فصل - اعلم ان الوجود قوامه بنفسه و الماهية قوامها بالوجود اما كون قوام [ص 27] وجود الحق بنفسه فلا اشكال فيه و برهنوا علي ذلك بادلة جدلية لاتسمن و لاتغني من جوع و لاتنفع عن الواقع شيئا كقولهم لو كان قائما بوجود آخر غيره للزم الدور او التسلسل فان هذا دليل لايسكن العقل به بل لايمنع العقل عنهما و نفوهما بدليل جدلي آخر غيرهما لايسكن العقل به و لكنا نقول في المقام ان وجود الحق جل شانه احد و ما سواه ممتنع معه فلايقوم بغيره اذ لا غير له مع ان القيام لايكون الا بعلة او مادة او صورة او مظهر و الله سبحانه منزّه عن جميعها اذ لايكون معلولا و كل معلول محدث و لايكون مركبا من مادة و صورة يقوم بهما و كل مركب حادث و لايحتاج الي مظهر و لايسعه ارضه و لا سماؤه حتي يظهر فيها و اما قلب المؤمن فلم‌يسعه بذاته بان تظهر فيه كظهور الشاخص في المرآة اذ ذلك صفة الحادث و لكنه يسع ظهوره بمعني انه صفته و نوره او محل صفته و نوره و الا فلايحيط به شئ من خلقه فعلي ذلك لايحتاج في قيامه الي شئ بوجه فهو هو قائم بنفسه و مع ذلك يكون لنفسه ايضا اذ لا غاية له سواه و هو غاية الغايات و نهاية النهايات و المغيّٰي غير الغاية و اما الوجود الخلقي فهو نور الله فيه و قد اوجده الله في مقامه و حدّه بنفسه لا بشئ غيره و قد ثبت في الحكمة ان كل اثر عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه اذ ما هو في عرضه و اسفل منه لايكون علته و ما هو اعلاه مطلق بالنسبة اليه فهو امكانه و ابهامه و الامكان لايكون علة الاكوان و ذلك سرّ من اسرار سادات الانس و الجان فالله سبحانه خلق كل مكوّن بنفسه و نفسه آية الوجود المطلق فيه و فرده فاذا نسبنا الشئ الي نفسه قلنا انه قائم بنفسه و هي المؤثر القريب المذكور و لكنه بالنسبة الي اعلاه ينسب اليه البتة فتدبر تجده الا ان الاعلي فاعل له بآلية نفسه فالوجود الخلقي ايضا قائم بنفسه و لكنه لغيره و تعرف ذلك من انطوائه تحت احدية الاحد و اما الماهية فوجودها بالوجود علي ما سنبينه لا علي قولهم و ان كانت مجعولة بجعل خاص ، الحاصل فالوجود المقيد بتمامه [ص 28] قائم بنفسه في الخارج فله تأصل لا محالة و من زعم خلاف ذلك فقد اخطأ الصواب .

فصل - و لما اتينا علي ذلك ناسب ان نذكر ان حقيقة الشئ ما هي ، فاعلم ان الحكماء اختلفوا في الشئ ما هو و لم‌يعرف جماعة منهم الحق في المقام لانقطاعهم عن امراء الكلام فقال جماعة ان الشئ هو الوجود و الماهية عرض حالّ بالوجود و هذا قول اهل التصوف و اكثرهم علي ان الوجود هو الله و انه تعالي يتطور بالاطوار الخلقية و يلبس الصور و يخلعها من غير ان يتغيّر في نفسه كما قال الشاعر :

و ما الناس في التمثال الا كثلجة و انت لها الماء الذي هو نابع

و لكن يذوب الثلج يرفع حكمه و يوضع حكم الماء و الامر واقع

و قال بعضهم ان وجود الاشياء هو المشية و ردّ مولانا الرضا عليه السلام علي ضرار و اصحابه بانهم قالوا ان المشية تأكل و تشرب و تنكح و تحيي و تموت و هذا القول يشبه قولهم في احد الوجوه و قال بعض انه الماهية و الوجود عرض حالّ بالماهية و هذا قول المشائين و المتكلمين و قال بعض ان الشئ هو الوجود و الماهية انما هي بتبعية الوجود اي انما حدثت بتبعية الوجود و الا فليست من الشئ بل ليست مجعولة و ماشمّت رايحة الوجود فالشئ في الواقع هو الوجود وحده و هو قول بعض الاشراقيين و قال بعض ان الشئ هو مركب من الوجود و الماهية لانه ممكن و كل ممكن زوج تركيبي و هذا حق لا مرية فيه و الثلثة السابقة مخدوشة من جهات : اما قول من قال ان الاصل هو الوجود و هو الله سبحانه فبطلانه ظاهر اذ يلزم من ذلك تصوّر الرب جل شأنه بصور مختلفة و يلزم من ذلك تغيّره بذاته و كل متغيّر حادث و الوجه الذي ذكروه انه بوجه لايلزم عليه التغيّر فرض محال اذ نقول لايخلو من ان يكون حال تلبسه غير حال عدم تلبسه و يكفي هذا القدر من التغيّر في الحدوث و سيجيء بعد ان شاء الله زيادة بيان في بطلان هذا القول بهذا الوجه و بوجه آخر نقول هل الوجود [ص 29] زيد و عمرو و سماء و ارض و نبات و جماد بنفسه او بالماهيات المختلفة فان كان هو هذه بنفسه فيلزم من ذلك ان يكون الواحد متعددا و ان يكون السماء عين الارض و كل شئ عين الآخر و المشاهدة تنكر ذلك و ان كان الاختلاف بالماهيات فهل لكل ماهية وجه اختصاص بوجودها الخاص بها ام لا فان لم‌يكن اختصاص فلم لايتصور كل واحد بصورة الآخر و ان كان وجه اختصاص فلايبقي العين بعد ارتفاعها و هي باقية ببقائها فالماهية مما به هو هو فافهم فسمِّه ان شئت عرضا او جوهرا فانه ركن وجود الشئ و لانريد بالجزء الا ما يكون الشئ شيئا به ثم نقول ردّا علي قول من قال ان الوجود هو المشية انه يلزم ما ردّ به الامام علي قول ضرار فان المشية اذا كانت حقيقة كل شئ فيلزم ان تكون موصوفة بجميع الصفات و يرد عليها الايراد الثاني ايضا و نقول ثالثا ان المشية هي امكان الاشياء و تصفونها بالامكان الراجح و الامكان عدم الاكوان فكيف يتصوّر ان يكون امكان الشئ من حيث كونه امكانا مكوّنا معيّنا هذا خلف و ان قلت انها الاكوان لا من حيث الامكان اقول الامكان من حيث ذاته له حيث واحد بل كل شئ هكذا فحيث كونه غير الامكان امر زايد علي ذاته فهو بغيرها و غيرها نفس الماهيات و يلزم من ذلك تركّب الامكان مع الماهيات و ذلك من حيث ذاته محال اذ ذاته عدمها فالتركيب بظهوره لا محالة ، هذا و اذا كان حيث كونه كونا بوجود الماهية يلزم من ذلك ايضا كون الماهية ركن الشئ . و اما قول من قال بان الماهية اصل الشئ و الوجود عارض فمخدوش ايضا من جهات : منها نقول له انه يلزم سبقها علي الوجود فهل تكون موجودة قبله ام لا فان قلت نعم نقول وجودها بغير الوجود او بالوجود فان كان بغير الوجود فبماذا و ان كان وجودها بالوجود فيلزم من ذلك قيامها بعارضها و يلزم من ذلك ايضا الدور او التسلسل الممنوعان عندكم اما الاول فبأن تقول انها موجودة بالوجود مع قيام الوجود بها و الثاني بان تقول ان الوجود قائم بوجود آخر [ص 30] فتدبر و منها ان الماهية هي الصورة و الوجود هو المادة و الصورة حدّ المادة و تخطيطاتها فكيف يتعقل تقدّم حدود الشئ عليه و المشاهدة تنكر ذلك فهل تتصوّر تقدم السرير علي الخشب و عروض الخشب عليه مع انا نشاهد عيانا ان صورة السرير تعرض علي الخشب و لكن هذا في عرصة الاعراض و لذا يقدّم الخشب علي السرير زمانا ثم يعرض عليه الصورة و اما في عرصة الحقيقة فالوجود و الماهية مقارنان ملازمان كما سيجيء تحقيق ذلك ان شاء الله و منها ان الصورة عارضة و المادة معروضة و الضرورة قاضية بان المعروض قبل العارض و هو اول صادر من امر الله عز و جل و منها ان الله سبحانه خلق مشيته اولا بنفسها ثم خلق بها الماء الذي منه كل شئ كما قال في محكم كتابه و جعلنا من الماء كل شئ حي و ورد بذلك الاخبار و يدل عليه صحيح الاعتبار و هذا الماء هو الوجود الامكاني المقيد بالجواز و هو مادة الاشياء فهي سابقة سبقا سرمديا ثم خلق تعالي منه الشئ و الصورة و تلزمها الماهية و الانية فهي بعد الشيئية المسبوقة بالمادة و الصورة مؤخرة رتبة عن المادة و لذا نقول انها بعدها . و القول الثالث ايضا مخدوش من جهات : منها انه قد ثبت في الحكمة ان كل ممكن زوج تركيبي فان كانت الماهية معدومة و ماشمّت رايحة الوجود فكيف صارت جزءا للشئ و كيف تركب الشئ مع اللاشيء و ان كان مرادهم انها شئ غير مجعول فهكذا كيف يتصوّر تركيب المجعول مع غير المجعول ثم ان الماهية هل تكون مخلوقة او خالقة فان كانت مخلوقة فهي مجعولة و الا فتكون حقا اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و هذا خلف و سيجيء تمام القول في الماهية بعد ان شاء الله و ان قالوا انها مجعولة لا بجعل خاص فذلك ايضا باطل و ساذكر تفصيل القول بعد ان شاء الله و ان قيل ان الماهية ثابتة ذهنا لا خارجا نقول ان الثبوت الذهني لايكون منشأ اثر في الخارج و نري آثار الماهية بيّنة ظاهرة . و اما القول الرابع فهو حق بلا شك و نحن في قولنا متبعون [ص 31] لساداتنا و موالينا صلوات الله عليهم فان حكمتنا مأخوذة عنهم قال الرضا عليه السلام ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، فالشئ الفرد محال و مما لم‌يخلقه الله فالشئ مركب لا محالة و بدليل العقل نقول انه لا بد في خلق الشئ من ايجاد و انوجاد و فعل و انفعال و الفعل من الفاعل و الانفعال من القابل كما تري ان الكسر من الكاسر و الانكسار من المنكسر و ما لم‌يجتمع الفعل و القبول لايحصل الكسر ابدا و هما متلازمان فان الكسر من غير الانكسار غير معقول فافهم و كذلك الخلق و الانخلاق فالوجود من الخلق و الماهية من الانخلاق و بهما يحصل الشئ و الا فلايكون شئ و ذلك امر بديهي لا شك فيه و لكن الناس اكثرهم لايعقلون ثم ان الوجود ايضا شئ و الماهية ايضا شئ اذ هما في غير الخلق الاول نسبيان فهما ايضا مركبان فالوجود له مادة هي حيث نفسه و صورة هي حيث ارتباطه و الماهية ايضا لها مادة هي حيث نفسها و صورة هي حيث اتصالها و ارتباطها او نقول ان عكس كل في الآخر صورته و نفسه مادته الي ان ينتهي الي الخلق الاول فوجوده و ماهيته في غاية الاتحاد و لايتصوّر فيهما الكثرة فتدبر .

فصل - قد قسّموا الوجود الي خارجي و ذهني قال الفاضل الشيرازي رحمة الله عليه : قد اتفقت اَلسنة الحكماء خلافا لشرذمة من الظاهريين علي ان للاشياء سوي هذا النحو من الوجود الظاهر و الظهور المكشوف لكل احد من الناس وجودا و ظهورا آخر عبّر عنه بالوجود الذهني الذي مظهره بل مظهره المدارك العقلية و المشاعر الحسية انتهي ، و قالوا في تعريف الوجودين ان الوجود الخارجي ما يترتب عليه الآثار و الوجود الذهني ما لايترتب عليه اثر ● و قال [ص 32] الشيرازي انه صادر من نفس الانسان طبق الوجود الخارجي و هو ظلها و شبحها و عدم تأثيرها لضعف الموجد و استثني خيالات بعض المتجردين عن جلباب البشرية من اصحاب المعارج فانهم لشدّة اتصالهم بعالم القدس و محل الكرامة و كمال قوتهم يقدرون علي ايجاد امور موجودة في الخارج مترتبة عليها الآثار .

الادلة علي ما قيل مجملها : منها انا قد نتصور المعدوم الخارجي بل الممتنع كشريك الباري و اجتماع النقيضين و الجوهر الفرد بحيث يتميز عند الذهن عن باقي المعدومات و تميز المعدومات الصرف ممتنع ضرورة فله نحو من الوجود و اذ ليس في الخارج فهو في الذهن . منها انا نحكم علي اشياء لا وجود لها في الخارج باحكام ثبوتية و كذا الحكم علي ما له وجود و لكن لانقتصر في الحكم علي ما وجد منه بل نحكم حكما شاملا لجميع افراده المحققة و المقدرة مثل قولنا كل عنقا طاير و كل مثلث فان زواياه الثلث مساوية لقائمتين و صدق الحكم الايجابي يستلزم وجود موضوعه و اذ لايكفي في هذا الحكم الوجود العيني للموضوع علمنا ان له وجودا آخر هو الوجود الذهني . منها ان لنا ان نأخذ من الاشخاص المختلفة المتعينة المتفصلة في الخارج معني كليا نوعيا او جنسيا يقع علي كل واحد منها و هو لايوجد في الخارج و الا للزم كون امر واحد متصفا بصفات مختلفة فوجوده من هذه الجهة في العقل ، و هذه [ص 33] ادلة ظاهرية قشرية و كلها مخدوشة من جهات و لسنا بصدد الرد و البحث و ما عليَّ الا اثبات الحق و لكني ذكرت ما ذكرت استطرادا و انا استدل علي اثبات الوجود الذهني في اصطلاحنا بدليل الحكمة حتي تفوز مع الفايزين و اقول في تعريفهما اولا ان الوجود الخارجي حصول الاشياء في الخزائن الخارجة عن مشاعر المدركين و الوجود الذهني ثبوت الاشباح المستنبطة منها في مشاعر غير العلة التامة اما وجه التعبير بالحصول فللاشعار بانه غير الوجود الرابطي و المصدري بل هو الوجود الذاتي للاشياء و لااريد منه ما اراد القوم بل الوجود آية الله و نوره و هو نفس الاشياء و حقيقتها بملاحظة وجود المادة و الصورة كلتيهما و ربما يقال ان الوجود هو المادة و علي ايّ حال هو آية الله و نوره و الوجود المادي علي ما مرّ سابقا حصة من الامكان المسمي بالجايز و به قيام كل شئ اذ هو العلّة المادية و اما التخصيص بالاشياء فلشمولها لجميع الاعيان و الاكوان و الامكان و اما الخزاين مطلقة فمأخوذة من قول الله تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و سرّ اطلاقها الاشعار بان لجميع الكليات و الجزئيات وجودات خارجية و سيجيء بعد تحقيق ذلك ان شاء الله فتشمل السرمد و الدهر و الزمان و جميع ما كان و تخصيصها بالخارجة عن المشاعر لانها ايضا خزانة من خزاين الله تعالي و لو ابهم اللفظ لصار غلطا في التعريف فخصصته بذلك و تخصيص المشاعر بالمدركين ايضا بملاحظة ان مشاعر كل احد ما لم‌تدرك شيئا تكون خالية عن الصور و الاشباح ، هذا و لااقول ما ذكرته في التعريف جامع في جميع الجهات و لكني ذكرت ما حصل لي في بادي النظر و من كان له مجال و حصل له اقبال فعليه تدقيق النظر و الزيادة و النقصان بما يؤدي اليه فكره و اما ما قلت في الوجود الذهني فاختياري لفظ الاشباح لان الحق عندنا ان الاشياء بحقايقها الخارجية لاترد الاذهان و لكنها تدرك اشباحها المنفصلة عنها و تخصيصها بالمستنبطة عنها فلأن سبيل الادراك وجوه [ص 34] الاعيان و لايدرك شئ من غيرها و اما وجه استثناء مشاعر العلة التامة فلأن مشاعرها ربما تدرك شيئا غير ثابت في الخارج فتكون علة لوجوده في الخارج و اعلم ان جماعة من الحكماء قالوا لانريد من الخروج و الدخول الظرف و لكنا نريد ترتب الاثر و عدمه و ذلك خطاء فانه لا شك في ترتب الآثار علي الخيالات فان تصوّر العدو يغضب و تصور الكريه يوحش و تصور الحبيب يونس و تصور الوجيه ينشط و من هذا الباب انك تري ان تصور الجماع ينزل و تصور كل شئ يؤثر علي حسبه فكيف يجوز البتّ علي عدم تأثير الذهنيات بل من هذا الباب تأثير المنامات ايضا بل يمكن التأثير بالخيال في الخارج بالرياضات و آية ذلك ما تراه من تأثيرك في خيالات الاطفال و المجانين فاذا قوي خيالك يظهر منك شبه خارق العادة و الكرامات فللوجودات الذهنية آثار بل آثارها اقوي من اكثر الوجودات الخارجية بمراتب و ذلك لان الوجودات الخارجية تغيّرت عن قوتها بحسب المواد الغليظة و العوارض الكثيرة المانعة عن بقاء الاشياء بعباطتها و لكن المواد الذهنية لطيفة خارجة عن الاعراض ساذجة في طبايعها قوية في اعمالها فاذا تصورت بصور و لم‌يمنعها مانع يكون اثرها اقوي و لذلك ورد في الشرع الحثّ علي الدعوات و حسن الظن و المنع عن الطيرة و الامر بالتفكر و هكذا فقولهم في ذلك خطاء محض و اما عندنا فلكل منهما اثر علي ما سيجيء ان شاء الله تعالي و نبيّن حق القول في الوجودين في ينبوع .

ينبوع حكمة - في بيان الوجودين و التمييز بينهما ، اعلم ان الله سبحانه كان منزّها عن جميع الحدود معري عن الغيب و الشهود عاليا عن القيود و لا غير له بوجه من الوجوه حتي يحدّ به و هو بنفسه لايكون حدّ نفسه فافهم و هو تعالي كامل في ذاته بمعني ان له حق الوجود الذي هو الفعلية المحض و لايوصف بالاطلاق الذي هو القوة المحض فلا نقص فيه اذ النقص عدم و هو حق الوجود و ليس المراد من كونه بالفعل انه جامع للكمالات المتشخصة في ذاته فان [ص 35] اجتماع التفاصيل محدودة متعينة يستلزم التكثر و الاختلاف و التركيب و كلها من صفات الحدوث و الله تعالي منزه عنها مع ان نفس التفصيل تلازم التركيب من مادة و صورة و الصورة حدّ و المادة قوة و هما نقصان عارضان و الله منزه عن النقايص ، و الفعلية المحض لازمة الاحدية و الاحد امتناع كل تفصيل فان فهمت ذلك فانت انت ثم انه تعالي قد تجلي بكماله الاحدي لمشيته و لااريد من ذلك انه بسبب احدية كماله تجلي فان ذلك خطاء و لكن الباء بمعني مع اي هو مع وحدة له تجلي لمشيته بها لا بغيرها فنفسها في مقام وجودها و محل شهودها تجلي ربها و هي الذكر الاول للموجودات كما في حديث يونس و هذه اول الخزاين الامكانية و ذلك قوله تعالي في الحديث القدسي خزانتي بين الكاف و النون ، و هي القوة الفعلية اي قوة ان يفعل و ان يخلق بها ثم تجلي الله سبحانه بها للامكان الجايز الذي هو الماء الاول المخلوق منه كل شئ و مبدؤ المبادي و الوجود المخلوق منه و الامر المفعولي في قوله تعالي و كان امر الله مفعولا و مبدؤ ظهور يكون بامر كن و هو الخزانة الثانية الامكانية و الدواة الاولي و محل ذكر الاشياء بالقوة و صلوح التصور و الانفعال ثم تجلي الله بها للقلم اول خلق من الروحانيين عن يمين عرش ملك الله تعالي و النور الابيض و العقل و روح القدس في جنان الصاقورة و هو اول الاكوان و الكون المعنوي النوري المبهم و فيه معني الاشياء علي الكلية و الابهام من غير تعيّن صوري ثم تجلي الله سبحانه به للملكوت الاعلي ارض الزعفران و حجاب الزبرجدة الذي يتلألأ بخفق و روح الحيوة و النور الاصفر و هو الخزانة الرابعة بالنسبة الي المجموع و الثانية بالنسبة الي الاكوان و ذكرها فيه ايضا بالاجمال اذ هو البرزخ بين العقل و النفس ثم تجلي به للنفس سدرة المنتهي و ورقة الآس و عالم الذر و عرصة الميثاق و النداء و الكرسي الذي هو اخ العقل و النور الاخضر و الزبرجدة الخضراء ثم تجلي بها للطبع مبدء الشهادة و به للمادة البحر النيّر الابيض [ص 36] و منه و به للاشباح و الاظلة و بها للجسم الكلي و به للعرش و هكذا الي ان انتهي الي التراب فتم بذلك الادوار في سلسلة النزول و قوسه و جميع المراتب الغيبية ثابتة في غيب عالم الاجسام كما قال عليه السلام ان من وراء شمسكم هذه اربعين شمسا و من وراء قمركم اربعين قمرا ، و لجميعها وجودات خارجية فان هذه السماوات المرئية المشهودة هي التمثل لها و لكن الناس اكثرهم لايعقلون ثم ان الله سبحانه خلق اناسي من هذه الارض بفعل السماوات و اخرج من كمونهم من جميع ما خلق في العوالم الغيبية بقدر قابليتهم يعني ان كل انسان جمع فيه من العوالم و الافلاك بقدر قابليته و استعداده و صار ما جعل فيه من كل عالم مشعرا لدرك ما يناسبه فجعل فيه عينا من سنخ الالوان و الكيفيات تدركها بها و سمعا من سنخ الاصوات و هكذا الامر في ساير المشاعر و كذلك جعل فيه من الافلاك و كل جزء يعمل فيه عمل الفلك المناسب له و يدرك به ما من شانه و كذلك جعل فيه من غيوب هذه الافلاك و ارواحها فبما فيه من سنخ الاشباح يدركها و بما فيه من سنخ الامثلة يدركها و بما فيه من الكليات يدركها و بما فيه من الجزئيات يدركها فلما تم خلقه نظر الي المخلوقات و اخذ منها اشباحا و هي ما تنفصل من اشباحها المتصلة فان لكل شئ شبحا متصلا به و هو صورته التي خصّ بها مادته في الخارج و هو هو بهما و له شبح منفصل عنه بنفسه او بسبب غيره اذ الاشياء لاتخلو من قسمين اِما تكون كاملة او ناقصة و الناقص قسمان اِما يكون تاما في حد نفسه او ناقصا فالناقص ما ليس له كمال و لا فضل نور فلا فعل له في نفسه و لا كمال و يحتاج في وجوده الي غيره و التامّ ما يكون في نفسه تامّا لايحتاج الي غيره و لكن ليس له فضل يكمل غيره و الكامل ما يكون في نفسه تاما و له فواضل وجود تكمّل غيره ايضا مثال ذلك الفحمة و الجمرة و الشعلة فان الفحمة ناقصة لاتري و لاتري غيرها و الجمرة تامة تري في نفسها و لاتظهر غيرها و الشعلة كاملة [ص 37] تري و تري غيرها ثم انه لايلزم ان يكون الناقص ناقصا من كل جهة و التام تاما من كل جهة بل يمكن ان يكون شئ كاملا من جهة ناقصا من جهة فمن ايّ جهة صار كاملا يكون له فضل نور يكمل غيره بقدر قابليته و يعبّر عن هذا النور الفاضل بالشبح المنفصل و التام ان لم‌يكن له فضل بوجه من الوجوه لايكمّل غيره ابدا و لكن اذا كان له فضل في الجملة يكمل غيره و الجمرة التي سمّيناها تامة لها فضل وجود في الجملة و لذا تكمل العين و تري و لو لم‌يكن لها فضل بالمرّة لمااثرت في العين ابدا و سمّيناها تامة بالنسبة لظهور اصل المسألة فاصل الكلام ان الشئ اذا كان كاملا من كل جهة يكون له شبح من كل جهة و ان كان كاملا من جهة يكون ذا شبح من جهة بلا شبح من جهة و بايّ جهة كان كاملا يكون ذا شبح و يكمل غيره من المواد الصالحة و اما النواقص فتتكمل من الكملة بحسبها ثم اعلم ان الله سبحانه ركبك من سنخ هذا الملك ففيك ايضا من هذه المواد الملكية بحسبك و كل كامل يقوي علي تكميل مادة من حيث او حيوث يؤثر فيك ايضا و كما يصل شبحه الي المادة الخارجية و يلونها بلونه كذلك يصل اليك و يلون منك ما يناسبه و امثل لك المثال في سنخ المرئيات لظهورها و قس عليها البواقي فانظر الي الشعلة فانها مركبة من نارية و دخانية في الخارج ناريتها مثلا وجودها و دخانيتها ماهيتها و هي قائمة بهما و كلتاهما ذاتيتان للشعلة الدنيوية لو خلصت واحدة منهما عن الاخري لمابقيت الشعلة ابدا و فسدت فوجودها ذاتي و ماهيتها ذاتية و لايسبق احدهما الآخر بالنسبة الي خلق الشعلة و اما ما كان من الدخان قبل خلق الشعلة فليس من الشعلة في شئ فانه خلق مركب من العناصر في الخارج و ما من الشعلة ما في ضمنها بعد الاشتعال فافهم فانه دقيق ، فالشعلة بعد ما كملت في الخارج تؤثر في المواد بشبحها المنفصل عنها و هو صفتها و نورها و ضوؤها لا ذات الشعلة المركبة من الدخان و النار في الخارج فانها [ص 38] قائمة في مقامها و لاتتجاوز حدّها و رتبتها و الذي يسري منها ضوؤها و نورها و حرّها و هذا النور الساري هو ايضا من وجود و ماهية فوجوده شعاع وجود الشعلة و ماهيته شعاع ماهيتها و هما قايمان بوجودها و ماهيتها و كل ما صلح مادة من الاهوية و الاهبية و الاجسام الغليظة للاشتعال تحكيه كما حكي الدخان عن النار حرفا بحرف و من الاجسام الصالحة للحكاية عينك فان الشبح يصل اليها ايضا فيلوّنها بلونه كما كان يلوّن الهواء و العين تؤدي ما وصل اليها الي الروح البخاري فيتلون الروح به كما كان الهواء و الهباء و الحجر و المدر و الزجاج و العين تتلون به غاية الامر انه حي فيدرك نفسه متلونا فيعرف اللون بخلاف الهواء و غيره ثم هو يؤدي ذلك الي ساير مشاعره و كل منها يدرك منه ما يناسبه هكذا حرفا بحرف فما وصل اليه و الي ساير المشاعر شبح ما في الخارج و هو مركب بنفسه من وجود و ماهية كالشبح في المرآة حرفا بحرف و الروح البخاري بمنزلة المرآة الا انه حي و كما ان المرآة اذا كانت مستقيمة غير ملونة بالوان مختلفة تحكي الشبح علي ما وصل اليها كذلك الروح اذا كان بلا لون و شكل يحكي علي ما وصل اليه و الا غيره علي حسبه كما تري في اصحاب ماليخوليا و مانيا و المبتلين بالامراض الدماغية فاذا عرفت ذلك اقول فسمِّ هذا الشبح بما شئت هو شبح اتاك من الخارج و له وجود ذهني يعني هو ثابت في ذهنك ان كان الذهن بمعني الخيال و ان كان بمعني العقل كما هو صريح كلام بعضهم فليس عنده من الشئ الا المعني الكلي و لايحصل له الاشباح الجزئية في ذاته بل هي حاضرة لديه ان كانت معنوية في المشاعر المعنوية الجزئية و ان كان المراد منه النفس فالحضور لها الحضور لمشاعرها و الا فهي ايضا معرّاة عن الحدود الجزئية و يحصل لها الصور الكلية من الجزئيات و بالجملة سيجيء بعد ان شاء الله تحقيق امر المشاعر و مرادي هنا الاشارة بقدر ظهور امر الوجود الذهني ثم ان هذا الشبح الحاضر لك شبح حالة من حالات [ص 39] الشخص الخارجي في وقت خاص و مكان مخصوص و كل ما تريد ان تراه ثانيا بعد مضي الوقت الاول تنظر من عين مثالك و شبحك حين ادراكك له المواجه له في تلك الحالة و الوقت و المكان و انت لاتطلع علي ساير اشباحه و حالاته و علمك بنفسه ايضا بقدر ظهورها في الشبح المرئي و لاتزيد علي ذلك فقول من قال ان انفس الاشياء تحضر لدي الاذهان خطاء و الحق مع القائلين بانطباع الاشباح و ليس الوجود الذهني للاشياء وجود انفسها في العقول فافهم و كل ما اذكره احقاق حق او ابطال باطل ان كنت مطلعا علي اقوالهم و هذا الشبح هو معلومك من ذي الشبح و نفسك العالمة به من وراء مثالك و شبحك فلم‌يتحد العالم بالمعلوم و العاقل بالمعقول فان العالم انت و انت غيره البتة و ذات المعلوم لاتكون معلومك بل هي خارجة عنك و لم‌يظهر لخيالك و فكرك الا شبح من اشباحها و لذلك لاتطلع علي غير ما وجدته و انت دايما تتصور حالة خاصة منه و هو متقلب في احوال كثيرة و اعلم ان لذهنك ايضا اعراضا تعرض الماهية المدركة كما في الخارج بل اقول ان الاعراض التي عرضتها في الخارج ايضا تنطبع في مشاعرك و شاهد ذلك علمك بها و لو لم‌تنطبع من الخارج فمن اين تعلمها و كما ان الاعراض الخارجة منوّعة و مشخصة للماهيات ، الاعراض الداخلة ايضا هكذا و اعلم ان حق الوجود و وجه المعبود محيط من وراء الاعيان و الاشباح و تتلقاه اذهان لا بمشاعرة و تشهد له المرائي لا بمحاضرة لم‌تحط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ، فافهم و بعد ما تقرّر لك ما ذكرناه و وقفت علي الحق ان شاء الله يظهر لك فساد غالب اقوال الحكماء و لانحتاج الي نقلها و ردّها و البحث فيها فان القول ما قال آل‌محمد عليهم السلام و ما سواه زخرف قال عليه السلام شرّقا او غرّبا لن‌تجدا علما صحيحا الا ما خرج من هيٰهنا و اشار بيده الي بيته و في رواية اخري الي صدره .

فصل - ان جماعة من الحكماء ترددوا في بياناتهم في الوجود و عبروا بالفاظ [ص 40] مختلفة و حصل في كلماتهم اختلافات و تعارضات فمرّة وصفوا الوجود بما يليق بالحق المعبود و مرّة حدّوه بانواع الحدود و مرّة قالوا انه واحد و مرّة وصفوه بانه متعدد و مع ذلك كله يقول بعضهم انه هو الله مع ما وصفه بما لايليق الا باضعف خلقه و لا حاجة الي نقل اقوالهم فانه لاينبغي للعاقل التعرض لذكر الباطل بعد ما ظهر بطلانه و شيخنا و ملاذنا و ملجأنا و عمادنا اعلي الله مقامه و رفع اعلامه احق الحق و ابطل الباطل في شرحه علي العرشية و المشاعر و مرادي بيان الكليات علي الحق و قد اذكر قولا منهم في مقام الحاجة لظهور البيان و ها انا اذكر لك كلاما مطلقا يظهر به مسايل كثيرة :

فاعلم ان لفظ الوجود في البيانات يطلق في مقامات :

الاول الوجود الحق جل شانه و هو الله سبحانه الاحد القديم الثابت الدايم الازل و ينبغي ان يوصف بجميع ما اختار لنفسه و يمتنع معه جميع ما ينبغي لخلقه و قد مرّ في التوحيد حق البيان بغير نقص و لا مزيد فان سمّيت الوجود و اردت منه الحق المعبود فخصّه بالتنزه عن جميع الحدود في الغيب و الشهود و لاتعدّ معه احدا من خلقه و اعلم اني لااريد ان ذات الاحد جل شانه هي الوجود الحق بل هي منزهة عن كل اسم و صفة و لكن الوجود اسم من اسمائه كما يقال ان الله اسمه و الرحمن اسمه فليس معني ذلك ان هذا الاسم هو الذات نعوذ بالله بل المراد ان المعنيّ به هو الذات الظاهرة و كذلك الوجود حرفا بحرف فاذا كان المعني بالوجود الذي تقول هو الله فلاتصفه بالكثرة و الحدود و الزيادة و النقصان و الخروج و الذهن و المخلوقية و الاحتياج مجملا جميع ما ينبغي للخلق يمتنع معه و جميع ما ينبغي له يمتنع مع الخلق و هذا لايكون مرتبة من مراتب ملكه و لا احد من خلقه كذب العادلون بالله و ضلّوا ضلالا مبينا و ماوحّده من شبّهه باحد من خلقه و ماعرفه من حدّه و عدّه فافهم فهذه قاعده كلية .

و الثاني الوجود المطلق الراجح و لايراد من تسميته بالوجود انه قسيم الرب جل شانه او قسم من اقسامه نعوذ بالله بل [ص 41] ليس وجوده من سنخ وجود الرب بل وجوده بقاء و دوام و ثبات و غناء و وجوب و وجود ذلك في جميع الصفات يخالفه و يراد من هذا الوجود الامكان و المادة النوعية و لايستعمل لفظ الوجود هنا غالبا بغير قيد الاطلاق و علي ايّ حال اذا اردت منه هذا الوجود فلاتخرجه عن حدّه بالافراط و التفريط فان اليمين و الشمال مضلّة و الطريق الوسطٰي هي الجادة ، عليها باقي الكتاب و آثار النبوة و منها منفذ السنة فلاتجعله حقا و لاتصفه بما يجوز في الكثرات فانه لايكون احدا نصفه بامتناع ما سواه معه و لايكون متعيّنا بالاعيان المتكثرة فيكون مختلفا بل هو مشية الله سبحانه و هي الذكر الاول للاشياء كما قال الامام عليه السلام و هي مصوّرة بصورة مطلقة مبهمة فانظر في مطاوي كلماتهم كل ما وجدته مما يخالف ذلك هو باطل اذ يخالف قول الله سبحانه و قول الامام و الادلة العقلية المنورة بنور الله جل شانه و سيأتي القول في صفتها بعد ان شاء الله .

و الثالث الوجود المقيد و هو متصف بالقيود محدود بالحدود في الغيب و الشهود و هو محل التفاصيل و غاية ما ذكروه في بيان الوجود لاتتجاوزه و العجب منهم حيث يزعمونه ربا تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فان كان مرادك من الوجود الرب الودود فصفه بما يليق به و ان كان مرادك وجود المطلقات فصفه بما يليق بها و ان كان مرادك وجود المقيدات الخاصة فصفه بما يليق بها و لاتجاوز الحدّ و قد مرّ سابقا ان الوجود فيها هو المادة فاعرف شان المادة و تكلم فيها و اذا كان اصل المقصود ظاهرا بيّنا لايكاد يشتبه المراد ابدا و لكن بعض الحكماء يسمّون وجودا مثلا بلا تعيّن فيصفونه مرّة بما يليق بالله و مرّة بما يليق بالخلق و مرّة يشعرون باتحاده في الكل فلاينكشف الحق للانسان .

فصل - مرّة يقال الوجود و الماهية و يراد من الوجود المادة النوعية و من الماهية الصورة النوعية فحينئذ يراد من المادة و الصورة الشخصيتان و مرّة يقال الوجود و الماهية و يراد منهما المادة و الصورة مطلقا و مرّة يقال الوجود و يراد [ص 42] منه حيث الرب في الاشياء و من الماهية حيث النفس و ربما يقال ان حيث الرب هو المادة و لكن اطلاق القول في ذلك محض مسامحة و انا اكشف لك عن الاصطلاح الحق حتي تعرف حقيقة المراد فاعلم ان الشئ له حيثان نورية و ظلمانية اما نورانيته فهي صفة الرب و آيته و هي الخير و البركة و سبب البقاء و الدوام و امثال ذلك و اما ظلمانيته فهي الشر و العصيان و الظلمة و سبب الفناء و الزوال و النورانية من الربوبية و الظلمانية من العبودية فكلما غلب سرّ الربوبية علي مادته تكون هي حيث ربه و كل ما غلب علي الصورة تكون حيث الرب و كذلك في سرّ العبودية فليس المادة خاصة حيث الرب و ما تري ان مشايخنا يطلقون في كلامهم ان المادة حيث الرب و الصورة حيث النفس فمن باب الحكم علي الغالب فانه قلّ ما يتّفق حسن الصورة و قبح المادة و العكس شايع فان الناس اكثرهم موادّهم اطيب من عملهم لان الوجود هو الفطرة التي فطر الناس عليها و اما الصورة فربما تكون مبدلة و اعلم ان هذا التقسيم في الشرع و اما في الكون فكلاهما حيث الرب اذ هما الآية لله تعالي و كل اتوه طائعين و ليس الا الله و نوره و قد قال ابي العلامة اعلي الله مقامه ذلك و قال ان تلامذة مشايخنا لم‌يعرفوا حقيقته و يكفي ما ذكرنا من امر الوجود في هذا المقام ان شاء الله و نذيله بذكر فصل آخر في بيان العدم علي ما هو ديدن القوم .

فصل - طال ما بحث القوم في العدم و تكلموا فيه بانواع الكلام و اختلفوا فيه و كتبهم مشحونة ببياناتهم و قد تركت ذكر جميعها و اقتصرت علي بعضها منها قولهم ان العدم مفهوم واحد و هو امر بسيط ساذج لا اختلاف و لا امتياز فيه الا من جهة ما يضاف اليه و ليس اعدام متمايزة لا في الذهن و لا في الخارج و التمايز في الاعدام باعتبار الملكات فالعقل يتصوّر اشياء متمايزة في ذواتها او في عوارضها كالعلة و المعلول و الشرط و المشروط و يضيف اليها مفهوم العدم [ص 43] فيحصل عدم العلة متميّزا عن عدم المعلول و مع قطع النظر عن ذلك فلايتميز عدم عن عدم كما يجوز الحكم علي اجزاء المتصل بعد تصوّر الانفصال بتقدم بعض اجزائه علي بعض كذلك يجوز الحكم بالتقدم و التأخر بين الاعدام و منها ان العدم كما يعرض لغيره و يصدق اشتقاقا فكذلك يعرض لنفسه فيحكم عليه بانه معدوم في الخارج و منها اختلافهم في عود المعدوم و عدمه فجوّزه بعضهم مستدلا بما ورد في الشرع من رجعة الاموات كطيور ابرهيم و حمار عزير و امثال ذلك و نفاه جماعة حتي انهم قالوا ان الموجود ايضا لايعاد مستدلا بانه اذا كانت الهوية الشخصية المعادة بعينها هي الهوية المبتدءة علي ما هو المفروض فكان الوجود ايضا واحدا فان وحدة الهوية عين وحدة الوجود و قد فرض متعددا هذا خلف و يلزم ايضا ان يكون حيثية الابتداء عين الاعادة مع كونهما متنافيين و بالجملة اطالوا البحث في المسألة من حيث لم‌يعرفوا و اثبتوها بالقواعد المنطقية و القوانين الكلامية مع انها لاتسمن و لاتغني من جوع و لما كان اصل كلامهم لغفلتهم عن الحقيقة انا ابيّن اولا الحقيقة و بها يجاب عن جلّ اشكالاتهم و بياناتهم فاقول انهم لم‌يفرقوا اولا بين العدم و الامتناع و قد سمّوا ما تكلموا فيه في مقابلة الوجود بالعدم و مرّة مثّلوا له بالممتنع و مرّة بالمعدوم و مرّة مثّلوا بالموجود الثابت في عالم غير هذا العالم و اضطراب كلامهم يدل علي عدم معرفتهم فاعلم ان الشئ الثابت هو الواجب و الممكن اما الواجب فهو الحق سبحانه و تعالي و هو شئ لا كالاشياء و ليس كمثله شئ و في خبر انه الشئ بحقيقة الشيئية و ما سواه سبحانه ممكن ايّا كان و اما الممتنع فهو ليس صرف و لا مصداق له لا في الذهن و لا في الخارج و الذين قسّموا الشئ الي واجب و ممكن و ممتنع لم‌يعرفوا معني الامتناع اذ ليس الممتنع شيئا بوجه من الوجوه بل اقول ان اسم الممتنع لم‌يوضع علي شئ خارجي او ذهني و هذا اللفظ محض بيان انه غير الموجود لا انه شئ غير موجود و الفرق واضح فلا كلام عنه و اما الموجود [ص 44] فهو قسمان قسم ثابت بالفعل متعيّن و هو المسمي بالموجود و قسم ثابت في القوة اي في قوة شئ موجود كالمداد مثلا فانه بنفسه موجود من حيث المدادية و الحروف في قوته اي يصلح لان يتصوّر بصور الحروف فالحروف موجودة في قوة المداد لا في وجوده و هذا المقام هو مقام النفي الذي قال عليه السلام النفي شئ ، و المداد بالنسبة الي الحروف ايضا نفي و لاشئ و ان كان بالنسبة الي عناصره شيئا و كذلك الامر في امكان كل شئ حتي ينتهي الي المادة النوعية العليا و هي الامكان الجايز الذي خلق منه كل شئ و هو صلوح كل الخلق و قوتهم و جميعهم منتفون فيه و هو الذي يسمّي بلاشئ و يقال ان الاكوان و الاعيان خلقوا من لاشئ و قد سمّي باللاشيء بالنسبة الي الاكوان او بملاحظة ان الشئ هو الكون و الامكان مادة الكون و الا فاللاشيء ايضا شئ و لذا يقال ان مجموع الامكان و الاكوان خلقوا لا من شئ اي لا من نفي و لا اثبات فتدبر فالامكان مقام النفي و الكون مقام الاثبات و الله سبحانه خلق جميع خلقه من النفي و الاثبات اي من امكان و كون اما الامكان فهو مقام المادة و اما الكون فهو مقام الصورة و هما ركنا وجود الشئ و علتاه و امثلة ذلك معلومة و سيأتي بعد ذلك ان شاء الله في مقامه و جميع ما يعبّر عنه او يفرض او يعرف كله من الامكان او الكون او المجموع الحاصل منهما و لا تعبير عن الممتنع و لايفرض في الذهن ابدا و اما الموجود و المعدوم فهما موجودان قايمان في الخارج نعم المعدوم لايقوم الا في صورة موجودة كما ان الصورة لاتقوم الا علي مادة كما سيجيء في مقامه ان شاء الله فترقب .

فاذا عرفت هذه المقدمة السديدة فاعلم ان ما تفرضه في ذهنك هو اِما من الاكوان و الاعيان الثابتة في الخارج و اِما من عرصة الامكان فاما ما تفرضه من الاعيان و الاكوان فهو مطابق للصور الخارجية لولا المانع بلا كلام و اما ما تفرضه من عرصة الامكان فتصوّره علي هيئة خاصة في ذهنك و تسمّيه معدوما لانك لم‌تجد مثله في [ص 45] الدنيا لا لانه ممتنع فانك تتصور مثلا انسانا له الف رأس و ليس شخص هكذا في الدنيا و لكن امكانه موجود ثابت بلا شك بل لا حاجة الي انتزاعه من الخارج لان خيالك امكان تصوّر كل شئ و تنتزع الصور من عالم المثال علي قياس الصور الثابتة في الدنيا التي تحصلت ملكاتها فتصنع صورة هكذا في عرصة خيالك و كلها صور موجودة و مادة موجودة و قد سمّيتها معدومة بمحض ملاحظة عدم كونها في الدنيا و حمل المعدوم علي هذه الصورة ليس الا كحمل العدم في مكان علي زيد فانه ان لم‌يكن في هذا المكان يكون في مقام آخر لا انه معدوم بالمرّة فافهم و معني العدم في هذا المكان انه في القوة لا الفعلية و انت تنتزع معني الليسية من الامكان كما تنتزع معني الايس من الكون و من هذا الباب صحّة القضايا السالبة فانك قد تلاحظ فعلية الموضوع من حيث و تثبت له المحمول و قد تلاحظ قوته و تسلب عنه ما فرضته فالسلب بملاحظة القوة لا الامتناع و ليس من هذا الباب قضية شريك الباري ممتنع فانا نقول فيها ان الموضوع لايكون شيئا ثابتا محققا يحمل عليه المحمول بل حقيقة الموضوع ممتنعة فلا موضوع فلايتصور فلانعلمه ابدا و الممتنع لايكون صفته ابدا بل ذلك محض تعبير انتزعنا مجموع القضية من احدية الله تعالي غاية الامر انا نعبّر عنه بهذا اللفظ كقولنا لا اله الا الله و هذا البيان محض المداراة و الا فنقول اصل القضية خالية من التحقيق ثم انا نقول لزيادة البيان ان هذه القضية ليست كقولنا ليس لزيد سوي عمرو ابن مثلا فان نفي الشريك في الابنية لزيد ليس بمعني الامتناع بل بمعني ان الابن المولود له واحد و غيره في صلبه او في قوته و اصل النفي بملاحظة الامكان افهم ذلك عني فما تفرضه من العدم ليس الا بملاحظة ما قلناه لا انك تفرض امتناعا .

و اما قولهم ان العدم امر بسيط ان كان بمعني الامتناع فهو خطاء اذ لايكون شيئا مطلقا لا بسيطا و لا مركبا و ان كان مرادهم الامكان فهو لايكون بسيطا حقيقيا فان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته ، نعم [ص 46] هو بسيط بالنسبة الي الحدود و التخطيطات العارضة له كالمداد بالنسبة الي الحروف فانه بسيط بمعني عدم تصوره بصورة الحروف المفصلة المتعينة و لكنه في نفسه مركب و كذلك امكان كل شئ بالنسبة الي صورته فان كان مراد القائل هذا فهو حق فانا نفرض مثلا زيدا و عدم اتصافه بصفات كعدم كونه كاتبا عالما قادرا صائغا و امثال ذلك فعدم اتصافه بها امر بسيط يعني ان امكان الكتابة و العلم و القدرة و الصياغة فيه واحد لا اختلاف فيه و بغير هذا المعني لا فائدة في كلامهم .

و اما ما قالوا ان الامتياز بحسب الملكات يريدون من ذلك انا نتصور عدم كونه علّة و عدم كونه معلولا و امثال ذلك اقول انا انتزعنا الصور الممتازة من الفعليات ثم لاحظنا صلوح زيد مثلا لها و عدم فعليتها فيه فقلنا انه عدم فلان و فلان و العدم من نفسه لم‌يتعين ابدا بل هو مادة صرف كالمادة الخارجية و محض فرضك لصفة و نفيك اياها عنه لايكون سبب تعيّنه و بذلك لايحصل الترتب بين الاعدام و السبق و اللحوق فعدم العلة لايكون علة عدم المعلول كما قالوا بل العدم عدم صرف و ليس فيه ذكر شئ منها الا بالنفي و الصلوح و ليس في الاعدام ترتّب و الشئ الواحد النفيي لايكون علّة نفسه و لا معلولها نعم اذا لاحظت المواد المترتبة يمكن ان يقال ان بينها ترتّب و مادة العقل مثلا علة لمادة الروح و لكن ذلك ايضا بملاحظة الاكوان و اما اذا لاحظت مطلق الامكان فلايجوز لك ان تحكم فيه بذلك فافهم و اعرف الحق من الباطل و لقلة الفائدة في نقل اقوالهم لااريد نقلها و لوضوح المسألة لانحتاج الي اقامة البرهان عليها فان العمر اشرف من صرفه في التدقيق في هذه المسائل و ماامرنا بذلك ابدا و لو لم‌يكن مرادي ذكر الحق من كل مسألة كلية لماتكفلت ببيانها ابدا و لكني معذور و عذري مقبول .

و اما اختلافهم في عود المعدوم فاقول لهم اما الممتنع فلا كلام عنه ابدا و كلامنا في الموجود و المعدوم الذي تقول انه الامكان فلا مانع من تصوّر [ص 47] الامكان مرّات عديدة و الكلام في الصورة الامكانية المفروضة ثانيا مثل الكلام في الصورة الموجودة و نحن نقول فيها ان الشئ الموجود الخارجي قائم بمادته و صورته في الخارج و نحن نتلقي مثالا من امثلته في ذهننا فنتصوره و هو بنفسه لايكون مُدرَكا لنا و المُدرَك مثال من امثلته انتزعناه منه و هذا المثال صورة من عالم البرزخ اي المثال و خيالنا مثل المرآة يواجهه فيظهر عكسه فيه فيراه و بعد ما اعرض عنه و بطلت المواجهة لايحكيه ثم اذا واجهه ثانيا يظهر فيه ثانيا و المثال الجائي هو الاول من حيث و غيره من حيث فهو الاول من حيث انه شبح زيد مثلا و غيره من حيث ظهوره في الدخان المشتعل بالخيال و هذا غير الاول فان الدخان متجدد و ان كان الخيال الظاهر فيه من فعل النفس واحدا فافهم ، هذا في الموجودات و اما الامكان فنوع فرضه ايضا هكذا بلا فرق و لكن الكلام في فرضنا مثلا انه عدم فلان ثم فرضنا ثانيا ذلك بعينه فاقول ان الامكان هو الذي فرضته اولا و الفعلية ايضا فعلية مقتبسة من ذيها الا انك تفرض ان فلانا يعدم فلانا و فرض ذلك ايضا مثل ما قلنا بلا فرق فهو هو و هو غيره كما قال الامام عليه السلام في الجسد المعاد انه هو و هو غيره .

و اما تمثيلاتهم في اعادة المعدوم باحياء الاموات فمن اعجب العجاب اذ سمّوا الارواح الغيبية بالمعدومات مع انها ثابتة باقية بضرورة الاسلام فان اصل الانسان غير البدن العنصري الدنياوي و هو شخص ذاتي له روح ذاتية و نفس ذاتية و بدن ذاتي و هو ثابت في دهره فوق هذا العالم و له ايضا بدن في عالم المثال و هو مخلوق من عناصره و حيّزُه و مقامه فوق هذا العالم و اذا شاء الله اظهار الانسان في الدنيا يأخذ له بدنا من الاجسام الدنيوية و يركبها علي ما يقتضيه هذا الانسان الخاص فيظهر الانسان الذاتي و المثالي من ورائه علي حسب اقتضاء البدن الدنياوي و يبقي علي هذا الحال ما شاء الله و اذا شاء موت البدن يفرق بين الروح و الجسد فيبقي الجسد في الدنيا و يرجع الروح [ص 48] ببدنه الاصلي الي السماء اي المثال فالحيوة في الارض و الموت في السماء فيصير الجسد رميما في الدنيا و يعود الي عناصره و ليس هو من الانسان في شئ و بتفرقه لاينعدم الانسان ابدا بل يكون باقيا في عالم المثال ببدنه المثالي و اذا شاء الله احياءه يوما يأخذ من العناصر مثل ما اخذ اولا و يواجهها للروح الاول فينعكس فيها ثانيا و يقوم في الدنيا علي ما كان و ليس ذلك اعادة المعدوم بل هو اعادة الموجود الثابت مع ان بدنه العنصري غير البدن الاول البتة و لايلزم من ذلك تناسخ اذ التناسخ في الذاتيات لا الاعراض نعم يمكن ان يقال ان الانسانية معدومة في العناصر بمعني انها في قوتها و بعد ما اخرجها الله من كمونها ثم اعادها فيها يخرجها منها ثانيا فيعيد المعدوم و ذلك قوله تعالي منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة اخري بل نقول بهذا الوجه ان كل شئ في قوة التراب فهو معدوم فيه و الله يخرجه منه و يعيده اليه و يخرجه منه اذا شاء و ذلك احد وجوه الخلق من العدم لان التراب ظاهر الامكان الجايز فافهم و بعض القشريين منعوا اعادة الموجود ايضا و قالوا ان الثاني مثل الاول لا عينه و استدلوا بادلة قشرية يضحك منها الثكلي مثل ان الوقت ايضا من مشخصات الشئ و يذهب الوقت الاول فاذا فني الشئ ثم اعيد يكون في الوقت الثاني و ان قلت ان الثاني عين الاول يلزم كون الابتداء عين الانتهاء و ردّ آخر عليه بنفي ذلك من دون تحقيق و لكني اقول ان الوقت جزء مشخصات الشئ ان كان ذاتيا له فان كل مخلوق محدود بوقته متحيز في حيّزه و لايتجاوزه ابدا و وقته حدود صورته و حيّزه حدّ مادته فان كان الشئ ذاتيا يكون وقته و مكانه ذاتيين لايفارقانه و ان كان عرضيا يكونان عرضيين فزيد له ذات و ذاته موقتة بوقت سرمدي متمكنة في مكان سرمدي و هما مع ذاته لايفارقانها ابدا و له عرض دنيوي و للعرض ايضا وقت عرضي و مكان عرضي و هو الزمان و الجسم و هما ليسا من ذات زيد [ص 49] في شئ ابدا و لا شك ان السرمد نقطة منه تحيط بجميع الزمان من بدئه الي ختمه فالبدن المصاغ لزيد اولا في زمان خاص و البدن الثاني في زمان آخر و نفس زيد فوقهما و زيد واحد في كل الحالات و هو موقّت بوقت سرمدي و ان كان البدن الثاني غير الاول و الوقت الثاني غير الوقت الاول بل اقول ان البدن الواحد ايضا دايم التجدد فانه دايم التحلل و يستمد دايما من عناصره و يتجدد يوما فيوما من غير نكير و مع ذلك زيد هو هو من بداية عمره الي نهايته و كذلك الامر في اعادته و من العجب قول من اصلح هذا الايراد بان البدن الاول و ان صار رميما في التراب الا انه باق ببقاء اجزائه فانه لا شك ان البدن هو الهيئة التركيبية المتخذة لا المادة و المادة هي التراب و بعد اختلال التركيب يعود الي التراب و بقاء التراب غير بقائه بل ربما يؤخذ من هذه العناصر الخاصة و يخلق انسان آخر و هو غير الانسان الاول و العاقل لايقول ان هذا هو الاول بملاحظة القبضة الترابية فافهم و انصف و اعلم ان هذا الرأي ناشئ من قلة التدبر و الحق ما قلناه و هو المأخوذ من اخبار آل‌محمد عليهم السلام ان عرفت و بالجملة بياناتهم الكاسدة كثيرة اجلّ اوقاتي من ذكرها و لكني اذكر بيانا من باب التأكيد و هو ان الامتناع ليس صرف لايكون ذاتا و لا صفة و لا جوهرا و لا عرضا لايعرض شيئا و لايترتب علي شئ و لايقوم بشئ و لايثبت بشئ و لايستحيل بشئ و لايكون واحدا و لا متكثرا فانهما من الكميات العارضة للجواهر و لايكون مخلوقا لله مطلقا و لا معلوما بوجه من الوجوه و قول الآخوند (ره) ان الممتنع امتنع لفرط نقصه و فقدانه و هو غير معروف لذلك ناقص ضعيف فان هذا الكلام توصيف لشئ متصف بالنقص و ان قال انه لايكون شيئا لنقصه فاني اقول ان مرجع الضمير و الموصوف هل هو لفظ الممتنع او معناه فان كان المراد اللفظ فهو موجود ثابت و لايوصف بما ذكرت و ان كان المراد المعني فهو ليس صرف و لايعني [ص 50] في الواقع و لا معني له حقيقة فكيف يكون ناقصا او كاملا بل لا تعبير عنه مطلقا نعم هذا التعريف ينبغي للمعدوم اي الامكان فانه في غاية النقصان و من فرط نقصه لايكاد يقوم بنفسه و يحتاج الي مقوّم و لا بد له من صورة فعلية تفاض عليه من بحر الوجود الفايض من الله ليري بها و هو من حيث نفسه نفي كما ذكرنا و ضربنا له الامثال و هذا صفة الامكان المخلوق لله تعالي و من العجب انه غفر الله له جعل هذه الصفة طارية للوجود اذ قال بتدرج الوجود في الشدّة و الضعف و النورانية و الظلمانية و الفعلية و القوة و قال ان اعلاه الوجود الحق الذي هو من غاية الكمال صار قائما بنفسه غير محتاج الي غيره كاملا في وصفه و اسفله في غاية النقص و الفقدان موصوف بصفة الامكان و يأخذ الماهيات من هذه الدرجة و الحاصل ان الكل وجود واحد و قد مرّ سابقا بيان فساد هذا المذهب و سبحان الله عما يصفون و الحق سبحانه و تعالي لايعدّ مع خلقه و وجوده ليس من سنخ خلقه بل وجوده تعالي حقيقة و وجود الخلق وصفي قائم بمشيته و اين الوصف من الذات البحت البات و كيف يعرض الرب تعالي صفة الخلق و كيف يحدّ بالنقايص و بالجملة لانحتاج الي اعادة الكلام اذ اتينا سابقا بما يوضح الحق في المقام و الحاصل ان ذات الله تعالي لاتعدّ مع الخلق نعم مراتب الامكان مختلفة متدرجة فما كان منه في غاية القرب من الله يكون اقوي فعلية و اكثر نورانية و اكمل و اعدل و اصفي و احكي لعلم الله تعالي و ما كان ابعد يكون اكثر قوة و اشدّ ظلمة و انقص و اغلظ و ازيد انحرافا و يبلغ من الكثافة درجة لايكاد يحكي من العلم شيئا بل يصير جهلا مطلقا فلعله غفر الله له رأي الامكان و زعمه خالق الانس و الجان فاشتبه عليه الامر و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله فافهم هذه القاعدة السديدة و اصلح بها مفاسد اقوالهم في العدم و الوجود .

[ص 51] المقالة الثانية

في البحث عن الماهيات بقدر الميسور علي نحو الكلية من دون التعرض للفروع الجزئية و فيها مقامات يحتوي كل مقام علي اصول ان شاء الله .