بها جعل مطلقا و لكن لا شك انها مجعولة و الجعل المتعلق بها تابع للجعل المتعلق بالوجود و الوجود سبب وجودها و مبدؤها و قد خلقت من نفسه و ضلعه المعوج فافهم فتحقق الصورة بالمادة و المادة ايضا قائمة بالصورة قيام ظهور لان ظهور المادة في بطن الصورة فانها اي المادة صادرة من نوعها و قائمة بها قيام صدور و لاتقوم بغيره و لكن لاتكاد تظهر الا بصورة و ذلك محال في الحكمة فان ظهور كل شئ بعينه و لولاها لبقي في عدم الامكان هذا و الصورة لازمة كون المادة مادة و لولا الصورة لكانت المادة طبيعة مطلقة فمادية المادة بالصورة فلا بدّ من ظهورها بها و لا بدّ من وجود الظهور ايضا لقوله عليه السلام الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور كليات الحكمة ما لم‌تكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، ففي الحقيقة قيام كل واحدة منهما بالاخري قيام تحصّل و تحقق بل لا علينا ان نقول ان قيام ظهور الشئ بمتممته فافهم عني هذه البيانات [ص 124] فانك لاتجد بوضوح ما بيّنت الا في بعض رسائل ابي (اع) ان عرفت لحن كلامه فزيد الذاتي مركب من مادة ذاتية هي شعاع المؤثر فيه و صورة هي ما به يمتاز عن عمرو و بكر و كل ما يخرج منهما اعراض زايلة فالبدن العنصري مركب عرضي لزيد و ليس من ذاتيته في شئ و بينهما عموم و خصوص من وجه اليس يمكن ان يستحيل بدن زيد الي بدن عمرو فيصير حاكيا له كما كان حاكيا لزيد فان عمرا اذا اكل بضعة من بدن زيد تستحيل في بطنه الي بدنه و يؤخذ منها دمه و يتصاعد منه روح بدني و روح حيواني و يظهر منه عمرو و يقول انا عمرو بعد ان كان يقول انا زيد كما ان زيدا اكل بضعة من الغنم و صارت بدنه و ادعت الزيدية و الغنم اكل من نبات الارض و استحال الي لحمه ثم اكله زيد فصار بدنه و كذلك يمكن ان يستحيل بدن زيد ثانيا الي النبات و الجماد كما تري علانية انه يموت و يصير عظاما و رفاتا و يستحيل الي التراب كما قال الله تعالي منها خلقناكم و فيها نعيدكم و قال كما بدأكم تعودون ثمّ ينبت من هذا التراب نبات او يتولد منه او من نباته حيوان و لا شك ان جوهر زيد في جميع الحالات محفوظ مذخور في خزينته و لاينقلب الي غيره و هو هو بدءا و عودا و لكن عرضه دايم الاستحالة في حيوته و مماته و كلما اخذ في الدنيا بدن صالح لحكايته ابتداءا او بالاستحالة يظهر منه روح زيد ببدنه الذاتي بمادته و صورته و من هذا الباب ما كان الانبياء يحيون الاموات و من هذا الباب الرجعة فتدبر فقد والله اسقيتك ماءا غدقا و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و اعلم ان الصورة الذاتية حكمها حكم المادة في الثبات و البقاء و الاختصاص و هي خاصة الشئ و الصورة العرضية عرض عام تابع للمادة العرضية في عمومها و يكفي هذا القدر من البيان ان شاء الله .

فصل - و لما اتينا علي مجمل من امر المادة ناسب ان نذكر صفة الامكان بقدر الميسور و لا قوة الا بالله فاعلم علي بركة الله ان لفظ الامكان [ص 125] في استعمالات الجمهور من الناس يقع علي ما في قوة سلب امتناع ذات الموضوع او سلب امتناع النسبة بين طرفي العقد و الامتناع هو ضرورة انتفاء الموضوع في نفسه او ضرورة عدم النسبة و هذا هو الامكان العام في استعمالهم قال الملا صدرا (ره) في بيانه : فصار معني الامكان بحسب استعمالهم سلب ضرورة الطرف المقابل و انما توصف به النسبة المتحققة علي طريقة المجاز من باب وصف الشئ بحال متعلقه غير الواقع في نفس الامر فعندهم ما ليس بممكن فهو ممتنع و الممكن واقع علي الواجب و علي ما ليس بواجب و لا ممتنع و لايقع علي الممتنع الذي يقابله ، و قال و لما لزم وقوع الامكان علي ما ليس بواجب و لا ممتنع في حالتيه جميعا وضع منقولا خاصيا لسلب الضرورة في جانبي الايجاب و السلب جميعا و هو الامكان الحقيقي القابل للضرورتين جميعا و هو اخصّ من المعني الاول فكان المعني الاول عاما او عاميا و الثاني خاصا او خاصيا بحسب الوجهين و صارت الاشياء بحسبه علي ثلثة اقسام واجب و ممتنع و ممكن كما كانت بحسب المفهوم الاول قسمين واجبا و ممكنا او ممتنعا و ممكنا انتهي ، و قد يستعمل و يراد به ما يقابل الضروريات ذاتية كانت او وصفية او وقتية و قد يطلق الامكان علي معني رابع و هو ما بحسب حال الشئ من ايجاب او سلب في الاستقبال و هو الامكان الاستقبالي لكون ما ينسب الي الماضي و الحال من الامور اما موجودا او معدوما فالضرورة قد اخرجته من حاقّ الوسط الي احد الطرفين و لذلك اعتبره فرقة من المنطقيين لان الباقي علي الامكان الصرف ليس الا المنسوب الي الاستقبال من الممكنات التي يجهل حالها ، هذا منتهي فضلهم و تحقيقهم و ذلك مبلغهم من العلم و قد ذكرت سابقا ان جميع تحقيقهم في الالفاظ و المفاهيم لا غير و لكن مشايخنا اعلي الله مقامهم علمهم من آل‌محمد سلام الله عليهم و يطلعون علي الحقايق بفضل نور ساداتهم ثمّ يعبّرون عنها بالالفاظ فان وقفوا علي اسم من بين الاسماء يدل عليها [ص 126] علي نحو الحقيقة فهو المطلوب المستعمل و الا فيركبون لها الفاظا تدل عليها و بالجملة نحن نتكلم اولا هنا في نفس الامكان و بعض خواصه علي ما ارانا الله سبحانه ببركة آل‌محمد عليهم السلام ثمّ ننظر في مطابقة اسمه معه و وجه دلالته عليه فاقول اولا بنحو المجادلة لانها اقرب الي الاذهان النازلة ان الامكان اول هذا الخلق و مبدؤهم لانا نري ان كل الخلق من المشية و المشاءات توصف بالامكان فان ما سوي القديم جل شانه ممكن فان المشية ممكنة و الارادة ممكنة و العقل ممكن و الكل ممكن اذ لو لم‌تكن ممكنة لكانت واجبة قديمة او ممتنعة للحصر العقلي فان قلت بامتناعها فقد احلتَ فانه لا شك في وجودها و ان قلت بقدمها فقد قلت بتعدد القدماء و ذلك محال آخر فلا بدّ و ان تقرّ بوجودها و كونها ممكنة و ان اقررت بامكانها نقول هل هو امر ثابت توصف به الاكوان او محض اعتبار اما كونه اعتباريا فغير معقول كما سيجيء فلا بدّ و ان يكون وجوديا فاخبرني هل هو شئ موجود ثابت بفرده منفصل عن الاكوان او هو معها فان قلت بالاول يلزم المحال اذ لو كان موجودا لكان كائنا محدودا بنفسه فما معني انفصاله عن الاكوان و ما معني امكانه مع تعيّنه و يلزم ايضا عري الاكوان عنه و ان تكون غير ممكنة علي فرض الانفصال فهي واجبة او ممتنعة و الثاني معلوم البطلان و الاول ايضا غير معقول للزوم اتصاف الواجب بالامكان و غير ذلك من الادلة مما يطول بذكره الكلام فهو في الاكوان و معها غير منفصل عنها فهو مع المشية و المشاءات و لذلك تصف الجميع بالامكان فلا بدّ من معرفة ماهيته انه ماذا فهل هو محض صفة قائمة بالاكوان كالقيام و القعود او ذات مثلها او جزؤها و هذه مسألة معضلة لا بدّ من شرحها بقدر ما يقتضيه المقام و اري ان اذكر لك في صفة الامكان عبارات مولاي و سيدي اغلوطة الزمان و اعجوبة الاوان و من اتاه علماء عصره [ص 127] مطرقين ● بالاذعان ابي العلامة اعلي الله مقامه في الجنان فان المسألة معضلة و اَلسن التعبير متفاوتة و احسن القول قوله .

قال رفع كلامه و علا مقامه : ان الامكان صفة الكون فانك تصف الكون و تقول انه ممكن فان كان الكون الكون المطلق الراجح كان الامكان الذي هو صفته الامكان المطلق الراجح و ان كان الكون المقيد الجايز كان الامكان الذي هو صفته الامكان المقيد الجايز و كما ان الكون الجايز عرض و صفة للكون الراجح كان الامكان الجايز ايضا عرضا و صفة للامكان الراجح ، ثم فصّل الكلام بما مختصره : ان الله سبحانه خلق المشية اولا و بالذات بنفسها و سبب كونها مخلوقة بنفسها انها كون مطلق و لو كانت مخلوقة بغيرها لكانت مقيدة بغيرها و المفروض انها مطلقة فلايتقدمها شرط آخر غيرها لوجودها و حقيقة ذلك انها آية الذات الحق سبحانه و الدليل عليها فكما انه سبحانه قائم بنفسه كان نوره الاول و ظهوره الاجل ايضا قائما بنفسه و الفرق انه قائم بنفسه لنفسه و ذلك الظهور قائم بنفسه لغيره و لما كان اول ظهوره سبحانه لم‌يكن متوقفا علي ظهور آخر خلقت المشية اولا لا من مادة سابقة و لا علي هيئة متقدمة فلما خلق المشية و هي غير احدية خلقها في وقت و هو السرمد و في مكان و هو الامكان و هما من حدود الاعيان و صفات الاكوان ، لايقال اذا كان الامكان من صفات المشية فهي عالية عليه فهي في ذاتها قديمة فان كل صفة تغاير الموصوف ما لم‌يكن الشئ مطلقا فاذا كان الشئ مطلقا لا عن مادة و لا عن صفة كانت اجزاء كونه مما يمتنع ان يقوم احدها الا بالآخر سواءا كان في الخارج او في الذهن اذ لو كانت اجزاؤه يقوم بعضها بنفسه دون الآخر في عرصة من العرصات لكان المركب مقيّدا حاصلا عن مادة سابقة و صورة تابعة و غيرها و المفروض انه مطلق عن القيود فهي متساوقة [ص 128] بل لايقال لاحد اجزائه انه غير الآخر فان الغيرية وصف مميّز للشئ و ليس لاحد الاجزاء وصف مميّز عن الآخر بل نفس السرمد و الامكان وصف مميز للوجود المطلق عما سواه و هما وصفان له و هو الموصوف بهما فاذا لايمكن ان يقال ان الوجود المطلق قبل الامكان كيف كان اذ لم‌يكن ابدا الا في الامكان .