كتاب ينابيع الحكمة المجلد الثاني
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي .
اما بعد فيقول العبد الاثيم و الفاني الرميم محمد بن محمدكريم ان هذا هو القسم الثاني من كتاب ينابيع الحكمة في بيان الوجود و الماهية و ما يتعلق بهما من الامور العامة و غيرها علي حسب ما يقتضيه الحال و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
في البحث عن الوجود و الماهيات و ما يتعلق بهما من الامور العامة و فيه مقالات :
في البحث عن احوال الوجود و العدم و ما يتعلق بهما بقدر الميسور و فيها فصول :
فصل - ان كان المراد من الوجود الحق المعبود فهو منزّه عن التعريف اذ التعريف تحديد و وصف و كل محدود مركب و كل مركب مجزي و كل مجزي مخلوق و تعالي عن ذلك الاحد الصمد الفرد المتفرد و ان كان المراد منه [ص 3] الوجود المخلوق فيمكن تعريفه اذ التعريف باركان وجود الشئ جنسه و فصله او خاصته فاما الواجب تعالي شأنه فلا جنس له و لا فصل و لايعرضه شئ مع ان التعريف فرع المعرفة و التصور و هو منزه عن جميع ذلك و اما في الوجود المخلوق فيمكن ذلك اذ هو مركب و اخطأ من نفي التركيب عنه مطلقا لقوله عليه السلام ان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ، و قال الله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون فكل شئ زوج تركيبي و الشئ مساوق للوجود غاية الامر انه اول المخلوق فهو اقل تركيبا و لا اقل من جزئين و يأول الجزءان الي اربعة كما سيجيء في مباحث المادة فالوجود المخلوق مركب لا محالة و هو اما مطلق او مقيد اما المطلق فمركب من حيث الربوبية و الاطلاق فربوبيته وجوده و اطلاقه ماهيته و كذلك المقيد و لما كان الوجود الاول الذي هو الماء الاول اصل كل شئ و مادته نقول في حده انه ما خلق منه كل شئ و ذلك قوله تعالي و جعلنا من الماء كل شئ حي و يصدق هذا التعريف ايضا في الوجودات المقيدة بالقيد اذ الوجود في كل موجود مادته فاخطأ من زعم ان تعريف الوجود مطلقا مما لايمكن فان الوجود الذي هو مادة الاشياء تعريفه مما يمكن كما ذكرنا .
فصل - اريد ان اتكلم بلسان سادتي و موالي صلوات الله عليهم في التعريف فاقول ان الوجود الحق المعبود بنفسه لايعرف و لايعرّف بصيغة الثلاثي و التفعيل و لايحدّ و لايجسّ و لايمسّ و لكنه سبحانه ظهر لنا في الوجود المعروف و النور الموصوف و هو مقامه و علامته و بلسان اهل الحكمة عنوانه و قد قال عليه السلام في دعاء شهر رجب : و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك ، فهم صلوات الله عليهم التعريف الشخصي له تعالي اذ بهم يعرف مع انه لايحدّ و بهم يوصف مع انه لايرسم اذ هم النور و قمص الظهور و لا شك ان ما ظهر [ص 4] في الكون يمكن التعبير عنه بوجه من حيث الظهور في المظهر و لو بالنفي و الاثبات اذ بهما يستكمل التعبير عن اول الصفات و اشرف التجليات قال عليه السلام من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و قال الصادق عليه السلام في تعريفه اي الظهور يا مفضل التي ظهر به الاسم ضياء نوره و ظل ضيائه الذي تشخص به الخلق لينظروه و دلّهم علي باريه ليعرفوه بالصورة التي هي صفة النفس و النفس صفة الذات و الاسم مخترع من نفس ( نور خل ) الذات و لذلك سمي نفسا و لاجل ذلك قوله عز و جل و يحذركم الله نفسه الحديث ، و فيه يا مفضل ان الصورة الانزعية التي قالت ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ليست كلية الباري و لا الباري سواها و هي هو اثباتا و ايجادا و عيانا و يقينا لا هي هو كلا و لا جمعا و لا احصاءا و لا احاطة قال المفضل قلت يا مولاي زدني شرحا فقد علمت من فضلك و نعمك ما اقصر عن صفته قال يا مفضل سل عما احببت قلت يا مولاي تلك الصورة التي رؤيت علي المنابر تدعو من ذاتها الي ذاتها بالمعنوية و تصرح بلاهوتية قلت لي انها ليست كلية الباري و لا الباري غيرها فكيف يعلم بحقيقة هذا القول قال يا مفضل تلك بيوت النور و قمص الظهور و اَلسن العبارة و معدن الاشارة حجبك بها عنه و دلّك منها اليه لا هي هو و لا هو غيرها محتجب بالنور ظاهر بالتجلي كل يراه بحسب معرفته و يناله علي مقدار طاعته الحديث ، فهذا صفة تعريفه و سبيل تعيينه .
تنبيه - لعلك تزعم انا خرجنا عن الاصطلاح و تكلمنا في التعريف بخلاف ما ذكره المنطقيون فاعلم ان القواعد المنطقية ان كانت حقة لاتوصل الشخص الا الي المدلولات اللفظية و ان كانت باطلة فلاتسمن و لاتغني من جوع و البيانات الحكمية جارية علي الفطرة الاولية فان كان حدّنا علي ما وضعه الله لكان حقا فان كان مرادنا تحديد الاعيان الوجودية و الاشخاص الخلقية يجوز [ص 5] لنا التعبير بالحدود الرسمية و ان كان المراد توصيف المقام الغيبي فنطلب له ادل الالفاظ ايا كان و ادلها في مثل المقام ما ذكرناه ثم بعد ما عرفت الآية العظمي و العلامة الكبري نقول يمكن تعريفها بما عرّف الله اياها به و تعريفها تعريف الله كما ان كل معاملة معها معاملة مع الله سبحانه .
فصل - اعلم ان بعض الحكماء قسّموا الوجود الي ثلثة اقسام : وجود لا بشرط شئ و وجود بشرط لاشئ و وجود بشرط شئ ، فالاول عندهم الوجود الحق و الثاني الوجود المطلق و الثالث الوجود المقيد و قيل الوجود ان اخذ بشرط لا فهو الوجود الحق و ان اخذ بشرط شئ فهو الوجود المقيد و قيل ان الوجود ان اخذ بشرط شئ فهو الوجود المقيد و الممكن و الا فهو الوجود المطلق الواجب هذا مبلغهم من العلم و لكنا نقول ان المراد من تقسيمهم ان كان اشتراك الثلثة في المعني كما هو شأن التقسيم فخطاء و ينجر ذلك الي الكفر فان وجود الحق جل و عز و تعالي لايشاركه غيره من خلقه اذ هو احد و اين الكثرات حتي تعدّ معه ، هذا و المقسم شئ فوق الثلثة او هو منها فان كان فوقها فالثلثة تحته فهل الحق خلق او خالق فان كان خالقا فيلزم ان يكون فوقه غيره و سيجيء بطلان ذلك و ان كان خلقا فيلزم كون الحق خلقا و هذا كفر آخر و ننقل الكلام الي المقسم أهو بسيط فوق الثلثة او مركب و علي الاول فهل هي اجزاؤه او افراده و كلاهما مردودان بان البسيط لا جزء له و لا فرد علي انه يلزم من ذلك ان يكون الحق فرد غيره او جزءه و ان كان مركبا يلزم تقدم المركب علي الحق البسيط و غير ذلك مما لايخفي و هل هو خلق او حق فان كان خلقا فمن ذا خلقه و ان كان حقا فكيف يرد عليه التقسيم و الحمد لله العليم الذي نجانا بلطفه العميم عن متابعة الشيطان الرجيم كما شايعه الحكماء المتفلسفون و اشياعهم المتكلمون فاصل التقسيم خطاء صرف ان كان المراد ما هو الظاهر من كلامهم فانهم يريدون ان قسما من الوجود [ص 6] هو الله الحق و قسما منه الخلق و هو قسمان مطلق و مقيد .
اشراق - استمع ما استشهد به من كلام السيد الاستاد اجل الله شأنه و انار برهانه اعتبار المقسم في التقسيم الحقيقي لازم فالتركيب في الاقسام متحتم و التضاد بينها ثابت دايم فاين المهرب عن هذا الطمطام المتلاطم ان قلت بان الحق في التقسيم واقع فاختر لنفسك واحدا منها اذ ليس لك عنها عنده دافع ان قلت بانه الاول فقد اتيت بالمناسبة يكذبك حكم المبائنة و عدم تحقق الكمال التام اذا صلح لالتحاق القصور و النقصان و ان كان في الامكان ، هذا مع ان الشريعة تبطله و يحيله البرهان لايقبله ايضا الوجدان و هو معلوم لمن له عينان و الثاني و الثالث يستلزم التركيب و التضاد و لانزال ننزهه عن التركيب و نرفع عنه الانداد مع ان التركيب بجميع اقسامه فاسد و اللازم منه هنا الواقعي .
فصل - ان اريد التعبير في المقام بلفظ صالح فالاوفق و الاكمل ما قاله شيخنا و عمادنا و سنادنا و من عليه في جل الامور اعتمادنا اعلي الله مقامه و انار برهانه قال في الفائدة الثانية في بيان معرفة الوجود : اقول يعني في بيان تقسيم ما يسمي بهذا الاسم عند الطالبين لمطلق معرفته و بيان رسمه سواءا كان لذاته او لعنوانه قلت اعلم ان الذي يعبر عنه عند طلب معرفته بالوجود اقول يعني اذا اريد رسمه بشئ يعرف به عند الطلب سواءا كان بحدّه او برسمه ام بتعريف عنوانه كما في الواجب لانه المجهول المطلق و الواجب الحق و لايعرف الا بما وصف به نفسه و اذا وصف نفسه كان ذلك الوصف من جملة مخلوقاته و هو تعالي لايعرف بمخلوقاته و لا بشئ من صفاتهم قلت ثلثة اقسام ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه فحاصل الكلام ان ما يسمي بالوجود سواءا كان مسمي به بالحقيقة الاولية او الحقيقة بعد الحقيقة ثلثة و لا مقسم في البين بلا مين فان الحق لايشاركه خلقه ابدا و ليس في عرضه شئ ابدا ابدا فالحق حق و الخلق خلق [ص 7] و اذا عرفت ذلك فاعلم ان الله سبحانه الحق تعالي كما في كتابه لاتقولوا علي الله الا الحق و يجوز اطلاق اسم الوجود عليه كما في قوله عليه السلام وجوده قبل القبل في ازل الآزال ، و لكن وجوده سبحانه حقيقة كما في الخبر و لايشاركه في معناه احد اذ ليس كمثله شئ و وجود الخلق صفة له و آية و نور و سيجيء بعد تحقيق الاشتراك و امتناعه بقسميه و وجه صدق الاسم علي الحق و الخلق و اما الخلق فلهم مقامان كما في قوله تعالي له الخلق و الامر و هما عالمان اما عالم الامر فهو مقام ابهام و اطلاق و الخلق مقام التفصيل و هما موجودان بايجاد الله سبحانه و يصدق عليهما اسم الوجود كما يصدق اسم الشمس علي نورها فتقول للوجود الموصوف بالامرية الوجود المطلق و للوجود الظاهر بالكثرات الخلقية الوجود المقيد و لاتزعم ان قولي هذا مثل قول من قال ان حقيقة الوجود واحدة و الكل واحد و لااريد ان الوجود الذي هو الحق بذاته ظهر في الابهام و التقييد بل الخلق و الامر آثاره و صنايعه و مخلوقاته موجودة بايجاده معينة بتعيينه لا غير .
فصل - مرّة يقال الوجود الحق و يراد منه الحق القديم الذي هو الذات جل شأنه اذ قد عرفت ان الحق اسمه و الوجود اسمه فيجوز تسميته باسمه من باب انه قد سمي نفسه به و مرّة يراد منه العنوان و الظهور الذي هو مقام الكينونة العلمية و هي الذات الظاهرة فان قلنا ان هذه المراتب ثابتة لكل شئ بالنسبة نقول ان لكل شئ حقية بالنسبة اليه و هي آية الله فيه كما سيأتي فلمجموع الملك ايضا حقيّة و هي آية الله فيه و هي غير الذات فان كشفنا عن مجموع السبحات الجزئية و الكلية و لمنلتفت الي مرتبة من المراتب الخلقية بوجه من الوجوه الجايزة في الحدث الممتنعة عن القدم و شاهدنا الوجود من دون ملاحظة معني يتصور او يتعقل فهو الحق و التعبير هو العنوان و لا بد للانسان من تعبيرٍ مّا فتدبر .
[ص 8] فصل - اعلم انا اذا نظرنا الي مجموع الملك من بدئه الي ختمه نري له ثلثة مقامات اذ ننظر مرة الي الملك و نري سماوات مرتفعة و ارضين متضعة و جبالا منتصبة و بحارا موّاجة و هكذا انواع مواليد مولدة و جزئيات غير مؤتلفة و هي ثابتة قائمة يشهد بوجودها العقل السليم و من انكرها فقد انكر ابده الاشياء و هو من الوسواس و لايعتني بقوله فهذه مقام الجزئية للملك اذ هي اجزاء مجموع الملك و قد يعبّر عنه بالوجود المقيد اما القيود فهي الماهيات الخاصة التي منعها عن الكلية و الوصول الي الدرجات العلية و اما الوجود فهو الحصة المادية المصورة بهذه الصورة المخصوصة فقولك انه وجود مقيد كقولك للماء المنجمد المتخصص بصورة خاصة انه ماء مقيد فافهم فليس هذا الوجود هو الحق المقيد فان الحق لايقيد اذ نفس القيد ايضا ظهوره و آيته فافهم و ان نظرت الي مجموع الوجودات المقيدة مع قطع النظر عن جزئية الجزئيات و كسرت بعضها في بعض و لمتلاحظ الانيات تري مجموعها معري عن القيود الخاصة منزها عن الانيات الجزئية و هذا المجموع هو مجموع الملك و هو مقام المادة النوعية اذ هو مقام الاصل و المأخذ و مثاله مجموع الماء بالنسبة الي المياه الجزئية او الثلوج المتعينة بالصور المختلفة بالنسبة الي الماء و هذا مقام قولهم :
و ما الخلق في التمثال الا كثلجة و انت لها الماء الذي هو نابع
و لميعرفوا ربهم و زعموه مادة الاشياء نعوذ بالله من غضب الله و نعبّر عن هذا المقام بالكلي اي كلي هذه الجزئيات اي مجموعها و قد نعبّر عنه بالوجود المطلق و بشرط لا ، اما الوجود فثابت فانه المادة التي هي الوجود و الاطلاق ماهيته كما ان القيد بالنسبة الي الوجود الجزئي صورته و الاطلاق بمعني الابهام و قد عرفت ان في هذا المقام ينكسر القيود و الخصوصيات و لا عين خاصة مع انه صالح للتصور بكلها فهو ابهامها و وجه التسمية ببشرط لا انا نلاحظ في المقام نفي الاشياء بخلاف الوجود اللابشرط اذ لانلاحظ فيه النفي و لا الاثبات و بلسان [ص 9] آخر يلاحظ في المقام هو هو و هو غير غيره مبهما اعني لايلاحظ انه غير فلان و فلان خاصة بخلاف المقام الاول فانه مركب من هو هو و هو غير غيره خاصا و ان كنت لاتلاحظ ذلك حين رؤيتك اياه فذلك لانك تنظر الي حقيته و ان نظرت اليه بملاحظة قيوده فتلفت لا محالة الي ذلك فافهم و مرّة ننظر الي الملك بدون ملاحظة الاطلاق و التقييد و الشرط و عدمه و نقطع النظر عن جميع الخصوصيات كلية و جزئية فنري حينئذ وجودا مطلقا عن جميع القيود منزها عن الحدود و لكنه مع ذلك وجود الملك و كونه و لما كان غير مقيد بالاطلاق و القيد يكون لله فيقال انه كينونة الله تعالي و هو آيته في الملك و ان اردت ان تعرف ذلك بالوضوح فاقول انك مرّة تنظر الي الاجسام مع ملاحظة الخصوصيات و الجزئيات و مرّة تنظر الي المادة الظاهرة فيها مع عدم ملاحظة الجزئيات و مرّة تنظر الي المادة مع قطع النظر عن ماديتها فتري ح الطبيعة الكلية السارية في المادة الكلية و الصور الجزئية فالطبيعة الكلية بمنزلة لابشرط و المادة بمنزلة بشرط لا و الاجسام بمنزلة بشرط شئ و الطبيعة هي الجسم المطلق اللابشرط و المادة هي الجسم بشرط لا و الاجسام المقيدة هي الجسم بشرط شئ ، فاذا نظرت الي مجموع عالم الاكوان نقول ان الانظار الثلثة ثابتة لان المنظور اليه ثابت محقق في الخارج فتنظر في مجموع عرصة الجواز فتري مرّة وجودات مقيدة بالمعنوية و الصورية و الملكوتية و الملكية و السماوية و الارضية و الجسمية و الروحية و هكذا و تنظر اخري الي المجموع من حيث المجموع فتري وجودا جايزا مقيدا بالجواز المطلق معري عن القيود الشخصية و تنظر ثالثة فتري صرف الوجود الظاهر فيها لها بها منها مع عدم شرط مطلقا فالاول مقام القيد و الثاني مقام الاطلاق و الثالث مقام الحق اللابشرط و اذا نظرت الي مجموع عالم الامكان من الامكان و الاكوان تري هذه الوجودات فحقها الكينونة و مطلقها المشية و مقيدها الاكوان و الاعيان [ص 10] و كذلك يثبت هذه المراتب في كل فرد من افراد الخلق اذ ،
كل شئ فيه معني كل شئ فتفطن و اصرف الذهن اليّ
قال الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال و ما امرنا الا واحدة ، و قال اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين في صفة الانسان :
دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
اتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و قال في الصورة الانسانية هي المختصر من اللوح المحفوظ ، فالانسان له حقيّة و خلقية و خلقيته لها اطلاق نسبي و قيد شخصي فاذا نظرت الي زيد مثلا ملاحظا لخصوصياته و صفاته من اعراضه الخاصة و العامة تري زيدا مقيدا بالقيود محدودا بالحدود و هو مقام قيده و شخصيته و نعبّر عنه بالوجود المقيد في المقام و مرّة نلاحظ اطلاقه و هو مقام مجموع الصفات و كلية الجزئيات و بلسان آخر اول ظهوراته و مبدء علاماته و مقام فعله الذي هو اول كمالاته و هو مقام الابهام و الاطلاق اذ ليس فيه خصوصية قيام و قعود و ركوب و نوم و علم و جهل و سمع و بصر و غير ذلك و جميعها فيه بالقوة و الصلوح و معني الصلوح النفي و سنبيّن ذلك ان شاء الله في مقامه و يعبّر عنه بالوجود المطلق بشرط لا ، و مرّة ننظر الي ذاته و هي آية الله فيه و نوره لديه و هي مقام هو هو من دون ملاحظة غيره و انه غير غيره صفةً كان او اسما او فعلا او ذاتا غيره فهي مقام حقه و قد نعبّر عنه بالفؤاد و به يعرف ربه و لايعرف احد من ربه الا هذا الوجود الظاهر له به فيه و هو خلق لله سبحانه و ان كان الناظر غافلا عن خلقيته و هو العنوان الدالّ علي الربّ في الوجدان و يعرف حقيقة ذلك من له عينان و يغفل عنه كل عميان و هذا السرّ سارٍ في مجموع الكون و الامكان و الاشخاص و الاعيان و مثال الكل ظاهر لك مما بيناه ان شاء الله الرحمن .
[ص 11] فصل ما ذكرناه هو في الحق الظاهر للخلق و هو الكينونة و لكن الحق القديم جل شأنه العظيم منزّه عن جميع ما يمكن التعبير عنه معري عن كل ما يجوز في خلقه يمتنع معه ذكر ما سواه و لايعدّ معه ما عداه و لايحدّ بحد و لايعدّ بعد و لايوصف باطلاق و تقييد و لايسمي بالاسم بقول سديد ، بعيد عن الاقطار عالٍ عن الانظار خفي عن الابصار مستعلٍ عن النهايات مستجمع لجميع الكمالات محيط بالارض و السموات لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبّار لايوصف بالجنسية و النوعية و لايدرك بالصنفية و الشخصية و لايحدّ بالنسبة و القرانات و لايعتبر فيه الارتباطات بعيد عن الاعتبار منزه عن الحدوث و الافتقار لا علي شئ و لا في شئ و لا بشئ و لا من شئ و لا لشئ و لايقترن بفاء و لا يتعقب ثمّ و لا حرف من الحروف هو هو وحده وحده و لا شريك له لايصدر من شئ و لايصدر منه شئ لا مبدء له و لا منتهي و لايكون مبدءا لشئ و لا منتهي لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد لايوصف بالنفي و لا الاثبات و لايسلب عنه الاسماء و الصفات موصوف لا بتشبيه منزّه لا بتعطيل من عطله عن الصفات سلب عنه الكمالات و من وصفه بها شبّهه بالمخلوقات فهو واجد فاقد اذ هو احد واحد كامل ماجد لايكون بعيدا عن خلقه فيكون باينا و لايكون قريبا فيكون مجتمعا فهو بعيد في قربه قريب في بعده بعيد لا بمناءاة قريب لا بمداناة مع كل شئ لا بمقارنة و غير كل شئ لا بمباينة فان عرفت الكلام مع هذا التكرير فانت انت .
تبيان - ان اردت ان تعرف حقيقة ما ذكرناه ببصر حديد فاعلم انه تعالي حقيقة الوجود و حقه علي فرض تسميته بالوجود و الوجود البحت البات الخالص واحد اذ ليس غير الوجود و الليس المحض لايذكر مع الايس المحض مع انه ممتنع صرف و هو احد بهذا المعني ان كنت ممن يعرف المعمي و لايعد [ص 12] معه شئ اذ لا شئ و لا وجود لشئ غيره اذ هو حقيقة الشئ و لايحد بغيره لامتناع غيره فان ما سواه هل هو موجود او لاموجود فان كان موجودا فهو هو اذ لا وجود لغيره و هو حقه و ان كان ممتنعا فما هو و كذلك لاينسب الي شئ و لا اليه شئ و هكذا و هكذا علي ما مرّ سابقا و ذلك لانه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و الخلق يمتنع مع الحق فلا وجه للشك في الوحدة و البساطة فافهم و تبصر .
فصل - اذا اردت ان تعرف الحق القديم الازلي فانظر الي عالم الخلق و الامر و اقطع نظرك في وجدانك عن جميعها صغيرها و كبيرها و موادها و صورها و اعاليها و اسافلها و نورها و ظلمتها و فعلها و مفعولها و مشيتها و مشائها و علتها و معلولها و سببها و مسببها و آيتها و ذيها و صفتها و موصوفها بكلها و جزئها و لطيفها و كثيفها و غيبها و شهادتها و حقيرها و جليلها و نقيرها و قطميرها بقضّها و قضيضها مجملا عن مطلقها و مقيدها و بشرط لاها و لابشرطها و بشرط شيئها فح يقرّ عينك مع انه لا انت بوجود احدي ابدي ازلي ازله عين ابده و ابده عين ازله و اوله عين آخره و آخره عين اوله و وجوده عين ماهيته و ماهيته عين وجوده هو هو لا غيره فسمِّه بعد ذلك ما شئت و صفه بما شئت و نزهه عما شئت و لا حول و لا قوة الا به .
تنبيه - قلّ من التفت الي الفرق بين قول مشايخي اعلي الله مقامهم في التوحيد و قول الملا صدرا و توابعه و احبّ ان ابيّن ذلك في الجملة فلاتزعم انهم اي القائلين بوحدة الوجود وقفوا علي ما ذكرناه هيهات هيهات اين ذلك من قول انه كل الاشياء و انا نقول ان الاشياء ممتنعة معه و لا ذكر لها معه بنفي و لا اثبات و اين ذلك من قول القايل بثبوته في الخلق بالتشكيك و انا اقول لا خلق و لا مرتبة و لا شدّة و لا ضعف و لاتزعم اني اقول انه بمعزل عن خلقه او هو معهم حاشا و استغفر الله بل اقول لا احد سواه بمعني الامتناع حيث هو و الامتناع [ص 13] ليس صرف و بماذا تصف الليس الصرف حتي تعيّنه بحدّ و تعدّه مع الاحد هذا قول الملا صدرا رحمه الله في كتابه الكبير المسمي بالاسفار في الالهيات بعد ما اثبت ان وجوده تعالي بسيط الحقيقة قال : فصل في ان واجب الوجود تمام الاشياء و كل الموجودات و اليه يرجع الامور كلها هذا من الغوامض الالهية التي يستصعب ادراكه الا علي من آتاه الله من لدنه علما و حكمة لكن البرهان قائم علي ان كل بسيط الحقيقة كل الاشياء الوجودية الا ما يتعلق بالنقايص و الاعدام و الواجب تعالي بسيط الحقيقة واحد من جميع الوجوه فهو كل الوجود كما ان كله الوجود اما بيان الكبري فهو ان الهوية البسيطة الالهية لو لميكن كل الاشياء لكانت ذاته متحصلة القوام من كون شئ و لا كون شئ آخر فيتركب ذاته و لو بحسب اعتبار العقل و تحليله من حيثيتين مختلفتين و قد فرض و ثبت انه بسيط الحقيقة هف فالمفروض انه بسيط اذا كان شيئا دون شئ آخر كأن يكون الفا دون ب فحيثية كونه الفا ليست بعينها حيثية كونه ليس ب و الا لكان مفهوم ا و مفهوم ليس ب شيئا واحدا و اللازم باطل لاستحالة كون الوجود و العدم امرا واحدا فالملزوم مثله فثبت ان البسيط كل الاشياء الي آخر كلامه ، و لعل منتهي دليلهم علي مرادهم البراهين المنطقية اذ في بحث الوجود ايضا قال : اعلم ان واجب الوجود بسيط الحقيقة غاية البساطة و كل بسيط الحقيقة كذلك فهو كل الاشياء فواجب الوجود كل الاشياء لايخرج عنه شئ من الاشياء و برهانه علي الاجمال انه لو خرج عن هوية حقيقته شئ لكان ذاته بذاته مصداق سلب ذلك الشئ و الا لصدق عليه سلب سلب ذلك الشئ اذ لا مخرج عن النقيضين و سلب السلب مساوق للثبوت فيكون ذلك ثابتا غير مسلوب عنه و قد فرضناه مسلوبا عنه هف الي آخر كلامه ، و العجب منه انه وقع في ما فرّ منه اذ اقر بسلب الشرور و الصفات الرذيلة و النقايص عنه و اعتذر لذلك بانها اعدام و سلب الاعدام تحصيل الوجود ، [ص 14] اقول كيف يمكن التوحيد بالقياسات المنطقية و البراهين الجدلية الظاهرية مع انها لاتوصل الا الي ظواهر قشرية هذا و نحن نرضي ايضا بالقياسات الصادقة فكيف نصدّق ما كله او بعضه سفسطة فنقول في كبري قضيته من ذا قال ان كل بسيط الحقيقة كل الاشياء و نحن نسلّم ان الوجود بسيط الحقيقة و كيف يكون البسيط كل الاشياء التفصيلية فان كان هو كلها بتفصيلها فلايبقي له بساطة اذ البسيط بسيط ما اذا كان احدا الا اذا قصد منه معني التراب نعوذ بالله فانه يقال بسيط الارض و البسيط بهذا المعني متكثر و اما الرب تعالي فهو بسيط بمعني انه لايكون مركبا و لا جزء له و لا حيث له و قد اقرّ في موضع آخر بانه بسيط من كل جهة فكيف يكون كل الاشياء فهل هو كل الاشياء من كل الجهات فهو متكثر من كل الجهات او من جهة فمن جهة و ليس معني بسيط الحقيقة ببساطته كل الاشياء الا ان غير المتكثر متكثر ، هذا و قد سلب عنه الاعدام مع انه يصرح بان الماهيات اعدام فمراده من كلامه انه غير الماهيات فهو الوجود مع انه يصرّح بوحدة الوجود في مواقع متعددة فحاصل كلامه كلام الصوفية حيث قالوا بان الوجود واحد و هو الله و صبغ باصباغ الماهيات هذا و يصرح في مواطن بان حقيقة وجود الحق و الخلق واحد و الاختلاف في الشدّة و الضعف و صدقه عليهم بالتشكيك فحاصل الكلام انه اله كامل و الخلق آلهة مختلفة في الدرجة و المرتبة بحسب الضعف و القوة فانصف في نفسك هل هذا الا شرك بالله و هل هذا الا القول بتعدد الآلهة و ان قال بالوحدة من دون التشكيك فلا بد له من الاقرار بتركيبه مع الماهيات و بالجملة فجميع ذلك خطاء و القياس ان تقول انه بسيط الحقيقة و بسيط الحقيقة امتناع الكثرات و ليس مفهوم امتناع الكثرات الا ذاته و وجوده بخلاف العدم الذي قال ان سلبه تحصيل الوجود اذ عدمية الشرور ليس امتناعا كما لايخفي علي العاقل و لا شك في ثبوتها و ترتب الآثار عليها و بالجملة ليس هنا مقام النقض [ص 15] و الابرام و لكني اريد بيان فرق الكلام فهذا رأيهم في دينهم اما نحن فنقول ان الله سبحانه احد و يمتنع معه ذكر غيره بكل جهة و لا ذكر لشئ معه و هو هو وحده وحده و الخلق آياته و علاماته و مقاماته كونا و ان خصّ هذا الفضل بجماعة شرعا و لانعد معه آية لا وجودا و لا وجدانا و لانثبت لغيره وجودا حتي نقول انه شريكه او وزيره او تنزله او مقيده او غير ذلك بل نقول ان كل الوجود له و غيره ممتنع صرف فلايري فيه نور الا نوره و لايسمع منه صوت الا صوته و لا اشياء حتي يكون هو كلها او بعضها فاعرف الفرق ببصر حديد و حسبي الله و كفي سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهي و لا دون الله ملجأ من اعتصم بالله نجي .
فصل ما افحش قول من اثبت الاشتراك بين الحق و الخلق في الوجود ، قال الملا صدرا (ره) في اسفاره : فصل في ان مفهوم الوجود مشترك محمول علي ما تحته حمل التشكيك لا حمل التواطؤ اما كونه مشتركا فهو قريب من الاوليات فان العقل يجد بين موجود و موجود من المناسبة و المشابهة ما لايجد مثلها بين موجود و معدوم فاذا لميكن الموجودات متشاركة في المفهوم بل كانت متباينة من كل الوجوه كان حال بعضها مع البعض كحال الوجود مع العدم في عدم المناسبة و ليست هذه لاجل كونها متحدة في الاسم حتي لو قدّرنا انه وضع لطائفة من الموجودات و المعدومات اسم واحد و لميوضع للموجودات اسم واحد لميكن المناسبة بين الموجودات و المعدومات المتحدة في الاسم اكثر من التي بين الموجودات الغير المتحدة في الاسم بل و لا مثلها كما حكم به صريح العقل ، اقول ان وقفت علي حقيقة مراده لوجدت قبح كلامه متي عرفت ربك حتي علمت ان خلقه يجمع معه في معني الوجود ثم كيف سميته باسم لمعني ثابت له و لخلقه نعوذ بالله و كيف جمعه مع غيره جامع و من الواضع الذي [ص 16] وضع الاسم لذاته مع انها منزهة عن الاسم و الوصف ثم هل انتزعت منه و من خلقه معني من المعقولات الثانية نعوذ بالله فعرفت وجه اشتراك بينه و بين خلقه او لمتنتزع شيئا و حكمت بغير وجدان فان كنت حاكما بغير وجدان فحكمك عليه تعالي حكم العميان و ان قلت انتزعت شيئا فهل المنتزع عين ما في الخارج او غيره فان كان عينه فيلزم ان يكون الوجود الخارجي هو الوجود الذهني من حيث واحد و كيف يستقيم ذلك مع انهم يقولون الوجود الخارجي انه في الاعيان و الذهني انه في الاذهان و ان كان المنتزع غيره فهو مثاله و صفته لا محالة لا ذاته و من قال انه ذاته فحكم بانه اثنان و ما هذا الا قول شيطان و ان قال انه صفته فالاسم المفروض موضوع علي الصفة و ذاته تعالي منزهة عن الصفة مع انها لمتنتزع عنه اذ الانتزاع فرع الادراك و لايدركه الابصار و لايحيط به الافكار فافهم ذلك و قد قال الله تعالي هل تعلم له سميّا ، و قال عليه السلام في الدعاء يا من ليس له سميّ ، و اذكر لك وجها آخر من الدليل اقول انه تعالي بسيط باقرار جميعهم و نقرّ بذلك و نؤمن به فليس له حيث و حيث بداهة و الملا صدرا يثبت الصفات الكمالية في ذاته و يقرّ بان مفهومها عين مفهوم الوجود و لايخفي ذلك فاسم الوجود الثابت له تعالي معناه عين ذاته و اذا كان افراد مشتركة في معني و سمّي هذا المعني باسم خاص يثبت الاسم للجميع فتكون مشتركة بالاشتراك المعنوي و ان لميكن وجه مناسبة بل سمي افراد باسم بدون ملاحظة معني لايكون الاشتراك معنويا بل يكون لفظيا كجماعة سمّوا بزيد فاذا كان الامر هكذا فما المعني الملحوظ في الله و خلقه هل هو عين ذاته تعالي او غيرها فان كان عينها فيلزم ان يكون الذات ثابتة في الجميع فيلزم علي ذلك ان يكون الجميع ذات الله كما ان جميع المياه باردة رطبة نعوذ بالله و لما كان ذاته تعالي علي رأيه معني جميع الصفات و هي بنفسها حيث صدق الاشتراك فلا بد و ان يثبت جميع اسماء الله نعوذ بالله [ص 17] لجميع الخلق اذ ليس لمعاني ساير اسمائه تعالي حيث غير حيث وجوده توضيح ذلك في الخلق ان زيدا مثلا له حيوث و جهات و من كل جهة و حيث تسميه باسم و صفة فاذا شاركه غيره في جهة و حيث يصدق عليه و علي مشاركه اسم واحد كالكاتب مثلا فانه من حيث كتبه يسمّي بالكاتب و عمرو ايضا اذا كان كاتبا يسمي بالكاتب و لكنه لايشاركه في ساير صفاته فلايسمي باسمائها و اما اذا كان جميع حيوثه حيثا واحدا و سمي باسماء و صفات و ثبت هذا الحيث لغيره ايضا فيثبت له ايضا جميع الاسماء فتدبر فيلزم علي ذلك ان يكون جميع الخلق الها خالقا عالما سميعا بصيرا و فلان و فلان الي ما شاء الله من الصفات الكمالية اذ حيث الرب تعالي واحد و من هذا الحيث سمي بجميعها فتأمل و اعرف سخافة كلامه و رأيه و بالجملة فثبت لك بهذا النحو من البرهان بطلان الاشتراك المعنوي و بنمط آخر من البرهان نقول ان وجوده تعالي عين الغني و الاحدية و عدم الافتقار و البساطة و غير ذلك من الصفات الكمالية و وجود الخلق عين الفناء و الاضمحلال و عدم الثبات و عين الفقر و الفاقة فكيف يكون وجود الله وجوده او كيف يشاركه الخلق في معني وجوده فافهم ذلك و لكن جميع هذه البراهين قشرية ظاهرية و لاتكشف عن الحقيقة شيئا و البرهان الحكمي في المقام يقتضي تفصيلا يمنعني عنه ضيق الاوقات و لكني اشير اليه بقدر ما يسعني الوقت و قد مضي زيادة البيان في الالهيات فاعلم ان الله سبحانه هو الاحد الفرد المتفرد الذي لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد لا شريك له و لا نظير و لا شبيه له و لا وكيل هو هو وحده وحده لا غير له و خلقه آياته و علاماته و صفاته و اسماؤه خلقها حيث خلقها لتدل عليه قال الله تعالي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، فهم اي الخلق آيات التعريف و مواقع الصفة و كل ما لها من الصفات الكمالية هي آيات ربّانية اظهرها الله منها فرجوعها الي باريها الاتري الي قوله تعالي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و قال فلمتقتلوهم [ص 18] و لكن الله قتلهم و قال الله يتوفي الانفس حين موتها مع انه قال قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم و قال نزل به الروح الامين علي قلبك و قال الله نزّل احسن الحديث ، فجميع الصفات الكمالية له و ان كانت ظاهرة من الخلق و جميع الصفات كونا كمالات و شرعا ما يدل علي الشارع كمال و ما يدل علي عدوه نقص و ظهور الصفات من الخلق لايصير سبب نسبتها اليهم اذ هم بمنزلة الادوات و الآلات و ان نسبت يوما اليها فنوع مجاز في الواقع كما ان الكتب صفتك تظهر من يدك فانت الكاتب لا اليد فان قلت يوما خط اليد فالمراد الاشارة الي الروح الظاهر من اليد و كذلك الامر في صفات الله جل شأنه و من لميعرف حق ذلك لايقف علي توحيد الصفات و يتيه في الضلالات و من الصفات الكمالية و الآثار الربانية الوجود فهو ظاهر من الخلق بحسبهم و كما ان بقاء كمالهم و ثباته و وجوده بحسب ظهور كمال الله فيهم كذلك بقاء وجوداتهم يعني ذواتهم باسم الوجود و كما ان ساير صفاتهم الظاهرة منهم لاتشارك ربهم في صفته كذلك وجودهم فافهم و لاتزعم ان الوجود عين ذات المعبود كما زعم غير اهل العيان و الشهود بل هو اسم كساير الاسماء و عنوان من العناوين و الله سبحانه لايسمّي باسم ابدا و اذا عرفت ذلك و قرب ذهنك في الجملة اقول لا اشتراك بين وجود الخلق و الخالق في الاسم اما اهل العيان فيعرفون ذلك مما بان من البيان و اما لاهل القشر فنقول انه ذاته منزهة عن الاسم بالكلية و وجوده سبحانه معني لايعبّر عنه بوجه اذ هو الغيب الممتنع و لايدرك و الاسم موضوع لمسماه و هما مخلوقان و كلاهما آيتان فان رأيت صدق اسم الوجود علي غيره فليس الا كصدق الرحيم و الرؤف و الودود و غير ذلك و الله منزّه عن الكل فلا اسم له و لا وصف فاين الاشتراك و البيان الاول ابطن من ذلك .
نور احمدي - قال الشيخ الاوحد الارفع الامجد اعلي الله مقامه في [ص 19] رسالة الملا محمد : ان مرادنا بقولنا الوجود بالنسبة الي الواجب و الممكن ليس مشتركا معنويا و لا لفظيا الخ ، هو المعني و المسمي لا العنوانات الانتزاعية ليتوجه الاعتراض لفظا و انما نعني بوجود الواجب ذاته و بوجود الممكن ذاته من فعل صانعه و اذا لحظت هذا المراد علمت بانه لايصحّ الاشتراك المعنوي لانه يلزم من ذلك ان يجمع الواجب و الممكن حقيقة واحدة و لا الاشتراك اللفظي لان اقله ان يكون الممكن سميا للواجب فيما يراد منه الذات و العقل يمنع منه و القرآن ناطق بنفيه قال تعالي هل تعلم له سميّا و هذا ظاهر و من توهم ان المراد بذلك الوجود الامر الانتزاعي ايضا لميتوجه له اعتراض لان المتخيل ان اريد به مطلق التسمية بمعني مطلق الثبوت فلا محذور في اطلاق الاشتراك معني لان مطلق ذلك انه غير عدم و هذا شئ واحد بالنسبة الي الواجب و الممكن فهو اشتراك معنوي يدل عليه لفظ الوجود بوضع واحد و هذا معني محدث مدرك لان التكليف انما جري علي ما يعرفه المكلف و يفهم و لايجوز ان يجري علي ما لايفهم و يراد منه من ذلك ما يفهم و هو لايفهم الا ما كان من نظايره و ان اريد به مطلق ما يفهم من اللفظ مع قطع الالتفات الي المصداق فكذلك و ان اريد به العنوان الذي هو الدليل علي المعنون و الآية علي معرفته اختلف المفهومان اختلافا و هو عدم المشابهة اعني عدم المطابقة و عدم المفارقة لان ما يقال لله سبحانه يعرف به و ما يقال للعبد يعرف به و ما يعرف به الرب عز و جل لايقال للعبد بوجه و ذلك كالذي يظهر معرفة النفس المرادة في الحديث فانه لايشابهه من احوال الخلق و الا لماعرف الله به فلايصح به هنا ان يقال الاشتراك الا من باب التسمية كما مرّ لان الاشتراك و ان كان هو المعني امتنع لان المراد بالعنوان الواجب عز و جل هو الجلال و النور بعد كشف جميع السبحات حتي الاشارة و الكيف و لميبق الا نور الله و اثر الله و آية الله و اما ما للممكن فهو الحدود و المشخصات و المميزات و هي [ص 20] محدودة مقهورة بقيودها فاذا استعمل اللفظ للاول فعلي ما هو الصحيح من ان بين الالفاظ و بين معانيها مناسبة ذاتية بمعني ان مادة اللفظ تدل علي مادة معناه بما بينهما من المشابهة في الصفات الذاتية لما تقرر في محله ان الحروف فيها ما في الاكوان من التوالد و التناكح و التساوي و التواخي و التعادي و المنافرة و المخالفة و المصادقة و التباغض و التجانب و القوة و الضعف و استخدام بعضها لبعض و غير ذلك من جميع ما يوجد في عالم التكويني فانه يوجد في التدويني و ان هيئة اللفظ تدل علي هيئة معناه بما بينهما من المشابهة من الشخصية او النوعية لميكن ما يوضع لآية الواجب تعالي التي بها يعرف يصلح لغيره و الا لشاركه في النوع او الشخص و لو شارك ما للواجب من العنوان الذي به يعرف ما للخلق في النوع او الشخص لكان تعالي يعرف بخلقه و من عرف بشئ من الخلق فهو ظاهر كما بيّناه في بعض رسائلنا و مباحثنا و علي قول المشهور من انه ليس بين الالفاظ و بين المعاني مناسبة و انما المخصص ارادة الواضع فلا بد ان يتصور الواضع الموضوع له في ذهنه ثم يؤلف بازائه لفظا سواءا كان الموضوع له كليا او جزئيا و تصوّر ما للواجب من العنوان الذي هو دليل معرفته و آيته التي يستدل بها عليه غير ممكن و الا لعرف تعالي بالتصور فاذا لميمكن تصوره لميمكن وضع لفظ بازائه فلايصح الاشتراك لا لفظا و لا معني لان ذلك فرع التصور علي الوجه المشهور فرع المناسبة علي الوجه الصحيح و هو سبحانه و تعالي لايعرف بالتصور و لا المناسبة فلايصح شئ من ذلك الا علي جهة مطلق التسمية للتفهم و التفهيم علي نحو ما اشرنا اليه و ان اختلف جهتا التسمية مثل لفظ واحد يوصف به الواجب تعالي من جهة انه احدي المعني لا كثرة فيه في حال من الاحوال و يوصف به الانسان من جهة انه ليس باثنين مع تكثّر ذاته و اختلاف احواله و تعدّد صفاته و اختلافها ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه و قد اخذت منه موضع الحاجة .
[ص 21] فصل اعلم ان الحق الملحوظ في مجموع الملك و افراده غير ذات الاحد جل شأنه فلاتزعم انه الله بل هو حق مخلوق يعني حق نسبي و رب اذمربوب ألاتراك تلاحظه في الخلق و من رتبتهم فهو غير الاحد جل شانه و لكن بعض الناس لميلتفتوا الي ذلك و زعموا ان حق الملك هو الله فاخطأوا ثم اعلم ان الحق في كل شئ آية الحق اذ لا خلق و عينه فيهم و دليله لهم و به يعرف الله و يعبد و هو النفس التي قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و الآية التي قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم و هو الفؤاد في كل شئ و نقطة البيان في كل احد التي قال الله في كتابه خلق الانسان علّمه البيان فتدبر و اعلم ان الفؤاد لايكاد يتجاوز نفسه و لايشير الا الي مثله اي صفته و لايوصلك الا الي شكله و لاتكاد تعرف به الذات القديمة جل شأنها ابدا ابدا و من ادعي ذلك فقد اخطأ اذ الفؤاد محدود في الوجود و ان كان غير محدود في الوجدان و الله سبحانه غير محدود وجودا و وجدانا فكيف يطلع المحدود علي غير المحدود و هو حادث و الله القديم و هو جايز و الله الواجب و اذ كان الحدوث و الجواز عين مقومته فلايقدر علي التغافل عنه وجدانا و وجودا و ان لميعرف حدوثه حينا مّا فافهم فانه دقيق دقيق و بالتحقيق حقيق حقيق و فوق هذا البيان محجوب بالاستار و لايكشف للاغيار .
فصل - في الوجود المطلق ، اعلم ان هذا المقام ايضا ثابت في كل شئ بحسبه كما مرّ منا الاشارة اليه و هو صفة المقام الاول و فعله و هذا مبدء ظهور التركيب و بروز الحدوث الذي كان ممتنعا عن الازل الحق القديم مختفيا في الحق المربوب اذ ذوات الاشياء و ان كانت مركبة كما مرّ سابقا الا ان تركيبها اتحادي لكون اركان وجودها معها مع عدم ثبوت الامتياز بينها الا بتزييل فؤادي و حدوثها ليس بمعني العدم و الفقدان بل صرف الاشارة الي الرحمن [ص 22] و الفاقة اليه بالانطواء تحت احديته و اما في هذا المقام فينشرح جميع ذلك فانه مركب من وجود هو ظهور حقه فيه و اطلاق هو صورة الابهام و حدوثه ابين من كل شئ اذ هو اثر حقيّته و فعله و اذ كان المؤثر حادثا فما ظنك بالاثر . ثم اعلم انه مقام كلية المقيدات فان كان في مجموع الملك فهو الامكان المطلق الذي خلق منه كل شئ و المادة النوعية لجميع الخلق و قد نقول انه المشية بملاحظة انها ايضا امكان جميع الخلق الا انها الامكان الفعلي و دونها الامكان المفعولي و هو مقام الامر المفعولي و هو عرصة الجواز المطلق الذي هو بدؤ عرصة المقيدات و سيجيء صفتهما بعد ان شاء الله و هو في عرصة المقيدات ايضا مقام اطلاقهم و ابهامهم فانك مرّة تنظر الي الشئ و تري ذاته و مرّة تري مجموع صفاته فهذا مقام الوجود المطلق بشرط لا اي نقطع نظرنا عن الكثرات فيه وجدانا فانها ممتنعة في الحق وجودا و فيه وجدانا و الامتناع الوجداني هو العدم النفيي ثم انا لانريد من المجموع ما يعرفه العامة و هو ان تكسر جميع صور الكثرات بعضها في بعض ثم تنظر الي مجموعها اي الصُّبرة بالنسبة الي الحبات مثلا بل المراد من المجموع المادة النوعية و صورتها و هي لمتتقطع و لمتتصور بصور الجميع بل ظهورها في كل شئ مادته فانت اذا قطعت النظر عن الصور مع عدم ملاحظة الظهور الجزئي و الحيث المادي وقفت عليها و لكن المبتدي يزعم انه اذا نظر هكذا وقف علي الحق في كل شئ و حاشا ان يقف عليه بهذا النظر . و بلسان آخر نقول ان فعلك و مشيتك مقام الاطلاق و مرادنا من هذا الاطلاق صلوح الظهور و التجلي بكل صفة بالنسبة و الحق في كل شئ اجلّ من صلوح التجلي و فعليته كليهما اذ يمتنع معه غيره و لذلك نقول انه لميعط ما دونه اسمه و حدّه اذ لا اسم له و لا حدّ بل المعطي اسمه و حدّه ما دونه هو المطلق و لو لميكن مرادي الاشارة و اقلال العبارة لفصّلت لك ذلك و لكني مرادي الاختصار و الاجمال و قد مرّ في مقام بيان المشية ايضا بعض البيان فاجمعهما [ص 23] ان كنت مريدا لفهم المسألة ، الحاصل فمقام الاطلاق مقام المادة النوعية في كل شئ كالخشب بالنسبة الي السرير و الطين بالنسبة الي الكوز و الكاس فظهر لك علي ما ذكرت ان الحقية في كل شئ كماله الاول اي كونه و وجوده ثم يموت بعد ذلك في مقام القوة و الاطلاق ثم يخرج حيا في القيد الدنيوي ثم يرجع ميتا الي الفعل اي الصلوح و القوة ثم يحيي في مقام حقيقته و نفسه فافهم المعني التأويلي ان شاء الله و ان طابقت ذلك مع البدأ و العود الخارجي علي ما ورد به الشرع لوقفت علي المراد ان شاء الله فتدبر .
فصل في الوجود المقيد ، اعلم ان الوجود المقيد في كل شئ هو مقام شخصيته و انيّته و جزئيته و ان اردت كشف ذلك في المثال فانظر الي السرير فالسرير الخاص المتعين وجود مقيد مركب من مادة هي الخشب المخصوص و صورة هي صورة السرير قد عبّر عن خشبيته بالوجود و عن سريريته بالقيد لانه منع الخشبية عن سريانها و نفوذها و قيدها بقيد التشخص و التعين و كذلك الامر في كل شئ فالمادة النوعية و صورتها الوجود المطلق فالوجود مادتها و الاطلاق صورتها و الوجود المقيد المادة الشخصية و صورتها و اما الحق فهو الرحمن المستوي عليهما و ليس هو في عرضهما و منهما و في عدادهما و من زعم انه تعالي تلبس بلباس القيود فظهر في عرصة الشهود لميعرف الخلق من الله المعبود و كذلك من زعم انه شقيق ربّه اذ قال ان الوجود ظهر في الحق بالحقية و في الخلق بالخلقية قد اخطأ الطريق كما ظهر مما بيّناه سابقا و سيجيء بل الوجود المقيد خلق لله سبحانه خلقه ثم قيّده بما قيّده في ارحام القوابل علي ما شاء و بالجملة فالوجود المقيد عرصة التفصيل و مقام الاختلاف ففي مجموع الملك عرصة تفاصيله مقام وجوده المقيد و في الشخص عرصة خصوصيته .
فصل - في ان وجود المقيدات بماذا ، فانه لا شك انها موجودة ثابتة في الخارج و من انكر ذلك فقد انكر بديهيا من البديهيات و ليس انكار وجودها [ص 24] الا لمحض الاعتساف و المنكر خارج عن حدّ الانصاف فاعلم ان وجودها غير وجود الله سبحانه و تعالي بلا شك فان ما تراه من الموجودات و تصفها به من الوجود ان كان هو الرب سبحانه يلزم تحديده و تشخيصه و تقسيمه مع ان ذلك صفة الحادث لا القديم اذ معناه ان وجوده تعالي تصوّر بالصور المختلفة و تهيّأ بالهيئات المتفاوتة وجودا و ذلك صفة المادة و من وصفه تعالي بصفة المادة وصفه بصفة النقص و القوة و الجزئية للشئ و هو تعالي منزّه عن جميع ذلك و مرادي بيان الحق في المقام لا النقض و الابرام فاقول و من الله التسديد ان وجود الحق تعالي احد بسيط لايذكر معه غيره بوجه اذ لو كان معه غيره لشاركه في قدمه و الحادث لايجتمع مع القديم لان الحادث محتاج فقير محدود قايم بغيره و القديم غني احد قايم بنفسه فان كان شرط وجودهما كونهما اثنين فكل منهما قايم بشريكه اذ من شرط تقومه وجود غيره فكلاهما حادثان و لو لميكن شرط وجودهما كون الغير فلايخلو من ان يكونا في عرض واحد اذ لو كان واحد منهما اعلي فلا شريك له في علوه و اذا كانا في عرض واحد فلهما مادة واحدة و صورتان فهما مركبان مما به الاجتماع و ما به الافتراق و كل مركَّب بالفتح يحتاج الي مركِّب بالكسر فهو حادث مع انه قائم بجزئيه فهو حادث لقيامه بجزئيه و مركِّبه بالكسر و بالجملة اذا اجتمع معه غيره لكانا حادثين و تعدد القدماء محال مع انه تعالي حق الوجود و حقيقته اي صرف هست و ما سواه عدم محض يعني نيست فكيف يشاركه فليس معه سواه وحده وحده و لا في شئ و لا علي شئ فليس في الاعيان و لا عليها و لا منها و لا بها بل كلها يمتنع معه فحيث هو يمتنع جميع الامكان و الاكوان و الاعيان حقيقة وجودا و وجدانا فكيف يمكن نسبته الي غيره او نسبة غيره اليه فهو لايكون وجود غيره و لا سبب وجود غيره اذ السبب يشترط ارتباطه بالمسبب و ما لميرتبط به لايكون سببه فالسبب مع المسبب و لا ارتباط بين القديم و الحادث و يكفيك [ص 25] انا نقول انك اذا كشفت عن جميع السبحات الخلقية و الانوار الامكانية من غير اشارة اليها بنفيها وقفت علي الحقيقة و الا فما لك و الحقيقة فان كنت مقيما علي السبحات فاين انت من خالق البريات ، النفس عندك ما لك لاتدركها و لاتعرفها مع انها آية الله فيك هل تشاهد ذاتك مع الصفات او فيها او بها حاشا و حاشا بلي هي معها و قبلها و بعدها أولميكف بربّك انه علي كل شئ شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك اي هو هو سواءا كنت ام لمتكن فاين هو من الاعيان مع انه موجود في غيبتها و حضرتها و ما اغفل من اثبت له وجودا فيها و قال اميرالمؤمنين عليه السلام مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه او بعده ، فان كان نفسه فكيف يري قبله و بعده و ان كان قبله فكيف يري معه و بعده و ان كان بعده فكيف يري معه و قبله فيا ايها الانسان لايغرّنّك اقوال الناس كالعميان فلا ارتباط لوجوده مع وجود الاعيان نعم خلق سبحانه فعله بنفس الفعل كما سيجيء بعد بيانه و خلق به من الامكان جميع الاكوان و سمّوا الناس هذا الفعل و الامكان بالوجود فان ارادوا محض الثبوت و القيام و لو بالغير فلا ضير و ان ارادوا منه ما ارادوا من وجود القديم فسبحان الله العظيم و تعالي عما يصفون و يقولون ما لايفهمون و يدخلون في الشرك من حيث لايشعرون و بالجملة من باب الجري علي الاصطلاح نسمّي هذا المقام بالوجود المطلق و هذا الوجود مقام الصلوح و النفي و هو قوة الاشياء غاية الامر ان المشية قوة ان تفعل الفعل الخاص و ان كانت فعلية الاطلاق و الامكان قوة ان ينفعل بالصور المخصوصة فليس فيهما ذكر وجود الاشياء الا بالنفي ثم اخذ الله من هذا الامكان امكانات مطلقة من حيث الصدور مقيدة من حيث الظهور فصوّرها بصور مختلفة و عبّر عن هذا المقام بالوجود المقيد اي المادة المصورة فالوجود الذي في الاشياء هو هذا الامكان و وجود الصور بها و الشئ قايم بهذه المادة و الصورة قيام ركن و تحقق فتدبر فوجود الاشياء هو هذا الوجود لا الوجود الحق و لا الوجود المطلق [ص 26] و العاقل الخبير يعرف ذلك ايضا من لفظ وجود الاشياء اذ لا فرق بين وجود الاشياء و الوجود المقيد فان المعني واحد ثم ان نفس هذا الوجود من حيث هو واحد و الاختلاف من قبل الانيّات قال الله تعالي انزل من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها و قال يصوّركم في الارحام و البرهان العقلي علي ذلك انه اثر الامكان المطلق و نوره و النور علي صفة منيره و الامكان واحد فهذا واحد نعم يتشخص في بطون القوابل و لايلزم من ذلك وحدة الموجود ايضا كما سيجيء ان شاء الله في بحث المادة و انت اذا نظرت اليها مع قطع النظر عن قيودها المتعلقة بالصور تنتزع معني وجود عام يعبّر عنه بهستي فتري من الكل وجودا واحدا و لما كان معناه قريبا من الهست المطلق اذ لا فرق بينه و بينه الا انه عبده و خلقه يشتبه الامر عليك فتزعم انه هو هو و ليس هو هو اذ لايدرك هو من خلقه و ليس معهم و لا بهم و لاينسب الي غيره . و بلسان آخر نقول انه تعالي وجود نفسه اذ لا غير معه و هذا وجود غيره و لاتزعم اذ قلنا انه انتزاعي انه لا تأصل له و لا قوام و لا وجود له في الخارج فان جميع ذلك آراء كاسدة و اقوال باطلة و سيجيء شرحه ان شاء الله و ان قال قائل دقيق النظر عميق الفكر اني انظر الي الخلق و اري وجودا حقا بعد كشف السبحات و محو الموهومات و هتك الاستار و منع الاغيار فكيف تقول انه لايشاهد فيها و لاينسب اليها اقول ان دققت النظر اكثر عرفت صدق مقالي فانك لاتجده الا بعد الكشف عن جميع ما سواه فلو كان ما سواه حاملا له فلمَ تحتاج الي الكشف عنها و يكفيك النظر اليه و لو علي الحامل ، هذا و الله سبحانه لايكون محمولا و الذي استوي علي العرش الرحمن و هو اسمه الذي عبّرنا عنه بالوجود العام الذي احتوي علي ملك المقيدات و اما الله سبحانه فاحاط بجميعها فاعدمها عن آخرها فاين هو مما قلت ، افهم ما اقول حتي تفوز بالمأمول .