المقام الاول

في الكلام في نفس الماهية كلية و ما يتعلق بها من المسائل و فيه فصول و اقدم مقدمة في تعريفها فان ذلك مما لا بدّ منه .

المقدمة في تعريف الماهية ، قال قائل منهم ان الماهية ما به يجاب عن السؤال بما هو كما ان الكميّة ما به يجاب عن السؤال بكم هو فلاتكون الا مفهوما كليا و لاتصدق علي ما لايمكن معرفته الا بالمشاهدة و قد تفسر بما به الشئ هو فيعمّ الجميع و التفسير لفظي فلا دور و اما شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه فقال في تعريفها ان الماهية هي هيئة قابلية الشئ للتكوين و لبسها لحلّة الكون و ذلك لانها عنده (اع) صورة الشئ و في اصطلاحه الخاص به هي الصورة النوعية و قد تستعمل في الشخصية و انا احكي لك عين عبارته اعلي الله مقامه :

قال ان الشئ مركب من الوجود و الماهية و انه وجد في طورين الطور الاول هو الخلق الاول و هو ايجاد مادته في ضمن ايجاد المادة و الصورة النوعيتين اللتين مادته الخاصة به حصة من مجموعهما و قد تقدّم ان الخلق الاول اعني المادة النوعية التي هي الهيولي مركب من وجود و ماهية و الوجود هو المادة و الماهية هي الصورة ثم اخذ من هذه الهيولي اعني المادة النوعية حصة هي وجود الشئ و مادته و الحق بالصورة الشخصية التي هي الماهية و هذا هو الخلق الثاني و الوجود في هذين الطورين اي الخلق الاول و الخلق الثاني في كليهما بالمعني الاول للوجود و المعني الثاني للوجود باعتبار لحاظ كون الشئ اثرا [ص 52] لفعل الله او كونه نور الله فانه بهذا اللحاظ وجود و بلحاظ انه هو هو ماهية سواء اعتبر ذلك في الخلق الاول ام في الخلق الثاني فافهم هذا الاصل و لاتنسه حين نقول بالمعني الاول او بالمعني الثاني و نحن و ان كان قد نريد العموم في كثير من العبارات لكنا انما نجري الكلام في الخلق الثاني لانه هو الذي يظهر فيه حكم الشقاوة و السعادة الناشئتين من الافعال الاختيارية التي نحن بصدد الكلام .

توضيح قال مولاي و سيدي ابي اعلي الله مقامه و رفع اعلامه في بعض رسائله بيانا شافيا كافيا اذكره ليكون شارحا لبيان شيخنا فانه لايعلم رطنه الا ولد بطنه قال اعلم ان الماهية هي نفس الشئ من حيث هي هي و هوية الشئ و انيته و جهته من نفسه و تقابله الجهة التي فيه من ربه و الماهية ماهيتان الاولي و الثانية فالماهية الاولي هي انية المادة النوعية و الماهية الثانية هي انية الشخص فالالف مثلا له خلقان خلق المداد و خلق الحرف ففي الخلق الاول اي خلق المداد الذي هو هيولي الالف مادة و صورة مادته اجزاء المداد كالزاج و العفص و الدخان و غيرها و صورته صورة السواد و السيلان العارضة عليه فهذا المداد من حيث هو مداد هو الماهية الاولي و بعد ان اخذت منه حصة و صنعتها الفا يعني البستها هيئة الطول علي مقدار معلوم يكون هذا الالف المركب من الحصة المعلومة و الهيئة المعلومة من حيث هو الف الماهية الثانية و تقابل هذه الماهية بهذا المعني جهة ربه فهي ايضا له مقامات جهة الي ربه نوعا و جهة الي ربه شخصا فجهته الي ربه نوعا هي تلك المادة النوعية ايضا لكن من حيث الآئية و العنوانية لله سبحانه و هي تكون كذلك اذا اخذت مكشوف السبحات مقطوع الاشارات مجذوب الصفات ممحو الموهومات صاحية المعلومات مهتوك الاستار غالبة الاسرار و هي لاتعرف الا ان يراها بالله و يري الله بها عندها فهي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و وجد الله عنده [ص 53] فوفاه حسابه و الله سريع الحساب و اما جهته الي ربه شخصا فهي ايضا ذلك الشخص بعينه الا انه من حيث الآئية و الدلالة علي ربه علي معني قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فعلي هذا المعني لا فرق بين المادة و الماهية فان المادة من حيث هي هي ماهية في كل مقام اما من حيث العنوانية فانما تسمّي باسم المعنون لايري فيها غيره وجدانا و لايطلق عليها المادة حينئذ و لكن قد يطلق الماهية و يراد بها هيئة الوجود خاصة و حينئذ لها حدود ستة : الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المحل يعني ان الماهية تتفصل بهذه الامور الستة فهذه الامور هي غايات الماهية و نهاياتها فان الوجود من حيث الصورة ينتهي الي هذه الحدود و يمتاز بها عن غيره فلها ايضا بهذا الاعتبار مقامات : الماهية الاولي فهي الصورة النوعية للمادة النوعية و القابلية الاولي و الانفعال الاول و الماهية الثانية فهي الصورة الشخصية للمادة الشخصية و القابلية الثانية و الانفعال الثاني و المادة هي الوجود في المقامين نوعيا و شخصيا فبهذا الاعتبار المادة جوهر و الماهية عرض لان الصورة عرض الهيولي فالمادة مخلوقة اولا و بالذات و الصورة مخلوقة ثانيا و بالعرض لما عرفت ان الماهية هي قابلية الشئ و انفعاله و هي لاتتحقق الا بعد وجود المادة قال هذا الذي ذكرنا محض اصطلاح و قالوا لا مشاحّة فيه و ان كان قد تختلف الاصطلاحات لاجل المناسبة و عدمها و لاجل انها لعلها تكون من باب ان هي الا اسماء سمّيتموها انتم و آباؤكم ماانزل الله بها من سلطان و من باب و لعنوا بما قالوا فلرب اصطلاح ماانزل الله بها من سلطان فما كان من الاصطلاحات مستنبطا من الكتاب و السنة احق ان يتبع أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع ام من لايهدي الا ان يهدي ، انتهي كلامه علا مقامه و اعلم ان شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه قد صرّح في مقام انه اصطلح للمادة النوعية الوجود و لصورتها الماهية و للمادة الشخصية المادة و لصورتها الصورة و قد يذكر [ص 54] كل واحدة في مقام الاخري و القراين الحالية و المقالية توضح المراد البتة و قال ابي العلامة اعلي الله مقامه في رسالة اخري ان حيث الرب و حيث النفس امر شرعي و في الكون الوجود و الماهية كلاهما نور الله و آيته ففي الشرع كل واحدة منهما تنوّر بنور الله يسمّي حيث الرب وجودا كان او ماهية و كل واحدة خالف امر ربه حتي اظطلم يكون حيث النفس و قد يكون شئ بتمامه حيث النفس او حيث الرب و ذلك من الاصطلاحات الخاصة بهم اعلي الله مقامهم و لايضرّنا عدم جريهم عليه في مقامات اذ قلّ ما يتكلمون باصطلاحهم بل اغلب بياناتهم من اصطلاحات القوم و لكن الناس ينسبونها الي مشايخنا لانهم سمعوها منهم و لم‌يتتبعوا في ساير كتبهم حتي يطلعوا عليها ثم انك قد عرفت مما رويناه من قول القايل انها ما به يجاب عن السؤال بما هو فعلي ذلك ماهية الشئ المجموع المركب من المادة و الصورة لا نفس الصورة فانك في جواب هذا السؤال تعبّر عن مادته و صورته الاتري انك اذا سئلت عن الانسان ما هو تقول حيوان ناطق فالحيوان جنسه و الناطق فصله و هو وجوده و ذاك ماهيته فاذا كان الماهية هي الحيوان و الناطق فهي مجموع المادة و الصورة لا الصورة فقط و لكن جماعة منهم يزعمون ان حقيقة الشئ ماهيته و يقولون ان الكلية و الجزئية و الجنسية و الفصلية جميعها من الماهية و الوجود هو واحد و يزعمون انه الله فعلي ذلك ما به الشئ شئ هو الماهية و اما من حيث الوجود فالكل هو الله كما قال شاعرهم :

و ما الخلق في التمثال الا كثلجة و انت لها الماء الذي هو نابع

و ليس هذا القول الا كقول جماعة من المجوس نعوذ بالله و اما عندنا فقد عرفت ان الماهية هي الصورة النوعية و الوجود هو المادة و سيجيء بحث خاص ان شاء الله في المادة و الصورة و ما يخصّ بهما و مرادنا هنا ذكر بعض ما يخص بهما .

[ص 55] فصل - اعلم ان الماهية عند الملا صدرا نفس الوجود و ان كان يعبّر عنها بالفاظ اخر فمحض التورية و الا ففي مقام التحقيق يشير الي ذلك بل يصرّح به و مراده ان الجميع هو الله و ليس في الدار غيره ديار ، و اما عندنا فالماهية ايضا وجود الا ان وجودها وصفي و الوجود اي المادة وجود ذاتي بالنسبة و ان كان وجودها بالنسبة الي شئ آخر فوقها وصفيا و تحقيق ذلك في الجملة بقدر ما يقتضيه المقام ان الله سبحانه كان قبل الكان كاملا في حدّ ذاته بالفعل لم‌يشبه رايحة النقص بوجه و لم‌يعتره العدم و لو بادق نظر بل هو وجود صرف بحت بات بل هو حق الوجود و حقيقته لا شريك له في وجوده بوجه من الوجوه اذ غيره سبحانه معه ممتنع صرف كما مرّ في بحث الوجود بقدر ما يقتضيه المقام و قد خلق اول ما خلق مشيته لا لشئ و لا بشئ و لا من شئ و لا علي شئ بل خلقها بنفسها و هي اول لا اول له و في غاية الاطلاق و البساطة التي تنبغي لها و قد مرّ وصفها في مقام ذكرها و هي صرف الفعل و لا تكثر فيها بوجه بل مقام الكثرات دونها و لكنها لاتخلو من تركيبٍ مّا لقول الرضا عليه السلام ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه و قول الامام عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، فهنا جهتان عليّة و معلولية لامتناع كون الشئ علة نفسه و جهة العلة مادة و جهة المعلول صورتها و لكنها ليست مركبة من اجزاء مستقلة ثابتة قبلها كالمركبات العرضية الدنياوية اذ لا خلق قبلها و لايتصور اصول ازلية و لا من اجزاء غير مستقلة في مرتبة دنيا ثابتة في مرتبة عليا كالمركبات الدهرية اذ المفروض انها قبل جميع الخلق و لا من اجزاء مختلفة اذ لو فرضت اجزاء مختلفة تنتهي الي اجزاء كثيرة و لو كانت قليلة و يثبت فوقها جامع غيرها و هو خلق لا محالة فننقل الكلام اليه هل يكون مشاءا او مشية و لا ثالث فان كان مشاءا فبم خلق و ان كان مشية فهل تكون [ص 56] مركبة او احدية و هكذا نتكلم فيها و يظهر ذلك لك بادني تأمل فهي مركبة من اجزاء متحدة في غاية الوحدة و يثبت لها اقل مراتب الكثرة اذ هي مبدؤ التركيب و شأن كل مبدء الاجمال بحسبه فيثبت لها جزءان مادة و صورة مادتها عين صورتها و صورتها عين مادتها و لايميز بينهما الا بالتزييلات الفؤادية و هي بتمامها قد تسمّي بالوجود بشرط لا ، لا بمعني انها وجود الله نعوذ بالله اذ عرفت ان له حقيقة الوجود و غيره يمتنع معه بل وجودها خلقي فعلي و هو نور الله و اثره و صدق اسم الوجود عليه من باب الحقيقة بعد الحقيقة فتدبر فاذا عرفت ذلك فاعلم ان مادة المشية هي نفسها التي قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و العلم الذي قال بالعلم خلقت المشية ، و صورتها انيتها و عبوديتها فالمادة التي هي النفس هي موجودة بنفسها لا بسبب شئ آخر و صورتها التي هي انيتها التي تعبّر عنها بالاطلاق موجودة بالنفس التي قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، و ليس الاطلاق شيئا غير الوجود فان غير الوجود عدم و ما يقال ان الشئ وجوده بالوجود و هو بنفسه عدم كلام قشري يعبّر به لتفهيم المبتدئين و الا فالعدم غير مفروض في الواقع فان المعدوم ان كان لاشئ فلا شئ و ان كان شيئا فشئ موجود فاين العدم نعم الامكان عدم بالنسبة الي الاكوان يعني صالح للتصور بها و لكنه في نفسه موجود فالماهية لاتكون معدومة بل هي موجودة كما ان الوجود موجود و ان سمّيت نفس الموجود بالوجود فالماهية ايضا وجود اذ ليس مفهوم الوجود الا الثبوت و هذه الصفة ثابتة للماهية ايضا انظر يا اخي بعين عقلك و لاتكن مقلدا للناس فيضلّوك عن سبيل الله فالماهية ثابتة و الوجود ثابت الاتري انه يترتب عليهما الآثار فان لم‌يكن الماهية موجودة بنفسها كيف تترتب عليها الآثار مع ان تفرع الاثر فرع الوجود و ان قلت بعد ما وجدت بالوجود اثرت اقول هل لها خاصية بنفسها ام لا فان قلت لا ، اقول لمَ يختلف اثرها مع اتحاد الوجود و وحدة [ص 57] فعله و ان قلت نعم فقد اقررت بثبوت وجود لها فالماهية ايضا وجود ففي الحقيقة المشية مركبة من وجودين نفسها التي وجودها علمي و انيتها المعلومة نعم وجود مادتها بذاتها و وجود صورتها و انيتها بوجود مادتها فوجود الصورة وجود وصفي و وجود المادة موصوفي و بعد ما تمّ خلق المشية خلق بها الوجود الجايز الذي هو مادة المقيدات و هو الماء الاول و الارض الجرز و هو من المشية بمنزلة المصدر من الفعل و هو المفعول الحقيقي و المفعول الحقيقي اثر الفعل و الاثر علي صفة المؤثر فاثر الوجود وجود و اذ كان المشية بتمامها وجودا فالامكان الجايز ايضا وجود الا انه قائم بالمشية و لذا وصف بالجواز و المشية قائمة بنفسها فيكون وجودها راجحا و لو كانت لنفسها لكانت واجبة و لكنها لربها و الثابت بنفسه لنفسه واجب و الثابت بنفسه لربه راجح و الثابت بغيره لغيره جايز مقيد و قيده انطواؤه تحت المشية و مفعوليته فتدبر في مطاوي كلماتي حتي تعرف مرادي فالامكان الجايز بتمامه وجود جايز اذ لايصدر من الوجود الا الوجود و ان قلنا انه عُدم فمرادنا من العُدم - بضم العين - عدم القيود الشخصية لا عدم الوجود بل هو وجود ابهامي اطلاقي فامكانه وجود امكاني و جوازه وجود صوري نوعي و الوجود الاول بالنسبة الي الثاني ذاتي و بالنسبة الي المشية وصفي و الوجود الثاني وصفي له ثم خلق الله بمشيته من الامكان اي الوجود الجايز خلقا علي الصفة التي سيجيء بيانها و كل ما بعد من المشية كثر الاجزاء حتي انتهي الي غاية الكثرات و معدن الاختلافات و جميعها آثار مشية الله الظاهرة من الامكان فالكل وجودات ثابتة مركبة من وجودين كما ان المشية مركبة و الامكان مركب موادها وجودات ذاتية و ماهياتها وجودات وصفية و هذا حق القول لا ما زعمه الزاعمون و العقل يصدق ذلك فان الحجر مثلا مركب من قبضة ترابية و صورة حجرية و صورة الحجر لاتكون عدما و كيف يتصور ذلك مع انه موجود و منشأ آثار ، هذا و لا شكّ ان الصورة حدّ الماهية و نهايتها فانصف من نفسك [ص 58] هل العدم يكون حدّ الشئ ، لا والله لايكون الامر هكذا نعم هو صفة للمحدود فتدبر .

فصل - ما افحش قول من زعم ان الماهية لاتكون مجعولة بجعل خاص و اقام علي ذلك براهين قشرية كلها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه و الله سريع الحساب نعم بعد ما انقطع الانسان عن آل‌محمد عليهم السلام و صرّح في تحديد علمه بتساوي المطابقة مع الشرع و عدمه يقول اعجب من ذلك و لكنا نقول ان الله خالق كل شئ و آيات الكتاب ناطقة بذلك و اخبار آل‌محمد عليهم السلام صريحة فيه اروي في كتابي المؤلف بتأييد الحجة عليه السلام و روحي فداه المسمّي بالكتاب المبين عن اميرالمؤمنين عليه السلام في كلام له و لايقال له ما هو لانه خلق الماهية ، انظر كيف صرّح عليه السلام بمخلوقية الماهية و صرّح بان مراده منها الماهية المصطلحة ايضا اذ قال لايقال له ما هو و الماهية مشتقة منه علي ما عرفت و ورد في الدعوات و الاخبار شواهد ذلك كثيرا مفصلا و مجملا سمع ابوالحسن عليه السلام يقول في الله عز و جل هو اللطيف الخبير السميع البصير الواحد الاحد الصمد لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد منشئ الاشياء و مجسم الاجسام و مصوّر الصور لو كان كما يقولون لم‌يعرف الخالق من المخلوق و لا المنشئ من المنشأ فرق بين من جسمه و صوره و انشأه اذ كان لايشبهه شئ و لايشبه هو شيئا ، انظر الفرق بين الحق و الباطل و ميّز المحلي من العاطل ، امامك يقول انه مصوّر الصورة و حكيمهم يقول ان الله لم‌يجعل المشمش مشمشا و كذلك في خطبة الرضا عليه السلام في التوحيد كفاية و بلاغ يقول عليه السلام : فيها بتشعيره المشاعر عُرف ان لا مشعر له و بتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له و بمضادّته بين الاشياء عرف ان لا ضدّ له و بمقارنته بين الامور عرف ان لا قرين له ضاد النور بالظلمة و الجلاية بالبهم [ص 59] الخطبة ، و بالجملة الاخبار نادية بمجعولية الماهيات بجعل الله سبحانه و الكتاب صريح في ذلك الاتري الي قوله عز و جل قل الله خالق كل شئ فان الماهية شئ لا محالة فالله خالقها و قال يصوّركم في الارحام و الآيات الواردة في خلق الظلمات و النور و جعلها نادية بذلك و الادلة العقلية ايضا قائمة اقتصر ببعضها . فاقول من طريق المجادلة ان الماهية شئ بلا كلام فان قلت انها لاشئ صرف قد احلت فان العقل السليم حاكم بشيئيتها و المدعي لاينكر ذلك فان قلت انها شئ اقول هل تكون حقا او خلقا و لا برزخ بينهما كما قال الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ه‍ ، فان الشئ اما يكون خالقا او مخلوقا و لايجوز ان يكون شئ لايكون خالقا و لا مخلوقا و ان قال قائل ذلك فقد احال و ليس في محال القول حجة و لا في المسألة عنه جواب ، فانصف هل يكون الماهية حقا خالقا للاشياء مع ما بها من النقص و الفاقة التي حملتهم علي سلب الوجود عنها بالمرة او تكون خلقا لا شك في خلقيتها و تري آثار الخلقية عليها باهرة ظاهرة فثبت بالاجمال انها خلق و لايقول احد انها الخالق و لذا لم‌نبسط القول فيه . و علي نحو الموعظة بالتي هي احسن نقول انصف هل تكون مشية الله سبحانه بسيطة نافذة في النور و الظلمات و الوجود و الماهيات تكون اوفق بالكمال الاحدي و النور السرمدي او لاتكون هكذا بل الاول اوفق و اقرب من البساطة و الاحدية و الله لايتركه البتة و ان قلت ان الماهيات اعدام و نقايص اقول اما العدمية فقد عرفت مما مضي بطلانها و اما النقص فليس سبب عدم تجلي المشية لها فان جميع الخلق واقع علي التدرج فبعضه في اعلي مدارج الكمال و بعضه في منتهي درجة الاضمحلال و لو كان تجلي المشية للنواقص نقصا للزم عدم ايجاد شئ سوي اول ما خلق الله فليس التجلي للناقص نقصا و ان قلت ان جميع النقايص من الماهية و اختلاف المراتب منها اقول فهي شئ صار سبب النقص كائنا ما كان و بقدر شيئيتها كائنة [ص 60] و بقدر كينونتها تحكي عن مشية الله ففعل الله متعلق بها . و بطريق الحكمة اقول قد ظهر مما مضي في الفصل السابق ان الله سبحانه خلق اول ما خلق مشيته بنفسها بنص الامام عليه السلام فانية المشية التي هي ماهيتها مجعولة بجعل خاص من الله سبحانه هو نفس المشية و حيث ربها ثم خلق جميع الاشياء بالمشية بنحو التجلي فتجلّت لجميعها موادها و صورها و اول ما تجلت تجلت بنور واحد مستطيل و ضياء طويل نقطة واحدة في المنظر متكثرة في المخبر و قد ظهر في مرايا القوابل بانواع الالوان باختلاف الميزان ففي المواد بالمادية و في الصور بالصورية و خلق كل شئ بما فيه من نور المشية و شعاعها و يسمّي هذا النور برأس المشية المتعلق بهذا الشئ الخاص و قد ثبت في الحكمة ان العلة اعلي درجة المعلول و السبب فوق المسبب اذ لا بدّ من المناسبة التامة الكاملة بينهما و لايوجد بين شيئين مناسبة تامة فالعلة اعلي درجة المعلول فعلي ذلك كما يكون بعض الاشياء مقدما علي بعض يكون الرأس المتعلق به مقدما علي ما تأخر عنه و كما يكون بعض الاشياء مترتبا علي بعض يكون الرؤس المتعلقة بها ايضا هكذا فالعلل دايما علي حسب المعلولات كما ان المعلولات بحسبها فكما يكون نفس الماهية مترتبة علي الوجود اذ وجودها وصفي كذلك الجعل المتعلق بها مترتب علي الجعل المتعلق بالوجود و صفته و لايكون ذلك سبب عدم المجعولية فزيد مثلا مجعول و قيامه مجعول و نسبة الجعل المتعلق بالقيام الي جعل زيد كنسبة القيام الي زيد و كذلك نسبة جعل القمر الي جعل الشمس كنسبة القمر الي الشمس و سيجيء بيان ذلك مفصلا ان شاء الله في مقام بيان خلق الخلق و اعلم ان الماهية لاتكون مجعولة لنفسها بل هي مجعولة للوجود .

و احبّ ان اتبرك في المقام بعبارة متينة محكمة من ابي العلام اعلي الله مقامه قال بعد كلام طويل له في بيان الماهية و مجعوليتها و بعض ما يقال فيها :

[ص 61] اعلم ان بعد ما كرّرنا و رددنا القول قد ظهر للناظر الخبير و الناقد البصير ان الماهية هي مقام القابلية و الانفعال و لم‌يتعلق بها غرض الله سبحانه من الخلقة اولا و بالذات و انما تعلق بها الغرض لاجل استمساك الوجود و ظهوره اذ هي انفعال و اثر للوجود و الاثر لايساوق المؤثر فيما له لذاته و لايتقدم عليه و هي صورة الوجود و صفته و الصورة عرض فكيف يكون مجعولا لذاته كالوجود و بيان ذلك علي سبيل الاجمال و عدم اطالة المقال ان الشئ مركب من مادة و هي الاب و من صورة و هي الام و بذلك ورد الاثر عن الصادق عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخ المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة ، و انت تعلم ان مدخول مِن في مقام الحكمة لبيان المادة كما تقول صنعت الخاتم من فضة و كما قال في تفسير قول النبي صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله اي النور الذي خلق منه فالنور مادة المؤمن و ابوه و الرحمة صبغه و صورته و امه فالصورة زوج المادة و قد نكحتها و زوجتها فولد منهما الشئ و قد قرأت قوله تعالي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها فالمرأة مخلوقة من نفس الرجل كما بيّنا ان الماهية مخلوقة من نفس الوجود و نفس الشئ هي ضلعه الايسر كما ان عقله ضلعه الايمن و انت تعلم ان المرأة ليست مخلوقة بالذات و انما خلقت لان يسكن اليها زوجها و يستريح اليها و يستأنس بها و المخلوق بالذات انما هو الرجل قال الله تعالي و من آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها و جعل بينكم مودة و رحمة فخلقة الزوج لان يسكن اليها الرجل لا غير و وجودها متأخر عن وجود الرجل و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ، فخلقة الماهية من نفس الوجود و بعده لان يسكن اليها الوجود لا لنفسها فكيف يمكن ان يكون مجعولا بالذات من وجوده لاجل سكون الغير و استمساكه ماتري في خلق الرحمن [ص 62] من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير ، انتهي كلامه اعلي الله مقامه و في كلامه مع ما شرحناه سابقا كفاية و بلاغ ان شاء الله .

عقدة و حلّ اذا قيل ان الماهية نقص و شرّ فكيف تصدر من مشية الله مع انها بتمامها خير و نور و كمال فان كانت مخلوقة بها فهي اثرها و الاثر يشابه صفة مؤثره فلمَ صارت علي خلافها و ان لم‌تكن مخلوقة بها فهي غير مجعولة نقول علي سبيل الايجاز ان الله سبحانه ذات احدية و هي منزهة عن جميع الصفات بريئة عن كل الخصوصيات هي هي وحدها وحدها بلا اسم و رسم و وصف تفسخت دونها النعوت و بتجهيره الجواهر عُرف ان لا جوهر له و بتغريزه الغرايز عرف ان لا غريزة له و بتعريضه الاعراض عُلم ان لا عرض له و بمضادته بين الاشياء علم ان لا ضد له و جميع الصفات من الخلق و اليهم و كمالاتهم و نقائصهم كلها ترجع اليهم و قد خلقها الله جل شانه و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و ما تري من انه يعبّر عنه تعالي باسماء فهي تعبيرات في الخلق و منهم اختير لهم احكي الضدين ليعبّروا به عن ربهم و يناجوه به و الا فنسبة هذه الاسماء و اضدادها و ساير الاسماء الخلقية اليه شرع سواء فليس النور اقرب اليه من الظلمة و لا السميع من الاصم فان الجميع كمالات خلقية بل اقول ان اسم زيد و عمرو بالنسبة اليه كساير الاسماء المنسوبة اليه الا ان الاسماء التي اختاروها له جهات فعليتها اقوي و وجودها اكثر فافهم ان كنت تفهم و اما ذاته فهي مقدسة عن جميعها بل تقدست اسماؤه و جل ثناؤه و هو تعالي عن القدس و غيره و كمال التوحيد نفي جميع الصفات عنه يعني السكوت عنه بالمرّة فان فزت بتوحيد هكذا فانت انت و الا فاقنع بالاسماء و الصفات و حم حول مواقعها حتي تبلغ قرار المعرفة بين العارفين ، الحاصل فذات الله منزّهة عن كل الخلق بالمرّة و لاتظهر [ص 63] بالاعراض لا في رتبته و لا في رتبتها و اما المشية فهي فعله الصادر منه بالايجاد و اول خلقه في الانوجاد و هو فوق الكيوف و خالق جميع الكلمات و الحروف فلا كيف له كما لا كيف للذات و لايعرضه ايضا شئ من الاسماء و الصفات بل هو فعل مطلق و نور متألق للحق فنسبته الي جميع المشاءات شرع سواء قد اراك الله آيته في نفسك بل اراك آية نفسه تعالي ايضا فانظر الي ذاتك فانها منزهة عن جميع صفاتك و افعالك فانها نفسك و حقيقتك و ليس معها غيرها و لو كان معها لماكنت انت انت ثم فعلك المطلق صرف حركتك المطلقة و الحركة المطلقة منزهة عن جميع افعالك و كلها ظهوراتها و متمماتها و لا تعيّن لها بشئ منها بل اقول ان تخصصها بذاتها بواحد منها و لو كان خيرا لكان نقصا لانها لو خصّت بشئ منها لاتكاد تظهر بعد في غيرها فانها لو كانت قياما لاتتجلي بالقعود و هكذا و لكن الفعل المطلق يتجلي في كل منها و صلوح تجليه بجميعها لايكون نقصا له بل جميعها كماله و يظهر بجميعها فالوجود احد ظهوريه و الماهية احدهما و لكونه مطلقا لايكون بصفة النور حتي لايصدر منه الماهية بل هو مطلق كفعلك مثلا فانه يتجلي بالصلوة و تركها و ليس علي صفة الصلوة حتي لايظهر بعدمها فافهم ذلك و الذي قصر نظره و قل فكره يزعم ان الخير من الافعال الخاصة خير للمطلق ايضا مع ان الخير له الاطلاق و الخير للخير خير و الشر للشر خير و الكل كمال الفعل و جميعها آيات الله .

بيان آخر لا بدّ من الفرق بين الكون و الشرع و سيجيء بيانهما مفصلا اما عالم الكون فعالم وجودات الاشياء و اكوانها و جميعها بالنسبة الي كينونة الله جل شانه و ظهورها الذي هو المشية خير و نور وجودا كان او ماهية و الخير في هذه العرصة هو الكون و الوجود و هو ثابت للماهية و لو بالفرعية و اما الشرع فهو في مقام سير الكثرات في انفسها الي مباديها ففي هذا السير ينفعهم امور و يضرّهم امور فكل ما ينفعهم خير و نور و ما يضرّهم شرّ و ظلمة و ما من [ص 64] المبدأ خير و ما من المنتهي شرّ ماهيةً كانت او وجودا فتدبر .

فصل - في بيان ان الماهية جهة قابلية الشئ و لا بدّ في وجود كل شئ منها بطرز بديع و بيان رفيع ، فاعلم كما عرفت سابقا ان الله احد يجلّ عن الاسماء و الصفات انه كذلك يعلو عن الاقتضاء من حيث نفسه لان الاقتضاء صفة غير الذات فانه ان كان عين الذات من جميع الحيوث و الجهات فهو هي و هي هو مع انه لايتصور اتحاد الصفة مع الذات و ان كان غيرها مع انه غيرها بداهة فلايعرضها مع ان الاقتضاء صفة القابلية و هي الفقدان و الفقدان من النقص و تعالي عن ذلك الله الرحمن علي انه بمعني طلب القضاء فان كان بذاته اقتضاءا فله قاضٍ فوقه بقضائه و يلزم من ذلك ان يكون قابلا لفعل غيره بل القابل الطالب للقضاء ايضا غير نفس الاقتضاء بل هو جوهر و اقتضاؤه فعله و فعله عرضه و لايفرض في الذات ان تكون عرض غيرها و جميع ذلك صفة الحدوث و التركيب و الله منزّه عن جميع ذلك فالاقتضاء لايكون منه تعالي فهو صفة الخلق لا صفة الله بل اقول انه تعالي منزه عن القضاء بذاته فضلا من الاقتضاء و لكنه سبحانه تجلي بالقضاء بلا كيف فقضي ما قضي و قضاؤه بمشيته فالله الذي لا اقتضاء له من نفسه لايقضي بامر خاص بل له قضاء مطلق بمشية مطلقة فان صفة المشية ايضا الاطلاق و الابهام و هي ايضا لاتقتضي بنفسها امرا لان الاقتضاء صفة الفقد و هي بكلها فعلية لانها كمال الله جل و عز و ان كانت صلوح فعل و ايجاد بالنسبة الي ما دونها و لكنها في حدّ نفسها جامعة لجميع الكمالات علي ما ينبغي لها ، هذا و القضاء من الله من غير اقتضاء محال لانه من الاقتضاء فان الشئ ما لم‌يقتض امرا من نفسه لايقضي به بميله و قد عرفت ان الله سبحانه لايقتضي شيئا و المشية محل القضاء فلا بدّ و ان يكون المقتضي دونها لان الاقتضاء فرع القضاء فكلما اقتضي احد شيئا يقضي الله به و يكشف عن جميع ذلك قوله تعالي قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم و قال ادعوني استجب لكم فاذا اقتضي احد امرا من [ص 65] الاسفل يقضي الله به من الاعلي و هو القاضي و الخلق هو المقتضِي بالكسر و الله يقضي بمقتضاه لا محالة و ما يقال ان الخلق من الله جود محض لاينافي ذلك لانه تعالي احد و لايحتم عليه بشئ فان شاء يعطي كل مقتضٍ ما يقتضيه و ان شاء يمنعهم و قد وعد بجوده و كرمه ان يجيب دعاءهم فيعطي من اقتضي شيئا بوعده باختياره و بالجملة فالحاصل ان القضاء من الله و الاقتضاء من الخلق مع ان الخلق برُمّتهم من قضاء الله و به فلولا قضاؤه و قدره لم‌يخلق شئ فاذا كان نفس الخلق بقضائه ففعلهم ايضا بقضائه و قدره و مع ذلك لاينسب فعلهم اليه بل ينسب الي الخلق و الله يقضي بالحق اي بالامر المستقرّ الثابت في الخلق فاذا كان الامر هكذا لزم ان يكون القضاء و الاقتضاء متساوقين كالكسر و الانكسار فان الكسر فعل الكاسر و الانكسار فعل المنكسر و ما لم‌يكن الكسر لايكون الانكسار و ما لم‌يكن الانكسار لايكون كسر فهما معا انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و الكسر فوق الانكسار دائما لايفارقه و الانكسار دونه نعم الكسر يتوقف علي الانكسار توقف ظهور و الانكسار يتوقف عليه توقف تحقق فان الانكسار من نفس الكسر و ذلك لان المنكسر الحقيقي هو الذي قبل ان يكون كسرا فالمنكسر نفس الكسر اي جهته من نفسه و اما الكاس فهو المفعول به لا المفعول المطلق و المفعول المطلق منفعل و المفعول به منفعل به فالمنكسر هو الكسر و الكاس منكسر به ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان القضاء و الاقتضاء متساوقان في الوجود و البروز في ملكه سبحانه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الكسر فعل الكاسر و الانكسار فعل المنكسر اي الكسر و كل فعل اثر فاعله و كل اثر وجوده متأخر عن وجود فاعله قائم به يدور معه وجودا و عدما تابع له كالضوء للسراج فالكاسر هو زيد مثلا و فعله كسر و مفعوله الكسر و المنكسر نفس الكسر و فعلها انكسر و مفعوله الانكسار و الانكسار هو الكسر فانه المقبول و المنكسر هو القابل و نفس [ص 66] الكسر و قبل فعله فالقابل المنكسر هو الماهية و الكسر المقبول هو الوجود فالكسر هو اثر الكاسر و المفاض منه علي حسب القابل و سرعة قبوله و بطئه و صلابته و رخاوته و الانكسار هو اثر المنكسر و هو من نفس الكسر كما بيّنا و شرحنا و لكن الله سبحانه يفعل كل شئ بسببه و آلته لا لاجل عجزه عن اجراء ارادته بل لعجز المفاعيل فلا كل مفعول ينفعل بكل شئ الاتري ان الحجر مثلا لاينفعل بالمنشار فلايتقطع و ينفعل بالمعول و يتقطع و الخشب ينفعل بالمنشار و لاينفعل بالمعول علي حسب ما تريد و الكثيف لاينفعل باللطيف من دون توسط البرازخ فلذلك قال الصادق عليه السلام ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها ، فالكسر يصدر من الله سبحانه بواسطة كسر و لايحتاج في صدوره الي غير الكاسر و اما الانكسار فلايمكن ان يصدر من الله سبحانه اذ لو كان صادرا منه لنسب اليه فيقال انكسر الله و هذا كفر صراح مع ان الانكسار ايضا شئ مخلوق و قد ثبت ان الله خالق كل شئ و ان قيل ان الله لم‌يخلقه يردّه الكتاب و السنة فالمخلص من هذا ان نقول كل من عند الله ، ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون و امره سبحانه واحد و لو لم‌يكن سبب جري امره علي نهج واحد و شكل واحد قال الله و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و سرّ التشبيه ان الامر القولي فيه اختلاف لا محالة اذ القول تعبير بالحروف كقوله انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فالكاف غير النون و النون غير الكاف و قد اراد سبحانه ان يبيّن وحدة امره من جميع الحيوث فشبّهه باللمح بالبصر اذ ليس فيه اختلاف بوجه من الوجوه و هذا الامر الواحد لما انطبع في بطون مرايا الاسباب و العلل و الوسايط انعكس منها علي حسب قابليتها فالعكس فيها كالروح و الوسايط كالاجساد تنصبغ الروح في الاجساد علي حسبها و ذلك قول علي عليه السلام القدر في اعمال العباد كالروح في الجسد ، فالكسر جري منه سبحانه اولا علي [ص 67] حسب مشيته سبحانه و الانكسار ايضا شئ و هو شرط لظهور الكسر كما عرفت و منه صورة الكسر و هيئته فان الكسر بحسب اختلاف الانكسارات تختلف هيئاته فلا بدّ و ان يخلق الانكسار ايضا حتي يكون به ظهور الكسر و قوامه و لايمكن ان يصدر من مشيته سبحانه بلا واسطة لما قلنا ان الله لاينكسر و لا بدّ و ان ينكسر الكسر فالقي الله سبحانه مثال مشيته و حركته المطلقة الايجادية في بطن الكسر فانصبغ و تهيّأ بالكاف و السين و الراء فنفذ في جميع مقاماته حتي وصل الي عينه و نفسه التي حرفها النون و هي النون التي في كُن فان الكاف خلق بها الوجود و النون خلقت بها الماهية و اما سرّ صدورها عن فعل الله بلفظ رفيق ان الوجود كل ما بعد عن مبدئه صار اضعف و ابرد و اكثف و ان الحركة الايجادية لما ان انطبعت فيه و بلغت اقصي غايته انصبغت بصبغ نفسه و ابعد غاياته فبلغ انصباغها ما اخفي لطيفتها و انساها مبدأها فصارت تسجد للشمس من دون الله و رجع ضمير الانكسار الي نفس الكسر و هو قوله تعالي خلق لكم من انفسكم ازواجا و لم‌يقل من عقولكم و اما ظلمة النفس فخلقت بنفسها كما خلق النور بنفسه و نسبة المشية اليهما بالسواء و ان كانت الظلمة خلقت لاجل النور و يكفي هذا القدر من البيان لاهل العيان و ما ذكرته في هذا الفصل رواية عن ابي العلامة باللفظ او المعني فاحفظه فانه فصل شريف .

المقام الثاني

في بيان الكلية و الجزئية و ما يتعلق بهما من المسائل و فيه فصول :

فصل - بعد ما ثبت لك ما بيّناه سابقا من ان الشئ شئ بوجوده و ماهيته يظهر لك ان شاء الله ان الكلي كلي بمادته و صورته و الجزئي جزئي بمادته و صورته و كل شئ هو هو بمادته و صورته فان الجسم المطلق له مادة هي وجوده و صورة هي ماهيته و هما كليتان و الاجسام الجزئية لها مواد جزئية [ص 68] و صور جزئية نعم الكلية و الجزئية امران اضافيان فان الكلي كلي بالنسبة الي ما دونه جزئي بالنسبة الي ما فوقه نعم المبدأ كلي بالنسبة الي ما دونه ثم لايكون جزئيا لانه لايكون مسبوقا بغيره و المنتهي يكون جزئيا ثم لايكون كليا لانه لايكون سابقا علي شئ و لايلزم من ذلك ان يكونا من المعقولات من دون وجودهما في الخارج كما سنبينه ان شاء الله و اعلم ان القوم انظارهم مقصورة علي المفاهيم من الالفاظ فان غاية حظّهم من الحقايق ما يستنبطونه من الاسامي و الفاظ الصفات و منتهي نصيبهم من البرهان القضايا المنطقية و القياسات اللفظية انظر بعين الانصاف تجد ذلك علانية فلذلك تري منهم تحقيقات غايتها معرفة الالفاظ و من ذلك ما يقولون في كلية الماهية بعد ما نظروا الي لفظ الماهية و رأوا انها مأخوذة من ما هي و ليس في معناه خصوصية بشئ خاص و تشخص قالوا ان الماهية كلية فتحيّروا في وجه تشخص الاشخاص فقالوا انه من الوجود و قال قائل منهم في مقام هكذا و في مقام آخر قال ان الماهية من هي لاتكون كلية و لا جزئية بل ليس مفهومها سوي نفسها و استدل بان الانسان يوجد متشخصا و يتعقل كليا و لكن اشار الي انه لايريد من ذلك خلو الشئ عن الكلية و الجزئية و ما عداهما من الاضداد التي عدّها في الواقع و الحقيقة فان سلب الاتصاف من حيث لاينافي الاتصاف من حيث و بالجملة لااريد ذكر اقوالهم و ردّها و لكني اريد بيان الحق في المقام و يظهر لك مما مضي حق القول في اغلب المسائل الا اني اريد بيان المسألة و يقتضي بيانه رسم فصل خاص .

فصل اقول ماذا تريد من كلية الماهية و تشخصها بالوجود هل مرادك مفهوم لفظ الماهية فلا كلام فيه و لايفيد ذلك لنا شيئا او تريد مصداقها في الخارج فان كان مرادك المصداق الخارجي اقول لايخلو من قسمين ان يكون المراد منها صورة الاشياء او حيث ظلمتها و عبوديتها و كل منهما علي حسب الموجودات الخارجية فصورة السماء و عبوديتها سماويتان و من الارض ارضيتان و من الشخص [ص 69] شخصيتان و من النوع نوعيتان و من الفرد فرديتان و يشهد بذلك الشهود و العيان فالاحسن ان تقول ان نفس الماهية في الكلي كلية و في الجزئي جزئية ثم ما مرادك من الوجود هل هو الرب المعبود فهو لايتصور في الاشياء و لايدخل فيها او المنبسط فمع بطلان ذلك من جهات نقول هو بنفسه واحد عام فكيف يصير سبب اختصاص الماهية بعد الاتصال بها مع انكم تقرّون بان باتصال الكليات لايحصل الخصوصيات و ان كان المراد منه المادة كما هو الحق فكيف يكون سبب الاختصاص مع انه بنفسه كلي مبهم لا اختصاص له بوجه من الوجوه فتدبر انظر الي التراب هل يكون سبب اختصاص اللبنية حاشا ان يكون هكذا فان فاقد الشئ لايكون معطيا له و المادة بنفسها قوة و عدم فكيف يتصور ذلك في القوة هذا و الماهية بنفسها كلية فهي عندكم لاتكون موجودة في الخارج و وجودها ذهني فهل يخصص ما في الذهن بالوجود الخارجي فيلزم من ذلك ان لايكون في الخارج سماء و ارض و زيد و عمرو و كان جميعها من خيالاتنا و ذلك مما يضحك منه الثكلي او يكون بغير هذا الوجه فهم اعلم بقولهم و حق القول ان الماهية حيث نفس الشئ و انيته و صورته و في الاصطلاح الخاص هو الصورة النوعية و لايكون الشئ شيئا الا بوجوده و ماهيته و قيام الشئ بهما قيام تحققي و ما من الوجود النور و البقاء و الفيض و ما من الماهية الخصوصية و التعيّن قال عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته ، فالنور مادته و الرحمة صبغه و صورته و خصوصيته غاية الامر انها في كل شئ بحسبه فالخلق الاول الذي هو الامكان الاعلي ماهيته نوعية مبهمة و وجوده بحسبها البتة فان الماهية نفس الوجود و نهاياته فهو مركب من وجود مبهم و ماهية نوعية و هما معا شئ واحد نوعي ثم قبض الله من ظلّ هذا المخلوق حصصا مختلفة في مراتب الاكوان و الاعيان و كل حصة مركبة من وجود و ماهية وجودها من ظلّ وجوده و ماهيتها من ماهيته [ص 70] فركبهما و صنع بيده الشخصيات باختلاف درجاتها و مقاماتها و هذا سرّ الخصوصية و الاختصاص من الوجود و الماهية كليهما كما تري في هذه العرصة ان الخشب مركب من وجود و ماهية وجوده العناصر الاربعة و ماهيته صورة الخشبية و كلاهما نوعيان بالنسبة الي ما ينحت من الخشب فيأخذ النجّار قطعة من الخشب فيصوّرها بصورة السرير مثلا فالخصوصية من هذه القطعة الخاصة و صورة السرير بصنع النجّار و هذا في عالم الاعراض و اما المثل الحقيقي فنفس القطعة المأخوذة فان مادتها قطعة من مادة الخشب المطلق اي ظلها و صورتها الخاصة من صورته فمادة و صورة الخشب المطلق مطلقتان و من الخشب الخاص خاصتان و كما ان الخشب المطلق مركبا يعطي اسمه و رسمه الخشب الخاص و يظهر منه اذ هو فرده كذلك مادته تظهر من مادته و صورته من صورته و بتركيبهما يحصل المولود الخاص فهذا سرّ الاختصاص في الملك لا ما زعموه فان في بيانهم من المفاسد ما لاتحصي .

فصل في بيان الكلي و الجزئي عن المنطقيين ، ان المفهوم و هو ما حصل في العقل اِما كلي و اما جزئي لانه اِما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه و اما لايمنع فان منع فهو الجزئي كزيد و هذا الانسان و الا فهو الكلي كالانسان فان له مفهوما مشتركا بين افراده بان يقال لكل واحد منها انه هو ثمّ ان لهم تحقيقات في وجوه بياناتهم في الحد و قيل ان الكلي هو المعني الذي المفهوم منه في النفس لايمتنع نسبته الي اشياء كثيرة يطابقها نسبة متشاكلة كما ان للانسان معني في النفس و ذلك المعني مطابق لزيد و عمرو و خالد علي وجه واحد لان كل واحد منهم انسان و لايخفي انهما ناقصان فانهما بينا بعض صفات الكلي و شؤنه و لم‌يحسنوا التعبير عنه بما يوافق الحكمة و الصواب و لكني لست بصدد الردّ و البحث فانه لا فائدة فيه و لكني ابيّن لك صفة الكلي في الجملة و قال ابي (اع) في تعريفهما ان الموجود ان كان صادقا علي الكثيرين فهو من حيث [ص 71] صدقه كلي و الا فهو جزئي و تعريفه (اع) اجمع و اكمل ثمّ انهم قسّموا الكلي الي طبيعي و عقلي و منطقي فقالوا ان الماهية اذا اخذت من حيث هي لا غير كالانسان سمّيت طبيعيا و هذا يعطي ما تحته من كل فرد اسمه و حدّه و انما يطلق عليه الكلي بالنظر الي صدقه علي كل فرد من افراد تلك الماهية و اذا اخذت من حيث انها صالحة لكل فرد فهذا هو الطبيعي الحقيقي فهل يعطي هذا كل فرد اسمه و حدّه ام لا ، فيه احتمالان سيجيء بيانهما و ان اخذت معروضة للكلي فهو الكلي المنطقي و اذا اخذت من حيث انهما المعروض اعني الطبيعي و العارض اعني الكلي المنطقي فهذا هو الكلي العقلي ، توضيح ذلك ما قاله بعض اخر ان مفهوم الكلي كلي منطقي و معروضه كالانسان مثلا كلي طبيعي و مجموع العارض و المعروض كلي عقلي اي لا وجود له في الخارج و الطبيعي اعني الماهية بشرط لا شئ و بلا شرط هو الذي يسمّيه الاصوليون بالمطلق و انه جنس للخاص و العام و اعلم ان مفهوم الكلية غير ذات المطلق فانه بذاته هو هو كالانسان المطلق فان ماهيته غير الكلية و هي صفة عارضة بالنسبة الي افراده و لذا نقول ان غير المبدأ و المنتهي كلي بالنسبة الي الاسفل جزئي بالنسبة الي الاعلي فماهية الانسان او الحيوان او غيرهما انه هو هو غاية الامر انها صالحة للظهور بصور كثيرة و صلوحها غير ذاتها و سيأتي زيادة بيان لذلك عن قليل ان شاء الله و اعلم انهم اختلفوا في وجود الكليات في الخارج و عدمه فمنهم من قال ان الكلي الطبيعي موجود في الخارج و الكلي المنطقي يلزمه فانه به يقال انه كلي فهو ايضا موجود في الخارج و العقلي حاصل من نسبتهما و من نفي وجود الجميع و منهم من اثبت الطبيعي و نفاهما و ادعي بعض الاتفاق علي عدم وجودهما ثم تكلّموا في نحو وجود الكلي الطبيعي هل هو جزء الاشخاص او وجوده وجودها او بغير ذلك من الوجوه و لكل قائل دليل و لا حاجة الي نقل الاقوال و بيان الادلة فان كتب القوم بها مشحونة [ص 72] و انا اريد بيان الحق في المقام فاقول ان جميعها موجود في الخارج غاية الامر ان بعض الاشياء في الدنيا و بعضها في المثال و بعضها في الدهر

و لكل وجدتُ منهم مقاما ذكره في الكلام مما يطول

و القوم لم‌يجدوا الا عالم الاجسام و ذكروا اسما من عالم المجردات عميانا فسمّوا عالم الاجسام بالخارج فكل ما لم‌يجدوه في الخارج سمّوه ذهنيا و آل‌محمد سلام الله عليهم ذكروا عوالم كثيرة غير هذا العالم و سمّوا لها مواليد و اثبتوا لها وجودات خارجية من جاس خلال اخبارهم عرفها فالكلي الطبيعي موجود في الخارج و لكن عرصته غير الدنيا بل هو من المواليد المثالية او الدهرية و الناس يطلبونه في عالم الاجسام فلايجدونه بل البراهين تنفي وجوده في عرضها و معها و في ضمنها بمعني الجزئية و لكن اذا عرفت انه في عالم المثال او الدهر و ظهر بتجليه فيها وقفت علي الحق المقصود و الله سبحانه اعطي الانسان بل الحيوانات مشعرا من سنخه يعرف به و كذلك الكلي المنطقي فانا قد اشبعنا القول سابقا في ان ما يجده الانسان في ذهنه يتّخذه من الخارج قال الله تعالي ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم ، و سئل الامام عليه السلام عن وجه خلق الخلق علي انواع شتّي قال لئلايقع في الاوهام انه عاجز فلاتقع صورة في وهم ملحد الا و قد خلق الله عز و جل عليها خلقا و لايقول قائل هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق علي صورة كذا و كذا الا وجد مثل ذلك في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انه علي كل شئ قدير ، حتي انّا نقول ان بحر الزيبق مثلا موجود و من له الف رأس موجود الا انه في عالم المثال لا الدنيا فالكلية اي الكلي المنطقي امر موجود في الخارج الا انه صفة تعرض ماهية و وجودها كوجود ساير المعقولات الثانوية يستنبطها العقل من الماهية الثابتة و في الواقع الكلية موجودة كما ان الجزئية موجودة [ص 73] كما ان ارتفاع السماء و انحطاط الارض موجودان في الخارج علي خلاف ما زعموا فان جميعها موجود و كذلك العقلي موجود فانه ايضا شئ هذا و نقول ان نسبة الشئ الي شئ من دون وجودهما في الخارج باطل و ان كانت النسبة مع وجودهما فالنسبة خارجية و ان كان وجودها ذهنيا لا خارجيا يلزم من ذلك انقطاع المعقولات بذهاب الاذهان او عدم تعقلها حينا مّا فان العقل السليم يجوز ان لايتعقل احد شيئا حينا مّا فحينئذ يلزم ان لايكون مثلا السماء رفيعة و الارض وضيعة و يكذب ذلك العقل السليم و الكتاب الكريم و احاديث الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و فيما مرّ سابقا في بيان ذلك كفاية و بلاغ ان شاء الله .

تبيين نكشف فيه عن حقيقة الكليات ان شاء الله فاقول ان الماهية اذا اخذت لا بشرط شئ مطلقا فهي مطلقة عن جميع القيود التي دونها و مرادنا من الماهية الماهية المركبة مع الوجود لا الماهية الصرف فانهم يعدّونها صرفا كلية و لكنا نقول انه لم‌يخلق الله ماهية صرفا بلا وجود و ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، فالماهية اللابشرط التي ذكرنا لها وجود و وجودها مادتها ، فحاصل الكلام انك اذا اخذت الموجود بلا شرط شئ معه يكون منزّها عن كل شئ مما سواه و هو هو فان كان دونه اشياء يصدق عليها اسم هذا الموجود اي يعطي ما دونه اسمه و حدّه يسمّي من حيث صدق اسمه عليها كليا و الا فيسمّي من حيث انطوائه تحت ما هو فوقه جزئيا و ان كان منطويا تحت كلي فوقه طاويا لافراد دونه يكون كليا لاشياء جزئيا لشئ او اشياء ، فعلي ذلك ربما يكون موجود كليا بالنسبة الي ما دونه جزئيا بالنسبة الي ما فوقه و الموصوف بالكلية من حيث هو هو لايسمّي بالكلي بل هو ماهية مطلقة و الكلية صفة لها و لذا قلنا انه من حيث صدقه يسمّي كليا فلاتغفل هذا علي اصطلاحهم و اما علي اصطلاحنا فنقول ان المطلق اللابشرط من حيث [ص 74] نفسه منزه عن جميع القيود حتي الكلية و الجزئية الاتري انه يظهر في الجزئيات و يصدق عليها الاتري الي الجسم المطلق مثلا فانه يصدق علي الحجر و المدر و الشجر و غيرها فتقول الحجر جسم مع جزئيته و الشجر جسم مع جزئيته و لو كان الجسم بنفسه موصوفا بالكلية علي ان تكون فصله لكان يصدق علي الحجر انه جسم كلي كما انه يصدق عليه حدّ الجسم فانه جوهر غليظ قابل للابعاد ، هذا و الكلي ما يقابل الجزئي و هذه الافراد الكثيرة ليست مقابلة للجسم بل هي ظهوراته و علاماته نعم الاولي ان يقال انه كل لان كل جزء جسم و المجموع جسم فالكل جسم فتدبر فاصل الجسم لايكون كليا بل هو جسم و ظهر اولا بالجسم بشرط لا الذي هو الطبيعي الحقيقي و هو مقام كل الاجسام الجزئية و مجموعها من حيث المجموع الذي سمّوه الاطباء مزاجا و هو غير المزاج و المزاج مقام اللابشرط عندنا و بعد ما ظهر في هذا المقام تشكل بالكلية و الابهام و سمّي بالاطلاق و ظهر منه في الاجسام الجزئية نعم مقام بشرط لا اي الصورة الكلية لم‌تظهر فيها من حيث التشخص فانها لازمة محلها و قد ظهرت في كل مع قطع النظر عن التشخص و ملاحظة الامكانية الاتري انك اذا قطعت النظر عن حجرية الحجر تري انه يصلح من حيث مادته لكل جسم و هذه المادة ظهور بشرط لا و اما اللابشرط فهو ظاهر في الشخص و المادة و غيرهما و لايحدّ بشئ منهما برهان ذلك علي نحو المجادلة ان من كان محدودا بالبياض لايتجلي به و من كان محدودا بالسواد لايتجلي به و من كان محدودا بالجزئية لايتجلي بها و من كان محدودا بالعين لايتجلي بها و الذي يحدّ بالبياض هو السواد و امثاله و الذي يحدّ بالجزئية هو الكلية و الذي يحدّ بالعين عين اخري او الامكان من حيث و اللابشرط صورته غير جميعها و فوقها فهو يظهر في جميعها و يعطي كلها اسمه و حدّه فالحجر جسم و مادته جسم و صورته جسم و مكانه جسم و بعضه جسم و كله جسم و مثله جسم ، فافهم [ص 75] ذلك و اتقنه حتي تفوز مع الفائزين ، الحاصل فالموجود الصادق علي كثيرين يسمّي في عرفهم بالكلي و يكفي هذا القدر من البيان في صفة الكلي علي الظاهر و لكنا نبيّن ان شاء الله في مقالة المبدأ و المعاد ما ينحل به العقد بحول الله الاحد الصمد .

فصل في بيان الجنس و النوع و الفصل و المادة ببيان جامع شريف ، فاعلم ان المنطقيين قالوا فيها كيت و كيت و اخذ منهم الكلاميون و الحكماء و بعضهم غلطوا في بيانها قال الآخوند (ره) حاكيا عن ابن‌سينا ان الماهية قد تؤخذ بشرط لا شئ بان يتصور معناها بشرط ان يكون ذلك المعني وحده بحيث يكون كل ما يقارنه زائدا عليه فيكون جزءا لذلك المجموع مادة له متقدما عليه في الوجودين فيمتنع حمله علي المجموع لانتفاء شرط الحمل و هو الاتحاد في الوجود و قد تؤخذ لا بشرط شئ بان يتصور معناها مع تجويز كونه وحده و كونه لا وحده بان يقترن مع شئ آخر فيحمل علي المجموع و علي نفسه وحده و الماهية المأخوذة كذلك قد تكون غير متحصلة بنفسها في الواقع بل يكون امرا محتملا للمقولية علي اشياء مختلفة الماهيات و انما يتحصل بما ينضاف اليه فيتخصص به و تصير بعينها احد تلك الاشياء فيكون جنسا و المنضاف اليه الذي قوّمه و جعله احد تلك الاشياء فصلا و قد تكون متحصلة في ذاتها غير متحصلة باعتبار انضياف امور اليها يجعلها كل واحدة منها احدي الحقايق المتأصلة كالانواع الداخلة تحت جنس فهي في نفسها نوع بل شخص واحد من نوع كهيولي عالم العناصر و من هذا نشأ اختلافهم في كون وحدتها نوعية او شخصية و لا معني للتنازع لانها في حدّ نفسها نوع منحصر في شخص و اذا اخذت لا بشرط شئ حصل لها ابهام جنسي بالقياس الي الصور المنوعة المنضافة اليها فالحيوان مثلا اذا اخذ بشرط ان لايكون معه شئ و ان اقترن به ناطق مثلا صار المجموع شيئا مركبا من الحيوان و الناطق و لايقال له [ص 76] حيوان كان مادة و اذا اخذ بشرط ان يكون مع الناطق متخصصا و متحصلا به كان نوعا و اذا اخذ لا بشرط ان يكون معه شئ و ان لايكون كان جنسا فالحيوان الاول جزء الانسان متقدم عليه في الوجود و الثاني نفسه و الثالث جنسه و جنس الاول ايضا فيكون محمولا و لايكون جزءا و انما يقال للجنس او الفصل جزء من النوع لان كلا منهما يقع جزء من حدّه ضرورة انه لا بدّ للعقل من ملاحظتهما في تحصيل صورة مطابقة للنوع الداخل تحت الجنس فبهذا الاعتبار يكون مقدما علي النوع في العقل بالطبع و اما بحسب الخارج فيكون متأخرا عنه لانه ما لم‌يوجد الانسان مثلا في الخارج لم‌يعقل له شئ يعمّه و غيره و شئ يخصّه و يحصله و يصيره هو هو بالفعل انتهي ، اقول اما في تسمية المراتب باسماء مختلفة فلا مشاحة اذ هي اصطلاحات و لكن وضع التقسيم و ملاحظة المقامات لايكون صحيحا في مسلكنا و انا ابيّن لك ان شاء الله حقيقة المسألة علي نهج الاختصار فاقول ان تخصيص الجنسية و النوعية بالماهية من شأن القوم و اما نحن فنقول ان الماهية ان كانت بمعني الصورة فالصورة المفردة البسيطة مما لايكون و ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته بل كل ممكن زوج تركيبي ، فالجنس له مادة و صورة و هو جنس بهما و النوع هكذا و الشخص هكذا و كل شئ هو هو بمادته و صورته فلاتخصّ هذه الصفات بالماهية و ان ارادوا من الماهية المعني الثاني اي عبودية الشئ بمادتها و صورتها فلهم ذلك و علي ايّ حال اقول كان الله و لا شئ معه من خلقه منزها عن جميع القيود مبرءا عن كل الحدود لم‌يكن كليا و لا جزئيا و لا جنسا و لا نوعا فلايعادله شئ منها و لايضادّه و لايماثله ، خلق اول ما خلق مشيته تامة كاملة جامعة ثم خلق اول ما خلق الوجود المخلوق الذي هو هيولي جميع الموجودات القابل للتصور بكلها و سيأتي صفته بعد ذلك و مضي سابقا ما ينبغي ان يراجع و هذه الهيولي الاولي بنفسها مركبة من مادة و صورة اما مادتها فهي [ص 77] شعاع الوجود الراجح فيها و ظله و هو الوجود و صورتها الجواز المطلق الذي هو اول القيود بعد الاطلاق و بهذه المادة و الصورة صارت قابلة للتصور بالصور المطلقة و المقيدة و لولاهما لماكان ما كان و هذه الهيولي قابلة للظهور بجميع الملك و الملكوت بل تعطي الجميع اسمها و حدّها لانها الطبيعة الاولي و نور الله و آيته العظمي و المطلق الذي لايقيّده شرط من الشروط و هو لا بشرط بالنسبة الي ما دونه و ان كان بشرط شئ بالنسبة الي الحق تعالي كما مرّ سابقا و هو حقيقة جميع الملك ظاهرة في كل الانواع و الافراد و الاجناس التي دونها و هي جنس الاجناس ثم اخذ الله سبحانه من هذا الوجود حصة يعني بالتنزل و خصّصها بالصورة الخاصة التي تسمّي بالفصل و هو مخلوق من ظل صورة الوجود الجايز الاعلي كما ان حصة المادة مخلوقة من مادته و كذا اخذ من هذه المادة الاولي اي الوجود حصصا و عيّنها بفصول جميعها مخلوقة من شعاع صورة الوجود الذي هو الجنس و صارت هذه الحصص بعد التلبس بالفصول انواعا تشمل افرادا فلكل نوع افراد هي اصناف متفقة الحقيقة مختلفة الصور و بعد ما اراد الله خلق الافراد اخذ حصصا من الانواع و صوّرها في بطون قوابلها بالشخصية فالشخصيات مخلوقة من ظل الفصل المطلق و المواد من المادة النوعية و امثّل لذلك مثالا ان الله سبحانه خلق الحيوان المطلق و صوّره بصورة الحيوة التي منها الحركة الارادية و الاحساس و غيرهما و هو الجنس لما دونه ثم اخذ من مادة الحيوان التي هي الوجود النازل فيه حصة و من صورته التي هي الحيوة حصة و هي الناطقية فخلق منهما الانسان الذي هو الحيوان الناطق فالناطق الذي هو الفصل من ظل صورة الحيوان المطلق و خبط من جعل الفصل الوجود نعم هو من صورة الوجود اي المادة العليا ثم اخذ حصصا من مادة الحيوان الناطق و صوّرها بصور مختلفة هي من صورة الحيوان الناطق في المرايا المختلفة ثمّ ان المراتب الواقعة بين الملك و الجبروت الذي منه جنس الاجناس قد يسمّي [ص 78] بعضها بالاجناس بالنسبة و الانواع هكذا بل الامر في الاشخاص ايضا هكذا فان زيدا مثلا شخص بالنسبة الي الانسان المطلق و لكنه نوع بالنسبة الي ما دونه غاية الامر انه علي قولهم منحصر في الفرد و علي قولنا لايكون منحصرا فان البدن الدنيوي الذي هو محل ظهور الفرد متجدد دائما و كل يوم زيد في شأن من الشؤن غاية الامر ان من شدّة اتصال الوارد بالصادر و تشاكله لايميّز بينهما و كذلك نقول ان لزيد صفات و اسماء و كلها افراده و هو يظهر في الجميع فهو ايضا كلي و سيأتي بيانه في علم المبدأ ان شاء الله فترقب .