المطلب الخامس

في رابع مقاماتهم و هو مقام الامامة و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الامامة هي الرياسة العامة و الامام حجة الله علي جميع الخلق و سايسهم و رئيسهم و الحاكم من عند الله و راعيهم و قايدهم و قد عرفت سابقا ان مقام الامامة ظاهر الفؤاد و انيته بناءا علي ان العقل مقام البابية لله اذ قد يقال ان الفؤاد مقام المعاني و العقل مقام البابية و الامامة اسفل من ذلك او هي ظاهر العقل و لكل وجه بل اقول ان لهم في جميع العرصات ظهورات و ظهروا في كل عرصة بجميع مقاماتهم علي ما شاؤا ففي مجموع ملك الاكوان ظهروا ببيانهم في الركن الايمن الاعلي من اركان العرش و هو مقام [ص 456] العقل و بمعانيهم في الركن الايمن الاسفل و هو مقام الروح و ببابيتهم في الركن الايسر الاعلي و هو مقام النفس و بامامتهم في الركن الايسر الاسفل و هو مقام الطبع و كذلك في السماوات ظهروا بهذه المقامات في العرش و الكرسي و الشمس و القمر و كذلك في كل مقام و عالم ظهروا بحسبه و لسنا بصدد التفصيل اذ مرادنا الاجمال و الاختصار .

فصل - اعلم ان مقام الامامة لساير المقامات بمنزلة الشعلة المرئية فان النار الغيبية بنفسها و اشراقها و صفتها ظهرت من الشعلة او الكلمة التامة علي ان يكون البيان هو المعني المقصود للمتكلم المهيّج له و الغاية و المعاني النفَس بفتح الفاء و البابية مقام الحروف و بعد ما تألفت صارت كلمة تامة انزجرت لها العمق الاكبر و بوجه آخر في التمثيل المطابق للواقع نقول ان الامامة مقام المشكوة و البابية مقام الزجاجة و المعاني مقام المصباح و البيان مقام الشجرة المباركة و علي ايّ حال ظهور جميع المقامات فيها و لولاها لماعرف الله اذ لا ظهور له و لا عبد اذ من لم‌يعرف لم‌يعبد اذ الامام وجه الله الذي يتقلّب بين اظهر الناس و آيته الكبري و نعمته العظمي و جميع ما ينزل من السماء الي الارض من الاوامر الكونية و الشرعية كلها بسببه و لولاه لماقام امر الله و لاتزعم ان ما نقوله من الفضايل ثابت لهم في الشرع فقط حاشا و كلا بل في الكون و الشرع جميعا و حقيقة هذا الوهم ينشأ من زعم المبتدي ان الامام هو البدن المرئي المحسوس او ما يتعلق به من الارواح و النفوس الجزئية غفلة عن الحقيقة و يري ان احكامه غالبا تجري في الشرع و لايشاهد امره في الكون الا من باب المعجزات فيزعم ان فضلهم كله ذلك سيما انه يري قوام الملك بدون مشاهدة بدن شخصي لهم فيزعم ان قوامه بغيرهم و البدن الشخصي لمحض اجراء الاحكام و القضاوة الظاهرة حسب و الحال ان الامر فوق ذلك و ان جميع امر الملك في الكون و الشرع راجع اليهم و سيظهر لك ان شاء الله [ص 457] مما سيجيء من بيان الكون و الشرع بعد ذلك حتي تقف علي الحقيقة و لكني اشير هنا الي مسألة شريفة حتي تقف علي بعض فضلهم و لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و يقتضي البيان رسم فصل مخصوص .

فصل - اعلم ان الشرع و الكون امران ثابتان في جميع الاشياء و لايفارقان ابدا فان الكون مادة للشرع و الشرع صورتها و ان من شئ الا و له مادة و صورة و ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه و قال الله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين ، فجميع الموجودات مركبة منهما و الشرع امر ثابت محقق و الكون امر ثابت محقق و كلاهما وجوديان لا كما زعم جماعة ان الصورة علي ان تكون ماهية عدمية و كلاهما يجريان في الخلق بمشية الله لا غير فالكون من مادتها و الشرع من صورتها او بالعكس في نظر و الشارع و المكون هو الله تعالي لا غير كما ان الخالق هو هو و الرازق هو هو و قد اجري اسميه في مشيته فبمادتها يكون الاشياء اي يخلق اكوانهم و بصورتها يعين صورها و هيئاتها و فعلياتها و قد نسمّي مظهر اسم الشارع بالمشية الشرعية و مظهر اسم المكوّن بالمشية الكونية و هما مقترنتان لاتفارقان ابدا فاذا قلنا ان الشارع في هذا المقام فعل هكذا لانريد انه فارق الكون و كذلك الامر في الكاين المكوّن و بعد ما ظهرت المشية اول ما ظهرت ظهرت بالعقل في عرصة الاكوان و انت تعلم انه اول ما خلق الله و قلم قدرة الله يكتب به ما يشاء و لما كان ظهور مشية الله و هي مركبة يكون مركبا من كون و شرع كما في المشية حرفا بحرف فالعقل قلم ايجاد الشرع و الكون كليهما و لايفارقان ابدا و انت تقر بان اول ما خلق الله روح النبي صلي الله عليه و آله مع انك تقول اول ما خلق الله العقل فهل العقل غيره و هو غير العقل و اول ما خلق الله اثنان او تقول ان اول ما خلق الله في الشرع لا الكون او بالعكس ، لا شك [ص 458] في بطلان الجميع اذ ثبت بالعقل و النقل وحدة الاول كونا و شرعا فلا بدّ من الاقرار بوحدتهما بمعني ان حقيقة العقل اول ما خلق الله و هي هي روح النبي بلا فرق و لكن حقيقته صلي الله عليه و آله فوق العقل كما مرّ سابقا و هي مؤثرة جميع الكاينات فذاتهم مؤثرة الكاينات و عقلهم قلم قدرته تعالي كتب به من علمه الذي هو ذات محمد صلي الله عليه و آله و عترته ما شاء و كذلك اقول ان روح الكل روحهم و نفس الكل نفسهم و هكذا الي ان جسم الكل جسمهم الشريف ثم نزلوا منه الي العرش عرش الروح و عالم الانبياء و كانوا به محدقين و ظهر منهم جميع ما ظهر من فضايلهم التي يمكن ان تظهر في تلك العرصة و جميع ما يثبت من الفضل للانبياء يثبت لهذا البدن بزيادة انه اعدلهم و اصفاهم و احكاهم للغيب هذا و لايلزم من ذلك حصر العقل الغيبي و تحديده ببدن مخصوص فانه في غيب جميع الارواح بل محيط بغيبهم و شهادتهم و لكن بدنا من الابدان يحكي نوره اكثر فبالنظر الي احاطته بجميع الارواح يقال انهم آدم و نوح و سام و ابرهيم و اسحق و موسي و يوشع و عيسي و شمعون و انهم النذر الاولي و نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان و بالنظر الي زيادة حكاية بدنهم الخاص بهم عن حقيقتهم يقال انه لهم في هذا العالم و علي ايّ حال كل ما سمعوه الانبياء من الغيب يظهر لهم من هذا السبيل و جميع ما يعاملونه مع الغيب من مناجاتهم و مكالماتهم و سؤالاتهم و ما ينزل اليهم من الوحي و الكتاب و الحكم و النبوة جميعها ينزل من هذا السبيل الاعظم و الصراط الاقوم غاية الامر انهم ربما ينظرون الي نفس البدن و الروح مع عدم الالتفات الي ساير الانوار فيقولون يا روح و مرّة ينظرون الي العقل الظاهر فيه لهم و يقولون يا عقل و مرّة ينظرون الي الوجود الظاهر من العقل من الروح فيقولون يا فؤاد و مرّة ينظرون الي المشية الظاهرة فيها منها فيقولون يا مشية الله و هكذا الي ما لايتناهي و جميع المعاملات في هذا المقام لا غير [ص 459] فافهم ثم تنزّلَ بالمعني المذكور من عالم الارواح الي عالم النفوس فجميع عالم النفس تنزّلُ العقل و الروح و لكنه اخذ لنفسه بدنا نفسانيا في غاية الاعتدال النفساني و تجلي فيه بالخصوص يعني لبس هذا البدن فوق البدن الروحاني الذي لبسه علي تجليه في عالم الارواح فصار هذا البدن الشريف عرضا ثانيا له و لكن لغلبة السرّ لايبقي حكم للعرض و لذا يظهر منه آثار العقل و يختفي حكم العرض كما تري انه بعد ما تعلق روح الحيوة بالبدن النباتي يغلب عليه حكم الحيوان بحيث تقول للبدن انه حيوان بلا مجاز و يختفي حكم النباتية فيه الا بقدر استمساك البدن الاتري ان بدن الطير مثلا مع انه من سنخ التراب يطير في الهواء بلا كلفة و لا تعب مع انه حيّزه التراب و لذا كل ما خرج روحه من بدنه وقع و كذلك الامر في المقام وقع نور العقل علي البدن النفساني و ضعف حكمه و اظهر منه آثاره علي حذو قوله عليه السلام القي في هويته مثاله فاظهر عنه افعاله ، و لما كان اهل عالم النفس محدودين بالحدود النفسانية حجبوا عن درك الغيب فلايكادون يطلعون عليه ابدا الا بقدر ظهوره من النفس و بها فهم يعاملون الغيب من هذا السبيل و الصراط الممدود و كذلك نزل اول ما خلق الله الي كل عالم و اخذ منه بدنا حتي انتهي الي هذا البدن الجسماني فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الغيب في غاية الاتحاد و ليس منه الا الاطلاق و التخصص من الظهورات لا محالة فان قوي الانسان مثلا علم و حلم و فكر و ذكر و نباهة و خاصيته النزاهة و الحكمة و لكنها لاتتميّز في ذاته و لا فرق بينها هنالك بوجه و لكن امتيازها في المشاعر فالحلم في العاقلة و العلم في العالمة و الذكر في الخيال و الوهم و الفكر في الفكر و النباهة في الحس و الحكمة في العقل و النزاهة في النفس لا من حيث انفسها فانها بذاتها لاتتعين الا في الحس المشترك لا بذاته ايضا بل في الاخلاط فالحلم في البلغم و الفكر في السوداء و العلم في الدم و الذكر في النار و كذلك النفس الكلية الالهية قويها [ص 460] تظهر في الاخلاط فالعزّ في النار و النعيم في الماء و الصبر في التراب و البقاء في الدم و كذلك في المقام ما يثبت لهم من المعاني او البابية تعيّنها في مقام العقل فانه اول مكوّن و اول متعين و قبل ذلك لايكون تعيّن فان المشية و ان كانت معني الله الا انها معني مجمل مبهم اذ هي فعل مبهم اي امكان فعل فلاتكون معني خاصا متعينا يصدق عليه اسم صفة الاتري ان فعلك المطلق صرف فعل غير متعين و لايصدق عليه ضَرَبَ و لا نَصَرَ و لا اَكرمَ اذ هو امكان الكل و لكن جميع تعيّنه في مواقع الصفات بل اقول ان الامكان الصرف لايقوم بنفسه الا في الكون و ذلك قول الامام عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه و لاينافي ذلك كونه مخلوقا بنفسه ، هذا و اقول علي نحو المجادلة ان المشية هي الحركة الايجادية و الايجاد بلا انوجاد لايكون ايجادا و الفعل من غير انفعال لايكون فعلا و ينطق بجميع ذلك قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و من خواص اذا وقوع الجزاء مع الشرط كما ينطق بذلك الحديث في معني قوله تعالي فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها فاذا اراد يأمر و اذا امر يكون و بالجملة فالفعل مع الانفعال الا انه فوقه و انفعاله في الامكان الجايز الذي هو الفؤاد و وجوده في الاكوان لا غير علي الترتب و هذا معني قوله (ع) ما معناه الغيب ما لم‌يكن و الشهادة ما قد كان ، فالفرض ان جميعه تصور بصورة العقل بعد ما اراد الله الكون فجميع تعين المشية في الامكان و تعيّنه في العقل و مثال ذلك انك تريد الكتب و تأخذ مثلا مثقالا من المداد و تكتبه بصور الحروف و الكلمات فجميع مدادك فيها و جميع حركتك فوقها و لايلزم من ذلك سكون مشية الله و عدم خلقه بها بعد خلق العقل فان اعتقادنا ان جميع الخلق دايما في خلق جديد و ايجاد جديد و الكل يحتاجون الي مشيته في الايجاد و الابقاء دايما و هذا شأن الاثر بالنسبة الي مؤثره و بالجملة فالجعل الالهي هكذا انه جعل مشيته ظاهرة في العقل و كذلك [ص 461] الفؤاد فالمشية معني مبهم مخصص في العقل و الوجود باب مبهم متعلق بالعقل متعين فيه فمنه يتعين جميع ما يصل الي الخلق بتعين الخلق و الرزق و الموت و الحيوة و ساير الامور ما قلّ منها و ما كثر و كذلك الاسماء و الصفات تعيّنها من هنا افهم ذلك فانها مسألة شريفة فعلي ذلك جميع الفضايل الخاصة راجعة الي الامامة كما ان جميع انوار النار و احراقاتها راجعة الي الشعلة فما يقال ان كل الخلق من نورهم مثلا و ان كان ذلك من حيث كونهم معني الله و لكن بروز ذلك من مقام امامتهم و هكذا الامر في ساير الفضايل .

فصل - اعلم ان الامام هو قطب جميع الكاينات و قلبهم و كل فيض يَصِلُ الي الخلق يصل الي القلب اولا و منه ينتشر في ساير الخلق و القلب اول من يحيي و آخر من يموت كما تري في الانسان حرف بحرف فان النطفة بعد ما وقعت في الرحم يتولد و يتعين منه اولا قلب المولود و هو عجب الذنب الذي قال الامام (ع) ثم ينشعب منه العروق و الشريانات الي الاطراف و تنعقد حولها الاعضاء و بعد تولد المولود كاملة الاعضاء يتولد الروح اولا في قلبه و يحيي بامر الله و منه يجري دم الحيوة في كل البدن بل المشرحون في هذه الازمان يقولون ان الاوردة و الشرائين كلها ناشبة من القلب و الدم الوريدي و الشرياني يقسم منه الي البدن و لاينافي ذلك ما روي ان انبعاث النباتية من الكبد و الحيوانية من القلب فانه يمكن ان يكون مراد الامام عليه السلام ان الكيموس بعد ما صار دما صافيا يتعلق به الروح النباتي ثم يجري منه في القلب و منه في ساير الاعضاء و بالجملة فاول مخلوق من البدن القلب و اول حيّ القلب و كذلك آخر ميت من البدن القلب و جميع البدن يدور علي القلب و يستفيض منه دائما و هو يفيض دائما و كذلك الامر في الملك و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و لنا في المقام ايضا تحقيق شريف يجب التنبيه عليه و هو ان الله سبحانه ذات احدية و الاحد لايقتضي شيئا من ذاته ابدا لادلة كثيرة : منها ان [ص 462] الاقتضاء قبول القضاء و القبول مترتب علي الفعل فلا بد من ان يقضي عليه احد فهل هو عينه او غيره و ان كان غيره فهل هو ارفع منه او ادون و من خلقه او غيرهم ففي الاول نقول اولا لا معني لكون القضاء من نفسه لانه صفة فعل الاتري انك تقول قضي و لم‌يقض و الصفات الذاتية لاتسلب ابدا و ثانيا انه يلزم ان يكون القاضي و المقتضي واحدا و ذلك خلف و ان كان القاضي غيره فعلي الاول يلزم ان يسبق الرب غيره و ننقل الكلام اليه و علي الثاني يلزم ان يجري فعل خلقه عليه و ان قلت انه غير خلقه فاحلت القول و منها انه لو كان مقتضيا للزم ان يرد عليه الحدوث و التغيّر و الزوال و منها انه يلزم ان يرد عليه التركيب و بالجملة الادلة الجدلية علي ذلك كثيرة فالله بذاته لايقتضي شيئا و هو ذات احدية و قد تجلي اول ما تجلي لكماله و فعله المطلق و هو علي صفته بل هو صفته فلايرد عليه التغيّر و الاقتضاء و الزوال و لذا و لغيره لم‌يجوز الحكماء عليه الجواز و وصفوه بالرجحان فهو فعل لايخصّ بشئ و لايحدّ بشئ كامل بسيط و ان اثبتنا له التركيب لانريد تركيب الجواز بل هو مركب من اجزاء متحدة هي عين المركب و لايميز بينها الا بالنظر ففعله سبحانه لايقتضي امرا خاصا ابدا اذ الاقتضاء ايضا متفرع علي القضاء و الفعل هو القضاء فاين الاقتضاء نعم هو اقتضي وجودا مطلقا لنفسه بنفسه من الله فافاده به له و اما اقتضاء ما هو ادون منه فلايجري عليه و لذلك قال عليه السلام لا كيف لفعله كما لا كيف له ، فكما انه لايقتضي شيئا فعله ايضا لايقتضي شيئا نعم مقام الاقتضاء مقام الامكان الجايز فانه مخلوق بالمشية و جري عليه فعل الله و قضاؤه فاقتضي فمن حيث الاعلي اذا نظرت تقول قضي الله علي الامكان فاقتضي و من حيث الاسفل اذا نظرت تقول سأل الامكان الوجود فقضي عليه الله فافهم فمقام الاقتضاء مقام الامكان الجايز و اما الامكان الراجح فلم‌يقتض الا نفسه فخلقه الله بنفسه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الشئ كائنا ما كان مركب من وجود و ماهية او مادة و صورة [ص 463] و الصورة و الماهية حدود الوجود و المادة و نهاياتهما و الشئ شئ بهذه المادة و الصورة و جميع ما يترتب عليه من الصفات كلها امثلة هذه النهاية و الحدود التي هي المثال و الشبح المتصل كما تري ان لوجهك مثلا مادة و صورة هي مثاله المتصل و جميع الصفات المترتبة علي مثال وجهك كلها راجع اليه و علي هيئته و منها الامثلة الملقاة في الاجسام من وجهك و تري عيانا مثال وجهك في الاجسام الصقيلة انه علي شكلك و كذلك ساير الصفات كلها راجعة اليه فصفة كل شئ تابعة لصورته و آثاره مترتبة عليها و محال في الحكمة ان يتخلف صفة عن موصوفه من حيث الصدور الا ما اختلف في القوابل و من الصفات الاقتضاء و السؤال فمحال في الحكمة ان يقتضي احد شيئا الا ما علي صفته و هيئته فالامكان المذكور مادته الوجود و صورته صلوح الانفعال مطلقا و لايخصّ بشئ ابدا اذ لا فعلية فيه ابدا و جميع الصور غير المتناهية في قوته بلا تناهي و نسبته الي الكل علي السواء بل نسبة بعضه الي الكل علي السواء و ذلك قول شيخنا و عمادنا اعلي الله مقامه و رفع اعلامه ما معناه ان الامكان كله يصلح لما يصلح عليه بعضه و بعضه يصلح لما يصلح عليه كله و بعضه فكل الامكان مثلا يصلح لكل الملك و بعضه يصلح للكل و كله يصلح للبعض فقطرة منه مثلا يصلح لالف‌الف عالم و جميعه يصلح لان يتصور بصورة شعلة مثلا و ذلك لانه ليس له اختصاص بحسب الفعلية بل اقول في قواه لايكون ترتب و اختلاف درجة و كلها في درجة واحدة من القوة و الصلوح كالمداد بالنسبة الي الحروف و ما تري من اختلاف القوي في الاشياء فذلك بحسب الفعليات التي عليها لا بحسب نفس المادة من حيث هي هي و الوجود الجايز لا فعلية له سوي صلوح الانفعال فافهم و قد كرّرت القول لتقف علي المراد ان شاء الله فاقتضاء الامكان ايضا اقتضاء صلوحي اذ عرفت انه صفة و الصفة علي طبق الموصوف فبنفسه لايقتضي سواه و الله قد اعطاه و لايكاد يخرج من قوته شئ الا بمرجح خارجي يقتضي امرا خاصا [ص 464] الاتري ان المداد من حيث نفسه لايقتضي التصور بصورة كلمة دون كلمة الا بالكاتب ان يأخذ شيئا منه بالقلم و ينقشه بصورة الحروف علي حسب ميله الذي هو المرجح فافهم ففي المقام ما المرجح للصور الخاصة هل هو الله و هو الغني المطلق و لايحتاج الي شئ و لايميل الي شئ و لايعشق شيئا علي ما قاله الناس او هو فعله و لا كيف له كما لا كيف لله فما السبب في خلق الخلق و سوق الوجود الي كل قابل فتفكر في ذلك حتي تقف علي الحق فان كنت مؤمنا بالله و رسوله تعرف ان المخصص و المرجح هو القلب و هو آدم الاول كان في جنان الكينونة فانزله الله في ارض الجرز و خلقه منها بيده بارادته علي حسبها و احدثه علي طبق مشيته ثم خلق ساير الخلق به و اما خلقه فبلا كيف كما ان مشيته بلا كيف و لعلك قد عرفت من الفصل السابق ما يكشف لك عن وجه ذلك و ان كان جميع البيانات في عرض الكيف و هو خارج من الكيف و لكن يتمكن العقل من معرفةٍ مّا لانه من نوره و بالجملة بعد ما خلق العقل و هو القلب و القطب لجميع الملك صار مرجحا لخلق ساير الاشياء بالارادات الخاصة و هي لاتضرّ بالقلب فان الارادة الخاصة نقص للمشية المطلقة لا للعقل مع انه ايضا تام المراتب كامل الاعضاء و خلق الله سبحانه بكل مرتبة من مراتبه ما من صقعها من تلك المرتبة فان الخلق في كل مقام يحتاجون الي لسان مترجم من الله يبيّن لهم الامر الكوني و الشرعي ففي عالم الذوات خلق الله اولا قلبها و قطبها و خلق به غيره و في عالم الارواح و النفوس و الطبايع و الامثلة و الاجسام هكذا و كلما تراه من بسايط العوالم كلها مخلوقة بسبب قلبها فعلي ذلك القلب في كل عالم غير مخلوق من عناصر هذا الملك و بسائطه و لو كان مخلوقا منها للزم المحذور المذكور فان كل شئ قبل خلقه في الامكان و لايخرج منه الا بمرجح و المرجح هو القلب فكيف يمكن ان يكون القلب مخلوقا من العناصر و البسايط التي لا بدّ من خروجها من القوة بواسطته فتدبر [ص 465] فالقلب في كل مقام مخلوق بنفسه قبل اجزاء ملكه نعم بعد ما عمر الديار من خلق الله اخذ من اعراض الملك بدنا للقلب يحكيه و هو الحاكي له لا انه حقيقته و يمكن ان يخلق له ابدان الي غير النهاية ينطق منها كما سيجيء الاشارة اليه ان شاء الله فاذا عرفت هذا المطلب الشريف علي نحو الاجمال تقف علي مجمل من فضائلهم ان شاء الله .

فصل - اعلم ان فضائل الائمة صلوات الله عليهم اكثر من ان تحصي و لايمكن ضبطها في رسالة و رسائل علي ان بنائي في هذه الرسالة علي ضبط رؤس المسايل فليست محل ذكر جميع كليات الفضايل و لكن من باب عدم خلوّها عن نوعها اذكر لك قاعدة فاقول ان الامور اما شرعية و اما كونية و المراد من الكون ايضا الشرع الكوني لا الكون الصرف فانه امر واحد مع ان الله لم‌يخلق كونا صرفا بلا شرع كما مرّ سابقا فان الله خلقهما معا فالمراد الامور الشرعية مطلقا و هي اما متعلقة بالاديان او الاعيان و كل ذلك من عند الله الواحد المنّان فانه الخالق لا غير و من زعم ان امرا من الامور من عند غيره او بغير قضائه و قدره فقد كفر و هو لم‌يأمر كونا و شرعا الا بما هو سبب الوجود و البقاء و الدوام و الثبات فان في الكون قال كُن طلبا للوجود و في الشرع ايضا امر بذلك غاية الامر انه عبّر عن الامر الكوني بهذا اللفظ و عن الامر الشرعي بصَلِّ و صُمْ و كلاهما للوجود فان بالامر الاول خلق اشياءا علي صور مختلفة و في قوتهم العلة الغائية التي هي الوجود في الحقيقة و بالامر الشرعي اراد استخراج العلة فان بالعمل بالشرع يزيد كمالك و بقاؤك و يشتد فعلياتك و يخرج ما في مادتك و قوتك من القوي فتصير موجودا من كل جهة بعد ما كنت موجودا من جهة ، فافهم ذلك و اتقنه فانه ينفعك في مواطن كثيرة ان شاء الله فجميع ما اراد الله منك الوجود و البقاء و ما نهاك عنه هو ما يكون مورثا للفناء و الزوال كونا و شرعا ففي الكون نهاك كونا عن الامتناع و انت اطعته [ص 466] في ذلك و في الشرع نهاك عن المعاصي و هي كلها تورث البوار فان بالشرع يحيي الانسان و يدوم بقاؤه و بالتخلف يموت الاتري الي قوله تعالي استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و قال و ما انت بمسمع من في القبور و قال صم بكم عمي فهم لايعقلون و بالجملة فجميع ما كان سبب البوار في الدنيا و الموت و الهلاك في الآخرة نهي عنه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان جميع ما اتي من الله من امر الكون او الشرع جميعه اتي من قبل آل‌محمد عليهم السلام و جميع ما لم‌يرضَ به الله تعالي كله في التخلف عنهم و قد عرفت سابقا ان جميع الوجودات مخلوقة بهم و هم العلة و السبب لخلق الخلق و سيجيء في الامور العامة بيان العلة و كونهم العلل الاربع للكاينات فرجوع جميع الخيرات الي وجودهم صلوات الله عليهم شرعا و كونا و هم اصل كل خير و من فروعهم كل بر و بلسان آخر نقول ان جميع الخيرات راجعة الي النور و جميع الشرور راجعة الي الظلمة و هم النور الاول و عدوّهم الظلمة و هم الوجود و عدوهم العدم فكل خير كائنا ما كان راجع اليهم و جميع الشر كائنا ما كان راجع الي عدوهم و اما وجود العدو فليس وجودا مستقلا ثابتا بل هو وجود تبعي ظلي كوجود الظل و وجود الظل تابع لوجود النيّر لا محالة و لولاه لماكان ظل مع انه غير مخلوق بنفسه بل هو مخلوق بالنير و يكفي هذا القدر في المقامات الاربعة .

المطلب السادس

في مقامهم الخامس و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه بعد ما خلق العقل في غاية القرب الاقرب علي ما عرفت ناداه فقال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل فبالامر الاول نزل من جبروته الي عرصة الملكوت لا بذاته فان كل شئ ملازم رتبته و محله لاينزل [ص 467] منه و لايصعد و لكنه ادبر بالتجلي و النظر و قد عبّر عن ذلك بهذا اللفظ بملاحظة اقباله الي الاسفل فان الاقبال اليه ادبار عن الاعلي فلايستلزم الادبار انتقالا من مكان الي مكان و مثل ذلك مستعمل متداول بين الناس كما انك اذا تصوّرت بلدا نائيا عنك ربما تقول ذهبت الي هنا مع انك قاعد في كسر بيتك و كذلك العقل واقف في مقامه من يوم خلقه الله و لكنه ظهر لما دونه به و تجلي به له فما دونه نفس تنزله و هو الروح و يعبّر عن ذلك بنزوله و ادباره و بعد ما تنزل اليه في عرصة الملكوت و كان بعيدا عن مشية الله و لم‌يكن يطلع عليها و لم‌يكن يطلع علي ذات العقل ايضا لعدم المناسبة اخذ العقل في عالمه بدنا مناسبا له من جهة و تجلي فيه لاهل عالم الارواح و هو اعدل الارواح و اصفاها لا محالة اذ كل روح لايصلح للحكاية عن الغيب كاملا و هذا الروح المبارك كان خاتما في عالم الارواح و كان جميع ما يأتيهم من مشية الله و العقل يأتيهم من قبل هذا الروح فهو السفير بينهم و بين الله و الواسطة و الباب و السبيل و هو ذات بالنسبة الي اهل عالم الملكوت عرض بالنسبة الي العقل في الكون و الشرع و كان جامعا في جميع المراتب التنزلية للكون و الشرع اذ عرفت آنفا انهما لايفارقان و لما كان للعقل نبوة و ولاية و كان شئونهما اربعة‌عشر كما مرّ الاشارة اليه سابقا و كان عالم الروح عالم التفصيل ظهر العقل بشؤنه في اربعة‌عشر بدنا روحانيين ثم تنزلوا منها الي عالم الاناسي علي ما مرّ و منها الي الطبايع و المواد و الامثلة الي ان نزلوا الي عرش الاجسام ثم لما اراد الله ظهورهم في الابدان القي انوارهم من عرشه في قلوب هذه الابدان الطيبة و لذلك تسمّي قلوبهم بالعرش فيقال قلب المؤمن عرش الرحمن فلاتغفل و تسمية هذه الابدان الشريفة باسم الامام و النبي لاجل حكاية الانوار الغيبية كما انك تسمّي بدن زيد باسمه فان ذلك لاجل ظهور الروح الملكوتي فيه لا البدن العنصري و لذلك تسميه بهذا الاسم مع اختلاف البدن من الصغر الي [ص 468] الهرم الي منتهي الاجل و النور الظاهر في بدنهم ايضا كان جامعا للمنزلتين الكون و الشرع و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الواقف علي الطتنجين اي طتنج الشرع و طتنج الكون و الناظر في المغربين و المشرقين اي شرق و غرب الكون و الشرع غاية الامر ان في البدن الشخصي الدنياوي اظهروا الاحكام الشرعية و في البدن العرشي اظهروا الاحكام الكونية اي الكون الوجودي و الشرع الوجودي فمرجع الكل اليهم .

فصل - اعلم ان هذا المقام بالنسبة الي المقامات العالية لهم مقام التعين النسبي و ظهور ساير المراتب فيه و تعيّنها فيه فانك قد عرفت سابقا ان نسبة هذا المقام اليها كنسبة الشعلة الي النار الجوهرية و جميع ما تري من صفات النار كلها تظهر من الشعلة بل هي هي صفتها فالنار بحقيقتها و ان كانت ضيئة الا ان ضوءها يظهر من الشعلة فاما هي بنفسها فلايري منها ضوء و كذلك سخونتها لاتظهر الا من الشعلة فهي في كرتها مثلا لاتحرق و لذلك تري ان نورها و حرارتها تختلف في مواد الشعلات بحسبها و لو كانت هي ثابتة لذات النار لكانت تظهر في كل مظهر بالسواء اذ اسم النار يصدق علي الجميع بالسواء و الذاتيات لاتتغير ابدا فيعلم من ذلك ان كل هذه من صفات النار الجوهرية حتي ان الحرارة و اليبوسة اللتين يقال انهما ذات النار بروزهما و تعينهما في الشعلة و ذات النار لاتفارق ذات الماء و الهواء و التراب كثيرا و لذا يقال ان في الآخرة عناصرها و سمواتها في غاية التشاكل و الامتياز و يظهر لك مثال ذلك في الروح البخاري مع انه لم‌يبلغ حد الاخروية و لكن عناصرها اصلية مثالية و مع ذلك نارها غير محرقة و ماؤها غير مرطّب و هواؤها غير معفّن و ترابها غير مجفف بل لا فرق بينها في المنظر و الفرق يظهر في الاخلاط الدنيوية و كذلك نزل الخاتم صلي الله عليه و آله في كل عالم و اخذ فيه بدنا لنفسه الي ان نزل الي عالم الاجسام فتجلي في عرشه فالعرش بمنزلة جسمه الشريف و بدنه العرضي [ص 469] و قد كساه فوق ساير الابدان في هذا العالم و تلك الابدان و ان كانت دايمة و لايخلعها ما دام ملك الله و لكنها عرضية بمعني عدم قيامها بنفسها و ذلك سرّ من سرّ الله لاتضيعه ثم بعد ما قام عالم الاجسام و تحرك الافلاك و سكن الارضون و دارت عليها بقوة نور الخاتم صلي الله عليه و آله الظاهر علي العرش تولد من هذه الارض المواليد بامر الله للعقل ان اقبل فاول ما خلق منها الجماد و هو صورة مجتمع العناصر من غير انتضاج و منه هذا التراب و الماء و الهواء فانها مواليد جمادية ثم المعدن و هو الصورة الجامعة مع انتضاج مّا و اخسّه الاملاح و الاحجار و اعلاه الاكسير و الذهب ثم بينهما برزخ ايضا ثم بعد ما انتضج العناصر و اتحد اجزاؤها و تعلق بها الطبيعة الخامسة اي صورة الوحدة الفلكية الظاهرية حصل النبات فلم‌يحك الا ظاهر الفلك ثم بعد ما صفي في الجملة حتي بلغ في بدنه الظاهري لطافة الافلاك يعني صار ظاهره كغيب النبات تعلق به روح الحيوة و هو الحرارة الغريزية غيب الافلاك ثم لما صعد من هذه الدرجة حتي صار بلطافة ساير الافلاك تعلق به النفس الناطقة و هي طبيعة خامسة للحيوان و النبات و المعدن و الجماد و كذلك الحيوان طبيعة خامسة للنبات و المعدن و الجماد و هكذا فمحال في الحكمة ان يتولد الانسان الا بعد تولد المراتب التي دونه و كذلك ساير المراتب العالية و النازلة ثم بعد ما كمل فيه مراتب الافلاك و بلغ غايتها يصير نقيبا كاملا و بعد ما صعد من مقام ساير الافلاك و تلطف حتي بلغ في لطافة الكرسي تعلق به روح النبوة العامة و هي الصورة الجامعة للانسانية و الحيوانية و النباتية و المعدنية و الجمادية و بعد الحيوانية مقام الجنية و الملكية و لكن تركناهما لانهما طرفا الانسان و الحيوان و النبات و الجماد و الا فما لم‌يغلب عليه الملكية و الجنية لايصير انسانا و ذلك بعد ما بلغ بلطافة الزهرة و العطارد فافهم ذلك ثم بعد ما خلص من مقام الكرسي و صفا و اعتدل يبلغ لطافة العرش مقام الائمة عليهم السلام [ص 470] فيصير محلا لروح القدس العقل الكلي و يحيط بجميع ما دونه فان جميع ملك الله في الكرسي و العرش محيط بالكرسي فهو الجامع للكل و هذا المقام منتهي السير الوجودي فان المولود الجسماني لايصعد هذا المقام ابدا و جميع الارواح الغيبية يتعلق به في هذه المواطن ثم بعد ما وصل الي مقام العرش يتعلق به الفؤاد وجدانا لا انه يصل اليه وجودا فانه مقام الامكان للاكوان و الكون اذا صعد الي الامكان يفني و يعدم و محال في الحكمة ان يعود كون الي الامكان كما انه لم‌يخرج منه اولا فان ذات الامكان لم‌تتصور بصورة الاكوان و لكن جلوته المتعلقة بها تصورت بصورها فهي لاتعود اليه و لكن لما كان مجموع الاكوان ظهوره و كماله و نوره اذا وصل المولود الي العرش يتجلي له فيراه وجدانا و قد يغلب حكم الوجدان الوجود الاتري انك تتأثر بوجداناتك بحيث تظهر من بدنك آثارها وجودا و بالجملة لست بصدد هذا البيان و لكن المراد بيان كيفية تكوّن بدن الجامع عليه السلام فروح الجامع صورة جامعة و محال ان تظهر كاملة الا في بدن جامع لجميع شؤنها و كمالاتها كما عرفت ان الانسان لايظهر الا في بدن جامع للثلثة فتدبر فان برشعثا مثلا اسم للمعجون المركب من ادوية معلومة اوائل اسمائها فازعباس فلايكاد يظهر روح البرشية في بعض هذه الادوية بل لو اخذ من جميعها بوزن انقص مما وضعه الحكيم اولا لايظهر روحه فيه فضلا من ان ينقص دواء من الاصل و كذلك الامر في المقام من لم‌يجمع القبضات العشرة لايكاد يتعلق به روح الخاتم و بعد ما حصل مولود هكذا يتعلق به هذا الروح المبارك الجامع و لايكاد يطأ هذا الموطأ احد غيرهم صلوات الله عليهم و لذا قال صلي الله عليه و آله اني وصلت ليلة المعراج الي مقام لم‌اجد حيّا غيري و قال جبرئيل له بعد ما جاز السدرة لقد وطئت موطئا لم‌يطأه احد قبلك و لايطؤه احد بعدك .

فصل - اعلم ان هذا البدن المقدس المولود عرض لهم صلوات الله عليهم [ص 471] مع انه بهذه الجامعية و ليست الا بمنزلة مرآة لهم يظهر عكسهم فيه و يمكن ان يؤخذ من هذا البدن آلاف في زمان واحد فان القلب و القطب الذي نقول انه واحد هو الروح لا البدن فان البدن بدن عرضي يحكي عنه فالروح لايمكن تعدّده و لكن البدن يمكن تعدده و لذا ربما كان تجتمع في زمان واحد ابدان متعددة كلها تحكي عن اول ما خلق الله كما كان في بعض زمان رسول الله صلي الله عليه و آله اذ كان هو و اهل بيته الاربعة و المجموع خمسة فان جميع ابدانهم كانت واصلة الي مقام العرش و كذلك اميرالمؤمنين عليه السلام اخذ لنفسه في ليلة واحدة اربعين بدنا و مرّة ظهر في ثمانية‌عشر بدنا و حارب خلف كتايب و ربما كان في زمان واحدا كما في بعض زمان مولانا الرضا عليه السلام و في زماننا هذا و لاينافي ذلك ما روي ان الناطق واحد فان الناطق و الصامت كلاهما امام و اول ما خلق الله الا ان واحدا منهم ناطق و واحدا منهم صامت و النطق و الصمت وصفان عارضان فان الصامت يصير ناطقا و الناطق كان يوما صامتا و بالجملة يمكن ان يخلق من سنخ هذا البدن في زمان واحد ابدان متعددة من غير نكير و لاينافي ذلك ايضا كونهم اثني‌عشر فان عليا عليه السلام ظهر في اربعين بدنا و كان واحدا فان المناط الروح لا البدن بل البدن الواحد يتبدل و يتغير دائما فالبَدَن الواحد ابدان متعددة في ايام عمره فعلي ذلك اذا اراد الامام ان يغيّر صورته يوما يغيّرها و لايضرّ بامامته ابدا و لايلزم من ذلك عدم كونه هو هو كما تصوّر السجاد عليه السلام بصورة الباقر عليه السلام و الباقر عليه السلام بصورة السجاد عليه السلام و كذلك تجلي الجواد عليه السلام بصور مختلفة لاصحابه و الظاهر من لحن الخبر ان كلا منهم كان يراه بصورة خاصة دايما و بالجملة فهذا البدن عرضي و حكمه حكم العرض و كلما ارادوا ان يأخذوه اخذوه و ان ارادوا يوما تركوه من غير كلفة و من ذلك تعرف وجه بقاء الملك في الازمنة السابقة علي زمانهم مع ان بقاء الملك بوجودهم و هم القلب [ص 472] و القطب فان المناط الروح و هو ثابت قايم و هذا البدن عرضي مولود في هذا الملك و وجوده و ان كان رحمة و بركة و لكن بعدمه في الظاهر لايلزم فساد الملك و لو كان هذا البدن قلبا و قطبا للزم ان يتأثر جميع الملك بتأثراتهم دايما كما تري ان بما يرد علي روحهم الشريف يتأثر جميع اوليائهم كما قال عليه السلام لرجل سأله اني لاغتم من غير مصيبة قال ما معناه يأتيكم ذلك من قبلنا اذا ورد علينا حزن تحزنون بحزننا ، و ذلك لأن روحهم علة جميع ارواح المؤمنين و لو كان بدنهم العرضي علة للزم ان يرتعش مثلا جميع ابدان المؤمنين اذا اثّر في بدنهم الشريف برد و ان يعرق جميع الابدان اذا اثر فيه حرّ بل لم‌يكن يجوز ان يتأثر بدنهم مطلقا لانه علة للجميع علي زعم الغلاة فان ذلك غلو بالنسبة اليهم صلوات الله عليهم و اما ارواحهم فهي العلة و لايلزم من ذلك غلو و لا تقصير و اغلب غلو الناس في حقهم في اثبات فضيلة خاصة بمقام اعلاهم لاسفلهم و التقصير في عكس ذلك و لكن من حفظ المراتب و نزّلهم عن الربوبية اذلامربوب و اثبت لهم جميع الفضايل ماغلا في حقهم .

فصل - اعلم ان ما يظهر لنا من الاخبار ان لهم صلوات الله عليهم في عرصة الابدان ظهورين ظهورا كاملا في ابدان خاصة و هي الابدان المعروفة بهم و ظهورا ناقصا في ابدان ناقصة في ازمنة مختلفة و ذلك قوله عليه السلام الا و انّا نحن النذر الاولي و نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان ، و كذلك ورد بهذا المعني اخبار كثيرة قد بلغت حدّ التواتر المعنوي و لا شك ان ظهورهم ذلك في هذه الابدان ليس ظهورا كاملا فان آدم عليه السلام و ان كان حاكيا عن نورهم و لكنه لم‌يكن حكايته مثل حكاية بدنهم الخاص و لكن الداء العضال و غاية الاشكال في معرفة حقيقة هذه المسألة فانك عرفت سابقا ان البدن ما لم‌يكن جامعا لجميع المراتب حاويا لكل المزايا لايكاد يحكي عنهم فما التوفيق في ذلك اقول اعلم ان الله سبحانه خلق اول ما خلق آل‌محمد سلام [ص 473] الله عليهم في غاية القرب الاقرب كاملين في فعليتهم لانهم اقرب الخلق من مشية الله سبحانه و هي الفعل الكامل فاقرب الخلق منها صاحب الفعلية لا محالة و لما كان كاملا صاحب فعلية له فاضل وجود لا محالة فان الكامل من كان له فضل وجود فسطع من وجههم نور ساطع كامل و اشرق من شمس جبينهم ضياء لامع هو حقيقة الانبياء سلام الله عليهم و النور كائنا ما كان وجوده لمنيره و رؤيته رؤية منيره و هو صفته و اسمه يدعي باسم المنير و يوصف بصفته و لذا تري انك تسمّي انوار الشمس باسمها فتقول الشمس علي السطح و وسط الجدار و علي الحياط مع انها في السماء الرابعة و كذلك الامر في انوارهم المقدسة صلوات الله عليهم تسمّي باسمهم و كذلك سطع من هذا النور نور حقايق الشيعة و كذلك بهذا المنوال سطع منهم الانوار الي ما شاء الله علي ما سيجيء بعد ان شاء الله في السلسلة الطولية و يصدق اسمهم علي جميع انوارهم و ورد بذلك اخبار كثيرة كقوله عليه السلام في الزيارة اشهد انك قد اقمت الصلوة و آتيت الزكوة و امرت بالمعروف و نهيت عن المنكر ، و لايريد من ذلك الشهادة بانه اقام الصلوة يوما مّا فان ذلك لايكون من فضلهم بل المراد انهم اقاموا الصلوة في جميع المصلّين و آتوا الزكوة في جميع المزكّين و هكذا و ذلك بان كل مقيم للصلوة نورهم فاعطوه اسمهم بل نفس الصلوة من باب انها خير تسمّي باسمهم كما قال عليه السلام انا صلوة المؤمنين و صيامهم ، حتي انه قال انا حيّ علي الصلوة انا حيّ علي الفلاح و من هذا الباب ان جميع ابدان النذر الاولين و الآخرين ابدانهم بل ان لهم مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و لذلك قال عليه السلام ما كان لنا فهو لشيعتنا و قال من اراد ان يزورنا و لم‌يقدر فليزر صالحي اخوانه يكتب له ثواب زيارتنا و من اراد ان يصلنا و لم‌يقدر فليصل صالحي اخوانه يكتب له ثواب صلتنا و بالجملة فلهم مظاهر جزئية تحكي انوارهم و مظاهر كلية تدعي باسمائهم و ان قلت ان البدن المخصوص بهم صلوات [ص 474] الله عليهم في هذا العالم لايكاد يحكي عن ذاتهم الا بواسطة الانوار المذكورة فما الفرق بينها و بين الابدان الجزئية الحاكية للانوار اقول الفرق في الكلية و الجزئية فان القمر مثلا يحكي نورهم و الشمس تحكي نورهم و العرش يحكي نورهم و لكن العرش اجمع البتة و القمر و الشمس جزئيان و ذلك احد معاني قوله عليه السلام شيعتنا جزء منا يسوؤهم ما يسوؤنا و يسرّهم ما يسرنا ، فان المراد من الجزء مرّة يقال انه الاثر فحقايق الشيعة اجزاؤهم و مرّة نلاحظ الظواهر ايضا و نقول ما جمع لابدان الشيعة بعض ما جمع لهم فانه جمع لهم من الارض الي العرش و لشيعتهم الي الشمس فتدبر .

فصل - اعلم ان لهم صلوات الله عليهم في ابدانهم فضايل كثيرة و ان كانوا في هذا المقام بشرا مثل ساير الناس في النوع الا انهم قد خصّوا بفضايل كثيرة و اغلب الفضايل العامة التي يعرفها العامة و يقرّون بها مما يخصّ بابدانهم الشريفة و لاينكرها احد حتي الاعادي كقالع باب خيبر و قاتل عمر و عنتر و الطاعن برُمحين و الضارب بسيفين و قاتل الابطال في بدر و حنين و امثال ذلك من الفضايل من جودهم و كرمهم و حلمهم و علمهم و حسنهم و امثال ذلك من الصفات و ان احدا لاينكرهم في هذه الفضايل و الخصايص و من فضايلهم المخصوصة بهذا البدن الشريف انه اعدل ابدان الخلق فانه قد ثبت ان حقيقتهم قطب دايرة الامكان و القطب واقف في الوسط لايميل الي جهة دون جهة فلايكون شرقيا و لا غربيا و لا جنوبيا و لا شماليا اذ هو آية الاحد في عالم الاكوان فهو الواحد الذي لايقوم معه احد من الخلق فلايميل الي جهة و حيث و وضع و شئ مما ذكر او لم‌يذكر و لما كان هذا النور المقدس واقفا علي القطب و الوسط علي ما قال عليه السلام نحن ناشئة القطب و اعلام الفلك و لا بدّ بين الروح و البدن من مناسبة فان الارواح بمنزلة المعاني و الالفاظ كالمباني و لا بدّ بينهما من مناسبة تامة كاملة بقدر ما يتيسر فلذلك نقول ان بدنهم العرضي [ص 475] لا بد و ان يكون اعدل جميع الابدان و لكن لايلزم من ذلك ان يكون جميع ابدانهم علي قامة مخصوصة فانهم كانوا مختلفين مسلّما لكن نقول يلزم ان يكون قامتهم معتدلة بحسب اجزاء بدنهم او لايكونون منحرفين في القامة بحسب القيافة كالطويل المفرط و القصير المفرط و كذلك الامر في ساير قيافتهم و لايلزم ايضا ان يكونوا كلهم علي هيئة واحدة فانا علمنا بالضرورة ان ابدانهم كانت متفاوتة و لكنا نريد انهم في ايّ هيئة كانوا لا بدّ من اعتدالهم بحسب القيافة و كذلك بحسب المزاج و بالجملة لا بدّ و ان يكون البدن معتدلا و لست الآن بصدد تفصيله و لايكاد يظهر نورهم الشريف في بدن منحرف و لا بدّ ان يكون طيّب المولد طاهرا من اهل بيت مخصوصين من اصلاب شامخة و ارحام مطهرة و امثال ذلك مما نطق به الاخبار و كتب الاصحاب بها مشحونة و ان شئت فراجع و يكفي هذا القدر من البيان المجمل في الفضايل الكلية .

المقالة الرابعة

في الركن الرابع و الضياء اللامع ، و قد كتبت امر هذا الركن في رسائل اخر مفصلا و مجملا ببراهين قطعية حتي اني كتبت رسالة منفردة في اثبات هذا الركن العظيم و سمّيته بالبرهان و اقمت ادلة كثيرة علي هذا الامر تبلغ ثمانية و عشرين من انواع الادلة و لكن المراد في هذه الرسالة الشريفة بيان رؤس مسائل حكمة مشايخنا و هذه من امهاتها اذكر منها ايضا بقدر ما يقتضيه الحال علي نحو الاجمال و فيها مقامات و خاتمة :

المقام الاول

في اثبات لزوم وجود كبار الشيعة في زمان ظهور الائمة و غيابهم و فيه مطالب :

المطلب الاول

في اثبات لزوم وجودهم بالادلة العقلية الجدلية [ص 476] و قد قدّمنا الادلة العقلية علي الكتاب و السنة لان يكون الطالب علي بصيرة من حقيقة الامر فان النفوس المعتادة بالعلوم تستأنس بها و قبل الاطلاع عليها لايعرف حقيقة المراد و لكن بعد ما خاضت فيها و اطلعت علي ظاهرها و خافيها تقف علي حق المراد فتلتذ من معرفة الاخبار مع ان الادلة التي نستعملها ايضا موزونة بالاخبار و الآثار فكأنها منها الا انها نقلت بالمعني ففي هذا المطلب فصول :

فصل - قد ظهر مما بيّنا من الادلة في اثبات النبوة و الامامة ان الخلق دائما يحتاجون الي حجة من الله يحكم بينهم بالقسط فان علة الحاجة موجودة فيهم دائما و هي جهلهم و نقصهم و الحوادث متجددة دائما و في كل حادثة يحتاجون الي حكم من الله سبحانه و هم بجهلهم لايقتدرون علي معرفة الاحكام و علي فرض وجود حاكم بينهم في زمان لايستغنون عن الحاكم بعده فان الاحكام متجددة بتجدد الحوادث و علي فرض بقاء حكم حجة كما هو في شرع نبينا جميع الرعية لايقدرون علي ضبط الاحكام و حفظ الاخبار و لذلك جعل الله لنبينا بعده حججا و لم‌يوكل الامر الي الجهال ليضيعوا الاحكام مع ان شرعه (ص) باق الي يوم القيمة فاوصياؤه حملة شرعه و قد بيّن حلاله و حرامه و احكامه و شرايعه لاوصيائه و علي فرض بيانه لغيرهم لايقدرون بجهلهم علي استنباط الاحكام من بيانه و ذلك امر مشهود الاتري ان الاخبار اليوم مجتمعة محفوظة و اغلبها مصححة و المقلد لايقدر علي استنباط الاحكام منها و هذا كتاب الله بيّن فيه جميع ما يحتاج اليه الامة و الناس لايقدرون علي فهم احكام الله منه بل نري عيانا ان جميع ملل الاسلام يستدلون بهذا الكتاب علي مذهبهم مع ان الله لم‌يرد من كتابه الا الحق فلا بدّ في جميع الازمنة من حجة لله سبحانه يرجع الناس اليه في الحوادث الواقعة ثم هو ان كان معصوما مطهرا فهو حجة الاصل و الا فهو حجة الفرع و لا بدّ من معصوم يحفظه فاحتياج [ص 477] الناس الي الحجة امر ظاهر و لايرفع حاجتهم بوجود حجةٍ مّا في زمان مّا و كما لايرفع حاجتهم بوجود الحجة الميت كذلك لاترفع بالحجة الغائب فان الغايب و ان كان حيا و في نفسه مؤثرا و لكن الناس الجاهلين لاينتفعون به و لاينتظم امرهم به و ذلك امر ظاهر بيّن و لو كان الغايب يرفع حاجتهم لكانوا يستغنون بالميت ايضا اذ ميت الحجج ليس كساير الاموات و قد قال عليه السلام ان ميتنا اذا مات لم‌يمت و ان قتيلنا اذا قتل لم‌يقتل ، فكانوا ينتفعون بالنبي صلي الله عليه و آله بل كانوا ينتفعون بالله و ذلك محال فلا بدّ من وجود حجة حيّ يعرف حتي يجلس معهم و يبيّن لهم ما يتقون و هذا هو الحجة البالغة فلا بدّ في زمان غيبة الامام من شيعة يقومون بين الناس علي صفات سنذكرها و يقيمون الناس علي صراط مستقيم .

فصل - اعلم ان الامام بنفسه محيط بجميع الخلق و الكل في مرآه و مسمعه و لكن الناس غافلون عنه و لاينتفعون به و اما في عالم الابدان فيظهر كاحد من الناس كما قال الله تعالي قل انما انا بشر مثلكم و البدن البشري في آن واحد لايكون في الشرق و الغرب و لايحيط بالخلق و الكل لايقدرون علي الانتفاع به بل هو واقف في بيت و بلد و الناس في بلادهم و بيوتهم و كل منهم مشتغل بامره و لايدركون امامهم و لايقدر جميعهم علي النفر اليه و سؤاله عن الحكم و الحلال و الحرام فمقتضي السياسة ان يكون له عليه السلام عباد يعينونه في هداية الناس و ابلاغ الاحكام و يرسلهم الي الاطراف لهدايتهم و هم من اكابر الشيعة و لا فرق بين ظهورهم و غيابهم في هذا الامر و سيأتي من الاخبار ما يدل علي ذلك بعد ان شاء الله فمع الامام دايما عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يرسلهم الي الاطراف و يوقفهم في الاكناف يعملون بامره و يمسكون ازمة قلوب اوليائه عن الوقوع في الهلكات و الوغول في الشبهات و ان يصطادهم الشيطان بشبكاته و يوردهم [ص 478] النار بمكائده و هكذا لهم ايضا انواع من الخدمات في الاصقاع و الاكناف كما تري في الظاهر في امر السلاطين و الحكام و كما كان يشاهد في زمانهم فان في الدنيا لايجري الامر بغير هذا الوجه .

فصل - اعلم ان الله سبحانه قد نصب آل‌محمد سلام الله عليهم بين الرعية ليكونوا ادلاء علي مرضاته و دعاة الي طاعته و هداة اليه اذ لم‌يكونوا يعرفون ربهم و لم‌يكونوا يهتدون اليه سبيلا و قد اظهرهم لهم في عالم الاعراض و لكن ذلك كان يمكن في عرصة الابدان العرضية لانهم بالعرض قاموا بين الناس اياما و لكن في عرصة الحقايق بواسطة الارواح التي هي المناط في الواقع لايتيسر ذلك لانهم في غير حيّز الخلق و لم‌يكونوا يهتدون بهم الا بادراكهم و لم‌يكونوا يدركونهم ابدا لان الادراك فرع المناسبة و المجانسة فانه ليس الا الانفعال و الشئ لاينفعل الا عن مصاقعه و مجانسه و اما ما كان مرتفعا عن حيّزه و مقامه او منحطا فلايتأثر منه ابدا كما هو مشهود و لذا لاتري نور الشمس مثلا في الهواء لان الهواء الطف من عينك فلايؤثر فيها و لكن تراها في التراب و الحجر للمناسبة و كذلك الامر في المقام بلا تفاوت فان ارواحهم و ان اشتعلت بنور الله الا انها مستعلية علي ارواحنا فنحن لاننتفع بها و اما الابدان و ان كانت مدركة لنا الا انها عرضية و تنفع الابدان العرضية و كلامنا فوق ذلك فلا بدّ و ان يكون ارواح من صقعنا و عرضنا يقع عليهم نور الله من وجوه آل‌محمد عليهم السلام فنشاهد النور في جباههم و نعبد الله بامتثال اوامره و نواهيه علي حسب ما ادركناه من هذه الارواح فهم السفراء بيننا و بين آل‌محمد و مثلهم فينا كالروح البخاري الحايل بين العقل و البدن فانه لولاه لمااطلع البدن الجسماني علي العقل ابدا فهو الذي يأخذ منه و يؤدي الي ساير البدن و ساير البدن يرجعون اليه في حوائجهم و كذلك الامر في المقام فلا بدّ من وجود رجال بين الائمة في ظهورهم و غيابهم يرجع الناس اليهم و هم يرجعون [ص 479] الي الامام و الناس لما علموا ظاهر الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و رأوا ان الناس في عالم الاعراض ينتفعون بعرضهم بابدان الائمة من دون واسطة يزعمون انه يمكن ذلك في عرصة الحقيقة و ذلك من المحال الاتري انه قد ثبت برواية العامة و الخاصة علي حدّ التواتر من الطرفين ان رسول الله (ص) قال انا مدينة العلم و علي بابها من اراد المدينة فليأتها من بابها ، و مع ذلك كان الناس يستمعون من لسان رسول الله المسائل و الاحكام من دون وساطة علي عليه السلام و لو كان البابية مناطا في الظاهر لكان حريا ان لايسمع احد كلاما من لسانه و هذا خلف فحكم العرض خارج عن محل كلامنا و حكم الحقيقة جارٍ فكل من دخل عليه من بابه انتفع بعلمه قلبا و من اراد ان يأتي المدينة من ظهرها لم‌ينتفع بعلمها و كذلك قوله سلمان باب الله و قوله سلمان باب رسول الله فان الناس في الابدان العرضية و ان كانوا يصغون الي كلام الائمة عليهم السلام و ينتفعون بهم و لكن لم‌يكن ذلك في عرصة الحقايق و بالجملة هذا الكلام ايضا لبيان حال الناس في زمانهم و اما في زماننا فالناس قد منعوا عن مشاهدة الابدان العرضية للائمة ايضا و لايكادون ينتفعون بها لارتفاع حكم العرض و اليوم لا بدّ لهم من السير الطبيعي فجعل الله بينهم و بين القري التي بارك فيها قري ظاهرة و هي الشيعة و امر بالسير فيها فتدبر و اعلم ان انواع الادلة الجدلية كثيرة و لكني اقتصرت علي ثلثة .

المطلب الثاني

في دليل الموعظة الحسنة و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق خلقا في درجات مختلفة فمنهم في غاية القرب الاقرب و بعضهم في غاية البعد الابعد و بعض بين بين و لا شك انه تعالي خلق الجميع للمعرفة و الطاعة و السير اليه سبحانه باقدام الامتثال و لايحصل [ص 480] ذلك علي نحو الكمال الا بان يظهر لهم نور ربهم و الا فلايمكن المعرفة فالاقرب بالعدل و الاولي بالحكمة ان يتجلي سبحانه لهم في الدرجات المختلفة علي حسب درجات خلقه ففي العرش بالعرشية و في الكرسي بالكرسية و هكذا و الاناسي اشرف الخلق و اكرمهم و هم اولي بالتكليف و لايكادون يعرفون ربهم فبالاولي يكون في عالمهم مواضع للنور و مقامات للصفات يظهر فيها نور الله حتي يعرف اهل تلك العرصة ان لهم خالقا رازقا عالما حكيما و هكذا فافهم و تدبر .