بقي شئ ابيّن لك كلام شيخنا و سنادنا فيه نور احمدي قال اعلي الله مقامه في شرح المشاعر و قد سبق منه كلام في شرح قوله اعلم ان العارض علي ضربين عارض الوجود و عارض الماهية الخ ، و قبل ذلك ايضا في سرّ التشخص و قد قدّمنا انه ليس المراد بالوجود الخلق الا الهيولي و ان وجود الانسان مادة نوعية و هي حصة من تلك الهيولي و ان وجود زيد مادة فردية شخصية و هي حصة من النوعية و ان الصورة للانسان هي الفصل و لزيد حصة من ذلك الفصل و اعلم ان الجنس عندنا في عالم الملكوت و الصورة الجوهرية في اللوح المحفوظ و المثالية بين الملكوت و الملك فاذا قلنا ان الجنس متقوم بالفصل نريد بان نزول حصة منه بل جميع حصصه الي الملك او الي الملكوت و ان كان الجنس في الجبروت متوقفة علي انضمام الفصول اليها فحصة الانسان من الحيوان الذي هو الجنس عندهم و هو الوجود عندنا متوقفة النزول او الظهور المعبّر عن كل منهما بالكون في الاعيان و هو المعني المصدري للوجود علي انضمام الفصل و هو الناطق و هو حصة نوعية من ظل الصورة النوعية الانسانية اعني الحقيقة المحمدية و الحصص المادية اشباح اشعة مادتها و الحصص الصورية اشباح اشعة هيئتها و الاجناس و الانواع و الاشخاص مذروءة في مراتب ظهوراتها بآثارها و آثار آثارها لا بذاتها ففي كل رتبة من [ص 79] ظهوراتها جنس و انواع له و افراد لانواعه من جنس تلك الرتبة و هكذا الي ما تحت الثري ظلا او عكسا هذا في حصص المواد منها و في حصص الصور من هيئاتها كل صورة من نوع مرتبة مادتها فلايخلق عالٍ من سافل و لا سافل من عالٍ و ليس في جميع المراتب و لا في كل مما فيها من جنس او نوع او شخص من ذات الحقيقة المحمدية شئ الا ما كان من اشعتها و اشباحها و اشعة اشعتها و اشباح اشباحها و هكذا و هي في رتبتها لمتتنزل بذاتها و لمتخرج عن حكم سرمديتها و مثالها كقرص الشمس و السراج لميخرج جزء منها في الاشعة و لميخل شئ من الشعاع عن ظهور منيره به له و فيه فافهم ثم اعلم ان الحيوانية التي يعبّرون عنها بالتحرك بالارادة كانوا قد جعلوا الحيوان جنسا لكل متحرك بالارادة فيأخذون منه اي من هذه الحقيقة حصة فيضمون اليها الناطق و يقولون هذه حقيقة الانسان من نبي و مؤمن و جاهل و كافر و يأخذون من تلك الحقيقة بعينها حصة و يضمون اليها الصاهل و يقولون هذه حقيقة الفرس عتيقها و هجينها و مقرفها و يأخذون منها ايضا حصة و يضمون اليها النابح و يقولون هذه حقيقة الكلاب بجميع اصنافها و يأخذون حصة منها و يضمون اليها الناعق و يقولون هذه حقيقة الغراب بجميع انواعه و هكذا و يلزم من هذا تساويها في الحيوانية التي هي الوجود او المادة او كالمادة علي قولهم لا تمايز بينها الا بالفصول التي هي الصور او كالصور عندهم و يلزمهم ان حيوانية الانبياء عليهم السلام من طينة الحيوانات و الحشرات تجمعها رتبة واحدة من الوجود فطينة اول الخلق من طينة الحشرات و العياذ بالله او انهم انتزعوا مفهوما كليا من مدلول اللفظ (كذا) المتحرك بالارادة و علي هذا ان صدق علي الحيوانية الخارجية و لو في افرادها رجع عوده علي بدئه و ان لميصدق فتلك الانواع لميخلق مما في اذهانهم و انما خلقت مما هو في الخارج و الا لخلقوا و خلقت اذهانهم مما في اذهانهم و اما علي قول ساداتنا عليهم السلام فكل جنس من رتبته [ص 80] و انواعه حوله و افراده كل حول نوعها فقد خلقت حيوانية محمد و آله صلي الله عليه و آله قبل خلق حيوانية انبياء الله عليهم السلام بالف دهر كل دهر مائةالف سنة او ثمانونالف سنة ثم خلقت حيوانية الانبياء عليهم السلام من شعاع الاولي قبل خلق حيوانية الناس بالف دهر ثم خلقت حيوانية الملائكة ثم الحيوانات فكل متأخرة حقيقة بعد حقيقة ما قبلها او مجاز بالنسبة اليها و لايصدق الاسم عليها بالاشتراك اللفظي و لا المعنوي الا بلحاظ المفاهيم كما مرّ نعم الاشتراك في التسمية خاصة و لو قيل بالاشتراك امكن تصحيحه علي تأويل و الكلام في فصولها كالكلام فيها هكذا ما هو المعلوم عندنا من مذهبهم عليهم السلام و لو قيل بان الحصص لا وجود لها و لا تحقق الا بانضمام الفصول قلنا يمكن توجيهه بان نقول ان الحصة المقبولة التي هي حصة الحيوان و حصة الوجود كحصة في زيد يتوقف وجودها علي وجود قابلها التي هي الماهية الاولي اعني الانفعال كالانكسار و الكسر و هي الصورة و هي الفصل الا انا نقول ان توقف وجود المقبول علي وجود القابل توقف ظهور و توقف وجود القابل علي وجود المقبول توقف تحقق ، فافهم ان شاء الله راشدا موفقا و قد ذكرته بتمامه لكثرة فايدته فاضبطه .
تذنيب - في تعريف الجنس و النوع و الفصل ، قال شارح المطالع لفظة الجنس كانت فيما بين اليونانيين موضوعة لمعني نسبي يشترك فيه اشخاص كالعلوية للعلويين و المصرية للمصريين و للواحد الذي ينسب اليه الاشخاص كعلي و مصر لهم و كان هذا اولي عندهم بالجنسية و للحرف و الصناعات بالقياس الي المشتركين فيها و بالشركة ايضا ثم نقلت الي المعني المصطلح لمشابهة تلك الامور من حيث انه معقول واحد له نسبة الي كثرة يشترك فيه و هو المقول علي كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو و لفظ النوع كان في لغة اليونانيين موضوعا لمعني الشئ و حقيقته ثمّ نقل الي معنيين بالاشتراك احدهما [ص 81] يسمّي حقيقيا و الآخر اضافيا اما الحقيقي و هو المقول علي كثيرين مختلفين بالعدد فقط في جواب ما هو فالمقول علي كثيرين جنس و المراد به ما هو اعم من المقول علي كثيرين في الخارج و الذهن و اما الاضافي فهو الكلي الذي يقال عليه و علي غيره الجنس في جواب ما هو قولا اوليا و قال الشارح في تعريفه انه اخص كليين مقولين في جواب ما هو و يزداد حسنا لو قيل الكلي الاخصّ من كليين مقولين في جواب ما هو و قال حاكيا عن كلام الشيخ في الشفاء ان الفصل له معنيان اول و ثانٍ لا كالجنس و النوع فيهما فان المعني الاول فيهما كان للجمهور و في الفصل للمنطقيين يستعملونه فيه و هو ما تميز به شئ عن شئ لازما كان او مفارقا ذاتيا او عرضيا ثم نقلوه الي ما يميز به الشئ في ذاته و هو الذي اذا اقترن بطبيعة الجنس افرزها و عيّنها و قوّمها نوعا و حكي عن الاشارات انه الكلي الذي يحمل علي الشئ في جواب ايّ شئ هو في جوهره و مرادهم ظاهر لاهل فنّهم و ذلك مبلغهم من العلم فانهم وصفوا علمهم بما يصلح به مادة الفكر و لكن لميخرجوا من حدّ الالفاظ و ملاحظة مدلولاتها و مفاهيمها و نسبها و لميزدهم ذلك الا بُعدا اذ كلها راجعة الي صورة الفكر في مقام التعبير او التفكر في نحوه و كيف يصلح بها مادته اذ هي راجعة الي معلومات قطعية بالضرورة و نحوها و لايحصل العلم بها بالادلة المنطقية بداهة بل لتحصيلها سبيل آخر ، هذا و بناء علومهم و ادلتهم علي الرأي و ماامرنا بذلك و لو كنتُ بصدد هذه البيانات لبينتُ لك خطاءهم و لكن اقول بقدر ما يحتاج اليه المبتدي في معرفة حدودها ان نوع الكلي يحدّ بما رويته سابقا عن ابي اعلي الله مقامه و الجنس الحقيقي هو الجوهر او الموجود المتجلي في افراد مختلفة بحسب النوع و النوع الحقيقي هو الجوهر او الموجود المتجلي في افراد مختلفة الاشخاص و الفصل في الحقيقة هو الصورة الذاتية مطلقا و بالمعني الثاني هو فعلية تميّز بها افراد من افراد او يخصص بها [ص 82] ظهور الجنس في مظاهره هذا ما سنح بالبال في حدودها حين الكتب و مرادي تحديدٌ مّا و ما قالوا اكثره خطاء فان المقول في جواب فلان لايكون حدّا للشئ بل هو جواب مبهم و ليس ذلك الا كأن تقول في جواب من سألك عن ماهية الماء انها ما تطلبه حين العطش و الخبز ما تأكله مثلا فان ذلك ليس تعريفا بل هو رمز قليل الفائدة و كذلك قولهم في تعريف النوع انه المقول علي كثيرين مختلفين بالعدد خطاء فان اختلاف العدد يجري في شخصين من نوع و من نوعين فان السيف المصنوع من الحديد و المكحلة المصنوعة من الذهب مختلفان في العدد و لايقال عليهما الحديد فالاولي ان يقال مختلفين في الصورة الشخصية فقط بالجملة العمر اعزّ من ان يصرف في هذه التدقيقات .
احقاق حق - قيل ان تقوّم الجنس بالفصل و هو ليس بحسب الخارج لاتحادهما في الوجود و المتحدان في ظرف لايمكن تقوم احدهما بالآخر وجودا بل بحسب تحليل العقل الماهية النوعية الي جزئين عقليين و حكمه بعليّة احدهما للآخر ضرورة احتياج اجزاء ماهية واحدة بعضها الي بعض و المحتاج اليه و العلة لايكون الا الجزء الفصلي و قيل ان الفصل مقيسا الي النوع مقوّم له و مقوّم العالي مقوم للسافل من غير عكس و بالنسبة الي الجنس مقسم له و مقسم السافل مقسم للعالي من غير عكس و بالنسبة الي حصة النوع من الجنس علة لوجودها ، هذا غاية حظهم من هذه المسألة و انا اقول اولا في الاول ماذا تريد من اصل تقوم الجنس بالفصل فان اردت من ذلك القيام الوجودي او التحققي فذلك خطاء لان الفصل صورة النوع و هو اسفل من الجنس و قد عرفت ان الفصل مخلوق من صورة الجنس و مادته من مادته و الجنس قائم بمشية الله قيام صدور و وجود و بمادته و صورته قيام ركن و تحقق و ان اردت قيامه به قيام ظهور فحق و لكنه موجود في الخارج و العقل ينتزعه منه كما ذكرناه مرارا و اما علية الفصل للجنس فذلك خطاء آخر فانه علة صورية [ص 83] للنوع لما عرفت سابقا و لكنه لايكون علة للجنس بوجه فانه لايكون صورته و لا فاعله فان صورة الجنس الجنسية و فاعله الرب جل و عز بيده و هي نور مشية الله فيه و السافل لايكون علة وجود الاعلي بل الاعلي علة وجوده فالجنس علة للنوع بمادته و صورته و قد نشأ هذا الكلام من زعم بعضهم ان الفصل هو الوجود و الماهية كلية مطلقة و قد مرّ سابقا بيانه و ذكر بطلانه و نزيد علي ما قلنا ان المراد من الوجود ان كان هو الله فجل و عز ان يركب مع الاجناس فانه لايكون حاملا و لا محمولا بل هو خالق الجنس و الفصل و لايوصف و لايحدّ بهما و ان كان المراد منه المعني المصدري فذلك صفة و لاتكون ذاتا حتي تصير فصلا و جنسا و ان كان المراد المادة فهي قوة و صلوح و الاختصاص من الفعلية و هي الفصل و هو الماهية و اقول ثانيا في الثاني ان الفصل صورة للنوع و هو قائم بها و بحصة من ظهور الجنس قياما ركنيا لا بالقيام الصدوري و المقوم كما صرّح به الشيخ المحدث و كيف يجوز ان يكون الجزء محدثا للكل و كذلك بالنسبة الي حصة من الجنس ايضا لايكون علة لان نفس الجنس اعلي منه وجودا و ابسط ظهورا ، هذا و هو بنفسه لايتحصص و ما يظهر في الفصول ظهوره و هو قائم به قيام صدور و بالفصل قيام ظهور فما معني هذا الكلام الذي يقولون برأيهم من غير اخذ عن آلمحمد سلام الله عليهم و هذا شأن من يعتقد عدم لزوم مطابقة علمه للشرع و اما نحن فنقول متبعا لآلمحمد عليهم السلام ان الاختصاص من الصور و كذلك نقول ان الجنس بنفسه قائم بمؤثره و مادته و صورته و لكن ظهوره في الخارج في انواعه و افراده و هي كلها مظاهره و مجاليه و ليس هو بذاته جزؤها و لا في ضمنها و لكن وجودها وجوده و كونها له و ان عرفت ذلك فانت انت و نحن اذا نظرنا اليها قاطعا نظرنا عنها نجده كما تري ان الجسم المطلق ظاهر في العرش و الكرسي و الافلاك و منها و لها و بها و كلما نظرنا اليها مع عدم الالتفات الي خصوصياتها نجده [ص 84] فافهم و مما ذكرناه عن شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه تعرف كيفية خلقها و يكشف لك الحق في جميع ما قالوه و لانحتاج بعد الي نقل قولهم و ردّه .
فصل - قال الآخوند (ره) قد ذهب بعض الناس الي نفي الاجزاء العقلية في البسايط و ارجعها الي اللوازم بان يكون اللازم المشترك هو الجنس و اللازم المختص هو الفصل ثم ردّ عليه بما ردّ و بيّن من الحق عنده ما بيّن و لكني اقول ان هذا الكلام له وجه صحيح عندنا و هو سرّ من اسرار آلمحمد عليهم السلام و انا اشير اليه في الجملة فاقول ان الحقيقة هي نور الله سبحانه و آيته و النفس التي قال من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال الله تعالي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها فلا تعدد فيها و لا تكثر و هي ابسط ما يمكن و كلما نعرفه من الاحدية و امتناع التركيب في الله سبحانه و التنزه نعرفه منها و ذلك من اعجب العجاب ان كنت من الواردين عليه من الباب و قد اشرنا الي ذلك في تلو ما مضي و سيأتي الكلام بعد فيما بقي ان شاء الله و هذه الحقيقة الواحدة هي النقطة التي كثّرها الجاهلون و النور الذي انزله الله فيما كان و ما يكون و قد اشار الي ذلك الله في كتابه بقوله و النور الذي انزلنا و هو امر الله الذي قال تعالي و ما امرنا الا واحدة و الحقيقة التي سأل كميل اميرالمؤمنين عليه السلام عنها و اجاب ، الاتري انه عليه السلام قال كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، و عدّ جميع ما سواها السبحات و هي مظانّ النور و سبحات وجه ربنا جلاله و عظمته و قيل نوره و المراد منها في المقام جميع ما سوي الحقيقة اذ كلها انوارها و صفاتها او محالّ نورها فان اردت الاطلاع عليها لا بدّ لك من الكشف عن جميعها و رسم العبارة علي الظاهر ان يقال كشف الحقيقة او الكشف عنها فان كَشَفَهُ و كَشَفَ عنه بمعني اظهره او رفع المانع الحاجب عن وجهه و في مثل المقام المراد ذلك لا كشف السبحة فان المراد سترها و لذلك وجوه كثيرة لا اقبال لي الآن الي ذكرها الا اني اشير [ص 85] الي وجه خفي و هو ان الحقيقة بنفسها لاتري و لاتكشف عنها مع السبحات و بدونها فان المدركية وصف و لكل صفة موصوف و دون الحقيقة تفسخت النعوت كلها و بلسان اهل العلم الحقيقة مقام نفس الشئ و كونها هي هي و كل ما خرج عن مفهوم هي هي غيرها و منها المدركية فهي غيرها و كل ما هو غيرها دونها لا محالة فالحقيقة لاتدرك و ان كشف عنها بل لايكشف عنها مع انها مكشوفة نعم هي تعرف نفسها لا غير و لكن السبحات لها حيثان حيث انية و عبودية و حيث نورية و آئية فاذا نظرت اليها بالاشارات الحسية وجدت نفوسها و هي جهة وصفيتها و ان نظرت اليها بنظر الفؤاد قاطعا نظرك عن جميع المشاعر و مدركاتها وجدت الحقيقة و معرفتها معرفتها و ذلك نصيبك من المعرفة و ما ذكرته كلام بديع ان عرفته و بالجملة فقال عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة ثم قال بعد ما طلب كميل الزيادة محو الموهوم و صحو المعلوم ، يعني ان الحقيقة ماحية لجميع الموهومات و الموهوم انت و امثالك و يظهر بعد محو الجميع المعلوم الحقيقي الذي هو الحقيقة اذ هي الجوهر و ما سواه صفة و عرض كما قال الاول :
يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض
و كذلك بيّن عليه السلام ما بيّن في صفتها و لست هنا بصدد شرحها و المراد ان جميع ما سوي الحقيقة اعراض و صفات قائمة بها و هي واحدة منزّهة عن الكثرات الصورية اذ معادها الي سدرة المنتهي و هي عرصة النفس مقام وجود جبرائيل و انت تعلم ان جبرائيل ملك الخلق و جميع خلق الله مخلوقون بيده فان وقف في مقام السدرة فالصور المخلوقة به لاتجاوزها بطريق اولي و لما قام و قال لرسول الله صلي الله عليه و آله تقدّمْ قال له أفي مثل هذا المقام تتخلف عني قال لو دنوت انملة لاحترقت ، فالحدود النفسانية لاتجاوزها و الحدّ المعنوي ايضا لايجاوز عرصة الدرة البيضاء بالبداهة فان كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه [ص 86] بقي الحقيقة بلا حد نعم لها صورة ذاتية هي هي و لا غير معها فهي محيطة بجميع الاشياء ظاهرة في كلها و الخلق مرايا لحكايتها و بينها اختلاف فمنها كلي و منها جزئي و منها جنس و منها نوع و منها شخص و هي الواقفة علي الطتنجين الناظرة في المشرقين و المغربين و جميع ما سواها آياتها و علاماتها بل نقوش خيالاتها فهي قائمة بها فانها نقوش فحوانية و انوار مثالية و قد ظهرت في كل شئ بحسب قابليته ففي الجنس جنسية و في النوع نوعية و في الشخص شخصية ،
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات
و لاتزعم انها الله هيهات هيهات اين المخلوق من الخالق و المرزوق من الرازق و هو سبحانه اجلّ من ذلك بل هي نوره الذي قال عليه السلام لايري فيه نور الا نورك و لايسمع منه صوت الا صوتك و وجهه الذي قال كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و وليّه الذي قال انا الاول انا الآخر انا الباطن انا الظاهر و انا بكل شئ عليم و قد اشار الي ذلك ابي العلامة في مقامات و ذكره ايضا سيدنا و عمادنا اعلي الله مقامه حيث يقول في صفة السالك انه يبلغ مبلغا لايري في جميع الملك الا واحدا فيري شيئا واحدا سماءا و ارضا و برّا و بحرا و لاتزعم انه يكون المرجع في القيامة الي ذلك الواحد فيبطل الثواب و العقاب فان المرجع كالمبدأ بلا فرق و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون كما انك في الدنيا قائم و تعمل اعمالك و الحقيقة شانها ذلك كذلك في القيامة تقوم مجازي و الامر كذلك فان عرصة القيامة عرصة الذرّ عودا و هي دونها بدرجات و لايلزم مما ذكرناه اتحاد الحقايق بل الحقايق مختلفة كما ان الابدان متفاوتة و الحقيقة الاولي واحدة و لا ضير الاتري ان الجسم واحد و الابدان الجسمانية مختلفة و كذلك الانسان المطلق واحد و ارواح الاناسي متعددة و كذلك الحقيقة التي هي نور الله و آيته واحدة و مظاهرها كثيرة بلا نهاية فلاتغفل و اعرف اشارات الكلمات حتي تفوز بالمراد .
[ص 87] فصل - قد مرّ سابقا بيان عن شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه في خلق الافراد و الانواع و لكنه لمير الصلاح في بيان المسألة علي وجه يعرفها كل طالب و اما في هذا الزمان فيمكن اظهارها في الجملة فرأيت ان ابيّنها علي نحو الاختصار و لا بدّ اولا من مقدمة علي الاجمال فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية يمتنع معها ذكر غيرها بالنفي و الاثبات و الكلية و الجزئية و الابهام و التفصيل كما بيّنا سابقا و ذلك امر ظاهر و من العجب ان جماعة من الناس لميعرفوه مع ظهوره و تاهوا تيها بعيدا و لنعم ما ينسب الي الامام عليه السلام :
علم المحَجّة ● واضح لمريده و اري القلوب عن المحجة في عمٰي
و لقد عجبت لهالك و نجاته موجودة و لقد عجبت لمن نجا
و بالجملة فذات الله منزهة عن جميع الكثرات مقدسة عن كل الاسماء و الصفات و لايعتريها تغيّر الحالات و قد تجلت لا بتغيّر حالة و لا بتحوّل صورة اول ما تجلت لا باولية عددية للمشية بلا كيف و لا وضع و لا مكان و لا زمان بلا علة و غاية و مادة و صورة سابقة غير نفسها كما مرّ سابقا بل خلقها بها لها منها فيها عليها و هي اصل كل موجود و وجه الله في الغيب و الشهود و منها يؤتي و يعبد و منها يظهر انواره و هي في غاية الوحدة فان الاول لايفرض تكثّره و لاتكون متعددة ايضا فان كل متعددين فوقها جامع لا محالة اذ مع عدم الجامع لايفرض التعدد و لذا يقال ان بناء التثنية و الجمع لايجوز من متعددات لايجمعها جامع فلايقال الله و زيد اثنان و لكن يقال زيد و عمرو اثنان لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلثة و ما من اله الا اله واحد و ان لمينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم ، فانه من عرضها و لكنه قال ما من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر [ص 88] الا هو معهم فعلي ذلك ان كان مع المشية ما يعدّ معها فهو في عرضها و فوقها جامع البتة و ان لميكن معها فهو اما ادني منها او فوقها و الثاني غير مفروض و الاول ان كان فهو مخلوق بها و اما في الشق الاول فننقل الكلام الي الجامع هل هو حق او خلق او ثالث ، اما الآخر فمحال اذ لا ثالث بينهما و اما الاول فلا شك انه لايكون جامعا لخلقه فان الجامع مادة نوعية و الله لايكون مادة و اما الثاني ان كان فهو مشية و الكلام فيها او مشاء ففوقه مشية لا محالة فتدبر فالمشية واحدة لا محالة و ليس معها غيرها و هي في نفسها ايضا واحدة اذ لمتخلق من اصول ازلية و لايسبقها غيرها و لا اجزاء سرمدية اذ هي هي السرمد بنفسها و لا سرمد سواها و لا عناصر دهرية اذ هي مخلوقة بها بعدها فهي في غاية البساطة المتعقلة لها فلا ذكر للكثرات عندها نعم هي الذكر الاول كما في خبر يونس لانها فعل اشتق منه جميع المفاعيل و المفاعيل و ان كانت مذكورة في مقامات وجودها و اماكن شهودها لكنها نازلة من خزانة الفعل صادرة منها قائمة بها قال عليه السلام في الدعاء : ابتدأت الامور بقدرة سلطانك كل شئ سواك قائم بامرك و في دعاء آخر انتهي كل شئ الي امرك ، و لكن لا شك ان نفس الفعل من حيث هي هي لاتكون متخصصة بخصوصيات المفاعيل الاتري الي فعلك المطلق الذي جعله الله آية فعله فيك ان جميع صفاتك تصدر منه و لكنه غير متعين بها فانت تقوم بفعلك و تقعد و تنام و تركب و مع ذلك فعلك المطلق لايكون متعينا بواحدة منها اذ لو كان كذلك لماظهر في ضدّها فان القيام لايوصف بالقعود و القعود لايوصف بالقيام و لكنهما فعلك اي ظهوره فهو امكان جميع الصفات اي يمكن ان يظهر بكلها و كذلك نقول في المشية انها امكان فعلي اي يمكن ان يخلق بها جميع الاشياء و اضدادها و لذلك نقول انه لمينسد علي الله باب المشية فيشاء ما يشاء فاذا خلق زيدا بمشيته يمكن ان يعدمه بمشيته اذ لمتتعين المشية بخلق زيد و لو تعيّنت به لماتغيّرت عما هي [ص 89] عليه لادلة كثيرة و قد ردّ الله تعالي علي اليهود حيث قالوا ان الله قدّر ما قدّر و فرغ من التقدير بقوله قالت اليهود يد الله مغلولة غُلّت ايديهم و لُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء و لايتصور هذه الصفة الا بامكانية المشية و صلوحها للفعل و بذلك نؤمن بالبداء و يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب فتدبر فالمشية امكان الفعل لكل الاشياء فهي اول اذكار الخلق اذ ليس قبل فعل الفاعل ذكر لفعله الا بالعلم و هو غير الذكر الخلقي فاول الاذكار بالذكر الخلقي المشية و لذا قال عليه السلام ليونس أوتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول ، ثم من بعدها مقام الارادة و القدر و القضاء و جميعها من مقام الفعل و لاتعيّن لها بالخصوص الا في المفعول فان الفعل بنفسه امكان بل لا مراتب له الا بحسب الظهور في المفاعيل و الا فهو في نفسه واحد فلاتكاد تجد شيئا مفصلا متعينا في المشية ثمّ من بعدها مقام الامكان الجايز و عدم تعيّنه امر ظاهر بيّن فان مثله مثل المداد بالنسبة الي الحروف فانها في قوته و ليس المراد من القوة الضمن او الوراء او التحت فان جميعها صفات الفعلية و القوة ليست الا صلوح التصور فالحروف ليست في المداد بوجه الفعلية و لكن المداد يصلح لان يتصور بها و اما ذكرها في حركة يد الكاتب فذكر فعلي يعني يصلح ان يكتب بها كذا و كذا ، افهم ذلك و لاتغلط فلا ذكر للحروف فيهما بالفعلية ثم ان الله سبحانه خلق بالامكان الاول من الثاني العقل الاول و سيأتي صفته بعد ان شاء الله و هو معني كلي اذ هو في غاية القرب من مشية الله و لا شك ان النور كل ما يكون اقرب من المنير يكون اشبه به و قد علمت ان المشية في غاية الوحدة و البساطة فاقرب الانوار منها ايضا في غاية الوحدة و البساطة و بوجه آخر نقول ان التكثر يحصل من الحدود و النهايات و هي حاصلة من شدّة البرد و غاية القرب من مشية الله في غاية الحرارة فهي في غاية الوحدة و ان احببت ان تعرف مثال ذلك فانظر الي الهواء مثلا و التراب [ص 90] فان التراب الغالب عليه البرد و اليبس فلذلك صار اجزاؤه متكثرة و حدوده متعينة و لكن الهواء لحرارته و قربه من السماء يقلّ تكثر اجزائه فاجزاؤه متشابهة و النار تكثرها اقل من الهواء و هكذا كل ما يقرب من مشية الله يكون اوحد فالعقل بنفسه اوحد من جميع الخلق ثم خلق الله من تأييداته النفس الملكوتية و هي اكثر تفصيلا من العقل و لكنها مع ذلك من الملكوت و تتنزه عن صفات ما دونها و حدودها و لذا يقال ان نفوسا عديدة في القيامة تجتمع في مثل سم ابرة مع انك تري ان في الدنيا لايتيسر لهم ذلك و ان احببت ان تعرف مثال ذلك في الجملة فانظر في خيالات الناس التي هي آيات النفوس كيف تجتمع في سم ابرة و امر النفوس اعظم من الخيالات بمرّات و بالجملة النفس الملكوتية المطلقة تتنزه عن كثرات ما دونها لاطلاقها و كليتها و هكذا خلق الله منها الطبيعة الكلية و لا شك في وحدتها و لا كلام لاحد في ذلك ثم خلق الله بها المثال المطلق ثم خلق الله به الجسم المطلق و في هذه السلسلة لاتكاد تجد سوي المطلقات فان العقل مطلق و النفس مطلقة و الطبع مطلق و هكذا الي ان انتهت الي الجسم المطلق فانها كلها مطلقات كليات اذ لا تعيّن لها من المشية و الامكان و لا من قوابلها و لكن لا شك ان كلها اكوان كاملة و لكل كون اثر فانّ ذلك مما لا ريب فيه فان الاكوان آثار كينونة الله تعالي و اشعتها و كلها تحكي اسماء الله و صفاته و قد نطق بذلك الكتاب و السنة فلجميعها فواضل نور بحسبها و لكن انوارها ايضا علي حسبها فان النور علي صفة المنير فان كان المنير كليا يكون نوره ايضا كليا و ان كان جزئيا يكون نوره جزئيا و هكذا في ساير الكيفيات فنور العقل و شعاعه كلي معنوي فانه بعد ما حيي بمشية الله سبحانه سطع منه نور مستطيل و لكنه علي حسبه و كذلك بعد ما حيي الروح بنور العقل سطع منه ايضا نور ملكوتي علي حسبه و كذلك الامر في كل واحد الي ان انتهي الامر الي الجسم فسطع منه اثر [ص 91] علي حسبه و لما كان الجسم في غاية البعد الابعد يكون اغلظ من الجميع و لذلك يكون تفصيله اكثر و لكنه من حيث النزول ايضا واحد بالنسبة الي ما دونه و لكن اثره يكون تشققه اكثر فيصير ذا سماء غير ارض و ارض غير سماء و نار و هواء و ماء و تراب و ينتهي المراتب الكلية الي ثلثةعشر و ذلك لغلبة البرد و اليبس عليها و لكنها ايضا مختلفة في اللطافة و الكثافة و التفصيل و الاجمال بحسب القرب من المثاليات و البعد عنها فالعرش في غاية الوحدة و البساطة و لذا يكون اطلس خاليا عن الكوكب ثم دونه الكرسي فانه اوحد من باقي الافلاك و لكن تفصيله بالنسبة الي العرش اكثر و هكذا ينزل الامر من الوحدة الي التفصيل حتي ينتهي الي التراب و هذا غاية نزول العقل الاول و ادباره فافهم فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان تكوّن المواليد المختلفة لايمكن الا من عرصة التفصيل فان ذلك امر بيّن ظاهر لا ريب يعتريه انظر بنظر الانصاف دون الاعتساف هل يمكن ان يتكون مولود من الفلكيات من دون ان يؤخذ من التراب و اذ لميحصل ذلك فكيف يمكن ان يركب مولود من الغيوب بصفة التعيّن و التخصص الجسماني فلما اراد الله خلق الكثرات المختلفة اخذ بيد جبرائيل من عين الشمس الطالعة في عرصة الاجسام و ساير النجوم من هذه الاتربة قبضات و صوّرها علي ما شاء من الصور المختلفة ثم لا شك ان الانوار العالية التي اشرنا اليها سابقا نزلت من لدن منيراتها الي هذا التراب فخفيت في مكمنه و معني نزول الاعالي نزولها بانوارها فان العقل بذاته لمينزل من مقامه بل هو واقف في مقامه و غيبه و لكن النازل نوره و كذلك الروح و ساير المقامات فانوارها نزلت الي هذا التراب و صارت في قوته و بعد ما اخذ الله سبحانه بيده قبضات منه و صوّرها باختلاف قوابلها ظهر من كمونها الانوار المستجنة فيها علي حسب صورها المختلفة فان الابدان السنة داعية تسأل ربها الارواح بحسبها و قد قال الله تعالي ادعوني استجب لكم فافهم ذلك فكل بدن [ص 92] ركب و صفي بحيث صار قابلا لحكاية المثال يظهر فيه بحسبه و كل بدن صعد من هذه المرتبة و صار اصفي و اعدل و قابلا لحكاية المادة تظهر فيه و هكذا الي اعلي الدرجات و ارفع المقامات و قد مرّ في المقالة الاولي بعض الاشارة الي بيان ذلك علي الاجمال و يأتي بعد ان شاء الله في المبدأ ذكره علي ما ينبغي فتعيّن الانوار العالية ليس الا من قبل الابدان الجسمانية الشخصية فنور العقل الاول من حيث صدوره من العقل مطلق و لكن بعد ما ظهر في القوالب و خرج من كمونها ظهر بالاختلاف فصار عقولا مختلفة و هذه العقول المستخرجة من كمون القوابل افراد العقل المطلق و لو لمتخرج من كمون الابدان عقول لماكان له افراد مختلفة و كذلك الامر في افراد ساير المطلقات و لاتزعم مما ذكرنا انه لا وجود للنفوس و العقول و الارواح فوق الدنيا فيلزم من ذلك فناء الاناسي و الحشر و النشر نعوذ بالله فان ذلك كفر صراح و لكن حق القول ان ما يستخرج من كمون العناصر من المراتب يكون علي ما يقتضيه نفوسها فان الروح المثالي اذا اخرج من كمون البدن يكون مثاليا و خفاؤه في البدن و ظهوره منه لايضرّ بمثاليته فبقاؤه و فناؤه ببقاء المثال و فنائه و كذلك النفس الدهرية اذا خرجت من كمون البدن تكون دهرية لا محالة و بقاؤها ببقاء الدهريات و ان كانت يوما في كمون البدن و يوما بالفعل فيه و التعينات الحاصلة لها ثابتة لها دايما اذ ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله بل الزمانيات ايضا حاضرة في محضر الرب دايما بل هي في معرض الحساب و الثواب و العقاب فان فناءها بنسبة بعضها الي بعض لا بالنسبة الي الرب تعالي الاتري ان الله تعالي يقول و اذا الوحوش حشرت مع انها من اسفل المثال و لايقوم المثال مع النفوس الدهرية و يقول و تشهد عليهم ايديهم و ارجلهم ، و ورد من احب حجرا حشره الله معه ، مع ان الحجر من سنخ الجماد فافهم ذلك فان جميع ما دخل في ملك الله ثابت دايم لايزول المتعين بتعينه و المطلق [ص 93] باطلاقه و اما ما يقال ان المعاد مخصوص بالانسان و الحيوان فذلك لان الانسان شاعر مثاب معاقب علي الحقيقة و الحيوان في الجملة لا غير لا بملاحظة فناء الباقي فان كل الخلق حاضرون في القيامة بالبداهة و بالجملة ذكرت ما ذكرت لرفع الاشتباه في الجملة و الا فموقع بيان ذلك في محل ذكر المعاد فحاصل المراد ان الافراد المذكورة للمطلقات تحصل من قبل القوابل و الا فهي حال الصدور منها واحدة بل يمكن ان يقال ان الجنس الواقعي حقيقة ثابتة و هو جنس الاجناس و نوره ايضا واحد و ذلك قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة و قد حصل الاختلاف من قبل القوابل التي هي بمنزلة الارحام فاذا عرفت ذلك فاعلم انه اذا اخذ فرد واحد لحكاية جنس يظهر نوره منه علي حسبه كالخاتم مثلا فانه فرد واحد ظهر فيه نور الحقيقة الاولية و حكاه علي ما ينبغي بشخصيته و لميحكِها احد غيره و اذا خلق افراد متحدة في الصورة المقومة و الطبع يظهر فيها نور غيب من الغيوب علي حسبها غاية الامر ان في الاصطلاح يسمّي هذا الغيب بالنوع و اذا خلق افراد مختلفة في الصورة حاكية لكلية واحدة يظهر فيها نور الغيب علي حسبها و يسمّي في الاصطلاح بالجنس فافهم فاختلاف الافراد و الانواع و الاجناس كلها بهذا المنوال و قبل التعيّن في القابليات لايكون تعيّن للنور من حيث الصدور بوجه فافهم ذلك و اتقنه فانه سرّ من الاسرار قد بيّنته لك في المقام .
فصل - بعد ما عرفت ما بيّناه يظهر لك ان الافراد المتخذة في هذه العرصة حاكية لمطلقات كثيرة بل اختصاصها ليس الا من اجتماع انوار متعددة و يظهر ذلك لك من آيات الآفاق و الانفس و اظهر من كلها الالوان فان اصل الالوان و حقيقتها اربعة في عرصة التفصيل واحدة في عرصة الاجمال اما الواحد الاعلي فهو البياض و هو اصل كل لون و حقيقته و بعد ما ظهر في عرش الله سبحانه تفصل باربعة الوان و هي الظاهرة في اركانه علي ما في الخبر [ص 94] و هي البياض و الصفرة و الخضرة و الحمرة و جميعها في الحقيقة من البياض فان البياض اذا تراكم بان انعطفت انوار الجسم و تعاكس بعضها في بعض يحصل منها الصفرة التبنية سيّما اذا كان حارّا و من تراكم الصفرة و تركيبها مع البياض يحصل الحمرة كما تري في الزنجفر انه يحصل من تركيب الكبريت الاصفر و الزيبق الابيض المدبرين بالنار علي النهج المقرر ثمّ اذا تراكم الحمرة يحصل الخضرة كما تري في الجوهر الاحمر الذي يؤتي من الافرنج انه اخضر بصورته و اذا انحل في الماء يحمر فان خضرته ليست الا من انعقاده و تراكم اجزائه ثم ساير الالوان كلها تحصل من تركيب هذه الاربعة او من غلبة تراكم البعض و قلته و شاهد ما قلنا يظهر في قوس الرحمن و البلورة المثلثة التي تنعكس فيها نور الشمس و ماء البحر فانه يتغيّر لونه بتراكم الماء و عدمه و في اوقات اليوم فعلي ذلك اصل الالوان البياض و الباقي فرعه فاذا تركب الخضرة مع الصفرة يحصل اللون المائي و كذلك من تركيب الصفرة و المائي يحصل الخضرة و هكذا فالاحمر المشهود مثلا بمادته و صورته وقع تحت مطلقين آخرين و المولود الحاصل منهما تحت مطلق آخر و لولا تركيبهما لماحصل الثالث و هذا الامر سارٍ في جميع الملك و قد زعم بعض الحكماء ان الخصوصيات من تركيب الفصول المتعددة و هذا الكلام ناقص لان الفصل هو الصورة النوعية و هي بنفسها لاتتشخص و لكن ظهورها يظهر في الشخصيات فبظهور الفصول يتحصل الشخصيات المختلفة و لما قرب ذهنك في الجملة نقول ان القرطاس المشهود مثلا حصل من اجتماع ظهورات انواع مختلفة فمن حيث مادته ظهور للمادة المطلقة التي ظهرت فيها و من حيث صورة القرطاسية ظهور للمثال المطلق و من حيث تركيبهما يكون فرد الجسم و ظهوره و من حيث كونه من العناصر يكون ظهور الجماد مثلا و من حيث اعراضه ايضا يكون فرعا لاعراض مطلقة فمن حيث لونه يكون ظهور البياض و من حيث رقته يكون [ص 95] ظهور الرقة المطلقة و هكذا من حيث ساير اعراضه من كل حيث يتعلق بمطلق نوعي و جميع الانواع الظاهرة فيه اجتمعت في الجسم المطلق علي الاطلاق و تعينت في الافراد بحسبها كما ان الجسم بنفسه قد تعيّن فيها و كل واحد منها غلب في مولود خاص من المواليد و يفور من فوّارته و يظهر علي ساير المواليد بحسبها و سيأتي بعد ان شاء الله بيان ذلك و بالجملة اذا اجتمعت آثار مختلفة في مقام يحدّ كل واحد بالآخر فيحصل مولود تام بانحدادها و انضيافها و ذلك امر ظاهر بيّن ان شاء الله فافهم و تدبر .
فصل - اذا ظهر لك ما بيّناه تعرف ان المطلقات السافلة عن جنس الاجناس لايثبت لها احاطة حقيقية لوجود الغيور المحددة فان المعدن مثلا يحيط بالذهب و الفضة و الحديد و غيرها من المنطرقات و غيرها و لكن ليست احاطتها احاطة تامة لان الذهب بنفسه يحصل من تركيب آثار مطلقات متشتتة و هو من كل حيث يقع تحت مطلق و تبارك الذي يمسكه مع هذا الاختلاف الواقع في اجزائه و كذلك الامر في جميع المطلقات و افرادها الا الوجود الاعلي و الحقيقة الاولية التي ليس في عرضها شئ و جميع ما دونها انوارها فالاحاطة الحقيقية ثابتة له لا غير و هو الذي يمتنع معه ما سواه اذ لا سوي له و غيوره تحديد لما سواه و اما ساير المطلقات فاحاطتها وصفية فالحديد المطلق مثلا لايحيط بالسيف الا من جهة حديديته فلايمتنع السيف معه الا من هذا الحيث و اما من ساير الحيوث فهو موجود معه و غير محاط له و اما بالنسبة الي الوجود فيمتنع بكله اذ احاط بجميع حيوثه و اذا كان الامر بالنسبة اليه هكذا فما ظنك بالله تعالي و قد احاط بكل شئ علما و قد مرّ في المقالة الاولي و في هذه المقالة في مبحث الوجود ما ينبغي ان يراجع .
في البحث عن المادة و الصورة و فيه مقامان :
في بيان المادة علي نحو الكلية و الاختصار علي ان مرادي في هذه الرسالة ليس نقل الاقوال و حكاية القيل و القال مع انه قد طال بي المقال و كان مرادي الاجمال لئلايملّ الناظر في هذه الاوراق و يقتدر علي التدقيق للاطلاع علي كليات المسائل و لكن مع ذلك اشرت في هذه المقالة الي بعض الاقوال و ساُشير لان يطلع المبتدي علي اقوالهم في الجملة ثم ارجع الي ما انا بصدده من الحق ففي هذا المقام فصول :
فصل - في حقيقة المادة و هي من المسائل الصعبة مع انها من امهات المسائل و ما لميعرفها الشخص لايقف علي حقيقة اغلب المسائل فاعلم ان من عثرنا علي كلامه من الحكماء قالوا ان المادة هي الهيولي و ذلك لانهم لميثبتوا فوق عالم الاجسام المشهودة مادة و ان كان تعريفات بعضهم لها اعم و لكن تصريحاتهم تشهد بان مرادهم الهيولي و سيجيء صفة الهيولي في مقام خاص و ربما يفرقون بين الهيولي و المادة بالنظر و اختلاف الحيث فيقولون ان الشئ باعتبار كونه جزءا للمركب بالفعل يسمّي ركنا و باعتبار ابتداء التركيب منه يسمّي عنصرا و باعتبار انتهاء التحليل اليه يسمّي اسطقصا و باعتبار كونه قابلا للصور الغير المعيّنة يسمّي هيولي و باعتبار قبوله للصور المعينة يسمّي مادة و باعتبار كون المركب مأخوذا منه يسمّي اصلا و باعتبار كونه محلا للصور المعينة بالفعل يسمّي موضوعا و هو في الحقيقة شئ واحد تعرض له هذه الاسماء و اكثرها كما تري لايفيد شيئا سوي اعتبار محض الخيال و بعضها خطاء ثمّ انهم قسّموا المادة الي اربع صناعية و طبيعية و كلية و اولية فالصناعية كالخشب من السرير و الطبيعية كالعناصر بالنسبة اليه و الكلية كالجسم المطلق و الاولية كالجوهر البسيط ثم ان جماعة منهم يقولون ان الهيولي عدمية صرف و قوة و [ص 97] لهم تحقيقات كثيرة في المقام لاتسمن و لاتغني من جوع و جميعها محض بيانات مستنبطة من مفاهيم الالفاظ و لاتفيد شيئا و اما الحق في تعريف المادة و الصورة فما قاله ابي اعلي الله مقامه قال مرادنا بالمادة هي الحقيقة السارية في ذلك الشئ مطلقا و كل ما يصاقعه او يجانسه او يماثله او يوافقه فالمادة عندنا قول يقع علي ما به اشتراك شيئين و الصورة قول يقع علي ما به امتياز شيئين و هما قولان اضافيان ، انتهي كلامه رفع مقامه .
فصل - في اثبات ان لكل شئ مادة من كتاب الله و اخبار الائمة سلام الله عليهم ، اعلم ان الحق المأخوذ من الله و رسوله ان جميع الخلق من المشية الي اسفل الارضين مخلوقون من مادة و صورة و لايخلو شئ منها من التركيب بخلاف قولهم ان ذلك مخصوص بعالم الاجسام و فوقها عرصة المجردات قال الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فاذا كان عالم الاجسام مركبا فجميع العوالم مركبة و قال و ما امرنا الا واحدة و قال و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة هذا و قد صرّح في محكم كتابه بذلك و قال و من كل شئ خلقنا زوجين و استدل الامام عليه السلام بالآية الكريمة علي التركيب فعرفنا ان احد معاني الآية ذلك و قال و جعلنا من الماء كل شئ حي و لا شك ان جميع الخلق احياء عقلاء و لذا ارجع الله اليهم ضمير العقلاء في قوله و ان من شئ الا يسبّح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و ان ابيت ذلك مع انه ليس لك مانع من القبول اقول ان تركيب عالم الاجسام مسلّم و اما الدار الآخرة فمحل الكلام قال الله تعالي ان الدار الآخرة لهي الحيوان و قال و جعلنا من الماء كل شئ حي و الدار الآخرة حي فهي من الماء فافهم و قال خلق كل دابة من ماء و جميع الملك يدبّ الي الله و الدار الآخرة و النفوس دواب بطريق اولي فكلهم من الماء و ليس المراد من الدابة الحيوان المعروف حتي تستغرب ذلك بل للدابة معانٍ و منها دابة تكلمهم كما في كلامه المجيد فتدبر و قد اسقيتك ماءا غدقا ان كنت من [ص 98] اهله اذ اخرجت لك المسألة من كلام الله بالحكمة و المجادلة و قال تعالي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و لا شك انّ مِنْ يدخل علي المادة فمادة جميع الاناسي النفس و خلق منها زوجها و الآية مخصوصة بالنفس الانسانية لا البدن الترابي اذ لا شك ان المرأة لمتخلق من عين مادة البدن العرضي الذي خلق منها زوجها مع ان الله تعالي قال من نفس و لميقل من تراب نعم الآية النازلة في خلق البدن العرضي في الظاهر قوله تعالي منها خلقناكم الآية ، و امثالها فافهم و اما الاخبار فكثيرة و صريحة منها ما روي في خلق العالم برُمّته من الماء في حديث ابتداء الملك و تخصيص ذلك بعالم الاجسام زور و فرية علي الله و رسوله و قال عليه السلام في خلق المؤمن و الكافر ما معناه ان الله خلق ارواحنا من اعلي عليين و خلق ابداننا من طينة دون ذلك و خلق ارواح شيعتنا مما خلق منه ابداننا و ذلك قوله تعالي كلا ان كتاب الابرار لفي عليين و خلق ارواح اعداءنا من سجين و خلق ابدانهم من طينة فوق ذلك و خلق ارواح شيعتهم مما خلق منه ابدانهم و ذلك قوله تعالي كلا ان كتاب الفجّار لفي سجين ، و كذلك ساير الاخبار الواردة في الطينات تشهد بذلك و لايخفي الامر بعد علي عاقل و لا شك ان لفظ مِنْ يدل علي ذلك فانه يدخل علي المادة كما تقول صنع الخاتم مِن فضة و المسمار مِن حديد ، هذا و قال الرضا عليه السلام ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، و لا شك انه لميرد الخلق من صورتين فانه محال في الحكمة تركيب الصورة الا علي المادة نعم يمكن تركيب صورتين من جهتين علي المادة و لكن الصورة لاتركب مع الصورة فان البياض لايركب مع السواد و لا مع المرارة مثلا اذ هما فعليتان مباينتان و لكن واحدة منهما او كلتيهما تركبان مع مادة فتدبر فاذا جاء التركيب جاء المادة و الصورة و من عرف حقيقة الامر في المادة و الصورة لايشتبه عليه الامر بعد ثمّ ان الظاهر من الكتاب و السنة ان [ص 99] المادة مادتان و الصورة صورتان الاتري ان الله تعالي يقول و جعلنا من الماء كل شئ حي فاول كل شئ الماء و هو اصل الكل و قال خلق الانسان من صلصال كالفخّار و خلق الجان من مارج من نار و قال يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب و كذلك اشعر سبحانه في مواضع من كتابه بمادة النبات انه التراب و الماء و كذلك قال ثم استوي الي السماء و هي دخان و تفاوت المواد ظاهر بيّن و لاتقاس بعضها ببعض مع ان الماء فوق الكل و ذلك قوله و كان عرشه علي الماء فالماء المادة الاولي و الطين المادة الثانية للانسان و النار للجان و كذلك الصورة صورتان بنص الكتاب و السنة الاتري في خلق الانسان مرّة يقول خلقناكم من تراب و مرّة يقول من طين فالتراب المادة الاولي و الطين صورة تتعين بها المادة و هي صورة نوعية بالنسبة الي ما يصاغ منها و قال في مقام آخر خلقكم من نطفة و النطفة قبضة من الطين النوعي فان الله سبحانه يأمر الملئكة ان يأخذوا من التراب لصنع الانسان و المأخوذ يكون نطفة من مني يمني و قال في مقام آخر من نطفة امشاج و هي بعد تعيّنها بصورة حاصلة من الاختلاط بنطفة الام و هاتان مقام الشخصية و قد بيّن الجميع في قوله خلقك فسوّيٰك فعدلك في ايّ صورة ما شاء ركبك فالخلق مقام المادة الاولي و التسوية مقام الصورة و الحد و التعديل مقام المادة الثانية و الصورة مقام التشخيص او يكون التعديل ايضا من مقام التسوية و بقوله في ايّ صورة ما شاء ركبك اشار الي المادتين فافهم و ذلك ايضا ظاهر في القرآن ببيان آخر اذ قال هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن فالخلق جامع للمادة و الصورة الاولتين لا محالة دلّ علي المادة لفظ الخلق و علي الصورة لفظ كُم و المقام الثاني في مقام الامتياز و التشخص بالايمان و الكفر و لكنه في مقام الشرع .
فصل - في اثبات ذلك بدليل العقل و امثلة الآفاق و الانفس و الادلة [ص 100] الفلسفية مع بيان مجمل ، اذا عرفت ذلك من كتاب الله و سنّة نبيه صلي الله عليه و آله نقول بالدليل الفلسفي الذي هو كاشف عن امر العالم ان كل شئ لايكمل وجوده الا في حلّين و عقدين اما الحلّ فهو الاذابة و اما العقد فهو مقام اليبس و الانعقاد و اليبس مقام التحدد و التشخص و الحلّ مقام عدم التعيّن و يعبّرون عن الحلين و العقدين بالهبائي و الطبيعي و ذلك سرّ سارٍ في مجموع الملك من الدرة الي الذرة و بيانه في المولود الهرمسي ان المعادن الحاصلة لنا في الخارج غير القطبين في غاية البعد و الانحراف عن الاكسيرية و القطبان و ان كانا كاملين في حدّهما الا ان كمالهما في صورة الذهبية و الفضية لا الاكسيرية و لميعقهما عن ذلك المقام الا فساد التركيب في المعدن لا اصل الخميرة فان اصل الخميرة و الطينة بخار و دخان و مادة الاكسير ايضا بخار و دخان و العايق ايضا من سنخ الاعراض لا من ذاتية المعدن و هي مختلفة فبعضها عرض المعدني قبل التركيب في المعدن فغير اصل طبيعته و مزاجه و ذلك كعرض يعرض نطفة المولود قبل تكوّنه و منها ما عرضه بعد التركيب في معدنه كما عرض المولود في الرحم بعد تكوّنه و منها ما يعرضها في السوق و من ايدي المكارين و المحتالين و لا بدّ من رفع جميع الاعراض اما ما عرضها في السوق فيرفع باقل تدبير و لاتحتاج فيه الي تعب و محنة و عمل كثير و كذلك ما يعرضه في المعدن بعد التركيب فانه يتكفل باصلاحه العاملون عليه و شان الفلسفي تطهير الاعراض الطبيعية و المفاخرة في ذلك و قد زلّ فيه الاقدام و تحيّر الاحلام و اعلم ان ذلك لايمكن الا بالحل فان العرض عرض اركان وجود الشئ و ليس مثل صبغ عارض علي ظاهره او غبار عارض علي وجهه فيمكن تطهيره بغسلٍ مّا فلا بدّ من الحلّ فاولا يحلّه حلّا هبائيا و هو تصغير الاجزاء بالمياه الحادة فان ذلك مما لا بدّ منه اما اولا فذلك سبب تفريق بين الاصل و العرض فانه اذا كان الفضة مثلا مخلوطة بالنحاس يصير بهذا الحل نحاسه زنجارا و يتبين [ص 101] الفضة منه فيأخذها العامل و يطهّرها منه و ثانيا يكون ذلك تقريب بعيد فانه لايمكن تطهير الذهب المنعقد الغليظ و غسله و تصعيده و تدهينه و تشميعه و ليس ذلك الا كعقّار تريد ان تعالج به معجونا فلا بدّ من تدقيقه اولا او تربيبه حتي يحصل الامتزاج بينه و بين غيره و ذلك امر لاينكر فبعد ما حلّ الحكيم فضته اولا حلا هبائيا و طهّرها بقدر ما يمكن في هذا الحل و اخذ غرايبها يعقدها ففي مقام الانحلال كان ذائبا و الذوبان في كل مقام مقام الصلوح و الاستعداد بالنسبة و ان كان الذايب في نفسه محدودا بالنسبة الي مقام اعلي و ذلك كالماء فانه بالنسبة الي الجمد مادة سائلة صالحة للتصور بصور مختلفة فيسمّي مادة و ان كانت بالنسبة الي عناصرها منعقدة محدودة و كذلك الامر في المادة و الصورة فانهما نسبيتان في جميع الملك الي ان تنتهي الي مادة المواد و بالجملة فيأخذ الفلسفي فضته السائلة و يعقدها و هذا المعقود غير المعقود الاول فان المعقود الاول كان كثيفا غليظا مشوبا يابسا و هذا المعقود علي خلافه و هو لميكن مطاوعا لامر الآمر و هذا مطاوع و ان كان قريبا منه و يمكن احياؤه و اعادته الي الصورة الاولي بالتدبير و لكنه حصل له تغيّرٌ مّا و قد عقده للتدبير الثانوي اذ رب عمل يلزمه و لايمكن في حال الانحلال مع ان انحلاله ليس بالذات بل بالعرض و لا بدّ من ازالة العرض و بعد الازالة ينعقد لا محالة الاتري الي تراب انحل بواسطة الماء اذا اخذنا منه الماء ينعقد ثانيا ، نعم ما كان بنفسه منحلا لاينعقد الا بتدبير و لكن المنعقد الذاتي لاينحل الا بتدبير و شأن الفلسفي تدبير ذلك و بالجملة فيعقد الفلسفي فضته و يدبر فيها للحل الثاني و لما كان مراده حلّ عناصره لا بدّ له من تدبيرات عملية في التعفين و التسقية و التطهير و غير ذلك مما يحتاج اليه في الحل حتي يحصل لها الاستعداد فيأخذها في الحل و هذا الحل غير الحل الاول فان الحل الاول كان حلا هبائيا و هو اذابة في الواقع و لميكن الا [ص 102] بالعرض و لكن هذا الحل اذابة اركان وجودها و تدهينها فبذلك يدفع جميع الاعراض و الغرايب فيخلص فضتنا بذلك عن جميع لوازم الاعراض ايضا فافهم ذلك فانه سرّ لطيف و هذا الحلّ مقام نفخ الصور كما ان الحلّ الاول مقام الموت الدنيوي و التطهر في القبر و العقد الاول مقام الاحياء في البرزخ و العقد الثاني مقام التركيب بعد نفخ الصور و انت تعلم ان بالحل الاول اي الموت لايفرق الا بين الروح و الجسد و اما في نفخ الصور فيفرق بين جميع الاركان و المشاعر فلايبقي روح و لا جسد الا محض الخميرة المطلقة التي هي وجه الله قال الله عز و جل كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و قال كل شئ هالك الا وجهه فيعودون كما بدأوا و بعد هذا الحلّ و التطهير الكامل يعقد الفلسفي فضته كاملة نقية صافية و هي علي خلاف الصورة الاولي و لكنها مع ذلك هي هي و اتوا به متشابها فافهم فالحلّ الاول بالنسبة نوعي و العقد الاول ايضا نوعي اذ لا خصوصية له بالاكسير و لا باكسير البياض و الحمرة و لا بالكامل و الناقص و ليس ذلك الا كطين يأخذه الفاخور يمكن ان يصنع منه جميع ما يمكن صنعه منه و بعد ما اراد التدبير يخصصها لا محالة و يحددها فلاتبقي علي عمومها الفضية المحلولة الاولي و يعبّر عن ذلك بانها حصة من الاولي و من ذلك اعرف معني الحصة في كل مقام فيصير بذلك مادة شخصية فتصوّر ثانيا بصورة شخصية فبهذين الحلّين و العقدين يتم الفضة الخالصة و بالنسبة الي مجموع المولود المركب نقول انه يتم في حلين و عقدين فاولا ننكث الفتل بحلّ المعقود اولا لاخراج الارمدة الخارجية اي الاعراض الثانية ثمّ نعقده حجرا و هو الهيولي القابل للتدبير و هو بمنزلة النطفة و التدابير قبل الحجر في مراتب الكيلوس و الكيموس مقدمات لاخراج الارمدة و ايصالها الي الحالة الاولي اي العرضية الاولي فاذا كان حجرا حللناه ثانيا و نخلناه بالمناخل لاخراج الاعراض الاولية ثم فصّلناه [ص 103] اركانا و طبايع ثم عقدناه ابيض و احمر فقد تم العمل و بذلك يكمل المولود في كل مقام الاتري في عالم الحروف و الكلمات المنطوقة انك تأخذ شيئا من الهواء في جوفك فتخرجه من ريتك بقوة و ضغطة علي صورة كلية ثم تأخذ من هذا الهواء الثاني المسمّي بالنفَس قطعات تصورها بواسطة المخارج بصورة الحروف و الكلمات فالهواء الاول بمنزلة المادة النوعية و النفَس صورة نوعية و القطعة المأخوذة للحروف مادة شخصية و الحروف صورة شخصية و كذلك الامر في الحروف المكتوبة فالمداد بمنزلة المادة و الصورة النوعيتين من حيث اخذها لابشرط و بشرط لا و القطعة المختارة للكتب مادة شخصية و الحروف صورة شخصية و كذلك الامر في هذا العالم قد خلقه الله اولا في الصوغ النوعي النفساني و كان محلولا في الكون الجوهري و انعقد في الصور النفسانية و نوعيتها دهريتها الشاملة لجميع الحالات الزمانية المحيطة بكلها الصادقة علي جميعها و الصوغ الشخصي له الصوغ الزماني فاخذ حصة من طبايع ذلك النوع في عالم الهباء و البسها صورة مثالية و اخرجها جسما معقودا و لما كان الصوغ الثاني بعيدا عن الوحدة النوعية و عن جوار المبدء الاحد الواحد ضعفت بنيته كما مرّ و قبل الاعراض علي نفسه في مقام الحصص المادية و الاظلة المثالية و المصوغ الجسمي فجاء علي ما تري و هذا مجمل القول في خلق العالم و سيجيء تمام البيان بعد ان شاء الله و مرادنا هنا محض ذكر المادة .