في اثبات الركن الرابع و الضياء اللامع بالضرورة و فيه فصلان :
فصل - في ذكر ضرورة المسلمين علي ذلك ، لا شك و لا ريب ان هذه المسألة اجماعية بين جميع المسلمين بل طبيعية فان كل احد يعرف من مذهب المسلمين اذا نظر الي حالهم و سيرتهم ان بناءهم كان علي ولاية من دخل في الاسلام و الايمان و اقرّ بما جاء به النبي صلي الله عليه و آله و البراءة من اعدائهم بل لميكن محاربتهم مع الاعداء الا بسبب اختلافهم معهم و تبريهم عنهم و لا شك انهم كانوا ينكرون علي من خالف جماعة المسلمين بل كان برهانهم في دينهم اجماع المسلمين و ليس معني ذلك في الحقيقة الا ملازمة جماعتهم و عدم التخلف عنهم و ليس ذلك الا نفس محبتهم و ولايتهم بل اقول ان ذلك مقتضي طبع البشر انهم يحبّون محب من احبّوه نعم من كان محبته عارضة كمحبة النسوان لازواجهم ربما يعادي محب محبه و الا ففي المحبة الواقعية الانسان يحب من احبه بل يحب محب من احب محبه و ذلك امر مسلّم لا شك فيه بل اقول انه ثبت بالكتاب المستجمع علي تأويله ان المسلمين اخوة قال الله تعالي انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم و قال و اذكروا اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا و كنتم علي شفا حفرة من النار فانقذكم منها و معني ذلك مسلّم مستجمع عليه فلا شك و لا ريب في ان ولاية المسلمين كان من الدين و كذا جري عادة العامة و الخاصة علي [ص 505] ترجيح علمائهم و ازكيائهم و تقليد فقهائهم و اخذ معالم دينهم منهم بل جعلوا تقليد فقيه عالم شرط دينهم بل بنوا اصل الولاية و البراءة علي فتوي فقهائهم و لسنا نريد من الركن الرابع الا ذلك بل اقول ان جميع فرق الاسلام بناؤهم علي ذلك اما العامة فمن نظر في سيرتهم يعرف منهم انهم ينصبون لانفسهم عالما يقلدونه بل يسمّونه امامهم و يوالون و يعادون علي فتاويه و ساير فرقهم ايضا بينهم عالم و جاهل و مقلد و مجتهد غاية الامر ان كلا منهم سمّٰي مجتهده باسم خاص و لكن الكل عملهم علي التسليم له و الاخذ عنه و نحن ايضا لمنقل غير ذلك غاية الامر ان كل حزب بما لديهم فرحون و نحن نظرنا في الاخبار و الآثار و اقتبسنا منها صفات العلماء الاخيار ثم نظرنا في احوال الناس و اخترنا منهم رجالا لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و اتبعناهم و اخذنا ديننا عنهم و لكن بعض الناس محض حسدهم علي ما آتي الله مشايخنا ردّوا علينا المذهب الذي بني عليه الاسلام و الا فلا دليل لهم علي قولهم و مذهبهم و اقول لهم :
بايّ كتاب ام بايّة سنة تري حبهم عارا عليَّ و تحسب ( تمنع خل )
فصل - لاتزعم ان هذا الامر مخصوص بالمسلمين بل ذلك بناء جميع المليين بل الكفار و المشركين فان اهل كل مذهب يواخي و يوالي من وافقه في مذهبه و يعادي من خالفه فان ذلك مشهود لاينكر الاتري اليهود انهم يحبون من كان هودا و النصاري يحبون من كان نصاري و هؤلاء يعادي هؤلاء و هؤلاء يعادي هؤلاء و المشركون بشركهم كانوا هكذا و في جميع الملل لهم عالم به يدور امر دينهم و الجاهل لايتبع في دين من الاديان الاتري متابعة اليهود و النصاري لاحبارهم و رهبانهم الي ان نزل فيهم الكتاب فقال الله اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله فقالت اليهود للنبي (ص) متي [ص 506] عبدناهم قال ألميكن بناؤكم علي العمل بقولهم فيما احلّوا و حرّموا قالوا بلي قال فهذه العبادة ، و قد رويته بالمعني حتي انهم بعد الانبياء فقدوا التورية و الانجيل و قد كتبهما علماؤهم و هم قلدوهم و اتبعوهم في اصل كتابهم المنزل فضلا من شرحه و اخبار الانبياء و اليوم ايضا بناؤهم علي ذلك و كذلك المجوس رجوعهم الي علمائهم بل اقول لايمكن غير ذلك و ذلك من طبيعة البشر انهم يلجأون الي احد غاية الامر ان من كان طبيعته سليمة و سليقته مستقيمة يلجأ الي ركن وثيق علي ما امر الله عز و جل و غيره يختار برأيه ملجأ بل اقول ان بعض الحيوانات بناؤهم علي ذلك و ذلك من طبعهم ان لكل طائفة منهم رئيسا الاتري الي النحل فان لهم سلطانا و لايخالفون عنه بل من خالف عنه منهم يقتلونه و الحيّات ايضا يجعلون لنفسهم سلطانا و حالها معلوم و كذلك ساير الحيوانات البرّيّة بناؤهم علي ذلك الا قليل منهم بل كلهم يوالون موافقيهم في مطعمهم و مشربهم و منزلهم و يعادون مخالفيهم و ذلك امر مسلّم لا شك فيه و يكفي هذه الادلة من لا غرض له سوي الدين و غيرهم لايكفيهم اضعاف ذلك من الادلة و البراهين .
في بعض فضائلهم الكلية و بيان مراتبهم و مقاماتهم و اساميهم في درجاتهم و فيه مقدمة و مناقب :
المقدمة - في مقاماتهم و القابهم في المقامات ، اعلم ان نوع مقاماتهم كثيرة مختلفة فان مدارج الايمان عشرة و جميعها مقامات شيعة آلمحمد عليهم السلام و ذلك ان امر الله سبحانه في جميع الملك واحد كما اشرنا اليه سابقا و وجه ذلك ان الله سبحانه احد و امره نوره و كماله و النور علي صفة منيره فامره سبحانه واحد لاتري فيه تفاوتا فجميع ما تراه في عالم الاجسام كلها [ص 507] يثبت في ساير العوالم و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ، فكما ان بناء عالم الاجسام علي افلاك تسعة و ارض كذلك بناء كل عالم علي ذلك و ان هذا العالم ظاهر ساير العوالم فسمواتها غيب هذه السموات و ارضوها غيب هذه الارضين و من العوالم عالم النفوس الملكوتية و هي عرصة شيعة آلمحمد عليهم السلام و الكفّار و المنافقون من اظلال هذه النفوس لا حقائقها و لذا يسجنون في جهنم الطبايع و لايصلون عرصة الشيعة ابدا و لعالم النفوس سموات و ارض و مواليده واقفون في هذه الدرجات كما تري في هذا العالم بل امر هذا الملك ظاهر امر عالم النفوس و الترقية في مراقي هذا العالم هي الترقية في عالم النفوس كما ان التكوّن في هذا الملك هو التكوّن في ساير العوالم و بيان ذلك علي نحو الحقيقة يقتضي رسم مقدمات و بيانات و سيجيء بعد ان شاء الله بيانه و مجمل القول انك تري في هذا العالم ان من مواليده من لايكمل من اركان بدنه الا العناصر فلايصعد الارض و لايبلغ السماء و منهم من بلغ السماء الاولي فصار حيوانا و منهم من تجاوز عنه و ترقي في ساير الافلاك الي ان بلغ العرشية و في كل موطن و موقف يسمّي مواليده باسم عند الله و كذلك الامر في عالم النفوس فمنهم واقفون في ارضه و منهم واقفون في سمواته و كل منهم يسمّي باسم فاما اهل الارض منهم فهم الضعفاء الذين احبّوا آلمحمد عليهم السلام و لميعرفوهم و لميحيوا بحياة نورهم و اهل فلك القمر هم الذين دخل الحبّ في قلوبهم و حييوا بالايمان و لميبلغوا درجة الايقان و علم العيان الا ما ثبت لهم بالبرهان ثم من بعد ذلك مقامات العلماء و الفقهاء و الصلحاء و النجباء و النقباء و النقيب الكلي من حيي بحيوة عرش عالمه و هو مقام البرزخية الكبري بين الشيعة و الانبياء و مقام مثل سلمان الذي كان في الدرجة العاشرة من الايمان و النجيب الكلي هو من حيي بحيوة الكرسي في هذه المرتبة ثم من بعدهم مقامات الجزئيين فالشمس و زحل [ص 508] مقام النقباء الجزئيين و المشتري و المريخ للنجباء الجزئيين و قد يعدّ النجيب الكلي نقيبا جزئيا و بالجملة هذه كليات مدارج الايمان و اما عددهم فاختلف فيه الاخبار ففي خبر ان النقباء ثلثون و النجباء مائة لا باسم النجيب بل باسم الرجل و في اخبار ان النقباء اثناعشر و في خبر ان النجباء سبعون و كون عدد النقباء اثنيعشر اقرب و اظهر من الادلة و الله اعلم بحقايق الامور و لايضرّنا عدم العلم بعددهم بعد التصديق بوجودهم و فضلهم .
في نوع فضائلهم و فيها فصول :
فصل - في بدء نورهم و ان ذلك اصل اصيل يظهر منه جم فضائلهم ، اعلم ان الله سبحانه كان في قدس جلاله و نزه جماله احدا فردا لميتخذ صاحبة و لا ولدا فتجلي اول ما تجلي بمشيته لها بها مع انه امتنع منها بها و كان تجليه ذلك بلا كيف بلا حركة بعد سكون و لا انتقال في الشئون و لا روية اجالها و لا فكر يستأنس فيها بل لا كيف لفعله كما لا كيف له و لما شاهدنا جلوة قلنا تجلي كما ان الشعلة بعد ما استضاءت لنا قلنا اضاءت لنا و تلك المشية نوره و كماله و قد انفصل منه نور آلمحمد عليهم السلام كما يفصل نور الشمس من الشمس قال عليه السلام يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس ، و تحت ذلك اسرار جمّة مرّ بعض الاشارة اليها و زيادة البيان ان حقيقة المشية نور الله سبحانه و نوره فعلية كاملة و الكامل ما له فضل نور و بعد ما كمل خلقه سطع منه نور لامع و ضياء ساطع فان الكامل لا نقص فيه لا محالة و هو نافذ ساطع متشعشع اذ هو بسيط فافهم فلما سطع و فشا سمّي نوره و شعاعه بالحقيقة المحمدية صلوات الله عليها يعني في مقام المحمدية العلياء و العلوية البيضاء لا مقام البيان و الاسماء الحسني فانهما فوق ذلك اذ هما من [ص 509] مقامات الربوبية و الحقيقة المحمدية في مقام العبودية المخلوقة بالمشية و هي مقام الظهور للفعل و العلم فافهم ذلك و بالجملة فحقيقتهم نور مشية الله فهي علي صفتها و هيئتها لاتخالفها الا بقدر المشائية و لذا يقال انها القلم و القلم آلة الكتابة و لا فرق بينها و بين اليد الا في ان حركة اليد من روحها و حركة القلم من روح اليد و الا فجميع الحروف تظهر من لسان القلم و لولا القلم لماكتب اليد شيئا كما انه لولا اليد لماكتب الروح شيئا فتدبر فلايكاد يظهر من حقيقتهم سوي فعل الله اذ هي صفة فعله تعالي و اعلم ان المداد ايضا من غيب القلم فانه ليس المداد خارجا منه لما ثبت ان الامكان لايقوم الا في الاكوان فصورة القلم مكسية علي المداد و ينفذ من رأسه و يكتب به الحروف و بالجملة فالقلم الذي هو حقيقة آلمحمد سلام الله عليهم اول مخلوق من نور المشية ثم خلق الله من نورهم الانبياء سلام الله عليهم اذ هم واقفون في مقام الروح المخلوق بالعقل ثم خلق من نورهم الشيعة و ورد في خبر ان الشيعة و الانبياء من طينة واحدة الا ان الانبياء من صوافيها و هم من غلايظها و يحتمل ان يكون المراد ان الشيعة من طينة ابدان الانبياء و يجمع بذلك الاخبار و علي ايّ حال الشيعة مخلوقون من نور آلمحمد عليهم السلام و هم في مقام النفس اللوح المحفوظ كتب عليهم ما كان و ما يكون و سيجيء بعد بيان ذلك في الجملة فهم بعد ساداتهم سابقون علي جميع الخلق اذ جميع الخلق خلقوا بعدهم و من نورهم و شعاعهم و لا شك ان النور علي صفة المنير كما مرّ بل النور هو صفة المنير و اسمه و ظهوره و مرآه و ما تري من مخالفة الشيعة مع آلمحمد عليهم السلام احيانا بحسب الاعمال فذلك بسبب الاختلاط الحاصل في عالم الذر فان الله بعد ما خلقهم من نور ساداتهم انزلهم في العوالم السافلة فحصل الخلط و اللطخ في نزولهم و ما تري فيهم مما يخالف ساداتهم فمن طينة غيرهم و بعد ما رجعوا الي حيث بدءوا يرجع ما فيهم من طينة الاعداء اليهم [ص 510] فيبقون علي ما خلقوا فافهم و لعلك عرفت مما ذكرنا ان حقيقتهم سابقة علي جميع الخلق غير مواليهم فان جميع المؤمنين النازلين عن درجتهم من الجن و الملئكة و الحيوان و النبات و المعدن و الجماد جميعها من نورهم و كل ما كان من ظلمة فهي من ظل نورهم فاذا كان هذا شأنهم صلوات الله عليهم فما ظنّك بساير فضايلهم التي ترجع الي ذلك و لاتزعم ان ما ذكرناه قول بالرأي و الهوي نعوذ بالله بل هو مأخوذ من الاخبار و رويت اكثرها في الكتاب المبين قال عليه السلام ما معناه ان الله خلق قلوبنا من اعلي عليين و خلق ابداننا من طينة دون ذلك و خلق قلوب شيعتنا مما خلق ابداننا منه ، انظر كيف صرّح عليه السلام بالمراد اذ قال ان طينة قلوب الشيعة من طينة ابدانهم و لميجعل لاحد في ذلك نصيبا و لا شك ان ابدانهم اول ما خلق الله و هو نورهم الذي قال عليه السلام اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ، فتدبر في ذلك حتي تقف علي اسرار جمّة ان شاء الله .
فصل - اعلم ان النفس الغيبية المخلوقة من نور العقل اول التعينات و اما قبلها فمقام المعني الغيبي الذي لايدرك و هي مقام الصورة و التشخص و التعيّن و ظهور المعني الغيبي فيها و قد اراك الله مثال ذلك في الدنيا انظر الي الخشب المطلق الذي هو المادة للسرير مثلا في الدنيا ظهوره و تعيّنه و تشخّصه في السرير و الخشب بلا سرير مما لايري و لايعرف و لايظهر منه اثر ابدا و مرادنا من السرير الصورة خاصة لا السرير الموجود المركب حتي يرد علينا وجود الخشب في ضمن القطعات و الخشبات الخاصة و بالجملة نفس الخشب المطلق لايكون الا معني غيبيا و المعني الغيبي لا ظهور له الا في الصورة و ليس مرادنا من ماديته انه مادة بنفسه اذ انت تعلم انه المؤثر للصور الخاصة و لكن المادة ظهوره و من باب المسامحة في البيان يقال انه المادة النوعية و كذلك الحال بالنسبة الي العقل و النفس فان العقل في الشرع مؤثر النفس كما مرّ [ص 511] و لايكون مادة لها و لكن موادها التأييدات العقلية و من باب المسامحة يقال ان نفس العقل مادة لها و بالجملة ظهور العقل بايّ اسم سمّيته لايكون الا في النفس فلايظهر الا منها و لايدرك الا فيها و لايفعل الا بها الاتري الي عقلك فانه شعور صرف معنوي و الشعور الصرف ليس الا محض الانفعال و الانفعال الصرف لايكاد يقوم الا بمظهر و هو نفسك و هي صورتك و بعد تعلق العقل بها يدرك ما يدرك بها و يفعل ما يفعل بها لا بذاته و ان قلت فلمَ يخصص فعل به و فعل بها اقول يظهر لك مثل ذلك من الشعلة فان فعل النار كلها منها و هي بابها و صراطها فكل ما صدر منها من مقتضيات النارية ينسب الي النار و كل ما صدر من مقتضيات الدخان يكون من نفس الشعلة ، افهم ذلك و كذلك الامر في الاعلي العقل وحده لايقوم الا بالنفس و فعل النفس من حيث العقلية منه و من حيث نفسها منها و ما سمعته من مشايخنا ان العقل يظهر في دخان رأس الانسان اذا بلغ بلطافة العرش و النفس تظهر دوين ذلك اذا بلغ بلطافة الكرسي فلايريدون من ذلك ظاهره و في الحقيقة العقل الظاهر في العرش معه النفس و النفس الظاهرة في الكرسي معها العقل و هما لايفارقان ابدا ابدا و بالجملة بلسان آخر اقول ان المطلق بنفسه موجود ثابت قايم و لكن ظهوره في افراده و لولاها لماكاد يظهر حتي انه اشتبه علي الناس ان له وجودا في الخارج ام لا ، لانهم لميجدوه الا في الافراد و لكنهم غفلوا عن الغيب انه عالم برأسه قايم بنفسه و الكلي الطبيعي موجود فيه و لكن في هذا الملك لايظهر الا في الافراد فجميع ما يصنع في افراده او في غيرها يصنعه بواسطة الافراد و ان الافراد بعضها باب البعض اليه حتي ينتهي الي الفرد الاول فانه نفسه و بابه اليه الاتري الي الجسم المطلق انه غاب بنفسه عن الانظار و امتنع عن ادراك الابصار و لكنه ظهر في افراده لها بها و كل فرد اعلي باب الفرد الاسفل لا محالة ثم هل ذلك في العرش و الكرسي بالنسبة الي السموات برُمّتها و الارض بنسبة واحدة او في السموات [ص 512] ايضا هكذا بنسبة السافل الي العالي و الارض بالنسبة اليها بجميع عناصرها بنسبة واحدة او يثبت في العناصر ذلك ايضا فيه تفصيل فاعلم ان العالي ما لميكن اجمع من السافل من كل جهة لايقدر علي الافاضة عليه و لو بالوساطة و السفارة و اعتبر ذلك من استرداد سورة البراءة من ابيبكر و ردّها الي اميرالمؤمنين عليه السلام و من لميكن له جامعية بالنسبة الي ما دونه اخ لما دونه الا انه يملك شيئا و ما دونه شيئا و ان كان بينهما تفاضل في الشأن بحسب ما يحمله و امثّل لك مثالا ان زيدا الصايغ باب الله في الصياغة و الحدّاد في الحدادة و كل واحد منهما يحتاج الي صاحبه في صنعته لا غير و لا فخر لاحد و لا ذخر و لايأتي صياغة الصايغ من قبل الحدّاد و اما الاستاذ الماهر العالم بكل صنعة باب الله لصُنّاع الجزء فرضا اذا كان شأنه ذلك و هكذا الامر في العناصر فانها اخوات و التراب واجد للترابية و فاقد للباقي و الهواء واجد للهوائية و فاقد للباقي و لايأتي ترابية التراب من الهواء فان ذلك محال و اما السماء فهو بمنزلة الطبيعة الخامسة و قد لبست حلة الوحدة و البساطة فصارت مظهر الجسم الاحد بالنسبة اليها فجميع ما يأتي الارض يأتيها من قبل السماء و قد قال الله تعالي و في السماء رزقكم و ما توعدون و لميقل في الهواء رزقكم و ان كان الهواء اسرع انفعالا من السماء و امرها من الارض و سرعة الانفعال لاتكون سبب الوساطة و اما ما تري من وساطة الهواء و النار في ايصال الشعلات الي الارض فذلك في الظاهر بمحض انطباع فيهما لا في الحقيقة الاتري ان الهواء يتنور من نور الارض ثانيا في الانعكاس هذا و في الحقيقة ربما يتغير الامر و لكن الامر في السماء حقيقي و كذلك كل سماء بالنسبة الي سافله كطبيعة خامسة ، افهم ذلك ان شاء الله حتي تقف علي المراد .
فصل - اعلم ان النفس الكلية الدهرية مطلقة و نسبتها الي النفوس الجزئية كنسبة الجسم المطلق الي الاجسام و نفوس الاشياء هي صورها فصورة الجماد [ص 513] مثلا نفسه و صورة النبات نفسه و هكذا صورة الانسان و الحيوان و غيرها من البسايط و المواليد و كلها افراد المطلق الاعلي و هو النفس الكلية المحيطة بها و هي مبدأ الكل و منشأ الجميع فان جميع افراد المطلق ظهوراته و تجلياته فان افراد الحديد هي ما ظهر من اشعته فيما صيغ من العناصر بصورة قابلة لحكايتها و الاشعة تصدر من الحديد بصورة واحدة اطلاقية اذ هي كماله و علي حسبه و تظهر في السيف و الوتد و المكحلة مثلا بحسبها و هي ما تري فيها من الحديدية ، افهم ذلك حتي تعرف المطلب و لا شك ان الاشعة جميعها بدؤها من الحديد و عودها اليه و كذلك الامر بالنسبة الي النفس الكلية و لذلك قال الامام عليه السلام هي المختصر من اللوح المحفوظ و مجموع صور العالمين ، فانها لاتجمع جميع الصور الا بما ذكرنا فان المؤثر هو الجامع لا غير فعلي ذلك جميع ما يظهر من الافراد يرجع اليها و ينسب اليها فالسماء مثلا يدور علي الارض و يعمل فيها و عمله بنفسه و نفسه فرد النفس المطلق فعملها منها و هكذا و لكن ذلك صفة النفس المطلقة و لكن الاشكال في انه هل يجوز نسبة صفة النفس المطلقة الي شخص يحكيها ام لا فاعلم ان الفرد يحكي المطلق بحسب شأنه لا بحسب شأن المطلق و ذلك ايضا ليس من حيث فردية الفرد بل من حيث حكاية البدن العنصري فان الفرد بنفسه شعاع المطلق و اثره و لايخالف عنه و لكنه يظهر في المرآة بحسبها فان كانت المرآة صالحة لحكاية الشعاع علي ما هو عليه فلاتخالف عنه و الا فتخالف و امثّل لك مثالا ان نفس الانسان حافظة اذ الحفظ من لازمتها و لايفارقها بالزام الله سبحانه و لكن البدن ربما يحكي حفظها علي ما ينبغي و ربما لايحكي و ذلك بحسب غلبة الرطوبة علي دماغ الانسان و عدمها كما هو ظاهر فان كان البدن صالحا لحكاية الحفظ يحكيه و الا فلا و كذلك الكلام في ساير قوي الانسان و من لايحكي جميع قوي الانسان لايسمّي انسانا علي الحقيقة نعم يكون انسانا ظليّا و كذلك [ص 514] الامر في جميع الملك فالسماء مثلا يحكي سماوية النفس دون ارضيتها و الارض تحكي ارضيتها و لذا لايصدق علي واحدة منهما اسم حقيقة النفس بالكلية و كذلك الامر في الابدان الشخصية فالنجيب الجزئي مثلا و ان ظهر فيه شعاع النفس و لكنه لميجمع جميع ما يشترط في حكاية النفس و لذا لايصدق عليه اسمها علي الحقيقة نعم اذا كشفت عن السبحات اي سبحات شخصيته تري النفس و ذلك فضل له و لكن لايصير سبب ظهور الآثار منه علي الحقيقة و ليس ذلك الا من باب صدق اسم النار مثلا علي الدارصيني لحرارته و يبوسته و اين ذلك من الشعلة فافهم فلذلك لايسوغ ان يقال لمرآة لاتحكي جميع النفس بكمالاتها انها نفس بل هي عضو لها ففلك القمر لايكون نفسا و لكنه قمر النفس و الزهرة لاتكون نفسا و لكنها زهرة النفس يعني النفس الظاهرة فيهما زهرة و قمر و لكن الكرسي الجامع للكل الذي وسع السموات و الارض يحكي النفس فيصدق عليه اسمها و يظهر منه اثرها و هو بمنزلة البدن الكامل لزيد و الشعلة للنار و هو امام السموات و الارض و الكلي الحاكي عن الغيب و باب الاشارة و محل العبارة و الدليل و الامارة و صاحب الوساطة و السفارة و هو النفس الكلية فيصدق علي هذا البدن اسم الكلي مع ان النفس الغيبية غيره و نسبتها اليه و الي ساير السموات و الارض بالسواء فافهم فقد اسقيتك ماءا غدقا و لايمكن افشاء المسألة اكثر من ذلك و الي يومنا هذا لميكن يمكن اظهارها هذا القدر ايضا .
فصل - اعلم ان الشيعة كائنا ما كانوا فروع آلمحمد عليهم السلام اذ هم انوارهم و اشعتهم و النور لايملك لنفسه شيئا لايكون من مولاه و مؤثره فان جميع ما منه يرجع اليه الاتري الي نور السراج فانه لايثبت للنور شئ الا و هو راجع الي السراج و ينسب اليه و كيف لايكون هكذا و حقيقة النور من المنير و اصل وجوده راجع اليه و في نفسه فقير محتاج اليه و لذلك جميع [ص 515] ما يثبت للشيعة من الفضايل يثبت لهم بالاصالة و لشيعتهم بالتبع و ذلك قوله عليه السلام نحن اصل كل خير و من فروعنا كل برّ ، و نفي عليه السلام المعجزات من الشيعة و قال انها للامام يجريها علي ايديهم كما اظهر موسي عليه السلام معجزته من العصا و قال انها كرامات منّا عليهم و بهذا المعني اذا قلت ان الشيعة لا علم لهم و لا حلم و لا كمال ابدا الا ما اظهره آلمحمد منهم لكنت صادقا في قولك فان الشبح في المرآة حسنه للشاخص و منه لا له و لا للمرآة و ان كان المرآة المستقيمة تحكيها احسن و ذلك ايضا من مولاها لان الامر في مرايا قوابلهم ليس كالمرآة العرضية للشاخص الخارج بل مرآة قابليتهم ايضا عكس مولاهم ، فافهم و تدبر هذا و كل شيعي لايقدر علي حكاية جميع فضايل الامام و لو بالفرعية فانه لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا قال عليه السلام ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن قيل فمن يحتمله قال نحن انتهي ، و لكن جميع الشيعة اي مجموع النقباء يحكون جميع فضايلهم بالفرعية لا محالة و اما كل واحد منهم فلايحكي الجميع لانه بمنزلة العضو و الحاكون للكل لايحكون الا بالفرعية علي ما مرّ فافهم و لاتغل في دينك ابدا و ما ورد في ان سلمان علم علم محمد و عليّ ، ان كان علي ظاهره الذي يفهمه العوام لايدل علي انه حكي جميع ما لهما بل المراد انه علم من علمهما صلوات الله عليهما كيف و هو عبد من عبيدهم و العبد كائنا ما كان فرع المولي و لايكاد يصل الي مقامه ابدا و يحتمل فيه ان يقال ان سلمان شانه ارفع من النقابة و قد وصل الي البرزخية فصار فرع مواليه بالكلية و مرآة كاملة فتدبر في ذلك حتي تكون من المقسطين .
في بعض فضايل النقباء و النجباء علي نحو الكلية و الاجمال و فيها فصول :
[ص 516] فصل - في تعيين مرتبة النقابة و النجابة و قد بيّن ابي اعلي الله مقامه مقاماتهم بطرز بديع اري ان اذكر كلامه بعينه فانه احري بان يروي بلا تغيير .
قال انار الله برهانه و اعلي الله مكانه : اعلم ان الله سبحانه اول ما تجلي تجلي بذات ظاهرة و جوهرة حقيقية اذ لا سابق عليها حتي تكون صفة لها او عارضة عليها ثم تجلي بها بصفاتها و اسمائها التي هي كمالاتها و وجوداتها اي ظهوراتها ثم بها اي بتلك الاسماء خلق ما خلق فاول ما خلق هو الوجود الذي به كل شئ موجود و الماء الذي منه كل شئ حي و هو الحقيقة و الفؤاد و النور و مثل ذلك الوجود في صورة العقل فقيل اول ما خلق الله العقل ثم امره بالادبار فادبر الي مقام الروح ثم الي مقام النفس ثم الي مقام الطبع ثم الي مقام الهباء ثم الي مقام الاظلة ثم الي مقام الجسم نازلا من العرش الي الفرش فصار جميع المراتب العالية مخبوءة مستورة تحت حجاب التراب و صارت بالقوة بمعني قوة الظهور ثم لما دعا الله عز و جل العقل الي الاقبال خرجت تلك المراتب الي الفعلية شيئا فشيئا و عند خروج كل رتبة الي الفعلية ان وقفت حصل نوع من الخلق و الا صعد الي النوع الاعلي فاول ما تحرّك الي الاقبال تحركت الطبايع بالتركيب المحض فتركب بعضها ببعض فلما وقفت لجمودها و عدم مطاوعتها حصل منها الجماد اللهم الا ما كان منها كثير الرطوبة مطاوعا فصعدت فظهر عليها آثار صوافي الطبايع فلما وقفت لجمودها حصل منها النبات اللهم الا ما كان منها اكثر رطوبة فصعدت فظهر عليها آثار الحيوة الفلكية فصارت حيوانا لما وقفت و منها ما كان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها آثار النفس الناطقة المميزة فصارت انسانا لما وقفت و منها ما كان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها آثار الروح الملكوتي فصارت نبيا و سفيرا لما وقفت و منها ما كان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها آثار روح القدس و يختص ذلك المقام بمحمد و آلمحمد صلوات الله عليهم الذين بهم فتح الله و بهم يختم و هكذا و لما كان المقصود ذكر مراتب الانسان نقتصر [ص 517] عليه و عليه قس ما سواه ، اعلم ان الانسان له مراتب منها ما هي آية الاعالي و صفتهم فهو و ان كان في مقام النفس الناطقة الا ان فيه صفة الروح الملكوتي و صفة صفة العقل و ما فيها من صفة الفؤاد و ما فيها من صفة الاسماء و ما فيها من صفة المسمّي و منها ما هي من مراتب انسانيته من طبعه و مادته و مثاله و جسمه و كمن جميع المراتب العالية في جسمه فاذا دعا الله العقل الي الاقبال و صار يقبل و يرقي شيئا بعد شئ صار يخرج تلك المراتب واحدة بعد واحدة من الكمون الي البروز و من القوة الي الفعلية فلا كل انسان جميع مراتبه العشرة فيه بالفعل بل منهم من ليس فيه بالفعل الا جسمه و منهم من صار فيه بالفعل مثاله و منهم مادته و هكذا فالجهّال من الاناسي فاِما هم واقفون في مقام الجمادية و اِما هم واقفون في مقام النباتية و اِما هم واقفون في مقام الحيوانية و اما العلماء منهم فهم الذين قد صار فيهم النفس الناطقة القدسية بالفعل فحصل لهم العلم بالله و برسوله و بحججه سلام الله عليهم و بشرايعه و احكامه و ما اراده من خلقه بقدر الطاقة البشرية و حصل لهم بذلك الخشية من الله عز و جل و الفرقان الذي به يفرق بين الحق و الباطل و من ترقي منهم فقد صار فيهم صفة الروح الملكوتية بالفعل فازدادوا علما و صاروا محدّثين و اُلهموا بالواردات الغيبية و الرؤي الصالحة التي هي جزء من ستة و اربعين جزءا من النبوة و من ترقي منهم فقد صار فيهم صفة العقل بالفعل فكتب الله في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه اي برأس من رؤس روح القدس و عون من اعوانه و دخل في عباد الله المأيوس عنهم الشيطان و من اهل الرضوان لانهم بايعوا الله تحت شجرة العقل و هي الباكورة التي اكل منها روح القدس في جنان الصاقورة فاضيفوا الي العقل و صاروا منه و اليه لا فرق بينهم و بينه الا بالظلية و الاصلية و صاروا خلفاء الرسول و العقل الظاهر الذي عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و من ترقي منهم و صعد صار الفؤاد فيه بالفعل فصار من اهل الحكمة [ص 518] عارفا بالله و صفاته و الحجج و صفاتهم و نظر الي الامثلة الملقاة في هويات الاشياء و عرف البدء و الكيف و اللمّ و هيٰهنا منتهي ترقي اهل العلم و بذلك يحوزون مراتب المجادلة و الموعظة و الحكمة و يصيرون من اهل المشاهدة و العيان الي غير ذلك من الفضائل التي يتحملها الصدور و لايتحملها السطور و من ترقي منهم و صعد صار مقام الاسماء فيه بالفعل و حصل فيه قدرة و قوة و تمكّن من الامر و النهي و الحكم في البلاد و العباد و استجيب دعاؤه فيما اراد و استجاب الله دعاء من دعاه به من اهل السداد لقوله تعالي لله الاسماء الحسني فادعوه بها ، و منهم من ترقي و صعد الي مقام المسمي اي الموقع الذي يقع عليه الصفة و قدس ساحة الذات العليا عن الاقتران بالصفات لشهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و المسمّي صفة في الحقيقة مقترنة بالصفة رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و اللسان عن بيان فضائل هؤلاء و الذين قبلهم كليل و القلب من عدم تحمل الزمان عليل ، الي ان قال (اع) : و قد اصطلح آلمحمد عليهم السلام علي ان من صار فيه النفس بالفعل و صار عالما او الروح او العقل او الفؤاد فهو نجيب و من صار فيه صفة الاسماء بالفعل فهو نقيب و قلّ ما يخلو النقيب عن حكاية المسمّي و من صار جميع المراتب العشرة فيه بالفعل فهو الكامل المكمل حقا و هو المطيع لله فيما امر الله صدقا و الممتثل امر اقبل بقدر الطاقة البشرية صدقا قال الله تعالي يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون انا حيّ لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيّا لاتموت و لعلّي نقلته بالمعني و قال انما يتقرب اليَّ العبد بالنوافل الي آخر الحديث ، انتهي كلامه علا مقامه .
فصل - اعلم ان فضايل النقباء اكثر من ان تحصي و اجل من ان تستقصي و كيف يدرك فضل من لايوصف بنص قول الامام عليه السلام المؤمن لايوصف ، [ص 519] و كيف يحاط بمن لايحدّ اذ قال عليه السلام سلمان بحر لاينزف ، هذا و ما يمكن ان يدرك من فضلهم لايمكن ذكره فان تعب الكتمان في الصدور اقل من زحمات نتايج الكتابة في السطور و لا كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله ، فاشير في المقام الي بعض فضايل الكليين اقول قد عرفت ان النقيب من صعد من عرصة التراب الي جوار قرب رب الارباب و وقف علي الباب و الجناب و نظر بعين الله في جميع ما في المبدأ و المآب و هو من اولي الالباب الذين خرج من قوتهم العقل و لايمكن ذلك الا بعد خروج جميع ما دونه كما مرّ سابقا و اذا صار جامعا لجميع مراتب الخلق يخرج من كمونه جميع الاسماء المتعلقة بها من البديع الي آخرها و مجموعها ثمانية و عشرون فيملك جميع السموات و الارضين في نفسه و يتصرف بها فيما يشاء اذ يخدمه جميع الملئكة المتعلقون بها فيفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و مايشاء الا ما شاء الله و لما صار واقفا في موقف العقل يصير قطبا فيناديه العقل الاول و يخاطبه بانت القطب و لميكن قبل ذلك سامعا لهذه الدعوة بالوجود اذ لايدرك نداء العقل سوي العقل الذي من نوره فاذا صار قطبا يصير محل جميع الفيوض النازلة من عند الله و عليه يدور الخلق و يستفيضون منه كما تري في العرش الظاهر في الملك و القلب فيك حرفا بحرف و هو يتصرف في جميعها كيف لا و هو محل الاسماء العظام التي خلق الله بها الخلق فاذا صارت بالفعل في مقام يظهر منها آثارها و لاتتعجب مما اقول اذا رأيت ما ورد من اعمال سلمان و ما شاهد منه ابوذر و قد رويتُ الروايات في كراماته في الكتاب المبين و ان شئت فراجع .
قال ابي (اع) كلاما موجزا في شأنهم ارويه بعينه :
اعلم ان النقباء هم حملة الآثار و الحكوم كما ان النجباء حملة الاسرار و العلوم و هم في مقام العقل و العقل وسط الكل فهم اقطاب الوجود و اسرار المعبود و هم اَلسن العبارة و اوجه الاشارة بهم يعبد الرحمن و يكتسب الجنان [ص 520] و هم ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و الجنة المأوي و هم اصحاب الولاية و ارباب الحكم و منهم يصدر الصادرون و اليهم يرد الواردون بهم فتح الله و بهم يختم و هم نور النبي اول ما خلق الله و بهم ينتهي ما ذرأ الله ، ينحدر منهم السيل بالافضال و الانعام و لايرقي اليهم طير الاوهام بامر الله يعملون و بقوله يحكمون و هم جنب الله و امر الله و وجه الله و يد الله و عين الله و لسان الله و قول الله بهم تمّت الكلمة و عظمت النعمة و ائتلفت الفرقة و منهم ظهرت الانوار و بدت الآثار و عبد الجبّار و هم اصحاب باطن الباطن و سرّ الاسرار انزجر بهم الاعماق و اتفقت الآفاق و اليهم المساق يوم التلاق و هم اصحاب الطول و العرض و مبيّنوا السنن و الفرض و صاحب البسط و القبض و بهم تشرق الارض و بهم يفتق كل رتق و يرتق كل فتق فهم كعبة الوفاد و جاه العباد و هم مشية الله و ارادته و قدره و قضاؤه و اذنه و امضاؤه و هم الجزء الاخير من العلة التامة و عليهم تدور الخاصة و العامة و هم احبّ الخلق الي الله و لايكمّلهم الله الا فيمن يحبّ و هم الواقفون علي الطتنجين الناظرون في المشرقين و المغربين بهم يحتج الله علي خلقه و يبتلي كل مبتلي من عباده و هم باطن باطن الكتاب و الفصل الخطاب و باب الباب و جناب الجناب و مرجع الانجاب و ظهور الاطياب و هم تمام الكلمات التي تلقي آدم من ربه كلمات فتاب عليه و الكلمات التي ابتلي بها ابرهيم علي نبينا و آله و عليهم السلام كما روي و هم الروح التي ايّد بها المؤمنون و العلم الذي به اهتدي السالكون و هم القرية الظاهرة و الدلالة الباهرة و هم حجج الله علي خلقه و هم الكتاب الذي كتبه بيده و هم الجسر الممدود بين الجنّة و النار و رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و باب مدينة العلم و جناب الامر و الحكم هم قسيموا الجنة و ظاهرهم النيران و هم الرضوان و الدرجات و الجنان العليا و المنجيات في شأون تجلياتهم يتنافس المتنافسون و بفواضل انوارهم يتنعم المتنعمون هم اصل شجرة طوبي [ص 521] المغروسة بيد الرحمن في بيت امام الانس و الجان و في بيت كل مؤمن منه غصن و هم بيت الولي و اهل بيت النبي و هم آل الله المودعون بين الامة و الحبلان الممدودان و الثقلان المودعان و هم الشمس الطالعة في قعر بحر القدر لايطلع عليهم الا الواحد الفرد فهم سرّ الامر بين الامرين و المنزلة بين منزلتين و الرحمة الرحمانية علي الفريقين و هم المنزّهون عن الاسم و الرسم ليس لهم حدّ محدود و لا نعت موجود و لا اجل ممدود و بهم يعبد المعبود و ظهر سرّ الوجود فهم السرّ المكنون و حقيقة الكاف و النون و السرّ المصون هاه هاه ما اقول و ما عسي ان اقول الي آخر كلامه اعلي الله مقامه .
و لعمري اذا عرفت حقايق هذه الكلمات وقفت علي اصل العلم و حق الحلم و اذا بلغ الزمان مبلغ الاستعداد في حياتي لشرحت هذه الكلمات و فصّلت و الا فهو حظ غيري ثم لا شك انه لايبلغ احد مقام العقل حتي يملك النفس و هي محل العلوم و مجمع الرسوم اذ هي مختصر اللوح المحفوظ فالنقيب يكون صاحب جميع العلوم النفسانية الصورية و لكونه صاحِبَ العقل يكون صاحب العلوم المعنوية العقلانية و هما عِلْمُ الاولين و الآخرين و قد قال عليه السلام سلمان عَلِمَ عِلْمَ الاولين و الآخرين ، و شرح هذين العلمين بعلم محمد و علي و اما فضلهم في اخلاقهم و احوالهم و عباداتهم فامر بيّن لايحتاج الي البيان لمن كان له عينان فطريق معرفة النقباء ان تشاهد منهم العلوم و الآثار مضافا الي اخلاقهم و احوالهم و لااريد من العلوم علم جميع الجزئيات علم احاطة و عيان بحيث لايحتاجون الي نظر فان ذلك خلاف ما شاهدنا منهم مع انه شأن امامهم و هم لايبلغون منزلته كيف و ان بعض الانبياء لميبلغوا هذه المنزلة فكيف بالشيعة الذين هم من اثرهم كائنا من كانوا الاتري انهم منعوا عن العمل بآرائهم و لو كانوا يقدرون علي فهم جميع الاعراض و الجزئيات لرخص لهم في ذلك الاتري الي ما كانوا يسألون النقباء ساداتهم من الحكم بل ربما كان الائمة عليهم [ص 522] السلام ينكرون عليهم ما عرفوه بنفسهم و انكارهم عليهم بايّ جهة كان يدل علي النقص في الجملة ، فافهم و تثبت علي صراط القسط و لاتغل في دينك و لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا و لكنهم يطلعون علي الحقايق اي حقيقة كل علم مكشوفة لهم و يعملون بمقتضي علمهم و اما الجزئيات فتكشف لهم بالنظر و ادامة الفكر و لذلك لميبلغوا مقام العصمة و يجوز لهم السهو و النسيان و بالجملة فعلومهم كلية و ساداتهم يطلعون علي الكليات و الجزئيات فالنقيب مثلا يطلع علي حقيقة علم الرمل و لايلزم ان يحيط بجميع ما اصطلح عليه الرمليون و اما جميعهم في حقيقة علمهم فيحتاجون اليه لا محالة و قس علي ذلك ساير العلوم و كذلك في التصرفات لانقول انهم يتصرفون مثل علي بن ابيطالب عليه السلام نعوذ بالله بل جميع آثارهم بتوسلهم به عليه السلام و لكن لهم تصرفات بحسب شأنهم اذ ملكوا الاسماء و هي البديع و الباعث و الباطن و الآخر و الظاهر و الحكيم و المحيط و الشكور و الغني و المقتدر و الرب و العليم و القاهر و النور و المصوّر و المحصٖي و المبين و القابض و الحيّ و المحيي و المميت و العزيز و الرازق و المذلّ و القوي و اللطيف و الجامع رفيع الدرجات ذو العرش ، و لما كانت الانوار مهيمنة علي الظلمات تتسلط هذه الاسماء علي جميع مراتب الجهل فهي الجهل الكلي و الثرٰي و الطمطام و النيران و الريح العقيم و البحر و الحوت و الثور و الصخرة و هي السجين و الملك الحامل و ارض الالحاد و ارض الغضب و ارض الشهوة و ارض الطبع و ارض العادات و ارض النفوس و نار الكلب و هواء السموم و الماء الاُجاج و الارض السبخة و الحجارة و الحديد و النبات المُرّ و المسوخ و الشياطين و شياطين الجن و الانس و ابليس لعنه الله و اعلم ان الاسماء تظهر للنجباء ايضا و لكن النقباء مخصوصون بالمسمّي فافهم هداك الله الي سبيل مرضاته .
[ص 523] فصل - في قليل من كثير فضايل النجباء و هم الرجال السبعون الذين ورد ان مع كل امام سبعين رجلا يبعثهم الي الآفاق و سُرُج هداية الخلق و هم ورثة الانبياء اذ لميورثوا دينارا و لا درهما و لكن اورثوا احاديث من احاديثهم و هم العدول الذين ينفون عن الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و هم الممسكون لازمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها و هم الحاملون للاسرار و العلوم و الواقفون في مقام النفس الناطقة القدسية و نسبتهم الي النقباء نسبة الصورة الي المادة و الولاية الي النبوة و النفس الي العقل و الكرسي الي العرش و الجلال و الجمال و الظهور و البطون و المكوّن و الكاف و النون و الاسم و المسمّي و هم مواقع الاسماء اذ النقباء هم الاسماء و مدلول الآيات و المشار اليهم بالآلات و هم مبدأ عالم التصوير و محل التقدير و يرجع اليهم كل قليل و كثير و هم المشار اليهم في الخبر صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، اعتدل طباعهم بتزكية النفوس بالعلم و العمل حتي صفا مزاجهم و صح منهاجهم فشاركوا الافلاك و وافقوا الاملاك و كمل فيهم الاستعداد و علوا علي الاضداد و نظروا بعين الله التي اعارهم اياها و رأوا الواحد الفرد في جميع الظهورات و وقفوا علي النقطة و جانبوا الفرقة و حصل لهم العلوم الكثيرة بحسب نظرهم الي الخلق و ساشير الي بعضها ان شاء الله و اكملوا الاسفار الاربعة و شاهدوا الانوار في كل الاطوار و وحّدوا ربهم بالتوحيد الخالص و لميشركوا بعبادته احدا .
و اما علومهم ففي سفر اولهم يسافرون من عالم الاعراض و محل الامراض الي حقيقة الاجسام الطبيعية و في سفرهم هذا يطلعون علي علوم جمّة من اسرار التراكيب و حصول المواليد من الجماد و النبات و الحيوان و ظهور الغيب فيها في الجملة فيطلعون علي جميع العلوم التي سمّوها الناس علما و اخذوها من [ص 524] الاعراض ثم يتجاوزون عن هذه الاعراض الي اصولها الجسمانية ثم الي حقايقها فيطلعون علي الاجسام الاخروية و البرزخية و الدنياوية فيشاهدون في هذا النظر ارض المحشر و القيامة و ارض الذر و كيفية الخلط و اللطخ و اصل الوادي المقدس و واديالسلام و عين برهوت و وادي حضرموت و يسافرون حتي ينتهون الي جبل قاف و الطور الحاف فيرون يوم خلق الدنيا و بدء الاجسام و ارتباطها بالعوالم الغيبية ثم يشاهدون الشموس الغيبية وراء هذه الشمس و الاقمار وراء القمر و الافلاك و الاكوار و الادوار ثم يتجاوزون من عالم الاجسام الي عرصة المثال فوق هذه الارضين و البحار و الجبال بل السموات العلي و عرش الجلال فيشاهدون الجنتين المدهامتين فيأكلون من ثمار الجنة و يعانقون الحور و يتنعمون في القصور و يصعد من وجوههم النور و يتكلمون مع الارواح و يشاهدون صعودها و نزولها في الغدوّ و الرواح و سيرها الي قبورها و بيوتها و محل عذابها و تنعمها ثم يتجاوزون من هذه العرصة الي البحر الابيض و طمطامه فيشاهدون بريقه و لمعانه و امواجه و تيّاره و حيتانه و السُفن الجارية فيها كالاعلام من سفن امثالهم من النجباء العظام فيشاهدون صورة الوحدة و استغراق كثرة عرصة الشهادة ثم يصعدون من هذه العرصة الي الكثيب الاحمر و التلّ الاكبر و يطلعون علي اعماقه و يرون ما فيه من انواع المعادن ثم يصعدون الجزيرة الخضراء فيطلعون علي الحقايق و الاحكام الحقيقية و جميع هذه العرصات المذكورة من الهورقليا من عالم الرجعة ثم يصعدون الي سموات هورقليا و عرصة الخيال و الفكر و يتجاوزونها الي ان يصلوا الي الوجود الثاني و مجمع الكثرات و مقام الوحدة و هنالك مبدأ جميع الشهاديات فيشربون حينئذ من كبد الثور ثم يصعدون الي الطبيعة العليا و الكثيب الاعلي و الياقوتة الحمراء و النار المخرجة من الشجرة الخضراء و اسفل اركان العرش فيقفون في جانب الطور و يناجون بالسرور و يشاهدون النور بفضل النبي المحبور [ص 525] و يقومون وراء الحجاب الاخضر و ينظرون الي ما فوقه بالقلب المطهر فاذا تجاوزوا من ذلك المقام وصلوا الي الكتاب المسطور و الرقّ المنشور و الرفرف الاخضر و ارض الجنة و الذر الاول و الثاني و العالم العلوي و الوطن الاصلي و قرية النجباء و سدرة المنتهي التي عندها جنة المأوي و شجرة طوبي و مستقر الاولياء و هذا غاية سيرهم في سفرهم وجودا ثم يحصل للنجيب بالوجدان مشاهدة ارض الزعفران في ورق الآس و يطلع علي اسّ الاساس ثم يلوح له الدرة البيضاء و ذات الله العليا و نور الرضوان و مبدء الجنان فيعبد به الرحمن و الي هذا المقام يصعد النقباء في سفرهم وجودا فيملكون ما ذكرنا سابقا من الفضايل ثم يصعدون النقباء و النجباء بالوجدان الي مشاهدة مقام الاركان آخر القري الظاهرة و يطلعون علي المعاني العلٰي و الظهورات الدنيا فيشاهدون بريق نور الغوث الاعظم و الصراط الاعظم و الحجاب الاكرم من جانب الله ثم يستأذنون للدخول و هم واقفون في باب الافول لغلبة نور المؤثر و سلطان قهر المدبّر فيكبّرون الله تكبيرات حتي يطلع لهم نور الله من جبين قائم الاطهار فيوحّدوا الله حق التوحيد و يقفوا علي سرّ التفريد فيقولون بلسان حالهم لا اله الا الله حقا حقا لا اله الا الله ايمانا و صدقا ، و هذا آخر سفرهم الاول فيسافر النجيب بعد توحيده لربه في الاسماء و الصفات فيشاهد من انوار الجلال و الجمال ما لميخطر علي قلب احد فيشاهد الغيب المطلق و القدس الحق فيجد لذّة الفناء و يعرف سرّ البقاء و يقدر به علي كشف السبحات و يري من نور ربه ما لايخطر علي قلب احد و يقوي فيه نور الله و يقتدر علي النظر بالنور و بعد ما صار كاملا في مدرسة استاد الازل بقوة الحيوة التي لمتزل و البقاء بالوجود الاول يؤمر بالسير الي الآثار و كسوة الانوار فيسافر الي الخلق و يمرّ بمبدء كل شئ الي منتهاه و في سفره الاول لعدم كماله لميكن يقتدر علي معرفة كل شئ من الجزئيات و الكليات مع انه كان مشتاقا الي لقاء ربه [ص 526] و لميكن ينظر الي شئ و في هذا السفر يؤمر النجباء بل النقباء بالنظر و ادامة الفكر فبنظرهم الي كل جهة و حيث يحصل لهم علم ذلك الشئ فاعلم اولا انه ليس الا الله و نوره و جميع الخلق نوره و هو ظاهر فيهم فينقسم مقامات الاشياء الي ظاهر و ظهور و مظهر و لكل جهات و علوم فمن حيث نظرهم الي الظاهر يحصل لهم علم البيان و الاحدية و الحق و الوجوب و الغيب الاول و كنت كنزا مخفيا و علم النقطة و العماء و من نظرهم الي نفس الظهور يحصل لهم علم المعاني و سرّ الامكان و الاطلاق و العزّة و الغلبة و القهر و القدرة و السلطنة و الولاية اذ يعلمون في هذا المقام علم المسمّي و حقايق الصفات و الواحدية و الرحمانية و الغيب الثاني و امثال ذلك من الالقاب و الصفات و من حيث نظرهم الي المظاهر يحصل لهم علوم كثيرة فمن نظرهم الي حقايق الاشياء من حيث الصدور من المبدء يحصل لهم العلم الالهي بالمعني الاعم علي اصطلاح الحكماء و علم الاطوار و الادوار و علم المحبة و الولاية و علم الكلمة التامة و علم الاسماء و الصفات و الحقايق و الهويات و النسب و الارتباطات بل علموا في نظرهم هذا علم الظهور و البطون و علم السرّ المكنون و علم الافتراق و التلاق و علم الجبروت و الملكوت و الناسوت و علم التقدم و التأخر و علم الترقي و التنزل و علم البساطة و التركيب و علم البعيد و القريب و علم حقايق الموجودات من الكينونات و الانيّات و الاقترانات و الارتباطات و امثال ذلك و من نظرهم الي حيث الناظر يحصل لهم علم الميزان و علم البرهان و علم المحاورات و المخاطبات و علم المباحث و المناظرات و من نظرهم الي ظواهر الذوات يحصل لهم علم المواد الطبيعية و الصناعة و علم الطبايع و الامزجة و علم الاقتران و الضم و الاستنتاج و علم التركيب و علم التوليد و علم الاتصال و الافتراق و علم المباعدة و التلاق و علم الصعود و النزول و علم الخروج و الحلول و علم الجواهر و امثال ذلك مما يتعلق بهذا المقام ، ثم من نظرهم الي [ص 527] المقادير يحصل لهم علم الرياضي بجميع فروعه و من نظرهم الي نسبة الذوات النورية الي الاجسام الكدرة و تفصيل ما فيها من مظاهر اجزاء العالم غيبا و شهادة و تركيبها حصل لهم علوم بحسب تعلقها بانواع المواد و مجموعها يدور علي علم الاكسير في المعادن و تطبيقها مع العوالم الغيبية و من نظرهم الي نسب الاوضاع الفلكية و طبايعها و آثارها حصل لهم علم النجوم و علم الاحكام و امثال ذلك ، و اذا نظروا الي مناسباتها في المركبات الجسمية يحصل لهم علم القيافة و الكتف و البلدان و الجبال و ذلك علم بسيط شريف و من نظرهم الي ظهور الاشباح يتحقق لهم علوم كثيرة مثل علم المناظر و المرايا و علم نقش الاسطرلاب و علم التسطيح و الرخايم و الرمل و الخيوط و امثال ذلك و من نظرهم الي الصفات المنفصلة يحصل لهم علوم ففي الالفاظ و الحروف من نظرهم الي دلالتها و وضعها يحصل لهم علم اللغة و من نظرهم الي صفات ادائها يحصل لهم علم التجويد و من نظرهم الي مواد الكلمات و اشتقاقها يحصل لهم علم التصريف و من نظرهم الي احوال حركاتها و سكوناتها في اقتراناتها يحصل لهم علم النحو و من نظرهم الي حسن السبك و التعبير و التأدية يحصل لهم علم البيان و المعاني و من نظرهم الي تأليف الكلمات و تناسبها و موافقتها للطبايع المستقيمة و الموازين يتحقق لهم علم العروض ، ثم من حيث نظرهم الي قوي الحروف و طبايعها يحصل لهم علوم كثيرة فمن حيث تكسيرها يحصل لهم علم الجفر و من حيث تركيبها بامزجة خاصة يحصل لهم علم الهيميا و العزايم و الاوفاق و التصريفات و امثال ذلك ، ثم من حيث نظرهم الي المعاني يحصل لهم علوم فمن حيث نظرهم الي استنباط المعاني منها يحصل لهم علم الاصول و من حيث نظرهم الي الدلالات يحصل لهم علم التفقه في الكلمات ، ثم من حيث النظر الي ساير الصفات المنفصلة يحصل لهم علوم فمن نظرهم الي كيفية استنباط اسباب الترقي و التنزّل يتحقق لهم علوم فمن نظرهم الي التكاليف السرّية يحصل [ص 528] لهم علم المحبة و الحقيقة و من نظرهم الي التكاليف القلبية يحصل لهم علم الطريقة و من نظرهم الي الجسمية يحصل لهم علم الشريعة و من نظرهم الي التدابير الدنياوية و المصالح ايضا يحصل لهم علوم من جهات مجملها تدبير المنزل و سياسة العيال و سياسة الخلق و سياسة البدن و امثال ذلك و من حيث نظرهم الي الابدان و طريق حفظها عن المنافرات و استعمال الموافقات يحصل لهم علم طب الابدان و من حيث النظر الي بواعث ظهور الآثار في القوابل و التكميلات يحصل لهم علوم كثيرة فاذا نظروا الي كيفية تسخير الارواح الغيبية و الملئكة الثلثة شمعون و سيمون و زيتون الموكّلين بالافكار يحصل لهم علم السيميا و من نظرهم الي سرعة الحركات و عجايب المعالجات يحصل لهم علم الريميا و من نظرهم الي تركيب العقاقير تركيبا خاصا يجذب روحا خاصا من المبدء من الرفع و الوضع و الجذب و الدفع و التفريق و الوصل و امثال ذلك يتحقق لهم علم الليمياء و من نظرهم الي اسباب اظهار كوامن ما اودع في النباتات يحصل لهم علم الفلاحة و من نظرهم الي ما يخرج كوامن المعادن يحصل لهم علم المعدن و من نظرهم الي تكميل النواقص في الصور المتممة يحصل علومٌ الله اعرف بها و منها علم الصناعات و من نظرهم الي كيفية نزول الحقايق و تلبّسها بالالبسة يحصل لهم علم التأويل و التعبير و لذلك مقدمات كثيرة ثم لجميع ما ذكرنا جزئيات كثيرة لاتعدّ و لاتحصي و هم يقفون علي جميعها و الفرق بينهم و بين النقباء في العلوم النفسانية ان النقباء يقفون علي الحقايق و هم يطلعون علي الظواهر ثم بعد ما تكملوا في هذه العلوم و الرسوم يؤمرون بالسير في الخلق و يحصل لهم في هذا السفر ايضا علوم كثيرة بل يشاهدون العلوم التي وجدوها في هذا السفر بالتجارب و النظر و يحصل لهم تفاصيل عرضية كثيرة لاتعدّ و لاتحصي و بعد ما قاموا في الخلق يسوسون العباد و يعمرون البلاد و لله علي الخلق ان يقبلوا اليهم بالتوجه و الخلوص و يتكملوا [ص 529] منهم و ما ذكرنا آثارهم و علاماتهم و بها يعرفون .